← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 18328

الاستغاثة في الرد على البكري

ابن تيمية

Полный текст (444 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

قال رجلٌ للنبي ﷺ : "ما شاء الله وشئت"، قال (١): "أجعلتني لله نداً!! بل ما شاء الله وحده"، وقال: "لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد" (٢)، يقال: "من حلف بغير الله فقد أشرك". الثالث: أن سوء العبارة ما حصل به سوء (المعبر عنه) (٣)، من جعل الرسول يطلب منه الناس ما يطلبونه من الله، فقد آذى الرسول وأساء في حقه، وسلط عليه العامة على اختلاف أغراضهم، هذا يطلب منه إنزال المطر، وهذا يطلب منه غفران الذنوب، وهذا يطلب منه النصر على الأعداء، وهذا يطلب من أن يتزوج، وهذا يطلب منه الولد، وهذا يطلب منه المعيشة، وهذا يطلب منه الملك، وهذا يطلب منه الولاية، (وهذا يطلب منه داراً) (٤)، وهذا يطلب منه جارية حسناء، وهذا يطلب منه (٥) قضاء دينه، وهذا يطلب منه [سكباجاً] (٦)، وهذا يشتكي إليه ظهور البدع، وهذا يشتكي إليه ما يظن أنه من البدع. فنزّلوا المخلوق منزلة الإله، وطلبوا منه جلب المنافع ودفع المضار ما لا يقدر عليه إلا الله ﵎، وقد كان النبي ﷺ يقول: "من لا

стр. 352

يسألنا أحب إلينا ممن سألنا"، وكانوا يسألونه ما يقدر عليه؛ فكيف إذا طلبوا منه ما لا يقدر عليه مخلوق؟! وفي الجملة فمطالب الناس لا تنضبط في خيرها وشرها وقلَّتها وكثرتها، فمن سلط الناس على الرسول يطلبون هذا كله منه فهو من أعظم الناس إساءة إليه، وإن كان لا يقصد ذلك لكن عبارته أفهمته؛ فهي من [أسوأ] (١) العبارات. الرابع: إن الكلام إذا كان في سياق توحيد الرب ونفي خصائصه عما سواه؛ لم يجز أن يقال هذا سوء عبارة في حق من دون الله من الأنبياء والملائكة، فإن المقام أجلّ من ذلك، وكل ما سوى الله يتلاشى عند تجريد توحيده، والنبي (٢) ﷺ كان من أعظم الناس تقريراً لما يقال [على هذا] (٣) الوجه، وإن كان نفسه المسلوب، وهذا كما في الصحيحين من حديث الإفك لما نزلت براءة عائشة من السماء وأخبرها النبي ﷺ بذلك، فقالت لها أمها: قومي إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: "والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا إياكما، لقد سمعتم فلا أنكرتم ولا غيرتم، ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي" (٤)، وفي رواية قالت: "نحمد الله لا نحمد أحداً"، وفي رواية: "نحمد الله لا نحمدك" (٥)، فأقرها النبي ﷺ ، وأبوها على مثل هذا الكلام، الذي نفت فيه

стр. 353

أن يحمد رسول الله ﷺ وأن يحمد أحد إلا الله، لأن الله -تعالى- هو الذي أنزل براءتها بغير فعل أحد، ولم يقل أحد هذا سوء أدب عليه، وسوء الأدب عليه كفر. قال البيهقي: ثنا (١) أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت علي بن [حمشاذ العدل] (٢)، سمعت أحمد بن مسلمة (٣) يقول: سمعت محمد بن مسلم [بن واره] (٤) يقول: سمعت حبان (٥) صاحب ابن المبارك يقول: قلت لعبد الله بن لمبارك: قول عائشة للنبي ﷺ حين نزلت براءتها من السماء: (بحمد الله لا بحمدك) (٦) إني لأستعظم هذا القول؟ فقال عبد الله: "ولت الحمد أهله" (٧). وكذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده، حدثنا محمد بن مصعب، ثنا (٨) سلام بن مسكين والمبارك عن الحسن عن الأسود بن سريع أن النبي ﷺ أتي بأسير، فقال: اللهم إني (٩) أتوب إليك ولا أتوب إلي محمد،

стр. 354

فقال النبي ﷺ : "عرف الحق لأهله" (١)، [و] (٢) رواه أبو عبيد في كتاب الأموال عن عبد الرحمن بن مهدي عن سلام. وكان النبي ﷺ يُعلم أصحابه تجريد التوحيد (٣)، فقال: "لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد"، وقال له رجل: ما شاء الله وشئت فقال: "أجعلتني لله ندّاً، بل (٤) ما شاء الله وحده"، وما أحدثه الله بغير فعل منه أضافه إلى الله وحده، كما في الصحيحين لما تاب الله على الثلاثة الذين خلفوا وآذن النبي ﷺ الناس بتوبتهم، فجاء كعب إليه فقال: "يا كعب أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك"، فقال: يا رسول الله أمن عند الله أم من عندك؟ قال: "بل من عند الله" (٥)، ومعلوم أنه لو كان من عند النبي ﷺ لكان من عند الله، بمعنى أن الله خلقه وأحدثه

стр. 355

بتوسط فعل النبي ﷺ ، فجميع الحادثات من عنده بهذا الاعتبار، ولكن المقصود أن النبي ﷺ لم يصدر منه فعل في هذه التوبة، إلا أنه بلغ (١) رسالة الله -تعالى- بالتوبة، كما قال في مثل ذلك: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾ [يونس: ١٥]. وما يتكلم به الإنسان من تلقاء نفسه وإن كان الله خالقه؛ هو من عند الله باعتبار خلقه وتقديره، فليس هذا المعنى هو ذاك، فإنه هناك مبلِّغ لكلام مرسله والله يجعله مبلغاً له لا يجعله قائلاً من تلقاء نفسه، ولهذا توعد الله من جعل القرآن قول البشر، بقوله: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٦]، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢)﴾ [الحاقة: ٤٠ - ٤٢]، فجعله قول رسول من البشر، كما جعله قول رسول من الملائكة؛ في قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ ١٩ - ٢١]، [لأن] (٢) لفظ الرسول يستلزم المرسل ويدل على أنه مبلغ له عن مرسله لا يتكلم به من تلقاء نفسه، بخلاف من جعله قولاً لمخلوق بشر (٣) أو ملك أو جني، أو جعل شيئاً منه قوله، فإن هذا هو الذي توعده الله . وأيما أبلغ قول عائشة ﵂: "لا أحمد الرسول ولا أحمد إلا الله"، وقول الأسير: "أتوب إلى الله لا إلى محمد"، وقول القائل: لا يستغاث بالرسول بل بالله، أو لا يدعى الرسول وإنما يدعى الله ونحو ذلك؟!! وهو ﷺ قد بلغ براءتها وكان يحبها ويحب براءتها، وقد خطب الناس قبل ذلك وقال: "من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا

стр. 356

خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً" (١)، لكن لما لم يجزم ببراءتها، ولم يلطف بها اللطف الذي كان يلطف بها قبل ذلك، لما حصل عنده من الريب، بل كان إذا دخل يقول: "كيف تيكم"؟، ولما خطب قال: "يا عائشة إن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفر [ي] (٢) الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب؛ تاب الله عليه" (٣)، قالت: "أنتم ما برأتموني إنما برأني الله فهو الذي يستحق أن أحمده" (٤). وقد تنازع الناس (٥) في النبي ﷺ هل كان يعلم براءة عائشة ﵂ قبل نزول الوحي؟ (٦)، مع اتفاقهم على أنه لم يجزم بالريبة، فمن الناس قال: يعلم

стр. 357

براءتها وكذلك علي؛ ولكن لخوض الناس فيها ورميها بالإفك توقف، قالوا: وذلك أن نساء الأنبياء ليس فيهن بغيّ، كما قال طائفة من السلف: "ما بغت امرأة نبي قط" (١)، لأن في ذلك من العار بالأنبياء ما يجب نفيه، وقال آخرون: بل كان النبي ﷺ حصل له نوع شك وترجحت عندة براءتها؛ ولما نزل الوحي حصل اليقين، قالوا: والدليل على ذلك أنه استشار في طلاقها [عليًّا] (٢) وأسامة، فأسامة قال: "أهلك يا رسول الله ولا نعلم إلا خيراً"، وقال علي: "لا يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك"، فسأل النبي ﷺ بريرة فقال (٣): "ما علمت على عائشة أو ما رأيت؟ "فقالت: ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر، غير أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها حتى تأتي الداجن (٤) فتأكله" (٥).

стр. 358

فسؤاله ﷺ لبريرة واستشارته لعلي وأسامة دليل على حصول الشك فيها، وهو لما خطب ما جزمِ بالبراءة فقال فيما قال: "والله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي"، ولو كان جازماً بالبراءة لقال: إنهم كذبوا على أهلي وافتروا، وإن أهلي لبريئة مما قيل ونحو ذلك، ونفي العلم ليس علماً بالعدم، لكن هذه العبارة تصلح لدفع المتكلم ونهيه وذمه على قبول القول، كما قال تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥)﴾ [النور: ١٥]. والعدل الذي عُرفت عدالته إذا (١) لم يعلم فيه من له به خبرة ما ظنه (٢) إلا الخير كان عدلاً عنده، فإذا جرحه جارح لم يعلم صدقه بل ترجح عنده كذبه لم يقدح في عدالته ولم يوجب الجزم ببراءته، قال صاحب هذا القول ولولا نزول براءتها من السماء لدام الشك في أمرها، وإن كان لم يثبت شيء، ففرق بين عدم الثبوت مع حد القاذف وبين البراءة المنزلة من السماء من الله ، ولهذا ذكر غير واحد من العلماء: اتفاق الناس على أن من قذفها بما برأها الله منه فقد كفر (٣)؛ لأنه مكذب للقرآن، وأصحاب هذا القول يقولون: النبي ﷺ تردد هل يطلقها أم لا؟ لما حصل الشك؛ لكون امرأة النبي لا تكون بغيًّا، وكان عزمه أن يطلقها -والعياذ بالله- لو كان ما ذكر صحيحاً؛ لكن تأنّى وانتظر أمر الله؛ حتى بيّن الله له الحق، ومن قال هذا يقول: المحفوظات هن اللواتي يبقين عند النبي ولا يطلقهن، وقد يقال (بل كل) (٤) من تزوجها النبي ﷺ

стр. 359

[محفوظة] (١) وإن طلقها. وقد تنازع الناس فيمن تزوجها النبي ﷺ وطلقها أو مات عنها قبل الدخول هل تكون من أمهات المؤمنين؟ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره (٢)، قيل إنها تكون أمًّا؛ فإن حرمة الأمومة ثبتت بالعقد كما ثبت في أمهات الناس، وقيل: لا تكون من أمهات المؤمنين والصحيح الفرق بين من طلقها ومن مات عنها، فمن مات عنها فهي من أمهات المؤمنين ومن أزواجه في الآخرة، بخلاف من طلقها فإنها تباح لغيره أن يتزوجها، ولولا هذا لم يحصل لهن بالتخيير (فائدة، وقد قال تعالى في آية التخيير) (٣): ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ

стр. 360

وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨]، وقد تزوج عكرمة بن أبي جهل امرأة كان طلقها رسول الله ﷺ وأقره الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- على ذلك (١). الخامس: أن يقال ما حد سوء العبارة التي تكون كفراً؟ فإن هذا كلام مجمل لم يحصل (٢) قائله مراده به، فإن أراد أن كل صفة هي ثابتة في نفس الرسول له (٣) إذا نفاها [عنه] (٤) إنسان باجتهاده يكون مسيئاً في العبارة؛ لزم أن كل من أثبت له صفة يكفر من نفاها، فالقائلون بالعصمة يكفرون نفاتها وإن كانوا جمهور الأمة، كذلك من أوجب له حقاً كالصلاة عليه في الصلاة يكفر من نفى هذا الحق وإن كانوا جمهور الأمة. السادس: أن يقال لا نسلم أن المقصود [إذا] (٥) صح يكفر المعبر بعبارة يقال إنها سيئة، وهذا قول لم يقله أحد من أئمة المسلمين (٦)، بل

стр. 361

هم مجمعون على نقيضه، وأن المسلم إذا عني معني صحيحاً في حق الله أو الرسول ولم يكن خبيراً بدلالة الألفاظ؛ (فأطلق لفظاً) (١) يظنه دالاً على ذلك المعنى وكان دالاً على غيره، أنه لا يكفر، ومن كفر مثل هذا كان أحق بالكفر؛ فإنه مخالف للكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وقد قال تعالى: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]، وهذه العبارة كانت مما يقصد به اليهود إيذاء النبي ﷺ ؛ والمسلمون لم يقصدوا ذلك فنهاهم الله عنها ولم يكفرهم بها، والمطلق لمثل هذا علي الله لا يكفر، فكيف علي الرسول!!. وقوله: (إن كلام الإمام (٢) أو غيره دل علي [أن] (٣) ذلك ممنوع)، فإن إمام الحرمين أجل من أن يقصد مثل هذا، وإن سُلم أنه قال ذلك؛ ولا ينفع هذا المحتج تسليم ذلك له، فالكلام مع من قال هذا لو كان مجتهداً؛ دع إذا كان القائل ممن ليس له وجه في مذهبه، ولا يجوز لأحد أن يقلده ولا يفتي بقوله فيما هو دون هذه المسألة، فكيف بمثل (٤) هذه المسألة المتعلقة بالتكفير والدماء (٥)، وجهل مثل هذا المفتي بالشرع وأدلته [يوقعه] (٦) فيما لم يقله أحد من علماء المسلمين، ولهذا يقع في فتاويه من العجائب ما لا يقوله أحد، فإنه يحب أن يفتي بمجرد رأيه ونظره مع قلة علمه لمسالك الأحكام ومدارك الحلال والحرام وأقوال أئمة الإسلام. وأما قوله: (أترى (٧) إلزام الله للصحابة بتحسين الخطاب معه وإيراده بكيفية الأدب حيث قال لهم: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]،

стр. 362

وقال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤]). فيقال له: هذه الآيات كلها حجة عليك، فإن الذين رفعوا أصواتهم فوق صوته نهوا عن ذلك وحرم ذلك عليهم، فكان ذلك سوء أدب ولم يكفروا بإجماع المسلمين، بل كانوا معذورين فيما فعلوا قبل النهي، فمن أطلق عبارة لها معنى صحيح ولم يعلم (١) أنها مكروهة كيف يكفر!! وهذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر كما ثبت ذلك في الصحيح (٢)، ومن كفرهما فهو أحق بالكفر. وقد ثبت في الصحيح أن ثابت بن قيس بن شماس -وكان يرفع صوته- خاف لما نزلت هذه الآية أن يكون من أهل النار، فبشره النبي ﷺ بالجنة (٣)، وهو أحد المشهود لهم بالجنة كما شهد بها للعشرة وغيرهم، وكذلك دعاؤه باسمه لم يقل أحد من المسلمين: إنه كان كفراً ممن دعاه، وكذلك الذين نادوه من وراء الحجرات كانوا من جفاة الأعراب وقالوا: يا محمد أخرج إلينا فسموه باسمه، وإنما وصفهم الله بأن أكثرهم لا يعقلون لم يقل إنهم مرتدون. وأما قوله: (فقد نبه في الأول على حبط العمل بسوء الأدب، ولا يحبط العمل كله إلا بالكفر بإجماع أهل السنة). فيقال: بل الآية دلت على نقيض هذا فإنه قال: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ

стр. 363

لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]، أي خشية أن تحبط أعمالكم، فدلت علي أن العمل لم يحبط بما تقدم من سوء الأدب؛ ولكن يخاف إذا رفعوا أصواتهم أن يجرهم ذلك إلى كفر يحبط العمل وهم لا يشعرون، فالمحبط ما يخاف حصوله لا ما وقع منهم، وهذا كما يقال المعاصي بريد الكفر، فإن رفع الصوت عليه والجهر له كجهر بعضكم لبعض قد يفضي بصاحبه إلي الاستعلاء عليه ونحو ذلك مما هو كفر. ثم يقال: ما نحن فيه ليس من هذا الباب، فإن الرافع قد فعل ما يعلم أنه مذموم في حق الرسول، فإن رفع الإنسان صوته علي غيره يعلم كل أحد أنه قلة احترام له، وليس أنه كمن تكلم بعبارة لا يعلم بها بأساً؛ قصد بها معنًى صحيحاً، ألا ترى أن الصحابة لما كانوا يقولون راعنا؛ وهذه الكلمة قد يقصد بها معنًى فاسداً (١)، وهم لا [يقصدون] (٢) ذلك لكن كان ذريعة لغيرهم نهوا (٣) عنها، ولم يقل: إنكم كفرتم، ولا قيل فيها: أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون؛ بل فرق الله -تعالى- بين قولهم راعنا وبين رفع الصوت عليه، وسوء العبارة مع صحة القصد من باب قولهم: راعنا، وهذه الآية حجة علي بطلان ما فهمه من كلام الإمام وغيره. ومن الحكايات [المعروفة] (٤) عن الشافعي أن ربيع (٥) قال له في مرضه: يا أبا عبد الله قوى الله ضعفك، فقال: يا أبا محمد لو قوي ضعفي لهلكت، فقال له الربيع: لم أقصد إلا خيراً، فقال: لو شتمتني صريحاً لعلمت أنك لم تقصد إلا الخير، فقال الربيع: كيف أقول؟ قال: قل: برأ الله ضعفك، فإن الشافعي نظر إلى حقيقة اللفظ وهو نفس الضعف، والربيع قصد

стр. 364

أن يسمي [الضعيف] (١) ضعفاً كما يسمى العادل عدلاً، ثم [لما] (٢) علم الشافعي بحسن قصده أوجب أن يقول: لو سببتني صريحاً -أي صريحاً في اللغة- لعلمت أنك لم تقصد إلا خيراً (٣)، فقدم عليه علمه بحسن قصده ولم يجعل سوء العبارة منقصاً، وقد يسبق اللسان بغير ما قصد القلب، كما يقول الداعي من الفرح: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك" (٤)؛ ولم يؤاخذه الله. فصل وأما قوله: (وجعل الاستخفاف به كفراً كما قال الله ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦]، ولا أعلم خلافاً بين النقلة أن الذين نزلت فيهم هذه الآية بسبب كلامهم و (٥) لم يكونوا تعرضوا لله بعبارتهم؛ وإنما تنقصوا رسوله، فجعل استخفافهم برسوله استهزاء به سبحانه وبآياته وكفى بذلك [كفراً] (٦)، ثم ذكر ما نقله من الكتاب الذي صنفته المسمى: "بالصارم المسلول على شاتم الرسول"). فيقال: لا ريب أن الاستخفاف بالنبي ﷺ كفر، والاحتجاج بهذه الآية يدل على أن الاستهزاء بالله كفر؛ وبآيات الله كفر، وبرسوله كفر، من جهة أن الاستهزاء كفر وحده بالضرورة، فلم يكن ذكر الاستهزاء بآياته وبرسوله [شرطاً] (٧) [في ذلك] (٨)، فعلم أن الاستهزاء بالرسول أيضاً كفر وإلا لم يكن في ذكره فائدة،

стр. 365

وكذلك الاستهزاء بالآيات، وأيضاً فإن الاستهزاء بهذه الأمور متلازم، فإن من استهزأ بآيات الله التي جاء بها الرسول فهو مستهزئ بالرسول ضرورة، ومن استهزأ بالرسول فهو مستهزئ برسالته حقيقة، ومن استهزأ بآيات الله ورسوله فهو مستهزئ به (١)، ومن استهزأ بالله فإنه مستهزئ بآياته ورسوله بطريق الأولي، وأما الذين نزلت فيهم هذه الآية فقد [نزلت في المنافقين في غزوة تبوك] (٢). لكن هؤلاء الضالون أولى بالدخول في الاستهزاء بالله وبآياته ورسوله من منازعيهم، فإن كانت الآية تتناول المتأولين من أهل القبلة كانوا أحق بالدخول، وإن لم تتناول المتأولين كان منازعوهم أحق بالخروج منها لو كانوا مخطئين، وأما [مع] (٣) كونهم مصيبين فلا وجه لتناول الآية لهم، وذلك أن هؤلاء الضالون مستخفون بتوحيد الله، يعظمون دعاء غيره من الأموات (٤)، وإذا أمروا بالتوحيد ونهوا عن الشرك استخفوا به، كما أخبر تعالى عن المشركين بقوله ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢)﴾ [الفرقان: ٤١ - ٤٢]، فاستهزءوا بالرسول لما نهاهم عن الشرك، وقال تعالى عن المشركين: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ [الصافات: ٣٥، ٣٦] قال (٥) تعالى: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾ [الصافات: ٣٧]، وقال تعالى عن المشركين: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾ [ص: ٤ - ٧]، وقالت عاد لهود ﵇: ﴿يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ

стр. 366

آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٣ - ٥٦]. وما زال المشركون يسوؤون (١) الأنبياء (٢) ويصفونهم بالسفاهة والضلال والجنون إذا دعوهم إلى التوحيد؛ لما في أنفسهم من تعظيم الشرك، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٦٠) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣) (٦٢)﴾ [الأعراف: ٥٩ - ٦٢]، (وقال كذلك) (٤): ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٥) (٧١)﴾ [الأعراف: ٦٥ - ٧١]. فأعظم ما سفهوه لأجله وأنكروه هو التوحيد، وهكذا تجد من فيه شبه من هؤلاء من بعض الوجوه إذا رأى من يدعو إلى توحيد الله وإخلاص الدين له؛ وأن لا يعبد الإنسان إلا الله ولا يتوكل إلا عليه؛ استهزأ بذلك لما عنده من الشرك، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ

стр. 367

كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] فمن أحب مخلوقاً مثل ما يحب الخالق فهو مشرك. ويجب الفرق بين الحب في الله والحب مع الله ، فالأول من تمام محبة الله وتوحيده، والثاني شرك، فالأول يكون الله هو المحبوب له بذاته، ويحب ما يحبه الرب -تعالى- تبعاً لمحبته، فيحب رسوله وكتابه وعباده المؤمنين، كما في الصحيحين عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الايمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في (١) الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار" (٢)، وأما الحب مع الله فهو الذي يحب محبوباً في قلبه لذاته لا لأجل الله، كحب المشركين أندادهم. وهؤلاء الذين اتخذوا القبور أوثاناً تجدهم يستهزئون بما هو من توحيد الله وعبادته، ويعظمون ما اتخذوه من دون الله شفعاء حتي إن طوائف منهم يستخفون بحج البيت وبمن [يحج] (٣) البيت، ويرون أن زيارة أئمتهم وشيوخهم أفضل من حج البيت، وهذا موجود في الشيعة وفي المنتسبين إلي السنة، وآخرون يستخفون بالمساجد وبالصلوات الخمس فيها، ويرون أن دعاء شيخهم أفضل من هذا، وهذا موجود في الشيعة المنتسبين إلي يونس القيسني (٤)

стр. 368

حتى ينشدون (١): تعالوا نخرب الجامع ... ونجعل فيه خماره ونكسر المنبر ... ونجعل منه طنباره ونخرق المصحف ... ونجعل منه زماره وننتف لحية القاضي ... ونجعل منه أوتاره (٢) ويحلف أحدهم اليمين الغموس كاذباً؛ ولا يجترئ أن يحلف بشيخه اليمين الغموس كاذباً، ومنهم من يقول: كل رزق لا يرزقه إياه شيخه لا يريده، ومنهم من يذبح الشاة ويقول باسم سيدي، ومنهم من يقول إن شيخه أفضل من الأنبياء والمرسلين، ومنهم من يعتقد فيه الإلهية كما يعتقده النصارى في المسيح، وإذا ذكروا شيخهم (٣) عظموه وادعوا فيه الإلهية، وأنشدوا على لسانه: موسى على الطور لما خرَّ لي ناجا ... وصاحب الترب ماجيتُه حتى جا ولهم أيضاً: وأنا صرخت في العرش حتى ضج ... وأنا حملت على علي حتى هج وأنا البحار السبعة من هيبتي ترتج (٤) ويقولون: نحن غلمان الملك، ويسمون المسجد اصطبل البطالين، ويقرأون القرآن: "وما أرسلناك إلا رحمة للمدمنين"، وألوان من هذا الجنس

стр. 369

الذي فيه استهزاء بالله وآياته ورسوله، مع تعظيم شيخهم وغلوهم فيه (١)، وكذلك النصيرية والإسماعيلية ونحوهم وكثير من طوائف متعددة، [يرى] (٢) أحدهم أن استغاثته بالشيخ الميت إما عند قبره وإما عند قبر غيره أنفع له من أن يدعو الله في المسجد عند السحر، ويستهزؤون بمن يعدل عن طريقته إلى التوحيد، ومن هؤلاء من يرى أن زيارة قبر النبي ﷺ أفضل من الحج إلى الكعبة، وأن دعاء النبي والاستغاثة به أفضل من الاستغاثة بالله ودعائه. وكثير من هؤلاء يخربون المساجد ويعمرون المشاهد، فتجد المسجد الذي بُني للصلوات الخمس معطلاً مخرباً ليس له كسوة إلا من الناس؛ وكأنه خان من الخانات، والمشهد الذي بني على الميت فعليه الستور؛ وزينة الذهب والفضة والرخام، والنذور تغدوا وتروح إليه، فهل هذا إلا من استخفافهم بالله وبآياته ورسوله [وتعظيمهم] (٣) للشرك!!. فإنهم اعتقدوا أن دعاء الميت الذي بني له المشهد والاستغاثة به أنفع لهم من دعاء الله والاستغاثة به في البيت الذي بُني لله ، ففضلوا البيت الذي بُني (٤) لدعاء المخلوق على البيت الذي بُني لدعاء الخالق، وإذا كان لهذا وقف ولهذا وقف كان وقف الشرك أعظم عندهم مضاهاة لمشركي العرب الذين ذكر الله حالهم في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦)﴾ [الأنعام: ١٣٦]، كما يجعلون لله زرعاً وماشية ولآلهتهم زرعاً وماشية؛ فإذا أصيب نصيب آلهتهم أخذوا من نصيب الله فوضعوه فيه؛

стр. 370

وقالوا (١): الله غني وآلهتنا فقيرة (٢)، فيفضلون ما يجعل لغير الله على ما يجعل لله، وهكذا (٣) الوقوف والنذور التي تبذل عندهم للمشاهد أعظم (مما تبذل) (٤) عندهم للمساجد ولعمارة المساجد وللجهاد في سبيل الله. وهؤلاء إذا قصد أحدهم القبر الذي يعظمه يبكي عنده ويخضع ويدعو ويتضرع، ويحصل له من الرقة والتواضع والعبودية وحضور القلب، ما لا يحصل له مثله في الصلوات الخمس والجمعة وقيام الليل وقراءة القرآن، فهل هذا (إلا من) (٥) حال المشركين المبتدعين لا الموحدين المخلصين المتبعين لكتاب الله ورسوله!! ومثل هذا إذا سمع أحدهم سماع (٦) الأبيات يحصل له من الخضوع والخشوع والبكاء ما لا يحصل له مثله عند سماع آيات الله، فيخشع عند سماع المبتدعين المشركين ولا يخشع عند سماع المخلصين المتقين، بل إذا سمعوا آيات الله استثقلوا (٧) بها وكرهوها واستهزؤوا بها وبمن يقرؤها، مما يحصل لهم به أعظم نصيب من قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥)﴾ [التوبة: ٦٥]. وإذا سمعوا القرآن سمعوه بقلوب لاهية وألسن لاغية كأنهم صم وعمي، واذا سمعوا الأبيات حضرت قلوبهم وسكنت ألسنتهم وسكنت حركاتهم حتى لا يشرب العطشان منهم الماء (٨). ومن هؤلاء من إذا كانوا في سماعهم فأذَّن المؤذن قالوا: نحن في شيء أفضل مما دعانا إليه، ومنهم من يقول: هذا في شغله وهذا في شغله، ومنهم من يقول: كنا في الحضرة فإذا قمنا إلى الصلاة صرنا على الباب. وقد سألني بعضهم عمن قال ذلك من هؤلاء الشيوخ الضلال؟ فقلت: صدق كان في حضرة الشيطان فصار على باب الله، فإن البدع والضلالة فيها

стр. 371

من حضور الشيطان ما قد حصل في غير هذا الموضع، والذين يجعلون دعاء الموتى من الأنبياء والأئمة والشيوخ أفضل من دعائهم الله أنول متعددة: منهم من يقدم [دعاءهم] (١)، ومنهم من يحكي أنواعاً من الحكايات: حكاية أن بعض المريدين استغاث بالله فلم يغثه فاستغاث بشيخه فأغاثه، وحكاية أن بعض المأسورين في بلاد العدو دعا الله فلم يخرجه، فدعا بعض المشايخ الموتى فجاءه فأخرجه إلى بلاد الإسلام، وحكاية أن بعض الشيوخ قال لمريده: إذا كانت لك حاجة فتعال إلى قبري، وآخر قال: فتوسل بي، وآخر قال: قبر فلان الترياق المجرب، فهؤلاء وأشباههم يرجحون هذه الأدعية الشركية على أدعية المخلصين لله مضاهاة لسائر المشركين، وهؤلاء تتمثل لكثير منهم صورة شيخه الذي يدعوه فيظنه إياه أو ملكاً على صورته، وإنما هو شيطان أغواه كما قد بسط في موضعه (٢). ومنهم من إذا نزلت به شدة لا يدعو إلا شيخه، ولا يذكر إلا اسمه قد لهج به كما يلهج الصبي بذكر أمّه، فيتعسر أحدهم فيقول: يا فلان، وقد قال الله -تعالى- للموحدين ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]. ومن هؤلاء من يحلف بالله ويكذب؛ ويحلف بشيخه وإمامه فيصدق ولا يكذب، فيكون شيخه عنده أعظم في صدره من الله، وقد قال شعيب: ﴿يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [هود: ٩٢]، وقد قال تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الحشر: ١٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١٦٥]. فإذا كان دعاء الموتى مثل الأنبياء والصالحين عندهم يتضمن مثل هذا الاستهزاء بالله وآياته ورسوله فأي الفريقين أحق بالاستهزاء بالله وآياته

стр. 372

ورسوله!! من كان يأمر بدعاء الموتى والاستغاثة بهم مع ما يترتب على ذلك من الاستهزاء بالله وآياته ورسوله، أو من كان يأمر بدعاء الله وحده لا شريك له كما أمرت رسله، ويوجب طاعة الرسول ومتابعته في كل ما جاء به، وأيضاً فإن هؤلاء الموحدين من أعظم الناس إيجاباً لرعاية جانب الرسول، تصديقاً له فيما أخبر، وطاعة له فيما أمر، واعتناء بمعرفة ما بعث به، والتمييز بين ما روي عنه من الصحيح والضعيف والصدق والكذب، واتباع ذلك دون ما خالفه عملاً بقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: ٣]. وأما أولئك الضُلال أشباه المشركين النصارى فعمدتهم إما أحاديث ضعيفة أو موضوعة، أو منقولات عمن لا يحتج بقوله، إما أن يكون كذباً عليه وإما أن يكون غلطاً منه، إذ هي نقل غير مصدق عن قائل غير (١) معصوم، وإن اعتصموا بشيء مما ثبت عن الرسول حرفوا الكلم عن مواضعه وتمسكوا بمتشابهه وتركوا محكمه، كما (٢) النصارى. وكما فعل هذا الضال أخذ لفظ الاستغاثة؛ وهي تنقسم إلى الاستغاثة بالحي والميت؛ والاستغاثة بالحي تكون فيما يقدر عليه وما لا يقدر عليه؛ فجعل حكم ذلك كله واحداً، ولم يكفه حتى جعل السؤال بالشخص من مسمى الاستغاثة أيضاً، ولم يكفه ذلك [حتى] (٣) جعل الطالب منه إنما طلب من الله لا منه، فالمستغيث به مستغيث بالله، ثم جعل الاستغاثة بكل ميت من نبي وصالح جائزة، واحتج على هذه الدعوى العامة الكلية -التي أدخل فيها من الشرك والضلال ما لا يعلمه إلا ذو الجلال- بقضية خاصة جزئية، كسؤال الناس للنبي ﷺ في الدنيا والآخرة أن يدعو الله لهم؛ وتوجههم إلى الله بدعائه وشفاعته، ومعلوم أن هذا الذي جاءت به السنة حق لا ريب فيه، لكن لا يلزم من ذلك ثبوت جميع تلك الدعاوى العامة وإبطال نقيضها، إذ الدعوى الكلية لا تثبت بمثال جزئي لا سيما مع الاختلاف والتباين.

стр. 373

وهذا كمن يريد أن يثبت [حل جميع] (١) الملاهي لكل أحد؛ والتقرب بها إلي الله؛ بكون جاريتين غنتا عند عائشة ﵂ في بيت النبي ﷺ (٢) يوم عيد، مع كون وجهه كان مصروفاً إلى الحائط لا إليها (٣). أو يحتج على اسستماع كل قول بقوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨]، ولا يدري أن القول هنا هو القرآن، كما في قوله (٤): ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾ [المؤمنون: ٦٨]، (وإلا فمسلم [أنه] (٥) لا يسوغ) (٦) استماع كل قول، وقد نهى الله عن الجلوس جمع الخائضين في آياته، وخوضهم نوع من القول فقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (٧) [الأنعام: ٦٨]، وقال: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]، وقال: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [القصص: ٥٥]. فصل قال: (وقد أجمع العلماء كما حكاه من يرجع إليه، على أن كل مسلم

стр. 374

صدر عنه سب للرسول ﷺ أو تنقيصه وجب قتله، ويحكم بكفره وردته عن دين الإسلام، على ذلك دلت نصوص السنة والكتاب، وحكم جماعة من المتقدمين بأنه (١) يقتل بغير (٢) استتابة، كما نص العلماء أيضاً أن التعريض بسبه أو تنقيصه كالصريح). فيقال: هذا نقله من الكتاب الذي صنفته (٣) في شاتم الرسول (٤)، استعاره من بعض من كان عنده (٥)، ولهذا صار الناس يعدون هذا من قلة الحياء، فإن ذلك الكتاب ذكرت فيه في مسألة السب من دلائل الكتاب والسنة وأقوال العلماء و (٦) من تعظيم الرسول وتعزيره وتوقيره، واستنباط ما يتعلق بذلك من الكتاب والسنة ما يعرفه من تأمله. فصل قال: (ومن نفى عنه أن يستغاث به فقد تنقصه عن رتبته ولا ينفعه تأوله، لأن تأويله لا يخرجه عن كونه أساء الأدب على النبي ﷺ في التعبير، على أن هذا الرجل لا يثبت على التأويل وإنما يذهب إليه عند الخوف، زندقة منه على ما علمته). فيقال له: قد تقدم الجواب (٧)، وتبيّن أن الذي تنقصه هو الذي يؤذيه ويتعدى عليه، ويسلط السفهاء على أذاه ويكذب عليه ويبدل دينه الذي بعث به، لا من يأمر بما أمر الله به من تعزيره وتوقيره وتصديقه وطاعته ومحبته ورضاه وموالاته، وبما يزيده الله درجة ورفعة في الدنيا والآخرة من الصلاة والسلام عليه، وفعل التوحيد والطاعات التي يحصل (٨) له مثل أجرها، وبيّن

стр. 375

أيضاً أنه لم ينف عنه كل ما يسمي استغاثة، بل قد صرح بأنه يطلب منه كل ما يليق بمنصبه، وأنه يستشفع به ويتوسل به كما كان الصحابة -رضوان الله عليهم- يفعلون، وكما يستشفع به يوم القيامة وأن المنفي هو دعاء الميت، أو أن يطلب من المخلوق ما لا يقدر عليه إلا الخالق، وبين أيضاً أن ما ذكره هذا الرجل في مسمى لفظ الاستغاثة وإن نفي ذلك؛ يتضمن نفي كونه سبباً في حصول غوث الله؛ كلام باطل. وأما قوله: (و (١) لا ينفعه تأويله ... إلي آخره)، فإنما يصح لو فسر لفظ بما يخالف ظاهره، والمجيب قد بيّن مراده بألفاظ ناصّة (٢) لا تحتمل معنيين، فأي تأويل هنا يُحتاج إليه!! فهذا من جملة افترائه، فإن التأويل إنما يحتاج إليه إذا أطلق المطلق لفظاً له ظاهر وأرد به غير ظاهره من غير بيان، وهذا لم يقع، فإن كان بعض الناس يظهر له من اللفظ ما لم يدل عليه فالتفريط منه. وكم من عائب قولاً صحيحاً ... وآفته من الفهم السقيم (٣) وقد [بيّنا] (٤) في غير هذا الموضع (٥) أن عامة ما يورد علي ألفاظ الكتاب والسنة ويُدَّعي أن ظاهرها ممتنع، إنما أُتي من سوء فهمه، لا من قصور في بيان الله ورسوله، بل [ممن] (٦) تأول، مثل (٧) طائفة في قوله: "الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن استلمه أو صافحه فكأنما صافح الله وقبَّل يمينه" (٨)، وهذا معروف عن ابن عباس، وقد روي مرفوعاً ولم يثبت

стр. 376

بهذا (١) اللفظ، قالت طائفة إنه يحتاج إلى تأويل وليس كما قالوا، فإنه قال فيه: "يمين الله في الأرض"، فقيل: الخطاب في الأرض لم يطلق فيه، وقال في إثباته فمن استلمه فكأنما صافح الله وقبَّل يمينه، والمشبه غير المشبه به، ففي الحديث بيان أنه ليس بصفة الله، وإنما هو بمنزلة اليمين في الاستلام والتقبيل، والحديث لا يدل ولا يفهم منه غير هذا. وكذلك قوله سبحانه: "عبدي مرضت فلم تعدني، فيقول: رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلو عدته وجدتني عنده"، فهذا صريح في أن الله لا يمرض؛ وإنما مرض عبده، ولا يحتاج إلى تأويل، وأمثال ذلك. وأما قوله: (إن المجيب لا يثبت على التأويل وإنما يذهب إليه عند الخوف زندقةً منه (٢) على ما علمته).

стр. 377

فيقال له: لا ريب أن المجيب لم يذهب في كلامه إلى تأويل أحد، بل لفظه ظاهر في معناه، بل قد يكون نصاً، وقول القائل: إنه يذهب إلى التأويل زندقة (١) فهو جهل منه بمسمى (٢) الزندقة، وكذبٌ ظاهر باتفاق الناس، وهو بالقائل أعلق؛ إما كونه جهلاً؛ فإن الزنديق هو الذي يبطن الكفر ويظهر الإسلام، فمن كان مظهراً لقوله قد كتب بأجوبة من النسخ ما لا يحصيه إلا الله، وقد وافقه عليها علماء الإسلام ولم يذهب أحد إلى خلافها، وقد بيّن قوله في أعظم الأوقات خوفاً وتعصباً عليه وناظر عليه، وتبين للحاضرين حتى الأعداء سلامته من [هذه] (٣) القوادح، وظهور الجهل والكذب والظلم من منازعيه، فكيف ينسب إليه إبطان خلاف ما يظهر!!. ولو قدر أن شخصاً أبطن خلاف ما يظهر من الأقوال لم يكن زنديقاً إلا إذا أبطن الكفر، وإلا (٤) فمن أبطن قولاً [يعتقد أنه] (٥) دين الإسلام ويناظر عليه لم يكن هذا زنديقاً عند الفقهاء، بل إن [كان] (٦) مخطئاً فقد يكون مبتدعاً، وان كان مصيباً [وسكت] (٧) خوف العدوان عليه لم يكن مبتدعاً، ولو دخل [مسلم] (٨) دار الرافضة والخوارج فكتم حبه للصحابة -رضوان الله عليهم- لم يكن زنديقاً، ولو عَرّض لم يأثم بذلك. وقد ثبت في الصحيح أن الخليل -صلوات الله وسلامه عليه- قال عن سارة: "إنها أختي" (٩) عند الحاجة إلى التعريض، وكان أبو بكر الصديق ﵁ يقول عن النبي ﷺ -حين سُئل عنه في الهجرة-: من هذا الرجل معك يا أبا

стр. 378

بكر، فيقول: "هذا رجل يهديني السبيل" (١)، فيحسب الحاسب أنه يريد الطريق، وإنما يريد سبل (٢) الخير، وكذلك عين المشركين يوم بدر لما جيء به إلى النبي ﷺ : وسأله فقال: لا أخبركم حتى تخبروني من أين أنتم، فقال النبي ﷺ : إن أخبرتنا أخبرناك، فأخبرهم، فقال النبي ﷺ : "نحن من ماء" (٣). [مع] (٤) أن ما نحن فيه ليس من هذا الباب، فإنه لم يحصل كتمان ولا تعريض، بل صرح بالأمر على ما هو عليه، وإنما المقصود بيان جهل هؤلاء الضالين المعتدين. وأيضاً فيخاف من الناس من يجزع إذا أوذي، ويطلب الإقالة، ويستغيث بالحاضرين حتى يدفعوا عنه ما طلبه ولي الأمر من قطع لسانه، ومن نفي عن البلد فلا يدخله إلا سراً (٥)، ودخل في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤)﴾ [البقرة: ١١٤]. فإن هذا المفتري سعى في منع من يذكر ما أمر الله به في المسجد، فمنع من سكنى البلد الذي فيه المسجد وأخرج منه، فلم يكن يدخل المسجد إلا خائفاً، وحصل له من الخزي ما لا يعرف لأحد مثله في زمانه، وكأن له شبه في أبي عامر الراهب (٦) الذي بني له مسجد الضرار، وكان قد قدح في

стр. 379

الرسول الداعي إلى الحنيفية ومال إلى النصرانية، وقال للنبي ﷺ إلى ما تدعو يا محمد، قال: إلى ملة إبراهيم، فقال إنك شبيه (١) بغيرها، فقال: ما شبيهاً بغيرها، فقال: بل شبيهاً بغيرها، فقال: الكاذب أماته الله طريداً شريداً وحيداً، فقال أبو عامر: آمين؛ فمات طريداً شريداً وحيداً (٢). [فأي الفريقين أولى بذلك الشبه] (٣)، من يقابل ولاة الأمر وغيرهم من الأكابر في أخذهم بالحق وإن كرهوه؟ ومن يطلبون منه (٤) أن يسكت عن حق متعلق بالدين فلا يسكت؟ فيطلبون خروجه من الضيق فيأبى الخروج حتى يظهر الحق (٥)، ومن يهين الحزب الجاهل الظالم، ويبيّن جهله، ومن كتب جوابه في هذه المسألة في أكثر الأمصار من لا يحصي عدده (٦) إلا الله من ولاة الأمور وغيرهم. وأهل السنة إذا تقابلوا هم وأهل البدعة فلهم نصيب من تقابل المؤمنين والكفار، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾ (٧) [المائدة: ٥٩ - ٦٠]، وهؤلاء الذين يدعون الموتى

стр. 380

من أهل البدع، فمنهم من مسخ خنزيراً من الرافضة، وقد تواترت بذلك الحكايات (١)، وفيهم من يعبد الطاغوت فيصور تماثيل يتوجهون إليها، ويدخلون في مداخل السحرة (٢) كما هو معروف [عن] (٣) غير واحد منهم، وأما غضب الله ولعنته بسبب كثرة كذبهم وظلمهم وفسقهم فأعظم من أن يذكر. فصل (٤) قال: (ولقد بالغ السلف في الاحتياط بجنابه ﷺ ، حتى أفتى بعضهم بأن من سب (فاطمة أو عائشة) (٥) أنه يقتل، وقال: على هذا مضت سيرة أهل العلم، وأفتى بعض الشافعية أن من سب أبا بكر أو عمر أو عثمان أو علياً ﵃ فهو كافر، وأفتى طائفة بكفر الرافضة، ونقل عن أحمد أنه استفتي فيمن شتم عثمان فقال: هذا زندقة (٦)، وروي عن أحمد رواية أخرى أنه قال: من سب واحداً من الصحابة فقد كفر (٧)، وذكرت ذلك لتعلم عظم الوقوع في الجناب النبوي عند العلماء، وقد صح وثبت أن النبي ﷺ أباح دم من نقصه وسبه، ولم يختلف في ذلك الصحابة، ولقد (٨) رووا أن ابن أبي سرح بعد وقيعته جاء به عثمان ﵁ وكان أخاه من الرضاعة، وقال: بايعه يا رسول الله، فأعرض عنه، ثم (٩) جاءه من الناحية الأخرى أيضاً، فقال: بايعه يا رسول الله فأعرض عنه؛ ثم بايعه النبي ﷺ في المرة الثالثة، وقال فيما روي: ما صمتُّ

стр. 381

إلا ليقوم إليه أحدكم فيقتله، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله ألا أومأت إلي فأقتله، فقال: "إن النبي لا يقتل بالاشارة" (١)، وكان ذلك لتحريم خائنة الأعين عليه ﷺ (٢). وأباح قتل ابن خطل لأنه كان ينتقصه ﷺ ، وجاءه (٣) رجل عام فتح مكة، وفقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: "اقتلوه" فقتل (٤)، مع أن الروايات إذا [استقرئت] (٥) علم (أنها تقتضي) (٦) أنهما جاءا مستسلمين منقادين؛ ولم يكن ذلك موجباً للعفو عنهما، ففيه دليل على أن الساب اليوم ولو أسلم يقتل حتماً، كما هو مذهب مالك وجماعة، ولا يلزم من أن النبي ﷺ عفى عن بعضهم أن يجوز أن [نعفوا] (٧)، لأن القتل كان لحقه فله ﷺ أن يترك حق نفسه). فيقال: هذا كله منقول من كلام المجيب من كتاب "الصارم المسلول على شاتم الرسول" (٨) لكنه أزال بهجته، وحذف من محاسنه ما يبيّن حقيقته، فالمجيب هو المنافح عن الله ورسوله، وهذا كالمتشبع (٩) بما لم يعط، ومن

стр. 382

تشبع بما لم يعط فهو كلابس ثوبي زور (١)، وأما تقريره واستدلاله الذي لم ينقله عن غيره فمن جنس كلامه في مسألة الاستغاثة، وجوابه في قسم مال (٢) بيت المال ونحو ذلك (٣)، مما يخرج به عن إجماع المسلمين، ويضحك عليه العلماء الفاضلون، ويوجب لذي القضاء أن يحجروا عليه في الفتيا، كما وقع لهذا (٤) المسكين؛ لما فيه من الجهل بمسالك الأحكام، مع فرط الجراءة والإقدام على الكلام بالهوى والجهل في دين الإسلام، بخلاف من منع خوفاً منه، إما لسياسة مملكته أو غير ذلك. فصل قال: (ومن هذا يُعلم أن النبي ﷺ لو نفى عن نفسه أنه ينفع أو يستغاث به أو نحو ذلك؛ يشير إلى التوحيد وإفراد الباري بالقدرة، لم يكن لنا نحن أن ننفي ذلك لوجهين: أحدهما: أن المقصد إذا صح كان وجوب بيان المقصود بعبارة موضوعة له حق الرسول ﷺ ، فله تركه إذا عبر عن نفسه، وغيره إذا خالف موجب الأدب معه في العبارة كفرناه على ما سلف. والأمر الثاني: أنه إذا علم بالقواعد ثبوت رتبة للرسول ﷺ فالعبارة (٥) التي توهم نفيها إذا صدرت منه ﷺ علم المراد [بها] (٦)؛ للدليل على عصمته وصحة تبليغه وعدم تناقض أفعاله وأقواله، وغيره ليس كذلك). فيقال له: هذا من الجهل في الاستدلال، فإن ما ينفيه الرسول عن نفسه

стр. 383

هو صادق فيه وفي جميع ما يقوله (١)؛ فإنه ﷺ هو الصادق المصدوق، وهذا أخبر به، والخبر يكون إثباتاً ويكون نفياً، وهو صادق فيما يثبته لنفسه وفيما ينفيه عن نفسه، وعلينا أن نصدقه في ذلك. وليس [هذا] (٢) من جنس عفوه عمن آذاه؛ فإن ذلك ليس بخبر منه، وإنما هو ترك استيفاء حق له، وبعد موته لا يمكن عفوه فيجب استيفاء حقه؛ لأن سبه فيه حق لله، وبعد موته لا مسقط له فيتعين استيفاؤه، وإذا انفرد بجواز العفو عن الساب دوننا لم يلزم أن ينفرد في إخباره؛ بأن يخبر بالأمر على خلاف ما هو عليه، وما قال أحد من المسلمين: إن ما أخبر به الرسول عن نفسه بنفي [أو] (٣) إثبات ليس لنا أن نخبر بمثل خبره. بل إذا قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣]، نقول: ما كان إلا بشراً رسولاً، وإذا قال: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠]؛ وإذا قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله" (٤)؛ قلنا نشهد أن لا إله إلا الله ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، وإذا قال: "إنما أنا بشر أنسى كما تنسون" (٥)؛ قلنا: إنما هو بشر ينسى كما ينسى البشر، وإذا قال: ﴿لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠] قلنا: لم يقل (٦): [إن] (٧) عنده خزائن الله ولا يعلم الغيب ولا نقول إنه ملك، وإذا قال: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٨٨]، قلنا: لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله، وإذا قال: "لن يدخل أحد

стр. 384

منكم الجنة بعمله"، قيل: ولا أنت يا رسول الله، قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل"، قلنا: لن يدخل الجنة أحد بعمله، فإذا قيل لنا: ولا رسول الله؟ قلنا: ولا رسول الله إلا أن يتغمده الله برحمة منه وفضل، فنخبر بمثل ما أخبر به تصديقاً له؛ فإنه الصادق المصدوق، ومثل هذا كثير. وقول هذا الجاهل [شبيه ومثيل] (١) [دين النصارى] (٢) فإن المسيح ﵇ لما أخبر [عن] (٣) نفسه أنه عبد الله؛ تقول النصارى: ليس لنا أن نقول في الأنبياء ما يقولونه في أنفسهم، وقد قال الله -تعالى-: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ إلى قوله ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٦ - ١١٧]، وقال المسيح: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: ٣٠]، فيقول النصراني من جنس قول شبيهه (٤): هو يقول: ربي الله، وهم يقولون: هو الرب ليس له رب، ويقولون: وليس لنا أن نقول فيه ما يقول في نفسه. وهكذا الرافضي إذا احتججنا عليه بقول علي ﵁ عن نفسه: يقول ليس لنا أن نقول فيه قوله في نفسه، وفي الجملة فبعض الناس قد [يقول] (٥) على سبيل التواضع كلاماً فيه مبالغة، فيقال: ليس لغيره أن يقول فيه هذا. وأما الرسول ﷺ فلا ينطق إلا بحق، وكلامه معه إذا كان تواضعاً لله فهو أحق الخلق بالتواضع لربه ، وليس هذا كتواضع الرجل للرجل، ثم ما ذكره في عفوه عن الساب (٦) لا يقتضي العلم بهذا؛ ولا هو دليل عليه.

стр. 385

وأما قوله في الوجه الأول: (إن القصد (١) إذا صح كان وجوب بيان المقصود بعبارة موضوعة له حق الرسول ﷺ فله تركه إذا عبر عن نفسه، وغيره إذا خالف موجب الأدب معه في العبارة كفرناه على ما سلف﴾. فيقال له: هذا من جهلك، فإن التعبير عن المعاني [بالألفاظ] (٢) يتعلق باللغة، ليس هذا من الحقوق ولا له مدخل في هذا، بل الواجب أن يعبر عن المعنى باللفظ الذي يدل عليه، فإن كان اللفظ نصاً أو ظاهراً حصل المقصود، وإن كان اللفظ يحتمل معنيين أحدهما صحيح والآخر فاسد تبيّن أن المراد [هو الصحيح] (٣)، وإن كان اللفظ يوهم بعض المستمعين معنًى [فاسداً] (٤) لم يطلق إلا مع بيان ما يزيل المحذور، وإن كان اللفظ يوهم معنى فاسداً لم يخاطب بذلك اللفظ؛ إذا علم أنه يوهم معنًى فاسداً، لأن المقصود بالكلام البيان والإفهام، وأما إذا كان اللفظ دالاً على المراد وجهل بعض الناس معناه من غير تفريط من المتكلم، فالدرك على المستمع لا على المتكلم. وقوله: (إذا [خالف] (٥) موجب الأدب كفرناه)، فيقال له: كلا المقدمتين باطلة، دعواك مخالفة موجب الأدب؛ ودعواك كفر، وأما إخبارك عن نفسك أنك تكفره بما تعتقده أنه مخالف للأدب؛ فأنت صادق في خبرك عن اعتقادك الباطل وجهلك المعروف، [كما] (٦) يصدق الروافض إذا أخبروا عن أنفسهم بتكفيرهم لأبي بكر وعمر وعثمان، وكما يصدق الخوارج إذا

стр. 386

أخبروا عن أنفسهم بتكفيرهم لعثمان وعلي، وكما يصدق الكفار إذا أخبروا عن أنفسهم بأنهم يقولون عن النبي ﷺ : أنه كاهن ومجنون ومعلم ومفتري، فهذا صدق يضر قائله لا يضر المقول له، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١)﴾ [النور: ١١]. لكن اعتقادك كفر من هم أعظم الناس إيماناً بالله ورسوله لا يضرهم، قال النبي ﷺ : "إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما" (١)، [لذلك] (٢) كنت أحق بالكفر إلا أن تعتذر بالتأويل، وفي الصحيح أيضاً عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يرمي رجل رجلاً بالكفر والفسق إلا رُدت عليه إذا لم يكن لذلك أهلاً" (٣). وقوله في الوجه الثاني: (إنه إذا علم بالقواعد ثبوت رتبة للرسول؛ فالعبارة التي توهم نفيها إذا صدرت منه علم المراد بها للدليل على عصمته وصحة تبليغه، وعدم تناقض أقواله وأفعاله، وغيره ليس كذلك). فيقال له (٤): هذا مبني على صدور عبارة موهمة وتقدم أن الجواب عبارة ظاهرة في معناها، بل نص لا يحتمل معنيين؛ فضلاً عن كونها توهم غير ما أريد بها، وأيضاً فغير الرسول إذا عبر بعبارة موهمة [مقرونة] (٥) بما [يزيل] (٦)

стр. 387

الإيهام كان هذا سائغاً باتفاق أهل الإسلام، وأيضاً فالوهم إذا كان لسوء فهم المستمع لا لتفريط المتكلم لم يكن على المتكلم بذلك بأس. ولا يشترط في العلماء إذا تكلموا في العلم أن لا يتوهم من ألفاظهم خلاف مرادهم، (بل ما زال الناس [يتوهمون] (١) من أقوال الناس خلاف مرادهم) (٢)؛ ولا يقدح ذلك في المتكلمين بالحق، ثم غاية هذا أن يكون بحثاً لفظياً، والبحوث اللفظية لا توجب خلافاً معنوياً فضلاً عن التكفير، اللهم إلا على قول هذا الجاهل: إن المتكلم إذا عنى معنًى صحيحاً بعبارة وتوهم منها بعض الناس نقصاً كان ذلك كفراً، وهذا لا يقوله إلا من انسلخ من العقل والدين، لا سيما إذا كان التقصير إنما هو من المستمع؛ لا تقصير من (٣) عبارة المتكلم. ثم يقال: هذا كله ليس مما نحن فيه، فإن ما ذكره المجيب لا يحتاج لهذا، ولا يتوقف على نقل عبارته بعينها؛ بل تلك المعاني بائنة بالكتاب والسنة واجماع الأمة؛ سواء كان اللفظ بعينه منقولاً أو لم يكن؛ والتعبير عن تلك المعاني شائع بما يدل عليها دلالة بيّنة كالدلالة على سائر المعاني، ومما يجب معرفته أن الأسماء والألفاظ التي تُعلق بها الأحكام الشرعية من الأمر والنهي والتحليل والتحريم والاستحباب والكراهية والمدح والذم والثواب والعقاب والموالاة والمعاداة [هي] (٤) الألفاظ الموجودة في كتاب الله وسنة رسوله ومعاني تلك الألفاظ، وذلك مثل لفظ الإيمان والإخلاص والعبادة (٥) والكفر والشرك والهدى والضلال والرشاد والغي (٦) والتوكل والشكر والصبر والنبوة والرسالة والتوكيل ونحو ذلك، فأما الألفاظ التي لم توجد في كتاب الله وسنة رسوله ولا تعلق بها بشيء من ذلك إلا إذا [تبيّن] (٧) أن معانيها موافقة لمعاني ألفاظ الكتاب والسنة.

стр. 388

والله -تعالى- في كتابه وسنة رسوله قد أوجب لنفسه حقاً لا يشركه فيه غيره، وأوجب حقاً له ولرسوله وللمؤمنين، فله وحده أن نعبده ولا نشرك به شيئاً وأن نخشاه ونتقيه (١). فصل قال: (وبالجملة فللأنبياء أنفسهم وفيما بينهم عبارات ومخاطبات ومعاملات لا يقاس بها (معهم من) (٢) دونهم، ألا ترى ما في الحديث الصحيح في محاجة موسى لآدم، وذكر شيئاً في روايات ساقها مسلم؛ منها [قوله] (٣): "أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة؟ " (٤)، ومنها قوله: "أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة ... الحديث" (٥)، وليس لواحد منا أن يقول في آدم ﵇ ولا أحد من النبيين مثل ذلك القول ولا قريباً منه، وكيف لطم موسى عين ملك الموت (٦) [﵇] (٧)، وأثبت بعض العلماء أنه لطم حقيقة.

стр. 389

وروى مسلم أن النبي ﷺ قال: "لم يكذب إبراهيم النبي ﷺ إلا ثلاث كذبات ... الحديث" (١)، مع أن الثلاث وجه المجاز فيها ظاهر صحيح، قوله: إنه سقيم، باعتبار الاستقبال؛ ولا بد لكل بشر أن يسقم غالباً ولو بمقدمات الموت؛ مع جواز اطلاعه على ذلك أو بتأويل القابلية (٢)، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وجه المجاز أنه سبب للتكسير الذي وقع؛ لما فيه من التصوير المنكر، أو تهكم يؤيده قوله: ﴿فَسْأَلُوهُمْ﴾، وأما الكلمة في سارة فقد صرح بالمعنى إذ قال لها: أخبرته أنك أختي فإنك أختي في [الإسلام] (٣). وحديث المحاجة وإن احتمل أن لا يكون في دار التكليف، فنحن نعلم أنهم لا يقابلون بعضهم بعضاً بما يرونه خلاف الأدب منهم، وكل هذه الأمور لا ينقاس بها معهم من دونهم، فربما كان الشيء من المثيل أو المساوي أدباً أو أمراً محتملاً؛ ولا يكون ممن دونه كذلك، فليحفظ الناظر موقع الحكمة في أحكام المراتب في الأشخاص والأفعال والأقوال وسائر الأحوال). والجواب من وجوه، أحدها: أن يقال: هذا الكلام لا يدل على مورد النزاع، فإن أحداً لم يقل إن حكم النبي مع النبي أو مع الملك حكم من هو دونه؛ ولا حكم بعض الأنبياء حكم بعض بل ولا الملائكة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥]، وقال تعالى عن الملائكة: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ [الصافات: ١٦٤]، وقال: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾ [الإسراء: ٢٠، ٢١]. ولكن ليس في ثبوت أفضليتهم على من دونهم وعدم مساواتهم لهم في كل شيء أنهم لا يشاركونهم في شيء من الأحكام؛ بل الأصل عند جماهير السلف والخلف أن ما ثبت في حق النبي من الأحكام ثبت في حق الأمة، ما لم يقم دليل على التخصيص، فما وجب عليه وجب عليهم وما حرم عليه حرم

стр. 390

عليهم؛ وما أبيح له أبيح لهم، إلا أن يقوم دليل على التخصيص، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ (١) [الأحزاب: ٣٧]، بيّن أن في تزويجه بامرأة دَعِيّه من الحكمة دفع الحرج عن المؤمنين في تزويجهم بنساء أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً، ولولا أن الإِحْلال له يستلزم الإِحْلال للأمة لم يرتفع الحرج عنهم لمجرد ذلك. ولهذا لما خصه بإحلال شيء قال: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، فجعل إباحة الواهبة نفسها له خالصة له من دون المؤمنين، ومن هذا ما ثبت عنه في الصحيح أنه لما (٢) بلغه أن قوماً تنزهوا عن أشياء فعلها، فقال: "والله إني لأخشاكم لله وأعلمكم بحدوده" (٣)، وفي حديث آخر أن رجلًا قال: ليتنا مثل رسول الله يحل الله له ما يشاء، فغضب من ذلك وقال: "إني لأتقاكم لله وأعلمكم بحدوده" (٤)، لأن هذا ونظائره متعددة، وهذا الأصل متفق عليه بين أئمة المسلمين (٥)، ولكن قد يقال نفس الخطاب له أو للواحد من الأمة خطاب
следующие страницы →