← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 18318

الكلام على مسألة السماع

ابن القيم

Полный текст (508 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

كلَّ جارحةٍ من الجوارح حظَّها من العبودية، وجعلَ ثمرتَها وروحَها إقبالَه على ربه فيها بكليته، وجعل ثوابها وجزاءها القربَ منه ونيلَ كرامته في الدنيا والآخرة، وجعلَ منزلتَها ومحلَّها الدخولَ على الله ﵎ والتزينَ للعرض عليه، تذكيرًا بالعرضِ الأكبر عليه يومَ اللقاء. وكما أن الصوم ثمرته تطهيرُ النفس، وثمرة الزكاة تطهير المال، وثمرة الحج وجوب المغفرة، وثمرة الجهاد تسليم [٦٠ أ] النفس التي اشتراها سبحانه من العباد وجعلَ الجنة ثمنَها، فالصلاة ثمرتها الإقبال على الله، وإقبال الله سبحانه على العبد، وفي الإقبال جميع ما ذُكِرَ من ثمراتِ الأعمال. ولذلك لم يقل النبي ﷺ : جُعِلت قرةُ عيني في الصوم ولا في الحج والعمرة، وإنما قال: "وجُعِلتْ قرةُ عيني في الصلاة" (١). وتأمَّلْ قولَه: "جُعِلتْ قرةُ عيني في الصلاة"، ولم يقل "بالصلاة" إعلامًا بأن عينَه إنما تَقَرُّ بدخوله فيها، كما تَقَرُّ عينُ المحب بملابسته لمحبوبه، وتَقَرُّ عينُ الخائفِ بدخوله (٢) في محل أمنِه، فقرةُ العينِ

стр. 212

بالدخول في الشيء أكملُ وأتمُّ من قرة العين به قبل الدخول فيه (١). ولما جاء إلى راحة القلب من تعبِه ونَصَبِه قال: "يا بلالُ أرِحْنا بالصلاة" (٢) أي أقِمْها لنستريحَ بها من مقاساة الشواغل، كما يستريح التعبان إذا وصل إلى نُزلِه (٣) وقرّ فيه وسكن. وتأمَّلْ كيف قال: أرِحْنا بها، ولم يقل: أرِحْنا منها، كما يقوله المتكلف بها الذي يفعلها تكلفًا وغُرمًا، فهو لما امتلأ قلبه بغيرها وجاءت قاطعةً عن أشغاله ومحبوباته، وعلم أنه لا بدّ له منها، فهو قائل بلسان حاله وقالِه (٤): نصلِّي ونستريح من الصلاة، لا بها، فهذا لونٌ وذاك لون آخر، فالفرق بين مَن كانت الصلاة لجوارحه (٥) قيدًا ولقلبه سجنًا ولنفسه عائقًا، وبين مَن كانت الصلاة لقلبه (٦) نعيمًا، ولعينه قرة، ولجوارحه (٧) راحة، ولنفسه بستانًا ولذة. فالأول الصلاة سجنٌ لنفسه وتقييدٌ لها عن التورط في مساقط

стр. 213

الهلكات، وقد ينالون (١) بها التكفير والثواب، وينالهم من الرحمة بحسب عبوديتهم لله فيها، والقسم الآخر الصلاةُ بستان قلوبهم (٢)، وقرة عيونهم، ولذة نفوسهم، ورياض جوارحهم، فهم فيها يتقلَّبون في النعيم. [٦٠ ب] فصلاةُ هؤلاء تُوجِب لهم القربَ والمنزلةَ من الله، ويُشاركون الأولين في ثوابهم، ويختصُّون بأعلاه وبالمنزلة والقربة، وهي قدر زائد على مجرد الثواب، ولهذا يَعِدُ الملوك من أرضاهم بالأجر والتقريب، كما قال السحرة لفرعون: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٤١ - ٤٢]. فالأول عبدٌ قد دخل الدارَ والسترُ حاجبٌ بينه وبين رب الدار، فهو من (٣) وراء الستر، فلذلك لم تَقَرَّ عينُه، لأنه (٤) في حُجُب الشهوات، وغُيوم الهوى، ودخان النفس، وبخار (٥) الأماني، فالقلب عليل، والنفس مُكِبَّة على ما تهواه، طالبةٌ لحظِّها العاجل، والآخر قد دخل دارَ الملك، ورُفِع الستر بينه وبينه، فقرَّتْ عينُه واطمأنَّتْ نفسه، وخَشَع قلبُه وجوارحه، وعَبَدَ الله كأنه يراه، وتجلَّى له في كلامه. فهذه إشارةٌ مّا ونبذة يسيرة جدًّا في ذوق الصلاة.

стр. 214

فصل فنُناشِد أهلَ السماع بالله الذي لا إله إلا هو: هل لهم في السماع مثلُ هذا الذوق أو شيء منه (١)؟ بل نُناشِدهم بالله (٢) هل يَدَعُهم السماع يجدون هذا الذوقَ في الصلاة؟ ونحن نَحلِف عنهم أن ذوقهم ضدُّ هذا الذوق، ومشربهم ضدّ هذا المشرب. ولولا خشية الإطالة لذكرنا نبذةً من ذوقهم تدلُّ على ما وراءها، ولا يخفى على من له أدنى حياةِ قلبٍ، الفرقُ بين ذوق الأبيات وذوق الآيات (٣)، وبين ذوق القيامِ بين يَدَيْ رب العالمين والقيامِ بين يَدَيِ المغنّي، وبين ذوقِ اللذة والنعيم بمعاني ذكر الله وكلامه وذَوقِ معاني الغناء الذي هو رقية الزنا والتلذذ بمضمونها، فما اجتمع واللّهِ الأمرانِ في قلبٍ إلا وطردَ أحدهما صاحبَه، ولا تجتمع بنتُ عدوِّ الله وبنتُ رسولِ الله عند رجلٍ واحدٍ أبدًا (٤).

стр. 215

[٦٥ أ] عقد مجلس في المناظرة بين صاحب غناء وصاحب قرآن وهو تمام الجواب عن الفتيا الواردة في السماع في سنة أربعين وسبعمائة، وهو الجزء الثاني، وبه تم الجواب، والحمد لله وحده (١).

стр. 216

[٦٥ ب] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله ربّ العالمين قال الشيخ الإمام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الحنبلي إمام الجوزية في تمام الجواب عن الفتيا الواردة في السماع سنة أربعين وسبعمائة، التي (١) أجاب فيها العلماء من المذاهب الأربعة ﵃ أجمعين (٢): فصل في عقد مجلس يتضمن مناظرةً بين صاحب غناءٍ وصاحب قرآن، أدلَى كل واحد منهما بحجته، ورضيا بتحكيم مَن آثر عقلَه ودينَه على هواه، وكان الحق الذي بعث الله به رسوله أحبَّ إليه مما سواه. فجلس مجلسَ الحكم بين الخصمين، ونظر بعين النصيحة لنفسه في كل واحد من المحتجَّينِ (٣)، وعزلَ حميةَ (٤) الجاهلية وعصبية الفرقة الباطنية، ووالَى (٥) مَن والاه الله ورسوله وعباده المؤمنون، ﴿وَمَا

стр. 217

كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤]. وهذا أول المناظرة: * قال صاحب الغناء (١): قد أمر الله رسولَه أن يُبشِّر مَن استمع القول واتّبع أحسنَه، فقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨]. قال: والألف واللام في القول تقتضي العموم والاستغراق، والدليل عليه أنه مدحهم باتّباع الحسن (٢) من القول، وهذا يعمُّ كلَّ قول، فيدخل فيه قول السماع وغيره. * قال صاحب القرآن: قد كان ينبغي لك أن تُوقِّر كلامَ الله وتُجِلَّه أن تُنزِّلَه على أقوال المغنين والمغنيات وإخوانهم من النائحين والنائحات، وأن يُحمَل على رقية الزنا ومُنبِتِ النفاق وداعي الغيّ والهوى، فيكفي في فساد هذا (٣) القول أنه لم يقله قبلك أحد [٦٦ أ] من أئمة التفسير على اختلاف طبقاتهم. ويدل على بطلانه وأنه يمتنع أن يُراد بكلام مَن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وجوه عديدة:

стр. 218

أحدها: أن الله لا يأمر بل لا يأذن في استماع كل قول، حتى يقال: اللام للاستغراق والعموم، بل من القول ما يَحرُمُ استماعه، ومنه ما يُكْرَه ، قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾ [الأنعام: ٦٨]. فأمر بالإعراض عن سماع هذا القول، ونهى عن القعود مع قائليه. وقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]. فجعل سبحانه المستمعَ لهذا الحديث مثلَ قائله، فكيف سبحانه يمدح مستمعَ كل قولٍ؟ وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٣]. وقال تعالى في وصف عباده: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]، أي أكرموا أنفسهم عن استماعه. وروي أن ابن مسعود ﵁ سمع صوت لهو فأعرض عنه فقال النبي ﷺ : "إن كان ابن مسعود لكريمًا" (١).

стр. 219

فإذا كان الله قد أثنى على مَن أعرض عن اللغو ومرّ به كريمًا، فأكرم نفسه عن استماعه، فكيف يجوز أن يقال: إن الألف واللام للاستغراق؟ ويُنسَب إلى الله سبحانه أنه مدح مستمع كل قول؟ وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]. [٦٦ ب] فقد أخبر سبحانه أنه يسأل العبدَ (١) عن سمعه وبصره وفؤاده، ونهاه أن يَقفُوَ أي يتبع ما ليس له به علم. وإذا كان السمع والبصر والكلام والفؤاد منقسمًا إلى ما يؤمر به ويُنهى عنه، والعبد مسؤول عن ذلك كله، فكيف يجوز أن يقال: كلُّ قول في العالم فالعبد ممدوحٌ على استماعه؟ ونظير هذا أن يقال: كل مرئيٍّ في العالم فالعبد ممدوحٌ على النظر إليه، لقوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥]. ولهذا دخل الشيطان عليكم وعلى كثير من النسَّاك من (٢) هذين المدخلين، إذ توسعتم في النظر إلى الصور المنهيِّ عن النظر إليها، وفي استماع الأقوال والأصوات التي نُهِيتم عن استماعها. ولم يَكتفِ

стр. 220

الشيطان بذلك منكم حتى زَيّنَ لكم أن جعلتم ما نهيتم عنه عبادةً وقربةً وطاعة، وهذه هي (١) لطيفة إبليس فيكم التي تقدم ذكرها (٢). وهي قوله: "لي فيكم لطيفةُ السماع وصحبةُ الأحداث". الوجه الثاني: أن المراد بالقول في هذه الآية التي احتججتم بها القرآن، كما جاء ذلك في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ [القصص: ٥١]. فالقول الذي بشَّر مستمعيه ومتبعي أحسِنه هو القول الذي وصَّلَه وحضَّ (٣) على تدبره، وكلام الله يُفسِّر بعضُه بعضًا، ويُحمَل بعضُه على بعض. الوجه (٤) الثالث: أن الألف واللام هنا لتعريف العهد ، وهو القول الذي دُعِيَ إليه المخاطب وأُمِرَ بتدبره، وأُخبِر بتوصيله (٥) له، وهو كالكتاب والقرآن. والألف واللام فيه كالألف واللام (٦) في الكتاب سواء، [٦٧ أ] وكذلك الألف واللام في الرسول في قوله: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]، وفي قوله: ﴿لَا

стр. 221

تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، وقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢]، فهل يجوز أن يقال: إن اللام في الكتاب والرسول للاستغراق، فتُحمل على كل كتاب وعلى (١) كل رسول؟ الوجه الرابع: أنها وإن كانت للعموم في قوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ [الزمر: ١٨]، فهي إنما تعمُّ القولَ الذي أنزله (٢) الله ومدحَه وأثنى عليه، وأمرَ (٣) باتّباعه واستماعه وتدبره وفهمه، فهي تقتضي العمومَ والاستغراق في جميع هذا القول، فإنها تقتضي عمومَ ما عرفته وقصْدَ مصحوبها. الوجه الخامس: أن السياق كله من أول السورة إلى هذه الآية إنما هو في القرآن، قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ١ - ٣]. فذكر في أول السورة كتابه ودينه والكلم الطيب والعمل الصالح، فخير الكلام كتابه، وخير العمل إخلاص الدين له، ثم أعاد ذكر الأصلين في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [الزمر: ١٧]، فهذا إخلاص الدين له، ثم قال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ

стр. 222

فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨]، فهذا كتابه. فتضمنت الآية ذكر كتابه ودينه كما تضمنتْه (١) أولُ السورة، فما لأقوال المغنين والمغنيات ههنا؟ ثم قال: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢ - ٢٣]. فأثنى على أهل (٢) السماع والوجد للقول والحديث الذي أنزله، ولم يُثْنِ سبحانه على مطلق الحديث ومستمعيه (٣)، بل يتضمن السياقُ الثناءَ على أهل ذكره والاستماع لحديثه، كما جمع بينهما [٦٧ ب] في قوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦]، وفي قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]. وهو سبحانه ذكر أنه بيَّن في الفرقان (٤) الأمثالَ والحجج، لنتذكر به ونتعظ ونتدبره ونتفهمه، فأمرنا باستماعه واتّباعه، وحضَّ (٥) على

стр. 223

تدبره، وبشَّر من استمعه واتّبع أحسنَه، وأخبر أنه وصَّلَه ليتذكر به، وأخبر أن مَن لم يتدبره فقلبه من القلوب التي عليها أقفالها، فما لأقوال المغنين والمغنيات وهذا الشأن؟ ثمّ أعاد سبحانه ذكر القرآن في قوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣]، قال البخاري في صحيحه (١) عن مجاهد قال: الذي جاء بالصدق: القرآن، وصدَّق به: المؤمنُ، يجيء يوم القيامة يقول: هذا الذي أعطيتَني عملتُ بما فيه. فذكر سبحانه الصادق (٢) والمصدِّق به مُثنِيًا عليهما (٣)، ثم ذكر ضدَّهما وهما الكاذب والمكذِّب بالحق، وهما نوعان ملعونان من القول، أعني الكذب والتكذيب بالحق، فكيف يكون مَن استمعهما ممدوحًا مستحقًّا للثناء؟ ولا ريبَ أن البدع القولية والسماعية المخالفة لما بعث الله (٤) به رسوله من الهدى ودين الحق تتضمن أصلين (٥): الكذب على الله، والتكذيب بالحق، بل الانتصار لما خالف ذلك سواء كان سماعًا أو

стр. 224

غيره يتضمن الأصلين الباطلين. الوجه السادس: أنه سبحانه قال بعد ذلك: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥)﴾ [الزمر: ٥٣ - ٥٥]. فهذا الأحسن الذي [٦٨ أ] أَمَر (١) باتباعه هنا هو الأحسن الذي بشَّر من اتبعه في أول السورة، وهو أحسنُ المنزَّل في الموضعين. ونظير هذا قوله تعالى لموسى في التوراة: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: ١٤٥]. فهذا كله إذا تدبره المؤمن الناصح لنفسه، علم علمًا يقينيًّا (٢) أنَّ الكتاب والقول والحديث الذي أمر الله باستماعه وتدبره وفهمه (٣) واتباع أحسنِه هو كلامه المجيد، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. وأما مدح الاستماع لكل قول فهذا لا يليق نسبته إلى العقلاء،

стр. 225

فضلًا عن رب الأرض والسماء (١). يُوضِّحه الوجه السابع: وهو أنَّ الله سبحانه في كتابه إنما أثنَى على المستمعين للقرآن، وحَمِد هذا السماعَ، وذمَّ المعرضين عنه، وجعلهم أهلَ الكفر والجهل، الصُّمَّ البكمَ الذين لا يعقلون، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢]. وقال تعالى في حق المنعم عليهم: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧]. وقال في ذم المعرضين عن هذا السماع: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [الأنفال: ٢٢ - ٢٣]، وقال: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ [البقرة: ١٧١]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا [٦٨ ب] بِآيَاتِ

стр. 226

رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣)﴾ [الفرقان: ٧٣]. وهذا كثير في القرآن، وكتابُ الله يُبيِّن بعضُه بعضًا. الوجه الثامن: أنَّ المعروف في القرآن إنما هو ذم استماع القول الذي هو الغناء ، كما قال تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم: ٥٩ - ٦١]. قال غير واحد من السلف (١): هو الغناء، يقال: سَمَدَ لنا أي غنَّى لنا (٢). فذمّ المعرضين عن سماع القرآن المتعوضين عنه بسماع الغناء، كما هو حال السماعاتية المُؤْثِرين لسماع المكاء والتصدية على سماع القرآن (٣). وهو (٤) نظير الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وقال غير واحد من السلف (٥) في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦]: إنه الغناء.

стр. 227

الوجه التاسع (١): أنكم معاشرَ السماعاتية المحتجين بهذه الآية لا تَستحسِنون استماعَ (٢) كل منظوم ومنثور، بل أنتم من أعظم الناس كراهةً لما لا تحبونه من الأقوال منثورِها ومنظومها، وأشدِّهم نفرةً عن ذلك، ونفورُكم عما لا تحبونه وتهوَونه من الأقوال أعظم من نفور المنازع لكم عن (٣) سماع المكاء والتصدية، فهلَّا أدخلتم الأقوال التي تخالف أهواءكم وما تحبونه في القول الذي أثنى الله على من استمعه واتبع أحسنه؟ هذا مع أنَّه قطعًا أحسنُ من أقوال المغنين وأنفعُ للقلب في الدنيا والآخرة، ولكن ذنب هذا القول مخالفته لهواكم وما ابتدعتموه. فإن كان العموم في الآية مرادًا فقد بطلتْ حجتكم، وإن لم يكن مرادًا فقد بطلتْ أيضًا، فتبين بطلان استدلالكم على التقديرين، وبالله التوفيق. الوجه العاشر (٤): أنَّه سبحانه قال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨]، فمدحهم باستماع القول واتباع أحسنه، ومن المعلوم أنَّ كثيرًا من القول بل أكثره ليس فيه حُسْنٌ [٦٩ أ] فضلًا عن أن يكون أحسنَ، بل غالب القول يَكُبُّ قائلَهُ في النار على مَنْخَرِه. والأقوال التي ذمَّها الله في كتابه أكثر من أن تُعَدَّ، كالكلام الخبيث،

стр. 228

والقول الباطل، والقول عليه بما لا يعلم القائل، والكذب، والافتراء، والغيبة، والتنابز بالألقاب، والتناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، وتبييت ما لا يرضى من القول، وقول العبد بلسانه ما ليس في قلبه، وقوله ما لا يفعله، وقول اللغو، وقول ما لم يُنزِّل به سلطانًا، والقول المتضمن للشفاعة السيئة، والقول المتضمن للمعاونة على الإثم والعدوان (١)، وأمثال ذلك من الأقوال المسخوطة والمبغوضة للرب تعالى، التي كلها قبيحة لا حَسَنَ فيها ولا أحَسَنَ. فادعاء العموم في الآية في غير القول الذي أنزله الله على رسوله من الكتاب والسنة من أبطل الباطل. الوجه الحادي عشر (٢): أنه سبحانه علَّق الهدايةَ على اتباع أحسن هذا القول، فقال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨]. ومن المعلوم بالاضطرار أن الهداية إنما حصلتْ لمن اتبع القرآن، فهو الذي هداه الله، فأين الهدى (٣) في أقوال المغنين والمغنيات؟ وبالجملة ففساد هذا القول الذي حملتم عليه كتابَ الله وألصقتموه

стр. 229

به وهو منه بريء، وحمَّلتموه إياه وليس خليقًا بحمله، معلوم لكل من في قلبه حياة ونور، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]. فصل * قال صاحب السماع (١): وقال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا [٦٩ ب] الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٤ - ١٥]، جاء في التفسير (٢) أنه السماع، ولو كان حرامًا لما كان من أفضل نعيم الجنة (٣). * قال صاحب القرآن: لو أمسكتم عن استدلالكم لصحة ما ذهبتم إليه لكان أسترَ له (٤) وأروجَ عند من قلَّ نصيبُه من البصيرة والعلم، ولكن يأبى الله إلا أن يَكشِفه ويَهتِكَه على ألسنتكم. ولا ريبَ أنه قال بعض السلف: إن الحبرة ههنا هي السماع الحسن في الجنة، وإن الحور العين يُغنِّين بأصواتٍ لم يَسمَعْ خلائقُ بأحسنَ منها، يقلن: نحن الخالدات فلا نموت، ونحن الناعمات فلا نَبْأسَ، ونحن الراضيات فلا نَسْخط، طوبى لمن كان لنا وكنا له.

стр. 230

وذكر أبو نعيم في "صفة الجنة" (١) من حديث سعيد بن أبي مريم ثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير عن زيد بن (٢) أسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أزواجَ أهل الجنة ليغنِّين أزواجَهن بأحسن أصواتٍ سمعها (٣) أحدٌ قطُّ، وإن مما يُغنِّينَ: نحن الخيراتُ الحسانُ، نحن (٤) أزواجُ قومٍ كرام، ينظرون (٥) بقرةِ أعيان. وإن مما يُغنين به (٦): نحن الخالداتُ فلا يَمُتْنَهْ، نحن الآمناتُ فلا يَخَفْنَهْ، نحن المقيماتُ فلا يَظْعَنَّهْ (٧) ". تفرد به سعيد بن أبي مريم. وروى (٨) من طريق الوليد بن أبي ثور حدثني سعد الطائي عن

стр. 231

عبد الرحمن بن سابط عن (١) ابن أبي أوفى قال: قال رسول الله ﷺ ، فذكر حديثًا فيه: "إنه يجتمع الحور العين في كل سبعة أيام، فيقلن بأصوات حسانٍ لم يَسمع الخلائقُ بمثلها: نحن الخالداتُ فلا نَبيدُ، ونحن الناعماتُ فلا نبأسُ، ونحن الراضياتُ فلا نَسخطُ، ونحن المقيماتُ فلا نَظعَنُ، طوبى لمن كان لنا وكنا له". ورَوى (٢) من طريق ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن عون بن الخطاب عن ابنٍ لأنسٍ عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الحور [٧٠ أ] العين يغنين في الجنة: نحن الحسان، خُلِقنا لأزواج كرام". ومن طريق زيد بن واقد عن رجل عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة شجرةً جُذوعها من ذهبٍ وفروعها من زبرجد ولؤلؤ، فتهبُّ لها ريحٌ فتَصْطَفِقُ، فما سمع السامعون بصوت شيء ألذَّ منه" (٣). ومن طريق خالد بن معدان عن أبي أمامة عن رسول الله ﷺ قال:

стр. 232

"ما من عبدٍ يدخل الجنةَ إلا ويجلس عند رأسه وعند رجليه ثنتانِ من الحور العين، تُغِّنيانه بأحسنِ صوتٍ سمعه الأنس والجن، وليس بمزامير الشيطان" (١). وروى الترمذي (٢): حدثنا أحمد بن منيع حدثنا أبو معاوية حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي، قال (٣): قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة مجتمعًا (٤) للحور العين يرفعن أصواتًا لم يسمع الخلائق مثلها" (٥)، قال: "يقلن: نحن الخالداتُ فلا نَبيد، ونحن الناعمات فلا نَبْأسُ، ونحن الراضياتُ فلا نسخَط، طوبى لمن كان لنا وكنا له". وقال: حديث غريب. وروى الطبراني (٦) من حديث سليمان بن أبي كريمة ــ وفيه كلام ــ

стр. 233

عن هشام بن حسان عن الحسن عن أمه عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله! نساء الدنيا أفضل أم الحور العين؟ قال: "بل نساء الدنيا أفضل من الحور العين، كفضل الظِّهارة على البِطانة"، قلت: يا رسول الله! وبمَ ذلك؟ قال: "بصلاتهن وصيامهن وعبادتهن لله (١)، ألبسَ الله وجوهَهن النورَ، وأجسادَهن الحريرَ، بِيضُ الألوان، خُضْر الثياب، صُفْر الحلي، مَجامِرُهن الدُّرّ، وأمشاطهن الذهب، يقلن: نحن الخالداتُ فلا نموت، ونحن الناعمات فلا نَبْأَس [٧٠ ب] أبدًا، ونحن المقيمات فلا نظعن أبدًا، ونحن الراضيات فلا نسخط أبدًا، طوبى لمن كنا له وكان لنا". الحديث. فيقال لكم: هل يلزم من كون الشيء يُنعِم الله به عبادَه في الآخرة أن يكون مباحًا لهم في الدنيا؟ فإن قلتم: لا يلزم ذلك، بطل استدلالكم. وإن قلتم: يلزم، قيل لكم (٢): فالله سبحانه يُنعِمهم (٣) في الآخرة بلباس الحرير وأساور الذهب، فجوِّزوا لهم لباسَ ذلك في الدنيا وخَالِفوا دينَه وأمره. وأيضًا فإن الله عزوجل يُنعِمهم في الجنة بالخمر،

стр. 234

فجوِّزوا لهم شُربَها في الدنيا على طرد قولكم. وأيضًا فإنهم في الجنة يأكلون ويشربون في صِحاف الذهب والفضة، وقد قال ﷺ : "هي لهم في الدنيا، ولنا في الآخرة" (١). وطردُ قولكم أنها كما هي للمسلمين في الآخرة، تكون مباحةً لهم في الدنيا، وقد قال النبي ﷺ : "من شرب الخمرَ في الدنيا لم يشربها في الآخرة" (٢). و"من لبسَ الحريرَ في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" (٣)، وقال في صِحاف الذهب والفضة: "هي لهم في الدنيا ولنا في الآخرة" (٤). فأخبر أنه من استعمل هذه الأمور في الدنيا من المطعوم والملبوس وغيرهما لم يستعملها في الآخرة، فإما أن يستعملها أهل الجنة ويُحْرَمها هو وإن دخلها، كما روى ابن أبي حاتم (٥): حدثنا أبي حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي حدثنا حسن يعني ابن علي بن حسن البراد عن حميد الخراط عن محمد بن كعب قال: "من شرب الخمر (٦) في الدنيا لم يشربها في الآخرة". قال: قلت: فإنه تاب حتى أدخله الله الجنة،

стр. 235

والله تعالى يقول: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣١] قال: يُنسِيهم الله ذكرَها. أو أن (١) ذلك وعيدٌ (٢) له بأنه لا يدخل الجنة، فإن هذه الأمور يستعملها أهل الجنة، فمن لم تحصل له في الآخرة [٧١ أ] لم يكن من أهل الجنة. وهما (٣) تأويلان للسلف في هذه الأحاديث. فلو قيل: إن هذا السماع اللذيذ الموعود به في الجنة إنما هو لمن نزَّه (٤) سمْعَه في الدنيا عن سماع الغناء والملاهي، اعتبارًا بنظيره من اللباس وشرب الخمر واستعمال آنية الذهب والفضة، لكان هذا أشبهَ بالصواب، وأصحَّ من استدلالكم على إباحته في الدنيا باستعمال أهل الجنة له. وقد جاء الأثر بما قلنا صريحًا، وهو ما روى أبو بكر بن أبي الدنيا (٥): حدثنا داود بن عمرو الضبي حدثنا عبد الله بن المبارك عن مالك بن أنس عن محمد بن المنكدر قال: "إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أين الذين كانوا يُنزِّهون أنفسهم عن اللهو ومزامير الشيطان؟

стр. 236

أسكِنوهم في رياض المسك. ثم يقول للملائكة أَسمِعوهم حمدي وثنائي، وأَعلِموهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون". وقد تقدم نقله عن مجاهد من كلام ابن بطة (١). وأيضًا فإنه قد جاء في الحديث: أن الرجل من (٢) أهل الجنة يُزوَّج باثنتين وسبعين زوجة، ذكره أبو نعيم في كتاب صفة الجنة (٣) من حديث (٤) خالد بن معدان عن أبي أمامة عن رسول الله ﷺ قال: "ما من عبدٍ يدخل الجنة إلا ويُزوَّج ثنتين وسبعين زوجةً، ثنتان (٥) من الحور العين وسبعين (٦) من أهل ميراثه من أهل الدنيا، ليس منهن امرأة إلا لها قُبُلٌ شَهِيٌّ، وله ذَكَرٌ لا يَنثني". وذكر (٧) من حديث الحجاج عن قتادة عن أنس يرفعه: "للمؤمن

стр. 237

في الجنة ثلاثون (١) زوجة"، فقلنا: يا رسول الله! أوَله قوةُ ذلك؟ قال: "إنه لَيُعطَى قوةَ مائةٍ". وفي حديث آخر: "إن الرجل منهم ليصل في اليوم إلى مائة عذراءَ" (٢). وهذه الآثار لا تناقُضَ بينها، فإن تفاضلهم في العدد على حسب تفاضلهم في مقدار الثواب، فعلى قياس قول المحتجِّين على حِلّ السماع في الدنيا بأنه يكون لأهل الجنة، ينبغي أن يُحِلُّوا (٣) للرجل [٧١ ب] في الدنيا أن يتزوج بهذا العدد. فصل *قال صاحب الغناء (٤): سماع الأشعار بالألحان الطيبة، والأنغام المستلذة إذا لم يعتقد المستمع محظورًا، ولم يسمع على مذموم في الشرع، ولم ينجرَّ في زمامِ هواه، ولم ينخرطْ في سِلكه لهوٌ (٥) = مباحٌ في

стр. 238

الجملة. ولا خلاف أن الأشعار أُنشِدَتْ بين يدي النبي ﷺ ، وأنه سمعها ولم ينكر عليهم في إنشادها، فإذا جاز سماعها بغير الألحان الطيبة، فلا يتغير الحكم بأن تُسمَع بالألحان، هذا ظاهر من الأمر. ثم ما يُوجِبُ للمستمع توفُّرَ الرغبة في (١) الطاعات، وتذكُّرَ ما أعد الله لعباده المتقين من الدرجات، ويَحمِله على التحرُّز من الزلَّات، ويؤدي إلى قلبه في الحال صفاءَ الواردات، مستحبٌّ في الدين ومختارٌ في الشرع. وقد جرى على لفظ الرسول ﷺ ما هو قريب من الشعر وإن لم يقصد أن يكون شعرًا. ففي الصحيحين (٢) من حديث أنس بن مالك قال: "كانت الأنصار يحفرون الخندق، فجعلوا يقولون: نحن الذين بايعوا محمدَا ... على الجهاد ما بَقِينا أبدَا فأجابهم رسول الله ﷺ : اللهم لا عيشَ إلا عيشُ الآخره ... فأَكْرِمِ الأنصارَ والمهاجره * قال صاحب الغناء: ليس هذا اللفظ منه ﷺ على وزن الشعر، ولكنه (٣) قريب من الشعر.

стр. 239

* قال صاحب القرآن: عجبًا لكم معاشرَ السماعاتية! لم تَقْنَعُوا باعتقاد إباحة ما لم يأذن به الله ورسوله من الغناء وآلات اللهو، بل مَنَعَ منه وحذَّر منه، حتى جعلتموه طاعةً وقربة! وظننتم أن حزب الله وجنده يَغفُلون عن ردِّ قولكم، وتبيينِ بطلانه، وكسْرِ شُبَهِكم الباطلة، ونصْرِ الله ورسوله! فنقول (١) لكم: كلامكم هذا قد تضمن شيئين: أحدهما: إباحة سماع الألحان [٧٢ أ] والنغمات المستلذة بشرط أن لا يعتقد المستمع محظورًا، ولم يسمع على مذموم في الشرع، ولم يتبع فيه هواه. والثاني: أن ما أوجب للمستمع الرغبةَ في الطاعات والاحترازَ من الذنوب، وتذكُّرَ وعدِ الحق، ووصولَ الأحوال الحسنة إلى قلبه، فهو مستحب. فعلى هاتين المقدمتين بنى من قال باستحبابه، وربما أوجبه بعضكم أحيانًا بناء على هاتين المقدمتين، إذْ رأوا (٢) أنه لا يؤدَّى الواجب إلا به، وعليهما بنى من فضَّله على سماع القرآن من عدة وجوه، لأنهم رأوا أنَّ ما يحصل به أنفعُ مما يحصل بالقرآن. وهاتان المقدمتان

стр. 240

كلاهما (١) غلط، مشتمل على كلام مجمل، من جنس استدلالهم بما ظنوه من العموم في قوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]، وبما وعد الله به (٢) في الآخرة من السماع الحسن. ووُلِدَ بين هاتين المقدمتين اللتين لُبِّسَ فيهما الحقُّ بالباطل أولادُ سفاحٍ لا نكاحٍ، وتولد منهما قولٌ لم يذهب إليه (٣) أحد من السلف الصالح البتة (٤)، وهو أن هذا السماع طاعة وقربةٌ تُقرِّب إلى الله، فإنه وإن نقل عن بعض أهل المدينة وغيرهم أنه يُرخِّص (٥) في الغناء واستماعه، فلم يقل: إنه طاعة وقربة ومستحب في الشرع، بل كان فاعله يراه مكروهًا وتركه أفضل، أو يراه من الذنوب التي يُتاب منها، أو يراه مباحًا كالتوسع في لذات المطاعم والمشارب والملابس والمساكن، فأما رجاء الثواب بفعله والتقرب إلى الله به، فهذا لا يُحفظ عن أحدٍ من سلف الأمة وأئمتها. بل المحفوظ عنهم أنهم قالوا: إنما يفعل هذا الفسّاقُ كما قاله مالك، وأن ذلك من إحداث الزنادقة كما قاله الشافعي، [٧٢ ب] وأنه من المحرمات كما قاله أبو حنيفة، وأنه من الباطل والبدع كما قاله الإمام

стр. 241

أحمد. بل حُفظ عنهم أنه يُنبِت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل. صح ذلك عن عبد الله بن مسعود ﵁، وقال الشافعي: الغناء لهوٌ مكروه شبيهٌ بالباطل، من استكثر منه فهو سفيه تُردُّ شهادته (١). ولو كان قربةً وطاعة لكان المستكثر منه من خيار الأمة، وقد حكم غير واحد من أهل العلم على أن مدعي ذلك مخالف لإجماع المسلمين. قال القاضي أبو الطيب الطبري (٢) وغيره: وهذه الطائفة مخالفة لجماعة المسلمين لأنهم جعلوا الغناء دينًا وطاعة، ورأت إعلانه في المساجد والجوامع وسائر البقاع الشريفة والمشاهد الكريمة. وليس في الأمة من رأى هذا الرأي. فعبد الله بن مسعود لكمال علمه وفقهه في الدين، ومعرفته بأحوال القلوب ومفسدات الأعمال، أخبر أن الغناء مادة النفاق، يُنبِته في القلب ويُنمِّيه كما يفعل الماء في البقل (٣)، وكذلك قوله: "الغناء رقية الزنا" (٤). والشافعي لوفور علمه ومعرفته ومحله الذي أحلَّه الله به من الدين علم أن هذا مما يَصُدُّ القلوب عن القرآن ويُعوِّضها به

стр. 242

كما هو الواقع، فعلم أن هذا إنما قصده زنديق منافق، يقصد اقتطاعَ القلوب عن الإيمان وصدَّها عن القرآن، ليستعد لقبول ما يلقيه فيها الشيطان من البدع والشبهات والشهوات. قال إمام الزنادقة ابن الراوندي: اختلف الفقهاء في السماع، فقال بعضهم: هو مباح، وقال بعضهم: هو محرم، وعندي أنه واجب. ذكره أبو عبد الرحمن السلمي عنه (١) في "مسألة السماع" (٢) واعتضد به. وكذلك [٧٣ أ] شيخ الملاحدة وإمامهم ابن سينا في الإشارات (٣) أمر بسماع الألحان وعشق الصور، وجعل ذلك مما يُزكِّي النفوس ويُهذِّبها (٤) ويُصفّيها، وقبله معهم (٥) معلمهم الثاني أبو نصر الفارابي إمام أهل الألحان (٦). فرضي الله عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي، وجزاه عن نصيحته للإسلام خيرًا، فكل هذا مما يشهد لقوله: إن غناء التغبير من إحداث الزنادقة.

стр. 243

فصل إذا عُرِف هذا فنحن نذكر ما في هاتين المقدمتين اللتين لُبِّسَ فيهما الحق بالباطل، واستولد من سفاحهما هذا الولد الذي هو شر الثلاثة، أن هذا السماع طاعة وقربة. أما احتجاجكم بأن النبي ﷺ سمع ما أُنشِد بين يديه من الشعر ولم ينكره، وأنه قال ما يُشبِه الشعر. فنقول في الشعر (١) ما قاله الأئمة (٢): "إنه كلام، فحسنه حسن وقبيحه قبيح". وقد ثبت في الصحيح (٣) عن النبي ﷺ أنه قال: "إن من الشعر حكمة". وكانَ يَنصِب لحسان منبرًا ينشد عليه الشعر الذي يهجو به المشركين، وقال: "اللهم أيِّدْه بروح القدس" (٤). وقال: "إن روح القدس معك ما دُمتَ تُنافِحُ عن نبيه" (٥). وقال عن عبد الله بن رواحة: "إن أخًا

стр. 244

لكم لا يقول الرفَثَ" (١). وعبد الله بن رواحة هو القائل (٢): وفينا رسولُ الله يتلو كتابَه ... إذا (٣) انشقَّ معروفٌ من الفجر ساطعُ أرانا الهدى بعدَ العمى فقلوبنا ... به مُوقِناتٌ أنَّ ما قال واقعُ يَبيِتُ يُجافِي جنبَه عن فِراشه ... إذا استثقَلتْ بالكافرين [٧٣ ب] المضاجعُ وقد استنشد النبي ﷺ الشَّرِيدَ بن سُويد مائةَ قافيةٍ من شعر أميةَ بن أبي الصَّلْتِ، وهو يقول: "هِيْهِ هِيْهِ" (٤). وسمع قصيدة كعب بن زهير (٥). وأنشدته عائشة شعر أبي كبير (٦) الهذلي وقالت: أنت أحقُّ به، فاستنشدها إياه فأنشدته: وإذا نظرتَ إلى أَسِرَّةِ وجهِهِ ... بَرَقَتْ كبَرْقِ العارضِ المتهلِّل فقال: "جزاكِ الله خيرًا يا عائشة" (٧).

стр. 245

وقد أنشده (١) غير واحد، منهم: حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن زهير، والعباس بن مرداس السلمي، والنابغة الجعدي. وأنشده عمه العباس قصيدة مدحه بها، فقال له: "يا عمِّ لا يَفْضُضِ اللهُ فاك" (٢). وأنشدته أخت النضر بن الحارث (٣) قصيدة ترثي بها أخاها، فرقَّ لها وقال: "لو سمعتُها قبلَ ذلك لم أقتله" (٤). وأنشده العلاء بن الحضرمي أبياتًا فقال النبي ﷺ : "إن من الشعر حكمة" (٥). وقال لكعب بن مالك: "ما نسيَ ربك بيتَ شعرٍ (٦) قلتَه". قال: وما هو يا رسول الله؟ قال: "أنشِدْه إياه يا أبا بكر"، فأنشده: زعمتْ سَخِينةُ أن ستَغلِبُ ربَّها ... ولَيُغْلَبَنَّ مُغالِبُ الغَلَّابِ (٧)

стр. 246

ومرَّ بجَوارٍ من الأنصار وهنَّ يضربن بالدفِّ ويقلن: نحن جوارٍ من بني النجَّارِ ... يا حبَّذا محمدٌ من جار فقال: "اللهم بارِكْ فيهن" (١). ولما قدم من تبوك خرج الولائد والصبيان يتلقَّونه (٢)، وجعلوا ينشدون: طلعَ البدرُ علينا ... من ثَنِيَّاتِ الوَداعْ [٧٤ أ] وجبَ الشكرُ علينا ... ما دعا لله داعْ (٣) وأنشده ﷺ أنس بن زُنَيم الدِّيلي (٤) يوم فتح مكة قصيدة يمدحه بها، فعفا عنه بعد أن أهدر دمه (٥)، يقول فيها: تعلَّمْ رسولَ الله أنك مُدركي ... وأن وعيدًا منكَ كالأخذِ باليدِ (٦)

стр. 247

وأنشده فروة بن نوفل بن عمرو (١) لما قدم (٢) عليه: بان الشبابُ فلم أحفِلْ به بَدَلَا ... وأقبلَ الشيبُ والإسلام إقبالا فالحمد لله إذ لم يأتِني أجلي ... حتى تسربلتُ للإسلامِ سِربالا وتمثَّل الصديق ﵁ بالشعر، وتمثَّلتْ به الصديقة ابنته، وعمر بن الخطاب، وعثمان وعلي وبلال وأبو الدرداء وعمرو بن العاص. وقيل لأبي الدرداء: ما لك لا تشعر؟ فإنه ليس رجل له بيت (٣) في الأنصار إلا وقد قال شعرًا، قال: وأنا قلتُ، ثم أنشد: يريد المرءُ أن يُعطَى مُناهُ ... ويأبى الله إلا ما أرادا يقول المرء فائدتي ومالي ... وتقوى الله أفضلُ ما استفادا (٤) وقال أبو هريرة: لما وفدتُ على النبي ﷺ قلت في الطريق: يا (٥) ليلةً من طولها وعنائها ... على أنها من دارة الكفر نَجَّتِ (٦)

стр. 248

وكانت امرأة سوداء من الصحابة، وكانت مقيمة في المسجد، كلما تحدثت قالت: ويومُ الوِشاح من تعاجيبِ ربنا ... ألا إنه من بلدة الكفر نجَّاني (١) ولما نُعِيَ لمعاوية عبد الله بن عامر والوليد بن عقبة أنشد (٢): إذا سار مَن خلفَ امرئٍ وأمامَه ... وأُفرِدَ من جيرانِه فهو سائرُ (٣) [٧٤ ب] وأنشد خُبيب عند موته تلك الأبيات المعروفة التي يقول فيها: ولستُ أبالي حين أُقْتَلُ مسلمًا ... على أيِّ جنبٍ كان في الله مَصْرعي وذلك في ذات الإله وإن يَشَأْ ... يُبارِكْ على أوصالِ شِلْوٍ ممزَّعِ (٤) وأنشد أبو بكر عند قدومه المدينة: كل امرئ مصبّحٌ في أهلِه (٥) ... والموت أدنى من شِراك نعلِهِ (٦)

стр. 249

وأنشد بلال كذلك وهو محموم: ألا ليتَ شعري هل أبيتنَّ ليلةً ... بوادٍ وحَوْلي إذخِرٌ وجَليلُ وهل أرِدَنْ يومًا مِياهَ مجنَّةٍ ... وهل يبدُوَنْ لي شامةٌ وطَفِيْلُ (١) وكان الصحابة يتناشدون الأشعار بين يدي رسول الله ﷺ وهو يتبسَّم (٢). وأنشد حسان في مسجد رسول الله ﷺ ، فمرَّ به عمر بن الخطاب فجعل يَلحَظُه، فقال: لقد أنشدتُ فيه وفيه من هو خير منك، يريد رسول الله ﷺ ، فسكت عمر (٣). وهذا باب أوسع من أن نستقصيه. وقد كان الصحابة يرتجزون في الحرب، وكان يُحدَى بين يدي النبي ﷺ بالشعر في الحل والحرم، وكانوا ينشدون الشعر وهم محرمون. وقد أخبر الله سبحانه أن من الشعراء من يؤمن بالله ويعمل صالحًا ويذكر الله كثيرًا، وهؤلاء ثُنْيَةُ الله من الشعراء، فلم يذمَّ هؤلاء، بل مدحهم على انتصارهم من بعدما ظُلِموا. ولهذا قال النبي ﷺ : "لأن يَمتلئ جوفُ أحدكم قيحًا حتى يَرِيَه خيرٌ له من أن يمتلئ شعرًا" (٤). فذمَّ الجوف الممتلئ بالشعر الذي اشتغل به صاحبه عما فيه سعادته من العلم والإيمان والقرآن، وذكر الله كثيرًا، فإن الجوف [٧٥ أ] إذا امتلأ

стр. 250

بذلك لم يمتلئ من الشعر. ولهذا قال الشافعي ﵀: الشعر كلام، فحسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيحه (١). وقال في التغبير: إنه من إحداث الزنادقة يَصُدُّون به الناس عن القرآن. فبيَّن ﵀ أن إباحة أحدهما لا يستلزم إباحة الآخر. فصل إذا عُرِف هذا فقولك أيها السماعي: إذا جاز سماع الشعر بغير الألحان جاز سماعه بالألحان الطيبة، إذ لايتغير الحكم بسماعه بالألحان= فحجة فاسدة جدًّا من وجوه (٢)، وهي إلى أن (٣) تكون حجة (٤) عليك أقربُ من كونها حجة لك، فإن نفس سماع الألحان مجردًا عن كلام يحتاج إلى إثبات إباحته منفردًا، وهل هذا إلا (٥) المورد الذي ينازعك فيه صاحب القرآن؟ ومن المعلوم أن أكثر المسلمين على خلاف قولك فيه، كما تقدم حكايته عن الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم. الوجه الثاني: أنه لو كان كل واحد من الشعر والتلحين مباحًا
следующие страницы →