Полный текст (508 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٢٧)
الكلام على مسألة السماع
تأليف
أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١ هـ)
تحقيق
محمد عزير شمس
وفق المنهج المعتمد من الشيخ العلامة
بكر بن عبد الله أبو زيد (رحمه الله تعالى)
دار عطاءات العلم - دار ابن حزم
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الطبعة الجديدة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد، فقد كنتُ حققت هذا الكتاب ونُشر ضمن مشروع آثار الإمام ابن قيم الجوزية سنة ١٤٣٢ بالاعتماد على نسخة واحدة كانت معروفة آنذاك، وهي نسخة الإسكوريال، ونبَّهتُ على الخرم الموجود فيها بين الورقتين ١٢٣ و ١٢٤ لعدم اتصال الكلام بينهما. ثم اكتشف الأستاذ إبراهيم بن عبد العزيز اليحيى (المفهرس في مكتبة الملك عبد العزيز العامة بالرياض) نسخة أخرى من الكتاب في المكتبة برقم ٩٥٥/ ٢، وكتب بذلك في ملتقى أهل الحديث سنة ١٤٣٤. وهذه النسخة الجديدة تُكمل النقص المشار إليه، وتبيّن لنا أنه خرم كبير يبلغ ١٥ ورقة (الورقة ١٢٤ - ١٣٩).
ولما اطلعت على مصورة نسخة الرياض وقابلت بينها وبين طبعتي ظهرت لي أمور أُجملها فيما يلي:
أولًا: أنني كنت اجتهدتُ فزدت بعض الزيادات بين معكوفتين في طبعتي ليستقيم السياق، فوجدتُ جُلَّها في نسخة الرياض.
ثانيًا: أنني كنت صححتُ كثيرًا من الأخطاء والتحريفات الموجودة في نسخة الإسكوريال بالنظر إلى السياق والمعنى، فوجدتها كما صوَّبتُها في نسخة الرياض غالبًا، فالحمد لله على ذلك.
стр. 3
ثالثًا: أن نسخة الرياض (مع أنها كاملة) أكثر تحريفًا وسقطًا من نسخة الإسكوريال، فلا تصلح أن تكون أصلًا لطبع الكتاب. وسيأتي مزيد بيان ذلك.
وقد حقّق الكتاب من جديد الأستاذ عبد المنعم السيوطي بالاعتماد على النسختين، وطبع في مدار الوطن سنة ١٤٣٧، فكانت طبعته أكمل من الطبعات السابقة. وقد كان المرجو من صاحب التحقيق الجديد أنه يُخرِج النصَّ سليمًا من التصحيف والتحريف وهو يعتمد على نسختين خطيتين وطبعاتٍ سبقته، إلّا أنه أُتِي من جعله نسخة الرياض أصلًا يعتمد عليه، وهي (مع كونها منسوخة سنة ١٠٣٢ من أصلٍ قرئ على المؤلف وقوبل مع نسخته ومؤرخٍ بسنة ٧٤٧) كثيرة التحريف والسقط، فإن الناسخ (أحمد بن بايزيد الحافظ لتربة (كذا) المبنية الشريفة المحيطة على مرقد (كذا) الشريف المنيف المبني على جسم أبي أيوب الأنصاري) يبدو أنه كان ضعيفًا في العربية، ولذا كثرت منه الأخطاء اللغوية في النسخة. وكثيرًا ما يسقط لفظ الجلالة (الله) وضمير الغائب المذكر المتصل بالفعل، ويُحرّف الكلمات تحريفًا شنيعًا. والأمثلة على ذلك كثيرة في هوامش الطبعة الجديدة.
ثم إنه لا دليل على أن الناسخ قابلها على الأصل، فليس في هوامشها تصحيحات واستدراكات، ولا في أثنائها دوائر منقوطة، وجلُّ ما يوجد في حواشيها شرح بعض الكلمات بالعربية والفارسية والتركية، والإشارة إلى بعض المباحث المهمة في الكتاب. وعلى هذا فلا يكون
стр. 4
لهذه النسخة ترجيح على نسخة الإسكوريال بوجهٍ من الوجوه. ونسخة الإسكوريال أقدم منها فقد كتبت في القرن التاسع تقديرًا، وهي نسخة مقابلة على أصلها، كما يدل عليها التصحيحات في الهوامش. وإنما تنقصها أوراق سقطت من النسخة، وهي موجودة في نسخة الرياض، فيستفاد منها ويكمل النقص.
وليس الغرض هنا النقد التفصيلي للطبعة الجديدة، وإنما أقتصر على ذكر نماذج من القسم الذي انفردت به نسخة الرياض (الورقة ١٢٤ - ١٣٩)، كيف قرأها المحقق وأثبتها (ص ٣٣٩ - ٣٩٢) ليصححها من اقتنى هذه الطبعة.
- ص ٣٣٩ (لا يُحسّ الإنسان بنباته، ولا تَفحاه إلا وقد استحكم ... ). وعلَّق عليه: تفحاه: تبزره من "الفحا" أي البزر.
أقول: في النسخة: "ولا نفخاه"، وصوابه: "ولا يَفجأُه" من باب فرح وفتح، أي: ولا يُفاجئ الإنسانَ هذا النباتُ إلا وقد استحكم. أما "تفحاه" بمعنى تبزره فلا يوجد بهذا المعنى في المعاجم. ثم "لا تفحاه" لا يناسب "لا يحس" الذي سبقه.
- ص ٣٤٤ (فأولئك الأموات في الحيَّان). وعلق عليه: في الأصل: "الجبّان". والمثبت من مصادر التخريج.
أقول: ما في الأصل هو الصواب، والجَبَّان بمعنى المقبرة، وبه يستقيم المعنى. والحيّان لا معنى له هنا.
стр. 5
- ص ٣٤٥ (أو بعض النِّعَم المباحة ... ). وعلق عليه: في الأصل: "المباح"، ولعل المثبت هو الصواب.
أقول: الصواب (أو بعض النَّغَم المباح)، والكلام هنا على السماع والغناء.
- ص ٣٥٢ (والذي جرى على يده عقدُ البيع عندَه رسوله). وقال: في الأصل "ورسوله"، والمثبت يقتضيه السياق.
أقول: الصواب "عبدُه ورسولُه"، وفي النسخة "عنده" تصحيف. وما أثبت المحقق يختلّ السياق به بسبب الجمع بين "على يده" و"عنده".
- ص ٣٥٣ (زيَّنها لهم ليُمتِّعنَّهم ويبليهم). كذا أثبتها المحقق.
أقول: وهي خلاف ما في النسخة والسياق. واللام على الفعل لام كَيْ (وليس لام التأكيد التي تقتضي نون التأكيد) تعليلًا للزينة كما في الآية المذكورة (لنبلوهم). والصواب: " ... ليمتحنَهم ويبتليَهم".
- ص ٣٥٦ (ولا مُهلةَ لك، فإنه لا يخاف الفوت). وفي الهامش: في الأصل "مهالة".
أقول: الصواب: "ولا إمهالِه لك ... "، عطفًا على "سَتْرِه" السابق، أي: "ولا تغترّ ... بإمهالِه لك ... ".
- ص ٣٥٦ (فإذنُه بامتنانه عليهم من أجلِّ نعمه).
стр. 6
قلت: لا معنى له هنا، والصواب: "فآذَن ... من أَجْلِ نِعمه"، كما في النسخة.
- ص ٣٥٦ (إذا كان تُطوى في يديه المراحلُ).
أقول: صوابه: "إذا كان يَطوِي في يديه المراحلَا" كما في النسخة والرواية في مصدر التخريج، والقصيدة من قافية اللام المفتوحة.
- ص ٣٦٢، ٣٦٣ (لعلانيَّاتهم) (علانيَّاتهم).
قلت: الكلمة مخففة الياء.
- ص ٣٦٤ (لما طالَ عليهم الأمد ولم تخشع قلوبهم قَسَتْ وعَنَتْ).
أقول: "عَنَتْ" بمعنى خضعت وذلَّت، ولا يناسب السياق. والصواب: "عَتَتْ" بمعنى استكبرت، وفي القرآن: ﴿عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الطلاق: ٨].
- ص ٣٦٧ (ينظرون من سبق ومن وصل بعده). وفي الهامش: في الأصل "صلى"، والمثبت يقتضيه السياق.
أقول: هذا تحريف لما في الأصل يدلُّ على أن المحقق لا يعرف معنى "المصلّي" في ميدان السباق.
- ص ٣٦٧ (ويَعِد الله بسبقه من شاء).
أقول: صوابه "ويُسْعِد" كما في النسخة حيث فيها مطَّة السين.
стр. 7
- ص ٣٦٨ (يؤلِّهُهُما).
أقول: صوابه كما في النسخة: "يَأْلَهُهما" أي يعبدهما. وهناك فرقٌ بين الثلاثي والرباعي في المعنى. وسيأتي "المألوه" بعد أسطر.
- ص ٣٧٠ (ويَرْوِي به الناسُ).
قلت: صوابه: "ويَرْوَى به الناسُ" من باب فرح، أي يشربُ ويشبع. أما "روى" من باب ضرب فهو متعدّ.
- ص ٣٧١ (لئلّا يقطعهم الرغبةَ في هذا الذي زينَ لهم عنه). وعلّق عليه: "عنه جار ومجرور، ومتعلقه مشكل".
أقول: لا غبار عليه، فـ"الرغبةُ" [وليس منصوبًا كما ضبطه المحقق] فاعلُ "يقطع"، و"عنه" متعلق بهذا الفعل، والضمير لـ"ما هو خير وأفضل". والمعنى: لئلَّا يقطعهم الرغبةُ (في هذا الذي زُيِّن لهم) عن (ما هو خير وأفضل).
- ص ٣٧٥ (ولم يُكامِحْ قلوبَهم مرادُ المتكلم منه ولم تباشِرْها روحُه).
أثبته المحقق كما في النسخة، وشرحه بما لا طائل تحته، ولا تساعده اللغة على ذلك. والصواب أنه: "ولم يُكامِعْ" بالعين، أي "لم يُجامِعْ قلوبَهم ... "، وهو المناسب للسياق وكلمةِ "لم تُباشِرها".
- ص ٣٧٧ (وعُرِف حلمه).
стр. 8
قلت: الصواب ما في النسخة: "وعُرِفَتْ حكمته"، ولا داعي للتغيير.
- ص ٣٧٩ (ابتغاء الوسيلة هو طلب القُرب منه). وقال: في الأصل "القربة". والمثبت كما في مدارج السالكين.
أقول: القُربة والقُرب كلاهما مصدر الفعل "قَرُبَ"، فلا داعي للتغيير.
- ص ٣٨١ (فما أعظمها من خيانة عمدٍ إلى صفات جلاله).
أقول: صوابه: "فما أعظَمها من خيانة! عَمَد إلى صفات جلاله". وهو فعل ماض بمعنى قصدَ، وهو المناسب لما سيأتي: "فجعلَها ... ثم عطَّلَه ... ".
- ص ٣٨١ (مرتبة الأمانة لا تُدرك إلا بالأمانة).
أقول: الصواب في الأول: "الإمامة".
- ص ٣٨١ (ويقصد مرضاتِه).
هكذا ضبطها بالكسر متوهمًا أنها جمع المؤنث السالم، والصواب أنها بفتح التاء كلمة مفردة.
- ص ٣٨١ (إنّا بالله وبك، أو متّكلٌ على الله وعليك).
أقول: الصواب: "أنا" ليناسب ما بعده.
- ص ٣٨٤ (بموجَبها).
أقول: صوابها: "بموجبهما". والضمير للآيتين، والسياق فيما بعد
стр. 9
يقتضي ذلك.
- ص ٣٨٥ (ولا يُعاون به).
أقول: استشكله المحقق وحاول توجيهه فلم يوفَّق، والصواب: "ولا يُعاوِنونه"، وبه يستقيم السياق والمعنى.
- ص ٣٨٥ (لا يتَّفِق عندهم إلّا خائن ... ).
قلت: الصواب كما في النسخة "فلا يَنْفُقُ ... "، وبه يستقيم المعنى.
- ص ٣٨٦ (فلا يُمكن الموحدُ أن يجرِّدَ ... ).
ضبط "الموحدُ" بالضم ظانًّا أنه الفاعل، والصواب أنه مفعول منصوب، و"أن يجرّد" فاعل الفعل. وكثيرًا ما يخطئ فيه الناس.
- ص ٣٨٦ (أفلح عند الحساب من ندِمَ).
أقول: قافية البيت لا تنتهي بحرف مفتوح دون وصله بالألف، فصوابها: "نَدِمَا".
هذه نماذج قليلة في ١٥ ورقة من نسخة الرياض (ع)، أخطأ محقق الطبعة الجديدة في قراءتها وضبطها، أو خطَّأ الصواب فيها، ولم يفطن لتصحيح بعض الأخطاء والتحريفات الواضحة في النسخة.
وفي هذه الطبعة أسرف المحقق في الضبط والشكل، وتقسيم جملة واحدة إلى فقرات، وفَصْل الحواشي عن مواضعها ووضْعها مجموعة في آخر الكتاب (ص ٤٤٤ - ٥٩٩)، والرمز لها بـ (ت)، (م)، (ع)، (ق) أو جعْلها غفلًا من أيّ رمز، واستخدام ألوان من الزخرفة والتلوين. وهذه
стр. 10
الأمور ــ وإن كانت على خلاف نهج أئمة التحقيق وأعلامه ــ لا مشاحَّة في استعمالها لو لم تشغل المحقق عن قراءة النصّ قراءة صحيحة!
وأخيرًا وقبل أن أدفع الكتاب إلى المطبعة أتحفني الأخ الفاضل الباحث النِّقاب عبد الله بن علي السليمان بنسخة ثالثة من الكتاب ضمن موسوعة "الكواكب الدراري" لابن عروة الحنبلي ج ٤٧ (نسخة الظاهرية ٥٧٢، الورقة ٩٧ ب- ١٢٤ أ)، فجزاه الله أحسن الجزاء عن العلم وأهله. وبعد مقابلتها ظهر أنها تحوي القسم الأول من الكتاب، دون القسم الثاني الذي فيه عقد مجلس مناظرة. والنسخة بخط إبراهيم بن محمد بن محمود بن بدر الحنبلي سنة ٨٢٨. وخطه معروف، وقد نسخ أجزاء عديدة من "الكواكب"، ويغلب عليه الصحة. وقد استفدت من هذه النسخة تصحيح كثير من الكلمات، وأشرت إلى فروقها المهمة. ووجدتُ أن في مواضع كثيرة منها سقط كلمة أو كلمات أو سطر أو سقط كبير أشرت إلى بعضها وتركت الإشارة إلى الباقي. وكذلك فيها أخطاء وتحريفات عديدة ذكرتُ نماذج منها. وبالجملة فهي أقدم النسخ التي وصلت إلينا من الكتاب وتتفق مع نسخة الأصل غالبًا، واستفدت منها في تصحيح القسم الأول، وأشرتُ إليها برمز (ك)، وهي أفضل من نسخة (ع) التي هي أكثر تحريفًا وسقطًا منها، كما يظهر من هوامش هذه الطبعة.
وبعد، فهذه طبعة جديدة للكتاب بالاعتماد على ثلاث نسخ خطية، مع ذكر الفروق بينها والتنبيه على ما فيها من أخطاء وتحريفات،
стр. 11
وتصويب ما بقي منها في الطبعة الأولى. ومهمة المحقق إزاء هذه النسخ المحرفة أن يختار النص منها بعناية، ولا يعتمد على أي واحدة منها ويجعلها أصلًا، فهي ليست مثل نسخة المؤلف أو النسخ الصحيحة التي كتبت عنها وقوبلت عليها وهي قريبة من عهد المؤلف، حتى تُجعل أصولًا معتمدة لا يُعدَل عنها.
وختامًا أدعو الله أن يوفقنا جميعًا لما فيه الخير والصلاح، إنه وليّ ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه
محمد عزير شمس
بمكة المكرمة
٢٠/ ٤/ ١٤٤٠
стр. 12
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الطبعة الأولى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد، فهذا كتاب في السماع والغناء ألَّفه علم من الأعلام، بَسَط فيه الكلام على هذا الموضوع، وردَّ على جميع الشُّبه التي أُثيرت في هذا الباب، وقام بالمقارنة بين ذوق الصلاة والقرآن وذوق السماع والغناء، وبيَّن أن أحدهما منافٍ للآخر، ولا يمكن أن يجتمعا في قلب واحدٍ. ومن الغريب أن تجعله طائفة من الصوفية ذريعة لتصفية القلوب وإثارة العواطف النبيلة، وتتخذه قربةً تتقرَّب بها إلى الله، مع ما ينضم إليها من المنكرات، مثل استخدام آلات اللهو والموسيقى، والنظر إلى النساء والمردان، والرقص والطرب والدوران، والتواجد وخرق الثياب، والنخير والشخير والصياح، وكل ذلك من اللغو واللهو والباطل الذي نُهِي المسلمون عنه في القرآن الكريم.
وقد ردّ العلماء والفقهاء على أصحاب السماع، وألَّفوا كتبًا كثيرة في هذا الباب، ومن أوسعها وأشملها هذا الكتاب الذي بين أيدينا، تناول فيه الإمام ابن القيم هذا الموضوع بأسلوبه المعروف، وأجرى الحوار بين صاحب الغناء وصاحب القرآن، وأورد جميع ما يحتج به أهل السماع والغناء، وناقشهم مناقشة علمية تفصيلية.
стр. 13
وفي أثناء الكتاب فوائد منثورة في موضوعات مختلفة، من تفسير آية أو شرح حديث أو بيان مسألة فقهية أو ذكر شيء من مباحث العقيدة والسلوك، كما هو منهج المؤلف في سائر كتبه. وقد اعتمد كثيرًا على كلام شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الباب، وخاصةً في القسم الثاني من الكتاب، وسيأتي البحث في طريقة الاستفادة منه في مبحث خاص إن شاء الله.
وهذه فصول تحتوي على دراسة الكتاب وموضوعه والأصل المعتمد عليه عند إخراجه، وغير ذلك من المباحث التي أرجو أنني قد وُفّقتُ فيها.
* موضوع الكتاب ومن ألَّف فيه:
الكتب المؤلفة في موضوع السماع كثيرة، ولستُ هنا بصدد إحصائها وبيان ما طبع منها وما لم يطبع (١)، وإنما يُهمُّني بيان الباعث
_________
(١) ذكر حاجي خليفة في "كشف الظنون" (٢/ ١٠٠١) بعض هذه المؤلفات، وذكر بعضها عبد الحي الكتاني في "التراتيب الإدارية" (٢/ ١٣٢ - ١٣٤) ولكنه لم يُشِر إلى الكتب المؤلفة في الرد على أهل السماع إلّا قليلًا، لأن هواه كان معهم. وللمستشرق فارمر "مصادر الموسيقى العربية" (ط. القاهرة ١٩٥٧)، ذكر فيه أكثر المطبوعات والمخطوطات. وصنع عبد الحميد العلوجي، ببليوغرافيا بعنوان "رائد الموسيقى العربية" (ط. بغداد). وأورد عبد الله محمد الحبشي في "معجم الموضوعات المطروقة" (١/ ٦٣٣ - ٦٣٥، ٢/ ٩٠٢ - ٩٠٤) قائمة للكتب المؤلفة في الباب ينقصها ذكرُ عددٍ من الكتب المطبوعة المشهورة، فضلًا عن المخطوطات. وفي "المعجم الشامل للتراث العربي المخطوط" (الفقه والأصول) استقصاء النسخ الخطية لكتب السماع التي ورد ذكرها فيها، ولكنها مفرقة على الحروف تحتاج إلى تتبع واستخراج. وفي مقدمات بعض الكتب المنشورة في السماع قوائم أعدَّها محققوها، وفيها كثير من الخلط والاضطراب والتكرار، وأخطاء في أسماء الكتب والمؤلفين ووفياتهم. وينبغي الاهتمام بنشر ما لم ينشر من هذه المؤلفات.
стр. 14
على التأليف فيه، وذكر أشهر من ألَّف فيه من الصوفية والظاهرية، ومن ردَّ عليهم من العلماء. وكان المُحدِّثون سبَّاقين إلى هذا الميدان، فألَّفوا كتبًا في ذم الغناء واللهو والمعازف، من أشهرها: "ذم الملاهي" لابن أبي الدنيا (ت ٢٨٢)، و"تحريم النرد والشطرنج والملاهي" للآجري (ت ٣٦٠)، ذكروا فيها الأحاديث والآثار بالأسانيد، لتحذير الناس من الاشتغال بها.
وقد كان السماع عند زهاد القرنين الأول والثاني هو سماع القرآن والأحاديث والأشعار الدينية التي تدعو إلى القيام بواجبات الشرع ونواهيه، والتذكر الدائم للوعد والوعيد، ولكنه منذ القرن الثالث تحوَّل عند الصوفية إلى أمر آخر، فجعلوا له آدابًا وشروطًا، وقسَّموه أقسامًا بحسب المستمعين، وأدخلوا فيه الغناء بآلات اللهو والمعازف، والرقص والطرب وخرق الثياب لشدة الوجد، وصدر عنهم الشخير والنخير والزعقات في مجالس السماع، واتخذوا ذلك وسيلةً لتصفية القلوب وتزكيتها، وزعموا أنه يزيد في أذواقهم ومواجيدهم الإيمانية، وأنه قربةٌ يتقرب بها إلى الله.
стр. 15
ومن يراجع مؤلفات الصوفية في السلوك يجد فيها أبوابًا وفصولًا تتحدث عن السماع وآدابه و بيان تأثيره في القلوب، وتذكر أقوال الصوفية وأعمالهم في هذا المجال، وتحتج له بأخبار وآثار مروية بغضّ النظر عن ثبوتها ودلالتها على المطلوب. وهذه بعض المصادر المهمة في هذا الموضوع:
- اللمع، لأبي نصر السرَّاج (ت ٣٧٨): ص ٣٣٨ - ٣٧٤.
- التعرف لمذهب أهل التصوف، للكلاباذي (ت ٣٨٠): ص ١٩٠ - ١٩١.
- قوت القلوب، لأبي طالب المكي (ت ٣٨٦): ٢/ ٦١ - ٦٢.
- رسالة في السماع، لأبي عبد الرحمن السلمي (ت ٤١٢): مخطوطة في كوبريللي [١٦٣١].
- الرسالة القشيرية، لأبي القاسم القشيري (ت ٤٦٥): ٢/ ٥٠٤ - ٥١٩.
- إحياء علوم الدين، للغزالي (ت ٥٠٥): ٢/ ٢٦٨ - ٣٠٦.
- صفوة التصوف، لابن طاهر المقدسي (ت ٥٠٧): ص ٢٩٨ - ٣٣٠.
- عوارف المعارف، للسهروردي (ت ٦٣٢): ص ١٠٨ - ١٢١.
وبالاعتماد على هذه المصادر وغيرها ألَّفوا كتبًا مفردة في إباحة السماع، وكان لبعض الظاهرية أيضًا إسهام في هذا الميدان، مثل ابن حزم (ت ٤٥٦) الذي ألَّف "رسالة في الغناء الملهي"، وابن طاهر
стр. 16
المقدسي (ت ٥٠٧) الذي ألَّف كتاب "السماع".
وقد أنكر العلماء والفقهاء من جميع المذاهب على أصحاب السماع، وردُّوا على شبههم، وأبطلوا احتجاجهم ببعض الأخبار والآثار، وناقشوا آراءهم، وألَّفوا في تحريم السماع مؤلفات مفردة، وخصصوا بعض الفصول والأبواب في كتب الفقه والأخلاق لبيان حكم السماع في الشرع. وسنذكر فيما يلي أشهر العلماء الذين ألفوا في هذا الباب:
١ - أبو الطيب الطبري (ت ٤٥٠):
له "رسالة في الرد على من يحب السماع" (١) استفاد منها كل من ألَّف بعده في الموضوع، وهي عبارة عن فتوى، ذكر فيها أقوال الإمام الشافعي ومالك وأبي حنيفة في الغناء، ونقل إجماع علماء الأمصار على كراهته والمنع منه، ثم ذكر الآيات والأحاديث الدالة على ذم الغناء، وأتبعها بأقوال الصحابة والتابعين. ثم ذكر شُبَه المفتونين بالسماع، وبيَّن حكم إنشاد الشعر وسماعه من غير تلحين، وذكر معنى التغنّي بالقرآن، وأنكر على من أباح النظر إلى المردان وزعم أنه قصد به الاستدلالَ على الصانع. وفي الأخير ذكر المؤلف سبب اشتغالهم بالسماع والنظر والرقص، وهو تناولهم لألوانٍ من الأطعمة الطيبة والمآكل الشهية مما
_________
(١) طبعت بتحقيق مجدي فتحي السيد من دار الصحابة للتراث، بطنطا (مصر) ١٤١٠. وهي طبعة رديئة كثيرة الأخطاء والتحريفات.
стр. 17
يُرغّبهم في السماع وغيره من المنكرات. ولو أنهم تقللوا من الغذاء والشراب لم يلجأوا إلى الغناء والرقص والنظر.
٢ - أبو بكر الطرطوشي (ت ٥٢٠):
ألَّف كتاب "تحريم الغناء والسماع" (١)، ذكر فيه أقوال الأئمة أولًا، وبيَّن أن العود والطنبور وسائر الملاهي حرام، ومستمعه فاسق، ثم استدلَّ على ذلك بالآيات والأحاديث والآثار، وعقد فصلًا لبيان أن الغناء صنو الخمر في التأثير، وهو جاسوس العقل وسارق المروءة والعقول. وفي فصل آخر ذكر الإجماع على تحريم سماع الغناء من المرأة وأنها عورة. ثم ذكر احتجاج المبيحين للسماع ببعض الأحاديث وردَّ عليهم، ورد على دعوى الصوفية أنهم يسمعون الغناء بالله وفي الله. ثم ذكر شبهة أن جماعة من الصالحين سمعوه، وردَّ عليها بقوله: ما بلغنا أن أحدًا من السلف الصالح فعلَه، وإن كان فعله أحدٌ من المتأخرين فقد أ خطأ، ولا يلزم الاقتداء بقوله. ثم عقد فصلًا ذكر فيه ردَّ شيوخ الصوفية على من أباح السماع، وناقش احتجاج بعض الصوفية لإباحته.
وعقد فصلًا في كراهة قراءة القرآن بالألحان وبيَّن معنى قوله ﷺ : "زيّنوا القرآن بأصواتكم"، واعتبر شهوة السماع مثل شهوة الأكل، كلتاهما مذمومة، وقال: إن السماع فتنة مثل النظر إلى وجوه المردان، وردَّ على من يبيح النظر إليهم بحجة الاستدلال على الله. وفي الختام تحدث عن الرقص والطرب وتمزيق الثياب الحاصل في مثل هذه
_________
(١) طبع بتحقيق عبد المجيد تركي، من دار الغرب الإسلامي، بيروت، ١٩٩٧ م.
стр. 18
المجالس، وأن كل ذلك مخالف للمروءة.
وختم الكتاب بفصل عن اللعب بالشطرنج، وذكر أقوال الأئمة والأحاديث والآثار في تحريمه أو كراهته. وردَّ على أبي إسحاق الشيرازي القائل بإباحته.
٣ - ابن الجوزي (ت ٥٩٧):
عقد فصلًا في كتابه "تلبيس إبليس" (ص ٢٢٢ - ٢٥٠) بعنوان "ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في السماع والرقص والوجد"، ذكر فيه أن الناس تكلموا في الغناء وأطالوا، فمنهم من حرمه ومنهم من أباحه ومنهم من كرهه، وفصل الخطاب أن نقول: ينبغي أن يُنظَر في ماهية الشيء ثم يُطلَق عليه الحكم. ثم ذكر أنواع الغناء، منها ما لا خلاف في إباحته، ولكن الغناء المعروف اليوم الذي يكون بألحان مختلفة بآلات المعازف، والذي يُخرِج سامعها عن حيز الاعتدال ويثير فيه حبّ الهوى والشهوات، فهذا لا يقاس بإنشاد الشعر المجرد، وغناء الحجيج والغزاة، والحداء ونشيد الأعراب، والغناء في أيام العيد وحفلات الزواج. وتسوية الغناء المعروف بالأنواع المذكورة من تلبيس إبليس الذي وقع فيه كثير من الناس.
ثم ذكر المؤلف مذاهب الأئمة الأربعة في ذم الغناء والسماع، وذكر الأدلة من القرآن والأحاديث والآثار، والعلة في النهي عن الغناء أنه يُخرج الإنسان عن الاعتدال ويغير العقل. ثم ذكر الشُّبَهَ التي تعلَّق بها من أجاز سماع الغناء، وردَّ عليها، وانتقد صنيع أبي نعيم الأصفهاني وابن طاهر المقدسي وأبي عبد الرحمن السلمي وأبي طالب المكي
стр. 19
والحاكم والغزالي في الاحتجاج له بأمور لا تدلُّ على المطلوب. ثم ردَّ على أولئك الذين آثروا السماع على قراءة القرآن، وجعلوه قربة إلى الله. وعقد فصولًا (ص ٢٥٠ - ٢٧٧) للرد على الصوفية في الوجد والرقص وتقطيع الثياب وصحبة المردان والنظر إليهم، فصَّل فيها الكلام على هذه الموضوعات، ولم يترك شبهة تعلقوا بها إلا ردَّ عليها.
٤ - ابن قدامة (ت ٦٢٠):
له "فتيا في ذمّ الشبّابة والرقص والسماع" (١)، ذكر فيها أن المشتغل بهذا ساقط المروءة مردود الشهادة، وأن هذا معصية ولهو ولعب، ولا يُتقرب إلى الله بمعاصيه. ثم ذكر أقوال الأئمة في ذمه، وأنه لم يُنقَل عن النبي ﷺ ولا أحد من الصحابة أنه سمع الغناء، وإنما كان يفعله الفسَّاق. وإذا انضّم إلى ذلك النظر إلى النساء والمردان سلَب الدين وفتَن القلب، كما وردت بذلك الأحاديث والآثار. وحضور المعازف واستماع الأغاني مما ينبت النفاق في القلب، فمن أحبَّ النجاة والسلامة فعليه باتباع الكتاب والسنة ولزوم طريق السلف، فإنه الصراط المستقيم. والحق واضح لمن أراد الله هدايته.
_________
(١) نشرها أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري بالقاهرة سنة ١٣٩٧، وأعاد نشرها ضمن "الذخيرة من المصنفات الصغيرة" (١/ ٢١٥ - ٢٣٨) ط. الرياض ١٤٠٤. ونشرت أيضًا بعنوان "ذم ما عليه مدّعو التصوف من الغناء والرقص والتواجد" بتحقيق زهير الشاويش في المكتب الإسلامي بيروت ١٤٠٣ هـ.
стр. 20
٥ - أبو العباس القرطبي (ت ٦٥٦):
ألف "كشف القناع عن حكم الوجد والسماع" (١)، وصف في مقدمته سماع الصوفية في زمانه، حيث كانوا يستدعون المعروفين بصنعة الغناء ومعهم آلات اللهو والمعازف، فيغنّون في المجالس، ويقوم الحاضرون ويطربون ويرقصون، ومنهم من يكون له زعيق وزئير. وذكر أن هذا السماع لا يُختلف في تحريمه وفحشه، وخاصةً إذا جُعل ذلك من أفضل العبادات وأجلِّ القربات.
وقد بحث المؤلف هذه المسألة بطريقة علمية، حيث ذكر الدليل وأوضح وجه الدلالة منه، ثم أورد عليه أسئلة وأجاب عنها، ثم ذكر دليل المخالف وناقشه مناقشة علمية، ثم توصل إلى نتيجة. وقد حرَّر المؤلف محلَّ النزاع في المسألة، وبيَّن الصحيح من السقيم والحلال من الحرام. وقسَّم الكتاب إلى أفراد المسائل، وبحث عنها مسألة مسألة، فتحدَّث عن معنى الغناء وأقسامه وحكمه، وقراءة القرآن بالألحان، وسماع غناء المرأة والأمرد، وحكم سماع آلات اللهو، والرقص، والتواجد والوجد، وتمزيق الثياب وإلقائهم الخِرق في حال السماع. وختم الكتاب بفصلين: الأول في التحذير من البدع، والثاني في بيان سماع الصادقين وبيان أحوالهم فيه، فذكر أن سماعهم إنما كان القرآن، يتدارسونه ويتفاوضون فيه، ويتدبرون معانيه، ويستعذبونه في صلواتهم، ويأنسون به في خلواتهم. وأورد من الآيات والأحاديث والآثار ما يدلُّ على ذلك.
_________
(١) نشره عبد الله بن محمد بن أحمد الطريقي في الرياض سنة ١٤١١.
стр. 21
٦ - محمود الدشتي (ت ٦٦٥):
ألف كتابه "النهي عن الرقص والسماع" (١)، ذكر فيه أولًا أخلاق النبي ﷺ والصحابة والتابعين، وصفاتهم وكلامهم وسيرهم، ونفورهم من البدع ولزوم طريق السنة، وتحذيرهم من المحدثات. ثم عقد فصلًا في تحريم السماع بالكتاب والسنة والإجماع (ص ٣٦٧ - ٤١٢). ثم ردَّ على الشبه التي تعلق بها الصوفية في إباحة الرقص والغناء والسماع، ونقل إجماع أئمة المذاهب والعلماء على تحريمه، ثم ردَّ على الصوفية في استماعهم إلى المزامير والشبابات، وفرَّق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وبين الكهانة والكرامة، وذكر منهج السلف في الدعوة إلى الله والتمسك بالسنة. ثم عاد إلى إبطال شبهٍ أخرى عند الصوفية في إباحة الرقص والغناء، ونصح أخيرًا بالابتعاد عن الملاهي. وقد أورد المؤلف في الكتاب نقولًا مهمة من كتب مفقودة في هذا الموضوع، وشعرًا كثيرًا من نظمه ونظم غيره من العلماء.
٧ - ابن تيمية (ت ٧٢٨):
له عدة فتاوى في هذا الموضوع (٢)، وقد ذكر أن السماع المشروع
_________
(١) طبع بتحقيق علي مصري سيمجان فوترا، من دار السنة بالرياض ١٤٢٨. أطال المحقق في ترجمة الأعلام والتعريف بالبلدان وشرح الكلمات وتخريج الأحاديث والآثار، فخرج الكتاب في مجلدين. ولم يهتم بضبط الشعر وغيره مما يحتاج إلى ضبط.
(٢) انظر "مجموع الفتاوى" (١١/ ٥٥٧ - ٦٠٧، ٦٢٠ - ٦٣٥، ٦٤١ - ٦٤٥). وقد اختصر محمد بن محمد بن محمد المنبجي الحنبلي كلام شيخ الإسلام، وصنع منه كتاب "السماع والرقص"، نُشِر ضمن مجموعة الرسائل الكبرى (٢/ ٢٩٣ - ٣٢٩).
стр. 22
هو سماع آيات القرآن، وذم الله المعرضين عنها، أما سماع المكاء والتصدية فهو سماع المشركين، ومن نسب إلى النبي ﷺ سماع شيء منه وأنه تواجد عليه فقد كذب. ولم يشرع الاجتماع على استماع الأبيات الملحنة واتخاذ ذلك دينًا، ولم يكونوا في القرون المفضلة يجتمعون على السماع المحدث، وأنكره من أدركه منهم كالشافعي وأحمد، ومن حضره من الشيوخ تركه وعابه. وممن رغَّب في هذا السماع ودعا إليه: ابن الراوندي والفارابي وابن سينا اتباعًا للفلاسفة. وذكر شيخ الإسلام ما في الغناء من الأضرار والمفاسد التي تجعل لصاحبه أحوالًا شيطانية، وانتقد تلك الآثار والأخبار التي ذكرها أبو عبد الرحمن السلمي وابن طاهر المقدسي وغيرهما في إباحة الغناء وآلات اللهو والمعازف، وذكر حكم الغناء في الشرع وحكمَ من حضر السماع من المشايخ، وقال: إن الكتاب والسنة وما عليه الصحابة هو المميز بين الحق والباطل من المنقولات والمعقولات والأذواق والخوارق.
ولشيخ الإسلام فصل كبير يتعلق بالسماع ضمن كتابه "الاستقامة" (١/ ٢١٦ - ٤٢١)، ناقش فيه ما أورده أبو القاسم القشيري في "الرسالة القشيرية" (ص ٥٠٤ - ٥١٩) في باب السماع، وردَّ عليه فقرةً فقرةً، ولم
стр. 23
يترك شبهةً من شبههم، ولا شيئًا مما يحتجون به من الآثار والأخبار، دون تعقيب وإيضاح واستدراك ونقد. وهذا الفصل أهمُّ ما كُتِب في مناقشة أهل السماع على الإطلاق، بأسلوب علمي رزين، وبأدلة قوية مقنعة. وقد اعتمد ابن القيم في القسم الثاني من هذا الكتاب على كلام شيخه في هذا الفصل، واستفاد منه كثيرًا، وزاد عليه زيادات كما سيأتي ذكرها فيما بعد.
٨ - ابن القيم (ت ٧٥١):
سنتناول آراءه بالبحث والدراسة في فصل مستقل إن شاء الله.
٩ - ابن رجب (ت ٧٩٥):
له "نزهة الأسماع في مسألة السماع" (١)، أجاب فيه عن المسائل التي سئل عنها بشأن السماع المحدَث وما يتضمنه من سماع الغناء وآلات اللهو، هل هو محظورٌ أم لا؟ وهل ورد في حظره دليل صريح أم لا؟ وما حكم سماعه من المرأة الأجنبية؟ وما حكم من يفعله قربةً وديانةً؟ فذكر أنه قد كثر القيل والقال في هذه المسائل، وصنَّف الناس فيها تصانيف مفردة، وتكلم فيها أنواع الطوائف من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية، ومنهم من يميل إلى الرخصة، ومنهم من يميل إلى المنع والشدة. وكان منهج المؤلف في الكتاب أن يشير إلى نكت
_________
(١) نشره عبد الله بن محمد بن أحمد الطريقي في الرياض سنة ١٤١٣، ونشره أيضًا أبو مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني ضمن "مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي" (٢/ ٤٤١ - ٤٧٤) ط. دار الفاروق الحديثة، القاهرة ١٤٢٥.
стр. 24
مختصرة وجيزة ضابطة لكثير من المقاصد.
وقد قسَّم المؤلف السماع إلى قسمين:
الأول: ما يقع على وجه اللعب واللهو وإبلاغ النفوس حظوظها من الشهوات واللذات. وأكثر العلماء على تحريم سماع الغناء وآلات الملاهي كلها على هذا الوجه؛ لأن فيه تهييج الطباع وتحريك الشهوات. وقد أورد المؤلف الأحاديث والآثار الواردة في الباب مما يدل على تحريمه، وذكر أن ما يدل منها على الرخصة فهو ما يكون إنشاد الشعر فيه على طريق الحداء ونحوه مما لا يُهيِّج الطباع إلى الهوى. ومن استدلَّ بشيء من ذلك على إباحة الغناء المذموم فقد غلط.
القسم الثاني: أن يقع استماع الغناء بآلات اللهو أو بدونها على وجه التقرب إلى الله تعالى، وتحريك القلوب إلى محبته والأنس به والشوق إلى لقائه، وهذا هو الذي يدّعيه كثير من أهل السلوك. ولا ريب أن التقرب إلى الله بسماع الغناء الملحن لاسيما مع آلات اللهو مما يُعلَم بالضرورة أنه ليس من دين الإسلام ولا مما تزكّى به النفوس وتطهر به. وهو مخالف لإجماع المسلمين، ونقل عن القاضي أبي الطيب الطبري وابن الصلاح ما يدلُّ على تحريم هذا السماع، ومن نسب إباحته إلى أحدٍ من العلماء على هذا الوجه فقد أخطأ.
وختم المؤلف الكتاب بذكر أن سماع الأغاني يضاد سماع القرآن من كل وجه.
стр. 25
١٠ - ابن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤):
ألَّف كتابه "كفّ الرعاع عن محرَّمات اللهو والسماع" (١) ردًّا على كتاب "فرح (٢) الأسماع برخص السماع" لأبي المواهب محمد بن أحمد بن زغدان التونسي (ت ٨٨٢). وقسَّمه إلى مقدمة وبابين وخاتمة. أما المقدمة ففي ذكر الأحاديث الواردة في ذم المعازف والمزامير والأوتار ونحوها، والباب الأول في أقسام الغناء المحرَّم وغيره، والباب الثاني في أقسم اللهو المحرم وغيره.
وقسم الباب الأول إلى أربعة عشر قسمًا أو فصلًا، تحدث فيها عن أحكام سماع مجرد الغناء من غير آلة، وسماع الغناء المقترن برقص أو دفّ أو مزمار أو وتر، وقراءة القرآن بالألحان، وجميع آلات الموسيقى والغناء مثل الدف والكوبة وسائر الطبول، والضرب بالصفاقتين، والضرب بالقضيب على الوسائد، والتصفيق، والضرب بالأقلام على الصيني، والشبابة والزمارة أو اليراع، والموصول، والمزمار العراقي، والأوتار والمعازف. وختم الباب في بيان أن ما مرَّ صغيرة أو كبيرة.
وقد ذكر في كل قسم أقوال العلماء من المذاهب الأربعة، وخاصة
_________
(١) طبع مرارًا، منها طبعة دار الفكر بيروت ١٤٠٣، بذيل كتاب "الزواجر عن اقتراف الكبائر" (٢/ ٢٦٥ - ٣٣٥).
(٢) في كشف الظنون (٢/ ١٢٢٣): "قرع". وهو مطبوع في لكنو (الهند) سنة ١٣١٧ ضمن مجموعة (ص ١ - ٢٤) بعنوان "فرح ... ". وكذا في تونس سنة ١٩٨٥ م.
стр. 26
من المذهب الشافعي، وبيَّن حكم كل قسم على حدة، وردَّ على أولئك الذين يبيحون الغناء مطلقًا من أيّ نوع كان، وردّ على ابن طاهر في ذلك، و ذكر أن ادعاءه إجماع الصحابة والتابعين على جوازه مجازفة وتدليس، ونقل عن الأذرعي أن ما نسب إلى الصحابة أكثره لم يثبت، ولو ثبت منه شيء لم يظهر منه أن ذلك الصحابي يبيح الغناء المتنازع فيه (٢/ ٢٧٩). ونقل عن أبي القاسم الدولعي أنه لم يُنقَل عن أحد من الصحابة أنه سمع الغناء المتنازع فيه، ولا جمع له جموعًا، ولا دعا الناس إليه، ولا حضر له في ملأ ولا خلوة، ولا أثنى عليه، بل ذمَّه وقبَّحه وذمَّ الاجتماع إليه. وفي الكتاب نقول كثيرة من كتب الفقه وغيرها تدلُّ على سعة اطلاع المؤلف عليها.
وفي كتابه "الزواجر عن اقتراف الكبائر" (٢/ ٢٠٢ - ٢١١) عدَّ ستة أشياء من الكبائر: ضَرْب وَتَرٍ واستماعه، وزَمْر بمزمارٍ واستماعه، وضَرْب بكوبة واستماعه. ولخص فيه ما ذكره في الكتاب السابق، وردَّ على ابن حزم وابن طاهر فيما ذهبا إليه من الإباحة.
* عنوان الكتاب:
العنوان المثبت في أول النسخة هو: "الكلام على مسألة السماع". وذكرت بعض المصادر كتابًا لابن القيم في هذا الموضوع بعنوان "كشف الغطاء عن حكم سماع الغناء" (١). وورد ذكره في بعض المصادر بعنوان
_________
(١) "الوافي بالوفيات" (١/ ٢٧١) والمنهل الصافي (٣/ ٦٢).
стр. 27
"حرمة السماع" (١).
وإذا رجعنا إلى كتب المؤلف نجد أنه أشار أولًا إلى أنه ينوي تأليف كتاب في هذا الباب، فقال في "مدارج السالكين" (٢): "وأما السماع الشيطاني فبالضدِّ من ذلك، وهو مشتمل على أكثر من مئة مفسدة، ولولا خوف الإطالة لسقناها مفصَّلة. وسنفرد لها مصنَّفًا مستقلًّا إن شاء الله".
وبعد تأليفه ذكره في "إغاثة اللهفان" (٣)، فقال في خاتمة بحثه عن السماع والغناء: "وذكرنا شُبَه المغنين والمفتونين بالسماع الشيطاني، ونقضناها نقضًا وإبطالًا في كتابنا الكبير في السماع، وذكرنا الفرق بين ما يُحرِّكه سماع الأبيات وما يُحرِّكه سماع الآيات، وذكرنا الشُّبَه التي دخلت على كثير من العباد في حضوره، حتَّى عدُّوه من القُرَب. فمن أحبَّ الوقوف على ذلك فهو مستوفًى في ذلك الكتاب، وإنما أشرنا ههنا إلى نبذة يسيرة في كونه من مكايد الشيطان".
والكتاب الذي بين أيدينا فيه ذِكْر شُبه المغنين وإبطالُها، والفرق بين سماع الأبيات وسماع الآيات، ومناقشة أقوال الصوفية الذين جعلوا السماع من القُرَب، وينطبق عليه ما وصفه به المؤلف. وعلى هذا فيكون
_________
(١) "كشف الظنون" (١/ ٦٥٠) و"هدية العارفين" (٢/ ١٥٨).
(٢) (٣/ ١٩٧).
(٣) (١/ ٤٧٢، ٤٧٣).
стр. 28
هو الكتاب الكبير الذي أشار إليه بدون ذكر العنوان. ووصفُه بالكبير بمقابل كلامه على السماع بإجمالٍ في "الإغاثة" (١/ ٤٠٠ - ٤٧٢)، حيث اقتصر على نبذة يسيرةٍ منه لبيان كونه من مكايد الشيطان. ولا أظنُّ أن المؤلف أشار بالكبير إلى أن له كتابًا آخر صغيرًا في موضوع السماع غير كلامه في "الإغاثة"، كما فهم منه بعض الباحثين (١). فإنه خلاف مراد المؤلف، ولم يذكره أحدٌ من المترجمين له.
ويبدو لي أن الكتاب لم يكن له عنوان محدَّد، ولم يُسمّه المؤلف كما رأينا. وقد اخترتُ العنوان المثبت على النسخة الخطية، وربما كانت بعض النسخ للكتاب بعنوان "كشف الغطاء عن حكم سماع الغناء"، ولكن مثل هذه التسمية غالبًا ما يكون من قبل النسَّاخ. وخاصةً إذا عرفنا أن الكتاب عبارةٌ عن أحد الأجوبة عن الاستفتاء في الموضوع، وليس في أوله وآخره عن المؤلف ما يدلُّ على أنه سمّاه به، بل فيه (الورقة ١٥ ب) على الهامش: "جواب الشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية، وهو مصنَّف مستقل عظيم في خصوصية هذه المسألة". ولو كان له ذلك العنوان المسجوع أو اختاره المؤلف لذكره الناسخ هنا، وأثبته على صفحة الغلاف.
أما "حرمة السماع" فهو إشارة إلى موضوع الكتاب، لا عنوانه،
_________
(١) "ابن قيم الجوزية: حياته، آثاره، موارده" (للعلامة بكر بن عبد الله أبو زيد) ص ٢٤٢.
стр. 29
وكثيرًا ما يتجوّز صاحب "كشف الظنون" عند ذكر عناوين الكتب، وخاصة تلك التي لم يذكر أوائلها ولم يرَها. والكتاب الذي بين أيدينا منها، فلم يذكر أوَّله ولم يصفْه بشيء.
* تحقيق نسبته إلى المؤلف:
ذكرتُ فيما سبق أن المؤلف أشار إلى هذا الكتاب في "الإغاثة"، ووصفَه بما ينطبق على النسخة التي وصلت إلينا. والنسخة قديمة، وفيها أجوبة العلماء الآخرين المعاصرين لابن القيم، والاستفتاء كان سنة ٧٤٠ كما ذُكِر في النسخة، وذلك في دمشق حيث كان فيها المفتون، ومنهم ابن القيم الذي عاش فيها في هذه الفترة.
وفي الكتاب شواهد أخرى تدلُّ على أنه لابن القيم، منها أنه أشار إلى مؤلفاته الأخرى الثابتة النسبة إليه، مثل "زاد المعاد" و"مدارج السالكين"، فقال في (ص ١٣٣): "ولهذا كان رسول الله ﷺ يُطيله كما يُطيل الركوع والسجود، ويُكثر فيه من الثناء والحمد والتمجيد كما ذكرناه في هديه ﷺ ". وهو في "زاد المعاد" (١/ ٢٤٩) كما ذكر. وقال في (ص ١٢٨): "وهذا موضع يستدعي كتابًا كبيرًا، ولولا الخروج عما نحن بصدده لأوضحناه وبسطنا القول فيه، فمن أراد الوقوف عليه فقد ذكرناه في كتاب مراحل السائرين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، وفي كتاب الرسالة المصرية".
و"مراحل السائرين" هو العنوان الصحيح لكتاب "مدارج السالكين"،
стр. 30
كما ذكر المترجمون له (١)، وقد بسط الكلام في أوله على أسرار سورة الفاتحة. أما "الرسالة المصرية" فلم يذكرها أحدٌ من المترجمين له، ويظهر من السياق أنه تكلم فيها على "إياك نعبد" و"إياك نستعين".
وذكر بيتين له، وقال (ص ٢٧٤): "ولي من قصيدة:
يا مرسلًا لسهام اللحظ مجتهدًا ... أنت القتيل بما ترمي فلا تُصِب
أرسلتَ طرفَك ترتادُ الشفاءَ فما ... رأى رسولك إلّا رائدَ العطبِ"
وقد ذكر المؤلف البيتين ونسبهما لنفسه في "روضة المحبين" (ص ١٥٤) و"الداء والدواء" (ص ٣٥٢ - ٣٥٣)، وهما من قصيدة له في "بدائع الفوائد" (ص ٨١٨ - ٨١٩). وذكر أيضًا هذه القصيدة ما عدا هذين البيتين في "الفوائد" (ص ١٠٧ ــ ١٠٩).
يُضاف إلى ما سبق أنه نقل في الكتاب عن شيخه شيخ الإسلام كثيرًا (انظر ص ١٢١، ٢٤٥، ٢٤٦، ٢٦٩، ٣٤٠، ٣٤٩، ٤٢٢)، واعتمد في قسم كبير منه على كتاب "الاستقامة"، كما سيأتي ذكره فيما بعد. وهذا منهجه المعروف في سائر كتبه.
* منهج المؤلف فيه:
جرى المؤلف على منهجه المعروف في سائر كتبه، من الاعتماد على نصوص الكتاب والسنة وآثار السلف من الصحابة والتابعين، وتتبع
_________
(١) انظر: "ابن القيم الجوزية: حياته ــ آثاره ــ موارده" (ص ٢٩٥ - ٢٩٦).
стр. 31
أقوال الأئمة والعلماء في المسألة، وذكر الأدلة واستقصائها، ثم ذكر حجج الخصوم وشُبههم والردّ عليها. وأورد في أثناء البحث أبياتًا من شعرِه وشعرِ غيره، واستطرد إلى موضوعات مختلفة ليخدم بها الغرض الرئيسي من تأليف الكتاب.
ومن أمتع المباحث التي انفرد بها هذا الكتاب من بين مؤلفاته: "فصل في الموازنة بين ذوق السماع وذوق الصلاة، وبيان أن أحد الذوقين مباين للآخر" (ص ١٠٨ - ١٥١)، تحدَّث فيه عن أسرار الصلاة من أولها إلى آخرها، وتحدَّى أن يكون مثل هذا الذوق والتأثير عند أهل السماع.
وقد جعل المؤلف الكتاب في قسمين: الأول في الجواب عن الاستفتاء في مسألة السماع، فصَّل فيه الكلام حول الموضوع، ثم شعَر بوجهٍ من القصور فيه، حيث إنه لم يستقصِ شُبَه المبيحين واحتجاجاتهم والردّ عليهم، فألحق به القسم الثاني، وهو المشتمل على عقد مجلس مناظرة بين صاحب الغناء وصاحب القرآن. وجعله بصورة المناظرة ليكون أقوى في التأثير والإقناع والإفحام، وتناول فيه جميع الشُّبَه والتمسكات التي يذكرها أهل السماع في كتبهم، واختار من هذه الكتب "الرسالة القشيرية" لأنها أشهر وأكثر تداولًا من غيرها. وأضاف إليها بعض الشبَه التي ذكرها غير القشيري، مثل أبي طالب المكي صاحب "قوت القلوب" وابن طاهر المقدسي صاحب "كتاب السماع". فنقلها على لسان صاحب الغناء، ثم ردَّ عليها على لسان صاحب القرآن.
стр. 32
* مباحث الكتاب ومقارنتها بالكتب الأخرى للمؤلف:
تكلم ابن القيم عن السماع في مواضع من كتبه، وهي: "إغاثة اللهفان" (١/ ٤٠٠ - ٤٧٢) و"مدارج السالكين" (٢/ ١٣١ - ١٦٠، ٣/ ١٨٤ - ١٩٧)، وهذا الكتاب المفرد الذي بين أيدينا. وقد اتخذ لكلِّ واحدٍ منها أسلوبًا يلائم ما أُلِّف لأجله.
كان قصده في "الإغاثة" بيان أن السماع والغناء بالآلات المحرمة من مكايد الشيطان ومصايده، فصوَّر المفتونين بهذا السماع الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا، وذكر أن مزامير الشيطان أحبُّ إليهم من استماع سور القرآن، وأنه لو سمع أحدهم القرآن من أوله إلى آخره لما حرَّك له ساكنًا، ولا أثار فيه وجدًا مثل ما يثيره السماع.
ثم ذكر أن علماء الإسلام من جميع الطوائف مجمعون على التحذير من السماع وأهله، ونقل عن "تحريم السماع" لأبي بكر الطرطوشي و"روضة الطالبين" للنووي وفتاوى ابن الصلاح ما يدلُّ على إجماع الأئمة على ذلك. وذكر قصيدة لاميةً طويلة من نظمه في ذمّ أهل السماع.
ثم عقد فصولًا للحديث عن أسماء هذا السماع الشيطاني، وهي أربعة عشر اسمًا، منها: اللهو، واللغو، والباطل، والزور ... وغير ذلك، ونقل كلام أهل التفسير والحديث واللغة في شرحها والتحذير منها، وذكر الأحاديث والآثار الواردة فيها.
ثم عقد فصلًا لبيان تحريم رسول الله ﷺ الصريح لآلات اللهو
стр. 33
والمعازف، وسياق الأحاديث الواردة في ذلك، وأشهرها حديث المعازف الذي هو عند البخاري، وردَّ على ابن حزم في نقده لهذا الحديث، من وجوه عديدة. وكان اعتماده في هذا الفصل على كتب الحديث عامةً وكتاب "ذم الملاهي" لابن أبي الدنيا خاصة.
أما "مدارج السالكين" فقد تكلم فيه عن السماع في موضعين: الأول في شرح منزلة السماع (٢/ ١٣١ - ١٦٠) والثاني عند الحديث عن التغذي بالسماع في شرح منزلة الأنس بالله (٣/ ١٨٤ - ١٩٧).
وفي الموضع الأول بيَّن معنى السماع الذي ورد ذكره في القرآن، وذكر أن الكلام فيه مدحًا وذمًّا يحتاج إلى معرفة صورة المسموع وحقيقته، وسببه والباعث عليه، وثمرته وغايته. فبهذه الفصول الثلاثة يتحرر أمر السماع، ويتميز النافع منه والضار، والحق والباطل، والممدوح والمذموم.
ثم قسَّم المسموع إلى ثلاثة أقسام: مسموع يحبُّه الله ويرضاه، ومسموع يبغضه وينهى عنه، ومسموع مباح مأذون فيه لا يحبُّه ولا يبغضه. وفصَّل الكلام في هذه الأقسام وبيَّن أحكامها، وذكر حجج المبيحين لسماع الغناء وناقشها مناقشة علمية، ثم قال: والذي يفصل النزاع في حكم هذه المسألة ثلاث قواعد:
الأولى: أن الذوق والحال والوجد هل هو حاكم أو محكوم عليه؟
الثانية: أنه إذا وقع النزاع في حكمٍ وجب الرجوع إلى الوحي.
стр. 34
الثالثة: إذا أشكل على الناظر حكم شيء فلينظر إلى مفسدته وثمرته وغايته.
وأخيرًا حاكمَهم إلى الذوق، فذكر أن عبودية القلب في حالتَي الحزن والفرح هي الصبر والشكر، فصرفَه الشيطان عنهما إلى صوتين أحمقين فاجرين هما النوح والغناء، ومنافاتهما للصبر والشكر أمر معلوم من الدين بالضرورة، لا يشك فيه إلّا أبعد الناس من العلم والإيمان. ومعلوم عند الخاصة والعامة أن فتنة سماع الغناء والمعازف أعظم من فتنة النوح بكثير.
وفي الموضع الثاني من "المدارج" ذكر أن القلب يتغذى بالسماع كما يتغذى الجسم بالطعام والشراب، فإن كان العبد محبًّا صادقًا طالبًا لله عاملًا على مرضاته كان غذاؤه بالسماع القرآني، وإن كان منحرفًا فاسد الحال مغرورًا مخدوعًا كان غذاؤه السماع الشيطاني. والسرّ في ذلك أن الله جعل للقلب نوعين من الغذاء: نوعًا من الطعام والشراب الحسي، وللقلب منه خلاصته وصفوه، والنوع الثاني: غذاء روحاني معنوي من السرور والفرح، والابتهاج واللذة، والعلوم والمعارف. وبهذا الغذاء كان سماويًّا علويًّا، وبالغذاء المشترك كان أرضيًا سفليًا، وقوامه بهذين الغذاءين، وله ارتباط بكل واحدة من الحواس الخمس. وتعلق القلب بالسمع وارتباطه به أشدّ من تعلقه بالبصر، ولذا كان تأثُّره به أشدّ. وقد يكون المسموع شديد التأثير في القلب، ولا يشعر به صاحبه لاشتغاله بغيره، ولمباينة ظاهره لباطنه ذلك الوقت، فإذا حصل له نوع
стр. 35
تجرد ورياضة ظهرت قوة ذلك التأثير والتأثر. فإن كان المسموع معنًى شريفًا بصوت لذيذ حصل للقلب حظه ونصيبُه من الابتهاج واللذة، وهذا لا يحصل على الكمال إلّا عند سماع كلام الله. أما السماع الشيطاني فبالضدّ من ذلك، وهو مشتمل على أكثر من مئة مفسدة.
أما الكتاب الذي بين أيدينا فهو عبارة عن فتوى في مسألة السماع كتبها المؤلف سنة ٧٤٠ وتوسَّع في ذكر الأدلة على تحريم السماع والغناء والمزامير، وجعل القسم الثاني منه بصورة مناظرة بين صاحب الغناء وصاحب القرآن، استقصى فيه شُبَههم وإيراداتهم، وردَّ عليها بتفصيل.
بدأ المؤلف كتابه بتمهيد ذكر فيه أن الكلام في هذه المسألة وتوابعها لا ينتفع به إلا من حكَّم كلام الله ورسوله وانقاد إليه، وأما من اتخذ إلهه هواه وأضلَّه الله على علم، فهذا يُطمَع في خطابه لإقامة الحجة لا للاستجابة والانقياد. ثم قسَّم الكلام في هذه المسألة إلى فصلين:
الأول: في بيان حكمها في الشريعة، وهل هو التحريم أو الكراهة أو الإباحة، أو ما يقوله المفترون الكاذبون من الاستحباب والفضيلة؟
الثاني: أن تعاطيها على وجه اللعب والخلاعة والمجون شيء، وتعاطيها على ما يقوله أصحاب السماع من أنها قربة وطاعة شيء آخر.
وفي الفصل الأول تحدث أولًا (ص ١٠ - ٢٠) عن وجوب الردّ إلى الكتاب والسنة عند وقوع النزاع في شيء من الأمور عند المسلمين،
стр. 36
وأورد في ذلك آياتٍ عديدة وفسَّرها، وذكر أن كل عمل مخالفٍ لما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه فهو مردود على فاعله؛ لأنه بدعة، وكل بدعة ضلالة.
ثم تكلم على مسألة السماع كلامًا مجملًا ومفصلًا، أما المجمل فهو أن هذا السماع على هذا الوجه حرام قبيح، لا يُبيحه أحدٌ من المسلمين، وخواص المسلمين ودين الإسلام براءٌ منه؛ لما فيه من المفاسد الكثيرة التي ذكر بعضها، ويكفي أنه يصرف صاحبَه عن استماع القرآن، ويُحدِث له ذوقًا ووجدًا وشوقًا لا يُوجد شيء منه عند ذكر رب العالمين. ومن المصائب العظمى: نسبة ذلك إلى دين الرسول وشرعه، واعتقاد أنه قُربة يتقرب به إلى الله وأن فيه صلاح القلوب وعمارتها، وأن تأثر القلوب به أسرع وأقوى من تأثرها بالقرآن. ولا ريب أن هذا من النفاق الذي أنبته الغناء في القلب، وارتكاب المحرمات مع العلم بتحريمها أسهل وأسلم عاقبةً من ارتكابها على هذا الوجه.
وكلُّ مَنْ يدَّعي أن السماع المحدَث هو من الدين الذي تصلح عليه القلوب، لزمه أحد الأمرين: إما أن يقول: إنّ الله شرعه لرسوله، ففعله الرسول وحضَّ عليه، وأمر به ودعا إليه. وهذا كذب على الله ورسوله، منادٍ على وقاحته وجرأته.
وإما أن يقول: إن الله لم يشرعه ولا رسوله، ومع هذا فهو من الدين وحقائقه. فيلزمه حينئذٍ أن يكون الدين ناقصًا، لم يكمله الله حتى أكمله هؤلاء السماعاتية.
стр. 37
ثم ذكر المؤلف الأدلة من الكتاب والسنة وآثار السلف على أن هذا السماع من الباطل واللهو واللعب المنهيّ عن اتخاذه دينًا، وأن السماع والغناء وآلات اللهو إنما نصبها الشيطان مضادَّةً لما شرعه الله لعباده (ص ٢٦ - ٣٠). ولهذا كَثُر النكير عليها من جميع الطوائف من أهل العلم من أئمة الحديث والفقه والتفسير والزهد، وأجمعوا على التحذير منه (ص ٣٢ - ٤٥).
ثم ذكر بعض الشُّبه التي يذكرها أصحاب السماع، مثل استدلالهم بغناء الجاريتين، وجوازه في النكاح والختان، وأنَّ هذا السماع حضره جماعة من الأولياء، فكيف يسوغ تخطئتهم والإنكار عليهم؟ وردَّ عليها من وجوه (ص ٤٦ - ٧٢).
وانتقل بعد ذلك إلى ذكر مفاسد السماع (ص ٧٣ - ٨٦) وردَّ على من ادَّعى أن سماعه لله وبالله، فلا يضرُّه ما فيه من المفاسد (ص ٨٧ - ٩٢). ثم بيَّن أن السماع مركب من شبهة وشهوة، وهما الأصلان اللذان ذمَّ الله من يتبعهما ويُحكِّمهما على الوحي. ثم تحدث عن الانحراف الذي وقع عند المتأخرين في الأعمال والأذواق والأحوال، فخالفوا ما كان عليه السلف الصالح من الأذواق الصحيحة والأعمال المشروعة، وقام بالموازنة بين أحوال السلف وأحوال هؤلاء المتأخرين في السماع، وذكر الفرق بينهم (ص ٩٥ - ١٠٤)، ونبَّه على نكتة خفية من نكت السماع، وهي أنه ما وجدَ صادقٌ في السماع الشعري وجدًا وتحرك به إلّا وجد عند انقضائه ومفارقة المجلس قبضًا على قلبه ونوعَ استيحاشٍ
стр. 38
منه، فهو بمثابة من سُقِي عسلًا في إناء نجس. وإن كان سماعه لِلَّذةِ وحظّ النفس فهو كمن يشرب الماء النجس في الإناء القذر. أما صاحب السماع القرآني الذي ذوقه وشربه منه فهو يشرب الشراب الطهور في أنظف إناء وأطيبه (ص ١٠٤ - ١٠٨).
وعقد المؤلف بعد ذلك فصلًا في الموازنة بين ذوق السماع وذوق الصلاة، وبيان أن أحد الذوقين مباين للآخر، وذكر فيه أسرار الصلاة من أولها إلى آخرها (ص ١٠٨ - ١٥١)، وناشَد أهلَ السماع: هل لهم في السماع مثل هذا الذوق أو شيء منه؟ وهل يدَعُهم السماعُ يجدون هذا الذوق في الصلاة؟ ثم حلفَ عنهم أن ذوقهم ضدُّ هذا الذوق، ومشربهم ضدّ هذا المشرب. وهذا الفصل من أمتع فصول الكتاب، والمؤلف معروف بالاسترسال في مثل هذه الموضوعات، وبهذا الفصل ينتهي القسم الأول من الكتاب.
أما القسم الثاني فهو بعنوان "عقد مجلس في المناظرة بين صاحب غناء وصاحب قرآن". وكأني بالمؤلف شَعَر بأن ما كتبه ليس كافيًا في الموضوع، فإنه لم يذكر جميع حجج أهل السماع وشُبَههم التي يردّدونها في كتبهم، فخصَّص القسم الثاني لذكرها، وردَّ عليها بما يشفي ويكفي. واختار أحد أشهر الكتب التي يتداولها أهل السماع فيما بينهم، أعني به "الرسالة القشيرية"، فإنها استوعبت جميع ما لديهم من الشبه في هذا الباب. ثم وجد أن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية سبقه إلى الردّ عليها ومناقشتها مناقشة تفصيلية في كتاب "الاستقامة". فاعتمد عليه
стр. 39
كثيرًا، وهذَّبه أحسن تهذيب، وزاد عليه فوائد وأبحاثًا في مواضع، فأصبح هذا القسم الثاني من الكتاب تكملة ضرورية للقسم الأول. ولا حاجة هنا إلى استعراض هذه الشُّبَه والإيرادات، والردود عليها، ويكفي القارئ أن يراجع فهرس الموضوعات في آخر الكتاب.
هذا عرضٌ مجمل لمحتويات الكتاب، وبه يظهر أهميته بمقابل ما كتبه المؤلف في "الإغاثة" و"المدارج" ومكانته بين الكتب التي ألِّفت في هذا الباب، ونستطيع أن نقول: إنه أوسع كتابٍ في الردّ على السماع وأهله، وفيه من الفوائد العلمية والأبحاث النادرة التي لا نجدها في كتاب آخر، ويتميز بأسلوبه ومنهجه بين جميع الكتب المؤلفة في الموضوع. ومع أهميته وقيمته العلمية لم يكن معروفًا قبل طبعه، فلم أجد من اطلع عليه أو اقتبس منه، والذين نقلوا عن ابن القيم في هذا الموضوع نقلوا عن كتابه "إغاثة اللهفان" (١)، ولم يعرفوا هذا الكتاب، ولعل السبب في ذلك ندرة نسخه، وكونه بصورة فتوى تقع بعد سبع فتاوى للعلماء ضمن مجموعة، فلم يعثر عليها أكثر المؤلفين. والله أعلم.
* موارده:
تنوعت مصادر المؤلف في الكتاب بحسب الموضوعات التي تطرق إليها، وكان جلُّ اعتماده في القسم الثاني منه على كتاب
_________
(١) انظر مثلًا "غذاء الألباب" للسفاريني (١/ ١٤٨، ١٥٣، ١٦٠، ١٦٣، ١٦٧، ١٦٨، ١٦٩، ١٧٠، ١٧٣).
стр. 40
"الاستقامة" لشيخ الإسلام ابن تيمية كما يظهر بالمقارنة بينهما، وقد صرَّح باسم شيخه في بعض المواضع، ونقل عنه نصوصًا توجد في كتابه (انظر ص ٢٤٥، ٢٤٦، ٢٦٩، ٤٢٢). أما في القسم الأول فنقل في موضع منه (ص ١٢١) كلامًا لشيخه لا يوجد في كتاب "الاستقامة"، وصدَّره بقوله: "وقال لي شيخ الإسلام يومًا"، مما يدلُّ على أنه أخذه عنه مشافهةً. وسيأتي فيما بعدُ المقارنة بين هذا الكتاب وبين "الاستقامة" وبيان طبيعة الأخذ والاستفادة منه.
* ومن الكتب التي رجع إليها في موضوع السماع ونقل عنها كثيرًا من النصوص والأخبار:
- رسالة أبي الطيب الطبري (ت ٤٥٠) "الرد على من يحبّ السماع": ص ٣٣، ٣٤، ١٨٠.
- "تلبيس إبليس" لابن الجوزي (ت ٥٩٧): ص ٣٢، ٣٩، ٤٠، ٥٢، ٥٦، ٥٧. وبواسطته نقل عن "بهجة الأسرار" لابن جهضم (ت ٤١٤): ص ٥٦.
- فتوى ابن بطة (ت ٣٨٧): وقد أوردها كاملةً ص ٣٩ - ٤٢.
- "أدب القضاء" للشافعي (ت ٢٠٤)، وهو ضمن كتاب "الأم" له: ص ٣٤، ٢٢٠.
- "الجامع" للخلَّال (ت ٣١١): ص ٣٦، ٣٨، ٣٩، ٤٤٤.
- كتاب لأبي موسى المديني (ت ٥٨١) لم أجد ذكره في مصادر ترجمته، وقد نقل عنه المؤلف نصوصًا عديدة: ص ٣٨، ٤٣ - ٤٤.
следующие страницы →