← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 18328

الاستغاثة في الرد على البكري

ابن تيمية

Полный текст (444 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

أخبروا عن أنفسهم بتكفيرهم لعثمان وعلي، وكما يصدق الكفار إذا أخبروا عن أنفسهم بأنهم يقولون عن النبي ﷺ : أنه كاهن ومجنون ومعلم ومفتري، فهذا صدق يضر قائله لا يضر المقول له، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١)﴾ [النور: ١١]. لكن اعتقادك كفر من هم أعظم الناس إيماناً بالله ورسوله لا يضرهم، قال النبي ﷺ : "إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما" (١)، [لذلك] (٢) كنت أحق بالكفر إلا أن تعتذر بالتأويل، وفي الصحيح أيضاً عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يرمي رجل رجلاً بالكفر والفسق إلا رُدت عليه إذا لم يكن لذلك أهلاً" (٣). وقوله في الوجه الثاني: (إنه إذا علم بالقواعد ثبوت رتبة للرسول؛ فالعبارة التي توهم نفيها إذا صدرت منه علم المراد بها للدليل على عصمته وصحة تبليغه، وعدم تناقض أقواله وأفعاله، وغيره ليس كذلك). فيقال له (٤): هذا مبني على صدور عبارة موهمة وتقدم أن الجواب عبارة ظاهرة في معناها، بل نص لا يحتمل معنيين؛ فضلاً عن كونها توهم غير ما أريد بها، وأيضاً فغير الرسول إذا عبر بعبارة موهمة [مقرونة] (٥) بما [يزيل] (٦)

стр. 387

الإيهام كان هذا سائغاً باتفاق أهل الإسلام، وأيضاً فالوهم إذا كان لسوء فهم المستمع لا لتفريط المتكلم لم يكن على المتكلم بذلك بأس. ولا يشترط في العلماء إذا تكلموا في العلم أن لا يتوهم من ألفاظهم خلاف مرادهم، (بل ما زال الناس [يتوهمون] (١) من أقوال الناس خلاف مرادهم) (٢)؛ ولا يقدح ذلك في المتكلمين بالحق، ثم غاية هذا أن يكون بحثاً لفظياً، والبحوث اللفظية لا توجب خلافاً معنوياً فضلاً عن التكفير، اللهم إلا على قول هذا الجاهل: إن المتكلم إذا عنى معنًى صحيحاً بعبارة وتوهم منها بعض الناس نقصاً كان ذلك كفراً، وهذا لا يقوله إلا من انسلخ من العقل والدين، لا سيما إذا كان التقصير إنما هو من المستمع؛ لا تقصير من (٣) عبارة المتكلم. ثم يقال: هذا كله ليس مما نحن فيه، فإن ما ذكره المجيب لا يحتاج لهذا، ولا يتوقف على نقل عبارته بعينها؛ بل تلك المعاني بائنة بالكتاب والسنة واجماع الأمة؛ سواء كان اللفظ بعينه منقولاً أو لم يكن؛ والتعبير عن تلك المعاني شائع بما يدل عليها دلالة بيّنة كالدلالة على سائر المعاني، ومما يجب معرفته أن الأسماء والألفاظ التي تُعلق بها الأحكام الشرعية من الأمر والنهي والتحليل والتحريم والاستحباب والكراهية والمدح والذم والثواب والعقاب والموالاة والمعاداة [هي] (٤) الألفاظ الموجودة في كتاب الله وسنة رسوله ومعاني تلك الألفاظ، وذلك مثل لفظ الإيمان والإخلاص والعبادة (٥) والكفر والشرك والهدى والضلال والرشاد والغي (٦) والتوكل والشكر والصبر والنبوة والرسالة والتوكيل ونحو ذلك، فأما الألفاظ التي لم توجد في كتاب الله وسنة رسوله ولا تعلق بها بشيء من ذلك إلا إذا [تبيّن] (٧) أن معانيها موافقة لمعاني ألفاظ الكتاب والسنة.

стр. 388

والله -تعالى- في كتابه وسنة رسوله قد أوجب لنفسه حقاً لا يشركه فيه غيره، وأوجب حقاً له ولرسوله وللمؤمنين، فله وحده أن نعبده ولا نشرك به شيئاً وأن نخشاه ونتقيه (١). فصل قال: (وبالجملة فللأنبياء أنفسهم وفيما بينهم عبارات ومخاطبات ومعاملات لا يقاس بها (معهم من) (٢) دونهم، ألا ترى ما في الحديث الصحيح في محاجة موسى لآدم، وذكر شيئاً في روايات ساقها مسلم؛ منها [قوله] (٣): "أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة؟ " (٤)، ومنها قوله: "أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة ... الحديث" (٥)، وليس لواحد منا أن يقول في آدم ﵇ ولا أحد من النبيين مثل ذلك القول ولا قريباً منه، وكيف لطم موسى عين ملك الموت (٦) [﵇] (٧)، وأثبت بعض العلماء أنه لطم حقيقة.

стр. 389

وروى مسلم أن النبي ﷺ قال: "لم يكذب إبراهيم النبي ﷺ إلا ثلاث كذبات ... الحديث" (١)، مع أن الثلاث وجه المجاز فيها ظاهر صحيح، قوله: إنه سقيم، باعتبار الاستقبال؛ ولا بد لكل بشر أن يسقم غالباً ولو بمقدمات الموت؛ مع جواز اطلاعه على ذلك أو بتأويل القابلية (٢)، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وجه المجاز أنه سبب للتكسير الذي وقع؛ لما فيه من التصوير المنكر، أو تهكم يؤيده قوله: ﴿فَسْأَلُوهُمْ﴾، وأما الكلمة في سارة فقد صرح بالمعنى إذ قال لها: أخبرته أنك أختي فإنك أختي في [الإسلام] (٣). وحديث المحاجة وإن احتمل أن لا يكون في دار التكليف، فنحن نعلم أنهم لا يقابلون بعضهم بعضاً بما يرونه خلاف الأدب منهم، وكل هذه الأمور لا ينقاس بها معهم من دونهم، فربما كان الشيء من المثيل أو المساوي أدباً أو أمراً محتملاً؛ ولا يكون ممن دونه كذلك، فليحفظ الناظر موقع الحكمة في أحكام المراتب في الأشخاص والأفعال والأقوال وسائر الأحوال). والجواب من وجوه، أحدها: أن يقال: هذا الكلام لا يدل على مورد النزاع، فإن أحداً لم يقل إن حكم النبي مع النبي أو مع الملك حكم من هو دونه؛ ولا حكم بعض الأنبياء حكم بعض بل ولا الملائكة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥]، وقال تعالى عن الملائكة: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ [الصافات: ١٦٤]، وقال: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾ [الإسراء: ٢٠، ٢١]. ولكن ليس في ثبوت أفضليتهم على من دونهم وعدم مساواتهم لهم في كل شيء أنهم لا يشاركونهم في شيء من الأحكام؛ بل الأصل عند جماهير السلف والخلف أن ما ثبت في حق النبي من الأحكام ثبت في حق الأمة، ما لم يقم دليل على التخصيص، فما وجب عليه وجب عليهم وما حرم عليه حرم

стр. 390

عليهم؛ وما أبيح له أبيح لهم، إلا أن يقوم دليل على التخصيص، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ (١) [الأحزاب: ٣٧]، بيّن أن في تزويجه بامرأة دَعِيّه من الحكمة دفع الحرج عن المؤمنين في تزويجهم بنساء أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً، ولولا أن الإِحْلال له يستلزم الإِحْلال للأمة لم يرتفع الحرج عنهم لمجرد ذلك. ولهذا لما خصه بإحلال شيء قال: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، فجعل إباحة الواهبة نفسها له خالصة له من دون المؤمنين، ومن هذا ما ثبت عنه في الصحيح أنه لما (٢) بلغه أن قوماً تنزهوا عن أشياء فعلها، فقال: "والله إني لأخشاكم لله وأعلمكم بحدوده" (٣)، وفي حديث آخر أن رجلًا قال: ليتنا مثل رسول الله يحل الله له ما يشاء، فغضب من ذلك وقال: "إني لأتقاكم لله وأعلمكم بحدوده" (٤)، لأن هذا ونظائره متعددة، وهذا الأصل متفق عليه بين أئمة المسلمين (٥)، ولكن قد يقال نفس الخطاب له أو للواحد من الأمة خطاب

стр. 391

عام للعادة الشرعية في ذلك، أو يثبت الاشتراك بالاعتبار بأدلة أخرى، أو وذلك معلوم بالاضطرار من الدين، هذا مما تنازع فيه أهل النظر، وإذا كان كذلك فما يثبت جوازه له من الأقوال يثبت جوازه لغيره ما لم يقم دليل المنع، وما ذكره من مطلق [التفضيل] (١) ليس دليلاً على المنع [باتفاق] (٢) المسلمين. والوجه الثاني أن يقال: خبره عن نفسه وغيره سواء كان نفياً أو إثباتاً، وما أخبر به فهو صدق يجب تصديقه، ومن أخبر به كان صادقاً داخلًا فيمن جاء بالصدق وصدق به، ومن قسم إخباره إلى ما لنا أن نخبر به وما ليس لنا أن نخبر به، فقد قال قولاً مبتدعاً لا دليل له [عليه؛ بل] (٣) هو معلوم البطلان، ثم إنه لا يمكنه [أن] (٤) يذكر حداً فاصلاً بين ما يجوز موافقته فيه من الأخبار وما لا يجوز؛ بل لا يشاء كل جاهل وضال أن يقول -فيما أخبر به الرسول- هذا من الأخبار التي ليس لنا أن نخبر بها بحال يبديه إلا ادعى ذلك؛ حتى سد على الناس أن يخبروا بالأخبار الصادقة التي أخبر (٥) بها، وقد يتعدى ذلك إلى الأمر فيقول ليس كل ما أمر به يؤمر به من غير تفصيل معلوم بدليل الشرع، وحينئذٍ فإذا لم يقم يخبر بخبره ويأمر بأمره كان ذلك ذريعة إلى إبطال كثير من رسالته ونبوته، وهذا فيه من الكفر به وإبطال دينه؛ ما هو من أعظم الردة عن دين الإسلام. وليس هذا بمنزلة سوء الأدب في الخطاب؛ بل هذا كفر صريح وردة عن الإسلام، وهذا لازم لهؤلاء الجهال، فإن قولهم يستلزم الردة عن الدين والكفر برب العالمين، ولا ريب أن أصل قول هؤلاء هو من باب الإشراك بالله؛ الذي هو الكفر الذي لا يغفره الله، فإن الله -تعالى- قال في كتابه: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ (٦) [نوح:

стр. 392

٢٣ - ٢٤]، وقال غير واحد من السلف: هذه أسماء قوم صالحين كانوا في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوَّروا تماثيلهم ثم عبدوهم، وقد ذكروا ذلك بعبارات متقاربة في كتب الحديث والتفسير وقصص الأنبياء، كما ذكره البخاري في صحيحه وجماعة من أهل الحديث، (وكما ذكره المفسرون كالطبري وغيره) (١)، وكما ذكره مصنفو القصص مثل وثيمة (٢) وغيره. وقد أمر الله -تعالى- أن يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠]، فيقول هذا الضال: هذا يقوله هو عن نفسه؛ وأما نحن فليس لنا أن نقول: هو بشر؛ بل نقول كما قال فلان وفلان: من زعم أن محمداً بشر كله فقد كفر، وهذا يقوله قوم منهم؛ وهو تشبه بقول النصارى في المسيح؛ يقولون: ليس هو بشر كله، بل المسيح عندهم يتناول اللاهوت والناسوت الإلهية والبشرية جميعاً، وهذا يقوله طائفة من غلاة الصوفية والشيعة؛ يقولون باتحاد اللاهوت والناسوت في الأنبياء والصالحين كما تقوله النصارى في المسيح (٣). والوجه الثالث: أن يقال: مسألتنا ليست محتاجة إلى هذا، فإن ما نُفي عنه وعن غيره من الأنبياء والمؤمنين؛ [وهو] (٤) أنهم لا يُطلب منهم بعد

стр. 393

الموت شيء؛ ولا يطلب منهم في الغيبة شيء؛ لا بلفظ الاستغاثة ولا الاستعاذة ولا غير ذلك، ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله، حكم ثابت بالنص وإجماع علماء الأمة مع دلالة العقل على ذلك؛ فلا يحتاج إلى ذكر حديث فيه نفي ذلك عن نفسه كقوله: "إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله"، فإن هذا اللفظ هو بمنزلة أن يقال: لا يستعاذ به ولا غيره من المخلوقين وإنما يستعاذ بالله ، وهذا كله معلوم، وكذلك لفظ الاستجارة، وأما طلب ما يقدر عليه في حياته فهذا جائز سواء سُمي استغاثة أو استعاذة أو غير ذلك. الوجه الرابع: أنه ليس فيما ذكره حجة على أن ما يسوغ للأنبياء لا يسوغ لغيرهم، فإنه إنما ذكر [خطاب] (١) موسى لآدم ولطم عين الملك، فيقال له: أولًا: هل هذا سائغ لغير موسى من الأنبياء كمحمد والمسيح وغيرهما أم ليس سائغاً؟ وإن ساغ لهؤلاء فهل يسوغ هذا لداود وسليمان ويونس وغيرهم؟ فإن قال: نعم هذا سائغ لهؤلاء كلهم، طولب بدليل ذلك؛ ولا يمكنه على هذا التقدير منع جوازه لغيرهم؛ إلا أن يذكر دليلاً خاصًا على أن هذا من خصائص الأنبياء وليس له على ذلك دليل، وإن قال: لا يسوغ هذا لنبي آخر ولا يسوغ لنبي معيّن من الأنبياء، قيل: فحينئذٍ فلا حجة لك فيه على أنه (٢) لا يقتدى بالأنبياء فيما يسوغ لهم، فإن هذا حينئذٍ ليس مما يسوغ لكل الأنبياء، وما خُصّ به بعض الأنبياء (لم [يتعد] (٣) به) (٤) غير الأنبياء بطريق الأولى، وحينئذٍ فلا يكون هذا من موارد الفرق بين الأنبياء وغير الأنبياء، بل من موارد الفرق بين نبي ونبي. ومن الناس من يقول: إن موسى ﵇ كان يحتمل منه [ما لا] (٥) يحتمل

стр. 394

من مثل يونس؛ كجر رأس هارون ولحيته (١)؛ وإلقاء الألواح (٢)؛ ولطم عين ملك الموت؛ ومعاتبة ربه ليلة المعراج في رفع محمد ﷺ (٣) ونحو ذلك، لما كان له من عظيم المجاهدة مع فرعون وقومه، ولما كان له من عظيم المنزلة عند ربه، وحينئذٍ فإذا كان هذا سائغاً لبعض الأنبياء لا يسوغ لهم كلهم، لم يكن مما نحن فيه. الوجه الخامس: أن يقال (٤): الناس لهم في جواز وقوع الذنب من الأنبياء قولان، فالسلف والأكثرون يقولون بجواز ذلك، وإن كانوا معصومين عن الإقرار عليه، وكثير من الناس منع ذلك بالكلية، وكل من الفريقين يقول: إنه قد يخصّ بعض الأنبياء بأمر لا يشركه فيه جميع الأنبياء والمؤمنين، وحينئذٍ فقول موسى لآدم ﵇ ما قال؛ إما أن يكون مما أقر عليه أو لا يكون مما أقر عليه، فإن قيل بالأول، وقيل: إنه مختص به أو بأمثاله من الرسل فلا كلام، وإن قيل: إنه سائغ لجميع الأنبياء فلا بد من دليل على أنه من خصائصهم، وإن قيل: إنه لم يقر عليه، وهو [الأظهر] (٥) فإن آدم أجابه عن ذلك؛ وبيّن له أن هذا الذي جرى عليكم كان مقدوراً عليكم مكتوباً عليكم؛ فحج آدم وموسى، وإذا كان موسى محجوجاً، كان موسى قد عرف أنه لا حجة له على آدم، وأنه (٦) لم يكن له أن يعاتبه على ذلك، فيكون موسى رجع عن هذا، وما رجع عنه النبي ولم يقر عليه لم يُقْتد به باتفاق المسلمين، كالمنسوخ وأولى. وكذلك لطمه لملك الموت إن كان مأذوناً له فيه أو معفوًا عنه؛ وهو من

стр. 395

خصائصه أو من خصائص الرسل فلا كلام فيه، وإن قيل: إن هذا سائغ للأنبياء كلهم فلا بد من دليل الاختصاص بالأنبياء، وأما إن قيل: إن موسى رجع عن تلك اللطمة لما اختار الموت وأجاب إلى ما طلب منه الملك من إجابة ربه؛ كان هذا مما رجع عنه موسى، ومثل ذلك ليس مما يقتدى فيه بالأنبياء، وذلك أن موسى لطمه بغضاً للموت؛ فلما رجع إليه وخيّره بين أن يضع يده على متن ثور فما وارته يده من شعره فإنه يعيش بها سنه وبين الموت؛ اختار الموت. الوجه السادس: إن قول موسى: إن آدم أغوى الناس وأخرجهم من الجنة، وإنه خيبهم وأخرجهم من الجنة، إما أن يقول: إنه صدق، وإما أن يقول: لم يكن كذلك، وإنما قاله (١) باجتهاد وتأويل، فإن [قال] (٢): إنه صدق لا خطأ فيه، قيل: فمن الذي منع غير موسى أن يقول: الصدق الذي [لا خطأ] (٣) فيه، وقول القائل ليس لواحد منا أن يقول: الصدق الذي لا خطأ فيه الذي قاله الأنبياء؛ دعوى مجردة لا يثبت بها حكم، لكن صاحب هذا الكلام يتكلم بحاله وما يخطر (٤) له من غير اعتصام بالأدلة الشرعية. وإن قيل: إن موسى ﵇[قاله] (٥) مجتهداً متأولاً ولم يكن الأمر كذلك، أو قال بحسب اعتقاده ولم يكن الأمر كذلك؛ كان كقول النبي ﷺ : "لم أنس ولم تقصر الصلاة"؛ فإنه قال معتقداً أنه أتم الصلاة، فقال له ذو اليدين: بل قد نسيت، فقال: "أكما يقول ذو اليدين"، قالوا: نعم (٦)، وكذلك

стр. 396

لما قال في النخل: "ما أظنه يعني -التلقيح- يغني شيئًا"، ثم قال لهم: "إنما أخبركم عن ظني فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله فإني لن أكذب على الله"، وفي لفظ: "أنتم أعلم بأمر دنياكم، وأما ما كان من أمر دينكم فإلي" (١). وأما لطم موسى عين ملك الموت فليس هو إخباراً عن نبي وإنما هو فعل من الأفعال؛ فليس مما نحن فيه، وأما قول النبي ﷺ : "لم يكذب إبراهيم ﵇ إلا ثلاث كذبات"؛ فيقال له: أتقول إنه لا يجوز لنا أن نصدق النبي ﷺ فيما قال: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات"، بالمعنى الذي عناه النبي ﷺ أي شيء كان أم ليس لنا ذلك؟ فإن قلت: لنا ذلك، بطلت حجتك، وإن قلت: ليس لنا أن نقول ما قاله النبي ﷺ لفظًا ومعنى كان هذا ممنوعاً، وهو من جملة ما يرد عليك، وإن لم يذكر عن (٢) ذلك حجة؛ بل ولا نقله هذا (٣) عن إمام من أئمة المسلمين، ونحن قد ذكرنا دلالة الكتاب والسنة والإجماع على أن الأخبار الصادقة التي أخبرت بها الأنبياء نفياً وإثباتاً لنا أن نخبر بها كما أخبروا بها لفظًا ومعنى. الوجه السابع: أن يقال هذه الكلمات هي من باب المعاريض، والمعرَّض يقصد معنى ويفهم المستمع غيره، والكلام مبدؤه عناية (٤) المتكلم (٥) ومنتهاه إفهام المستمع، فالمعرض إذا عنى حقًا والمستمع فهم باطلًا كان الكلام صدقًا باعتبار [الغاية السائغة] (٦) وكذباً باعتبار الإفهام، ولهذا لم يرخص في المعاريض فيما يجب بيانه؛ للخلل (٧) في (٨) البيع

стр. 397

والشهادة والإفتاء ونحو ذلك باتفاق، ويجوز للمظلوم [التعريض] (١) في الأيمان وغيرها، وأما ما ليس بظالم ولا مظلوم ففيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره، قيل: يجوز له التعريض، وقيل: لا يجوز مع اليمين ويجوز بدونها (٢). فقول إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] قيل: أراد سقيم القلب من كفركم، وقوله: أختي، أراد أخته في الدين؛ كما جاء ذلك مصرحًا به في الحديث الصحيح؛ حيث قال: "فإنه ليس على الأرض مؤمن غيري وغيرك"، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، قيل: إنه قصد [تعليقه] (٣) بالشرط وهو قوله: ﴿إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)﴾ (٤) [الأنبياء: ٦٣]. ومن هذا قول نائب يوسف: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠]، فإن يوسف أمره بالنداء؛ لكن نداء يوسف: سارقون ليوسف من أبيه وهو صادق فيما عناه، وما ذكره هذا الذي يلبس الحق بالباطل كحاطب ليل من التأويلات ليس مما يبنى عليه مسألتنا، فإنه ليس في شيء من ذلك أنه لا يجوز أن يخبر بما أخبر به الرسول لفظًا ومعنى، والناس قد ذكروا هذه التأويلات وغيرها، فتأويل المتأول إني سقيم أي سأسقم، إما لأن الظاهر مرضه، أو لاطلاعه على ذلك هو تأويل؛ و (٥) قول غيره: أريد سقيم القلب تأويل ثان؛ وهو أقرب من كون الصفة حاضرة؛ والأول أقرب من كون السقم أراد به سقم البدن، لكن يقال: استعمال السقم والمرض في سقم القلب ومرضه هو حقيقة،

стр. 398

بخلاف قوله إني سقيم بمعنى سأسقم فإن هذا لا يفهم إلا بقرينة، فيكون ذلك التأويل أولى, وأما التأويل الآخر بمعنى القابلية (١) فبعيد؛ فإن الموجود لا يوصف بكل ما يقبله من المعدومات، إذ لو كان كذلك لجاز أن يقال عن كل مخلوق: إنه معدوم، وعن كل مؤمن إنه كافر، وعن كل كافر إنه مؤمن، وعن كل غني إنه فقير، وعن كل عفيف إنه فاجر، وعن كل سليم إنه أشل وأقطع. والتأويلا [ن] (٢) المذكوران في قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ أن الإله (٣) الأكبر سبب للتكسير تأويل فاسد، فإن السبب في كل صنم (٤) ما قام به من التصوير، لا سيما قوله بل فعله كبيرهم يقتضي أنه لم يفعله إلا كبيرهم، فلا يكون السبب أنه التصوير الذي قام به؛ وهذا باطل قطعًا فإن التصوير القائم بكل صنم موجب لكسره؛ لا يحتاج إلى تصوير صنم أكبر منه، وأما التهكم فهو أحسن، وكذلك قوله: من قال إنه نوى التعليق بقوله: ﴿إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾. وقوله: وحديث المحاجة وإن احتمل أن لا يكون في دار التكليف، فنحن نعلم أنهم لا يقابلون بعضهم بعضاً بما يرونه [خلافاً] (٥) للأدب منهم، فهذا كلام متناقض، وهو كلام من نظر في كلام شارحي الحديث، ولم يميز بين حق ذلك وباطله؛ وأخذ من ذلك ما ظنه موافقًا لدعواه، فلا له تمييز في أقوال الناس بين حقها وباطلها، ولا له معرفة بطرق الاستدلال، فلا [ذاكر] (٦) لكلام منقول ولا مبيّن لمعنى مقبول، ولا نقل ولا توجيه لا ذكر ولا أثر. والعلم شيئان إما نقل مصدق، وإما بحث محقق؛ وما سوى ذلك فهذيان [مسروق] (٧)، وكثير من كلام هؤلاء هو من هذا القسم؛ من الهذيان، وما يوجد فيه من نقل فمنه ما لا يميز صحيحه عن فاسده؛ وفيه ما لا ينقله على وجهه؛ ومنه ما يضعه (٨) في غير موضعه، وأما بحثه واستدلاله على مطلوبه

стр. 399

فمن العجائب، (فلا يتحقق) (١) (حسن الاستدلال بالأدلة) (٢)، حتى يميز بين ما يدل وما لا يدل، ولا مراتب الأدلة حتى يقدم الراجح على المرجوح إذا تعارض دليلان، ولهذا كان أصول الفقه مقصوده معرفة الأدلة الشرعية؛ جنس الدليل، وهذا فيه [آية] (٣) (الخلاص من كناية) (٤) [ترد] (٥) الحق (٦). وقد قيل: إنما يفسد الناس نصف متكلم ونصف فقيه ونصف نحوي ونصف طبيب، هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد اللسان، وهذا يفسد الأبدان، لا سيما إذا خاض هذا في مسألة لم يسبق إليها عالم ولا معه فيها نقل عن أحد، ولا هي من مسائل النزل بين العلماء فيختار أحد القولين، بل هجم فيها على ما يخالف دين الإسلام المعلوم بالضرورة عن الرسول، فإنا بعد معرفة ما جاء به الرسول نعلم بالضرورة أنه لم يشرع لأمته أن يدعو أحدًا من الأموات لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بعيرها، ولا بلفظ الاستعاذة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ولا إلى ميت ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله. لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين؛ لم يمكن (٧) تكفيرهم بذلك حتى يتبيّن (٨) لهم ما جاء به الرسول مما يخالفه،

стр. 400

ولهذا ما بينّت هذه المسألة قط لمن يعرف أصل الدين إلا تفطن؛ وقال هذا أصل دين الإسلام، وكان بعض الأكابر [من] (١) الشيوخ العارفين من أصحابنا يقول هذا أعظم ما بيّنته لنا لعلمه بأنّ هذا أصل الدين. وكان هذا وأمثاله في ناحية أخرى يدعون الأموات، ويسألونهم ويستجيرون بهم، ويتضرعون إليهم، وربما كان ما يفعلونه بالأموات أعظم، لأنهم إنما يقصدون الميت في ضرورة نزلت بهم فيدعونه دعاء المضطر، راجين قضاء حاجاتهم بدعائه أو الدعاء به أو الدعاء عند قبره (٢)، بخلاف عبادتهم لله ودعائهم إياه [فإنهم] (٣) يفعلونه في كثير من الأوقات على وجه العادة والتكلف، حتى إن العدو الخارج عن شريعة الإسلام [لما] (٤) قد دمشق خرجوا يستغيثون بالموتى عند القبور التي يرجون عندها كشف ضرهم، وقال بعض الشعراء: يا خائفين من التتر ... لوذوا بقبر أبي عمر

стр. 401

أو قال: عوذوا بقبر أبي عمر ... ينجيكم من الضرر (١) فقلت لهم: هؤلاء الذين تستغيثون بهم لو كانوا معكم في القتال لانهزموا، كما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد، فإنه كان قد قضى أن العسكر ينكسر لأسباب اقتضت ذلك، ولحكمة كانت لله في ذلك، ولهذا كان أهل المعرفة بالدين والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك المرة لعدم القتال الشرعي؛ الذي أمر الله به ورسوله، [ولما] (٢) يحصل في ذلك من الشر والفساد وانتفاء النصرة المطلوبة في القتال، فلا يكون فيه ثواب الدنيا ولا ثواب الآخرة؛ لمن عرف هذا وهذا، وإن كان كثيراً من [المقاتلين] (٣) الذين اعتقدوا هذا قتالاً شرعياً أجروا على نياتهم. فلما كان بعد ذلك جعلنا نأمر الناس بإخلاص الدين لله والاستغاثة به، وأنهم لا يستغيثون إلا إياه، لا يستغيثون بملك مقرّب ولا نبي مرسل، كما قال تعالى يوم بدر: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩]، ورُوي أن رسول الله ﷺ كان يوم بدر يقول: "يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث" (٤)، وفي لفظ: "أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين

стр. 402

ولا إلى أحد من خلقك" (١). فلما أصلح الناس [أمورهم] (٢)، وصدقوا في الاستغاثة بربهم؛ نصرهم على عدوهم نصراً عزيزاً؛ لم يتقدم نظيره، ولم تهزم التتار مثل هذه الهزيمة قبل ذلك أصلاً، لما صح من تحقيق توحيده طاعه رسوله ما لم يكن قبل ذلك، فإن الله ينصر رسله (٣) والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. ونحن نتكلم على ما ذكره (٤)؛ وإن لم يختص بمسألتنا، لما فيه من تمام الكلام على ما ذكره كله. أما حديث احتجاج آدم موسى ﵈ فإن هذا الحديث فهم منه كثير من الناس المتقدمين والمتأخرين أن آدم احتج بالقدر على فعل الذنب، فصاروا أحزاباً: حزب من أهل الكلام كذبوا الحديث كأبي علي الجبائي وغيره؛ وقالوا: نحن نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن سابق علم الله وكتابه لا يكون حجة لأحد في ترك مأمور أو فعل محظور؛ وهذا يناقض ذلك، فيكون كذباً على النبي ﷺ ، وحزب من الصوفية والعامة شر من هؤلاء جعلوا هذا الحديث حجة على دفع الذم والعقاب عن الكفار والفساق والعصاة وسموا هذا حقيقة، وهو حقيقة القدر، وقال منهم طائفة: من شهد القدر ارتفع عنه الملام؛ وقالوا: آدم كان شاهد القدر. ودخل في ذلك طائفة من أعيان الشيوخ والعلماء، فظنوا أن الخواص يرتفع عنهم الذم والعقاب بشهود القدر دون العامة، ومنهم من قال: هذا عين الجمع، وهو أن لا يرى الفاعل إلا واحد، ومنهم من جعل هذا من أفضل

стр. 403

مقامات العارفين؛ ومن لوازم سلوك السالكين، ومنهم من جعل هذا منتهى سير العارفين، وسموا ملاحظة هذا فناء في توحيد الربوبية أو اصطلاماً ونحو ذلك، فالذين جعلوا هذا منتهى للوصول رفعوا استحسان الحسنات واستقباح القبائح، وقالوا: استحسان الحسنات واستقباح السيئات يكون لأصحاب البقاء والفرق؛ لا لأهل الجمع والاصطلام والفناء في التوحيد، وأما الذين جعلوه مقاماً أو لازمًا للسالك فقالوا: بعد هذا مقام أعلى منه وهو مشهد الفرق الثاني. وكان قد وقع بين الجنيد (١) وأبي الحسين [النوري] (٢) وأصحابهما كلام في الفرق الثاني واضطربوا، كما ذكر ذلك أبو سعيد ابن الأعرابي (٣) في "كتاب طبقات النساك"، وذكر أن كلامهم في الفناء والجمع لم يشتركوا فيه إلا في [العبارة] (٤)، وأن هذا يشير إلى معنى غير المعنى الذي يشير إليه هذا، وأنه لم يحصل ما يعبر عنه بالفرق الثاني، وذكر أن أبا [الحسين النوري] (٥) لما قدم بغداد بعد أن كان خرج عنها، وكان قد خرج هو وغيره في محنة

стр. 404

الصوفية التي جرت لما قام عليهم غلام خليل (١) سنة بضع وستين ومائتين، وكتب منهم نحو سبعين نفساً، واتهمهم بالزندقة، فوضعوا منهم جماعة [في] (٢) الحبس، وسافر بعضهم، واختبأ بعضهم، وكان فيهم من هو مظلوم؛ ومنهم من هو متعبد، وكان غلام خليل فيه عبادة وزهد وفيه نوع قلة معرفة (٣) أيضاً، ولهذا يقال إنه كان يضع الأحاديث في الفضائل، وهذا قد بسطه أبو سعيد بن الأعرابي، وغيره ذكر ذلك مختصراً. وذكر أبو سعيد أن [النوري] (٤) لما رجع مسألة أصحاب الجنيد عن الفرق الذي بعد الجمع ما علامته؟ وما الفرق بينه وبين الفرق الأول؟ قال: فسألوه عن هذا المعنى -لا أدري بهذا اللفظ أم بغيره إلا أني قد حفظت المعنى وأثبته-، قال: وكنت إذا مررت به بالرقة سنة سبعين (٥)، قال لي: من بقي من أصحابنا فأخبرته، فسألني عن جماعة، ثم سألني عن الجنيد وما يتكلم فيه ومن يجتمع إليه، فأخبرته؛ وقلت: إنهم يشيرون إلى شيء يسمونه الفرق الثاني والصحو، فقال لي: اذكر لي شيئًا منه؛ فذكرت له بعض ما كنت أظنه؛ فضحك، ثم قال: أي شي يقول (٦) في هذا ابن الجلحي (٧)؟ فقلت: [ما يجالسهم] (٨)، قال فأبو

стр. 405

أحمد القلانسي (١)؟ فقلت: مرة يوافقهم، وربما خالفهم إلى معاني الجمع، فقال: أي شيء تقول أنت؟ فقلت: ما عسى أن أقول أنا، ولكن ما تقول في هذا يا أبا الحسين فإني أحب أن أسمع منك في هذا خاصة شيئًا؟ فقال: لا، أو تقول أنت، فحملني حرصي على أن أسمع منه أن قلت ما كان عندي في ذلك الوقت, قلت: أنا أحسب يا أبا الحسين أن هذا الذي يسمونه فرقاً ثانيًا هو عين من عيون الجمع، يتوهمون به أنهم قد خرجوا عن الجمع، وإنما هو أحد عيون الجمع، فقال: هو كذلك، وأنت [إنما] (٢) سمعت هذا من أبي أحمد القلانسي، فأخبرته أني ما سمعته من أبي (٣) أحمد، فلما قدمت بغداد حدثت (٤) أبو أحمد بذلك، وكان أبو أحمد يعارض ذلك ولا يقطع به، وربما وافقهم فأعجبه قول أبي الحسين، وكذلك كان عند أبي الحسين، فأما أبو أحمد فقد كان (٥) ربما قال: هو صحو وخروج عن الجمع؛ وربما قال: هو شيء من الجمع، ثم قال أبو الحسين ببغداد لما [شاهدهم] (٦): ليس هو عيناً من عيون الجمع، ولا صحواً من الجمع وفرقاً ثانياً، ولكنهم رجعوا إلى ما يعرفون، وحملوا الشيء على عقولهم، فهم يسددون بجهلهم وليس معهم مما يذكرون إلا هذا العلم وهذا الوصف، وكأنهم قد اصطلحوا عليه، وكان يومئ إلى أنهم يتكلمون عن غير حقيقة، وإنما هو شيء يأخذه بعضهم عن بعض، فيزيد بعضهم من بعض بقدر فصاحتهم في العبارة دون الحقيقة، ولهذا كان قوله أول ما قدم بغداد (٧).

стр. 406

قال: أبو سعيد ثم باتوا معه ليلة لم أكن معهم كان ابن عطاء (١) ورويم (٢)، فأقبل ابن عطاء يسأله فإذا أصابه بشيء عكسه عليه ابن عطاء، ثم يسأله عما ينشيه، فإذا أجابه؛ قال: هذا ضد الجواب الأول يا أبا الحسين قياسًا وتشبيهاً، فكان منه إليه كلام فيه جفاء، وكذلك فعل أيضاً، فقالوا: إنه يقول الشيء وضده ولا يعرف هذا [إلا قول] (٣) سوفسطا (٤) ومن قال بقوله، وكان بينهم وحشة بذلك، وكان يكثر منهم التعجب، وقالوا للجنيد ذلك، فأنكر عليهم حينئذٍ، وقال: لا تقولوا مثل هذا لأبي الحسين، ولكنه رجل به علة قد تغير دماغه، ثم إنه انقبض عن جميعهم بعد تلك الليلة، وأظهر لمن اتهمه منهم الجفاء، وترك مجالستهم، ثم غلبت العلة، وذهب بصره، ولزم الصحارى والجبانات والمقابر، وكانت له في ذلك أحوال طويلة كثيرة يطول شرحها وذكرها (٥). قال: ولم أحضره عند موته، قال (٦) جماعة من أصحابنا يقولون: من رأى أبا الحسين بعد قدومه الرقة؛ ولم يكن رآه قبل ذلك فكأنه لم يره لتغيره بعد قدومه، إلا أنه مات وهم عنده يتكلمون في شيء سكوتهم عنه أولى بهم، لأنه ليس شيئًا عندهم يعرفونه، وإنما يتوهمونه (٧) فيتكهنون فيه ويتعسفون بظنونهم (٨)،

стр. 407

وقد كانوا عند غيره (١) ممن لا أُسميه كذلك. قال أبو سعيد: فإذا كان أولئك كذلك، فكيف بمن حدث بعدهم ممن أخذ عنهم؟ قال: ومنعني من الطبقة التي كانت بعد هؤلاء أشياء كثيرة، إلا [أن] (٢) جملة ذلك وإن كانوا قوماً صالحين فاضلين فما يدرون ما كان يقول أولئك في هذه المعاني التي أشرنا إليها، ولا ما كانوا يشيرون إليه إلا بالتوهم والبلاغات وذكر كلامًا طويل (٣). قلت: الصوفية بعد هؤلاء هم على هذا الاضطراب، منهم من قال بالفرق الثاني كالجنيد وأصحابه، وهؤلاء هم المصيبون المسددون، ومنهم من نفاه، ومنهم من تردد فيه، ومنهها من قال: إنه أكبر من [المتكلم] (٤) فيه، وسبب ذلك أن الإنسان يشهد أولاً الفرق حسه وعقله وهواه؛ من غير نظر إلى أن الله خالق كل شيء وهذا هو الفرق الأول، فإذا توجه إلى الله رأى أن الله خالق كل شيء، وربه ومليكه، كل ما في الوجود بمشيئته وقدرته، وهذا شهود صحيح، بحيث يغيب عن نفسه وعن غيره، ويفنى بمشهوده عن شهوده، وبمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن معرفته، فلا يبقى ناظراً إلا إلى توحيد الربوبية وهو أن الله خالق كل شيء. وهذا المشهد ليس فيه تفريق بين المأمور والمحظور، ولا بين المعروف والمنكر، ولا بين أوليائه وأعدائه، ولا بين المؤمنين والكفار، ولا بين ما يلائم الإنسان وما يخالفه، وهذا لا يتصور أن يدوم بقاء العبد فيه، فإن نفسه لا بد أن تفرق بين ما يلائمها وبين ما يضرها، كما تفرق بين [الخبز

стр. 408

والتراب] (١) وبين الماء والبول. ولكن من قال بأن الفناء هو الغلبة، منهم من جعل ذلك نزولاً من العبد من عين الجمع إلى الفرق، ومنهم من يقول [بل] (٢) القيام بالفرق هو [لصلاح] (٣) العامة لا لنفسه، ومنهم من يسمي هذا تلبيساً، ويقول: هذا للأنبياء، وربما قال: الفرق لأجل المارستان يصلح به العامة الذين هم كالمجانين، [و] (٤) قد يقول هؤلاء: الكمال أن يكون الجمع في قلبك مشهوداً، والفرق في لسانك موجوداً، وأن يكون (٥) باطنك حقيقة وظاهرك شريعة، ومنهم من يقول: الفرق بين هذه الأشياء الضرورية التي لا بد منها للإنسان بخلاف غيرها، ومنهم من يقول: هذا الفناء والاصطلام ليس هو الغاية، بل هو مقام عال (٦) لا بد للسالك من سلوكه إياه، و [من] (٧) لم يقم فيه لم يصل إلى حقيقة المعرفة (٨). (وهذا غلط، فإن هذا من عوارض الطريق لا من لوزامه، فإن حاصله عدم شهود الحقائق) (٩) على ما هي عليه، وهذا نوع من نقص الشهود والعلم ورؤية الأمر على ما هو عليه، ولكن هذا (١٠) يعرض لبعض المتوجهين إذا رأى أن الله خالق كل شيء يجمع في رؤيته هذا ولم يشهد الفرق، فإنه سبحانه وان خلق الأشياء كلها بمشيئته وقدرته؛ فقد أمر بطاعته ونهى عن معصيته؛ وهو يحب ما أمر به ويبغض ما نهى عنه، وهذا هو الفرق الشرعي ليس هو الفرق [الطبيعي] (١١). وهذا الفرق فرض على كل مسلم لا يكون مؤمناً إلا به، وصاحب هذا

стр. 409

يشهد أن لا إله إلا الله، فيعلم أن الله هو المعبود دون ما سواه، وأنه أرسل الرسل يأمرون الناس بطاعته وينهونهم عن معصيته، ومن لم يشهد هاتين الشهادتين لم يكن مسلماً، وأما مجرد رؤية الله خالق كل شيء فهذا كان (١) يقر به المشركون عباد الأصنام , فمن وقف في الجمع لا يفرق بين مأمور ومحظور لم يكن مسلمًا فضلًا عن أن يكون وليًّا لله ﵎، لكن هؤلاء يقولون نحن نثبت الفرق العائد إلى حظ الإنسان، بأن فعل المأمور سبب للثواب وفعل المحظور (٢) سبب للعقاب، والثواب والعقاب حظ للعبد، والكامل الخالي [عن] (٣) حظوظه الذي لا يريد إلا ما يريد ربه هو صاحب الفناء، وهو الذي لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة، فالفرق لا يعود إلى الله ولا إلى صاحب الفناء. وأصل غلط هؤلاء [أنهم] (٤) لم يثبتوا لله إلا الإرادة العامة المتناولة لكل مقدور (٥) ومعلوم أنه لو كان الأمر كذلك لكان الفرق سببًا بالنسبة إلى الله، لكن هذا غلط من المثبت لملة إبراهيم ودين الرسل، كما قد بسط في غير هذا الموضع. وكثير من هؤلاء قد التبس عليهم هذا الموضع وهم متناقضون فيه، فإن الجمع العام لا يتصور أن يقوم فيه أحد دائماً، بل لا بد إن كان مسلمًا أن يوجب ما أوجبه الله ورسوله؛ ويحرم ما حرمه الله ورسوله، وإلا لم يكن مسلماً، فلا بد من فرق بحسب دينه، وإذ لم يكن له دين فرق بحسب هواه وطبعه، فمن لم يفرق فرقاً رحمانياً فرق فرقاً نفسانياً وشيطانياً، ومن لم يفرق فرقاً شرعياً فرق فرقاً [طبعياً] (٦)، وقول أبي سعيد ابن الأعرابي ومن وافقه: إن هذا الفرق عين من عيون الجمع يتوهمون به أنهم قد خرجوا عن الجمع، وإنما هو [أحد] (٧) عيون الجمع، يعني به -والله أعلم- أن شاهد الفرق ما

стр. 410

أمر الله به ونهى عنه مع مشاهدته بذلك، وتوحيد الإلهية بأن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ومحبته لما أمر الله به وبغضه لما نهى الله عنه، فهو يشهد أن الله رب ذلك كله، وأنه الذي جعل المسلم مسلماً، وجعل آل إبراهيم أئمة يدعون إلى الخير، وآل فرعون أئمة يدعون إلى النار، فهو في هذا الفرق؛ يشهد الجمع، ويشهد -مع ما قام بقلبه من الفرق بين المأمور والمحظور- أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه هو الذي جعله يعبده ويطيعه، وهو المَانّ عليه بذلك، لا يكون كمن يشهد الفرق بين الطاعة والمعصية، ولم يشهد أن الله هو الذي مَنّ عليه بالطاعة ويسَّرها عليه. فشهود الجمع [بلا] (١) فرق يورث تعطيل الأمر والنهي، حتى لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة، وشهود الفرق بلا جمع يورث تعطيل التوكل والشكر، وبورث العجب وتعظيم النفس، [وكلا] (٢) هما نقص عما تحت الجمع من عبودية الله -تعالى- ومن تحقق قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، فلا بد من الفرق في عين الجمع، [ومن الجمع] (٣) في شهود الفرق، وأيضًا فإن الله -تعالى- مع خلقه لكل شيء بمشيئه وقدرته؛ فهو يحب ما أمر به ويرضاه ويبغض ما نهى عنه ويسخطه، فلا بد مع شهود المشيئة العامة من شهود المحبة والرضا الخاص. وكثير من الناس القدرية [و] (٤) الجهمية الجبرية ومن دخل معهم في التصوف جعلوا الإرادة نوعاً واحداً، وجعلوها هي المحبة والرضا، قالت القدرية: والله لا يحب الكفر والفسوق والعصيان، فيكون في ملكه ما لا يشاء ولم يخلقه، وقالت الجهمية: بل كل ما وقع فهو بمشيئة الله، والمشيئة هي الإرادة وهي المحبة والرضا؛ فكل ما وقع فإنه يحبه ويرضاه، ولكن يريد ويحب ويرضى المأمور به مأموراً به دينًا يثيبْ (٥) عليه، ويريد ويحب ويرضى المنهي

стр. 411

عنه منهياً عنه معاقباً عليه، فالفرق بينهما يعود إلى أنه يريد ويحب ويرضى أن يُنعّم (١) هؤلاء، ويعذب هؤلاء، من غير فرق يعود إليه، ولا يحب بعض المخلوقات ويبغض بعضًا؛ كما لا يشاء بعضها دون بعض، فعنده لا يحب بعض المخلوقات دون بعض. والجهمية الجبرية والقدرية المعتزلة ومن وافقهم مشتركون في أنه ليس بين المأمور والمحظور فرق يعود إلى الرب ﵎، والقائلون بالجمع من غير فرق يشاركون هؤلاء، ورأوا أنه لا فرق بالنسبة إلى الرب؛ ولكن الفرق يعود إلى العبد من حيث إن أحد العملين يقتضي حصول لذة له، والآخر يقتضي حصول ألمٍ له، وهذا من حظوظ العباد. ثم قال غلاة هؤلاء: وهذا الفرق من العبد نقص؛ لأنه فرق يعود إلى نفسه؛ [فالعبد] (٢) له سعيٌ في حظ النفس، وأما الكمال فهو أن يفنى العبد بمراداته (٣) جملة ولا يبقى له حظ، وأن لا يشهد إلا ربه، وإرادة الرب عندهم هي المشيئة المتناولة لكل شيء، وهي المحبة والرضا عندهم، ولهذا قالوا: إنه حينئذٍ لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة. ومعلوم بالاضطرار من دين الرسل أن هذا ليس بمجرد ولا حال الأنبياء والأولياء؛ بل هم متفقون على استحسان ما أحبه الله واستقباح [ما] (٤) نهى الله عنه؛ والحب في الله والبغض في الله؛ وذلك أوثق عرى الإيمان (٥)، فصار العالم منهم بخلق الله وأمره وشرعه وقدره؛ الذين يفرقون بين مشيئة الله ومحبته

стр. 412

ورضاه كالجنيد ونحوه؛ يقولون بالفرق الثاني، و الذين لا يثبتون إلا المشيئة العامة لا يقولون بالفرق الثاني ، وآخرون يترددون فتارة يشهدون المشيئة العامة فقط ولا يقولون بالفرق، وتارة يثبتون محبة الله ورضاه فيقولون بالفرق الثاني، والقول بهذا الفرق لا ينافي الجمع العام، فإن مشيئة الله متناولة لكل شيء؛ وما وجد شيء محبوب ومكروه فالمشيئة متناولة له، فلهذا صار منهم من يقول: إن هذا الفرق عين من عيون الجمع، وأن أحدًا لا يخرج من الجمع الذي هو المشيئة العامة؛ فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وإنما يرى الخروج من هذا المعتزلة ونحوهم من المكذبين بالقدر، القائلين إنه يكون في ملكه ما لا يشاء، وأنه لا يقدر على هدي ضال ولا ضلال مهتدٍ ونحو ذلك، وهؤلاء ضلوا في مسألة القدر كما ضلت بها المعتزلة، [فالمعتزلة] (١) كذبوا بالقدر رعاية للأمر والنهي، وهؤلاء أبطلوا الأمر والنهي رعاية (٢) للقدر. وهؤلاء يحتجون بقصة آدم وموسى ﵈، واحتجاجهم عليه بالقدر؛ هو (٣) حجة داحضة، فإن الله -تعالى- عاتب إبليس وأهبط آدم من الجنة وأهلك قوم نوح وعاداً وثموداً وغيرهم، ولو كان القدر عذرًا لم يعاقب كافراً، وآدم ﵇ تاب من الذنب فلو كان محتجًا بالقدر لم يتب. وصار آخرون يتكلمون على حديث موسى ﵇ بتأويلات فاسدة، كقول بعضهم إن هذا الاحتجاج كان في غير دار التكليف كما ذكره هذا الضال، فيقال لهؤلاء: الاحتجاج بالقدر لا يسوغ في دار التكليف ولا غيرها (٤)، فإنه قول باطل، وقول الباطل لا يسوغ بحال، وأيضًا فموسى قد لام آدم فكيف يقع الملام في غير دار تكليف؟ [وتناظرا] (٥) وتحاجَّا ودار السلام منزهة عن الحجاج والخصام، وقال بعضهم: إنه كان أباه فما كان ينبغي له لوم أبيه، وقال: بعضهم كان تائبًا والتائب لا يلام، وقال: بعضهم كان الذنب في شريعة واللوم في أخرى، وهذا كله باطل، فإن الحديث فيه أن آدم احتج بالقدر، وقال: "لم تلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق؟ فحج آدم موسى".

стр. 413

وسبب هذا الغلط أنهم فهموا من الحديث أن آدم جعل القدر حجة للمذنب وهو غلط قبيح على من هو دون آدم وموسى فكيف عليهما؟ وهذا آدم يقول: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) [الأعراف: ٢٣]، وموسى يقول: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦]، قول: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ (٢) [الأعراف: ١٥٥]، وكيف يجوز أن يظن بمثل هذين النبيين الكريمين أنهما يجوِّزان هذا؛ وعوام الناس يعرفون أن هذا باطل، إلا من كان مصطلماً قد سلب حقيقة العقل، والذي يظن أن الله يسوي بين الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمفسدين في الأرض، وبين المتقين والفجار، وبين المسلمين والمجرمين، فإن الجمع و (٣) توحيد الربوبية يتناول هؤلاء كلهم، فإن لم يحصل مع ذلك فرق فالجمع بين أهل البر والتقوى (٤)، ويشهد القلب [إلهية] (٥) الرب التي يستحق لأجلها أن يعبد دون ما سواه وأن تطاع رسله كان مسويّاً (٦) بين هؤلاء. ولكن نكتة الحديث أن موسى لام آدم لأجل المصيبة التي لحقت الذرية من أجله، فإنه بسبب ذلك خرجوا من الجنة وصاروا في دار الشقاء، ولهذا قال: "لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة"؟ وكان لومه له لأجل المصيبة التي أصابتهم لا لمجرد الذنب من جهة حق الله، كما يقول الولد لوالده الذي أذهب ماله حتى افتقر هو وأولاده: أنت الذي أذهبت هذا المال حتى صرنا فقراء واحتجنا إلى الناس، وأنت نقلتنا إلى بلاد الغربة ونحو ذلك، فقال له آدم: هذه المصيبة كانت مكتوبة عليك مقدرة قبل أن أخلق، هي وسببها وهو الذنب، فإنه كان مكتوباً علي قبل أن أخلق بأربعين سنة (٧).

стр. 414

والعبد مأمور عند المصائب بالتسليم لله -تعالى-، كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]، قال طائفة من السلف: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلِّم (١)، لهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت [كذا] (٢) لكان كذا كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن [لو] (٣) تفتح عمل الشيطان" (٤)، وفي السنن عنه- ﷺ أنه قال: "إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس، فإن غلبك أمر فقل: حسبي الله، ونعم الوكيل" (٥) , وقد قال تعالى لنبيه: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥]، فأمره بالصبر على المصائب، والاستغفار من الخطيئات. وكان الجنيد أفقه القوم وأعلمهم بالدين فلهذا بيّن الفرق الثاني، وأمر باتباع الأمر ولزوم الشرع ورعاية العلم، بخلاف (٦) من لم يحقق هذا (٧) الفرقان؛ واختطفه قدر فإنه قد يتعدى فيه إما حالًا وإما مآلاً، مثل (٨) كثير من الشيوخ الغالطين في هذا الباب، ثم انضم إلى ذلك أنه لم يفرق بين إرادة الله

стр. 415

ومحبته ورضاه؛ بل يرى أن جميع الحوادث خيرها وشرها بالنسبة إليه سواء صادرة عن تلك الإرادة (١)، وأنه لا يحب الحسنات ولا يرضاها إلا بمعنى ينعم أهلها؛ ولا يبغض السيئات ويسخطها إلا بمعنى تعذيب أهلها، ورأى أن هذا فرق يعود إلى المخلوق لا إلى الخالق، فهذا رأى أن في كمال العبودية فناء عن إرادته؛ وأنه لا يريد إلا ما يريده الحق؛ وعنده ليس له إرادة إلا هذه، لزم من هذا أنه لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة ما دام هذا الفناء، لكن دوامه فيه ممتنع لأن العبد مجبول على حب ما يلائمه وبغض ما ينافيه، فإن لم يشهد ما [يتصف] (٢) به الرب من الحب والبغض والرضى والسخط، فيحب (٣) ما يحبه الله، ويبغض ما يبغضه (٤)، ويرضى ما يرضاه، ويسخط ما يسخطه الله، وإلا فرق باعتبار نفسه، فيحب ويبغض لمجرد ذوقه ووجده وحبه وبغضه؛ لا بحب الله وبغضه وأمره ونهيه، فإن هذه الحقيقة تخالف (٥) الشريعة، ويجعلون القيام بها لأجل [الظاهرة] (٦) والعامة، لا من حقيقة شهودها الخاصة ويسمون هذا تلبيساً؛ وهو مقام الأنبياء، وهذا من أغاليط كثير من الشيوخ، وهو في الحقيقة خروج عن ملة إبراهيم وغيره من الرسل، وبالله التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل (٧).

стр. 416

الخاتمة الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والرسل وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً. أما بعد: فلقد أمضيت فترة من الزمن في تحقيق هذا الكتاب "كتاب الاستغاثة في الرد على البكري"، للإمام العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، الذي رد به على أحد القبورية المعاصرين له. وفي نهاية هذا التحقيق لا بد من وقفة نعرض فيها لمعالم الكتاب في النقاط التالية: ١ - هذا الكتاب في بيان التوحيد؛ الذي جاءت به الرسل -عليهم الصلاة والسلام-، ونفي الشرك عن الصمد المجيد. ٢ - هو جزء من جهود شيخ الإسلام ابن تيمية العلمية والعملية في الرد على أهل البدع، والذب عن العقيدة الصحيحة، وهو أيضاً جزء من ردود علماء أهل السنة والجماعة. ٣ - يرسم لنا هذا الكتاب منهجًا علمياً لردود أهل السنة على المبتدعة، والتي تتميز بالعدل والإنصاف، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإخلاص في النصح للخصم مهما كانت خصومته، بل ومحبة الخير والتوفيق والهداية له. ٤ - ويقابل هذا المنهج منهج أهل البدعة، والذي يتميز بالكذب على المخالف، وطلب العلو في الأرض بغير الحق، وتكفير المخالف وإن كان محقاً. ٥ - التوحيد الذي جاءت به الرسل هو توحيد الإلهية، وفيه كان النزل

стр. 417

بين الرسل وأممهم، وقد أخطأ من ظن أن توحيد الربوبية يكفي للنجاة من النار ودخول الجنة. ٦ - التوحيد الذي يعرفه أهل الكلام ومن شايعهم من الصوفية وغيرهم هو توحيد الربوبية، أقرَّ به مشركو العرب في الجاهلية، وقد أدى هذا الفهم الخاطئ للتوحيد إلى وقوع كثير منهم في الشرك ووسائله. ٧ - التكفير حق لله -تعالى-، فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله، فلا يحق لأحدٍ أن يكفر من كفره. ٨ - بدع القبور والمشاهد لم تعرف في القرون الفاضلة، وقد ظهرت عند الرافضة في آخر القرن الثالث الهجري، ثم انتشرت عن طريق الطرق الصوفية، الذين نقلوا هذه البدع ودعاويها الباطلة من الرافضة وغيرهم، كما أثبت المؤلف في هذا الكتاب. ٩ - هذا الكتاب ليس رداً على شخص البكري، بل هو رد على طوائف من الغلاة، كثير عددهم واسع انتشارهم، وهم عند كثير من الناس مشايخ الإسلام وسادة الأنام، وأهل التحقيق والتوحيد. ١٠ - القبورية أو عبَّاد القبور أو المقابرية، نسبة للقبور، وهم كل طائفة جاوزت الحد في تعظيم القبور، وهم في كثير من الأمم؛ فمقل ومستكثر، وسلفهم قوم نوح ﵇. ١١ - القبورية من أخطر الطوائف على الإسلام وأهله، وقد جمعوا شرك الطوائف؛ فأشركوا في توحيد الأسماء والصفات وفي توحيد الربوبية والإلهية. وهم أشد وثنية من مشركي العرب، وأكثر خضوعاً للأموات من خالق البريات. ١٢ - خيانة القبورية للأمة الإسلامية في الشدائد والمحن، مثل موقفهم مع التتار فقد لاذوا بالقبور، بل إن منهم من عد التتار من أولياء الله، وكذلك فعل معاصروهم مع المحتلين للبلاد الإسلامية في العصر الحديث. ١٣ - تخويف القبورية لكل ناه لهم عن الشرك وآمر لهم بالتوحيد، كما فعل أسلافهم من الأمم المكذبة للرسل ﵈، وكذلك فعلوا مع المؤلف وأجلبوا عليه بخيلهم ورَجِلِهم؛ ولكن الله رد كيدهم في نحورهم وجعل الدائرة عليهم.

стр. 418

١٤ - إن القبورية يسمون عقائدهم الفاسدة بأسماء برَّاقة، فسموا الشرك بالله -تعالى- تعظيمًا للأولياء والصالحين؛ والاستغاثة بغير الله توسلاً؛ وادعاء علم الغيب مكاشفة، إلى غير ذلك من الدعاوى الباطلة. ١٥ - القبورية أعظم الناس إيذاء للنبي ﷺ بتسليط العامة عليه لطلب الحاجات منه، وحاجاتهم لا تنضبط؛ ولا حد لها. ١٦ - بدع القبورية أُخذت من فلاسفة اليونان، وممن أخذ عنهم ممن سموا بفلاسفة الإسلام وأهل الكلام، فهم (أي فلاسفة اليونان) قبورية. وكذلك من الرافضة الذين أصل دينهم تقديس الأئمة وعبادتهم، ومن أهل الأديان السابقة، كتابيِّهم ووثنيِّهم. ١٧ - الاستغاثة بالأموات من أهم عقائد القبورية عندهم، وقد يسمونها -تلبيسًا على من لم يعرف حقيقة أمرهم- استمداداً أو توسلاً أو غير ذلك، وهذه التسميات لا تعرف في لغة العرب ولم يسبقهم أحد بهذه التسميات. ١٨ - جواز الاستغاثة بالإنسان الحي الحاضر فيما يقدر عليه، لا ينازع فيه أحد، أما الاستغاثة بالأموات أو بالقبور أو بالأحياء فيما هو من خصائص الرب ﵎ فهو شرك بالله . ١٩ - تلاعب الشياطين بالقبورية، وإجابة بعض مطالبهم؛ لإضلالهم وفتنتهم؛ وما يحدث عند القبور هو من جنس ما يحدث عند الأصنام سواء بسواء. ٢٠ - اهتمام النبي ﷺ ببيان التوحيد، وحماية جنابه وسد ذرائع الشرك ووسائله، كما صحت بذلك الأخبار. ٢١ - معرفة أماكن القبور ليست من الدين الذي تكفل الله بحفظه، ولذا ثبت كذب كثير من، المشاهد التي يعظمها الجهلة، مثل مشهد رأس الحسين، وقبر نوح، وقبر أبيّ بن كعب وغيرها. ٢٢ - إجماع العلماء في عصر المؤلف على موافقته في منع الاستغاثة بغير الله وهو الثقة فيما ينقل، وللعلماء من المذاهب الأربعة جهود طيبة في الرد على هذا الشرك. ٢٣ - النهي عن الاستغاثة بالنبي ﷺ لتحقيق العموم، وأن من دونه أولى

стр. 419

بالنهي، وليس فيها تنقص له ﷺ ، بل هو من أحسن الكلام. ٢٤ - رواج الأحاديث الموضوعة والقصص المكذوبة عند القبورية والروافض وغيرهم من أهل البدع، وقد ذكر المؤلف طائفة منها. ٢٥ - لا يجوز الحلف بالنبي ﷺ ، والذي عليه الجمهور عدم انعقاد اليمين بالنبي ﷺ ، ولا يجوز الإقسام به على الله تعالى. ٢٦ - البناء على القبور وتزيينها وتطييبها حدث في دول الرافضة كدولة العبيدين والدولة البويهية، بعد القرون الثلاثة الفاضلة، وانتشرت بعد ذلك تلك البدع نتيجة الجهل بآثار الرسالة. ٢٧ - أعظم وسيلة لمعالجة ضلال القبورية هو بيان السنة للمسلمين في كل مكان وبمختلف الوسائل، وبيان كذب الأحاديث التي يعتمدون عليها، والقصص المكذوبة التي يذكرونها، وبيان حقيقة دين القبورية ومخالفتهم لأصول الإسلام. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

стр. 420

فهرس ا لمصادر والمراجع - أ - ١ - الآيات البينات في عدم سماع الأموات، تأليف نعمان الألوسي، ت. الألباني، ط. الرابعة ١٤٠٥ هـ، الناشر المكتب الإسلامي بيروت - لبنان. ٢ - أحكام الجنائز وبدعها للألباني، ط. الأولى ١٤١٢ هـ , الناشر مكتبة المعارف الرياض - السعودية. ٣ - الإحكام في أصول الأحكام للآمدي، تعليق عبد الرزاق عفيفي، ط. الثانية ١٤٠٢ هـ، الناشر المكتب الإسلامي بيروت - لبنان. ٤ - الاختيار لتعليل المختار، تأليف عبد الله الموصلي الحنفي، تعليق محمود أبو دقيقة، ط. الثالثة ١٣٩٥ هـ، الناشر دار المعرفة. ٥ - أزواج النبي ﷺ ، تأليف محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي، ت. محمد نظام الدين، ط. الأولى ١٤١٣ هـ , الناشر دار ابن كثير دمشق، بيروت. ٦ - أصول الفقه، تأليف د. محمود أبو النور زهير، ط. ١٤١٢ هـ الناشر المكتبة الأزهرية للتراث - القاهرة. ٧ - أصول مذهب الشيعة الإمامية، تأليف د. ناصر القفاري، ط. الثانية ١٤١٥ هـ. ٨ - الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية، تأليف عمر بن علي البزار، ت. زهير الشاويش، ط. الثالثة ١٤٠٠ هـ، الناشر المكتب الإسلامي بيروت - لبنان. ٩ - الأعلام، تأليف خير الدين الزركلي، ط. العاشرة ١٩٩٢ م، الناشر دار العلم للملايين بيروت - لبنان. ١٠ - أقوم ما قيل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل، لابن تيمية ضمن مجموع الفتاوى ج ٨. ١١ - آكام المرجان في عجائب وغرائب الجان، تأليف بدر الدين الشبلي، ط. الأولى ١٤٠٨ هـ، الناشر المكتبة العصرية بيروت - لبنان. ١٢ - الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع للسيوطي، ت. مصطفى عاشور، الناشر مكتبة القرآن - القاهرة. ١٣ - الأموال لأبي عبيد بن سلام، ت. محمد خليل هراس، ط. الأولى ١٤٠٦ هـ. ١٤ - أهوال القبور في أحوال أهلها إلى النشور، لابن رجب، ط. ١٣٥٧ هـ , مطبعة أم القرى مكة المكرمة.

стр. 421

١٥ - أوراق مجموعة من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية، تأليف محمد الشيباني، ط. الأولى ١٤٠٩ هـ، الناشر مكتبة ابن تيمية القاهرة. ١٦ - أول واجب على المكلف، تأليف الشيخ عبد الله الغنيمان، ط. الأولى ١٤١٠ هـ, الناشر مكتبة لينة دمنهور - مصر. ١٧ - أولياء الله بين المفهوم الصوفي والمنهج السني السلفي، تأليف عبد الرحمن دمشقية، ط. الأولى ١٤١٣ هـ, الناشر الدار العالمية للكتاب الإسلامي الرياض - السعودية. ١٨ - الأولياء لابن أبي الدنيا، ت. مجدي السيد إبراهيم، الناشر مكتبة القرآن القاهرة ومكتبة الساعي الرياض - السعودية. ١٩ - إتحاف الأذكياء بجواز التوسل بالأنبياء والأولياء، تأليف عبد الله بن محمد الحسيني، ط. الثانية ١٤٠٥ هـ. ٢٠ - الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (صحيح ابن حبان)، لعلاء الدين علي بن بلبان، ت. شعيب الأرنؤوط، ط. الأولى ١٤١٢ هـ، الناشر مؤسسة الرسالة بيروت - لبنان. ٢١ - إرشاد السالك إلى أفعال المناسك لابن فرحون المالكي، ت. محمد الهادي، ط. الثلاثية الرابعة لسنة ١٩٨٨ م، الناشر وزارة الثقافة والأعلام بتونس. ٢٢ - إقامة الحجة والدليل وإيضاح المحجة والسبيل، تأليف سليمان بن سحمان الحنبلي، ت. عبد السلام بن برجس، النشرة الأولى ١٤٠٩ هـ الناشر، دار العاصمة الرياض. ٢٣ - اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لابن تيمية، ت. د. ناصر العقل، ط. الثالثة ١٤١٣ هـ , الناشر مكتبة الرشد - الرياض. ٢٤ - الإلحادية لأبي إسلام مصطفى سلامة، ط. الأولى ١٤١٣ هـ , الناشر دار التقوى ومكتبة خالد بن الوليد عمان - الأردن. ٢٥ - الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل، تأليف علاء الدين علي بن سليمان المرداوي، ت. دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان. ٢٦ - إيثار الحق على الخلق، لابن المرتضى اليماني، ط. مكتبة ابن تيمية القاهرة، ومكتبة العلم جدة. ٢٧ - الابتهاج بأذكار المسافر والحاج للسخاوي، ت. رضوان محمد رضوان، ط. الأولى ١٣٧١ هـ , الناشر دار الكتاب - مصر. ٢٨ - ابن تيمية السلفي، تأليف محمد خليل هراس، ط. الأولى ١٤٠٤ هـ, الناشر دار الكتب العلمية بيروت - لبنان. ٢٩ - ابن سبعين وفلسفته الصوفية، تأليف د. أبو الوفا الغنيمي التفتازانى، ط. الأولى ١٩٧٣ م، الناشر دار الكتاب اللبناني بيروت - لبنان. ٣٠ - إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي، ط. ١٣٥٦ هـ, لجنة نشر الثقافة الإسلامية وبذيله تخريج الإحياء.

стр. 422

٣١ - إخوان الصفا تأليف عمر الدسوقي، ط. الثالثة، الناشر دار النهضة القاهرة - مصر. ٣٢ - الأدب المفرد، تأليف محمد بن إسماعيل البخاري، ترتيب كمال يوسف الحوت، ط. الثانية ١٤٠٥ هـ , الناشر عالم الكتب بيروت - لبنان. ٣٣ - الأذكار، تأليف محيي الدين يحيى بن شرف النووي، ت. عبد القادر الأرنؤوط، ط. الثانية ١٤٠٩ هـ، الناشر دار الهدى الرياض. ٣٤ - الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، لأبي المعالي الجويني، ت. أسعد تميم، ط. الأولى ١٤٠٥ هـ , الناشر مؤسسة الكتب الثقافية بيروت - لبنان. ٣٥ - الأسنة الحداد في رد شبهات علوي الحداد، تأليف الشيخ سليمان بن سحمان، ط. الثانية ١٣٧٦ هـ بأمر الملك سعود ﵀. ٣٦ - الاستذكار لابن عبد البر، ت. علي ناصف النجدي، ط. إحياء التراث الإسلامي الجمهورية العربية المتحدة. ٣٧ - الاستقامة لابن تيمية، ت. د. محمد رشاد سالم، ط. الثانية ١٤٠٩ هـ الناشر مكتبة السنة القاهرة - مصر. ٣٨ - الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة، تأليف نور الدين علي بن محمد بن سلطان المشهور ملا علي القاري، ت. د. محمد لطفي الصباغ، ط. الثانية ١٤٠٦ هـ , الناشر المكتب الإسلامي بيروت. ٣٩ - أسماء الله وصفاته في معتقد أهل السنة والجماعة، تأليف د. عمر بن سليمان الأشقر، ط. الثانية ١٤١٤ هـ , الناشر دار النفائس عمان الأردن. ٤٠ - الأسماء والصفات لأبي بكر البيهقي، ت. عماد الدين أحمد حيدر، ط. الأولى ١٤١٥ هـ دار الكتاب العربي بيروت - لبنان. ٤١ - أسماء ومؤلفات ابن تيمية، تأليف ابن القيم، ت. د. صلاح المنجد، ط. الثالثة ١٩٧٦ م. ٤٢ - الإصابة في تمييز الصحابة، تأليف أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ت. علي محمد البجاوي، مطبعة نهضة مصر الفجالة القاهرة. ٤٣ - اصطلاحات الصوفية، تأليف كمال الدين عبد الرزاق الكاشي السمرقندي، ط. سلسلة إشاعة العلو - القاهرة. ٤٤ - إصلاح المساجد من البدع والعوائد، تأليف محمد بن جمال الدين القاسمي تخريج وتعليق الألباني، ط. الرابعة ١٤٠٣ هـ, الناشر المكتب الإسلامي بيروت. ٤٥ - إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان، تأليف الإمام محمد بن أبي بكر الشهير بابن قيم الجوزية، ت. محمد عفيفي، ط. الثانية ١٤٠٩ هـ, الناشر المكتب الإسلامي بيروت - لبنان، ومكتبة الخاني الرياض - السعودية. ٤٦ - الإغاثة بأدلة الاستغاثة بالنبي ﷺ ، تأليف حسن علي السقاف، ط. الأولى ١٤١٠ هـ، الناشر مكتبة الإمام النووي عمان - الأردن. ٤٧ - الإيضاح في المناسك للنووي، ط. الثانية ١٤٠٦ هـ.

стр. 423

- ب - ٤٨ - الباعث على إنكار البدع والحوادث لأبي شامة، ت . عادل عبد المنعم الناشر مكتبة الساعي - الرياض. ٤٩ - بدائع الفوائد لابن القيم، ت. بشير عيون، ط. الأولى ١٤١٥ هـ , الناشر مكتبة المؤيد الرياض - السعودية. ٥٠ - بداية المجتهد ونهاية المقتصد، تأليف محمد بن رشد القرطبي الشهير بابن رشد (الحفيد)، ط. مكتبة الرياض الحديثة الرياض - السعودية. ٥١ - البداية والنهاية، تأليف إسماعيل بن كثير، ت. أحمد فتيح، ط. الأولى ١٤١٣ هـ الناشر دار الحديث القاهرة - مصر. ٥٢ - البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، تأليف محمد بن علي الشوكاني، ط. الأولى ١٣٤٨ هـ , الناشر مطبعة السعادة - مصر. ٥٣ - البدع والنهي عنها لابن وضاح، ط. الثانية ١٤٠٢ هـ، الناشر دار الرائد العربي بيروت - لبنان. ٥٤ - بيت الصديق، تأليف محمد بن توفيق البكري، ط. ١٣٢٣ هـ، الناشر مكتبة المؤيد - القاهرة. - ت - ٥٥ - تأويل مختلف الحديث لأبي محمد عبد الله مسلم بن قتيبة، ت. محمد محيي الدين الأصفر، ط. الأولى ١٤٠٩ هـ، الناشر المكتب الإسلامي بيروت ودار الإشراق بيروت - لبنان. ٥٦ - تاريخ الأمم والملوك (تاريخ الطبري)، تأليف محمد بن جرير الطبري، ط. الثالثة ١٤١١ هـ , الناشر دار الكتب العلمية بيروت - لبنان. ٥٧ - تاريخ الجهمية والمعتزلة، تأليف جمال الدين القاسمي، ط. الثالثة ١٤٠٥ هـ الناشر مؤسسة الرسالة بيروت - لبنان. ٥٨ - تاريخ الخلفاء، تأليف جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، ت. محمد محيي الدين عبد الحميد، ط. الأولى ١٣٨٣ هـ , الناشر مطبعة المدني القاهرة. ٥٩ - تاريخ الفلسفة اليونانية، تأليف يوسف كرم، ط. دار القلم بيروت - لبنان. ٦٠ - تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، ط. الأولى ١٤٠٩ هـ , الناشر مكتبة الخانجي القاهرة والمكتبة العربية بغداد. ٦١ - تاريخ فلاسفة الإسلام في المشرق والمغرب، تأليف محمد لطفي جمعة، الناشر المكتبة العلمية. ٦٢ - تاريخ مدينة دمشق، تأليف ابن عساكر، ت. د. شكري فيصل، سكينة الشهابي، ومطاع الطرابيشي، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق. ٦٣ - التعريفات، تأليف علي الجرجاني، ط. الثالثة ١٤٠٨ هـ, الناشر دار الكتب العلمية بيروت - لبنان.

стр. 424

٦٤ - تحفة الأحوذي للمباركفوري تصحيح عبد الرحمن محمد عثمان، ط. الثانية ١٣٨٤ هـ مطبعة الجفالة الجديدة - مصر. ٦٥ - تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف، تأليف جمال الدين أبي الحجاج يوسف المزي، صححه وعلق عليه عبد الصمد شرف الدين، ط. الأولى ١٤٠٣ هـ الدار القيمة بومباي - الهند مع النكت الظراف على الأطراف لابن حجر. ٦٦ - تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيس، تأليف عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ ت. عبد السلام بن برجس، ط. الأولى ١٤٠٨ هـ الناشر دار العاصمة الرياض - السعودية. ٦٧ - التحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية للشيخ فالح آل مهدي تصحيح د. عبد الرحمن المحمود، ط. الأولى ١٤١٤ هـ، الناشر دار الوطن الرياض - السعودية. ٦٨ - تخريج أحاديث منتقدة في كتاب التوحيد، تأليف فريح البهلال، ط. الأولى ١٤١٥ هـ , الناشر دار الأثر الرياض - السعودية. ٦٩ - تذكرة الموضوعات، تأليف محمد طاهر بن علي الهندي ١٣٩٩ هـ , ط. الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت - لبنان وفي ذيلها قانون الموضوعات الضعفاء. ٧٠ - التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة للقرطبي، ت. د. السيد الجميلي، الناشر دار ابن زيدون بيروت - لبنان، ومكتبة مدبولي القاهرة - مصر. ٧١ - ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك للقاضي عياض ت. أحمد بكير، ط. دار مكتبة الحياة بيروت - لبنان. - طبعة أخرى: ت. سعيد إعراب، ط. الأولى، مطبعة فضالة المحمدية بالمغرب. ٧٢ - الترغيب والترهيب للمنذري، ضبط وتعليق مصطفى عمارة، ط. ١٤٠١ هـ، الناشر دار الفكر بيروت - لبنان. ٧٣ - التصوف المنشأ والمصادر، تأليف إحسان إلهي ظهير، ط. الأولى ١٤٠٦ هـ , الناشر إدارة ترجمان السنة لاهور - باكستان. ٧٤ - التعرف لمذهب أهل التصوف، تأليف محمد بن إسحاق الكلاباذي، ضبط وتخريج أحمد شمس الدين، ط. الأولى ١٤١٣ هـ , الناشر دار الكتب العلمية بيروت - لبنان. ٧٥ - تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس لابن حجر العسقلاني، ت. د. أحمد المباركي، ط. الثانية ١٤١٤ هـ. ٧٦ - تغليق التعليق على صحيح البخاري، تأليف أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ت. سعيد عبد الرحمن موسى القزفي، ط. الأولى ١٤٠٥ هـ الناشر المكتب الإسلامي بيروت - دمشق، ودار عمار عمان - الأردن. ٧٧ - تفسير الفخر الرازي المشتهر بـ "التفسير الكبير ومفاتيح الغيب"، تأليف فخر الدين محمد بن عمر الرازي، ط. ١٤١٠ هـ , الناشر دار الفكر - بيروت. ٧٨ - تفسير القرآن العظيم، تأليف ابن كثير، ط ١٤٠٣ هـ، الناشر دار المعرفة بيروت - لبنان.

стр. 425

٧٩ - تقريب التهذيب، تأليف ابن ح ج ر العسقلاني، ت. مصطفى عبد القادر عطا، ط. الأولى ١٤١٣ هـ، الناشر دار الكتب العلمية بيروت - لبنان. ٨٠ - تقريب الوصول إلى علم الأصول لأبي القاسم محمد الغرناطي، ت. د. محمد المختار الشنقيطي، ط. الأولى ١٤١٤ هـ , الناشر مكتبة ابن تيمية القاهرة، ومكتبة العلم جدة. ٨١ - التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح، لزين الدين العراقي، ت. عبد الرحمن محمد عثمان، ط. الأولى ١٣٨٩ هـ , الناشر المكتبة السلفية المدينة المنورة - السعودية. ٨٢ - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر، ت. عبد الله صديق. ٨٣ - تنبيه النبيه والغبي في الرد على المدارسي والحلبى، تأليف أحمد بن عيسى، ط. الأولى ١٤١٣ هـ , الناشر مكتبة لينه دمنهور - مصر. ٨٤ - التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، تأليف الملطي ت. يمان المياديني، ط. الأولى ١٤١٤ هـ , الناشر رمادي الدمام - السعودية. ٨٥ - تهافت الفلاسفة للغزالي، ت. د. سليمان دنيا، ط. السادسة، الناشر دار المعارف القاهرة - مصر. ٨٦ - التوحيد وإثبات صفات الرب لابن خزيمة، ت. د. عبد العزيز الشهوان، ط. الثالثة ١٤١٤ هـ , الناشر مكتبة الرشد الرياض - السعودية. ٨٧ - التوحيد ومعرفة أسماء الله وصفاته على الاتفاق والتفرد لابن منده، ت. د. علي الفقيهي، ط. الثانية ١٤١٤ هـ , الناشر مكتبة الغرباء الأثرية المدينة المنورة - السعودية. ٨٨ - التوسل أنواعه وأحكامه للألباني، تنسيق محمد عيد العباسي، ط. الخامسة ١٤٠٦ هـ، الناشر المكتب الإسلامي بيروت - لبنان. ٨٩ - التوصل إلى حقيقة التوسل المشروع والممنوع، تأليف محمد نسيب الرفاعي، ط. الثالثة ١٣٩٩ هـ. ٩٠ - التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق وتذكرة أولي الألباب في طريقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، تأليف سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، ط. الأولى ١٤٠٤ هـ , الناشر دار طيبة الرياض - السعودبة. - ج - ٩١ - جامع البيان في تأويل القرآن (تفسير الطبري)، تأليف محمد بن جرير الطبري، ط. الأولى ١٤١٢ هـ، الناشر دار الكتب العلمية بيروت - لبنان. ٩٢ - جامع الترمذي، تأليف محمد بن عيسى الترمذي، عناية د. بدر الدين جنتن آر، ط. الثانية ١٤١٣ هـ الناشر دار سحنون - تونس. ٩٣ - جامع العلوم والحكم، تأليف ابن رجب، ت. شعيب الأرنؤوط وإبراهيم باجس، ط. الثالثة ١٤١٢ هـ، الناشر مؤسسة الرسالة بيروت - لبنان.
следующие страницы →