← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 18318

الكلام على مسألة السماع

ابن القيم

Полный текст (508 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

نوعًا من السماع فيُدرِجون فيها سماعَ المكاء والتصدية، ويجيئون إلى المعاني [١٠٨ ب] التي دلَّت على الإباحة أو الاستحباب في نوع من الأصوات والسماع، فيجعلونها دالةً على نوع يُضادُّها. وهذا جمعٌ بين ما فرَّق الله ورسوله بينه، بمنزلة من قاس الربا على البيع، والسفاح على النكاح، ونظائر ذلك من الأقيسة الباطلة التي عُبِدَتْ بنظائرها الشمسُ والقمر، وجعلَ أربابُها لله أندادًا سَوَّوهم برب العالمين. وكذلك من عَدَلَ برسول الله ﷺ بشرًا يطيعه في كل ما أمر، أو عدلَ بكلام الله كلامًا آخر أو بشرعِه شرعًا آخر، فهذا كله من أصول الشرك والضلال . وهذا مقامٌ ينبغي لمن نصحَ نفسَه وعَمِلَ لمعاده تدبُّره والتوقفُ فيه، فإنَّه ما بُدِّلتِ الأديانُ في سالف الأزمنة وهَلُمَّ جرًّا إلا بمثل هذه المقاييس، فمن عَمَدَ إلى كلام الله الذي أنزله وأمر باستماعه، فعَدَلَ به سماعَ بعض الأشعار وآثره عليه، وأخذ ذوقَه ومواجيدَه وصلاحَ قلبه منه، فهو ممن اتخذ من دون الله أندادًا يحبهم كحبّ الله، والذين آمنوا أشدُّ حبًّا لله. ويا عجبًا لمن ذاق طعم الإيمان كيف يَعدِلُ بالكلام الذي فَضْله على غيره كفضل الله على خلقه (١)، وبالكلام الذي ما تقرَّب العباد إلى الله

стр. 352

بأحب إليه منه (١)، كلامًا نزَّه الله رسولَه وأولياءه (٢) عنه، وجعله صلاةً للمشركين وقرآنًا لهم (٣)، وقرآنًا لعدوه الشيطان، ورقيةً لمحارمه (٤)، ومادةً للنفاق. وما أحرى هذا أن يكون من الذين يقولون: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨]. [١٠٩ أ] ونظيرُ هذا سواءً ما وقع فيه طوائف من الجهال ممن ينتسب إلى معرفة وإرادة وزهد، من الاستدلال بكون الجمال نعمةً على جواز التمتع بالصور الجميلة مشاهدةً ومباشرةً (٥) وعشقًا، فهؤلاء في الصور، وأولئك في الأصوات، لكنِ الواقعون في فتنة الصوت منهم (٦) من له من العقل والدين والمعرفة ما ليس في الواقعين في فتنة الصور (٧)، فإنَّه ليس في أهل الصور رجلٌ مشهور بين الأمة بعلم ودين وسلوك وخير، بخلاف أهل الأصوات، ولكن أهل الأصوات طَرَّقُوا لأهل الصور الطريقَ،

стр. 353

ونَهَجُوا لهم السبيلَ، ونَقَطُوا لهم فخطُّوا، وارتادوا لهم المنازلَ فحطُّوا، وطيَّبوا لهم السيرَ فساروا، وجدُّوا (١) بهم إلى مطارح الجمال فطاروا، ودَبْدَبُوا (٢) لهم فطاب لهم اللعب، وغنَّوا لهم فاستفزَّهم إلى المليح والمليحة الطربُ، ووصفوا لهم سمرَ القدود ووردَ الخدود وتفلُّكَ النهود وسواد العيون وبياض الثغور، ونادَوا: "حيَّ على الوصال" فما وصلُ الحبيب بمحظور، فأجاب (٣) القوم مناديَ الهوى إذ نادى بهم بحيَّ على غير الفلاح، وباعوا أنفسَهم بالغَبْن وبذلوها في مرضاةِ الصور الجميلة بذلَ المحبِّ أخي سماح (٤)، تاللهِ ما حَمِدُوا عقبى سيرِهم لما حَمِدَ القومُ السُّرى عند الصباح (٥). ولقد رأيتُ من هؤلاء من يحتجُّ بقوله: "إن الله جميل يحب الجمال (٦) " (٧)، وينسى قوله: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" (٨)، وينسى قوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ

стр. 354

يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]، وينسى قول النبي ﷺ [١٠٩ ب]: "النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، فمن غضَّ بصرَه أورثه الله حلاوةً يجدها في قلبه إلى يوم يلقاه" (١)، أو كما قال (٢). ويحتجون بحديث "من عَشِقَ وعفَّ وكتمَ فمات مات شهيدًا (٣) " (٤)، ولم يعلموا أنَّه خبر موضوع على رسول الله ﷺ ، اتُّهِم به النقاش ورُمي لأجله بالعظائم (٥). ويحتجون بحديث روي فيه أنَّ النبي ﷺ لما سمع ذلك المنشد

стр. 355

ينشده (١): هل عليَّ ويحَكُما ... إن عَشِقتُ من حرج فقال: "لا إن شاء الله". وهو حديث وضعه على رسول الله ﷺ بعض الفساق كما تقدم (٢). ويحتجون بأنَّ العشق والمحبة غير داخلٍ تحت الاختيار، ولا يملك العبدُ دفعَه عن نفسه، وما كان هكذا فإنَّ الله لا يُعذِّب عليه. وينسَون أنَّ تولُّعَهم به وتعاطِيَهم لأسبابه مقدور، وبه يتعلق التكليف، فلما خانت أعينُهم وتمنَّتْ أنفسُهم وأتبَعُوا النظرةَ النظرةَ تمكَّن داء العشق منهم، فعزَّ على الأطباء دواؤه، كما قيل: تولَّع بالعشق حتى عَشِقْ ... فلما استقلَّ به لم يُطِقْ رأى لُجَّةً ظنَّها مَوجةً ... فلما توسَّط (٣) منها غَرِقْ (٤)

стр. 356

[١١٠ ب] ويُكرِمون صاحب الصورة المليحة على ما يبذل لهم من صورته وشهوده وتوابع ذلك، كما يُكرِم أصحاب السماع ذا الصوت الحسن على ما يبذل لهم من صوته، وإن اجتمع فيه الأمران نال عندهم من الكرامة أعلاها ومن الحُظْوة منتهاها، ولهذا إذا رأى هؤلاء من جمع بين الصورة الجميلة والصوت اللذيذ من غلامة وغلام، عكفوا (١) بقلوبهم وهِمَمِهم عليه، وانقادتْ أسرارهم وجوارحهم إليه، وشَقُّوا عليه القلوب قبل الجيوب، وبذلوا في مرضاته كل مطلوب. وقد زيَّن الشيطان لكثير من هؤلاء أنَّ عشق الصور (٢) الجميلة إذا لم يقارنه فاحشة محبة محمودة، وأنها محبة لله وفي الله، وهم نظير أصحاب الأصوات المطربة، فالطائفتان "رَضِيعَا لِبانٍ ثَدْيَ أمٍّ تقاسَما" (٣). والعارف يعلم أنَّ هذا أعظم من مواقعة الكبيرة، فإنَّها معصيةٌ أدنى أحوالِه أن يَذُمَّ نفسَه ويلومَها عليها، ويخاف مقتَ الله وغضبه ولعنته، وأما هذا فمتقرب متعبد بالعكوف على تمثال الجمال، وقد حال بين قلبه وبين ذي العظمة والجلال. فأين مؤمنٌ فاسق قد جمع سيئةً وحسنةً، خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا، يخاف ذنوبًا لم تَغِبْ عن وليِّه ... ويرجوه فيها فهو راجٍ وخائفُ (٤)

стр. 357

من مبتدع ضالٍّ يجعل ما نهى الله عنه قربةً، وما كرهه الله دينًا، وهو يرى المنكر معروفًا والمعروف منكرًا، قد زُيِّنَ له سوءُ عمله فرآه حسنًا. ومن جعل ما لم يأمر الله به ولا أحبه محبوبًا له، فقد شرع دينًا لم يأذن الله به، وذلك باب الشرك، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ [١١٠ ب] أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، فإن محبة الصور تعظم حتى تصير أندادًا وطواغيتَ يتدين بها أهلها، ويُشْرَبُ في قلوبهم أعظمَ من حب (١) الذين أُشرِبوا في قلوبهم العجلَ. وكم بين محبة عجلٍ إلى محبة غزالٍ أغيدَ تَسبِيْ محاسنُه القلوبَ وتَأسِرُ العقول؟ فهؤلاء أُشرِبوا في قلوبهم الخِشْفَ، كما أُشرِبَ أولئك في قلوبهم (٢) العجلَ. وهذا بخلاف من مالت نفسه إلى المحرمات مؤمنًا بأنَّ الله حرَّمها، ويَمقُتُ عليها، ويخاف عقابه على فعلها، فإنه لا يحبُّها محبةً محضة، بل عقله وإيمانه يُبغِض ذلك ويكرهه وينهى عنه، ولكن غلبه طبعُه، وهواه يدعوه إلى ارتكابها على خوفٍ ووجلٍ من الله، فهذا يُرجَى له رحمة الله، إما بأن يُوفِّقه لتوبة نصوح تُكفِّر عنه سيئاته، أو يستعمله في طاعة كثيرة وحسنات ماحيةٍ ترجح بسيئاته، وإما بمصائبَ يبتليه بها يُكفّر بها عنه، وإما بغير ذلك من الأسباب التي يرحمه بها. بخلاف من اعتقد أنَّ هذه المحبة لله، فإنَّ طباعه واعتقاده يتعاونان على قوتها وزيادتها، ويجتمع

стр. 358

فيها داعي الطبع وما يعتقده من داعي الشرع، وهذا الداء العضال الذي هلك به من هلك، ونجا من سبقت له من الله الحسنى. فصل ومما ينبغي أن يُعلم أنَّ مجرد الحسن لا يُثِيبُ الله عليه ولا يعاقب، وليس في دين أحدٍ من الأنبياء محبةُ أحدٍ لحسنه، ولو كان الحسن مما يرفع الله به درجةَ صاحبه ويزيده به ثواباً لكان يوسف الصديق أفضلَ من غيره من الأنبياء لحسنه. وإذا استوى شخصان في الأعمال الصالحة وكان أحدهما أحسنَ صورةً أو أحسنَ صوتًا [١١١ أ] كانا عند الله سواء، فإنَّ أكرم الخلق عند الله أتقاهم، ولكن صاحب الصورة الجميلة إذا صان جمالَه عن محارم الله وعفَّ عنها كان أفضلَ من غيره من هذا الوجه، وهو بمنزلة صاحب المال والقدرة إذا عفَّ عن قدرة، فإنَّه أفضلُ ممن عفافُه عفافُ عجز، فإنَّ ما امتحن به صاحب القدرة والمال والجمال من الأسباب الداعية إلى اتباع الهوى أو قضاء الشهوة أعظمُ مما امتحن به مَنْ خلا من ذلك، فجهادُ هذا وصبرُه أعظم. وهذا عام في جميع الأمور التي أنعم الله بها على بني آدم وابتلاهم بها، فمن كان فيها شاكرًا صابرًا كان من أولياء الله المتقين، وكان أفضل ممن لم يُمتحَن، وإن لم يكن المبتلَى صابرًا شكورًا بل فرَّط فيما أُمِر به ونُهِي عنه كان له حكم أمثاله، وكان من سَلِمَ من هذه المحنة خيرًا منه، فمن امتُحِن وصبر فهو خير الأقسام، ويليه من سَلِمَ من المحنة، والثالث من امتُحِن فوقع، فهو المأخوذ المعاقَب إلا أن يتداركه الله.

стр. 359

فمن كان له مال يتمكن من إنفاقه في الفواحش والظلم، فخالف هواه وأنفقه فيما يبتغي به وجهَ الله، فهو نظيرُ من كان له حسن وجمال فعفَّ به (١) عن محارم الله وصانَه من (٢) الفواحش، ونظيرُ من كان له صوت حسن فصانه عن الغناء ومزامير الشيطان واستعمله في تزيين كتاب الله والتغني به، فإن كل واحد من هؤلاء يُثاب على عمله الصالح الذي يشاركه فيه من ليس له مثل ذلك الجمال والصوت [١١١ ب] والمال، ويُثاب ثوابًا آخر على صَرْفِه ما (٣) يتقاضاه من الصورة والصوت والقوة إلى مرضاة الله، وتعطيلِها عن مساخطِه، فثوابُه يُشبِه ثوابَ المجاهد، فصاحب الصوت الطيب المطرب الذي يمكنه أن يُغنّي بالشعر، إذا قرأ القرآن بصوته الطيب وتغنَّى به أُثِيبَ ثوابَ من تغنَّى بكتاب الله وترك التغني بالشعر، ويثاب أيضًا على قصده إسماعَ أهل الإيمان كتابَ الله ولذتهم بقراءته وانتفاعهم بها، فيثاب ثلاثةَ (٤) أنواع من الثواب بالقصد والنية: ثواب المجاهد، وثواب التالي، وثواب المحسن النفَّاع لغيره، فإن شهد مع ذلك أَذَنَ اللهِ عزوجل لقراءته واستماعَه لها، فقرأه بصوته الطيب ليأذن الله له ويستمع لقراءته، كما قال النبي ﷺ : "ما

стр. 360

أذِنَ الله لشيء كأَذَنِه لنبي حسنِ الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به" (١)، وقال: "لَلّهُ أشدُّ أَذَنًا إلى الرجل (٢) الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القَينةِ إلى قَيْنتِه" (٣)، فثوابُ ذلك أمر آخر. ومن كان له جمال وحسنٌ فعفَّ عما حرم الله، وخالف هواه، وكسا جمالَه وحسنَه لباسَ التقوى الذي هو خير اللباس (٤)، كان من هذا الوجه (٥) أفضلَ ممن لم يُؤتَ (٦) مثلَ هذا الجمال، ولم يُمتحَن بهذه المحنة، ولهذا تجد وجهَ المطيع لله قد كُسِيَ من الجمال والحسن والملاحة (٧) ما لم يُكْسَه وجهُ العاصي، فإن كان جميلَ الوجه ازداد جمالًا إلى جماله الخلقي، وأُلقِيَتْ عليه من المحبة والجلالة والحلاوة ما لم يُلْقَ على غيره، وإن حُرِمَ [١١٢ أ] جمالَ الوجه وحُسنَه أُلبِسَ من جمال الطاعة وبهجتها ونورها وحلاوتها أحسنَ مما فاته من الجمال الظاهر، وكلّما كبر وطعن في السن ازداد حسنًا وحلاوة وملاحة. وأمّا جميل الوجه إذا لم يَصُنْ جمالَه وحسنه، وبذلَه وتبذَّلَ به، فإنه

стр. 361

كلّما كبر وطعن في السنِّ ازداد وحشةً وظلمة وقبحًا، وكلّما ازداد من الفواحش والمعاصي ازداد حتى تَكْسِفَ ظلمةُ (١) المعصية شمسَ حسنهِ، وتَخْسِفَ قمرَها، ويعلو قبحُها وسوادُها الجمالَ الصوري، فتراه على السِّنّ لا يزداد إلا قبحًا ووحشةً ونفرةً عنده (٢). وفي هذا المقام الوجوهُ أربعة: وجه جُمِع له بين اللباسين: لباس الجمال ولباس التقوى، فذلك أجمل الوجوه. ووجه جمع له بين لباسِ القبح ولباس المعصية، فهو أقبح الوجوه. ووجه أُلبِسَ لباسَ الجمال الظاهر ولم يُكْسَ لباسَ التقوى. ووجه ألبِسَ لباسَ التقوى ولم يُكْسَ (٣) لباسَ الجمال. فإن قلتَ: من أين اكتست (٤) الوجوهُ الحسنَ والقبحَ من الأعمال؟ قلت: إن لم يكن لك فراسةُ أهل الإيمان فتدبَّرْ (٥) قوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥]، قال ابن عباس وغيره: "هم المتفرِّسون الذين

стр. 362

يأخذون بالسيما وهي العلامة" (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [محمد: ٣٠]. فهذه ثلاث آيات في الفراسة. واسمع قول المتوسمين من هذه الأمة: قال عثمان بن عفان ﵁: "ما أضْمَرَ رجلٌ شيئًا إلا أظهره الله على صفحات وجهه، وفَلَتاتِ لسانه" (٢). ودخل عليه رجل فقال له عثمان: [١١٢ ب] يدخل أحدكم والزنا في عينيه (٣)، فقال: يا أمير المؤمنين! أوَحْيٌ بعد رسول الله ﷺ ؟ قال: لا ولكن ما عَمِل آدمي عملًا إلا ألبسه الله رداءه". أو كما قال (٤). وقال ابن عباس: "إن للحسنة لنورًا في القلب، وضياءً في الوجه، وقوةً في البدن، وزيادةً في الرزق، ومحبةً في قلوب الخلق، وإن للسيئة لظلمةً في القلب، وسوادًا في الوجه، وضعفًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضةً في قلوب الخلق" (٥). وهذا الأمر يكون كامنًا في القلب في الدنيا، ويَفِيضُ على صفحات

стр. 363

الوجه، فيراه مَن له فراسة صادقة، فإذا كان يوم القيامة صار هو الظاهر ورآه كل أحد عيانًا، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، فالأول: من نضرة (١) النعيم وبهجته، والثاني: من النظر. وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٣٨ - ٤٢]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٢ - ٢٤]. وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ [١١٣ أ] النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٦ - ٢٧]. وقال النبي ﷺ : "لا تزالُ المسألة بأحدهم حتى يجيء يومَ القيامة وليس (٢) في وجهه مُزْعَةُ لحمٍ" (٣). وقال: "من سأل الناس وله ما يكفيه

стр. 364

جاءت مسألته خُدوشًا أو كُدوحًا في وجهه يوم القيامة" (١). وقال: "أولُ زُمرةٍ (٢) تَلِجُ الجنةَ على صورة القمر ليلة البدر، ثمّ الذين يَلُونهم كأشدِّ كوكبٍ في السماء إضاءةً" (٣). وأمثال هذا كثير مما فيه وصف وجوه أهل السعادة بالحسن والبهاء والجمال (٤) والنضرة، ووجوه أهل الشقاوة بالقبح والسواد والوحشة والسوء. وأظهر هذه السِّماتِ على الوجوه سِمَةُ الصدق والكذب، فإن الكذاب يُكسَى وجهُه (٥) من السواد بحسب كَذِبه، والصادق يُكسَى وجهُه من البياض بحسب صدقه. ولهذا رُوِي عن عمر بن الخطاب أنه أمر بتعزير شاهد الزور بأن يُسوَّد وجهُه، ويُركبَ مقلوبًا على الدابة (٦)، فإن العقوبة من جنس الذنب، فلما سَوَّد وجهَه بالكذب وقَلَبَ الحديثَ سُوِّد وجهُه وقُلِبَ في ركوبه، وهذا أمر محسوس لمَن له قلب، فإن ما في

стр. 365

القلب من النور والظلمة والخير والشر يَسْرِي كثيرًا إلى الوجه والعين، وهما أعظم الأعضاء ارتباطًا بالقلب. وتأمل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [محمد: ٣٠]، فهذا التعريف داخل تحت المشيئة معلَّق بها، ثم قال: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]، فهذا قسم محقق لا شرط فيه، وذلك أن ظهور ما في قلب الإنسان على لسانه أعظمُ من ظهوره على وجهه، لكنه يبدو في الوجه بُدوًّا خفيًّا يراه الله، ثمَ يقوى حتى يصير صفةً في الوجه يراها [١١٣ ب] أصحاب الفراسة، ثم يقوى حتى يظهر لجمهور الناس، ثم يقوى حتى يُمسَخ (١) الوجه على طبيعة الحيوان الذي هو على خلقه من قردٍ أو خنزيرٍ، كما جرى على كثير من الأمم قبلنا، ويجري على بعض هذه الأمة، كما وعد به الصادق الذي لا ينطق عن الهوى. فصل وأهل جمال الصور يُبتلَون بالفاحشة كثيرًا، واسمها ضدّ الجمال، فإن الله سماها فاحشة وسُوءًا وفسادًا وخبثًا وسيئة (٢) وإجرامًا، وهذه الأشياء ضدُّ الجمال، فعُلِم أن الجمال الذي يحبه الله ليس جمالَ الصورة، فإن الله لا ينظر إلى مجرد الصورة، فكيف يكون محبوبًا له؟

стр. 366

والجمال منه ما يحبه الله ومنه ما يبغضه، فإن الله (١) يُبغِض التجمل بلباس الحرير والذهب، ويُبغِض التجمل بلباس الخيلاء وإن كان ذلك جمالًا. فالجمال ثلاثة أنواع: جمالٌ خالٍ عن معارضة مفسدة، فهذا يحبه الله. وجمال مشتمل على مفسدة مبغوضة لله، فهذا يكرهه الله (٢). وجمال فيه شائبة من هذا وهذا، فهذا يكرهه الله من وجه ويحبه من وجه. هذا إذا كان جمالًا كسبيًّا، وأمّا إذا (٣) كان جمالًا خلقيًّا لا يتعلق بكسب العبد، فهذا لا يتعلق به ثواب ولا عقاب ولا مدح ولا ذم ولا حب ولا بغض، إلا إذا استعان به على ما يحبه الله أو يكرهه كما تقدم، وقد قال النبي ﷺ : "إن الله جميلٌ يحبُّ الجمال (٤) " (٥)، وقال: "إن الله يُبغِض الفاحشَ البذِيء" (٦)، وقال: "إن الله لا يُحِبُّ الفُحشَ ولا التفحُّشَ" (٧).

стр. 367

وكل واحد من الجمال والقبح له متعلَّقا (١) الخَلْقِ والخُلُقِ، والخلق يظهر أثره في القول والعمل، فها هنا ثمانية أقسام: جمال في الخَلْق والخُلُق والقول والفعل، فصاحبه أحمدُ الخلق وأحبُّهم إلى الله. ويُقابله (٢) قُبحٌ في الخَلْق والخُلُق والقول والفعل، فصاحبه أقبح الخلق وأبغضهم إلى الله. ثم قد يُركَّب بعض هذه الأقسام (٣) مع بعض، فيكون للرجل [١١٤ أ] جمالٌ في شيء وقبحٌ في غيره، وقد (٤) يكون جمالُه أكثر من قبحه فيغطِّيه ويستره، وبالعكس، وقد يتعادل فيه هذا وهذا. ومن تأمل أحوالَ الخلق وجدهم كذلك، وفي الغالب يكون بين جمال الظاهر والباطن تلازم، وبين قبح الظاهر والباطن تلازم، فإن لكل باطن عنوانًا من الظاهر يدل عليه ويُعرف به. وقد جعل الله سبحانه بين الخَلْق والخُلُق والظاهر والباطن ارتباطًا والتئامًا وتناسبًا، ومن ههنا تكلّم الناس في الفراسة، واستنبطوا علمها، وهو من ألطف العلوم وأدقِّها، وأصله معرفة المشاكلة والمناسبة والأخوة التي عقدها الله سبحانه بين المتشاكلين، ومَن لم يكن له نصيبٌ منها لم يكَدْ ينتفع بنفسه ولا بغيره.

стр. 368

وأنت إذا تأملتَ العالم فقلَّ أن ترى خَلْقًا مشوَّهًا إلّا وثَمَّ خُلُق قبيح وفعلٌ يناسبه وقول يناسبه، اللهم إلا لمعارضٍ من تأدُّبٍ وتعلُّمٍ يُخرِجه من مقتضى طبعه، كما يحصل لكثير من الحيوان البهيم من التعليم والتأديب والتمرين ما يخرجه عن مقتضى طباعه، وقلَّ أن ترى خَلْقًا جميلًا إلا وثمَّ خُلُق وفعل وقول يناسبه، اللهم إلا لمعارضِ سوءٍ أخرجه عن مقتضى طبعه، كالطفل الذي وُلِد على الفطرة، فلو خُلِّي لما نشأ إلّا على فطرة الإسلام، ولكنَّ معارضَ الكفر أخرجه عن فطرته، والنبي ﷺ ذكر أن الله جميلٌ يحب الجمال (١)، للفرق بين الكِبْر (٢) الذي يُبغِضه الله وأنه ليس من الجمال، وبين الجمال الذي يحبه، فإنه لما قال: "لا يدخل الجنةَ من في قلبه مثقالُ ذرة من كِبْر" [١١٤ ب]. قالوا: يا رسول الله! الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنًا (٣)، أفمن الكِبْر ذلك؟ فقال: "لا، إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بَطَرُ الحق وغَمْطُ (٤) الناس" (٥). فأخبر أن تحسين الثوب والنعل قد يكون من الجمال الذي يحبه الله، كما قال تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].

стр. 369

فإذا كان الظاهر جميلًا والباطن جميلًا أحبه الله، وإذا كان الباطن جميلًا والظاهر غير جميل لم يضرَّه عند الله شيئًا، وإن كان كاسدًا عند الناس فإنه عند الله عزيز غالٍ. فإذا كان للعبد صوت حسن ولو (١) من أحسن الأصوات، وبَذَا (٢) بصوته واستعمله في الغناء، أبغضَ الله صوته، كما يُبغِض الصورةَ المستعملة في الفواحش ولو كانت من أجمل الصور وأحسنها. فهذا فصل نافع جدًّا في الفرق بين الجمال الذي يحبه الله والجمال الذي (٣) يكرهه. فصل * قال صاحب السماع (٤): إذا كان النبي ﷺ قد أخبر عن ربه أنه يستمع للصوت الحسن، والنبي ﷺ استمع صوت أبي موسى وأعجبه وأثنى عليه، وقال: "لقد أُوتي هذا مِزمارًا من مزامير آل داود"، فقال له أبو موسى: لو علمتُ أنك تسمع (٥) لحبَّرتُه لك تحبيرًا" أي زيّنتُه وحسَّنتُه، ومنه البُرد المحبَّر. وقد روي أن داود كان يستمع لصوته الحسنِ الإنسُ والجن والطير والوحش، وكان يُحمَل من مجلسه أربعمائة جنازة ممن قد مات من قراءته.

стр. 370

*قال صاحب القرآن: عجبًا لكم أيها السماعاتية ولاستدلالكم! فلو أن المنكرين عليكم كرهوا حُسنَ الصوت وعابوه وذموه مطلقًا، لكان في ذلك احتجاجٌ (١) عليهم، كيف وهم أحبُّ (٢) الناس [١١٥ أ] في الصوت الحسن، لكن الشأن فيما يُؤدَّى بالصوت. فهذه الآثار التي ذكرتموها وأكثر منها إنما تدل على استحباب تحسين الصوت بالقرآن، ومن نازع في هذا فالاستدلال بها على تحسين الصوت بالغناء الذي هو قرآن الشيطان ومادة النفاق ورقية الفواحش أفسدُ من قياس الربا على البيع، فإن بين الغناء والقرآن من التباين أعظمَ مما (٣) بين البيع والربا، ومما بين النكاح والسفاح، ومما بين الشراب الحلال والشراب الحرام. فأين سماع المكاء والتصدية الذي ذمه الله في كتابه، وأخبر أنه سماع المشركين، من (٤) سماع أنبيائه ورسله وأوليائه وحزبه المفلحين؟ وأين سماع المخانيث والقَيْنات والفساق والمغنين من سماع الخلفاء الراشدين والمهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان واقتفَوا طريقتَهم المثلى وسبيلَهم الأقوم، وسلكوا منهاجهم الواضح؟

стр. 371

وكيف يقاس مؤذنُ الشيطان الداعي بحيَّ على غير الفلاح، على مؤذن الرحمن الداعي إلى السعادة والنجاح؟ وقد تقدم ذكر الحديث الذي رواه الطبراني في معجمه عن النبي ﷺ أن الشيطان قال: يا ربِّ اجعلْ لي قرآنًا، قال: قرآنُك الشعر، قال: اجعلْ لي [١١٥ ب] مؤذنًا، قال: مؤذنك المزمار (١). فمن قاس قرآن الشيطان ومؤذنه على قرآن الرحمن ومؤذنه فالله حَسيبه ومُجازيه، وسيعلم يوم الحشر أيَّ بضاعةٍ أضاع، وعند الميزان أيَثقُل أم يَخِفُّ بما قَدِم به من السماع. وها هنا الناس أربعة أقسام: أحدها: من يشتغل بسماع القرآن عن سماع الشيطان. والثاني: عكسه. والثالث: من له نصيب من هذا وهذا. والرابع: من (٢) ليس له نصيب لا من هذا ولا من هذا. فالاشتغال بالسماع القرآني الرحماني حال السابقين الأولين وأتباعهم ومن سلك سبيلهم.

стр. 372

والثاني: حال المشركين والمنافقين والفُجَّار والفُسَّاق والمبطلين ومن سلك سبيلهم. والثالث: حالُ مؤمنٍ له مادتان، مادة من القرآن ومادة من الشيطان، وهو للغالب عليه منهما. والرابع: حال الفارغ من ذوق هذا وهذا، فهو في شأنٍ وأولئك في شأنٍ. فهذه الآثار التي تضمنت مدحَ الصوت الحسن بالقرآن وما يحبه الله، مَن احتج بها على السماع الشيطاني فقد بَخَسَ حظَّه من العلم والمعرفة. فصل *قال صاحب الغناء (١): الصوت الحسن يُطيِّب السير، ويقطع المشاقّ، ويَحمِل سامعُه معه ما لا يحمله بدونه [١١٦ أ]، ولهذا لما حَدَا ذلك الغلام بالإبل قطعَتْ مسيرة ثلاثة أيام في يوم، فلما حطَّ عنها أحمالها ماتت، فإن طيب الصوت هوَّن عليها مشقةَ الحمول فلم تُحِسَّ بها، فلما وضعت عنها أحمالها فرغت قواها. قال أبو بكر الدُّقِّي (٢): وحدا هذا الغلام بجَملٍ، فهامَ على وجهه،

стр. 373

وقطعَ حباله، قال: ولم أسمع صوتًا أطيبَ منه، ووقعتُ لوجهي حين سمعته، حتى أشار عليه سيدُه بالسكوت، فسكت. *قال صاحب القرآن: لا ريبَ أن الصوت المتناهي في الحسن يُحرِّك النفوس تحريكًا عظيمًا جدًّا خارجًا عن العادة، وقد شاهد الناس وسمعوا من ذلك ما هو معلوم، والأصوات من أعظم المحركات للنفوس، ولا يُعادِلُها شيء في حركة النفوس إلا الصور، فإذا اتفق قوة المؤثر واستعداد المحل قوي التأثير، حتى يغيب عن الحسِّ أحيانًا، ويحول بين سامعه وبين مباشرة المؤلم المؤذي، فلا يَشعُر به. وإذا صادف محلًّا مستعدًّا لصِغَرٍ (١) أو أنوثةٍ أو جزعٍ أو فرحٍ أو قوةِ حبٍّ أو رياضةٍ ولطافةِ روحٍ، حرَّكهُ غايةَ الحركة، وأزعجَ قاطنَه (٢)، وأثار ساكنَه، وهذا لا يدل على جواز ولا تحريم ولا مدح ولا ذم، بل دلالته على الذم والمنع أقرب من دلالته على الجواز والاستحباب ، فإن هذا يُفسِد النفوس أكثر مما يُصلِحها، ويضرها أكثر مما ينفعها، وإن كان فيه منفعة يسيرة فآفته ومضرته أكبر من نفعه (٣)، وقد قال تعالى للشيطان: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤]، فالصوت الشيطاني يَستفِزُّ بني آدم، وصوت الشيطان كل صوت في غير طاعة الله، نُسِبَ إلى

стр. 374

الشيطان لأمره به ورضاه به، وإلا فليس هو الصوت نفسه، فصوت الغناء وصوت النوح وصوت المعازف [١١٦ ب] من الشبابات والأوتار وغيرها كلها من أصوات الشيطان، التي يَستفِزُّ بها بني آدم فيَستخِفُّهم ويُزعِجُهم. ولهذا قال السلف في هذه الآية: "إنه الغناء". ولا ريبَ أنه من أعظم أصوات الشيطان التي يَستفِزُّ بها النفوسَ ويُزعِجها ويُقلِقها، وهو ضدُّ القرآن الذي تطمئن به القلوب وتسكنُ وتُخبِتُ إلى ربها، فصوت القرآن يُسكِّن النفوسَ ويُطَمْئِنُها ويُوقرها، وصوت الغناء يَستفِزُّها ويُزعِجُها ويُهيِّجُها، كما قيل: حاملُ الهوى تَعِبُ ... يَستفِزُّه الطَّرَبُ كلَّما انقضَى سببٌ ... عادَ منك لي سَبَبُ تَضْحَكِينَ لاهيةً ... والمحِبُّ يَنْتَحبُ تَعجَبِين من سَقَمِيْ ... صِحَّتِي هي العَجَبُ (١) فلو لم يكن دليل على أن صوت الغناء والمعازف هو صوت الشيطان لما يستفزّ به السامع ويُقلِقه به ويُزعِجه ويُزِيل طمأنينتَه لكفى به دليلًا. وكذلك صوته الذي يَستفِزُّ به النفوسَ عند المصيبة وهو النوح، فيستفزُّها بهذا الصوت إلى الحزن والأسف والسخط بما قضى الله،

стр. 375

ويستفزُّها بذلك الصوت إلى الشهوة والإرادة والرغبة فيما يبغضه الله، فينهاها بصوت النوح عما أمرها الله به، ويأمرها بصوت الغناء بما نهاها الله عنه. وهذا الصوت هو أحد الأسباب الخمسة التي أقسم الشيطان أن (١) يَحتنِكَ بها ذريةَ آدم ويستأصلهم إلا قليلًا، وهي استفزازهم بصوته، والإجلابُ عليهم بخيله ورَجلِه، ومشاركتهم في أموالهم وأولادهم (٢). فكل راكب في معصية الله فهو خَيَّالةُ الشيطان، وكل ماشٍ في معصية الله فمن (٣) رَجَّالتِه، وكل مالٍ أُخِذ من غير حلِّه وأُخرِج في غير حقه فهو شريك صاحبه [١١٧ أ] فيه، وكل ولدٍ من نطفة زنا فهو شريك أبيه فيه. فتبارك من جعل كلامه شِفاءً لصدور المؤمنين، وحياةً لقلوبهم، ونورًا لبصائرهم، وغذاءً لقلوبهم، ودواءً لسقامهم، و قرةً لعيونهم، وفتح به منهم أعينًا عُمْيًا (٤) وآذانًا صُمًّا وقلوبًا غُلْفًا، وأمطر على قلوبهم سحائبَ دِيمهِ، فاهتزَّتْ ورَبَتْ وأنبتتْ من كل زوج بهيج، فأشرقتْ به الوجوه، واستنارتْ به القلوب، وانقادتْ به الجوارح إلى طاعته ومحبته،

стр. 376

فصبغَ القلوبَ به معرفة وإيمانًا، وملأها حكمة وإيقانًا، ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨]، لا كصبغة السماع التي تملأ القلوب هوى وشهوة وظلمة وشركًا، وتُعوِرُ (١) بصيرةَ القلب وتَطْمِسُ نوره وتُنكِّسه وتُخنِّث عزمَه. فقلَّ أن ترى سماعيًّا إلا وهو مخنَّث العزيمة، يلوحُ التخنيثُ على شمائله وحركاته. وقد سمى النبي ﷺ صوت الغناء صوتًا فاجرًا أحمق (٢)، فوصفه بالفجور والحمق، فالفجور: الظلم، والحمق: الجهل. وقال لقمان لابنه: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩]، والمغني والرقاص أبعد الناس من هذا، فلا هذا غضَّ من صوته، ولا هذا قصدَ في مشيه. فصل * قال صاحب الغناء (٣): نحن نتحاكم (٤) في هذه المسألة إلى سيد الطائفة الجنيد، قال أبو عمر (٥) الأنماطي: سمعته يقول وقد سُئل: ما بالُ

стр. 377

الإنسان يكون هادئًا فإذا سمع السماع اضطرب؟ فقال: إنَّ الله لما خاطب الأرواح في الميثاق الأول بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، استفرغتْ عذوبةَ (١) سماعِ [الكلام] (٢) الأرواحُ، فإذا سمعوا السماع حرَّكهم ذِكرُ ذلك. * [١١٧ ب] قال صاحب القرآن: من دُعي إلى تحكيم الله ورسوله وما أُنزِل على نبيه من الكتاب والحكمة، فلم يرضَ بذلك، ودعا إلى تحكيم من يصيب ويخطئ، ولم يُولِّه الله الحكمَ فيما شجر بين المتنازعين، فقد بخسَ حظَّه وأضاعَ نصيبَه. فهذا النقل إن كان ثابتًا عن الجنيد فهو نقل عن غير معصوم، وإن لم يكن ثابتًا عنه وهو الأليق (٣) بمثل جلالته ومعرفته فهو نقل غير مصدَّق عن قائلٍ غير معصوم، فكيف يكون حجةً؟ والجنيد أعرفُ بالله من أن يقول مثل هذا، فإنَّ هذا الاضطراب يكون لجميع الحيوان ناطقه وأعجمه، ويكون للكفار والمنافقين والفساق والفجار، ثمّ الاضطراب قد يكون لحلاوة الصوت ومحبته واستلذاذه (٤)، وقد يكون للخوف منه وهيبته، وقد يكون للحزن والجزع، وقد يكون للغضب.

стр. 378

وأيضًا فمن المعلوم قطعًا أنَّ الصوت المسموع ليس هو ذلك الخطاب الأول، ولا هو متعلق به، ولا هو منه بسبيل. وأيضًا فإنَّ هذا الاضطراب على قرآن الشيطان والغناء الذي هو مادة النفاق ورقية الفجور، كيف يُحرِّك للخطاب بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾؟ وأيضًا فإنَّ العبد لو سمع كلام الله بلا واسطة كما سمعه موسى بن عمران لم (١) يكن (٢) سماعه بعدُ لأصواتِ الألحان (٣) والغناء محرِّكًا لذلك مذكِّرًا به. بل المأثور أنَّ موسى مَقَتَ الآدميين وأصواتهم وكلامهم لما وقر في مسامعه من كلام ربه ﷻ (٤). وأيضًا فإنَّ استلذاذ الصوت أمر طبيعي لا تعلق له بكونهم (٥) سمعوا خطاب الرب في الأزل أصلًا. وأيضًا فإنَّ أحدًا لا يذكر ذلك السماع أصلًا إلا بالخبر عنه.

стр. 379

وأيضًا فإنَّ معنى الآية ينبُو عما حملها عليه (١) من قال [١١٨ أ] بهذا القول من وجوه متعددة: منها: أنَّه قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ (٢)﴾ [الأعراف: ١٧٢]، ولم يقل: من آدم، ولا قال: من ظهره، ولا قال: من (٣) ذريته. ومنها: أنَّه أشهدهم على أنفسهم، ولابدّ أن يكونوا عند هذا الإشهاد موجودين، والنفوس البشرية إنما تُحدَثُ عند خلق أبدانها، لا أنها مخلوقة قبل الأبدان. ومنها: أنَّ المقصود بهذا الإشهاد إثبات الحق وإقامة الحجة، وهذا إنما حصل بعد خروجهم إلى هذه الدار وإقامة الحجة عليهم من الرسل (٤)، وبما رُكِّب فيهم من العقول ونُصِب لهم من الأدلة، وكيف تقوم الحجة عليهم بأمر لا يذكره أحد منهم؟ ومنها: أنَّه قال: ﴿أَنْ يَقُولُوا (٥) يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾

стр. 380

أي حِذارَ أن يقولوا لئلا يقولوا، فأخبر أنَّ هذا الإشهاد والتقرير لئلا يحتجوا عليه (١) سبحانه يومَ القيامة بغفلتهم عنه، فكيف تقوم عليهم الحجة بأمرٍ كلهم عنه غافل لا يذكره أحد منهم؟ ومنها: أنَّه قال: ﴿أَوْ يَقُولُوا (٢) إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٣]، فأخبر أنَّه أقام عليهم الحجة لئلا يحتجوا عليه بتقليد الآباء، فلو أهلكهم لأهلكهم بذنوب غيرهم، وهذا كله حصل بعد إرسال الرسل (٣) وإنزالِ الكتب وتركيبِ العقول والأسماع والأبصار فيهم، فكيف يحصل بهذا العهد الذي لا يذكره أحد؟ ثمَّ إنَّ الجنيد في السماع كان له أحوال: أولها حضوره، ثمّ المنع من التكلُّف له، والرخصة لمن صادفه (٤). قال القشيري (٥): "سمعت محمد بن الحسين، يقول: سمعت الحسين بن أحمد بن جعفر، يقول: سمعت أبا بكر بن ممشاذ، [١١٨ ب] يقول: سمعت الجنيد، يقول: السماع فتنةٌ لمن طلبه، ترويحٌ لمن صادفه.

стр. 381

فأخبر أنَّه فتنةٌ لمن قصده، ولم يجعله لمن صادفه قُربةً ولا مستحبًّا. بل جعله من نوع الراحة، فكيف يقول مع هذا إنَّه يُذكِّر الخطاب المتقدم؟ ثمّ إنَّ الجنيد ترك السماع وتاب منه، ومنع منه (١) أصحابه، كما تقدم حكاية ذلك (٢). فصل *قال صاحب السماع (٣): فهذا أبو علي الدقاق من شيوخ القوم وساداتهم يقول ما حكاه عنه القشيري (٤)، قال: سمعته يقول: السماع حرام على العوام لبقاء نفوسهم، مباح للزهاد لحصول مجاهداتهم، مستحب لأصحابنا لحياة قلوبهم. *قال صاحب القرآن: إن كان أبو علي الدقاق من شيوخ القوم، فأبو علي الروذباري ــ الذي شهد فيه القشيري بأنَّه أظرف المشايخ وأعلمهم بالطريقة، وقد صحب الجنيد والطبقة الثانية، وكان يقول: أستاذي في التصوف الجنيدُ، وفي الفقه أبو العباس ابن سُريج، وفي الأدب ثعلب، وفي الحديث إبراهيم الحربي ــ سئل عمن يسمع الملاهي ويقول: هي لي حلال، لأني قد وصلتُ إلى درجة لا يؤثر في اختلاف

стр. 382

الأحوال، فقال: نعم، قد وصل لَعمري ولكن إلى سَقَر (١). فقول أبي علي: "هو مباح للزهاد لحصول مجاهداتهم" هو الذي أنكره أبو علي بعينه. ثمّ إنَّ هذا التقسيم مما تردُّه الشريعة، فإنَّ ما حرمه الله ورسوله يستوي في تحريمه العامة والخاصة كسائر المحرمات، فلم يحرم الله على العامة (٢) شيئًا ويبيحه للخاصة ثمّ يستحبّه لخاصة الخاصة، وهل هذا إلا من جنس التلاعب بالدين؟! فلو قال قائل: الخمر حرام على العوام لبقاء نفوسهم وما يقع فيها من العربدة والشر، مباح لمن جاهد [١١٩ أ] نفسَه عن ذلك، مستحب لمن قلبه حيٌّ لا يؤثر فيه شربه، أكان فرقٌ بينه وبين هذا التقسيم؟ وأين في شرع الله ورسوله فعل مباح لبعض المكلفين، حرام بعينه على بعضهم، مستحب لبعضهم، مع استوائهم في التكليف وأسبابه؟ هذا مما لا يمكن مجيء الشرع به. وإذا اختلفت الأحكام باختلاف المكلفين اختلفت باختلاف أوصافهم (٣)، كتحريم نكاح الإماء (٤) على القادر الواجد لنكاح حرة، وإباحته للعاجز الخائف العَنَتَ، وكوجوب الصوم على المقيم والمرأة

стр. 383

الطاهر، وإباحة الفطر للمسافر ووجوبه (١) على الحائض، وكوجوب الزكاة على المالك للنصاب وسقوطها عن (٢) العاجز عنه، وتحريم النكاح والوطء على المحرم وإباحته للحلال، وتحريم دخول المسجد على الجنب وإباحته للطاهر. فهذا هو الذي تجيء به الشرائع، وهو تعليق الأحكام بالأوصاف واختلافها بسببها. فأما أن يكون الفعل حرامًا على العامة مباحًا للخاصة مستحبًّا لخاصة الخاصة، فهذا شرعُ دينٍ لم يأذن به الله، ثمّ ما الضابط المفرِّق بين من يحرم عليه ويباح ويستحب؟ وما هو العامي الذي يحرم عليه والخاص الذي يباح له وخاص الخاص الذي يستحب له؟ وهل هذا وأمثاله إلّا فتح باب تبديل الدين وتغييره (٣)؟ وفتحه هدمٌ لقواعد الشرع المحمدي (٤)، والله المستعان. فصل * قال صاحب الغناء (٥): فهذا ذو النون المصري من سادات القوم ومشايخ الطريق، سُئل عن الصوت الحسن فقال: مخاطبات (٦)

стр. 384

وإشارات أودعها الله كلَّ (١) طيب وطيبة. وسئل مرة أخرى عن السماع، [١١٩ ب] فقال: واردُ حقّ يُزعِج القلوبَ إلى الحق، فمن أصغى إليه بحقٍّ تحقَّقَ، ومن أصغَى إليه بنفسٍ تزندق. * قال صاحب القرآن: الحكاية عن أضعافِ أضعاف هؤلاء لا تُجدِي عليك شيئًا، فلِمَ (٢) ذا التكثر بما لا يفيد؟ ثمّ إنَّ هذا الكلام لا تُعرَف صحتُه عن ذي النون، والكذب على المشايخ كثير جدًّا، وقد رأى أهل العلم وسمعوا من ذلك ما لا يُحصِيه إلا الله. ثمّ لو سُلِّمَتْ صحةُ هذا عن ذي النون فله حكم أمثاله من غير المعصومين الذين يجوز عليهم بل يجب وقوع الخطأ منهم، وغاية أحدهم أن يُعذَر فيما صدر منه باجتهاده، ويكون ذلك العمل منه (٣) مغفورًا بنيته وصدقه وحسناته وغير ذلك، وأما أن يُجعَل قدوةً للناس في ذلك فكلَّا ولمَّا. وذو النون قد نُقِل عنه أنَّه لما دخل بغداد اجتمع إليه الصوفية وفيهم قوَّالٌ، فاستأذنوه في أن يقول بين يديه، فأذن له، فابتدأ يقول: صغيرُ هواك عذَّبني ... فكيفَ به إذا احتَنَكا وأنت جمعتَ في قلبي ... هوًى قد كان مشتركا أما تَرْثِي لِمُكْتَئِبٍ ... إذا ضحِكَ الخليُّ بكى

стр. 385

فقام ذو النون، وسقط على وجهه، والدم يقطُر من جبينه ولا يسقط على الأرض، ثمّ قام رجل من القوم فتواجد، فقال له ذو النون: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٨]، فجلس الرجل (١). قال أبو علي الدقاق: كان ذو النون صاحب إشرافٍ على ذلك الرجل، حيث نبَّهه أن ذلك ليس مقامه، وكان ذلك الرجل صاحب إنصافٍ حيث قَبِلَ ذلك منه وقعد. وذو النون أحد الشيوخ الذين حضروا السماع [١٢٠ أ] تأويلًا، وليس ذو النون بأجلَّ من سفيان الثوري، وشريك بن عبد الله، ومِسْعَر بن كِدام، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وغيرهم من أئمة الكوفة الذين استحلُّوا النبيذ المسكر تأويلًا، ولا بأجلَّ من عطاء بن أبي رباح وابن جريج وغيرهما ممن استحلَّ المتعة والصرف، ولا بأجلَّ من الأعمش والطائفة ممن استحلَّ الأكل في رمضان بعد طلوع الفجر، ولا بأجلَّ ممن استحلَّ أكلَ (٢) ذي الناب من السباع والمخلب من الطير، ولا بأجلَّ ممن استحلَّ إتيانَ النساء في أدبارهن، ولا بأجلَّ ممن جوَّز للصائم أكلَ البَرَد، ولا بأجلَّ ممن جوَّز نكاحَ الزانية مع استمرارها على البغاء، وجوَّز نكاحَ البنت المخلوقة من مائه سفاحًا، وغير ذلك بالتأويل، وكذلك الذين استحلُّوا قتالَ علي بن أبي طالب من أهل

стр. 386

الشام، وكذلك الذين قاتلوا معه من أهل العراق والحجاز، إلى أمثال ذلك مما تنازعتْ فيه الأمة. فليس لأحدٍ أن يحتجَّ لأحد القولين بمجرد قول أصحابه وفعلهم، وإن كانوا من أهل العلم والدين، وليس لعالمٍ أن يترك الإنكارَ عليهم وبيانَ ما بعث الله به رسوله لأجل محلهم من العلم والدين، ولا لأحدٍ أن يَقدَح فيهم ويُفسِّقهم لما هم عليه من العلم والدين، فلا يحتج بقولهم ولا يُؤثِّمهم ولا يترك الإنكار عليهم. فهذا ميزان أهل العلم والاعتدال ، والسالك الذي يريد الله ورسوله والدار الآخرة لا يُقنِعه (١) في مثل هذا اتباعُ مَن ليس قوله بحجة، بل عليه أن يتبع الصراط المستقيم، وما دل عليه كتاب الله وسنّة رسوله، وكان عليه أصحاب نبيّه. فهذه الأصول الثلاثة منها وصل السائرون إلى الله وبها تمسكوا، وما خالفها فهو من السبل التي (٢) [١٢١ أ] على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه (٣).

стр. 387

فصل الوجه الثاني (١): قوله: "إن الصوت الحسن مخاطبات وإشارات أودعَها الله كلَّ طيب وطيبة"، لا يجوز أن يراد به أن كل صوتٍ طيّبٍ كائنًا ما كان فإن الله أودعه مخاطباتٍ يخاطب بها عباده، فإن هذا القول كفر صريح، فإن ذلك يستلزم أن تكون الأصوات الطيبة التي يستعملها المشركون وأهل الكتاب في الاستعانة بها على كفرهم قد خاطب الله بها عباده، وأن تكون الأصوات الطيبة التي يَستفزُّ بها الشيطان لبني آدم (٢) قد أودعها الله مخاطباتٍ يُخاطِب بها عبادَه، وأن تكون أصوات الملاهي قد أودعها الله مخاطباتٍ يخاطب بها عباده. ومن المعلوم أن هذا لا يقوله عاقل. ثمّ لو كان الأمر كذلك فلِمَ فات الأنبياءَ والصديقين وأئمةَ الإسلام سماعُ هذه الأصوات الطيبة لينالوا ذلك الخطاب منها؟ فإن استماع مخاطبات الحق من أفضل القُربات، فلا يصح أن يكون إطلاق هذا الكلام وعمومه حقًّا. بقي أن يقال: هذا خاصٌّ ومقيدٌ بالصوت الحسن إذا استُعمِل على الوجه الحسن، فهذا حق، مثل أن يزيّن به كلام الله، فالصوت الحسن إذا تُلي به كتابُ الله فإنه يكون حينئذٍ قد أُودِعَ مخاطباتٍ وإشاراتٍ تضمنها

стр. 388

الكلام، والصوت الحسن أعان على وصولها وتنفيذها إلى القلب، فهاتان مرتبتان لحمل (١) هذا الكلام، إحداهما باطلة قطعًا، والثانية صحيحة قطعًا، تبقى بين عموم تلك المرتبة وخصوص هذه مراتبُ عديدة: منها: أن يُحمَل ذلك على ما يجد المستمع في قلبه من المخاطبات [١٢١ أ] والإشارات من الصوت وإن لم يقصده المصوِّت، فهذا كثيرًا ما يقع لهم، وأكثر الصادقين الذين حضروا هذا السماع يشيرون إلى هذا المقصد (٢)، وصاحب هذه الحال يكون ما يسمعه (٣) مُذكِّرًا له بما (٤) كان في قلبه من الحق. وهذا يكون على وجهين: أحدهما: من الصوت المجرد الذي لا يُفهَم معناه، كأصوات الطيور والرياح والآلات وغيرها، فهذه الأصوات كثيرًا ما يُنزِلها السامع على حاله، فيُحرِّك منه ما يناسبه من فرح أو حزن أو غضب أو شوق وغيره، كقول بعضهم (٥):

стр. 389

رُبَّ ورقاءَ هَتُوفٍ (١) في الضُّحَى ... ذاتِ حُسنٍ صَدَحَتْ في فَنَنِ ولقد أبكِيْ فلا أُفهِمُها ... وَهْيَ قد تبكي فلا تُفهِمُني غيرَ أني بالجَوَى أعرِفُها ... وَهْيَ أيضًا بالجَوَى تَعرِفُني والثاني: أن يكون من الصوت المشتمل على الحروف المنظومة التي لها معنى يُفهَم، فيُنزلها السامع على ما يليق بحاله دون ما قصده به القائل، مثل أن يكون في الشعر عتاب وتوبيخ، أو أمرٌ بالصبر على المكروه، أو ذمٌّ على التقصير في القيام بحقوق المحبة، أو تحزينٌ على ما فرَّط فيه مفرِّطٌ من الحقوق، أو غضبٌ وحميَّةٌ على جهاد العدو ومقاتلته (٢)، أو أمرٌ ببذل النفس والمال في نيل المطلوب ورضا المحبوب، أو غير ذلك من المعاني المجملة المشتركة. وربما قرعَ السمعَ حروفٌ أخرى لم ينطق بها المتكلم، ولكن هي على وزن حروفه التي نطق بها، كما نقل عن بعضهم أنه سمع قائلًا يقول: "سَعْتَر بَرِّي" فحصل له وجدٌ، فقيل له: ما سمعتَ؟ فقال: سمعتُ [١٢١ ب] اسْعَ تَرى بِرِّي (٣).

стр. 390

وكل واحد إنما يسمع من حيث هو، كما يُحكى (١) أن عتبة الغلام سمع قائلًا يقول: سبحانَ ربِّ السماء ... إن المحبَّ لفي عَناءِ (٢) فقال عتبة: صدقتَ. وسمع رجل آخر ذلك القول، فقال: كذبت (٣). فكل منهما سمع على ما شاكل حاله. وهذه هي التي يُسمِّيها القوم إشاراتٍ ومخاطباتٍ، فالمخاطبات من جنس دلالات الألفاظ، والإشارات من جنس دلالات القياس، وهذه يستعملها القوم كثيرًا فيما يرونه ويسمعونه، وبعضهم يغلو فيها غلوًّا مُفرِطًا، وكثير من الناس يَنبُو فهمُه عنها، والصواب فيها التوسط، وهي تصح بثلاثة شروط: أحدها: أن يكون المعنى صحيحًا في نفسه. الثاني: أن لا يكون في اللفظ ما يُضادُّه. الثالث: أن يكون بينه وبين معنى اللفظ الذي وضع له قدرٌ مشترك يفهم بواسطته.
следующие страницы →