وأورد في ذلك آياتٍ عديدة وفسَّرها، وذكر أن كل عمل مخالفٍ لما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه فهو مردود على فاعله؛ لأنه بدعة، وكل بدعة ضلالة.
ثم تكلم على مسألة السماع كلامًا مجملًا ومفصلًا، أما المجمل فهو أن هذا السماع على هذا الوجه حرام قبيح، لا يُبيحه أحدٌ من المسلمين، وخواص المسلمين ودين الإسلام براءٌ منه؛ لما فيه من المفاسد الكثيرة التي ذكر بعضها، ويكفي أنه يصرف صاحبَه عن استماع القرآن، ويُحدِث له ذوقًا ووجدًا وشوقًا لا يُوجد شيء منه عند ذكر رب العالمين. ومن المصائب العظمى: نسبة ذلك إلى دين الرسول وشرعه، واعتقاد أنه قُربة يتقرب به إلى الله وأن فيه صلاح القلوب وعمارتها، وأن تأثر القلوب به أسرع وأقوى من تأثرها بالقرآن. ولا ريب أن هذا من النفاق الذي أنبته الغناء في القلب، وارتكاب المحرمات مع العلم بتحريمها أسهل وأسلم عاقبةً من ارتكابها على هذا الوجه.
وكلُّ مَنْ يدَّعي أن السماع المحدَث هو من الدين الذي تصلح عليه القلوب، لزمه أحد الأمرين: إما أن يقول: إنّ الله شرعه لرسوله، ففعله الرسول وحضَّ عليه، وأمر به ودعا إليه. وهذا كذب على الله ورسوله، منادٍ على وقاحته وجرأته.
وإما أن يقول: إن الله لم يشرعه ولا رسوله، ومع هذا فهو من الدين وحقائقه. فيلزمه حينئذٍ أن يكون الدين ناقصًا، لم يكمله الله حتى أكمله هؤلاء السماعاتية.
стр. 37
ثم ذكر المؤلف الأدلة من الكتاب والسنة وآثار السلف على أن هذا السماع من الباطل واللهو واللعب المنهيّ عن اتخاذه دينًا، وأن السماع والغناء وآلات اللهو إنما نصبها الشيطان مضادَّةً لما شرعه الله لعباده (ص ٢٦ - ٣٠). ولهذا كَثُر النكير عليها من جميع الطوائف من أهل العلم من أئمة الحديث والفقه والتفسير والزهد، وأجمعوا على التحذير منه (ص ٣٢ - ٤٥).
ثم ذكر بعض الشُّبه التي يذكرها أصحاب السماع، مثل استدلالهم بغناء الجاريتين، وجوازه في النكاح والختان، وأنَّ هذا السماع حضره جماعة من الأولياء، فكيف يسوغ تخطئتهم والإنكار عليهم؟ وردَّ عليها من وجوه (ص ٤٦ - ٧٢).
وانتقل بعد ذلك إلى ذكر مفاسد السماع (ص ٧٣ - ٨٦) وردَّ على من ادَّعى أن سماعه لله وبالله، فلا يضرُّه ما فيه من المفاسد (ص ٨٧ - ٩٢). ثم بيَّن أن السماع مركب من شبهة وشهوة، وهما الأصلان اللذان ذمَّ الله من يتبعهما ويُحكِّمهما على الوحي. ثم تحدث عن الانحراف الذي وقع عند المتأخرين في الأعمال والأذواق والأحوال، فخالفوا ما كان عليه السلف الصالح من الأذواق الصحيحة والأعمال المشروعة، وقام بالموازنة بين أحوال السلف وأحوال هؤلاء المتأخرين في السماع، وذكر الفرق بينهم (ص ٩٥ - ١٠٤)، ونبَّه على نكتة خفية من نكت السماع، وهي أنه ما وجدَ صادقٌ في السماع الشعري وجدًا وتحرك به إلّا وجد عند انقضائه ومفارقة المجلس قبضًا على قلبه ونوعَ استيحاشٍ
стр. 38
منه، فهو بمثابة من سُقِي عسلًا في إناء نجس. وإن كان سماعه لِلَّذةِ وحظّ النفس فهو كمن يشرب الماء النجس في الإناء القذر. أما صاحب السماع القرآني الذي ذوقه وشربه منه فهو يشرب الشراب الطهور في أنظف إناء وأطيبه (ص ١٠٤ - ١٠٨).
وعقد المؤلف بعد ذلك فصلًا في الموازنة بين ذوق السماع وذوق الصلاة، وبيان أن أحد الذوقين مباين للآخر، وذكر فيه أسرار الصلاة من أولها إلى آخرها (ص ١٠٨ - ١٥١)، وناشَد أهلَ السماع: هل لهم في السماع مثل هذا الذوق أو شيء منه؟ وهل يدَعُهم السماعُ يجدون هذا الذوق في الصلاة؟ ثم حلفَ عنهم أن ذوقهم ضدُّ هذا الذوق، ومشربهم ضدّ هذا المشرب. وهذا الفصل من أمتع فصول الكتاب، والمؤلف معروف بالاسترسال في مثل هذه الموضوعات، وبهذا الفصل ينتهي القسم الأول من الكتاب.
أما القسم الثاني فهو بعنوان "عقد مجلس في المناظرة بين صاحب غناء وصاحب قرآن". وكأني بالمؤلف شَعَر بأن ما كتبه ليس كافيًا في الموضوع، فإنه لم يذكر جميع حجج أهل السماع وشُبَههم التي يردّدونها في كتبهم، فخصَّص القسم الثاني لذكرها، وردَّ عليها بما يشفي ويكفي. واختار أحد أشهر الكتب التي يتداولها أهل السماع فيما بينهم، أعني به "الرسالة القشيرية"، فإنها استوعبت جميع ما لديهم من الشبه في هذا الباب. ثم وجد أن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية سبقه إلى الردّ عليها ومناقشتها مناقشة تفصيلية في كتاب "الاستقامة". فاعتمد عليه
стр. 39
كثيرًا، وهذَّبه أحسن تهذيب، وزاد عليه فوائد وأبحاثًا في مواضع، فأصبح هذا القسم الثاني من الكتاب تكملة ضرورية للقسم الأول. ولا حاجة هنا إلى استعراض هذه الشُّبَه والإيرادات، والردود عليها، ويكفي القارئ أن يراجع فهرس الموضوعات في آخر الكتاب.
هذا عرضٌ مجمل لمحتويات الكتاب، وبه يظهر أهميته بمقابل ما كتبه المؤلف في "الإغاثة" و"المدارج" ومكانته بين الكتب التي ألِّفت في هذا الباب، ونستطيع أن نقول: إنه أوسع كتابٍ في الردّ على السماع وأهله، وفيه من الفوائد العلمية والأبحاث النادرة التي لا نجدها في كتاب آخر، ويتميز بأسلوبه ومنهجه بين جميع الكتب المؤلفة في الموضوع. ومع أهميته وقيمته العلمية لم يكن معروفًا قبل طبعه، فلم أجد من اطلع عليه أو اقتبس منه، والذين نقلوا عن ابن القيم في هذا الموضوع نقلوا عن كتابه "إغاثة اللهفان" (١)، ولم يعرفوا هذا الكتاب، ولعل السبب في ذلك ندرة نسخه، وكونه بصورة فتوى تقع بعد سبع فتاوى للعلماء ضمن مجموعة، فلم يعثر عليها أكثر المؤلفين. والله أعلم.
* موارده:
تنوعت مصادر المؤلف في الكتاب بحسب الموضوعات التي تطرق إليها، وكان جلُّ اعتماده في القسم الثاني منه على كتاب
_________
(١) انظر مثلًا "غذاء الألباب" للسفاريني (١/ ١٤٨، ١٥٣، ١٦٠، ١٦٣، ١٦٧، ١٦٨، ١٦٩، ١٧٠، ١٧٣).
стр. 40
"الاستقامة" لشيخ الإسلام ابن تيمية كما يظهر بالمقارنة بينهما، وقد صرَّح باسم شيخه في بعض المواضع، ونقل عنه نصوصًا توجد في كتابه (انظر ص ٢٤٥، ٢٤٦، ٢٦٩، ٤٢٢). أما في القسم الأول فنقل في موضع منه (ص ١٢١) كلامًا لشيخه لا يوجد في كتاب "الاستقامة"، وصدَّره بقوله: "وقال لي شيخ الإسلام يومًا"، مما يدلُّ على أنه أخذه عنه مشافهةً. وسيأتي فيما بعدُ المقارنة بين هذا الكتاب وبين "الاستقامة" وبيان طبيعة الأخذ والاستفادة منه.
* ومن الكتب التي رجع إليها في موضوع السماع ونقل عنها كثيرًا من النصوص والأخبار:
- رسالة أبي الطيب الطبري (ت ٤٥٠) "الرد على من يحبّ السماع": ص ٣٣، ٣٤، ١٨٠.
- "تلبيس إبليس" لابن الجوزي (ت ٥٩٧): ص ٣٢، ٣٩، ٤٠، ٥٢، ٥٦، ٥٧. وبواسطته نقل عن "بهجة الأسرار" لابن جهضم (ت ٤١٤): ص ٥٦.
- فتوى ابن بطة (ت ٣٨٧): وقد أوردها كاملةً ص ٣٩ - ٤٢.
- "أدب القضاء" للشافعي (ت ٢٠٤)، وهو ضمن كتاب "الأم" له: ص ٣٤، ٢٢٠.
- "الجامع" للخلَّال (ت ٣١١): ص ٣٦، ٣٨، ٣٩، ٤٤٤.
- كتاب لأبي موسى المديني (ت ٥٨١) لم أجد ذكره في مصادر ترجمته، وقد نقل عنه المؤلف نصوصًا عديدة: ص ٣٨، ٤٣ - ٤٤.
стр. 41
- كتاب لأبي الحسن ابن القصَّار (ت ٣٩٧): ص ٣٨.
- كتاب الإجماع والاختلاف لزكريا الساجي (ت ٣٠٧): ص ٢١٩. ولعلّ النقل عنه بواسطة كتاب "الاستقامة".
- "مسائل الإمام أحمد" برواية ابنه عبد الله (ت ٢٩٠): ص ٣٨.
* ومن كتب التصوف وغيرها التي نقل عنها أقوال الصوفية وبعض الأخبار:
- "قوت القلوب" لأبي طالب المكي (ت ٣٨٦): ص ٢٠٣، ٢٤٩.
- "مسألة السماع" لأبي عبد الرحمن السلمي (ت ٤١٢): ص ١٨١.
- "الرسالة القشيرية" لأبي القاسم القشيري (ت ٤٦٥): ص ٢٤٤، ٣١٩، ٣٢٠.
- "منازل السائرين" لأبي إسماعيل الهروي الأنصاري (ت ٤٨١): ص ٢٠٦.
- "مسألة السماع" لابن طاهر المقدسي (ت ٥٠٧): ص ٢٢٠.
- كتاب آخر لابن طاهر: ص ٢٤٤.
- "الغنية" لعبد القادر الجيلاني (ت ٥٦١): ص ٦٤.
- "الإشارات" لابن سينا (ت ٤٢٨): ص ١٨١.
وأشار المؤلف (ص ١٩٩) إلى كتاب "الدليل الواضح في النهي عن ارتكاب الهوى الفاضح" ولم يذكر صاحبه ولا نقل عنه شيئًا. وهو لعبد المغيث بن زهير الحربي (ت ٥٨٣).
стр. 42
* أما كتب الحديث والآثار المسندة فقد نقل عنها كثيرًا، وهي الكتب الآتية:
- صحيح البخاري: ص ٢٥، ١٦٢، ١٧٧، ٢٣٠، ٢٧١، ٣٣٠، ٤٠٦.
- صحيح مسلم: ص ١٨، ١٧٧، ٢٣٠.
- الصحيح (يشير به إلى الصحيحين أو أحدهما): ص ١٨٢، ٢٢٣، (والنصّ هنا ليس في الصحيحين)، ٢٣١، ٢٧٣، ٢٧٧، ٢٧٩، ٢٨٧.
- جامع الترمذي: ص ١٩، ٣٠، ١٧١، ٤٠٥.
- سنن ابن ماجه: ص ٤٠٤، ٤٠٥.
- السنن (يقصد به بعض كتب السنن الأربعة): ص ١٤٤، ٢٢٢.
- مسند أحمد: ص ١٩، ٢٨، ٤٠٥، ٤١٢.
- مسند الحميدي: ص ٢٨.
- مسند مسدَّد بن مسرهد: ص ٤٠٥.
- مسند أبي يعلى الموصلي: ص ٤٠٢.
- صحيح ابن حبّان: ص ١٩.
- صحيح الحاكم (وهو "المستدرك"): ص ١٩، ٤٠٣.
стр. 43
- معجم الطبراني (ويقصد به "الكبير" غالبًا): ص ١٧١، ٣١٠، ٤٠٢.
- الغيلانيات: ص ٤٠٤.
- الجزء الثاني من حديث أبي بكر الباغندي: ص ٤٠٨.
- ذم الملاهي لابن أبي الدنيا: ص ١٧٤.
- تفسير ابن أبي حاتم: ص ١٧٣.
- صفة الجنة لأبي نعيم: ص ١٦٩ - ١٧١، ١٧٥، ١٧٦.
هذه جلُّ المصادر التي نقل عنها المؤلف.
* المقارنة بينه وبين كتاب "الاستقامة ":
اعتمد المؤلف في القسم الثاني من الكتاب اعتمادًا كبيرًا على ما كتبه شيخه شيخ الإسلام في كتاب "الاستقامة" (١/ ٢١٦ - ٤٢١) في الفصل الذي عقده لمناقشة كلام القشيري في موضوع السماع. وكان منهجه فيه التهذيب والتلخيص في أغلب المواضع، والزيادة والتفصيل أحيانًا، وقد تابع شيخَه في ترتيب الفصول في الغالب، وخالف هذا الترتيب في بعض المواضع، وأدمج عدة وجوهٍ في وجهٍ واحدٍ أو حذف بعض وجوه الردّ عند الشيخ. وكل ذلك بأسلوبه الخاص الذي تميز به، وهو أنه يأخذ الفكر والمعنى من الشيخ، ولا يعتمد على نص كلامه وعبارته، بل يصوغه بعبارة أخرى تؤدي الغرض.
стр. 44
هذا هو الطابع العام للقسم الثاني من الكتاب، وتوجد فيه زيادات ليست في "الاستقامة"، منها بعض الشُّبه التي ذكرها على لسان صاحب الغناء وهي ليست من "الرسالة القشيرية"، وردّ عليها على لسان صاحب القرآن، فمثل هذه الشُّبه والردود عليها لا وجود لها في "الاستقامة"؛ لأن شيخ الإسلام اقتصر فيه على مناقشة كلام القشيري، ولم يتجاوزه إلى غيره. ومن أمثلة ذلك ما ورد في (ص ٣٩٥ - ٤١٢) من قوله: "وامتحن أهل الغناء بأهل القرآن ... ". فلا يوجد في "الاستقامة"، بل فيه (١/ ٣٩٥ - ٤٠٣) نقد بعض كلام القشيري، وهو غير موجود عند ابن القيم، فالظاهر أن ههنا سقطًا. ثم إن سياق الكلام عنده يدلُّ على أن مكانه المناسب في أول المناظرة، وليست ههنا، ولكن الكلام هنا متصل، فلم أستطع تحديد المكان. ولا يمكن التوصل إلى السياق الصحيح إلا بواسطة نسخة أخرى تامة من الكتاب، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا (١).
وللزيادات الأخرى لدى ابن القيم تُراجع المواضع التالية:
ص ١٦٧ - ١٦٨ (الوجه الحادي عشر).
ص ١٦٨ - ١٧٦ (ذكر الأحاديث الواردة عن الحور العين في الجنة).
_________
(١) وُجِدت بحمد الله نسخة أخرى من الكتاب تكمل النقص في الطبعة الأولى، وجلُّه من زيادات المؤلف على كلام شيخه، وهي الصفحات (٣٣٥ - ٣٩٥).
стр. 45
ص ١٨٢ - ١٨٩ (ذكر الأخبار المتعلقة بإنشاد الشعر عند النبي ﷺ والصحابة).
ص ٢٧٣ - ٢٧٥ (شرح حديث "العينان تزنيان ... ").
ص ٢٧٩ - ٢٨٠ (الوجهان الحادي عشر والثاني عشر).
ص ٢٩١ - ٢٩٥ (ما يتعلق بالعشق ومحبة الصور).
ص ٣٠٤ - ٣٠٨ (الفرق بين الجمال الذي يحبه الله ويكرهه).
ص ٣١٣ - ٣١٥ (صوت الشيطان).
ص ٣١٦ - ٣١٩ (الكلام على قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾).
ص ٣٢٠ - ٣٢٢ (الكلام على تقسيم السماع إلى حرام ومباح ومستحب).
ص ٣٢٩ - ٣٣٢ (متى تكون الإشارة صحيحة؟ الأمثلة على ذلك).
وقد توسع ابن القيم في بعض المواضع التي تكلم فيها شيخه باختصار، ومن أمثلة ذلك:
ص ٢٣٥ - ٢٣٧: ما يقابله من الاستقامة (١/ ٢٨٨) فقرة واحدة فقط.
ص ٢٣٨ - ٢٤٠: قارنها بالاستقامة (١/ ٢٩٠ - ٢٩٢).
أما عكس ذلك وهو أن يتوسع الشيخ ويختصر التلميذ فهو كثير، انظر مثلًا:
стр. 46
ص ١٦٦ حيث أشار إلى الآيات الكثيرة التي ذكرها الشيخ في الاستقامة (١/ ٢٣٠ - ٢٣٢).
ص ١٩٤ - ٢٠٥: أطال الشيخ هنا في الاستقامة (١/ ٢٤٨ - ٢٦٠).
* وصف النسخة الخطية:
وصلت إلينا نسخة فريدة من الكتاب، وهي من مخطوطات مكتبة الإسكوريال بمدريد برقم [١٥٩٣]، مكتوبة بخط نسخي جيد، وليس عليها تاريخ النسخ ولا ذكر اسم الناسخ. ويبدو لي أنها كتبتْ في القرن التاسع عن نسخة أقدم منها، ثم قوبلتْ عليها كما يظهر من الاستدراكات والتصحيحات على هوامش النسخة.
وعلى صفحة العنوان في الركن الأيسر منها يوجد تملُّكٌ هذا نصُّه: "الحمد لله رب العالمين، ملكه فقيرُ عفو ربه الغني علي بن محمد القادري الغزّي ثم الدمشقي الشافعي، عفا الله عنه آمين".
والنسخة في ١٤٢ ورقة، وفي كل صفحة منها ٢١ سطرًا.
وقد كنت أظن في بداية الأمر أنها تامة، ولكن عند التدقيق ظهر لي أن فيها نقصًا بين الورقتين ١٢٣ و ١٢٤، فإن الكلام غير متصل بينهما. فنهاية الورقة ١٢٣ قوله: "الغناء يُنبِت النفاق في القلب كما يُنبت الماء البقل، والنفاق هو الزندقة". وبداية الورقة ١٢٤: "وامتحن أهلَ الغناء بأهل القرآن، وأهلَ القرآن بأهل الغناء، وابتلَى كلَّ واحدٍ من الفريقين بالآخر، فلا يصطلحان إلا إذا ترك أحدهما ما عنده لما عند الآخر ... ".
стр. 47
وبمراجعة كتاب "الاستقامة" الذي اعتمد عليه المؤلف كثيرًا ظهر أن الكلام المتصل بما بعد الورقة ١٢٣ يتعلق بشرح كون الغناء ينبت النفاق في القلب، وهو أكثر من صفحة. وقد أثبتُّه في الهامش لينجبر شيء من النقص الموجود في النسخة، والذي يمكن أن يكون ورقة أو أكثر، فإن الكلام المثبت في الورقة ١٢٤ لم أجد ما يُشبهه في كتاب "الاستقامة"، فهو من زيادات المؤلف على كلام شيخه فيما أرى.
تبدأ النسخة بذكر صورة استفتاءٍ كُتب سنة ٧٤٠، ثم أجوبة ثمانية من العلماء عليه، وهم:
١ - القاضي تقي الدين السبكي الشافعي (ت ٧٥٦).
٢ - الشيخ جلال الدين بن القاضي حسام الدين الحنفي (ت ٧٤٥) (١).
٣ - القاضي برهان الدين بن عبد الحق الحنفي (ت ٧٤٤) (٢).
٤ - الشيخ أبو عمرو بن أبي الوليد المالكي (ت ٧٤٥) (٣).
_________
(١) أحمد بن الحسن الرازي الأصل ثم الرومي، كان جامعًا للفضائل ويحب أهل العلم مع السخاء وحسن العشرة، وقد ولي القضاء. ترجمته في "البداية والنهاية" (١٨/ ٤٧٥) و"الدرر الكامنة" (١/ ١١٧).
(٢) إبراهيم بن علي بن محمد، شيخ الحنفية وقاضي القضاة بالديار المصرية، كان من أكابر العلماء، يحفظ الفروع وكثيرًا من المتون ويجانب أهل البدع. ترجمته في "البداية والنهاية" (١٨/ ٤٧٠) و"الدرر الكامنة" (١/ ٤٦، ٤٧).
(٣) أحمد بن محمد بن أحمد الإشبيلي ثم الدمشقي، الإمام المفتي الكبير الزاهد، إمام محراب المالكية بالجامع. وبعد وفاته تأسف الناس عليه وعلى صلاحه وفتاويه النافعة الكثيرة. ترجمته في "البداية والنهاية" (١٨/ ٤٧٦) و"الدرر الكامنة" (١/ ٢٤٧).
стр. 48
٥ - الشيخ عبد الله بن أبي الوليد المالكي (ت ٧٤٣) (١).
٦ - الشيخ شرف الدين أحمد بن الحسن الحنبلي (ت ٧٧١) (٢).
٧ - الشيخ عماد الدين ابن كثير الشافعي (ت ٧٧٤).
٨ - الشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية (ت ٧٥١).
وأطول هذه الأجوبة جواب ابن القيم (ق ١٥ ب-١٤٢ ب)، بحيث أصبح كتابًا مستقلًّا في هذه المسألة، وقد أشار الناسخ إلى ذلك فقال (ق ١٥ ب): "جواب الشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية، وهو مصنَّف مستقل عظيم في خصوصية هذه المسألة".
واطلعتُ في مكتبة خدابخش خان بباتنه (الهند) برقم [٢٨٣١/ ١] (ق ١ - ٣٢) على قطعة مخطوطة من الكتاب بعنوان "ترجيح ذوق القراءة والصلاة على ذوق السماع وأصوات القينات"، وهي بخط حديث، وفيها
_________
(١) أخو الشيخ أبي عمرو، العالم العامل الزاهد إمام المالكية بالجامع الأموي بمحراب الصحابة. ترجمته في "البداية والنهاية" (١٨/ ٤٥١) و"الدرر الكامنة" (٢/ ٢٨٦).
(٢) المعروف بابن قاضي الجبل المقدسي، الإمام العلامة صاحب فنون، أجازه شيخ الإسلام ابن تيمية بالإفتاء، وولي القضاء، ترجمته في "الدرر الكامنة" (١/ ١٢٠) و"الوفيات" لابن رافع (٢/ ٣٥٤).
стр. 49
أخطاء وتحريفات، وزيادات لا حاجة إليها، ومخالفات للأصل في مواضع كثيرة، فلم أعتمد عليها عند تحقيق الكتاب. ثم وجدتُ هذه القطعة مطبوعة بآخر كتاب "الحكمة البالغة في خطب الشهور والسَّنة" في مطبعة القرآن والسنة بأمرتسر (الهند) سنة ١٣١٥/ ١٨٩٧ م. وطُبعت مرة أخرى بعنوان: "الموازنة بين ذوق السماع وذوق الصلاة والقرآن" من دار الصحابة بطنطا (مصر)، بالاعتماد على نسخة منها محفوظة في دار الكتب المصرية بعنوان "كتاب في ذوق السماع". وتُمثِّل هذه القطعة جزءًا صغيرًا من آخر القسم الأول من الكتاب، وصياغتها تختلف كثيرًا عن صياغة الأصل، وفيها أخطاء وسقطات وزيادات كما يظهر بالمقارنة مع الأصل، ولذلك صرفتُ النظر عنها ولم أهتم بها عند إعداد هذه الطبعة.
* الطبعات السابقة:
صدرت للكتاب طبعتان، أولاهما بتحقيق راشد بن عبد العزيز الحمد، نشرتها دار العاصمة بالرياض سنة ١٤٠٩. وقد بذل المحقق جهدًا لا بأس به في تحقيقه، وكان جلُّ اهتمامه بالتعليق على الكتاب، فقام بتخريج الأحاديث وترجمة الأعلام وشرح الغريب وعزو بعض الأبيات الشعرية إلى قائليها. ولم يهتمَّ بضبطِ النصّ ووضْعِه في فقرات مناسبة. وبعد مقابلته على الأصل المخطوط ظهر لي سقط كلمة أو كلمتين أو سطر في مواضع (انظر مثلًا ص ١٥٤ سطر ١٣ وقارنْه بهذه الطبعة ص ٥٧ سطر ٦). واقترح المحقق زياداتٍ على النص في مواضع كثيرة هو في غنًى عنها، وصحَّح بعض الأخطاء الموجودة في المخطوط،
стр. 50
ولكنَّه خطَّأ الصواب في مواضع عديدة، ومن أمثلتها إثباته بيت الشعر كما يلي (ص ٤٠٣):
وكأسًا شربتُ على لذةٍ ... وآخر تداويتُ منها بها
وفي الأصل: "وكأسٍ" وكذا الرواية، والواو واو رُبَّ، فغيَّرها دون الإشارة إليها. "وآخر" في الشطر الثاني صوابه "وأخرى"، ومثل هذه الأخطاء في هذه الطبعة وخاصة في الشعر كثير، ولستُ هنا بصدد إحصائها.
ووقع فيها اضطراب في ترتيب الصفحات (٤٦٩ - ٤٧٣) في فتوى ابن كثير، وترتيبها على الصواب (٤٦٩، ٤٧٢، ٤٧٣، ٤٧٠، ٤٧١). وهذا خطأ مطبعي ينبغي التنبه له.
وبالجملة فهذه الطبعة ينقُصها الضبط والتصحيح وتوثيق كثير من النصوص والأخبار والأشعار، وعلى القراء أن يقارنوا بينها وبين الطبعة التي بين أيديهم ليدركوا الفرق بينهما.
أما الطبعة الثانية للكتاب فقد صدرت بتحقيق ربيع بن أحمد خلف، من مكتبة السنة بالقاهرة سنة ١٤١١، وعنوانه في هذه الطبعة "كشف الغطاء عن حكم سماع الغناء".
اعتمد المحقق فيها على الطبعة السابقة وعلى قطعة مطبوعة منه بعنوان "الموازنة بين ذوق السماع وذوق الصلاة والقرآن" (ط. دار الصحابة بطنطا)، ولم يرجع إلى الأصل المخطوط، وقال: "رأيت أنه
стр. 51
يحتاج إلى إعادة تحقيق أقربَ إلى المنهج العلمي الصحيح، لتلافي ما في طبعته السابقة من أخطاء مطبعية وغيرها".
ولم أطلع على هذه الطبعة إلَّا أخيرًا عند كتابة المقدمة، ورأيت صاحبها اجتهد في تصحيح كثير من الأخطاء المطبعية، ولكنه زاد في النصّ أشياء لا داعي لإثباتها، بالاعتماد على القطعة المنشورة منه، وبقيت فيها أخطاء وسقطات كما كانت في الطبعة السابقة. وفي هذه الطبعة اهتمام بضبط النص و تخريج الأحاديث وشرح الكلمات، ولكن لم يُقتصر على شرح الغريب منها، ولم يقتصر على الصحيحين إذا كان الحديث في أحدهما، ولم يُهتم بتخريج الأشعار وتوثيقها. ووقعت أخطاء في الضبط في مواضع كثيرة لا أحب الخوض في تفصيلها.
* هذه الطبعة:
اعتنيتُ في هذه الطبعة بالمقابلة على المخطوط، وتصحيح كثير من الأخطاء والتحريفات في الطبعة السابقة، ثم ضبط النصّ ووضْعه في فقرات مناسبة، ثم توثيق الأحاديث والأخبار والأشعار من المصادر التي تيسَّرت لي، وأخيرًا عمل الفهارس اللفظية والعلمية التي تكشف عن محتويات الكتاب.
وقمت بمراجعة مصادر المؤلف، وأهمها كتاب "الاستقامة" لشيخ الإسلام، وظهر لي بالرجوع إليه أن في المخطوط خرمًا في موضعٍ قد يكون ورقةً أو أكثر (انظر ص ٢٧٥ من الطبعة الأولى= ص ٣٣٥ من هذه الطبعة).
стр. 52
وفي الأصل المخطوط أخطاء وتحريفات أشرتُ إلى بعضها في أماكنها، وأغفلتُ كثيرًا منها لأنها من الناسخ، وقد تجوَّز كثيرًا في الشكل والنقط، وأخطأ في الضبط، ووضع النقط والحركات في غير مواضعها، وكتب الشعر نثرًا، وقسَّم شطري البيت تقسيمًا خاطئًا. وهذه الأمور فاشية في النسخة من أولها إلى آخرها، ولذلك لم أُشِرْ إليها جميعًا في الحواشي، بل اكتفيتُ بقراءة المخطوط قراءة صحيحة بقدر استطاعتي، وضبطتُ ما يحتاج إلى الضبط دون النظر إلى ما عمله الناسخ.
ومما ينبغي التنبيه عليه أن المخطوط يشتمل على كتاب ابن القيم مع فتاوى أخرى لسبعة علماء، وفصلٍ لشيخ الإسلام ابن تيمية في أسرار الصلاة. وقد اقتصرنا في هذه الطبعة على نشر كتاب ابن القيم دون الكتابات الأخرى، لأنها منشورة مرارًا. ثم إن هذه السلسلة تهتم بنشر تراث ابن القيم، فلم نحبّ أن نجمع بينه وبين آثار غيره. ورسالة شيخ الإسلام نُشرت ضمن "جامع المسائل" (٣/ ٣٥١ - ٣٦٠)، فأغنانا عن إعادة نشرها. وقد قال ناسخها في آخرها (ق ٦٤ ب): "ليس هذا الفصل متعلقًا بهذه المسألة، وإنما كتبتُه هنا اتفاقًا، وله أيضًا مناسبة بذكره ذوقَ الصلاة وسرَّها ولبَّها، والله الموفق".
كلمة أخيرة:
لم يبق لي إلّا أن أقول: إنني قد بذلت جهدي في تحقيق النصّ والتعليق عليه، بالاعتماد على النسخة الوحيدة منه، وأرجو من القراء إذا وجدوا خللًا فيه أن ينبهوني عليه مشكورين.
стр. 53
وفي الختام أدعو الله أن يوفقنا جميعًا لما فيه الخير والصلاح، ويهدينا إلى سواء السبيل، إنه سميع مجيب.
كتبه محمد عزير شمس
بمكة المكرمة
стр. 54
نماذج من النسخ الخطية
стр. 55
صفحة العنوان من الأصل
стр. 56
الصفحة الأولى من الأصل
стр. 57
الصفحة الأخيرة من الأصل
стр. 58
صفحة العنوان من نسخة (ع)
стр. 59
الصفحة الأولى من نسخة (ع)
стр. 60
بداية الزيادة المستدركة من نسخة (ع)
стр. 61
الصفحة الأخيرة من نسخة (ع)
стр. 62
بداية نسخة (ك)
стр. 63
نهاية نسخة (ك)
стр. 64
الكلام على مسألة السماع
تأليف
الإمام العلامة محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية
(٦٩١ - ٧٥١)
تحقيق
محمد عزير شمس
стр. 65
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ربِّ يسِّر وأعِنْ يا كريم (١)
صورة استفتاءٍ كُتِب في سنة أربعين وسبعمائة، لأمر أوجب ذلك، وسئل (٢) عنه أئمة أهل العلم والدين، فأجابوا عنه، لا أَخْلَى الله الوجودَ من عُدول العلم وحَمَلَته، الذين يبينون للناس ما أُنزل إليهم من ربهم، ويعتصمون بطريقة نبيهم، فإنما يَهلِك الناسُ إذا صاروا شَرَعًا واحدًا، وصنفًا واحدًا، لا يتفاضلون في علم ولا دين، فإذا قُبِض أهلُ (٣) العلم والدين، وتُرِك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، صار حينئذٍ المعروف ما أَلِفَتْه النفوسُ واشتهتْه، وصار الدين (٤) هو العوائد، وصار المنكر ما لم يَعتدْه الإنسان، وإن كان قد يكون عند الله هو الدين الذي بَعث به رسلَه، وأنزل به كتبه، فحينئذٍ تَخْرَبُ الأرض، وتقوم الساعة. فنعوذ بالله من مُضِلَّات الفتن، ونسأل الله أن يَقِيَنا شرورَ أنفسنا. آمين.
стр. 66
صورة الاستفتاء
ما تقول السادة العلماء ــ أحسن الله توفيقَهم ــ في السماع الذي يشتمل على الدفّ والشبَّابة وآلات اللهو والطرب، والتصفيق بالكف، ونحوه من اللهو، مثل التغبير بالقضيب (١) ونحوه، ويحضره الرجال والنساء، فربما اختلطوا بعضهم ببعض، وربّما جلس النساء مقابلَ الرجال، فينظرن إليهم (٢)، وهم يَرقُصون على صوت الشبابات والدفوف والغناء، ويزعمون أن ذلك قُربة تُقرِّبهم إلى الله، ويزيد في أذواقهم ومواجيدهم (٣) عندهم على زعمهم الإيمانية (٤)، وأن من رقصَ غُفِر له، يقول ذلك بعضهم، وأن مَن أنكر ذلك عليهم محجوبٌ ليس من أهل الحقيقة، بل هو من أهل القُشور وهم أهل اللباب، وربما قالوا: نحن وصلنا إلى ما لم يصل إليه الفقهاء، وربما ارتفعت بينهم الأصوات، [٦ أ] والشَّخِير والنَّخِير والزعَقات، وربما أظهروا أشياءَ يُسمُّونها إشاراتٍ، كإخراج اللَّاذَنِ (٥) والدم، وملابسة النار، ومَسْكِ
стр. 67
الحيَّات، ويزعمون أن هذه كرامات وأحوال، وأنهم يدعون بها الناس إلى الله، ويقولون: لنا الحقيقة ولغيرنا الشريعة.
فهل هذه أفعالُ طاعةٍ وقربةٍ ودينٍ شرعه الله لعباده، ورضيه منهم، كما يزعمه هؤلاء القوم، أم لا؟ وهل فعل رسول الله ﷺ شيئًا من ذلك أم لا؟ وما يجب على مَن نَسَبَ ذلك إلى رسول الله ﷺ وأصحابه (١) واتخذه دينًا؟ وهل هذا من الحق أم من الباطل؟ وهل هذه طريقة أولياء الله وحزبه وأتباع رسوله أم طريقة أهل اللهو واللعب والباطل؟ وهل يَسُوغ الإنكار على هؤلاء، ويُثاب من يُنكر عليهم بيده أو قلبه أو لسانه (٢) أم لا؟ وهل ذلك من المنكر الذي قال فيه رسول الله ﷺ : "من رأى منكم منكرًا فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (٣)؟
ثمّ إن هؤلاء القوم منهم مَن يقول: إن هذا السماع قُربة يُتقرَّب بها، ومنهم مَن يقول: إنه مباح، وربما قال أصحاب هذا القول: إن الشافعي هو الذي قد (٤) قال بإباحة السماع، فهل قال الشافعي بإباحة ذلك (٥) أم لا؟
стр. 68
ومنهم مَن يقول: هو ذنب صغير يمحوه الاستغفار، يقول ذلك وهو مُصِرٌّ على فعله، لزعمه أن الاستغفار الذي [٦ ب] يمحوه هو (١) مجرد نطقه بالاستغفار من غير أن يُقْلِعَ بقلبه عنه، فهل هذا الاستغفار يُزِيل هذا الذنب من غير عزمٍ بقلبه على تركه أم لا؟
ومنهم مَن يحتجُّ على ذلك وأنه مباح بحديث الحبشة الذين لعبوا في المسجد بالحِرابِ، وعائشة تنظر إليهم من وراء النبي ﷺ (٢).
ومنهم (٣) مَن يحتجُّ بحديث بنات النجَّار، وأنهن ضربن بالدف أمام النبي ﷺ (٤).
فالمسؤول من السادة العلماء تبيينُ ذلك كله وإيضاحه، وتعريف الصراط المستقيم، وفرضُنا السؤالُ وفرضكم الجواب، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم (٥).
стр. 69
الحمد لله، الكلام في هذه المسألة وتوابعها، وبيان مرتبتها في الشريعة، ومنزلتها عند سادات العارفين، وتأثيرها في القلوب خيرًا أو شرًّا، وفي الإيمان زيادة أو نقصًا، ومباينتها لطريق السالكين إلى الله تعالى العاملين (١) على مرضاته، أو موافقتها لها= إنما ينتفع به من حَكَّم كلامَ الله ورسوله وأصحابه وأئمة الإسلام والهداة الأعلام، وألقى السمعَ إلى كتاب الله وسنّة رسوله وهو شهيد، وجانَبَ طريقَ (٢) كل مبتدعٍ في دين الله، مطبوعٍ على قلبه جبَّارٍ عنيدٍ، قد حكَّم (٣) على ذوقه ووجده وحاله حُكْمَ الله ورسوله، وانقاد إليه، وجعل دينه وما جاء به مَشْربَه الذي يَرِدُه ويَحُومُ عليه، قد (٤) ارتضع من ثدي الوحي وما انفصلَ عنه بفِطام، واقتبس النور من مشكاته فاستنار به في سَدَفِ الظلام، قد (٥) هجَرَ البطَّالين، وهاجر بقلبه إلى الله ورسوله، وهَجَّرَ وابتكر إلى محابِّه ابتغاءَ مرضاتِه وجهادًا في سبيله.
فطُوبَى له من (٦) وحيدٍ على كثرة الجيران، غريبٍ مع اقتراب
стр. 70
الأوطان، أخي سفرٍ (١) على أنه مقيم بين الأطلال، وعابرِ سبيلٍ لم يَثْنِ عزمَه طِيبُ الثمار وبَرْدُ الظلال، قد تعلقتْ همتُه بالمطلب الأعلى، فلم يَقنَعْ بالدُّون، وباع أنفاسَه (٢) الدنيا (٣) بتلك الأنفاس العُلى لا كبيع الخاسر المغبون، رُفِعَ له عَلَمُ السعادة فشَمَّر إليه، واستبان له طريقُ الوصول إلى المطلب الأعلى [١٦ أ] فقام واستقام عليه، أجاب مناديَ الإيمان إذ نادى به (٤) حيَّ على الفلاح، وبذل نفسَه في مرضاة محبوبه بذْلَ المحبِّ بالرضا والسماح (٥)، وعلم (٦) أنه لا بدَّ له من لقائه فواصل إليه السُّرَى والسيرَ بالغدوِّ والرواح، فحَمِدَ عند الوصول مَسْراه (٧)، وإنما يَحْمَدُ القوم السُّرَى عند الصباح (٨).
فأمّا مَن اتخذ إلهه هواه، وأضلَّه الله على علمٍ، وختمَ على سمعِه (٩) وبصرِه فأصمَّه وأعماه، وأعرض عن الناصح بعد ما بذل له
стр. 71
جهدَه في نصيحته وعاداه، وجعل أغلاطَ من لم تُضمَنْ له العصمةُ في أفعاله وأقواله إمامَه وقدوتَه التي بها هُداه، فهو في سجن نفسه وإرادته محبوس، وقلبه لما علاه من رَيْن كَسْبِه المُبْعِد له عن ربه أسودُ منكوس، فالطريق الموصل له إلى الله عنه مسدود، وقلبه عن النفوذ إليه محجوب ومصدود. قد أسَامَ نفسَه مع الأنعام راعيًا مع الهَمَلِ، واستطابَ لُقيماتِ الراحة والبطالة، واستلان فِراشَ العجز والكسل، واستوعرَ طريقَ الصادقين، واستسهلَ (١) طريقَ المبطلين، فذاك الذي يُنادَى من مكان بعيد، وإذا بالغتَ معه في النصيحة فإنما تَضْرِب في باردِ الحديد، قد اتخذ بَطَرَ الحق وغَمْطَ (٢) أهلِه سُلَّمًا إلى ما يحبه من الباطل ويرضاه، فلا يَعرف من المعروف ولا يُنكر من المنكر إلّا ما وافق [١٦ ب] إرادته أو خالفَ هواه، يستطيل على ورثة الرسول وحزبه بقلبه ولسانه، ويتحيّز إلى المبطلين البطَّالين (٣)، فهم أخصُّ شيعتِه وأعوانِه، قد ارتوى من مشربهم وتَضَلَّعَ (٤)، واستشرف إلى منازل أولياء الله المقربين وتطلَّع، فهو يَركُض في ميدان جهله مع الجاهلين، وكلَّما برَّزَ عليهم في ذلك الميدان ظنَّ أنه من السابقين.
فهذا وأمثاله إنما يُطمَع في خطابهم لإقامة الحجة، لا للاستجابةِ
стр. 72
والانقياد، كيف وأحدهم (١) ﴿إذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: ٢٠٦]. وإذا تُلِيَتْ عليهم آياتُ الله، وقُرِئت عليهم (٢) سنّة رسوله وكلامُ أصحابه وأئمة الإسلام، قالوا: لكم الشريعة ولنا الحقيقة، إنكم في وادٍ ونحن في وادٍ! نعم في وادي الويل والثُّبور، وحقيقة الأماني الكاذبة والغرور، وتالله (٣) ليعلمنَّ المبطلون إذا بُعثِرَ ما في القبور، وحُصِّلَ (٤) ما في الصدور، حقيقةَ ما كانوا عليه، وسوءَ (٥) عاقبة ما صاروا إليه، فعن قريبٍ ينكشفُ (٦) الغِطاء، وينجلي الغبار، ويعلم كلُّ أحد أَفَرسٌ تحتَه أم حمار (٧).
فصل
والكلام في هذه المسائل المسؤول عنها في فصلين:
стр. 73
الفصل الأول: في بيان حكمها في الشريعة، وهل هو التحريم أو الكراهة أو الإباحة، أو ما تقوَّله (١) المفترون الكاذبون من الاستحباب والفضيلة.
الفصل الثاني: أن تَعاطِيَها على وجه اللعب واللهو والمجون (٢) والخلاعة شيء، وتعاطيها على ما يقوله الكاذبون المفترون [١٧ أ] من أنها قربة وطاعة وطريق تُقرِّبهم إلى الله وتُوصِلهم إليه وتجمع قلوبهم عليه شيء.
ونحن نتكلم بعون الله وتوفيقه وإمداده (٣) على كل واحد من الفصلين بما يُيسِّره (٤) الله ويفتح به، فإنه الفتّاح العليم.
فأمّا الفصل الأول:
فقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. وقد أجمع الناس على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته (٥)، وإلى
стр. 74
سنته بعد مماته. فأمر سبحانه عباده المؤمنين أن يردُّوا ما تنازعوا فيه إليه وإلى رسوله، وخاطبهم أولًا بلفظ الإيمان، ثم جعل آخرًا الإيمان شرطًا في هذا الرد، فالإيمان يوجب عليهم هذا الرد، وينتفي عند انتفائه، فمَن لم يردَّ ما تنازع فيه هو وغيره إلى الله ورسوله لم يكن مؤمنًا.
وتأمل قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ كيف أعاد الفعل وهو طاعة الرسول، ليدل أنه (١) يُطاع استقلالًا، وإن أمر بما ليس في القرآن الأمرُ به، ونهى عما ليس في القرآن النهيُ عنه، فإنه أوتي الكتابَ ومثلَه معه، ولم يُعِد الفعلَ في طاعة أولي الأمر، بل جعلها ضمنًا وتبعًا لطاعة الرسول، فإنهم إنما يُطاعون تبعًا لطاعة الرسول إذا أمروا بما أمر به، ونهوا عما نهى عنه، لا تجب طاعتهم استقلالًا (٢) في كل ما يأمرون [١٧ ب] به وينهون عنه.
ثمّ قال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، ولم يقل "وإلى الرسول" إعلامًا بأن ما رُدَّ إلى الله فقد رُدَّ إلى رسوله، وما رُدّ إلى رسوله فقد رُدّ إليه سبحانه، وأن ما حكم به فقد حكم به رسوله، وما حكم به رسوله فهو حكمه (٣) سبحانه.
وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾، وهذا يعمُّ دقيقَ ما تنازع فيه المسلمون
стр. 75
وجليلَه، لا يخصُّ شيئًا دون شيء، فمن ظن أن هذا في شرائع الإسلام دون حقائق الإيمان، وفي أعمال (١) الجوارح دون أعمال القلوب وأذواقها ومواجيدها، أو في فروع الدين دون أصولِه وبابِ الأسماء والصفات والتوحيد= فقد خرج عن موجب الآية علمًا وعملًا وإيمانًا.
بل كما أن رسالته ﷺ عامة إلى كل مكلف في كل وقت، فهي عامة في كل حكم من أحكام الدين: أصوله وفروعه، حقائقه (٢) وشرائعه، فمَن أخرج حكمًا من أحكام الدين عن عموم رسالته، فهو كمَن أخرج محكومًا عليه من المكلفين عن عموم رسالته، فهذا في البطلان كهذا.
وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦]، فجعل رحمته لهم معلقةً بطاعة رسوله (٣)، كما جعل الفلاح والفوز معلقًا بها في قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢].
وأخبر سبحانه أن أهل طاعته وطاعة رسوله هم المنعَم عليهم، وهذا يقتضي أن غيرهم هم أهل الغضب والضلال، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ [١٨ أ] أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ