← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 18318

الكلام على مسألة السماع

ابن القيم

Полный текст (508 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

واعتبرْ ذلك بمسألة السماع التي وقع فيها النزاع، فإنَّ الله سبحانه شرع للأمة من السماع ما أغناهم به عما لم يَشرعْه، حيث أكملَ لهم دينَهم وأتمَّ عليهم نعمتَه ورضيَ لهم الإسلام دينًا، وهو سماع القرآن الذي شرعه لهم في الصلاة وخارجها مجتمعين ومنفردين، حتى كان أصحاب النبي ﷺ إذا اجتمعوا أمروا واحدًا يقرأ والباقون يستمعون، وكان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى: "يا أبا موسى ذكِّرنا ربَّنا" (١). فلما انقرضت القرون الفاضلة حصلَتْ فترةٌ في هذا السماع المشروع الذي به صلاح القلوب وسعادة الدارين، وصار أهل الفتور فيه أحدَ رجلين: رجل أعرض عن السماع المشروع وغير المشروع، فأورثه ذلك قسوةً، وفواتَ حظِّه من حقائق الإيمان وأذواقه ومواجيده. ورجل أقبل على سماع الأبيات والقصائد، و جعل شربه وذوقه منها. والرجلان منحرفان، وخير منهما وأصحُّ سماعًا من جعل سماعه وذوقه ووَجْدَه من الآيات. وأقام الله سبحانه من أنكر على أهل السماع المحدَث المبتدَع، وكان في المنكِرين المقتصدُ والجافي والغالي، وصار على تمادي الأيام

стр. 317

يزداد المحدَثُ من هذا السماع، ويكثر الحدَثُ فيه، ويزداد التغليظُ من أهل الإنكار، حتى آل الأمر إلى أنواع من التفرق والاختلاف والمعاداة. ومن ثبَّته (١) الله بالقول الثابت أعطى كلَّ ذي حق حقَّه، وحفظَ حدودَ الله فلم يَعتدِها (٢)، ومن يتعدَّ (٣) حدودَ الله فقد ظلم نفسه. وحصلت الزيادةُ في جميع [٩٦ ب] أنواع البدع، وازدادت على الأيام تغليظًا، فإنَّ أصل سماع القصائد كان تلحينًا بإنشاد قصائد مُرقِّقة للقلوب، تتضمن تحريكَ المحبة والشوق، والخوف (٤) والخشية، والحزن والأسف وغير ذلك، وكانوا يشترطون له المكان والإمكان والخلَّان، ويشترطون أن يكون المجتمعون لهذا السماع من أهل الطريق المريدين لوجه الله والدار الآخرة، وأن يكون الشعر المسموع خاليًا عما تَحظُر الشريعةُ سماعَه وتكرهه، وبعضهم كان يشترط أن يكون القوَّال منهم، وبعضهم يشترط كون الذي أنشأ القصيدة من أهل الطريق، إلى غير ذلك من الشروط والأوضاع التي احترزوا بها من مُفسِدات السماع. ولكن لما كان الأصل غيرَ مشروعٍ آل الأمرُ إلى ما آل إليه من الفساد الذي لا يعلمه إلا الله، لأنَّه من عند غير الله، فليس عليه حارسٌ

стр. 318

وحافظ من الله، بل هو بمدرجة كل سالكٍ في الباطل، وهو مَجْمَعُ المنخنقة (١) والموقوذة والمتردية والنطيحة وأكيلة السَّبُع وما ذُبِح على النُّصُب. ثمّ إنَّهم أضافوا إلى هذا الصوت ما يُنفِّذه ويُوصِله إلى شَغَاف القلب، من الآلات التي أخفُّها التغبير، وهو ضربٌ بقضيب على جلد أو مخدَّةٍ على توقيع خاص، فعظُمَ إنكارُ الأئمة لذلك كالشافعي وأحمد، فقال الشافعي: "هو من إحداث الزنادقة"، وقال أحمد: "بدعة". ثمّ لم يقتصروا على هذه الحركة، فتعدَّوها إلى حركة الدُّفوف، وهي أقبح من حركة التغبير، وفيها ما فيها، وزيادة التشبه بالنساء، فإنَّ الدفّ في الأصل إنما هو للنساء عادة ورخصة، وقد لعن رسول الله [٩٧ أ] ﷺ المتشبّهين من الرجال بالنساء (٢). ثمّ لم يقتصروا على هذه الحركة حتى تعدَّوها إلى حركات الأوتار والعِيْدان، التي هي في الأصل من إحداث الفلاسفة أعداء الرسل، ثمّ ضمُّوا إلى ذلك حركة الرقص، التي سببها استخفاف الشيطان لأحدهم، وركوبه على كتفه، ودقُّه برجليه في صدره، وكلما دقَّه برجليه ورقَص على صدره رقصَ هو كرقص الشيطان (٣) عليه، وقد شاهد ذلك بعض أهل البصائر عيانًا، ثمّ ضمُّوا إلى صوت الغناء صوتَ اليَراع والشبابة وغيرها.

стр. 319

فاقتضت هذه الهيئة الاجتماعية حركةً باطنة، فإنَّ استماعَ الأصوات المطربة يُثير حركةَ النفس بحسب تلك الأصوات، وللأصوات طبائع متنوعة يتنوع آثارها في النفس، وكذلك للكلام المسموع نظمه ونثره، فيجمعون بين الصوت المناسب والحرف المناسب، فيتولد من بينهما حركاتٌ نفسية تُثِير كامنَها وتُزعِج قاطنَها، وهذا أمر يشترك فيه بنو آدم من المؤمنين والكفار والأبرار والفجار، ويُثِير من قلب كل أحدٍ ما فيه. ومعلومٌ أنَّ النفوس فيها الشهوات كامنة، ولكنها مقهورة مقيَّدةٌ بقيود الأوامر، فإذا صادفها السماع أحياها وأطلقها من قيودها، وافْتكَّها من أَسْرها، وأجلب عليها بكل مُعِين ومُمِدّ. وهذا أمر لا ينكره إلا أحد رجلين: إما غليظ الطِّباع (١) كثيف الحجاب، وإما مكابر. فمضرة هذا (٢) السماع على النفوس أعظم من مضرَّة حُمَيّا الكُؤوس. ولما كانت المفسدة فيه ظاهرة معلومة، أخرجه أهلُه في قالَبٍ يُلطِّف ما فيه من المنكر، فجمعوا عليه أخلاطًا من الناس، وقالوا: إنَّ هذا [٩٧ ب] الاجتماع شبكةٌ نصطاد بها النفوسَ إلى التوبة، و نسوقُها بها إلى الله والدار الآخرة. ونعم واللهِ هو شبكة وأيُّ شبكة! يصطاد بها الشيطانُ النفوسَ المُبطِلة إلى ما هو أعظم من المعاصي الظاهرة،

стр. 320

ويقودها بها (١) إلى الغيّ والهوى، فلهذا نصَبه (٢) هؤلاء الفسَّاق من المخانيث والزُّناة وعُشّاق الصور، فجعلوه شبكةً لهم لصيدِ (٣) الأَغْيَد والغَيْداء والغَزَالِ والغزالة، ووضعوه على ما يليق بمقاصدهم من الأوضاع، فشرطوا أن يكون المغنِّي أمردَ جميلًا، تدعو صورتُه وصوته وشكله ودَلُّه وحركاتُه إلى تعلق القلوب به وعشقه، فإن فاتَ فامرأةٌ كذلك، وإذا جمعَ السماعُ العاشقَ والمعشوقَ، وتقابلَا وتعانَقَا في الرقص: فظُنَّ شرًّا ولا تسألْ عن الخبرِ (٤) وإذا حضر المُردان الحِسان هذا السماعَ فهو عندهم الغاية (٥)، ولاسيما إذا ألبسوهم المُصبغاتِ (٦)، وزيَّنوهم كما تُزيَّن العرائسُ، وأخلَوا لهم طابق (٧) الرقص، ودار حولهم العشّاق والفسَّاق كالهالة

стр. 321

حول القمر، وأداروا عليهم من الأعين النِّطاق. فللشيطان لا للهِ كم من (١) زَعْقةٍ وصَرْخةٍ وزَفْرةٍ وأنَّةٍ وحَسْرة ووَجْدٍ وأسفٍ وحزنٍ، وكم من قلوبٍ تُشقَّق قبل الجيوب، وعبراتٍ تُسكَب في غير رضا علام الغيوب، فيا لها حضرةً ما أحبَّها إلى الشيطان! وما أبغضَها إلى الرحمن! ويتزايد الأمر حتى يُغنُّوا بأشعارٍ طالما عُصِيَ الله بها في الأرض، من أشعار الفسّاق و الفجّار، المتضمنة لتهييجِ النفوس على ما يُبغِضه الله (٢) ويَمقُت عليه، ومدْح ما حرَّمه ولعنَ فاعله، والابتهاجِ به، والافتخارِ [٩٨ أ] بنيله، والتَبجُّح (٣) بالوصول إليه. وربما تعدَّوا ذلك إلى الغناء بالأشعار الكفرية التي تُحادُّ ما أنزل الله، كأشعار أهل الإلحاد من الاتحادية والحلولية، والأشعار المتضمنة لكثير من ألفاظ القرآن، كقوله: قمتُ ليلَ الصُّدودِ إلا قليلا ... ثمّ رتَّلتُ ذِكرَكم ترتيلَا إلى أن يقول (٤): قل لِرَاقِي الجفونِ إنَّ لجَفْنِي ... في بحارِ الدُّموع سَبْحًا طَوِيلا (٥)

стр. 322

ومرَّ في السورة يستعرضها هكذا (١) إلى آخرها. وهذا فِعلُ من لا يرجو لله تعالى ولا لكتابه وقارًا، بل قد سقطتْ حرمة القرآن والدين من قلبه، وكثيرًا ما يُغنُّون بأبيات تتضمن اعتقادَ الكفار، وقد لا يدري المغني ولا السامعون، بل قد يُغنُّون بما لا يستجيزه الكفار من أهل الكتاب، ولولا الإطالة لذكرنا من أشعارهم هذه كثيرًا. وزادوا أيضًا في آلات اللهو، حتى تعدَّوا إلى آلات اليهود والنصارى والمجوس والصابئة على اختلاف أنواعها، وعظُمت البليةُ، واشتدّت بذلك الفتنة، حتى ربا فيها الصغيرُ وهَرِمَ فيها الكبير، واتخذوا ذلك دَيْدَنًا ودينًا، وجعلوه من الوظائف الراتبة بالغدو والآصال، وفي الأماكن والأوقات الفاضلات، واعتاضوا به عن سماع الآيات وعن إقامة الصلوات، وقعدوا تحت قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: ٥٩]، وتحت قوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥]، فإنَّ "المكاء" هو الصفير وتوابعه من الغناء، و"التصدية" التصفيق بالأيدي [٩٨ ب] وتوابعه. فإذا كان هذا سماعَ المشركين الذي ذمه الله في كتابه، فكيف إذا اقترن بالمكاء المواصيلُ والشباباتُ، وبالتصديةِ الدفوفُ المصلصلاتُ، والرقصُ والتكسُّر والتثنِّي بالحركات الموزونات؟ فكأنَّ القوم إنما حلَّ لهم المكاء والتصدية لما انضمَّت إليه هذه المؤكدات، فهناك ذهب

стр. 323

حرامه وبقي حلاله، وزال نقصُه وخلَفَه كمالُه. ثمّ يتفاقم أمره إلى أن يشتمل على ما يتضمن الكفر بالرحمن، والاستهزاء بالقرآن، والطعن في أهل الإيمان، والاستخفاف بالأنبياء والمرسلين، والتحضيض على جهاد المؤمنين (١)، ومعاونة الكفار والمنافقين، واتخاذ المخلوق إلهًا من دون رب العالمين، وجعل ذلك من أفضل أحوال العارفين. ويفعلون في هذا السماع ما لا يفعله اليهود ولا النصارى ولا الصابئة ولا المجوس. فصار السماع المحدث دائرًا بين الكفر والفسوق والعصيان، ولا حول ولا قوة إلّا بالله، وكفره من أعظم الكفر وأشدِّه، وفسوقه من أعظم الفسوق وأبلغه، فإنَّ تأثيره في النفوس من أعظم التأثير يُغذّيها ويُغنيها، ولذلك سُمِّي غناءً، ويُوجب للنفوس أحوالًا عجيبة يظن أصحابها أنها من جنس كرامات الأولياء، وإنما هي من الأمور الطبيعية (٢) المُبعِدة عن الله، والشيطان يَمُدُّ أصحابَها في هذا السماع بأنواع الأمداد، كما قال تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢]، وقال للشيطان: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤]. وصار في أهل هذا السماع المحدَث الذين اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، ضدَّ ما أحبه الله وشرعه من دينه الحق، الذي بعثَ به رسله وأنزل

стр. 324

به كتبه، من عامة الوجوه. [٩٩ أ] إذ صار مشتملًا على أكثر ما حرَّمه الله ورسوله، فإنَّ الله تعالى قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، فاشتمل هذا السماع على هذه الأمور الأربعة التي هي قواعد المحرمات، فإنَّ فيه من الفواحشِ الظاهرة والباطنة والإعانة على أسبابها، والإثمِ والبغي بغير الحق، والشركِ بالله ما لم يُنزِّلْ به سلطانًا، والقولِ على الله بغير علمٍ= ما الله به عليم، فإنَّه تنوعَ (١) وتعددَتْ طرقه، وتفرق أهله فيه وصاروا شِيعًا، لكل قوم ذوقٌ ومشربٌ وطريق يُفارِقون به غيرهم، حتى في الأشعار والألحان والحركات والأذواق، وصار من فيه من العلم والإيمان ما ينهاه عما فيه من أنواع الكفر والفسوق والعصيان، يريد أن يَحُدَّ له حدًّا يَفصِل فيه بين ما يَسُوغ منه وما لا يسوغ، فلا يكاد ينضبط له (٢)، حتى إنَّ منهم مَن شرطَ شروطًا تتعذرُ ويندُر وجودها، حتى إنَّه اجتمع مرة ببغداد في حال عمارتها ووجود الخلافة بها أعيانُ الشيوخ الذين يحضرون السماع المصُونَ، فلم يجدوا من يصلح له إلا ثلاثةُ نفرٍ أو أربعة. وسبب هذا أنَّه ليس من عند الله، فوقع فيه الاضطراب والاختلاف، وصار أهله من الذين فرَّقوا دينهم وكانوا شِيَعًا، كل حزبٍ

стр. 325

بما لديهم فرحون. ثمّ المصيبة العظمى والداهية الكبرى أنَّه ــ مع اشتماله على المحرمات كلها أو أكثرها أو بعضها ــ يَرون أنَّه من أعظم [٩٩ ب] القُرُبات وأجلِّها قدرًا، وأنَّ أهله هم صفوة أولياء الله وخِيَرته من خلقه، ولا يَرضَون بمساواة السابقين الأولين من سلف الأمة وأئمتها حتى يتفضَّلوا عليهم، وفي غُلاتِهم وزنادقتهم من يُساوون أنفسَهم بالأنبياء والمرسلين، وفيهم من يُفضِّل نفسَه عليهم، إلى غير ذلك من أنواع الكفر. وجماع الأمر أنه صار فيه وفيما يَتْبَعه في وسائله ومقاصده وصفته ونتيجته، شَبَهٌ مما في السماع الشرعي وما يَتْبَعه في ذلك، فاشتبه الأمر والتبس الحق بالباطل، ونفوسُ أهله غالبًا لا تمييزَ لها ولذا أكثر أهله أهل الجهل وضعفاء العقول، ممن قلَّ نصيبه من العلم والإيمان، وأجدبَ قلبُه من حقائق القرآن، كالنساء والصبيان وأهل البوادي وجَهَلة الأعراب، ولهذا كان أهله إذا عَقَدُوه يَنزِل عليهم المقْتُ، وحَفَّتْ بهم الشياطين، وغَشِيَتْهم السخطةُ، وذكرهم إبليسُ فيمن عنده. وأهل السماع الإيماني القرآني، إذا حضروه تنزلتْ عليهم السكينةُ، وغشيتْهم الرحمةُ، وحفَّتْ بهم الملائكةُ، وذكرهم الله فيمن عنده (١)، فتَقْذِفُ الملائكة في قلوب أهل هذا السماع ما يزدادون به علمًا وإيمانًا، وتقذف

стр. 326

الشياطين في قلوب أهل (١) ذلك السماع ما يزدادون به نفاقًا وعصيانًا، حتى إن آثارَ الشياطين لتُوجَد على أهل هذا السماع، يراها كل صاحب بصيرةٍ في صفحات وجوههم، وفَلتاتِ ألسنتهم وحركاتهم وأحوالهم، حتى إن كثيرًا منهم ليَصْعَق كما يَصعَق المصروع، ويُزبِد كما يُزبِد المصروع، ويجري [١٠٠ أ] على لسانه من الكلام ما لا يُفهَم معناه ولا هو بلُغَته كما يجري للمصروعين، كما وُجِد ذلك في أقوام كانوا يتكلمون في سماعهم بلغات التتار الكفار (٢)، وذلك لتنزُّلِ شياطينِهم عليهم، وتَكلُّمِهم على ألسنتهم، وهم يظنون أنهم بذلك من أولياء الله، وإنما هم أولياء الشيطان وحزبُه، ولهذا يفعلونه على الوجه الذي يحبه الشيطان ويكرهه الرحمن. وذلك من وجوه: أحدها: أن العبادات الشرعية مثل الصلاة والصيام والاعتكاف والحج، قد شُرِع فيها من مجانبة مباشرة النساء المباحة في غيرها ما هو من كمالها وتمامها، وأعظم ذلك الحج، فليس من محرمٍ يباشر فيه النساء (٣)، ولا (٤) ينظر إليهن لشهوة، والمعتكف قريب منه، والصائم دونه، والمصلي لا يُصَافُّ المرأة بل تتأخر عنه، بل مرورها بين يديه

стр. 327

داخلَ السترة يَقطَع صلاتَه بالنص (١)، ومسُّ المرأة لشهوةٍ ينقض الطهارة عند الجمهور، ومطلقًا عند الشافعي. فإذا كان هذا في النظر والمباشرة المباح في غير حال العبادة، نهى الله عنه حالَ العبادة لمنافاته لها، فكيف بالنظر إلى الصور المحرمة من الرجال والنساء؟ والاستمتاع بأصواتهن (٢) إذا كانوا هم المغنين؟ ولا يتم واجب السماع عند القوم إلا بذلك، وإلا كان سَمِجًا باردًا، فحضور الشاهد في السماع من باب ما لا يتمُّ الواجب إلا به عندهم. وقد كان بعضهم يصلي بالليل وقد أوقد شمعةً على وجهِ أمردَ مليحٍ (٣) جميلِ الصورة، يَسْتَجلي محاسنَه في الصلاة، ويجد في قلبه من الباعثِ على الصلاة [١٠٠ ب] والسَّهَرِ في العبادة (٤) أمرًا عجيبًا، ويَعُدُّ (٥) ذلك من عباداته وقُرُباتِه. ولا ريب أن النفس تتحرك عند رؤية الصورة الحسنة وسماع الصوت الحسن ما لا تتحرك لغيرهما، فالأحوال والهمة التي يُثيرها سماعُ الألحان بمنزلة الأحوال والهمة التي يُثيرها استجلاءُ محاسن الصور سواء، وللشيطان بَراطيلُ ومَداخلُ، فيُلقِي في قلب

стр. 328

الرجل أنك لا تَنظُر للفسق، ولا تسمع لِلَّهو، وإنما تنظر للعبرة، وتتذكر ما أعدَّ الله لعباده وأوليائه عند لقائه من الصور المستحسنات. فاستدل بالشاهد على الغائب، وعلى الباقي بالفاني، ألا ترى إلى قول القائل فيمن يحبه: فإذا رآك العابِدونَ تيقَّنُوا ... حُورَ الجِنانِ لدى النعيمِ الخالدِ (١) ويقول له (٢): إنما تسمع (٣) أيضًا للفكرة والعبرة، وتأخذ من السماع ما لا يأخذ غيرك. وأخبرني غير واحد ممن يجد من حاله وقلبه وهمَّته عند هذا (٤) السماع وعند رؤية الصور الجميلة ما لا يجده في غيره، فحركة القلب عند السماع كحركته عند رؤية الصور التي أمر (٥) الله أن يغضَّ بصره عنها، فهل يقول عارفٌ باللهِ وأَمْرِه أن هذه الحركة بالله ولله؟ كلّا والله، إن هي إلا بالنفس وللشيطان، وغايتُها أن تكون حركةً ممزوجةً مركبةً مما لله وللنفس والشيطان، هذا أعلى مراتبها. والذي يَكشِفُ لك قِناعَ هذه المخبَّأَة ويُسْفِرُ لك عن وجهها: أنك

стр. 329

تجد [١٠١ أ] كثيرًا ممن يُعاني الأعمالَ الشاقَّة، إذا تعلق قلبه بصورة جميلة، أو سمع صوتًا حسنًا ازداد حرصُه وقوته وهمته على ما يُعانيه من الأعمال، وحَمل منه ما لا يَحمِله الخليُّ، واستلذَّ سَهَرَ الليالي وركوبَ الأهوال، فإن الحب يُطيِّر، والرجاء يُسيِّر، فتُصادف تلك الصورة والصوت من قلبه حبًّا كامنًا لما هو بصدده، فيُزْعِجه ويُثِيره حتى تَطُوعَ له نفسُه ببذل ما لا تَطُوع من غيره، فيُصادف سماعُ الأصوات المطربة ورؤيةُ الصور الجميلة من قلب المريد نوعَ محبةٍ لله والدار الآخرة، فيُثيرها ويُزعِجها، لكن يَقْلِبها نفسانيةً، ويَدخُل نصيبُ الشيطان وحظُّ النفسِ فيزاحمها، وتَشتبِكُ إحدى المحبتين بالأخرى وتلتبس بها. وأكثر المريدين حظُّهم ناقص من العلم والتمييز، ويجد أحدهم للمحبة وجدًا وذوقًا، وليس له تمييز (١) بين صحيحها وسقيمها (٢)، ولا يجد (٣) عند من يلومه ويَعذِله شيئًا من المحبة والذوق والأنس الذي وجده، فيشتد نِفارُه منه، ولا يُصغِي إليه، ولا يُعرِّجُ عليه. فصل وأنت إذا تأملتَ العباداتِ من الصلاة والحج والاعتكاف والصيام والوضوء، رأيتَ شأنَ الصور المباحة منافيًا لها غايةَ المنافاة. فالحج مُنِعَ

стр. 330

المحرِمُ فيه من النكاح والمباشرة والوطء والأسباب الداعية إليه، وفسدَ حجُّه ببعض ذلك، وكذلك الاعتكاف نُهِيَ فيه عن مباشرة الحلال من الصور، والصيام دون ذلك، وفي الصلاة [١٠١ ب] مُنعت المرأة أن تؤمَّ الرجال، وأن تُسمِعَهم صوتَها بالتسبيح عندما يَنُوب في الصلاة، وأن تَقِفَ في صفهم، بل تتأخر عن صفوف الرجال، وجُعِلَ مرورُها بين يدي المصلي قاطعًا لصلاته، ومسُّها بشهوةٍ مُبطِلًا لوضوئه عند الجمهور، وعند الشافعي مبطلٌ (١) للوضوء مطلقًا. كل هذا لت خلو العباداتُ من ملابسة الصور والتعلق بها ، ويصير تعلق القلب كله بالله وحده، فبدَّل الذين ظلموا دينًا غير الذي شُرِع لهم، وجعلوا حضورَ الشاهد المليح والأصوات المطربة المهيِّجة على عشق الصور قربةً تُقرِّبهم بزعمهم إلى الله، وتُدنِيهم من رضاه، وهذا من أعظم تبديل الدين ومتابعة الشيطان. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحَه يحكي (٢) عن بعض الملوك، أنه قال لشيخ رآه قد عمل مثل هذا السماع، وأحضر فيه من الصور الجميلة والأصوات المطربة ما أحضره: يا شيخ! إن كان هذا طريقَ الجنة فأين طريق النار؟

стр. 331

وحكى لي شخص آخر أنَّ مُغنِّيًا عزمَ على التوبة، فقيل له: عليك بصحبة الفقراء، فإنهم يعملون على حصول الآخرة والزهد في الدنيا، فصحبهم، فصاروا يستعملونه في السماع، ولا تكاد النوبة تنتهي إليه لتزاحمهم عليه، فترك صحبتهم، وقال: أنا كنتُ عمري تائبًا ولا أدري! الوجه الثاني: أن التطريب بالآلات المُلهِية محرَّمٌ في السماع الذي يحبه الله ورسوله وهو سماع القرآن، فكيف يكون قربةً في السماع الذي لم يشرعه، بل ذمَّه [١٠٢ أ] وذمَّ أهله؟ وهل يصحُّ في عقل أو فطرةٍ مذمومٌ عند الله ينضمُّ (١) إلى مذموم آخر فيصير المجموع ممدوحًا؟ وهل رُؤي مبغوض مكروه يُضَمُّ إلى مبغوض مكروه فصار المجموع (٢) محبوبًا مرضيًّا؟ فهذه الآفات ونحوها التي في السماع أعظم من آفات (٣) الكبائر الظاهرة، والله المستعان. الوجه الثالث: كثرة إيقاد النيران بالشموع وغيرها ، المفرِّق للقلوب القاطع لها عن جمعيتها على الله، حتى لو كان في الصلاة لفرَّق القلبَ وشَتَّتَه. الوجه الرابع: التنوع في المطاعم والمشارب والمشمومات على اختلاف أنواعها، وليس هذا شأنَ أرباب العبادات، وإنما هو شأن أصحاب الشهوات.

стр. 332

الوجه الخامس: ما يقارنه من الرقص والتكسُّر والتخنيث الذي هو سِمة (١) النساء، وقد لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء (٢). الوجه السادس: ما يُقارنه من آلات اللهو والمعازف ، وقد ثبت في صحيح البخاري (٣) أن النبي ﷺ قال: "يكون في هذه الأمة قوم يَستحلُّون الخمرَ والحريرَ والمعازف"، فجعل استحلال المعازف بمنزلة استحلال الخمر ولبس الحرير، والمعازفُ آلات اللهو كلها من الشبّابة والطُّنبور والعُود ونحوها. السابع: ما يُقارنه من عُشَراء السوء وخُلَطاء الشر (٤) الذين يُضِيْعون الصلوات (٥)، ويتبعون الشهوات ، فزَبُون هذه السِّلعة وفرسان هذا الميدان كلُّ بطّالٍ وباطولي (٦)، ليس في قلبه محبة الله وخشيته والاستعداد للقائه، بل ولا معرفته ومعرفة دينه، بل زَبونُه وفرسانه كلُّ عاشقٍ ومعشوق، ومن قلبه هائمٌ في أودية اللهو واللعب، [١٠٢ ب] وهمَّته عاكفةٌ

стр. 333

على محبة المليح والمليحة. الثامن: ما يقارنه من حركات النفوس المختلفة، والأصوات المنكرة، والحركات العظيمة التي لا يُمكن ردُّها ودفعها بعد قيام موجبها التام، كما لا يمكن دفعُ السُّكْر عن النفس بعد تعاطي أسبابه. التاسع: أنه مُضادٌّ لمقصود الصلاة وذكر الله، فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والسماع يأمر بالفحشاء والمنكر، ومَن أنكر ذلك بلسانه فقلبه أعلم. وأهل هذا السماع يعلمون من نفوسهم من الفحشاء والمنكر ما يعلمونه، ولهذا يتقاضى من كل أحد من الفواحش بحسب استعداده، فيتقاضى من بعض هؤلاء صحبةَ الأحداث الحِسان الصور ومشاهدتَهم ومعاشرتَهم، وتمتلئ قلوبهم من (١) عشقهم وتألُّههم، ويُبرطِلُهم إبليسُ بالعفة عن الفجور بهم، وقد ظَفِرَ منهم بما هو أحبُّ إليه من فجورهم بهم بكثير، فإنه قد جعلهم تماثيل بين القلب (٢) وبين الله، فهم لها عاكفون بقلوبهم. وصاحب الفجور الذي قد قضى شهوته، وفرغ قلبه، ولم يجعل تلك الصورة تمثالًا بين قلبه وبين الله، أحسنُ حالًا منهم. فليتدبر اللبيب هذه اللطيفة، وليتضرَّعْ (٣) إلى مقلِّب القلوب

стр. 334

ومصرِّفها أن يُثبِّت قلبَه على دينه، ويُصرِّفه على طاعته. وقد ثبت في الصحيح (١) عن النبي ﷺ أنه قال: "العينانِ تزنيان وزناهما النظر، واليد تزني وزناها البطش، والرِجْل تزني وزناها المشي، والقلب يتمنى ويشتهي، والفرج يُصدِّق ذلك أو يُكذِّبه". فجعل لكل [١٠٣ أ] عضو من هذه الأعضاء زِنًا يخصُّه، فكيف يتقرب إلى الله بزنا العين؟ وإن قال الناظر: أنا لا أنظر لشهوة بل لعبرة. قيل له: فلِمَ نهاك الله عن النظر، وأمرك بغضِّ البصر؟ وقيل له: أمّا ما دامت النفس حيةً، والشيطان موجودًا، والطباع على حالها، فكلَّا. وقيل له: صاحبُ الشرع أعلمُ بأحكام هذا النظر منك، حيث يقول: "لا تُتْبِع النظرةَ النظرةَ، فإنما لك الأولى، وليست لك الأخرى" (٢).

стр. 335

وقيل له (١): الشيء متى كان في نفسه مفسدةً، أو داعيةً إلى المفسدة، فإن الشارع يُحرِّمه مطلقًا حكمةً منه و صيانةً وشفقةً وحِمْيةً. وقيل له: كم قد هلك قبلك من هالكٍ بهذا الظن الفاسد، ظن أنه ينظر عبرة، فأوقعه نظره في أعظمِ الحسرة، كما قيل (٢): وأنا الذي جَلَبَ المنيةَ طَرْفُه ... فمَن المطالَبُ والقَتِيل القَاتلُ وقال آخر (٣): وكنتَ متى أرسلتَ طَرْفَك رائدًا ... لقلبِك يومًا أَتعبتْك المناظرُ رأيتَ الذي لا كلُّه أنتَ قادرٌ ... عليه ولا عن بعضِه أنتَ صابرُ قلت: ولي من قصيدة (٤): يا مُرسِلًا لسهام اللَّحْظِ مجتهدًا ... أنتَ القتيلُ بما تَرمِيْ فلا تُصِبِ أرسلتَ طرفَك ترتادُ الشِّفاءَ فما ... وافَى رسولُك إلا رائدَ العَطب ولاسيما النفوسُ التي فيها رقةٌ ولطافة ورياضة، فإن الصوت

стр. 336

والصورة أسرعُ تأثيراً فيها من النار في يابس الحطَب، حتى إنها لتتقوَّتُ بذلك أحيانًا. وبهذا رضيَ الشيطانُ من هذه الطائفة، فإنه (١) لم يُبالِ [١٠٣ ب] بعدَ أن (٢) أوقعهم فيما يُفسِد قلوبَهم وأسماعَهم وأبصارهم، أن لا يَشْغَلَهم بجمع (٣) الأموال وطلب الجاه والولايات، فإن فتنة أحدهم بذلك أعظمُ من فتنته بهذه الأمور، فإن جنس هذه الأمور مباح، وقد يُستعان بها على طاعة الله، وأمّا ما شَغَلَ به هؤلاءِ نفوسَهم، فإنه دينٌ فاسد منهيٌّ عنه، مضرته راجحة على منفعته. ولو لم يكن في هذا السماع من المفسدة إلا تشبُّه الرجال بالنساء، فإن الغناء في الأصل إنما جُعِل للنساء، ولذلك ما شُرِع منه في الأعراس والأعياد إنما شرع للنساء والجواري والصغار والولدان الحديثي الأسنان، فإذا تشبَّه بهم (٤) الرجل كان مخنَّثًا، وقد لعن رسول الله ﷺ المخنثين من الرجال (٥). وكذلك من يحضرون في السماع من الشاهد فيهم من التخنيث بقدر ما تشبَّهوا به من أمر النساء، وعليهم من اللعنة بقدر نصيبهم من ذلك التشبه. وقد أمر النبي ﷺ بإخراج المخنثين

стр. 337

ونَفْيهم، وقال: "أخرِجُوهم من بيوتكم" (١)، فكيف بمَن يُقرِّبهم ويُعظِّمهم ويتعبد قلبه بهم (٢)، ويجعلهم طواغيتَ يُعظَّمون بالباطل الذي حرَّمه الله ورسوله، وأمر بعقوبة أهله وإذلالهم؟ وهل هذا إلا مضادَّةٌ لله في أمره! وقد قال ﷺ : "مَن حالتْ شفاعتُه دون حدّ من حدود الله، فقد ضَادَّ اللهَ في أمره" (٣). فإذا كان هذا في الشفاعة بالكلام، فكيف بمَن يُعظِّم المعتدين لحدود (٤) الله ويُعِينهم على (٥) ذلك ويجعله دينًا؟ لاسيما إذا كان التعظيم بما هو من جنس الفواحش، فإن مَن يُعظِّم القيناتِ المغنيات والمغنّين ويجعل لهم نوعَ رئاسة وعزّ لأجل ما يستمتع [١٠٤ أ] به منهن من الغناء وغيره، فقد تعرض من غضب الله ومَقْتِه وسَلْبِ نِعَمِه عنه إلى أمر عظيم. وللّهِ كم زالت بهؤلاء نعمة عمَن أنعم الله عليه فما رعاها حقَّ رعايتها، وقد شاهد الناس من ذلك ما يطول وصفه، وما امتلأت دار من أصوات هؤلاء وألحانهم وأصوات معازفهم

стр. 338

ورَهَجِهم، إلا وأعقب ذلك من حزن أهلها ونكبتهم وحلولِ المصائب بساحتهم ما لا يفي بذلك السرور من غير إبطاء، وسَلِ الوجودَ يُنبِئْك عن حوادثه، والعاقل مَن اعتبر بغيره. الوجه العاشر: أن رفع الأصوات بالذكر المشروع مكروه، إلا حيث جاءت به السنّة، كالأذان والتلبية، وفي الصحيح (١) عن أبي موسى قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فكنا إذا علونا ارتفعت أصواتنا بالتكبير، فقال: "يا أيها الناس ارْبَعُوا على أنفسكم، فإنكم لا تَدْعُون أصمَّ ولا غائباً، إنما تدعون سميعًا قريبًا، إن الذي تدعونه أقربُ إلى أحدكم من عُنُقِ راحلته". وقد قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]، وقال تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣]. وقال الحسن البصري: "رفع الصوت بالدعاء بدعة" (٢). ونص عليه الإمام أحمد وغيره. وقال قيس بن عُبَاد من كبار التابعين: "كانوا يستحبون خفض الصوت عند الذكر وعند الجنائز وعند القتال" (٣).

стр. 339

وهذه المواطن الثلاثة تطلب فيها النفوسُ الحركةَ الشديدة: عند الذكر والدعاء لما فيه من الحلاوة [١٠٤ ب] ومحبة ذكر الله ودعائه، وعند الجنائز بالحزن والبكاء، وعند القتال بالغضب والحميَّة. ومضرةُ رفع الصوت بذلك أعظم من منفعته، بل قد يكون ضررًا محضًا، وإن كانت النفس تشتفي (١) به، وتبرَّأ النبي ﷺ من الصالقة (٢)، وهي التي ترفع صوتها بالمصيبة، فكيف بالمغنية التي ترفع صوتها بالغناء! وأمّا القتال فالسنّة فيه أيضًا خفض الصوت، وأمّا هذه الدبادب (٣) والأبواق والطُّبول فإنها لم تكن على عهد الخلفاء الراشدين ولا من بعدهم من أمْرِ المسلمين، وإنما حدثت من جهة بعض ملوك المشرق (٤) من أهل فارس، وانتشرت في الأرض، وتداولها الملوك، حتى رَبَا فيها الصغيرُ وهرِمَ الكبيرُ، لا يعرفون غير ذلك، وينكرون على مَن ينكره. ويزعمُ بعض الجهال أن هذا من إحداث عثمان بن عفّان (٥)، وليس الأمر كذلك (٦)، بل ولا مِن فعْل مَن بعده من الخلفاء، وإنما ورثتْه الأمةُ من الأعاجم، ولم يكن منه بدٌّ تحقيقًا لقول النبي ﷺ : "لتأخذَنَّ

стр. 340

أمتي ما أخذَ الأمم قبلَها شِبرًا بشِبْر وذراعًا بذراع"، قالوا: فارس والروم؟ قال: "ومَنِ الناسُ إلا هؤلاء؟ " (١). وكما في الحديث الآخر: "لتركبُنَّ سَننَ من كان قبلَكم حذوَ القُذّةِ بالقُذَّة، حتى لو دخلوا جُحْرَ ضَبٍّ لدخلتموه"، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: "فمَن؟ " (٢). والحديثان في الصحيح. فأخبر أنه لا بدَّ من (٣) أن يكون في الأمة من يتشبه باليهود والنصارى وبفارس والروم، وظهور هذا الشبه في الطوائف إنما يعرفه من عرف الحقَّ وضدَّه، وعرف الواجب والواقع، وطابقَ [١٠٥ أ] بين هذا وهذا، ووازن بين ما عليه الناس اليوم وبين ما كان عليه السلف الصالح. فإذا كان رفع الصوت في مواطن العبادات بالذكر والدعاء الذي يحبه الله (٤) ويرضاه بدعةً مكروهة لا يتقرب بها إلى الله، فكيف يكون رفعُه بالغناء الذي هو قرآن الشيطان قربةً وطاعة؟ وقد سماه النبي ﷺ صوتًا فاجرًا أحمق، ونهى عنه (٥). الوجه الحادي عشر: أنه يأمر بعشق الصور الذي كرهه الله، وينهى عن العفة وغض البصر الذي أمر الله به، فإن الغناء يتضمن التحريضَ

стр. 341

على الفسق، وذِكْرَ محاسنِ المعشوق ووصفها، وذِكْرَ طيبِ وصاله وعذاب هَجْره، ولو غنَّى المغَني بأشعار العفة والتخويف من عذاب الله والترغيب في العمل الصالح وذمِّ الفواحش، لاستسمجَه الحاضرون، واستثقلوه وتبرَّموا به، وقالوا: هذا مبتدع مخالف لسنّة الغناء، ونعم هو مخالف لسنّة الفساق. الوجه الثاني عشر: أنه يتضمن من الصدِّ عن ذكر الله وعن الصلاة ما هو معلوم من شأنه، فإنَّ غالبَ زَبونه وفُرسانه لا يُصلُّون، ومَن صلَّى منهم فإنه من الذين: ﴿إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]. ومن صلى منهم لله، فإن صلاته صلاة خَرْجية (١) خالية عما ذكرناه من ذوق الصلاة ومواجيدها وحقائقها، لأن قواه انصرفتْ إلى ذوق السماع، وصار شربه منه (٢) ووجده فيه، ولا يجتمع (٣) الذوقانِ والوَجْدانِ والحالتانِ (٤) في قلب واحد أبدًا، بل الأمر كما قيل: سارتْ مُشرِّقةً وسِرْتُ مغرِّبًا ... شتَّانَ بينَ مشرِّقٍ ومُغرِّبِ (٥)

стр. 342

والله يعلم أنَّا لم نتعدَّ وصفَهم، ويعلم أنهم كذلك. وبالجملة، فمفاسد السماع من جنس مفاسد عشق الصور، وهي أكثر من أن يحصرها [١٠٥ ب] العدُّ، وإنما يشهدها القلب الحيُّ، وإلا فَـ ما لجرحٍ بميِّتٍ إيلامُ (١) فصل *قال صاحب الغناء (٢): حسن الصوت مما أنعم الله به على صاحبه من الناس، قال تعالى: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر: ١]، قيل في التفسير: إنه الصوت الحسن (٣). وذم الله تعالى الصوت الفظيع، فقال: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]. *قال صاحب القرآن: كون الشيء نعمةً لا يقتضي إباحةَ استعماله فيما شاء المُنْعَم عليه، بل فيما أحب المُنْعِم به ورَضِيه فذلك شكر هذه النعمة التي يستوجب بها المزيدَ من شكرها، فيقيِّد بالشكرِ موجودَها، ويُحصِّل به مفقودها (٤)، فهذه النعمة تقتضي استعمالَ الصوت الحسن في قراءة القرآن، كما كان أبو موسى الأشعري يفعل ذلك، حتى كان

стр. 343

النبي ﷺ يستمع لقراءته وقال: "مررتُ بك البارحةَ وأنت تقرأ، فجعلتُ أستمع لقراءتك"، فقال: لو علمتُ أنك تسمع لحبَّرتُه لك تحبيرًا. وقال: "لقد أوتي هذا مِزمارًا من مزامير آل داود" (١). وأما استعمال النعم في المباح المحض فإنه لا يكون طاعةً، فكيف في المكروه أو المحرم (٢)؟ وأيضًا فمن المعلوم أن المال نعمة، والجمال نعمة، والقوة نعمة، فهل يسوغ لأحد أن يقول: كون ذلك نعمةً يقتضي جوازَ استعمالها فيما لم يأذن له فيه ربُّ النعمة؟ وهل الاستدلال بهذا إلا بمنزلة الاستدلال بنعم الله من السلطان والمال والقوة، على ما تتقاضاه الطباع من الظلم والفواحش ونحوها؟ فاستعمال الصوت الحسن في الأغاني، بمنزلة استعمال الصورة الحسنة في الفواحش، واستعمال الجاه والمال في الظلم والعدوان. وأيضًا فإن هذه النعمة يستعملها الكفار والفساق في أنواع [١٠٦ أ] من الكفر والفسوق أكثر مما (٣) يستعملها المؤمنون في الإيمان، فإن استمتاع الكفار والفساق بالأصوات المطربة أكثر من استمتاع (٤)

стр. 344

المسلمين، فإن عند المسلمين من وازعِ الإيمان والعوض بالقرآن ما ليس عندهم، فأي حمدٍ لهذه النعم بذلك إن لم يستعمل في طاعة الله؟ وقولك: إن الله ذمَّ الصوت الفظيع، فغلطٌ بيِّن، فإن الله سبحانه لا يذمُّ العبد على ما ليس من كسبه وفعله، كما لا يذمُّه على دَمامتِه وقُبْح (١) شكله، وإنما يذمُّ العبد (٢) بأفعاله الاختيارية دون ما لا اختيار له فيه. وإنما ذمَّ سبحانه ما يكون باختيار العبد من رفع الصوت الرفيع المنكر، كما يوجد ذلك في أهل الغِلَظ والجفاء من الفدَّادين والصخَّابين بالأسواق، كما قال النبي ﷺ : "الجفاء والغِلَظُ وقسوةُ القلب في الفدَّادين من أهل الوبر" (٣). وهم الصياحون صياحًا منكرًا. وفي صفة النبي ﷺ : "ليس بفَظٍّ ولا غليظٍ ولا صخَّابٍ في الأسواق" (٤). وقال تعالى عن لقمان في وصيته لابنه: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]، فأمره أن يَغُضَّ من صوته وأن يَقصِدَ في مشيه، كما أمر المؤمنين أن يغضُّوا من أبصارهم، وأصحابُ السماع لا هذا ولا هذا ولا هذا، بل إطلاق البصر ورفع الأصوات (٥) والرقص.

стр. 345

فصل *قال صاحب الغناء (١): استلذاذ القلوب بالأصواتِ الطيبة واسترواحُها إليها مما لا يمكن جحوده، فإن الطفل يسكن إلى الصوت الطيب، والجِمال تُقاسِي تعبَ السير ومشقةَ الحمولة (٢) فيهونُ عليها بالحُدَاء قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]، وحكى إسماعيل بن عُلَية قال: كنت أمشي مع الشافعي [١٠٦ ب] وقت الهاجرة، فجُزْنا بموضع يقول فيه قوّالٌ شيئًا، فقال: مِلْ بنا إليه، ثم قال لي: أيُطْرِبك هذا؟ فقلت: لا، فقال: ما لك حسٌّ. * قال صاحب القرآن: لقد كنتَ أيها السماعي غنيًّا أن تستشهد على هذه المسألة بحكاية مكذوبة مختلَقةٍ على الشافعي، يَعلم كذِبَها من له معرفة بالناس وطبقاتهم. والشافعي أخذ عن إسماعيل بن عُلَية، وهو من أكبر شيوخه، وأما ابنه إبراهيم تلميذ عبد الرحمن بن كيسان الأصم فكان الشافعي يذمُّه، ويقول فيه: "أنا (٣) مخالفٌ لابن عُلَية في كل شيء، حتى في قول لا إله إلا الله، فإني أقول: لا إله إلا الله الذي كلَّم موسى من وراء حجاب، وهو يقول: لا إله إلا الله الذي خَلق في الهواء كلامًا أسمعَه

стр. 346

موسى (١). وهذا هو (٢) الذي يُذكر له أقوال شاذة في الفقه وأصوله، ويظن من لا علم عنده أنه إسماعيل، وليس الأمر كذلك. فإن أباه إسماعيل من أجلِّ شيوخ الشافعي وأحمد وطبقتهما. ثم لو صحَّت هذه الحكاية لم يكن فيها إلا ما هو مُدرَك بالإحساس، من أنّ الصوت الطيب لذيذ مُطرِب، وهذا أمر يشترك فيه جميع الناس، ليس مما يحتاج أن يستدل فيه بشهادة الشافعي، بل ذِكرُ الشافعي في مثل هذا غضٌّ من منصبه. كما ذكر ابن طاهر عن مالك تلك الحكاية المشهورة (٣)، ولولا شهرة زهد أحمد وورعه لوضعوا عليه حكاية في إباحة السماع. وأهل المواخير والفساق والمبطلون أعلم بهذه المسألة ولذةِ السماع وطِيبهِ من أئمة الدين الذين رفع الله في العالمين أقدارهم وأعلى منارَهم، فما لكم [١٠٧ أ] وللاستشهاد بهم في أمرٍ أنتم أعرف به منهم؟ وهلَّا استشهدتم بهم في حكم هذه المسألة ومحلِّها من الشرع كما استشهدنا بكلامهم؟ ثمّ (٤) كون الصوت الحسن موجبًا للذة أمر حسي، لكن أي شيء

стр. 347

في هذا مما يدل على الأحكام الشرعية من كونه مباحًا أو مكروهًا أو محرمًا أو كون الغناء طاعة وقربة؟ وهل هذا إلا نظير قول القائل: استلذاذُ النفوس للوطءِ أمر لا يمكن جحوده، ولذلك استلذاذها (١) بالنظر والمطاعم والمشارب والملابس، فأي دليل في هذا لمن هداه الله على (٢) ما يحبه الله ويرضاه ويأمر به ويأذن فيه؟ وهل هذا إلا شبهة الإباحية الذين خَلَعُوا رِبْقةَ الشريعة من أعناقهم، القائلين: ما الذي حالَ بين الخليقة وبين رسوم الطبيعة؟ ومن المعلوم أن جميع هذه الأجناس فيها الحلال والحرام والمعروف والمنكر. ثم المناسب لطريقة الزهد والفقر والتصوف الاستدلالُ بذلك (٣) على كراهتها والبعد منها، وأن يستدل بكون الشيء لذيذًا مشتهًى على كونه مباينًا لطريق الإرادة والتصوف التي مبناها على الزهد في الحظوظ، وهذه الطريقة وإن لم تكن صحيحة في الشرع فهي أقرب إلى طريقتكم وأصولكم من الاستدلال بها على الإباحة والقربة، وكلا الاستدلالين باطل، فكون الشيء لذيذًا أو مشتهًى أو مما تستروح إليه النفوس لا يدل على كونه حلالًا ولا حرامًا، ولهذا ذمَّ الله من اتبع الشهوات وذمَّ من تقرب إليه بترك ما أباحه منها، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا

стр. 348

طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧]. وقال النبي ﷺ للنفر الذين قال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الآخر: أما أنا فأقوم ولا أفتر، وقال الآخر: أما أنا فلا أتزوج النساء، وقال الآخر: أما أنا فلا آكل اللحم [١٠٧ ب] فقال: "لكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء وآكلُ اللحمَ، فمن رَغِبَ عن سنتي فليس مني" (١). و العمل لا يُمدح أو يُذَمّ بمجرد اشتماله على اللذة وعدمها ، بل إنما يمدح منه ما كان للهِ أطوعَ، ولعامله في الدارين أنفعَ، سواء كان فيه لذة أو مشقة، فكم من لذيذ هو طاعة ومنفعة، وكم من مُشِقّ هو معصية ومضرة وبالعكس. والمناسب أن يُستدل بهذا على تحسين الصوت بالقرآن لا على تحسينه بالغناء، فإن الاستعانة بجنس اللذات على الطاعات والقربات مما جاءت به الشريعة، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢]. وفي الصحيح (٢): "إن الله ليرضَى عن العبد يأكل الأَكْلةَ يحمده عليها، ويشرب الشَّربةَ يحمده عليها". فيرضى عمن استعان باللذات

стр. 349

على شكره وحمده، ولذلك (١) جعل في مجامعة الرجل لأهله أجرًا وقربةً لاستعانته بهذه اللذة على العفة (٢)، والله سبحانه خلق فينا الشهوات واللذات لنستعين بها على كمال مصالحنا وتمامها، فخلق فينا شهوة الأكل واللذة به، وهي من نِعَمه علينا، إذ بها بقاء نفوسنا وقوانا، لنستعملها في طاعته ونتقوى بها على مرضاته، وخلق فينا شهوة النكاح ولذته وهي من نعمه علينا، إذ بها تكثير (٣) النسل الذي يكون منه من يذكر الله ويعبده، فإذا استعملنا هذه القوى (٤) فيما يحبه الله (٥) ويرضاه كان ذلك سعادتنا في الدنيا والآخرة، وكنا من الذين أنعم الله عليهم، وإن استعملناها فيما حرم علينا كنا ظالمين معتدين. والله سبحانه خلق الصوت الحسن، وجعل النفوس تحبُّه وتلتذ به، فإذا استعنّا بذلك على استماع ما أمرنا باستماعه وهو كلامه، وحسَّنَّا أصواتنا بتلاوته [١٨٠ أ] كما أمرنا نبينا ﷺ ، كنا ممن استعمل نِعَمَه في طاعته (٦)، كما كان الصحابة يأمرون أبا موسى أن يُسمِعَهم كلام

стр. 350

الله بصوته الطيب الذي استلذَّه رسول الله ﷺ واستمع له، وشهد له بأنه من مزامير آل داود. ففي مثل هذا السماع كانوا يستعملون الصوت الحسن، ويجعلون التذاذهم به عونًا (١) على طاعة الله وعبادته باستماع كتابه، فيثابون على هذا الالتذاذ باللذة المأمور بها، كما يُثابون على لذاتها بالأكل والشرب واللباس والنصر والظفر المعينة لهم على طاعته، وكما يُثابون على لذات قلوبهم بالعلم والإيمان، وحلاوته وطيبه ونعيمه، فإنها أعظم اللذات، وحلاوته أصدق الحلاوات، ونفس التذاذه وإن كان متولدًا عن سعيه، وهو في نفسه ثواب سعيه، فهو مُثابٌ عليه أيضًا، فإن المؤمن يثاب على عمله وعلى ما يتولد من عمله وعلى ما يلتذ به من ذلك بما هو أعظم لذةً منه، فلا يزال متقلِّبًا في نِعَم ربه وفضله، وهي في نُموٍّ وتولُّدٍ، يُولِد له بعضُها بعضًا كالتجارة والزراعة، فأما أن يُستدل بمجرد التذاذ الإنسان للصوت، أو ميل الطفل إليه، أو استراحة البهائم به، على جوازه واستحبابه في الدين، وأنه قربة إلى رب العالمين، فهذا من الضلال المبين. وإذا كانت الأطفال والبهائم تَستروح بالأكل والشرب، فهل يدل ذلك على حِلِّ كل مأكول ومشروب؟ فصل وأصل غلط هذه الطائفة أنهم يجعلون الخاصَّ عامًّا والمقيد مطلقًا، فيجيئون إلى ألفاظ في كلام الله ورسوله قد أباحتْ أو حَمِدتْ

стр. 351

نوعًا من السماع فيُدرِجون فيها سماعَ المكاء والتصدية، ويجيئون إلى المعاني [١٠٨ ب] التي دلَّت على الإباحة أو الاستحباب في نوع من الأصوات والسماع، فيجعلونها دالةً على نوع يُضادُّها. وهذا جمعٌ بين ما فرَّق الله ورسوله بينه، بمنزلة من قاس الربا على البيع، والسفاح على النكاح، ونظائر ذلك من الأقيسة الباطلة التي عُبِدَتْ بنظائرها الشمسُ والقمر، وجعلَ أربابُها لله أندادًا سَوَّوهم برب العالمين. وكذلك من عَدَلَ برسول الله ﷺ بشرًا يطيعه في كل ما أمر، أو عدلَ بكلام الله كلامًا آخر أو بشرعِه شرعًا آخر، فهذا كله من أصول الشرك والضلال . وهذا مقامٌ ينبغي لمن نصحَ نفسَه وعَمِلَ لمعاده تدبُّره والتوقفُ فيه، فإنَّه ما بُدِّلتِ الأديانُ في سالف الأزمنة وهَلُمَّ جرًّا إلا بمثل هذه المقاييس، فمن عَمَدَ إلى كلام الله الذي أنزله وأمر باستماعه، فعَدَلَ به سماعَ بعض الأشعار وآثره عليه، وأخذ ذوقَه ومواجيدَه وصلاحَ قلبه منه، فهو ممن اتخذ من دون الله أندادًا يحبهم كحبّ الله، والذين آمنوا أشدُّ حبًّا لله. ويا عجبًا لمن ذاق طعم الإيمان كيف يَعدِلُ بالكلام الذي فَضْله على غيره كفضل الله على خلقه (١)، وبالكلام الذي ما تقرَّب العباد إلى الله

стр. 352

بأحب إليه منه (١)، كلامًا نزَّه الله رسولَه وأولياءه (٢) عنه، وجعله صلاةً للمشركين وقرآنًا لهم (٣)، وقرآنًا لعدوه الشيطان، ورقيةً لمحارمه (٤)، ومادةً للنفاق. وما أحرى هذا أن يكون من الذين يقولون: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨]. [١٠٩ أ] ونظيرُ هذا سواءً ما وقع فيه طوائف من الجهال ممن ينتسب إلى معرفة وإرادة وزهد، من الاستدلال بكون الجمال نعمةً على جواز التمتع بالصور الجميلة مشاهدةً ومباشرةً (٥) وعشقًا، فهؤلاء في الصور، وأولئك في الأصوات، لكنِ الواقعون في فتنة الصوت منهم (٦) من له من العقل والدين والمعرفة ما ليس في الواقعين في فتنة الصور (٧)، فإنَّه ليس في أهل الصور رجلٌ مشهور بين الأمة بعلم ودين وسلوك وخير، بخلاف أهل الأصوات، ولكن أهل الأصوات طَرَّقُوا لأهل الصور الطريقَ،

стр. 353

ونَهَجُوا لهم السبيلَ، ونَقَطُوا لهم فخطُّوا، وارتادوا لهم المنازلَ فحطُّوا، وطيَّبوا لهم السيرَ فساروا، وجدُّوا (١) بهم إلى مطارح الجمال فطاروا، ودَبْدَبُوا (٢) لهم فطاب لهم اللعب، وغنَّوا لهم فاستفزَّهم إلى المليح والمليحة الطربُ، ووصفوا لهم سمرَ القدود ووردَ الخدود وتفلُّكَ النهود وسواد العيون وبياض الثغور، ونادَوا: "حيَّ على الوصال" فما وصلُ الحبيب بمحظور، فأجاب (٣) القوم مناديَ الهوى إذ نادى بهم بحيَّ على غير الفلاح، وباعوا أنفسَهم بالغَبْن وبذلوها في مرضاةِ الصور الجميلة بذلَ المحبِّ أخي سماح (٤)، تاللهِ ما حَمِدُوا عقبى سيرِهم لما حَمِدَ القومُ السُّرى عند الصباح (٥). ولقد رأيتُ من هؤلاء من يحتجُّ بقوله: "إن الله جميل يحب الجمال (٦) " (٧)، وينسى قوله: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" (٨)، وينسى قوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ

стр. 354

يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]، وينسى قول النبي ﷺ [١٠٩ ب]: "النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، فمن غضَّ بصرَه أورثه الله حلاوةً يجدها في قلبه إلى يوم يلقاه" (١)، أو كما قال (٢). ويحتجون بحديث "من عَشِقَ وعفَّ وكتمَ فمات مات شهيدًا (٣) " (٤)، ولم يعلموا أنَّه خبر موضوع على رسول الله ﷺ ، اتُّهِم به النقاش ورُمي لأجله بالعظائم (٥). ويحتجون بحديث روي فيه أنَّ النبي ﷺ لما سمع ذلك المنشد

стр. 355

ينشده (١): هل عليَّ ويحَكُما ... إن عَشِقتُ من حرج فقال: "لا إن شاء الله". وهو حديث وضعه على رسول الله ﷺ بعض الفساق كما تقدم (٢). ويحتجون بأنَّ العشق والمحبة غير داخلٍ تحت الاختيار، ولا يملك العبدُ دفعَه عن نفسه، وما كان هكذا فإنَّ الله لا يُعذِّب عليه. وينسَون أنَّ تولُّعَهم به وتعاطِيَهم لأسبابه مقدور، وبه يتعلق التكليف، فلما خانت أعينُهم وتمنَّتْ أنفسُهم وأتبَعُوا النظرةَ النظرةَ تمكَّن داء العشق منهم، فعزَّ على الأطباء دواؤه، كما قيل: تولَّع بالعشق حتى عَشِقْ ... فلما استقلَّ به لم يُطِقْ رأى لُجَّةً ظنَّها مَوجةً ... فلما توسَّط (٣) منها غَرِقْ (٤)
следующие страницы →