← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 18328

الاستغاثة في الرد على البكري

ابن تيمية

Полный текст (444 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

سلسلة منشورات مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع بالرياض (١٥) الاستغاثة في الرد على البكري تأليف شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀ (المتوفى ٧٢٨ هـ) دراسة وتحقيق د. عبد الله بن دجين السهلي عضو هيئة التدريس بقسم الثقافة الإسلامية - جامعة الملك سعود مكتبة دار المنهاج

стр. 2

* قال الحافظ ابن كثير: "والمقصود أن الشيخ رد على البكري ونقض أقواله نقضاً أجاد فيه وأفاد، وبيَّن ما فيه من حق وباطل في مجلدة كبيرة، أبطل فيها أنواع الشرك الاعتقادي والعملي وما يتفرع منهما بالأدلة والبراهين القاطعة المقبولة؛ التي تسر أهل السنة وتقرّ أعينهم عند سماعها، وتسوِّد وجوه أهل الأهواء والبدع ويرهقها قتر وذلة، فرحم الله من قبل الحق ونصره، ورد الباطل وخذله وأهله". تلخيص الاستغاثة - لابن كثير (ص ٥) هذا الكتاب في الأصل رسالة ماجستير تقدم بها المحقق إلى قسم الثقافة الإسلامية بكلية التربية بجامعة الملك سعود، ونوقشت في الثاني من شهر الله المحرم عام ١٤١٧ هـ وبتوفيق الله -تعالى- وفضله أجيزت الرسالة بتقدير ممتاز.

стр. 3

الاسْتغَاثَة في الرَّد عَلَىَ البَكْرِيّ

стр. 4

(ح) مكتبة دَار الْمِنْهَاج للنشر والتوزيع، ١٤٢٥ هـ فهرسة مكتبة الْملك فَهد الوطنية أثْنَاء النشر ابْن تَيْمِية، أَحْمد بن عبد الْحَلِيم الاستغاثة فِي الرَّد على الْبكْرِيّ/ أَحْمد بن عبد الْحَلِيم ابْن تَيْمِية؛ عبد الله بن دجين السهلي - الرياض، ١٤٢٥ هـ ٥١٠ ص؛ ١٧ × ٢٤ سم ردمك: ٥ - ٤ - ٩٥٥٧ - ٩٩٦٠ ١ - التَّوْحِيد ٢ - الْبدع فِي الْإِسْلَام أ- السهلي، عبد الله بن دجين (مُحَقّق) ب- العنوان ديوي ٢٤٠ ... ٧٢٦٠/ ١٤٢٥ جَمِيع حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة لدار الْمِنْهَاج بالرياض الطبعَة الأولى، ١٤٢٦ هـ حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة ١٤٢٦ هـ، لَا يسمح بِإِعَادَة نشر هَذَا الْكتاب أَو أَي جُزْء مِنْهُ بِأَيّ شكل من الأشكال أَو حفظه ونسخه فِي أَي نظام ميكانيكي أَو إلكتروني يُمكن من استرجاع الْكتاب أَو تَرْجَمته إِلَى أَي لُغَة أُخْرَى دون الْحُصُول على إِذن خطى من الناشر. مكتبة دَار الْمِنْهَاج للنشر والتوزيع المَملكَة العَربيَّة السّعُوديَّة. الرّيَاضِ المركز الرئيسي: طَريق الْملك فَهد/ شمَال الجَوازات هَاتِف ٤٠٦٥٥٥٣ - فاكس ٤٠٨٣٦٩٨ - ص ب ٥١٩٢٩ الرياض ١١٥٥٣ الْفُرُوع: طَريق خَالِد بن الْوَلِيد (إنكاس سَابقاً) ت ٢٣٢٢٠٩٥ مَكة المكَرمة - الشامية هَاتِف ٥٧٣٠٩٨٠

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الثانية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل الرسل والنبيين وعلى آله وصحبه، وبعد: فأحمد الله -تعالى- على ما منَّ به من نِعَمه العظيمة، وأعظمها نعمة الإسلام والتوحيد واتباع ما جاء به الرسول ﷺ ، فهذه أكبر النِعَم التي لم يوفق لها طوائف من المسلمين، وهذه الطبعة الثانية من كتاب "الاستغاثة في الرد على البكري"، لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقد راجعت الكتاب على الأصول الخطية، وعلى المخطوطة الرابعة التي لم تكن كاملة في الطبعة الأولى، وهي مخطوطة المعهد العلمي بحائل، والتي أرمز لها بـ "ح"، وبفضل الله وحده، تم إصلاح بعض المواضع المشكلة، وتصحيح أخرى في هذه الطبعة، كما اختصرت التعليقات والتعريفات، وحذفت بعضها الآخر، ليسهل انتشار الكتاب، ويكون في مجلدة واحدة. وفّق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. د. عبد الله بن دجين السهلي ١٤/ ٦/ ١٤٢٥ هـ الرياض

стр. 6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، ثم أما بعد: فإنه لا يشك مسلم في، أهمية التوحيد الخالص، وضرورته للبشرية أجمع، فما أرسل الله رسولاً إلا وأمره أن يدعو الناس إلى عبادة الله وحده وينذرهم الشرك، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، فالشرك خطره عظيم، ومن تأمل القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، وجدهما مصرِّحين، ببطلان دين المشركين وكفر أهله، وأنهم أعداء الله ورسله، وأنهم أولياء الشيطان وعباده، وأنهم أهل النار الذين لا يخرجون منها، وهم الذين حلت بهم المثلات ونزلت بهم العقوبات. ولذا كانت وصية النبي ﷺ لأمته، وفي آخر لحظات عمره ﷺ ، التحذير من هذا الداء الوبيل، كما أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (١)، وفي رواية: "وصالحيهم"، ولقد كانت الأمة على هذه الوصية الشريفة فى القرون الثلاثة، حتى أصابها ما أصاب الأمم قبلها فظهرت بدعة القبورية (٢)، أواخر القرن الثالث الهجري،

стр. 7

حين ضعفت دولة بني العباس، لما تفرقت الأمة وكثر فيها الزنادقة، وقد شاعت بين الرافضة أولاً، لما صارت لهم دويلات، كدولة بني بويه، ودويلات الباطنية من العبيدية (١) والإسماعيلية (٢) وغيرهم، حيث نشروا بدع المشاهد والقبور، والعبادة عندها، ودعاء المقبور وغير ذلك. ثم انتشرت في القرن الرابع والخامس وما بعدهما، وسارت الطرق الصوفية على سبيل الرافضة تنشر هذه البدع، وتروِّجها، حتى عمَّت البلوى في كثير من بلاد الإسلام. هذا من ناحية ... ومن ناحية أخرى: لما عُرّبت كتب اليونان الوثنية، عكف عليها من سُمُّوا بفلاسفة الإسلام كالفارابي (ت ٣٣٩ هـ) (٣) وابن سينا (ت ٢٨٠ هـ) (٤) وغيرهما، فتأثروا بها ونقلوها، وخالفوا طريقة المرسلين، وسايرهم كثير من المتكلمين؛ كالمعتزلة والأشاعرة وغيرهم، فاختلقوا قضايا موهومة؛ ومشاكل أوقعوا أنفسهم فيها، زعماً منهم أنهم دعاة للتوحيد، وحماة لعقائد المسلمين، وحقيقة حالهم لا للفلاسفة كسروا ولا للإسلام نصروا (٥)، وكانوا سبب تسلط الفلاسفة عليهم وعلى الإسلام، فلم يعرفوا التوحيد الذي جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام. فمن هذه الطرق الرافضة والفلاسفة والمتكلمين والصوفية الخرافية تسربت البدع القبورية إلى بعض المسلمين وكان من أعظم هذه البدع، بل أمُّ هذه البدع الاستغاثة بالأموات، حتى وصل حال الأمة الإسلامية كما وصفها

стр. 8

الإمام العلامة الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني (١) في قصيدته: أعادوا بها معنى سواع ومثله ... يغوث ووداً ليس ذلك من ود وقد هتفوا عند الشدائد باسمها ... كما يهتف المضطر بالواحد الصمد وكم عقروا في سوحها من عقيرة ... أُهِلَّت لغير الله جهلاً على عمد وكم من طائف حول القبور مقبل ... ومستلم الأركان منهن بالأيدي (٢) نعم هذه حال بعض المنتسبين للإسلام -هداهم الله- يستغيثون بالمقبورين، ويدعونهم من دون الله، ويطوفون بالقبور، ويحجون إليها، ويرون أنهم قد أربوا في الربح على حجاج البيت الحرام. فعزمت أن يكون موضوع رسالتي للماجستير في هذا المجال، تحقيقاً أو موضوعاً. وخلال البحث وجدت أن أغلب من كتب في هذا ينقل أو يحيل إلى كتاب عظيم الفائدة غزير المعنى، قد استوفى المسألة بحثاً وتحقيقاً وتحريراً لإمام من أئمة المسلمين وعَلَم من أعلام السنة النبوية، وهو كتاب "الاستغاثة في الرد على البكري" للإمام المجدد شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) محيي السنة وقامع البدعة، وهو من أوفى الكتب في هذه المسألة (الاستغاثة بالأموات)، ومن أجلّ الكتب التي نافحت عن العقيدة الصحيحة، ودرأت الشبهات الشيطانية، رد فيه شيخ الإسلام على أحد دعاة القبورية في عصره، وهو علي بن يعقوب البكري (ت ٧٢٤ هـ). ويمكن إيجاز أهمية الكتاب بما يلي:

стр. 9

أولاً: إنه أول وأفضل كتاب في الرد على من استغاث بالمقبور، وقضية الاستغاثة بالأموات من أهم موضوعات الخلاف بين دعاة التوحيد ودعاة الشرك، بل هي الركيزة الأساسية في الخلاف، فهو كتاب مهم في موضوع هام. ثانياً: غالب من تكلم في قضية الاستغاثة يرجع إلى هذا الكتاب، ويبلغ النقل أحياناً عدة صفحات متتابعة، ولا يحسن العناية بهذه الكتب دون مصدرها الذي إليه تورد وعنه تصدر. ثالثاً: ندرة الكتاب في المكتبات، مطالبة كثير من أهل العلم بإخراجه مع سوء الطبعة السابقة وكثرة الأخطاء في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وكثرة السقط والتحريف والتصحيف، دون أي خدمة أو معالجة، يقابل ذلك كتب أهل البدعة، التي نراها منتشرة ومحققة، ومطبوعة طباعة فاخرة. رابعاً: على ما في طبعة الكتاب السابقة من تحريف وسقط، ففيها أخطاء علمية كبيرة، منها: عنونة الكتاب بـ "تلخيص كتاب الاستغاثة المعروف بالرد على البكري"، وهذا غير صحيح، فكتاب "تلخيص الاستغاثة" غير "كتاب الرد على البكري"، فالثاني أصل، والأول تلخيص له، فكتاب تلخيص الاستغاثة لابن كثير، والرد على البكري لابن تيمية، فبينهما فرق. وهذا الخطأ أدى لأخطاء علمية أخرى، فنقل بعض الباحثين من تلخيص الاستغاثة، وجعل المرجع الرد على البكري (١). كما أن في التلخيص نصوصاً لابن كثير لم يذكرها ابن تيمية إطلاقاً، بل في الأصل ما يخالف أحدها، وقد بينت هذا في الكلام على التلخيص (٢). خامساً: هذا الكتاب كما أنه وضّح أصل بدعة الاستغاثة بالمقبور وبداية وجودها في الأمة الإسلامية، فهو كذلك يعالج كثيراً من البدع المتعلقة بالقبور وغيرها.

стр. 10

سادساً: إنه من مصنفات إمام له قدم راسخ في العلم والفهم، متحرر من ربقة التقليد والتعصب، وهو شيخ الإسلام بحق. لهذه الأسباب وغيرها، اخترت هذا الكتاب "كتاب الاستغاثة في الرد على البكري لشيخ الإسلام ابن تيمية" تحقيقاً ودراسة، وذلك في أطروحة الماجستير، وقد أيد هذا الاختيار أساتذتي في قسم الثقافة الإسلامية. وقد واجهتني بعض الصعوبات عند تسجيل الموضوع وعند العمل فيه، منها: أولاً: إن هذا الكتاب لم يحظ بما حظيت به كتب الشيخ الأخرى من الحفظ والعناية، فقد فُقد منه أوله، وقد بذلت كثيراً من الجهد والوقت في البحث عنه ولم أجد أي ذكر له، ولربما كان هذا سبباً في إعراض كثيرٍ من الباحثين المهتمين بتراث هذا الإمام عن تحقيقه، فأملي من القراء الكرام من وجد شيئاً من ذلك أن يرشدني إليه مشكوراً مأجوراً مجزيّاً من الله خيراً. ثانياً: عدم ذكر فهارس المخطوطات والمصادر العلمية لهذا الكتاب أو أي معلومات عنه إلا فيما ندر، ويدل على ذلك أن جميع النسخ الخطية التي اعتمدت عليها لم ترد في فهرسٍ متداول. ثالثاً: عدم تعاون بعض دور المخطوطات. رابعاً: مع كثرة ما استطعت جمعه من مخطوطات الكتاب إلا أنه وللأسف يوجد فيها سقط وتحريف وتصحيف، وقد أمضيت أوقاتاً طويلة محاولاً إكمال سقط أو إصلاح تحريف؛ أو تصحيف، كما قال بعضهم: "ولربما أراد مؤلف الكتاب أن يصلح تصحيفاً، أو كلمة ساقطة، فيكون إنشاء عشر ورقات من حر اللفظ، وشريف المعاني، أيسر عليه من إتمام ذلك النقص حتى يرده إلى موضعه من اتصال الكلام" (١). قلت: هذه الصعوبة على الكاتب نفسه، فكيف بغيره مع بُعد الزمن، وقصور الهمم، وقلة البضاعة.

стр. 11

ومن أهم نتائج هذا البحث، إثبات المؤلف أن الاستغاثة بالأموات قضية مبتدعة لم تعرفها الأمة الإسلامية عدا الشيعة، إلا في نهاية القرن الثالث الهجري، وأن هذه البدعة الشركية بدأت في الأمة بذكر قصص من استغاث بالنبي ﷺ ، ثم صارت إلى ما كان عليه البكري، ومع ذلك لم يستوعب جميع شبهات القبورية. فهذه القضية عند هؤلاء القوم في توسع مطرد. وعملي في الكتاب على قسمين: * القسم الأول: الدراسة: وبتكون من بابين: الباب الأول: ترجمة المؤلف وموقف البكري منه. الباب الثاني: دراسة للكتاب. * القسم الثاني: تحقيق الكتاب: وبين يدي التحقيق وصف للنسخ الخطية ومنهج التحقيق، وقد اعتمدت على أربع نسخ، واستفدت من النسخ الأخرى ثم أعقبت ذلك بالفهارس المختلفة. * منهج التحقيق: جعلت أقدم هذه النسخ وأفضلها هي الأصل، وهي المحفوظة بجامعة أم القرى، وقارنتها بثلاث نسخ أخرى، وهي نسخة المكتبة السعودية التابعة للإفتاء ورمزت لها بحرف "ف"، ونسخة دارة الملك عبد العزيز وأصلها في مكتبة جامعة الملك عبد العزيز بجدة ورمزت لها بحرف "د"، ونسخة المعهد العلمي بحائل ورمزت لها بحرف "ح". وقد عرَّفت بالفرق والمذاهب تعريفاً موجزاً، وترجمت لغير المشهورين من الأعلام، وعزوت الآيات والأحاديث وعلقت على بعض المواضع التي أرى أنها تحتاج إلى تعليق، كل ذلك بقدر الطاقة والاستطاعة مع الاختصار قدر الإمكان.

стр. 12

وبعد، فأشكر الله تعالى وأحمده على ما منّ به ووفَّق، فحقه تعالى أن يذكر فلا يُنسى، ويشكر فلا يُعصى، ثم أشكر والديّ اللذين ربَّياني وأحاطاني بعنايتهما ورعايتهما، ثم أقدم الشكر الجزيل لكل من ساهم أو سأل أو ساعد في هذا البحث، وأخص أساتذتي سعادة الأستاذ الدكتور محمد أبو الغيط الفرت المشرف على الرسالة بوافر الشكر والامتنان، على ما بذله من وقت وجهد. وأشكر فضيلة شيخنا الأستاذ الدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل الأستاذ بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية على تفضله وتكرمه بقبول مناقشة هذه الرسالة رغم انشغاله وضيق وقته، كما أشكر سعادة أستاذنا الدكتور رزق بن يوسف الشامي الذي أعطاني من وقته وجهده الكثير، وقد كان مع هذه الرسالة منذ كانت فكرة حتى أصبحت رسالة ليتفضل بمناقشتها، فلهم مني جميعاً وافر الشكر والتقدير، وأسأله تعالى أن يجعل العمل لوجهه خالصاً، وأن ينفع به يوم لا ينفع مال ولا بنون. وحسبي أني بذلت جهدي وطاقتي؛ فإن أصبت فذلك قصدت، والخير أردت، ورجائي ممن يجد ما يفيد الكتاب أن يبعث إليّ مشكوراً. وما أحسن ما قال الشاعر: وإن تجد عيباً فسد الخللا ... فجلَّ من لاعيب فيه وعلا فما كان من صواب فمن الله وحده، هو المانّ به، وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله منه. والله وحده هو المعين والهادي إلى سواء السبيل، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد.

стр. 13

القسم الأول: الدراسة وتتكون من ترجمة مختصرة لشيخ الإسلام ابن تيمية والبكري ودراسة للكتاب

стр. 14

الباب الأول: في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية وترجمة البكري وفيه فصلان: الفصل الأول: ترجمة مختصرة لشيخ الإسلام ابن تيمية الفصل الثاني: ترجمة البكري وموقفه من ابن تيمية

стр. 15

الفصل الأول: ترجمة مختصرة لشيخ الإسلام ابن تيمية يعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من العلماء البارزين، بل لعل تاريخ الإسلام في عصوره الوسطى والأخيرة لم يشهد شخصية أشهر من ابن تيمية، اعترف لها بالفضل الصديق والخصم، وهو أشهر من أن يُعَرَّف به، وقد حظي بتراجم عديدة، مفردة وغير مفردة، كما أن كتبه ورسائله وفتاواه صارت مجالاً خصباً للتأليف والدراسة والنشر والتحقيق، ولم يغفل محققوها وناشروها الترجمة له. ولذلك يصعب حصر المصادر والمراجع التي تناولت حياته بالشرح والتفصيل فما بالك بالإحاطة بحياة هذا الإمام الفذ. لذا سأقتصر على ترجمة مختصرة. * ترجمة موجزة للمؤلف: اسمه ونسبه ومولده ونشأته: هو شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس، أحمد بن العلامة (شهاب الدين أبي المحاسن) عبد الحليم بن (مجد الدين أبي البركات) عبد السلام بن (أبي محمد) عبد الله بن (أبي القاسم) الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية الحراني الدمشقي. ولد يوم الاثنين العاشر أو الثاني عشر من ربيع الأول سنة (٦٦١ هـ) بحران (١)، ولما بلغ من العمر سبع سنين انتقل مع والده إلى دمشق، لسوء أحوال حران وما حولها بعد استيلاء التتار عليها.

стр. 16

وقد نشأ في عائلة اشتهرت بالعلم والمكانة، فجده مجد الدين عبد السلام بن عبد الله من العلماء الأعلام، صاحب التصانيف النافعة التي منها: "المنتقى من أحاديث الأحكام"، "والمجرد في الفقه" وغيرهما. ووالده شهاب الدين أبو المحاسن شيخ حران وحاكمها وخطيبها بعد وفاة والده مجد الدين. وإخوته ثلاثة، وهم: بدر الدين أبو القاسم محمد بن خالد الحراني، وشقيقاه: زين الدين عبد الرحمن بن عبد الحليم، وشرف الدين عبد الله بن عبد الحليم، جميعهم اشتهروا بالعلم والفضل. ففي هذه البيئة العلمية الصالحة كانت نشأة ابن تيمية، وقد بدأ بطلب العلم أولاً على والده وعلماء دمشق، فحفظ القرآن وهو صغير، ودرس الحديث والفقه والأصول والتفسير، وعُرف بالذكاء وقوة الحفظ والنجابة منذ صغره، ثم توسع في دراسة العلوم وتبحر فيها حتى أفتى ودرَّس قبل بلوغ العشرين عاماً، وما لبث أن صار إماماً يعترف له الجهابذة بالعلم والفضل والإمامة، قبل بلوغ الثلاثين من عمره. * مكانته ومنزلته: لقد تبوأ شيخ الإسلام ابن تيمية مكانة عظيمة بين علماء عصره، لأسباب منها: ١ - العلم الغزير، فهو إن درّس أو خطب أو أفتى أو كتب رسالة أو كتاباً في أي فن من الفنون أتى بما يفوق علماء عصره، وما يبهر عقولهم. ٢ - بُعده عن المناصب أو أخذ رواتب من الدولة، وكان ذلك عن عزم وتصميم، فلم يتول القضاء أو الإمارة أو غيرها، حتى وهو في السجن لم يأكل من الطعام الذي يُحضر له في السجن. ٣ - جهاده في سبيل الله، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر،

стр. 17

وفضحه أصحاب الحيل الشيطانية، ورده على أهل الأهواء والبدع. * جهاده وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر: لقد تميزت حياة ابن تيمية -يرحمه الله- بهذه الميزة العظيمة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله، والكلام حول هذا الجانب يطول، ولكن نشير إلى مسائل مهمة تتعلق بموضوع هذا الكتاب، وهي التطبيق العملي له، فمن ذلك: ١ - كسره للأصنام والأماكن التي تعظّم من دون الله -تعالى-، قال ابن القيم: "وقد كان بدمشق كثير من الأنصاب، فيسَّر الله -سبحانه- كسرها على يد شيخ الإسلام وحزب الله الموحدين، كالعمود المخلق، والنصب الذي كان بمسجد التاريخ من المصلى يعبده الجهال، والنصب الذي كان تحت الطاحون، الذي عند مقابر النصارى، ينتابه الناس للتبرك به، وكان صورة صنم في نهر القلوط ينذرون له ويتبركون به، وقطع الله النصب الذي كان عند الرحبة يسرج عنده، وبتبرك به المشركون وكان عموداً طويلاً على رأسه حجر كالكرة، وعند مسجد درب الحجر نصب قد بني عليه مسجد صغير يعبده المشركون يسر الله كسره" (١). وله مواقف عظيمة في جهاد التتار والنصارى، وطوائف من ضلَّال المسلمين من الفلاسفة والمتكلمين والرافضة والباطنية والصوفية وغيرهم. وقد فضح هذه الطوائف وبيّن ضلالها بقلمه ولسانه، وجاهدهم بيده. والمطلع على هذا الجانب من حياة الشيخ يكاد يجزم بأنه لم يبق له من وقته فُضلة، وقد حورب وأوذي وسجن مرات في سبيل الله، حتى وافته منيته مسجوناً. ولا تزال بحمد الله ردود الشيخ سلاحاً فعالاً ضد أعداء الحق ودعاة

стр. 18

البدع، لأنها تستند على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وهدي السلف، مع قوة الاستنباط والاستدلال والاحتجاج بالشرع والعقل، مع إنصاف وعدل. وردود الشيخ كما كانت رداً شافياً وقوياً وتقويماً لضلال فرق عصره ﵀ فهي رد على امتداد هذه الفرق في هذا العصر، ولذلك فإن كثيراً ممن قام بالرد على أي فرقة لا بد أنه استفاد من كتابات الشيخ وردوده. * محنته وسجونه: امتحن شيخ الإسلام ابن تيمية محناً عديدة، ما تكاد تنتهي محنة حتى تبدأ محنة جديدة، إلى أن لقي ربه وهو في سجن القلعة بدمشق. ولعل من أعظم أسباب هذه المحن عداء بعض العلماء والقضاة له؛ لمواقفه العظيمة؛ ووجاهته عند الناس؛ وتشرّب كثير منهم بالبدع: من بدع الفلاسفة وأهل الكلام أو القبورية والصوفية، وأول هذه المحن محنته بسبب الفتوى الحموية (١)، ثم محنته ومناظرته حول الفتوى الواسطية (٢)، وهما في تقرير مذهب السلف في الصفات والرد على المتكلمين، لذا لم يكن للصوفية دور بارز فيهما، وإنما كان لبعض رجالاتهم سعي لدى السلطان؛ لامتحان الشيخ مرة بعد أخرى. ثم كان امتحان الشيخ وذهابه إلى مصر وسجنه بالجب ثمانية عشر شهراً، أما محنته مع الصوفية ففي مصر بعد خروجه من السجن وبقائه فيها، كان يتطرق إلى جوانب عقدية تمس أحوال الصوفية وبدعهم؛ فقام نصر

стр. 19

المنبجي (١) وابن عطاء الله السكندري (٢) -وللبكري دور فيها- بإثارة أتباعهم من المتصوفة، فاجتمع خلق كثير منهم؛ من أهل الخوانق والربط والزوايا واتفقوا أن يشكوا الشيخ إلى السلطان، فطلع منهم خلق كثير إلى القلعة وكانت لهم ضجة شديدة لفتت انتباه السلطان، واستعانوا عليه بالأمراء وغيرهم، وذلك في شوال سنة ٧٠٧ هـ. فأمر السلطان أن يُعقد له مجلس، فَعُقِد له مجلس يوم الثلاثاء العاشر من شهر شوال سنة ٧٠٧ هـ، وادعى عليه ابن عطاء بأشياء، فلم يثبت عليه منها شيء، لكنه قال: "لا يستغاث إلا بالله، لا يستغاث بالنبي استغاثة بمعنى العبارة، ولكن يتوسل به، ويستشفع به إلى الله"، فبعض الحاضرين قال: ليس عليه في هذا شيء، ورأى القاضي بدر الدين بن جماعة (٣) أن هذا فيه قلة أدب، فحضرت رسالة إلى القاضي أن يعمل معه ما تقتضيه الشريعة، فقال القاضي: "قد قلت له ما يقال لمثله"، ثم جاء الأمر من الدولة أن يخيّر بين أن يسير إلى دمشق أو الإسكندرية بشروط أو الحبس، فاختار الحبس، فدخل عليه جماعة في السفر إلى دمشق ملتزماً ما شرط، فأجاب أصحابه إلى ما اختاروا جبراً لخواطرهم، ثم لما سافر ليلة ١٨ شوال من السنة نفسها، رُد من الطريق وقيل: "إن الدولة ما ترضى إلا بالحبس"، فقال القاضي ابن جماعة: "وفيه

стр. 20

مصلحة له"، واستناب ابن جماعة بعض القضاة أن يحكموا فيه بالحبس فامتنع أحدهم وتحير الآخر، فلما رأى الشيخ توقفهم في حبسه قال: "أنا أمضي إلى الحبس وأتبع ما تقتضيه المصلحة"، فأرسل إلى حبس القضاة وأذن له بأن يكون معه من يخدمه، وكان ذلك كله بإشارة نصر المنبجي لوجاهته في الدولة، فإنه كان قد استحوذ على عقل الجاشنكير (١) الذي تسلطن فيما بعد. واستمر الشيخ في الحبس يستفتى؛ ويقصده الناس ويزورونه، وتأتيه الفتاوى المشكلة، ثم عقد له مجلس بالصالحية بعد ذلك كله، ونزل الشيخ بالقاهرة وأكب الناس على الاجتماع به (٢). فلما كثر اجتماع الناس بالشيخ وترددهم عليه ساء ذلك أعداءه وحصرت صدورهم؛ وصاحب ذلك تسلطن الجاشنكير تلميذ نصر المنبجي، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ينال من الجاشنكير؛ ومن شيخه نصر المنبجي، ويتكلم في ابن عربي وأتباعه. فقرروا أن يسيِّروه إلى الإسكندرية كهيئة المنفي؛ -في نهاية شهر صفر سنة ٧٠٩ هـ- ومنعوا أن يذهب معه أحد من أصحابه رجاء أن يقتل، وأقام بثغر الإسكندرية في برج مليح واسع؛ يتردد عليه الناس وقد لحق به أصحابه، وبقي ثمانية أشهر، فلما رجع السلطان الناصر إلى الحكم وقدم مصر في يوم عيد الفطر ٧٠٩ هـ؛ لم يكن له دأب إلا طلب الشيخ ابن تيمية من الإسكندرية، فقدم إليه في الثامن من شهر شوال. وبقي الشيخ في القاهرة إلى سنة ٧١٢ هـ، حيث خرج لجهاد التتر صحبة

стр. 21

الجيش المصري؛ وقدم دمشق أول ذي القعدة سنة ٧١٢ هـ (١)، ثم سجن الشيخ وامتحن بسبب فتواه في الطلاق باعتبار الثلاث بكلمة واحدة طلاقاً رجعياً، في الثاني والعشرين من شهر رجب سنة ٧١٩ هـ (٢). ثم كانت أعظم المحن التي مرت على الشيخ وأتباعه، وهي محنته بسبب فتواه في شد الرحال إلى القبور، وقد كُذِبَ عليه فيها وحرِّفت، حتى جاء مرسوم السلطان بإقامته في القلعة في السادس من شهر شعبان سنة ٧٢٦ هـ، وسجن جماعة من أتباعه وضيِّق عليهم، وعزر جماعة منهم على دواب، ونودي عليهم، ثم أطلقوا؛ سوى ابن القيم الذي حبس في القلعة، ثم أخرج ما عند الشيخ من الكتب بأمر السلطان، وصار يكتب رسائله بالفحم، فكان ذلك من أعظم المصائب عليه (٣) حتى مات -يرحمه الله- في الحبس. ولا يخفى دور الصوفية والرافضة في هذه المحنة، وقد انتصر له كثير من العلماء: من علماء الشام وبغداد وغيرهم، وكتبوا بما يوافق قوله في المسألة (٤)، وكان له ﵀ دور إيجابي في هذه المحن، من الثبات على الحق وتحويل جو المحنة إلى خدمة المبدأ الذي يدعو إليه (٥). * مؤلفاته ورسائله: كتب ابن تيمية ورسائله كثيرة جداً يصعب حصرها والإحاطة بها، وقد ضاع بعضها، وفقدت أجزاء من بعضها الآخر -مثل كتاب الاستغاثة-، لأن هذه المحن التي مر بها هو وأتباعه لا بد أن تنال كتبه ورسائله، وقد وصل الأمر إلى أن يخاف أتباعه أن يظهروا كتبه (٦).

стр. 22

ونقصر الكلام هنا على بعض مؤلفاته التي أفردها في الاستغاثة والتوسل وبدع القبور، منها: ١ - رسالة الاستغاثة: وهي جواب مختصر في حكم الاستغاثة برسول الله ﷺ ، وقد طبعت عدة طبعات (١)، وهذه الرسالة هي الأساس لكتابنا الذي نحن بصدد دراسته وتحقيقه، فقد رد البكرى على هذه الرسالة فرد عليه ابن تيمية بهذا الكتاب. ونقل ابن تيمية غالب هذه الرسالة في كتابه قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (٢)، وفي هذا الكتاب أيضاً (٣)، وقد كتبها سنة ٧١١ هـ في مصر قال: "وكنت وأنا بالديار المصرية في سنة ٧١١ هـ قد استُفتيتُ عن التوسل بالنبي ﷺ ... " (٤). ٢ - رسالة أخرى: وهي جواب عن سؤال أطول من السؤال السابق، ويظهر أن السائل من تلاميذ ابن تيمية، ويشير إلى كلام البكري دون ذكر اسمه، ويذكر أقواله مثل: "تكفير من منع الاستغاثة بالنبي ﷺ "، وفي السؤال أيضاً بعض أقوال ابن تيمية من كتاب الرد على البكري. وقد أجاب الشيخ على السؤال أيضاً دون ذكر للبكري، ولكن يظهر من ألفاظ الجواب وكأنها مختصرة من هذا الكتاب، ولم يذكر لها عنواناً أو تاريخ تأليف، ولكن من المؤكد أنها بعد الرسالة السابقة وردِّ البكري عليها (٥).

стр. 23

٣ - قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة: وهذا الكتاب من أهم كتب شيخ الإسلام في هذه القضية، وغالبه عن التوسل: أنواعه، وحكم كل نوع وأدلته، ورد على أدلة المخالفين له، والفرق بين التوسل والاستغاثة والشفاعة والدعاء وما بين هذه الأنواع من الفروق، وغير ذلك، وكما سبق فقد ضمنه أجزاء من رسالة الاستغاثة. وقد ألفه بالشام بعد سنة ٧١٢ هـ لقوله: "وكنت وأنا بالديار المصرية في سنة ٧١١ هـ" (١). ويلاحظ أن كثيراً من القضايا التي أوردها المؤلف في هذا الكتاب، أوردها في كتاب الاستغاثة في الرد على البكري مختصرة جداً (٢)، وقد جائت في التلخيص أيضاً مخنصرة (٣). ٤ - كتاب "الاستغاثة في الرد على البكري" وهو كتابنا الذي نحن بصدده. ٥ - "قاعدة في التوسل": وهي، غير الكتاب السابق، محفوظة في المكتبة الظاهرية ضمن مجاميع في ١٦ ورقة، وله نسخة في الجامعة الإسلامية برقم ١٠٥٢ (٤). ٦ - وكتاب "الرد على الأخنائي": وهو في الرد على القاضي تقي الدين المالكي، في مسألة شد الرحال، وقد طبع عدة مرات، وهو آخر كتبه التي ألفها (٥).

стр. 24

٧ - وكتاب "الجواب الباهر في زوار المقابر": كتبه للسلطان في زيارة القبور وما كُذبَ عليه فيها، وهو مطبوع ضمن مجموع الفتاوى، وله طبعة مستقلة في مجلد. ٨ - "ومختصر الأخنائية": وهو مختصر الرد على الأخنائي، وهو مطبوع ضمن مجموع الفتاوى. وله رسائل وأجوبة صغيرة أخرى في هذا الموضوع. * وفاته: توفي الشيخ -يرحمه الله- وهو مسجون بسجن القلعة بدمشق ليلة الاثنين ٢٠ من شهر ذي القعدة سنة ٧٢٨ هـ، أثر مرض ألم به أياماً يسيرة. وقد اعتبر المؤرخون جنازة ابن تيمية من الجنائز المشهورة النادرة، فيشبهونها بجنازة الإمام أحمد بن حنبل. وقد هبَّ كل أهل دمشق ومن حولها للصلاة عليه وتشييع جنازته ﵀ وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء (١).

стр. 25

الفصل الثاني: ترجمة البكري وموقفه من شيخ الإسلام ابن تيمية تضن المصادر علينا بترجمة البكري، وأغلب من ترجم له ذكره باختصار شديد، حتى ذكره الذهبي والسيوطي في ثلاثة أسطر فقط (١)، ويظهر أنه كان

стр. 26

مغموراً لم يُعرف إلا بسبب رد شيخ الإسلام ابن تيمية عليه. وهذا مصداق ما ذكره السلف عن أهل البدع، قال: أبو بكر بن عياش -لما قيل له أن بالمسجد أقواماً يجلسون ويجلس إليهم الناس-، فقال: "من جلس للناس جُلس إليه، ولكن أهل السنة يموتون ويبقى ذكرهم، لأنهم أحيوا بعض ما جاء به الرسول فكان لهم نصيب من قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشرح: ٤]، وأهل البدعة يموتون ويموت ذكرهم، لأنهم شانوا بعض ما جاء به الرسول فبترهم الله فكان له نصيب من قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ [الكوثر: ٣] " (١) قلت: صدق والله، وترجمة البكري خير مثال على ذلك. ١ - اسمه ونسبه ومولده: هو أبو الحسن نور الدين علي بن يعقوب بن جبريل بن عبد المحسن البكري الشافعي المصري، ينتهي نسبه إلى عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁، ولد سنة ٦٧٣ هـ. ٢ - شيوخه وآثاره العلمية: قال مترجموه: "هو الإمام الفقيه الزاهد"، سمع مسند الشافعي على وزيرة بنت المنجا. ومن شيوخه ابن الجزري (٢) الذي نهى تلميذه البكري وأنكر عليه رده على ابن تيمية، وقال له: "أنت لا تحسن الكلام"، وابن الرفعة (٣) الذي أوصاه أن يكمل شرح الوسيط، والمسمى المطلب، ولم يتفق

стр. 27

للبكري ذلك، لما كان يغلب عليه من التّجلي (١) والانقطاع، وله كتاب في "البيان" وآخر في "تفسير سورة الفاتحة" وكتاب "الأحكام"، لم أجد منها شيئاً سواء كان مخطوطاً أو مطبوعاً، وله فتوى في تكفير ابن عربي قبحه فيها ولعنه (٢)، وابن عربي أهل للتقبيح والتكفير. ولم أجد من ذكر له تلاميذ، فلعله لم يجلس للتدريس أصلاً، فهو ليس أهلاً لذلك، وبجمع أقواله إلى بعضها يصدق قول شيخه فيه: "إنه لا يحسن الكلام"، ففيها ركاكة العبارة، وضعف الأسلوب، ولذلك فهو ليس من العلماء، بل لديه نوع مشاركة في بعض العلوم. ومن أثنى عليه فإنما نظر إلى جانب جميل في البكري وهو التديّن، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والشجاعة فيما يرى أنه الحق، ولكن يفسد عليه هذا كله، سوء الاعتقاد، ومصادمة أصول الإسلام العظام في الدعوة لعبادة القبور من دون الله -تعالى-. ٣ - مذهبه الفقهي: البكري شافعي المذهب أورده السبكي والإسنوي في طبقات الشافعية، والعبادي في ذيل طبقات الفقهاء الشافعيين، إلا أنه لا يوجد له أي أثر في المذهب. ٤ - عقيدة البكري: البكَري صوفي قبوري؛ كما هو واضح فيما نقل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية، يدافع عن أقوال الصوفية ويعظمها، اتلدعو إلى تعظيم القبور

стр. 28

ودعاء المقبورين من دون الله -تعالى-، بل يكفر ويرمي بالزندقة كل من يرد عليه ضلاله؛ كما فعل مع شيخ الإسلام ابن تيمية، ويرى مثل سلفه الأقدمين أن إنكار بدع القبورية مؤذن بالهلاك، كما قال تعالى عن سلفه قولهم لإبراهيم ﵇ لما نهاهم عن الشرك: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١)﴾ [الأنعام: ٨٠ - ٨١]. فقد قال البكري: (لقد خشيت على كثير من أهل الإقليم بسبب تقاعدهم عن نصرة الرسول ﷺ ) (١)، وهذه عادة عباد القبور في كل عصر ومصر، وقد برأه شيخ الإسلام ابن تيمية من القول بالحلول والاتحاد (٢)، وهذا من عدله ﵀ وإنصافه. ومع صوفيته وقبوريته فقد أغفله الشعراني في طبقاته، ولم أجد له ذكراً في المصادر الصوفية، ولعل تكفيره ابن عربي شيخ الصوفية الأكبر هو السبب في إغفاله. وأما اعتقاده في الأسماء والصفات والقدر فليس له كلام واضح فيها، ولكنه يرى بعض آراء الأشاعرة، فهو يرى أن التوحيد هو توحيد الربوبية فقط (٣)، وينكر السببية (٤)، ويقول بالجبر (٥)، وغير ذلك. ٥ - طريقة البكري الصوفية: ما وصلنا عن الرجل يظهر أنه لا ينتسب إلى طريقة معينة، وأما بعض الطرق الصوفية التي يطلق عليها اسم البكرية، فلم أجد من نسبه إلى أي منها، وهما: الأولى: "البكرية" وتنسب إلى عماد الدين عبد الرحمن بن محمد البكري

стр. 29

الصقلي (ت ٣٨٠ هـ) (١) وقد رد عليه الإمام ابن أبي زيد القيرواني الأندلسي (٢) (ت ٣٨٦ هـ)، في كتابيه "كشف التلبيس في الرد على البكرية"، و"الاستظهار في الرد على البكرية"، ومما أنكر عليه ابن أبي زيد الغلو في كرامات الأولياء، مثل: قلب الأعيان، ورؤية الله في اليقظة. وقد ورد اسم هذه الطائفة في بعض المصادر "الفكرية" (٣)؛ والصواب البكرية. الثانية: الطريقة البكرية الصوفية المعاصرة الموجودة في مصر وغيرها، وإن كان رؤساء الطريقة ينتسبون إلى أبي بكر ﵁، وأبو بكر بريء من ضلالهم وإفكهم كما ينتسب البكري، وقد ذكر رؤساء الطائفة ممن ينسب للصديق ﵁ محمد توفيق البكري في كتابه "بيت الصديق" ولم يذكر علي بن يعقوب البكري (٤). ٦ - منهج البكري في التكفير: التكفير حق لله -تعالى- فلا يكفر إلا مَنْ كفره الله ورسوله، أما التكفير عند البكري فحاله كحال المبتدعة يبتدعون البدعة ويكفرون من خالفهم فيها،

стр. 30

وأقوال البكري في هذه المسألة تبنى على ما سبق ذكره في آثاره العلمية، فهو ليس من الراسخين في العلم، ولذلك نجده يكيل الكفر والزندقة والسب لشيخ الإسلام ابن تيمية كيلاً لا لسبب شرعي، كما نجده أيضاً يكفر ابن عربي محيي الدين ويلعنه، وابن عربي أهل لذلك، فهل تكفير البكري مبني على أسس شرعية؟ أم حسب الهوى؟ ومن خلال دراسة أقواله يظهر أنه يكفر من خالفه مهما كانت هذه المخالفة صواباً أو خطأ. ٧ - مواقفه مع شيخ الإسلام ابن تيمية: آذى البكري شيخ الإسلام ابن تيمية بالقول والعمل، أما القول فقد رماه بالزندقة، قال: (إن المجيب -أي ابن تيمية- لا يثبت على تأويل، وإنما يذهب إليه عند الخوف زندقة منه على ما علمته)، وأحياناً يصل إلى حد التكفير (١). واستعدى السلطان في عصره على شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: (لقد خشيت على كثير من أهل الإقليم بسبب تقاعدهم عن نصرة الرسول ﷺ بإهلاكة وإهلاك أمثاله خصوصاً أهل الدولة وأصحاب الحكم) (٢). ولكن جعل الله كيده في نحره وسلط الله السلطان عليه، وسلم الله أهل العلم والإيمان. وأما بالعمل فقد كان من أشد الصوفية على شيخ الإسلام ابن تيمية، ففي محنته معهم عام ٧٠٧ هـ عندما ادعوا عليه أنه يمنع الاستغاثة بالنبي ﷺ ، فقال بعض الحاضرين: [يعزر]، قال البكري: "لا معنى لهذا القول، فإنه إن كان تنقيصاً يقتل، وإن لم يكن تنقيصاً [لا يعزر] " (٣). وفي رجب، وقيل شعبان سنة ٧١١ هـ تعصب على شيخ الإسلام ابن تيمية جماعة من الغوغاء معهم البكري نور الدين وتفردوا به وضربوه، وقد استفرد البكري بالشيخ ووثب عليه، ونتش أطواقه (٤) وقال: "احضر معي إلى

стр. 31

الشرع، فلي عليك دعوى"، فلما تكاثر الناس انملص، فطُلب -أي البكري- من جهة الدولة فهرب واختفى، وثار بسبب ذلك فتنة، وحضر جماعة كثيرة من الجند وغيرهم إلى الشيخ لأجل الانتصار له، فلم يجبهم، وقال: "أنا ما أنتصر لنفسي". وأكثروا عليه في القول حتى قال لهم: "إما أن يكون الحق لي، أو لكم أو لله، فإن كان الحق لي فهم في حل، وإن كان لكم فإن لم تسمعوا مني فلا تستفتوني؛ وافعلوا ما شئتم، وإن كان الحق لله فالله يأخذ حقه كما يشاء ومتى شاء"، ولما طلبت الدولة البكري هرب واختفى عند شيخ الإسلام ابن تيمية لما كان مقيماً في مصر حتى شفع فيه عند السلطان وعفى عنه (١). فانظر نبل موقف ابن تيمية، وموقف البكري منه، قابل العفو والصفح بالظلم والعدوان، والشفاعة له باستعداء الدولة والسلطان. ٨ - موقف البكري مع السلطان (الملك الناصر محمد بن قلاوون): في النصف من المحرم سنة ٧١٤ هـ بلغ البكري أن النصارى قد استعاروا من قناديل جامع عمرو بن العاص بمصر شيئاً؛ وعلقوه في كنيسة، فأخذ معه طائفة كبيرة من الناس وهجم على الكنيسة والنصارى في المجمع ونكل بهم؛ وبلغ منهم مبلغاً عظيماً، وعاد إلى الجامع وأهان قوّمته وأكثر الوقيعة في خطيب الجامع، فبلغ السلطان فأمر بإحضار القضاة وفيهم ابن الوكيل (٢)؛ وأحضر البكري فتكلم ووعظ وذكر آيات من القرآن وأحاديث، واتفق أنه أغلظ في العبارة للسلطان، ثم قال: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" (٣)

стр. 32

فقال له السلطان -وقد اشتد غضبه-: أنا جائر؟ قال: "نعم، أنت سلطت الأقباط على المسلمين وقويت دينهم"، فلم يتمالك السلطان نفسه أن أخذ السيف وهمَّ بالقيام ليضربه، فبادر بعض الأمراء وأمسك يده، فالتفت إلى ابن مخلوف وقال: "يا قاضي يتجرأ علي هذا، ما الذى يجب عليه"، قال: "لم يقل شيئاً يوجب العقوبة"، فصاح السلطان بالبكري: اخرج عني، فقام وخرج، فقال ابن الوكيل: "ما كان ينبغي أن يغلظ ويتكلم برفق"، فأعجب السلطان، فقال ابن جماعة: "قد تجرأ وما بقي إلا أن يزاحم السلطان"، فانزعج السلطان وقال: "اقطعوا لسانه"، فبادر الأمراء ليفعلوا ذلك بالبكري، فارتعد وصاح واستغاث بالأمراء فرقّوا له؛ وألحوا على السلطان في السؤال في أمره؛ والشفاعة فيه حتى رق له، وأمر بنفيه ومنعه من الفتوى، ودخل ابن الوكيل على السلطان وهو يبكي وينتحب، فظن السلطان أنه أصابه شيء، فقال له: "خير خير"، فقال: "البكري عالم صالح (١) لكنه ناشف الدماغ"، قال: "صدقت" وسكن غضبه (٢). وقال الذهبي: "وأراد قطع يده لفتاويه" (٣). قلت: لعل الذهبي يقصد حادثة غير هذه الحادثة، فقد انتقد شيخ الإسلام ابن تيمية فتوى للبكري في بيت المال (٤)، ولم أجد من ذكر هذه الفتوى.

стр. 33

وقد كتب ابن تيمية في الرد على البكري ثم شغل عن إكمال الرد عليه؛ حتى حصل له هذا الموقف للبكري مع السلطان؛ يقول ابن تيمية: "كنت قد أجبت عن كلامه إلى هذا الموضع، واتفقت أمور شغلتني عن تمام ذلك حتى أنزل الله بأسه بهذا الجاهل الظالم وحزبه الجاهلين الظالمين، وكانوا في ذلك نظير المستفتحين من المشركين، وهذا الوعيد الذي ذكره في كلامه به وبأحزابه أليق؛ وهم به أحق، وهكذا فعل الله -تعالى- بهم حيث عاقبه وحزبه عقوبة المعتدين الظالمين، عقوبة لم يعاقب بها أحداً من أشكالهم" (١). من هذه المواقف يظهر جلياً أن البكري اتصف بالحدة والغلظة مع كل من خالفه، وبسط لسانه في الإنكار دون حكمة ودون روية، وصفه ابن حجر: "بأنه أكثر القلاقل" (٢). ومع هذا فالبكري ديّنٌ متعفف طارح للتجمل. ٩ - وفاته وشعره: تنقل بأعمال مصر حتى توفي يوم الاثنين سابع شهر ربيع الآخر سنة ٧٢٤ هـ، ودفن بالقرافة (٣) قال ابن كثير: وكانت جنازته مشهورة غير مشهودة. * من شعره -عفا الله عنا وعنه-: كن يا علي على الطريق الأقوم ... واذعن لخلاق (الأنام) (٤) وسلم ودع الهوى والنفس عنك بمعزل ... والوجه منك أقم لدين قيم (٥)

стр. 34

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 35

الباب الثاني: دراسة الكتاب ويتكون من ستة فصول: الفصل الأول: الاستغاثة وأقسامها. الفصل الثاني: الكتب المؤلفة في موضوع الاستغاثة. الفصل الثالث: عنوان الكتاب ونسبته للمؤلف. الفصل الرابع: منهج المؤلف في الكتاب.

стр. 36

الفصل الأول: الاستغاثة أقسامها وحكمها الاستِغَاثةُ: مصدر، وعند النحاة من أنواع النداء، وتعريفها لغة: أن يطلب من المُنادى الإغاثة لغيره، وهي: طلب الغوث وهو كشف الشدة، كالاستنصار طلب النصر، وكالاستجارة والاستعاذة، فكلها من أنواع الطلب والدعاء لأن الفعل الثلاثي إذا تقدمه السين والتاء دل على طلب الشيء، والنداء والدعاء بمعنى واحد، وبين الاستغاثة والدعاء عموم وخصوص مطلق يجتمعان في مادة دعاء المستغيث، وينفرد الدعاء الذي هو مطلق الطلب أو السؤال من غير المستغيث، وينفرد الدعاء الذي هو مطلق الطلب أو السؤال من غير المستغيث. والمستغاث به هو المطلوب منه الغوث، والمستغيث هو الذي يطلب الإغاثة من غيره، ولفظ الاستغاثة في الكتاب والسنة وكلام العرب إنما يستعمل بمعنى الطلب من المستغاث به. والفرق بين الاستغاثة والتوسل، أنه في الاستغاثة لا يقال: استغثت إليك بفلان أن يفعل بي كذا، وإنما يقال: استغثت بفلان أن يفعل بي كذا، وفي التوسل يقال ذلك، كما أن من سأل بشيء أو توسل به لا يكون مخاطباً له ولا مستغيثاً به، لأن قول السائل المتوسل: أتوسل إليك يا إلهي بكذا، إنما هو خطاب لله، لا لذلك المتوسل به، بخلاف المستغاث به فإنه مخاطب مسؤول منه الغوث. أقسام الاستغاثة: وتنقسم الاستغاثة إلى: استغاثة مشروعة، واستغاثة ممنوعة، و الاستغاثة المشروعة أنواع: أولها: الاستغاثة بالله -تعالى-، وهي الاستغاثة المأمور ما في الشرع، فلا غياث ولا مغيث على الإطلاق إلا الله -تعالى-، وكل غوث فهو من عنده.

стр. 37

قال تعالى إخباراً عن المؤمنين في استغاثتهم إياه ليلة بدر: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ [الأنفال: ٩]، وقد أمر تعالى عباده أن يدعوه ويستغيثوه، فهو تعالى غياث المستغيثين: ومعناه المدرك لعباده في الشدائد، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠] عبادتي: أي دعائي. الثاني: الاستغاثة بالنبي ﷺ فيما يقدر عليه ويليق بمنصبه، وهذا لا يُنازع فيه مسلم، وهذا النوع جائز أيضاً في حق غير النبي ﷺ من عامة المؤمنين وخاصتهم، بل والفجار والكفار أيضاً، ومن هذا النوع ما وردت به النصوص من الاستغاثة بالنبي ﷺ يوم القيامة. قال تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥)﴾ [القصص: ١٥]، فهذه الاستغاثة في ما يقدر عليه موسى ﵇، وهذا لا ينافي كمال التوحيد. وقد غلط بعض الغلاة فسوَّى بين حياة النبي ﷺ وموته، وأثبتوا له بعد موته حياة حقيقية كحياته ﷺ في الحياة الدنيا، وأن الشهداء أحياء في قبورهم وحياة الأنبياء أكمل، وبناء على هذا أجازوا الاستغاثة بالنبي ﷺ حياً وميتاً. ولم يعلموا أن حياته ﷺ -بأبي هو وأمي- حياة برزخية، وهذه الحياة البرزخية من الغيب الذي أخبرنا الله به، ولم نعلم حقيقتها وكنهها، فوجب علينا الإيمان بحياة الأنبياء على هذا الأساس مع الجزم باختلافها عن الحياة الدنيا، ولو أريد أن حياتهم كحياتهم في الدنيا لاقتضت جميع لوازمها من أعمال، وتكليف، وعبادة، ونطق، وغير ذلك (١).

стр. 38

* وأما الاستغاثة الممنوعة فهي أقسام أيضاً: الأول: الاستغاثة بالنبي أو الرجل الصالح الحيين الشاهدين الحاضرين فيما لا يقدر عليه إلا الله -تعالى-؛ مثل غفران الذنوب وهداية القلوب، وشفاء المرض، والرزق والنصر على الأعداء، وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله -تعالى-، وهذه الاستغاثة من الشرك الأكبر الذي يخرج من الملة، وهذا شرك العرب في الجاهلية. إلا أن هؤلاء قد يزيدون على شرك العرب في الجاهلية، أنهم يشركون أيضاً في توحيد الربوبية الذي أقرّ به مشركو العرب، الذين أقروا بأن الله خالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم، أما هؤلاء الغلاة فمنهم من لا يقبل الرزق إلا من شيوخهم. وأيضاً فإن مشركي العرب يخلصون لله في الشدائد، وهؤلاء الغلاة يزدادون شركاً في الشدائد، ولا حول ولا قوة إلا بالله. الثاني: الاستغاثة بالميت سواء كان نبياً أو غير نبي، وحجتهم في ذلك تسويتهم بين حياة النبي ﷺ ومماته، كما سبق بيانه، واعتقاد بعضهم في شيوخهم أن لهم تصرفاً في الكون بعد الممات، واعتمدوا على حكايات مكذوبة لسدنة القبور ليأكلوا ما أموال الناس بالباطل. الثالث: الاستغاثة بالنبي ﷺ والرجل الصالح في حال غيبته، وهذا أيضاً لا يجوز، فإنه لا يسمع الاستغاثة ولا يعلم الغيب، وعمدة القائلين بجوازها حكايات لا تصح، فضلاً عن أن تكون دليلاً في الدين، منها: أن أحدهم استغاث بالله فلم يغثه، فاستغاث بالنبي ﷺ والشيخ الفلاني فأغاثه، وفرَّج كربته. وقد تتمثل الشياطين بالمستغاث به إمعاناً في إضلال المستغيثين بهم، وتُحْضِر لهم بعض مطالبهم، وحصول مطالبهم يجعل هذه الأسباب مباحة، فإنه ليس كل ما كان سبباً كونياً يجوز تعاطيه ولو كان نافعاً. فهذه أقسام الاستغاثة، عرف المسلمون الاستغاثة المشروعة، ولم يعرف القبورية إلا الاستغاثة الممنوعة، وجعلوها أصل دينهم.

стр. 39

الفصل الثاني: الكتب المؤلفة في موضوع الاستغاثة كلام الأئمة المتقدمين في مسألة الاستغاثة بالمخلوقين قليل، فهي مسألة واضحةٌ ناصعة لا لبس فيها، ولا تحتاج إلى بيان، "فإن آيات القرآن الكريم ناطقة بحظر دعاء كل أحد، لا من الأحياء، ولا من الأموات سواء كانوا أنبياء أو صالحين، أو غيرهم، وسواء كان الدعاء بلفظ الاستغاثة أو بغيرها، فإن الأمور غير المقدورة للعباد لا تطلب إلا من الله خالق القدر ومنشئ البشر" (١). "ومن المعلوم أيضاً أن الدعاء عبادة من أجلَّ العبادات، بل هو أكرمها على الله ... فإن لم يكن الإشراك فيه شركاً؛ فليس في الأرض شرك، وإن كان في الأرض شرك؛ فالشرك في الدعاء أولى أن يكون شركاً من الإشراك في غيره من أنواع العبادة، بل الإشراك في الدعاء هو أكبر شرك المشركين الذين بُعث إليهم رسول الله ﷺ " (٢). ولذلك كانت ترد هذه القضية عرضاً، في تفسير آية من الكتاب العزيز، أو نقل خبر عن المصطفى ﷺ أو عن الصحابة ﵃، أو قصص من أخبار التابعين والسلف الصالح. ولذا قلما يفردونها في مصنف خاص، أو يتكلمون في حكمها وأنواعها وما لا يجوز صرفه لغير الله، وما يجوز الاستغاثة فيه بغير الله مما يقدر عليه البشر، لشدة وضوحها ومعرفة الناس ما.

стр. 40

وقد شهد بهذا أحد القبورية وهو محمد بن موسى النعمان المالكي (ت ٦٨٣ هـ) فقال: "أما بعد فإنه سبق جماعة من العلماء الأعلام إلى جمع أخبار من استغاث بالله -تعالى- فقصدت أن أذكر ما وقع لي ممن استغاث بالنبي ﷺ ، ولاذ به في شدته" (١). لهذا فالكتب التي تعرضت لموضوع الاستغاثة ثلاثة أقسام: القسم الأول: الكتب المؤلفة في الاستغاثة بالله -تعالى -، وهي ما كانت على الإسلام الصحيح الذي لم يعرف بدعة القبورية. والقسم الثاني: الانحراف في مسألة الاستغاثة بالمقبورين. والقسم الثالث: ردود أهل السنة والجماعة على هذا الانحراف وبيان حكم الاستغاثة بغير الله. وإليك هذه الأقسام بشيء من التفصيل. * القسم الأول: الكتب المؤلفة في الاستغاثة بالله -تعالى-: لم يصنف السلف هذه الكتب ليوضحوا القضية، أو يبينوا حكمها، أو يردوا بدعة القبورية، فهي قضية واضحة لا لبس فيها، أوضحها القرآن الكريم، وأبانها رسول الله ﷺ ، ولم تعرف الأمة بعدُ بدعة القبورية حتى تردها، بل لعله لم يتوقع أحد منهم وقوع الاستغاثة بالأموات في هذه الأمة. فهذه المؤلفات لجمع الأخبار في هذا الباب، وكانت تحكي حال الأمة في اللجوء إلى الله تعالى عند الكرب والشدة، ورجائه ودعائه وحده، لا يلجأون لنبي ولا لملك من الملائكة ولا لرجل من الصالحين. قال القاضي التنوخي: "فإني لما رأيت أبناء الدنيا متقلبين فيها بين خير وشر، ونفع وضر، ولم أر لهم في أيام الرخاء أنفع من الشكر والثناء، ولا في أيام المحنة والبلاء أنجع من الصبر والدعاء، .... وجدت من أقوى ما يفزع إليه من أناخ الدهر بمكروهه عليه، قراءة الأخبار التي تنبئ عن تفضل الله على من حصل قبله في محصله، ونزل به مثل بلائه ومعضله، بما أتاحه الله -تعالى- له من صنيع أسهل الأرزاق، ومعونة حل بها من الخناق، ... فإن
следующие страницы →