← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 18318

الكلام على مسألة السماع

ابن القيم

Полный текст (508 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

والثاني بمنزلة رجل أخذ تلك الأرض، فجعلَها مأوى للسباع والهوامّ ومطرحًا للجِيَفِ والأَنتان، وجعلها معقلًا يأوي [٤٨ ب] إليه كلُّ مفسد ومؤذٍ ولصّ، وأخذ ما أعين به على بذارها وصلاحها، وصرفه معونة ومعيشة لمن فيها من أهل الشر (١) والفساد. والثالث بمنزلة رجل عطَّلها وأهملها وأرسل ذلك الماء ضائعًا في القِفار والصحاري، فقعد مذمومًا محسورًا، فهذا مثال أهل الغفلة، والذي قبله مثال أهل الخيانة والجناية (٢)، والأول مثال أهل اليقظة والاستعداد لما خُلقوا له. فالأول إذا تحرّك أو سكن أو قام أو قعد أو أكل أو شرب أو نام أو لبس أو نطق أو سكت كان ذلك كله له لا عليه، وكان في ذكر وطاعة وقربة ومزيد. والثاني إذا فعل ذلك كان عليه لا له، وكان في طرد وإبعاد وخسران. والثالث إذا فعل ذلك كان في غفلة وبطالة وتفريط. فالأول يتقلب فيما يتقلب فيه بحكم الطاعة والقربة. والثاني يتقلب في ذلك بحكم الخيانة والتعدي، فإن الله لم يُملِّكه ما ملكه ليستعين به على مخالفته، فهو جانٍ متعدٍّ (٣) خائن لله في نعمه،

стр. 177

معاقَبٌ على التنعم بها في غير طاعته. والثالث يتقلب في ذلك ويتناوله بحكم الغفلة ونهمة (١) النفس وطبيعتها، لم يبتغِ (٢) بذلك رضوان الله و التقرب إليه، فهذا خسران بيّن، إذ عطَّل أوقاتَ عمره التي لا قيمة لها عن أفضل الأرباح والتجارات. فدعا الله سبحانه الموحدين إلى هذه الصلوات الخمس رحمةً منه عليهم، وهيّأ لهم فيها أنواعَ العبادة (٣)، لينال العبد من كل قول وفعل وحركة وسكون حظَّه من عطاياه. وكان سرُّ الصلاة ولبُّها إقبال القلب فيها على الله وحضوره بكليته بين يديه ، [٤٩ أ] فإذا لم يُقبل عليه واشتغل بغيره ولها بحديث النفس، كان بمنزلة وافدٍ وفد إلى باب الملك معتذرًا (٤) من خطئه (٥) وزللِه، مستمطرًا لسحائب جوده ورحمته، مستطعمًا له ما يقوت قلبه، ليقوى على القيام في خدمته، فلمّا وصل إلى الباب ولم يبق إلا مناجاة الملك، التفت عن الملك وزاغ (٦) عنه يمينًا وشمالًا (٧) أو ولَّاه ظهره، واشتغل

стр. 178

عنه بأمقت شيء إلى الملك وأقلِّه عنده قدرًا، فآثره عليه، وصيَّره قبلةَ قلبه، ومحلَّ توجهه، وموضع سِرّه، وبعث غلمانه وخَدَمَه ليقفوا في طاعة الملك، ويعتذروا عنه وينوبوا عنه في الخدمة، والملك يشاهد (١) ذلك ويرى حاله، ومع هذا فكرم الملك وجوده وسعة بره وإحسانه يأبى أن ينصرف عنه تلك الخدم (٢) والأتباع إلّا بنصيبها (٣) من رحمته وإحسانه، لكن فرق بين قسمة الغنائم على أهل السُّهمان (٤) من الغانمين وبين الرَّضْخ لمن لا سهمَ له، ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأحقاف: ١٩]. والله سبحانه خلق هذا النوع الإنساني لنفسه، واختصَّه، وخلق له كل شيء، كما في الأثر الإلهي: "ابنَ آدم خلقتُك لنفسي، وخلقت كل شيء لك، فبحقِّي عليك (٥) لا تشتغلْ بما خلقته لك عما خلقتك له" (٦). وفي أثر آخر: "خلقتُك لنفسي فلا تلعبْ، وتكفلتُ برزقك فلا تتعب، ابنَ آدم اطلبني تجِدْني، فإن وجدتني وجدتَ كل شيء، وإن فُتُّك

стр. 179

فاتَك كل شيء، وأنا خير لك من كل شيء" (١). وجعل الصلاة سببًا موصلًا له إلى قربه ومناجاته ومحبته والأنس به، وما بين الصلاتين (٢) تحدثُ له الغفلة والجفوة والإعراض والزلات والخطايا، فيُبعِده ذلك عن ربه، وينحّيه عن قربه، ويصير كأنه أجنبي عن العبودية [٤٩ ب] ليس من جملة العبيد، وربما ألقى بيده إلى أسر العدو، فأسَره وغلَّه وقيّده وحبسَه (٣) في سجن نفسه وهواه، فحظّه ضيق الصدر ومعالجة الهموم والغموم والأحزان والحسرات، ولا يدري السبب في ذلك. فاقتضت رحمة ربه الرحيم أن جعل له من عبوديته عبودية جامعة مختلفة الأجزاء والحالات، بحسب (٤) اختلاف الأحداث التي جاءت من العبد، وبحسب شدة حاجته إلى نصيبه من كل جزء (٥) من أجزاء تلك العبودية. فبالوضوء يتطهر من الأوساخ ويَقدم على ربه متطهرًا، والوضوء له

стр. 180

ظاهر وباطن، فظاهره طهارة البدن وأعضاء العبادة (١)، وباطنه وسرُّه طهارة القلب من أوساخه وأدرانه بالتوبة (٢). ولهذا يقرن سبحانه بين التوبة والطهارة (٣) في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وشرع النبي ﷺ للمتطهر (٤) بعد فراغه (٥) من الوضوء أن يتشهد، ثم يقول: "اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين" (٦)، فكمل له مراتب الطهارة باطنًا وظاهرًا. فإنه بالشهادة يتطهر من الشرك، وبالتوبة يتطهر من الذنوب، وبالماء يتطهر من الأوساخ الظاهرة. فشرع له أكمل (٧) مراتب الطهارة قبل الدخول على الله والوقوف بين يديه، فلما طهر (٨) ظاهرًا وباطنًا أذن

стр. 181

له بالدخول عليه بالقيام بين يديه (١)، فخلص (٢) من الإباق بمجيئه إلى داره ومحل عبوديته. ولهذا كان المجيء إلى المسجد من تمام عبودية الصلاة [٥٠ أ] الواجبة عند قوم، والمستحبة عند آخرين، والعبد كان في حال غفلته كالآبق عن (٣) ربه، وقد عطَّل جوارحه وقلبه عن الخدمة التي خلق لها، فإذا جاء إليه فقد رجع من إباقه، فإذا وقف بين يديه موقف العبودية والتذلل والانكسار، فقد استدعى عطف سيده عليه وإقباله عليه بعد الإعراض. وأمر بأن يستقبل (٤) بيته الحرام بوجهه، ويستقبل الله عزوجل بقلبه، لينسلخ مما كان فيه من التولي والإعراض، ثم قام بين يديه مقام الذليل (٥) الخاضع المسكين المستعطف لسيده، وألقى بيديه مسلمًا مستسلمًا ناكسَ الرأس خاشعَ القلب مُطرِقَ الطرف، لا يلتفت قلبه عنه ولا طرفُه يمنةً ولا يسرةً، بل قد توجه بقلبه كله إليه، وأقبل بكليته عليه. ثم كبَّره بالتعظيم والإجلال، وواطأ قلبُه في التكبير لسانَه، فكان الله

стр. 182

أكبرَ في قلبه من كل شيء، وصدَّقَ هذا التكبير (١) بأنه لم يكن في قلبه شيء أكبر من الله يشغله عنه، فإذا اشتغل عن الله بغيره وكان ما اشتغل به أهمَّ عنده من الله كان تكبيره بلسانه دون قلبه، فالتكبير يُخرِجه من لُبْسِ رداء التكبر (٢) المنافي للعبودية، ويمنعه من التفات قلبه إلى غير الله، إذ (٣) كان الله عنده وفي قلبه أكبر من كل شيء، فمنعَه حقُّ قوله "الله أكبر" والقيام بعبودية التكبير (٤) عن هاتين الآفتين، اللتين هما من أعظم الحجب بينه وبين الله. فإذا قال: "سبحانك اللهم وبحمدك"، وأثنى على الله بما هو أهله، فقد خرج عن الغفلة التي هي حجاب أيضًا بينه وبين الله، وأتى بالتحية والثناء الذي [٥٠ أ] يخاطب به الملك عند الدخول عليه تعظيمًا له (٥) وتمجيدًا ومقدمةً بين يدَيْ حاجته، فكان في هذا الثناء من أدب العبودية وتعظيم المعبود (٦) ما يستجلب به إقباله عليه ورضاه عنه وإسعافه بحوائجه. فإذا شرع في القراءة قدَّم أمامها الاستعاذةَ بالله من الشيطان، فإنه أحرص ما يكون على العبد في مثل هذا المقام الذي هو أشرف مقاماته

стр. 183

وأنفعها له في دنياه وآخرته، فهو أحرص شيء على صرفه عنه واقتطاعه دونه بالبدن والقلب، فإن عجز عن اقتطاعه وتعطيله عنه بالبدن اقتطع قلبه وعطَّله عن القيام بين يدي الرب تعالى، فأمر العبد بالاستعاذة بالله منه ليسلم له مقامه بين يدي ربه، وليحيا قلبه ويستنير بما يتدبره ويتفهمه من كلام سيده الذي هو سبب حياته ونعيمه وفلاحه، فالشيطان أحرص (١) على اقتطاع قلبه عن مقصود (٢) التلاوة. ولما علم سبحانه جِدَّ العدو وتفرغَه للعبد وعَجْز العبد عنه، أمره بأن يستعيذ به سبحانه ويلتجئ إليه في صرفه عنه، فيُكْفَى (٣) بالاستعاذة مؤونةَ محاربته ومقاومتهِ، فكأنه قيل له: لا طاقةَ لك بهذا العدو، فاستعذْ بي واستجرني أَكْفِكَه وأمنعْك منه. وقال لي شيخ الإسلام (٤) قدس الله روحه يومًا: "إذا هاشَ عليك كلبُ الغنم فلا تشتغل بمحاربته ومدافعته، وعليك بالراعي فاستغِثْ به، فهو يَصرِف عنك الكلب". فإذا استعاذ بالله من الشيطان بَعُد منه، فأفضى القلب إلى معاني القرآن، ووقع في رياضه المؤنقة، وشاهد عجائبه التي تَبْهَر العقول،

стр. 184

واستخرج [٥١ أ] من كنوزه وذخائره ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، وكان الحائل بينه وبين ذلك النفس والشيطان، والنفس (١) فمنفعلةٌ (٢) للشيطان سامعة منه، فإذا بَعُد عنها وطُرِد لَمَّ بها الملَكُ وثبَّتها وذكَّرها بما فيه سعادتها ونجاتها. فإذا أخذ في قراءة القرآن فقد قام في مقام مخاطبة ربه ومناجاته، فليحذر كل الحذر من التعرض لمقته وسخطه أن يناجيه ويخاطبه وهو مُعرِض عنه، ملتفتٌ إلى غيره، فإنه يستدعي بذلك مقتَه، ويكون بمنزلة رجل قرَّبه ملِكٌ من ملوك الدنيا، فأقامه بين يديه، فجعل يخاطب الملك وقد ولَّاه قفاه أو التفت عنه بوجهه يَمنةً ويسرةً، فما الظن بمقت الملك لهذا؟ فما الظن بالملك الحق المبين الذي هو رب العالمين وقيوم السموات والأرضين (٣)؟ وليقف عند كل آية من الفاتحة وقفةً (٤) ينتظر جواب ربه له (٥)، وكأنه سمعه (٦) يقول: حمدني عبدي حينما (٧) يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ

стр. 185

الْعَالَمِينَ﴾، فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وقف لحظةً ينتظر قوله: أثنى عليَّ عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، انتظر قوله: مجَّدني عبدي، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ انتظر قوله: هذا (١) بيني وبين عبدي، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخرها انتظر قوله: هؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل (٢). ومن ذاق طعمَ الصلاة علم أنه لا يقوم غير التكبير والفاتحة مقامهما، كما لا يقوم غير القيام والركوع والسجود مقامها، فلكل عبودية من عبودية الصلاة سرٌّ وتأثير وعبوديةٌ [٥١ ب] لا تحصل من غيرها، ثم لكل آية من آيات الفاتحة عبودية وذوق ووَجْدٌ يخصها. فعند قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تجد تحت هذه الكلمة إثباتَ كل كمال للرب تعالى فعلًا ووصفًا واسمًا، وتنزيهه عن كل سوء وعيب فعلًا ووصفًا واسمًا، فهو محمود في أفعاله وأوصافه وأسمائه، منزَّهٌ عن العيوب والنقائص في أفعاله وأوصافه وأسمائه، فأفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة وعدل لا تخرج عن ذلك، وأوصافه كلها (٣) أوصاف كمال (٤) ونعوت جلال، وأسماؤه كلها حسنى، وحمده قد ملأ

стр. 186

الدنيا والآخرة والسموات والأرض وما بينهما وما فيهما، فالكون كله ناطق بحمده، والخلق والأمر صادر عن حمده وقائم بحمده ووُجِد بحمده، فحمده هو سبب وجود كل موجود، وهو غاية كل موجود، وكلُّ موجود شاهد بحمده، وإرساله رسلَه (١) بحمده، وإنزاله كتبه بحمده، والجنة عمرتْ بأهلها بحمده، والنار عمرتْ بأهلها بحمده (٢)، وما أُطِيعَ إلا بحمده، ولا (٣) عُصي إلا بحمده، ولا تسقط ورقة إلا بحمده، ولا يتحرك في الكون ذرة إلا بحمده. وهو المحمود لذاته، وإن لم يحمده العباد (٤)، كما أنه (٥) الواحد الأحد ولو لم يُوحِّده العباد، والإله الحق وإن لم يُؤلِّهوه (٦)، وهو سبحانه الذي حَمِد نفسَه على لسان القائل: الحمد لله رب العالمين، كما قال النبي ﷺ : "إن الله تعالى قال على لسان نبيه: سمع الله لمن حمده" (٧). فهو الحامد لنفسه في الحقيقة على لسان عبده، فإنه الذي أجرى الحمد على لسانه وقلبه، وإجراؤه بحمده، [٥٢ أ] فله الحمد كله،

стр. 187

وله الملك كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، فهذه المعرفة من عبودية الحمد. ومن عبوديته أيضًا أن يعلم أن حمده لربه سبحانه نعمة منه عليه، يستحق عليها الحمدَ، فإذا حمده على هذه النعمة استوجب عليه حمدًا آخر على نعمة حمده، وهلمَّ جرًّا. فالعبد ولو استنفد أنفاسَه كلَّها في حمده على نعمة من نعمه، فإنّ (١) ما يجب له من الحمد ويستحقه فوق ذلك وأضعافه، ولا يُحصِي أحد البتة ثناءً عليه بمحامده. ومن عبودية العبد شهودُ العبد لعجزه عن الحمد، وأن ما قام به منه فالرب سبحانه هو المحمود عليه، إذ هو مُجرِيه على لسانه وقلبه. ومن عبوديته تسليط الحمد على تفاصيل أحوال العبد (٢) كلها ظاهرةً وباطنةً على ما يحب العبد وما يكرهه (٣)، فهو سبحانه المحمود على ذلك كله في الحقيقة، وإن غاب عن شهود العبد. ثم لقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ من العبودية شهود تفرده سبحانه بالربوبية، وأنه كما أنه رب العالمين وخالقهم ورازقهم ومُدبِّر أمورهم ومُوجِدهم ومُفنِيهم، فهو وحده إلههم ومعبودهم وملجأهم ومفزعهم (٤)

стр. 188

عند النوائب، فلا ربَّ غيره، ولا إلهَ سواه. ولقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ عبودية تخصها، وهي شهود عموم رحمته، وسعتها لكل شيء، وأخْذ كل موجود بنصيبه منها، ولا سيما الرحمة الخاصة (١) التي أقامت عبده بين يديه في خدمته، يناجيه بكلامه ويتملَّقه ويسترحمه ويسأله هدايته ورحمته، وإتمامَ (٢) نعمته عليه، فهذا من رحمته بعبده، فرحمتُه وسعتْ كلَّ شيء، كما أن حمده وسعَ كل شيء. ثم يعطي قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [٥٢ ب] عبوديتها، ويتأمل تضمنها لإثبات المعاد، وتفرد الرب فيه بالحكم بين خلقه، وأنه (٣) يوم يدين فيه العباد بأعمالهم في الخير والشر، وذلك من (٤) تفاصيل حمده وموجبه. ولما كان قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إخبارًا عن حمده تعالى قال الله: حمدني عبدي، ولما كان قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إعادةً وتكريرًا لأوصاف كماله قال: أثنى عليَّ عبدي، فإن الثناء إنما يكون بتكرار المحامد وتعداد أوصاف المحمود، ولما وصفه سبحانه بتفرده

стр. 189

بملك يوم الدين وهو الملك الحق المتضمن لظهور عدله وكبريائه وعظمته ووحدانيته وصدق رسله، سمَّى هذا الثناء مجدًا، فقال: مجَّدني عبدي، فإن التمجيد هو الثناء بصفات العظمة والجلال. فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ انتظرَ جواب ربه له: هذا (١) بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، وتأملَ عبوديةَ هاتين الكلمتين وحقوقهما، وميَّز بين (٢) الكلمة التي لله والكلمة التي للعبد، وفَقِهَ سرّ كون إحداهما لله والأخرى للعبد، وميَّزَ بين التوحيد الذي تقتضيه كلمة "إياك نعبد" والتوحيد الذي تقتضيه كلمة "إياك نستعين"، وفَقِهَ سرَّ كون هاتين الكلمتين في وسط السورة بين نوعي الثناء قبلهما والدعاء بعدهما، وفَقِهَ تقديم "إياك نعبد" على "إياك نستعين"، وتقديم المعمول على الفعل (٣) مع أنَّ الإتيان به مؤخرًا أوجز وأخصر، وسر إعادة الضمير مرة بعد مرة، وعلمَ ما تدفع كل واحدة من الكلمتين من الآفة المنافية للعبودية، وكيف تُدخِله الكلمتان في صريح العبودية، [٥٣ أ] و (٤) كيف يدور القرآن من أوله إلى آخره على هاتين الكلمتين، بل كيف يدور (٥) عليهما الخلق والأمر والثواب والعقاب والدنيا والآخرة، وكيف

стр. 190

تضمنتا لأجلِّ الغايات وأكمل الوسائل، وكيف جيء (١) بهما بضمير الخطاب والحضور دون ضمير الغائب. وهذا موضع (٢) يستدعي كتابًا كبيرًا، ولولا الخروج عما نحن بصدده لأوضحناه وبسطنا القول فيه، فمن أراد الوقوف عليه (٣) فقد ذكرناه في كتاب "مراحل السائرين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين" (٤)، وفي كتاب "الرسالة المصرية" (٥). ثم يتأمَّل (٦) ضرورته وفاقته إلى قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ الذي مضمونه معرفة الحق وقصده وإرادته والعمل به والثبات عليه والدعوة إليه والصبر على أذى (٧) المدعو، فباستكمال هذه المراتب الخمس تستكمل الهداية، وما نقص منها نقص من هدايته. ولما كان العبد مفتقرًا إلى هذه الهداية في ظاهره وباطنه في جميع ما يأتيه ويذره:

стр. 191

من أمورٍ قد فعلها على غير الهداية علمًا وعملًا وإرادةً (١)، فهو محتاج إلى التوبة منها (٢)، وتوبته منها من الهداية (٣). وأمور قد هُدي إلى أصلها دون تفصيلها، فهو محتاج إلى هداية تفاصيلها (٤). وأمورٍ قد هُدي إليها (٥) من وجه دون وجه، فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها، ليتمَّ له الهداية ويزداد (٦) هدى إلى هداه. وأمور يحتاج فيها إلى أن يحصل له (٧) من الهداية في مستقبلها مثل ما حصل له في ماضيها. وأمورٍ هو خالٍ عن اعتقادٍ فيها، فهو محتاج إلى الهداية فيها اعتقادًا (٨). وأمور يعتقد فيها خلاف (٩) ما هي عليه، فهو محتاج إلى هداية

стр. 192

تنسخ [٥٣ ب] من قلبه ذلك الاعتقاد، وتُثبِت فيه ضدَّه. وأمور من الهداية هو قادر عليها، ولكن (١) لم يخلق له إرادة فعلها، فهو محتاج في تمام الهداية إلى خلق إرادة يفعلها بها. وأمور منها هو غير قادر على فعلها مع كونه مريدًا، فهو محتاج في هدايته إلى إقداره عليها. وأمور منها هو غير قادر عليها ولا مريد لها فهو محتاج إلى خلق القدرة والإرادة له لتتم له الهداية. وأمور هو قائم بها على وجه الهداية اعتقادًا وإرادة وعملًا، فهو محتاج إلى الثبات عليها واستدامتها. = كانت حاجته (٢) إلى سؤال الهداية أعظم الحاجات، وفاقته إليها أشد الفاقات، ففرضَ عليه الرب الرحيم هذا السؤال كل يوم وليلة في أفضل أحواله وهي الصلوات الخمس مراتٍ متعددة، لشدة ضرورته وفاقته إلى هذا المطلوب (٣)، ثم بيَّن أن سبيل أهل هذه الهداية مغاير لسبيل أهل الغضب وأهل الضلال، فانقسم الخلق إذن ثلاثة أقسام بالنسبة إلى هذه الهداية:

стр. 193

مُنعَمٌ عليه بحصولها واستمرارها، وحظّه (١) من النعم (٢) بحسب حظه من تفاصيلها وأقسامها. وضالٌّ لم يُعطَ هذه الهداية ولم يُوفَّق لها. ومغضوب عليه عرفَها ولم يُوفَّق للعمل بموجبها. فالأول المنعم عليه قائم بالهدى ودين الحق علمًا وعملًا، والضالّ منسلخٌ عنه علمًا وعملًا، والمغضوب عليه عارفٌ به علمًا، منسلخ منه عملًا (٣)، والله الموفق للصواب. ولولا أنَّ المقصود التنبيه على المضادَّة والمنافرة التي [٥٤ أ] بين ذوق الصلاة وذوق السماع، لبسطنا هذا الموضع بسطًا شافيًا، ولكن لكل مقام مقال، فلنرجع إلى المقصود. فشرع له التأمين عند هذا الدعاء تفاؤلًا بإجابته وحصوله، وطابعًا عليه وتحقيقًا له، ولهذا اشتدَّ حسد اليهود للمسلمين عليه حين سمعوهم (٤) يجهرون به في صلاتهم. ثمَّ شرع له رفع اليدين عند الركوع تعظيمًا لأمر الله، وزينةً للصلاة، وعبوديةً خاصة لليدين كعبودية باقي الجوارح، واتباعًا لسنة رسول الله

стр. 194

- ﷺ ، فهو حلية الصلاة، وزينتها، وتعظيم لشعائرها. ثمّ شرع له التكبير الذي هو (١) في انتقالات الصلاة من ركن إلى ركن، كالتلبية في انتقالات الحاج من مشعر إلى مشعر، فهو شعار الصلاة، كما أنَّ التلبية شعار الحج، ليعلم العبد أنَّ سرّ الصلاة هو تعظيم الرب تعالى وتكبيره بعبادته وحده. ثمّ شرع له أن (٢) يخضع للمعبود سبحانه بالركوع خضوعًا لعظمته واستكانةً لهيبته وتذللًا لعزته، فثنَى العبد له صلبه، ووضع له قامتَه، ونكَّس له رأسه، وحنى له ظهره، معظمًا له ناطقًا بتسبيحه المقترن (٣) بتعظيمه، فاجتمع له خضوع القلب وخضوع الجوارح وخضوع القول، على أتم الأحوال، وجمع له في هذا الذكر بين الخضوع (٤) والتعظيم لربه والتنزيه له عن خضوع العبيد، وأن الخضوع وصف العبد، والعظمة وصف الرب. وتمام عبودية الركوع أن يتصاغر العبد ويتضاءل بحيث يمحو تصاغُره (٥) كلَّ تعظيم منه لنفسه، ويُثبِت مكانه تعظيمَه [٥٤ ب] لربه، وكلما استولى على قلبه تعظيمُ الرب ازداد تصاغره هو عند نفسه،

стр. 195

فالركوع للقلب بالذات والقصد، وللجوارح بالتبع والتكملة. ثمّ شرع له أن يحمد ربه ويثني عليه بآلائه عند اعتداله وانتصابه، ورجوعه إلى أحسن هيأته منتصبَ القامة معتدلَها، فيحمد ربه ويثني عليه بأن وفَّقه لذلك الخضوع. ثمّ نقله منه إلى مقام الاعتدال والاستواء بين يديه، واقفًا في خدمته، كما كان في حال القراءة. ولهذا شرع له من الحمد والثناء والمجد نظير ما شرع له في حال القراءة (١) من (٢) ذلك. ولهذا (٣) الاعتدال ذوق خاص وحال يحصل للقلب سوى ذوق الركوع وحاله، وهو ركن مقصود لذاته، كركن الركوع و السجود سواء، ولهذا كان رسول الله ﷺ يُطيله كما يُطيل الركوع والسجود، ويكثر فيه من الثناء والحمد والتمجيد كما ذكرناه في هديه (٤) ﷺ ، وكان في قيام الليل يُكثِر فيه من قول: "لربّي الحمد، لربّي الحمد" (٥)، يكررها. ثمّ شرع له أن يكبّر ويَخِرَّ ساجدًا، ويُعطي في سجوده كل عضو من أعضائه حظه من العبودية، فيضع ناصيته بالأرض بين يدي ربه مسندةً،

стр. 196

راغمًا له أنفه خاضعًا له قلبه (١)، ويضع أشرفَ ما فيه وهو وجهه بالأرض ولاسيما على التراب (٢)، مُعفِّرًا له بين يدي سيده، راغمًا له أنفه، خاضعًا له قلبه وجوارحه، متذللًا لعظمته، خاضعًا لعزته (٣)، مستكينًا (٤) بين يديه، أذلَّ شيء وأكسرَه لربه تعالى، مسبِّحًا له بعلوِّه في أعظم سفوله (٥)، قد صارت أعاليه ملويَّة (٦) لأسافله ذلًّا وخضوعًا وانكسارًا، وقد طابق [٥٥ أ] قلبه حال جسمه، فسجد القلب كما سجد الوجه، وقد سجد معه أنفه ويداه وركبتاه ورجلاه، وشرع له أن يُقِلَّ فخذيه عن ساقيه، وبطنَه عن فخذيه، وعضديه عن جنبيه، ليأخذ كل جزء منه حظَّه من الخضوع، ولا يحمل بعضه بعضًا، فأحْرِ به (٧) في هذه الحال أن يكون أقربَ إلى ربه منه في غيرها من الأحوال، كما قال النبي ﷺ : "أقربُ ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" (٨). ولما كان سجود القلب خضوعه التام لربه أمكنه استدامة هذا السجود إلى يوم اللقاء (٩). كما

стр. 197

قيل لبعض السلف (١): هل يسجد القلب؟ قال: إي والله! سجدة لا يرفع رأسه منها حتى يلقى الله. ولما بنيت الصلاة على خمس: القراءة والقيام والركوع والسجود والذكر، سُمِّيت باسم كل واحد من هذه الخمس، فسميت قيامًا كقوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢]، وقوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وقراءةً كقوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، وركوعًا كقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]، وسجودًا كقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨]، وقوله: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، وذكرًا كقوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وقوله: ﴿لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٩]. وأشرف أفعالها السجود، وأشرف أذكارها القراءة، وأول سورة أنزلت على النبي ﷺ [٥٥ ب] افتتحت بالقراءة (٢) وختمت بالسجود، ووضعت الركعة على ذلك، أولها قراءة وآخرها سجود.

стр. 198

ثمّ شرع له أن يرفع رأسه ويعتدل جالسًا، ولما كان هذا الاعتدال (١) محفوفًا بسجودين: سجود قبله وسجود بعده، فينتقل من السجود إليه ثمّ منه إلى السجود، كان (٢) له شأن. فكان رسول الله ﷺ يُطيله بقدر السجود، ويتضرع فيه (٣) إلى ربه ويستغفره، ويسأله رحمته وهدايته ورزقه وعافيته (٤)، وله ذوق خاص وحال للقلب غير ذوق السجود وحاله، فالعبد في هذا القعود قد تمثَّل جاثيًا بين يدي ربه، مُلقيًا نفسه بين يديه، معتذرًا إليه مما جناه، راغبًا إليه أن يغفر له ويرحمه مستعديًا على نفسه الأمَّارة بالسوء. وكان النبي ﷺ يكرر الاستغفار (٥)، في هذه القعدة، ويكثر رغبته (٦) إلى الله فيها. فمثِّلْ نفسَك بمنزلة غريمٍ عليه حق الله وأنت كفيل به، والغريم مماطلٌ (٧) مخادع، وأنت مطلوب بالكفالة، والغريم مطلوب بالحق، فأنت تستعدي عليه حتى تستخرج ما عليه من الحق لتتخلص من

стр. 199

المطالبة. والقلب شريك النفس في الخير (١) والشر والثواب والعقاب والحمد والذم، والنفس من شأنها الإباق والخروج من رِقّ العبودية، وتضييع حقوق الله التي قبلها، والقلب شريكها إن قوي سلطانها وأسيرها، وهي شريكه وأسيره إن قوي سلطانه. فشرع للعبد إذا رفع رأسه من السجود أن يجثو بين يدي الله [٥٦ أ] مستعديًا على نفسه، معتذرًا إلى ربه مما كان منها، راغبًا إليه أن يرحمه ويغفر له ويهديه ويرزقه ويعافيه. وهذه الخمس هي جماع (٢) خير الدنيا والآخرة، فإنَّ العبد محتاج بل مضطرٌّ إلى تحصيل مصالحه في الدنيا وفي الآخرة، ودفع المضارِّ عنه في الدنيا والآخرة، وقد تضمنها هذا الدعاء، فإنَّ الرزق يَجلِبُ له مصالحَ دنياه، والعافية تدفع عنه (٣) مضارَّها، والهداية تَجلِب له مصالحَ (٤) أخراه، والمغفرة تدفع عنه مضارَّها، والرحمة تجمع ذلك كله. وشرع له أن يعود ساجدًا كما كان، ولا يكتفي منه بسجدة واحدة في الركعة كما اكتفى منه بركوع واحد، لفضل السجود وشرفه وموقعه من الله، حتى إنَّه أقرب ما يكون إلى عبده وهو ساجد، وهو أدخل في

стр. 200

العبودية وأعرقُ (١) فيها من غيره، ولهذا جُعِل خاتمة الركعة، وما قبله كالمقدمة بين يديه، فمحلُّه من الصلاة محل طواف الزيارة، وما قبله (٢) من التعريف وتوابعه مقدمات بين يديه، وكما أنَّه أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فكذلك أقرب ما يكون منه في المناسك وهو طائف. ولهذا قال بعض الصحابة (٣) لمن كلمه في طوافه بأمر من الدنيا: "أتقول هذا ونحن نتراءى لله في طوافنا؟ ". ولهذا والله أعلم جعل الركوع قبل السجود تدريجًا وانتقالًا من الشيء إلى ما هو أعلى منه. وشرع له تكرير هذه الأفعال والأقوال، إذ هي غذاء القلب والروح التي لا قِوامَ لهما (٤) إلَّا بها، فكان [٥٦ ب] تكريرها بمنزلة تكرير الأكل حتى يُشبِع، والشرب حتى يُروِي، فلو تناول الجائع لقمة واحدة وأقلع عن (٥) الطعام، ماذا كانت تُغني عنه؟ ولهذا قال بعض السلف (٦): "مثل الذي يصلي ولا يطمئن في صلاته كمثل الجائع، إذا قُدِّم إليه طعام فتناول منه لقمةً أو لقمتين، ماذا

стр. 201

تُغنِي عنه؟ ". هذا (١)، وفي إعادة كل قول أو فعل من العبودية والقرب، وتنزيل الثانية منزلة الشكر على الأولى، وحصول مزيدٍ منها ومعرفةٍ وإقبالٍ وقوة قلب وانشراح صدر وزوال دَرَنٍ (٢) ووسخٍ عن القلب، بمنزلة غسل (٣) الثوب مرة بعد مرة، فهذه حكمة الله التي بهرت العقول في خلقه وأمره، ودلَّت على (٤) كمال رحمته ولطفه. فلما قضى صلاته وأكملها ولم يبقَ إلا الانصراف منها، شرع له الجلوس بين يدي ربه، مُثنيًا عليه بأفضل التحيات التي لا تصلح إلا له، ولا تليق بغيره. ولما كان عادة الملوك أن يُحيَّوا بأنواع التحيات من الأفعال والأقوال المتضمنة للخضوع والثناء وطلب البقاء ودوام الملك، فمنهم من يُحيَّى بالسجود، ومنهم من يُحيَّى بالثناء عليه (٥)، ومنهم من يُحيَّى بطلب البقاء والدوام له، ومنهم من يُجمع له ذلك كله، فكان الملك الحق (٦) سبحانه أولى بالتحيات كلها من جميع خلقه، وهي له

стр. 202

بالحقيقة، ولهذا فُسِّرت التحيات بالملك، وفسرت بالبقاء والدوام، وحقيقتها ما ذكرته، وهي تحيات الملك، فالملك الحق المبين أولى بها. فكل تحية يُحيَّى بها ملِكٌ من سجود أو ثناء أو بقاء ودوام فهي لله عزوجل، ولهذا أتى بها مجموعةً معرَّفةً باللام إرادةَ (١) العموم، وهي جمع تحية، وهي تفعلة من الحياة، وأصلها تَحيِيَة بوزن [٥٧ أ] تكرِمة، ثمّ أُدغِم أحد المثلين في الآخر فصارت تحيَّة، وإذا كان أصلها من الحياة فالمطلوب (٢) بها لمن يُحيَّا بها دوام الحياة. وكانوا يقولون لملوكهم: لك الحياة الباقية، ولك الحياة الدائمة، وبعضهم يقول: عشرة آلاف سنة، واشتقَّ منها: أدام الله أيامك، وأطال الله بقاءك، ونحو ذلك مما يراد به دوام الحياة والملك، وذلك لا ينبغي إلا للحي الذي لا يموت، وللملك الذي كل مُلكٍ زائل غير ملكه. ثمّ عطف عليها "الصلوات" بلفظ الجمع والتعريف، ليشمَل (٣) كلَّ ما أطلق عليه لفظ الصلاة خصوصًا وعمومًا، فكلها لله، لا تنبغي إلا له، فالتحيات له ملكًا، والصلوات له عبوديةً واستحقاقًا، فالتحيات لا تكون إلا له (٤)، والصلوات لا تنبغي إلا له.

стр. 203

ثمّ عطف عليها "الطيبات" كذلك، وهذا يتناول أمرين: الوصف والملك. فأما الوصف فإنَّه سبحانه طيب، وكلامه طيب، وفعله كله طيب، ولا يصدر منه إلا الطيب، ولا يضاف إليه إلا الطيب، ولا يصعد إليه إلا الطيب، فالطيبات له وصفًا وفعلًا وقولًا ونسبةً، وكل طيب مضاف إليه، وكل مضاف إليه طيب، فله الكلمات (١) الطيبات والأفعال الطيبات، وكل مضاف إليه كبيته (٢) وعبده وروحه وناقته وجنته فهي طيبات. وأيضًا فمعاني (٣) الكلمات الطيّبات لله وحده، فإن الكلمات الطيبات تتضمن تسبيحه وتحميده وتكبيره وتمجيده والثناء عليه بآلائه وأوصافه، فهذه الكلمات الطيبات التي يُثنَى عليه بها ومعانيها له وحده لا يَشرَكُه (٤) فيها غيره، كسبحانك اللهمَّ وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، ونحو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ونحو سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم. [٥٧ ب] فكل طيب فله وعنده ومنه وإليه، وهو طيب لا يقبل إلا طيبًا، وهو إله الطيبين، وجيرانُه في دار كرامته هم الطيبون.

стр. 204

فتأملْ أطيبَ الكلمات بعد القرآن كيف لا تنبغي إلا لله، وهي: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله". فإن "سبحان الله" تتضمن تنزيهه عن كل نقص وعيب وسوء، وعن (١) خصائص المخلوقين وشبههم. و"الحمد لله" تتضمن إثبات كل كمال له قولًا وفعلًا ووصفًا، على أتمِّ الوجوه وأكملها أزلًا وأبدًا. و"لا إله إلا الله" تتضمن انفراده بالإلهية، وأن كل معبود سواه فباطل، وأنه وحده الإله الحق، وأنه من تألَّه غيرَه فهو بمنزلة من اتخذ بيتًا من بيوت العنكبوت يأوي إليه ويسكنه. و"الله أكبر" تتضمن أنه أكبر من كل شيء وأجلُّ وأعظم وأعز وأقوى وأقدر وأعلم وأحكم. فهذه الكلمات الطيبات لا تصلح هي ومعانيها إلا لله وحده. ثم شرع له أن يُسلِّم على عباد الله الذين اصطفى بعد تقدّم الحمد والثناء عليه بما هو أهله، فطابق ذلك قوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]، وكأنه امتثال له. وأيضًا فإن هذا (٢) تحية المخلوق، فشُرعت بعد تحية الخالق، وقدّم في هذه التحية أولى الخلق بها، وهو النبي ﷺ الذي نالت أمته على يده (٣) كلَّ خير، وعلى نفسه بعده، وعلى سائر عباد الله الصالحين، وأخصهم بهذه التحية الأنبياء، ثم أصحاب

стр. 205

رسول الله ﷺ ، مع عمومها لكل عبدٍ لله صالحٍ في الأرض والسماء. ثم شرع له بعد ذكر (١) هذه [٥٨ أ] التحية والتسليم على مَن يستحق التسليم خصوصًا وعمومًا أن يشهد شهادة الحق التي بُنِيت عليها الصلاة، وهي حق من حقوقها، ولا تنفعه إلا بقرينتها وهي الشهادة (٢) لرسول الله بالرسالة، وختمت بها الصلاة، كما قال عبد الله بن مسعود: "فإذا قلتَ ذلك فقد (٣) قضيتَ صلاتك، فإن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد" (٤). وهذا إمّا (٥) أن يُحمل على قضاء الصلاة حقيقةً كما يقوله الكوفيون، أو على مقاربة انقضائها ومشارفته كما يقوله أهل الحجاز وغيرهم، وعلى التقديرين فجُعلت شهادةُ الحق خاتمةَ الصلاة كما شرع أن تكون خاتمة الحياة، فمَن كان آخر كلامه "لا إله إلا الله" دخل الجنة (٦)، وكذلك شرع للمتوضئ أن يختم وضوءه بالشهادتين (٧).

стр. 206

ثم لما قضى صلاته أذن له أن يسأل حاجته، وشرع له أن يتوسل قبلها بالصلاة على النبي ﷺ ، فإنها من أعظم الوسائل بين يدي الدعاء، كما في السنن عن فضالة بن عبيد أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دعا أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه، وليصلِّ على رسوله، ثم ليسلْ حاجته" (١). فجاءت التحيات على ذلك، أولها حمدُ الله والثناء عليه، ثمّ الصلاة على رسوله (٢)، ثم الدعاء آخر الصلاة، وأذن النبي ﷺ للمصلي بعد الصلاة عليه أن يتخير من الدعاء أعجبَه إليه (٣)، ونظير هذا ما شرع لمن سمع (٤) المؤذن أن يقول كما يقول (٥)، وأن يقول: "رضيتُ بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمدٍ ﷺ رسولًا" (٦)، وأن يسألَ الله لرسوله الوسيلةَ والفضيلةَ (٧)، وأن يبعثَه المقامَ المحمود (٨)، [٥٨ ب] ثم يصلّي عليه (٩)، ثم يسألَ حاجته (١٠).

стр. 207

فهذه خمسُ سننٍ في إجابة المؤذن، لا ينبغي الغفلةُ عنها. فصل وسرُّ الصلاة وروحُها ولبُّها هو إقبالُ العبد (١) على الله بكلّيته، فكما أنه لا ينبغي له أن يَصرِفَ وجهه عن قبلة الله يمينًا وشمالًا، فكذلك لا ينبغي له (٢) أن يَصرِفَ (٣) قلبه عن ربه إلى غيره؛ فالكعبة التي هي بيت الله قبلةُ وجهه وبدنه، ورب البيت ﵎ هو قبلة قلبه وروحه، وعلى حسب إقبال العبد على الله في صلاته يكون إقبال الله عليه، وإذا أعرض أعرض الله (٤) عنه. وللإقبالِ (٥) في الصلاة ثلاثُ منازلَ: إقبالٌ على قلبه، فيحفظه من الوساوس والخطراتِ المبطلةِ (٦) لثواب صلاته أو المُنقِصَة له، وإقبالٌ

стр. 208

على الله بمراقبتِه حتى كأنه يراه، وإقبالٌ على معاني كلامه وتفاصيل عبوديةِ الصلاة ليُعطِيها حقَّها، فباستكمالِ (١) هذه المراتب الثلاث تكون إقامةُ الصلاة حقًّا، ويكون إقبالُ الله على عبده بحسب ذلك. فإذا انتصب العبد قائمًا بين يديه (٢) فإقباله على قيوميته وعظمته، وإذا كبَّر فإقباله على كبريائه، فإذا سبَّحه وأثنى عليه فإقباله على سُبُحاتِ وجهه، وتنزيهِه عما لا يليق به، والثناءِ عليه بأوصاف كماله (٣)، فإذا استعاذ به فإقباله على ركنِه الشديد وانتصارِه لعبده ومَنْعِه له وحفظِه من عدوه، فإذا تلا كلامه فإقباله على معرفته من كلامه، حتى كأنه يراه ويشاهده في كلامه، فهو كما قال بعض السلف: "لقد تجلَّى الله لعباده في كلامه". فهو في هذه الحال مُقبِلٌ على ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه. فإذا ركع [٥٩ أ] فإقباله على عظمته وجلاله وعزِّه، ولهذا شرع له أن يقول: سبحان ربي العظيم. فإذا رفع رأسه من الركوع فإقباله على حمده والثناءِ عليه وتمجيدِه وعبوديتِه له وتفردِه بالعطاء والمنع. فإذا سجدَ فإقبالُه على قربه والدنوِّ منه والخضوع له والتذلُّلِ بين يديه والانكسار والتملُّق. فإذا رفع رأسه وجَثَا على ركبتيه فإقباله على غناه وجوده وكرمِه، وشدّة حاجته إليه، وتضرعه بين يديه والانكسار (٤)، أن يغفر له

стр. 209

ويرحمه ويعافيه ويهديه ويرزقه. فإذا جلس في التشهد فله حال آخر وإقبال آخر، شِبْه (١) حالِ الحاجِّ في طواف الوداع، وقد استشعر قلبُه الانصرافَ من بين يدي ربه، وموافاةَ العلائقِ والشواغلِ التي قطعَها الوقوفُ بين يديه، وقد ذاق تألم قلبه وعذابه بها، وباشرَ رَوْحَ القربِ ونعيمَ الإقبالِ على الله وعافيته، بانقطاعِها (٢) عنه مدةَ الصلاة، ثم استشعر قلبُه عودَها إليه بخروجه من حِمَى الصلاة، فهو يحملُ همَّ انقضاءِ الصلاة وفراغها، ويقول ليتَها اتصلتْ بيوم اللقاء، ويعلم أنه ينصرف من مناجاةِ مَن كلُّ السعادةِ في مناجاته، إلى مناجاةِ مَن الأذى والهمُّ والغمُّ والنَّكَدُ (٣) في مناجاته، ولا يشعر بهذا وهذا إلا قلبٌ حيٌّ معمور بذكر الله ومحبته والأنسِ به. ولما كان العبد بين أمرين من ربه : أحدهما: حكمُ الرب (٤) عليه في أحواله كلِّها ظاهرًا وباطنًا، واقتضاؤه منه القيامَ بعبوديةِ حكمِه، فإن لكل حكمٍ عبوديةً تخصُّه، أعني الحكم [٥٩ ب] الكوني القدري.

стр. 210

والثاني: فعلٌ يفعله العبد عبوديةً لربه، وهو مُوجَبُ حكمِه الديني الأمري (١). وكلا الأمرين يُوجِبان (٢) تسليمَ النفس إليه تعالى، ولهذا اشتُقَّ له اسمُ الإسلام من التسليم، فإنه لما أسلم نفسَه لحكم ربه الديني الأمري، ولحكمه الكوني القدري، بقيامه بعبوديته فيه لا باسترساله معه، استحقَّ اسمَ الإسلام، فقيل له مسلم. ولما اطمأنَّ قلبه بذكره وكلامه ومحبته وعبوديته، سكن إليه وقَرّتْ عينُه به، فنال الأمانَ بإيمانه. = كان (٣) قيامُه بهذين الأمرين أمرًا ضروريًا له، لا حياةَ له ولا فلاحَ ولا سعادةَ إلا بهما. ولمّا كان ما بُلِيَ به من النفسِ الأمّارة والهوى المقتضِي والطباع المطالِبة والشيطان المُغوِي، يقتضي منه إضاعةَ حظِّه من ذلك أو نقصانَه، اقتضتْ رحمةُ العزيز الرحيم أن شرَعَ له الصلاة مُخلِفَةً عليه ما ضاعَ منه، رادّةً عليه (٤) ما ذهب، مجدِّدةً له ما أخلقَ من إيمانه، وجُعِلتْ صورتُها على صورة أفعاله خشوعًا وخضوعًا وانقيادًا وتسليمًا، وأَعطَى (٥)

стр. 211

كلَّ جارحةٍ من الجوارح حظَّها من العبودية، وجعلَ ثمرتَها وروحَها إقبالَه على ربه فيها بكليته، وجعل ثوابها وجزاءها القربَ منه ونيلَ كرامته في الدنيا والآخرة، وجعلَ منزلتَها ومحلَّها الدخولَ على الله ﵎ والتزينَ للعرض عليه، تذكيرًا بالعرضِ الأكبر عليه يومَ اللقاء. وكما أن الصوم ثمرته تطهيرُ النفس، وثمرة الزكاة تطهير المال، وثمرة الحج وجوب المغفرة، وثمرة الجهاد تسليم [٦٠ أ] النفس التي اشتراها سبحانه من العباد وجعلَ الجنة ثمنَها، فالصلاة ثمرتها الإقبال على الله، وإقبال الله سبحانه على العبد، وفي الإقبال جميع ما ذُكِرَ من ثمراتِ الأعمال. ولذلك لم يقل النبي ﷺ : جُعِلت قرةُ عيني في الصوم ولا في الحج والعمرة، وإنما قال: "وجُعِلتْ قرةُ عيني في الصلاة" (١). وتأمَّلْ قولَه: "جُعِلتْ قرةُ عيني في الصلاة"، ولم يقل "بالصلاة" إعلامًا بأن عينَه إنما تَقَرُّ بدخوله فيها، كما تَقَرُّ عينُ المحب بملابسته لمحبوبه، وتَقَرُّ عينُ الخائفِ بدخوله (٢) في محل أمنِه، فقرةُ العينِ

стр. 212

بالدخول في الشيء أكملُ وأتمُّ من قرة العين به قبل الدخول فيه (١). ولما جاء إلى راحة القلب من تعبِه ونَصَبِه قال: "يا بلالُ أرِحْنا بالصلاة" (٢) أي أقِمْها لنستريحَ بها من مقاساة الشواغل، كما يستريح التعبان إذا وصل إلى نُزلِه (٣) وقرّ فيه وسكن. وتأمَّلْ كيف قال: أرِحْنا بها، ولم يقل: أرِحْنا منها، كما يقوله المتكلف بها الذي يفعلها تكلفًا وغُرمًا، فهو لما امتلأ قلبه بغيرها وجاءت قاطعةً عن أشغاله ومحبوباته، وعلم أنه لا بدّ له منها، فهو قائل بلسان حاله وقالِه (٤): نصلِّي ونستريح من الصلاة، لا بها، فهذا لونٌ وذاك لون آخر، فالفرق بين مَن كانت الصلاة لجوارحه (٥) قيدًا ولقلبه سجنًا ولنفسه عائقًا، وبين مَن كانت الصلاة لقلبه (٦) نعيمًا، ولعينه قرة، ولجوارحه (٧) راحة، ولنفسه بستانًا ولذة. فالأول الصلاة سجنٌ لنفسه وتقييدٌ لها عن التورط في مساقط

стр. 213

الهلكات، وقد ينالون (١) بها التكفير والثواب، وينالهم من الرحمة بحسب عبوديتهم لله فيها، والقسم الآخر الصلاةُ بستان قلوبهم (٢)، وقرة عيونهم، ولذة نفوسهم، ورياض جوارحهم، فهم فيها يتقلَّبون في النعيم. [٦٠ ب] فصلاةُ هؤلاء تُوجِب لهم القربَ والمنزلةَ من الله، ويُشاركون الأولين في ثوابهم، ويختصُّون بأعلاه وبالمنزلة والقربة، وهي قدر زائد على مجرد الثواب، ولهذا يَعِدُ الملوك من أرضاهم بالأجر والتقريب، كما قال السحرة لفرعون: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٤١ - ٤٢]. فالأول عبدٌ قد دخل الدارَ والسترُ حاجبٌ بينه وبين رب الدار، فهو من (٣) وراء الستر، فلذلك لم تَقَرَّ عينُه، لأنه (٤) في حُجُب الشهوات، وغُيوم الهوى، ودخان النفس، وبخار (٥) الأماني، فالقلب عليل، والنفس مُكِبَّة على ما تهواه، طالبةٌ لحظِّها العاجل، والآخر قد دخل دارَ الملك، ورُفِع الستر بينه وبينه، فقرَّتْ عينُه واطمأنَّتْ نفسه، وخَشَع قلبُه وجوارحه، وعَبَدَ الله كأنه يراه، وتجلَّى له في كلامه. فهذه إشارةٌ مّا ونبذة يسيرة جدًّا في ذوق الصلاة.

стр. 214

فصل فنُناشِد أهلَ السماع بالله الذي لا إله إلا هو: هل لهم في السماع مثلُ هذا الذوق أو شيء منه (١)؟ بل نُناشِدهم بالله (٢) هل يَدَعُهم السماع يجدون هذا الذوقَ في الصلاة؟ ونحن نَحلِف عنهم أن ذوقهم ضدُّ هذا الذوق، ومشربهم ضدّ هذا المشرب. ولولا خشية الإطالة لذكرنا نبذةً من ذوقهم تدلُّ على ما وراءها، ولا يخفى على من له أدنى حياةِ قلبٍ، الفرقُ بين ذوق الأبيات وذوق الآيات (٣)، وبين ذوق القيامِ بين يَدَيْ رب العالمين والقيامِ بين يَدَيِ المغنّي، وبين ذوقِ اللذة والنعيم بمعاني ذكر الله وكلامه وذَوقِ معاني الغناء الذي هو رقية الزنا والتلذذ بمضمونها، فما اجتمع واللّهِ الأمرانِ في قلبٍ إلا وطردَ أحدهما صاحبَه، ولا تجتمع بنتُ عدوِّ الله وبنتُ رسولِ الله عند رجلٍ واحدٍ أبدًا (٤).

стр. 215

[٦٥ أ] عقد مجلس في المناظرة بين صاحب غناء وصاحب قرآن وهو تمام الجواب عن الفتيا الواردة في السماع في سنة أربعين وسبعمائة، وهو الجزء الثاني، وبه تم الجواب، والحمد لله وحده (١).
следующие страницы →