سعيد حوى
الأساس في السنة
وفقهها
المجلد الأول
القسم الأول
السيرة النبوية
دار السلام
للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة
стр. 2
الأساس في السنة
وفقهها
السيرة النبوية
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسّلامُ عَلَىَ رَسُولِ اللهِ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ
رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
راجع هذا القسم ودققه
فضيلة الشيخ
عبد الحميد الأحدب
حفظه الله
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مُقَدِّمَةُ النَّاشِر
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين ومن تبع سنتهم وعمل بهديهم إلى يوم الدين.
فقد روى الإمام مالك في الموطأ أن رسول الله ﷺ : "تركتُ فيكم أمرين لن تضلوا ما مسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه" فلقد يسر الله لنا أن قدمنا للأمة الإسلامية تفسير كتاب الله (الأساس في التفسير) وهو يعتبر القسم الأول من سلسلة الأساس في المنهج وأرجو أن نكون وقفنا في ذلك وها نحن والحمد لله نقدم لأمتنا الغالية (التي لم تعرف قدر نفسها) الكتاب الأول من القسم الثاني من سلسلة الأساس في المنهج والمكون من خمس كتب.
والتي تمثل الأساس في السنة وفقهها، وهذا القسم له ما للتفسير من الأهمية، وخاصة في هذا العصر الذي كثرت فيه الصيحات للأخذ بالقرآن دون السنة وهذا عن جهل أحياناً وعن علم وتخطيط ومكر أحياناً أخرى وقد اتخذت هذه الدعوات أشكالاً شتى، تارة بالطعن فيها وتارة بطبع الكتب وتوزيعها وتارة بالتشكيك في حجيتها ونصوصها وتارة في صحة نقلها وتارة بالطعن في رواتها كما تفعل بعض الفرق الضالة. وهذا الاتجاه قديم يعود للقرن الهجري الأول فقد أخرج البيهقي بسنده عن شبيب بن أبي فضالة المكي أن عمران بن حصين ﵁ ذكر الشفاعة فقال رجل من القوم: يا أبا نجيد إنكم تحدثونا بأحاديث لم نجد لها أصلاً في القرآن فغضب عمران وقال للرجل: قرأت القرآن؟ قال: نعم. قال فهل وجدت فيه صلاة العشاء أربعاً وصلاة المغرب ثلاثاً والغداة - أي الصبح - ركعتين والظهر أربعاً والعصر أربعاً؟ قال لا. قال: فعمن أخذتم ذلك؟ ألستم عنا أخذتموه وأخذناه عن رسول الله ﷺ ... إلخ الحديث، وفي نهاية الحديث يقول عمران بن حصين ﵁ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. قال عمران: فقد أخذنا عن رسول الله أشياء ليس لكم بها علم.
بل إن الرسول صلى لله عليه وسلم قد أخبرنا عن أمثال هؤلاء المشككين في السنة النبوية وحذر
стр. 5
منهم فقد روى الإمام أحمد وأبو داود بسند صحيح عن المقدام بن معد يكرب ﵁ قال ﷺ : "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيتُ القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله". وصدق رسول الله ﷺ . ويقول الله ﵎ ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾.
وأقول: الحمد لله الذي حفظ لنا القرآن الكريم وسنة نبيه صلى الله عيه وسلم، والشائع أن الآية الكريمة ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ هي للقرآن فقط، وإن كان هذا على أرجح الأقوال إلا أن حفظ السنة النبوية من لوازم حفظ الشريعة، وقد اختارها الله تعالى ديناً لعباده إلى قيام الساعة، وختم بها الشرائع، فكان من لوازم التدبير الإلهي أن تحفظ هذه الشريعة الغراء ولن يتحقق ذلك الحفظ إلا بحفظ أصيلها العظيمين الكتاب والسنة.
وقد انفرد هذه الأمة عن باقي الأمم بأنها حفظت نصوص دينها حفظاً دقيقاً كاملاً لا مثيل له لتبقى زاد الأمم ومصدر هدايتها إلى قيام الساعة.
إلا أن فهم هذه النصوص هي التي محل اجتهاد وتقديمها للناس بأسلوب يناسب العصور على تتابعها، والتركيز على ما يهم كل جيل من الأجيال وتلمس حاجاته ومراعاة مدى استيعابه وفهمه، وحل مشاكله. فهذا هو الذي نحن بحاجة إليه في عصرنا، فكان هذا الكتاب، الذي نأمل من الله ﵎ أن يسد ثغرة في وجه المشككين بالسنة.
وأكرر دعوة وجهتها للقارئ الكريم على صفحات المقدمة في الأساس في التفسير أن لا يألو جهداً في توجيه النصح لنا لكي نتدارك ذلك في الطبعات القادمة إن شاء الله سواء ذلك للمؤلف حفظه الله أو للناشر فنكون له من الشاكرين، ورحم الله عملاق هذه الأمة الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ حينما قال: رحم الله أمرأ أهدى إليَّ عيوبي.
وفي الختام اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.
الناشر
عبد القادر البكار
стр. 6
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تستطيع أن تقول إذا قرأت هذا الكتاب أنك كدت تحيط بمعاني السنة النبوية، لأنه حوى الهدي النبوي الذي روته أمهات كتب السنة: صحيحا البخاري ومسلم، والسنن الخمسة: لأبي داود والنسائي والترمذي وابن ماجه والدارمي، وموطأ الإمام مالك، ومسانيد: الإمام أحمد وأبي يعلي الموصلي وأبي بكر البزار، وصحيحا ابن خزيمة وابن حبان، ومعاجم الطبراني الثلاثة ومستدرك الحاكم وما تيسر جمعه من يغر هذه الكتب من صحيح السنة وحسنها.
стр. 7
مقدمة
الأساس في السنة وفقهها
وفيها
أولاً: تعريف بهذا الكتاب.
ثانياً: التعريف بأصول هذا الكتاب ومصنفيها.
стр. 8
أولاً: تعريف بهذا الكتاب
تمهيد
أقبلت على الدعوة الإسلامية - بفضل الله - في سنِّ مبكرة من حياتي، وكانت المكتبة الإسلامية لحديثة فقيرة، وكان من أبرز الكُتَّاب الذين تصادفنا كتبهم في تلك الأيام الشيخ محمد الغزالي - أطال الله بقاءه - وكان مما قرأت له كتاب فقه السيرة، وكان مما قاله في هذا الكتاب:
إن القرآن روح الإسلام ومادته، وفي آياته المحكمة شُرِحَ دستوره وبُسِطَتْ دعوته، وقد تكفل الله بحفظه فصِينت به حقيقة الدين، وكُتِبَ لها الخلود أبد الآبدين، وكان الرجل الذي اصطفاه الله لإبلاغ آياته وحمل رسالته (قرآناً) حياً يسعى بين الناس، كان مثالاً لما صوَّره القرآن من إيمان وإخبات، وسعي وجهاد، وحق وقوة، وفقه وبيان، فلا جرم أن قوله وفعله وتقريره وأخلاقه وأحكامه، ونواحي حياته كلها تعد ركناً في الدين، وشريعة للمؤمنين.
إن الله اختاره ليتحدث باسمه ويبلغ عنه، فمن أولى منه بفهم مراد الله فيما قال؟ ومن أولى منه بتحديد المسلك الذي يتواءم مع دلالات القرآن القريبة والبعيدة؟ إن تطبيق القانون لا يقل خطراً عن صياغته، وللقانون نص وروح، وعند علاج الأحداث المختلفة لتسير وفق القانون العتيد، تجدُّ فتاوى وتدوّنُ نصائح، وتُحفظ تجارب وعِبر، وتثبت أحكام بعضها أقرب إلى حرفية النص وبعضها أدنى إلى روحه .. وهكذا.
والقرآن هو قانون الإسلام، والسنة هي تطبيقه، والمسلم مكلف باحترام هذا التطبيق تكليفه باحترام القانون نفسه، وقد أعطى الله نبيه ﷺ حق الاتباع فيما يأمر به وينهى عنه لأنه - في ذلك - لا يصدر عن نفسه بل عن توجيه ربه، فطاعته هي طاعة الله، قال الله : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ
стр. 9
حَفِيظًا﴾ (١). وقال: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢). وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣).
إن السير في ركاب المرسلين هو الخير كله، ومن ثَمَّ كانت سنة محمد ﵊ مصدراً لشريعته مع الكتاب الذي شرفهُ الله به، إلا أن السنن المأثورة عرض لها ما يوجب اليقظة في تلقيها، فليس كل ما ينسب إلى الرسول ﵊ سنة تقبل، ولا كل ما صحت نسبته صح فهمهن أو وُضِعَ موضعه.
والمسلمون لم يؤذوا من الأحاديث الموضوعة - لسهولة تزييفها وفضحها - قدر ما أوذوا من الأحاديث التي أُسيءَ فهمها واضطربت أوضاعها، حتى جاء أخيراً من ينظر إلى السنن جمعاء نظرة ريبة واتهام، ويتمنى لو تخلص المسلمون منها.
وهذا خطأ من ناحيتين: إهمال الحقيقة التاريخية أولاً، فإن الدنيا لم تعرف بشراً أحصيت آثاره ونقدت بحذر، ومُحِّصت بدقة، كما حدث ذلك في آثار محمد بن عبد الله ﷺ .
والناحية الأخرى أن في السنة كنوزاً من الحكمة العالية، لو نسب بعضها إلى أحد من الناس لكان من عظماء المصلحين، فلماذا تضيع ويحرم الناس خيرها؟!
عندما درسنا تراث محمد ﷺ في (الأخلاق) وذاكرنا أحاديثه التي تربو على الألوف في شتى الفضائل، خيل إلينا: لو أن جيشاً من علماء النفس والتربية اجتمع ليسوق للعالم مثل هذا الأدب لعجز، والأخلاق شعبة واحدة من رسالة محمد ﵊ الضخمة أهـ.
وهكذا استقر في ذهني منذ بدايات سيري إلى الله ضرورة التعرف على السنة الصحيحة والحسنة، وضرورة فهمها فهماً صحيحاً. وبعد مطالعات كثيرة في كتب السنة وجدت أن الحاجة ملحة لوجود كتاب يجمع السنة الصحيحة والحسنة، ويقدم مع ذلك الفهم الصحيح للنصوص التي تحتاج إلى شرح أو توضيح. ومن ثم ولدت فكرة هذا الكتاب.
стр. 10
وأثناء مطالعاتي في كتب السنة كنت أتردد في قراءة بعض الكلمات أو الأسماء بسبب من غياب الشكل والضبط، وإذا ما أردت التحقيق كان ذلك يستغرق قسماً من الوقت ليس قليلاً، وكثيراً ما كانت تفوتني معاني بعض الكلمات والتراكيب، وكان ذلك يقتضي مني بحثاً طويلاً إن أردت المعرفة، فشعرت أنه إذا كان من الضروري أن تجمع السنة المعتمدة في كتاب، وأن يعرض ي هذا الكتاب الفهم الصحيح لبعض النصوص، فلابد أن يكون هذا الكتاب مشكلاً مشروحاً فيه كل ما هو غامض في حق القارئ العادي.
وأثناء مطالعاتي ف يكتب السنة كنت ألاحظ أن المؤلفين فيها ما تركوا شيئا إلا وعملوا على خدمة السنة النبوية فيه، ولكنه شيء عادي أن يتحكم في تأليف كل عصر اهتمامات ذلك العصر، فالتأليف في الأصل وليد الحاجة أو وليد الظرف، فمثلاً حيثما وجد صراع مذهبي أو وجدت فرقة ضالة أو جهل معين أو انحراف ما فلابد أن يراعى في تأليف أهل ذلك العصر مثل هذا، ومن ههنا تبرز عناوين ويركز على موضوعات، وقد يتغلب نوع من الترتيب في عصر على غيره، وقد وجدت أن موضوعات كثيرة مما تهم عصرنا لم تنل حظها من الإبراز، كما أني وجدت أن نوعاً من الترتيب يمكن أن يكون أكثر مناسبة للقارئ العادي، وأكثر تحقيقاً لبعض المعاني التربوية أو النفسية التي أحرص عليها.
وكان مما استقر ف نفسي أن احتياجات القارئ العادي غير احتياجات القارئ المختص، فالقارئ العادي يهمه الجوهر دون ما احتاجه حفظ هذا الجوهر أو تمييزه عن غيره، ولما كانت أكثر كتب الحديث تهتم بما أحاط بالسنة أو لزم لتمحيصها اهتمامها بالسنة نفسها فقد وجدت أن كتاباً ينصبُّ الكلام فيه على السنة ذاتها دون ما أحاط بها من ضرورات التحقيق هو الذي يحتاجه القارئ غير المختص في عصرنا. وهذا الكتاب للقارئ المسلم مطلقاً.
وإذ كنت أرى أن من واجبات دعاة الإسلام في عصرنا أن يقدموا للناس نصوص الكتاب والسنة بأسهل عرض وأجوده، وأقوم شرح وأعدله، خاصة وهم يريدون أن يقدموا للعالم هذا الإسلام، ويريدون أن يصوغوا الحياة عليه، فقد وجدت من الضرورة أن توجد
стр. 11
سلسلة في هذا الشأن، وهكذا تأكد لديَّ إصدار سلسلة الأساس في المنهج بأقسامها الثلاثة: (الأساس في التفسير) و (الأساس في السنة) و (الأساس في قواعد المعرفة وضوابط الفهم للنصوص).
وإذ كنت أتصور أنه لا تنضج شخصية الداعية والقائد المسلم في عصرنا إلا باستكماله دراسة عدة أمور، منها السنة النبوية، فقد رأيت أنه لابد من كتاب جامع لنصوص السنة الصحيحة والحسنة يدرسه كل من يتصدر للدعوة إلى الله أو تؤهله مؤهلاته لذلك، أو يقدمه إخوانه للقيادة الإسلامية الراشدة.
وكان هذا عاملاً من عوامل تأليف هذا الكتاب.
* * *
هذه بعض الدوافع التي دفعت إلى التفكير في إخراج هذا الكتاب. ودعني الآن أحدثك بعض الحديث عن بعض المباحث الحديثية وغيرها بين يدي ما فعلته؛ ليخرج هذا الكتاب بالشكل الذي تراه، والذي أطمع أن يكون قد حقق كل ما استهدفته منه.
(١)
انفردت الأمة الإسلامية عن جميع الأمم بأنها حفظت نصوص دينها حفظاً دقيقاً كاملاً، وذلك من معجزات الإسلام، وأن ما قاله كتابه هو الحق والصدق، يشهد لذلك تحقق قوله ﷻ : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) فلقد حفظ القرآن حفظاً لا ينتطح فيه عنزان، وحفظت السنة النبوية التي تشرح القرآن حفظاً هو وحده معجزة، فلقد وُقِّفَتْ هذه الأمة إلى اعتماد كل ما يلزم لحفظ النصوص، وقد قامت جهود هائلة من أجل ذلك، ومن عرف حقائق هذا الأمر أدرك معجزة الإسلام هذه.
(٢)
اعتمدت الأمة الإسلامية من أجل حفظ نصوص الوحي مبدأي الرواية والتثبت،
стр. 12
وتوضَّعَتْ نتيجة لاعتماد هذين المبدأين مئات الاصطلاحات والقواعد والضوابط وعشرات العلوم وأنواع الدراسات، ونتج عن ذلك عشرات الألوف من الكتب، وكل ذلك للوصول في النهاية إلى ما يصح اعتماده من النصوص ومالا يصح.
(٣)
انصب جهد القراء على حفظ الشاردة والواردة مما له علاقة بالقرآن الكريم، أحرفه ورواياته، من الهمس فيه إلى تعدد اللهجات في النطق به، إلى استقراء طرائق الأداء التي أدى بها الرسول ﷺ هذا القرآن لشتى القبائل.
وانصبَّ جهد المحدثين على حفظ الحديث وتبيان ما داخله أو خالطه أو أدخل عليه.
وبهذا الجهد وذاك قدم القراء والمحدثون المادة الخام لكل علوم الإسلام التي انبثقت عن الكتاب والسنة، كعلم أسباب النزول وعلم الناسخ والمنسوخ وعلم التفسير وعلم الأصول وعلوم العقائد والفقه والأخلاق والآداب والسلوك وعلوم السيرة والشمائل والخصائص إلى غير ذلك من علوم أمهات، ولقد وسِعَتْ هذه المادة الخام الحياة كلها؛ ولذلك فإن الدراسات والمعاني التي يمكن أن تنبثق عن الكتاب والسنة لا تتناهى.
وإذا كانت المحصلة المرادة من النصوص هي الأحكام الشرعية فقد وجد علم أصول الفقه الذي يضبط كيفية الوصول إلى الأحكام الشرعية التي تسع الزمان والمكان والتي لا تتناهى كذلك.
وهذا العلم - علم أصول الفقه - هو الذي وضع القواعد التي تضع السنة في محلها بالنسبة لأصول التشريع، والذي وضع قواعد الوصول إلى الحكم الشرعي من خلال استشراف النصوص وأصول الأحكام.
وهكذا تعاون القراء والمحدثون والمجتهدون والأصوليون والراسخون في العلم بعامة على وضع كل نص في محله بالنسبة لبناء الإسلام.
стр. 13
(٤)
وقد اشتغل المحدثون للتثبت من المرويات على محورين: محور السند، ومحور المتن.
فعلى محور السند: درسوا وضع الرواة: عدالتهم وصدقهم وضبطهم، واجتماعهم ببعضهم، وإمكانية أخذ بعضهم عن بعض، إلى غير ذلك.
وعلى محور المتن: قارنوا بين المتون المروية فإذا خالف الثقة من هو أوثق منه أو إذا خالف الثقة الثقات لم يقبلوا المتن إلا إذا أمكن الجمع بين الحديثين.
وهكذا من خلال سير السند ومقارنة المتون أحكموا أمر التثبت، ومع ذلك فإنهم لم يكتفوا بذلك بل أوجبوا على أنفسهم أن ينظروا نظرة شمولية إلى السند والمتن بعي الخبير بشأنها البصير بهما، لعلهم يكتشفون قادحاً خفياً، ومن ثم أوجدوا ما يسمى بعلم العلل، ولم يعتبروا الحديث صحيحاً إلا إذا سلم من الشذوذ والعلة.
وهذا كله كان جهد المحدثين، وأكمل عملهم الأئمة المجتهدون، فإذا كان المحدثون مهمتهم النظر في السند والمتن ومقارنة متون السنة النبوية ببعضها البعض لمعرفة الشذوذ في الرواية، فمهمة المجتهدين أن يستشرفوا نصوص الكتاب والسنة، وأن يلحظوا ما إذا كانت رواية من الروايات تخالف معنى قرآنياً أو قاعدة تشريعية، وهكذا أكمل المجتهد عمل المحدث، ولذلك ترى بعض النصوص صححها المحدثون ولم يأخذ بها الأئمة المجتهدون إما لاعتبارها مخالفة لنص قرآني أو لقاعدة شرعية محكمة أو لاعتبارهم إياها سنة يومية فعلها رسول الله ﷺ بحكم قيادته السياسية للدولة الإسلامية، وإذ كانت هذه القضية من أخطر القضايا لما يترتب عليها من تعطيل السنن فإنها محرمة إلا على أهل الاجتهاد، ولذلك اعتبروا من يتصدر للاجتهاد وليس أهلاً له ضالاً مضلاً؛ لما يترتب على اجتهاده من تعطيل لبعض النصوص أو مس لهيكل الشريعة.
وهكذا تضافرت جهود لا مثيل لها حتى بقيت نصوص الإسلام سليمة من الخلط أو التحريف أو التبديل أو الزيادة أو النقص، لتبقى زاد الأمم ومصدر هدايتها إلى قيام الساعة.
* * *
стр. 14
ضخامة المكتبة الحديثية:
وائذن لي أن أحدثك من أقرب طريق - عن المكتبة الحديثية، وذلك من خلال استعراض كتاب مشهور عنوانه: (الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة) لمؤلفه السيد: محمد بن جعفر الكتاني ﵀ وذلك بين يدي ما فعلت لتحقيق ما استهدفته في هذا الكتاب.
بدأ المؤلف الحديث عن المؤلفات الأولى في السنة النبوية، وذكر أعلام المؤلفين في القرنين الأول والثاني، ثم تحدث عن تتابع التأليف فقال:
ثم كثرت بعد ذلك التصانيف، وانتشرت في أنواعه وفنونه التآليف، حتى أربت على العد وارتقت من كثرتها عن التفصيل والحد، وهي مراتب متفاوتة وأنواع مختلفة، فمنها ما ينبغي لطالب الحديث البداءة به، وذكر الأصول الستة صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن النسائي وسنن ابن ماجه.
ثم ذكر كتب السنة التي تعتبر أساساً لمذاهب الأئمة الأربعة فذكر موطأ الإمام مالك ومسند الإمام أبي حنيفة وقد قال في الأخير منهما:
ومسند إمام الأئمة - أيضاً - ركن الإسلام أبي حنيفة النعمان بن ثابت القارئ الكوفي فقيه العراق، المتوفى ببغداد سنة خمسين أو إحدى وخمسين ومائة، وله خمسة عشر مسنداً، وأوصلها الإمام أبو الصبر أيوب الخلوتي في ثبته إلى سبعة عشر مسنداً، كلها تنسب إليه لكونها من حديثه وإن لم تكن من تأليفه، وقد جمع بين خمسة عشر منها أبو المؤيد محمد بن محمود بن محمد بن الحسن الخطيب الخوارزمي - نسبة إلى خُوارِزم بضم الخاء وكسر الراء ناحية معلومة - المتوفى سنة خمس وخمسين وستمائة، في كتاب سماه جامع المسانيد، رتبه على ترتيب أبواب الفقه بحذف المعاد وترك تكرير الإسناد.
ثم ذكر مسند الإمام الشافعي وعرّف به ثم ذكر مسند الإمام أحمد وعرف به وبعد ذلك قال:
فهذه كتب الأئمة الأربعة وبإضافتها إلى الستة الأول تكمل الكتب العشرة التي هي أصول
стр. 15
الإسلام وعليها مدار الدين.
ثم قال: ومنها - أي ومن كتب السنة - كتب التزم أهلها فيها الصحة من غير ما تقدم. فذكر: صحيح ابن خزيمة وصحيح ابن حبان وصحيح الحاكم وكتاب الإلزامات للدارقطني كتاب المستدرك للحافظ أبي ذر الهروي وصحيح الحافظ أبي حامد النيسابوري المعروف بابن الشرفي وكتاب الأحاديث الجياد المختارة لضياء الدين المقدسي وكتاب المنتقى لابن الجارود وكتاب المنقى لابن أصبع الأندلسي وصحيح ابن السكن، والكتب المخرّجة على الصحيحين أو أحدهما: كمستخرج الإسماعيلي، ومستخرج الغطريفي ومستخرج أبي ذهل ومستخرج ابن مردويه الكبير ومستخرج أبي عوانة ومستخرج ابن أصبع ومستخرج أبي جعفر الحبري ومستخرج محمد بن محمد النيسابوري ومستخرج الجوزقي ومستخرج الشاركي ومستخرج أبي الوليد القزويني ومستخرج أبي عمران الجويني ومستخرج أبي النصر الطوسي ومستخرج أبي عثمان الحيري ومستخرج أحمد بن سلمة النيسابوري ومستخرج أحمد بن محمد الطوسي البلاذري ... إلى كثيرين آخرين ذكرهم، لهم مستخرجات بأسانيد أخرى للصحيحين أو لأحدهما، وكلها تفيد توثيق أحاديث الصحيحين: صحيح البخاري وصحيح مسلم.
ثم تحدث عن الكتب المؤلفة في السنن، وهي الكتب المؤلفة على أبواب الفقه، فذكر زيادة على الكتب الأربعة المشهورة: سنن الإمام الشافعي للمزني وسنن النسائي الكبرى وسنن ابن جريج الرومي وسنن سعيد بن منصور وسنن الكشي وسنن محمد بن الصباح البزار وسنن أبي قرة موسى بن طارق وسنن الأشرم وسنن الخلال وسنن سهل بن أبي سهل وسنن الصفار وسنن الهمداني وسنن ابن لال وسنن النجاد وسنن بان إسحاق وسنن يوسف بن يعقوب الأزدي اللالكائي. ثم قال: فهذه هي مشاهير كتب السنة وبعضها أشهر من بعض وبإضافتها إلى السنن الأربعة السابقة تكمل كتب السنن خمسة وعشرين كتاباً.
ثم تحدث عن نوع آخر من التأليف، وهو في الحض على اتباع السنة وترك الأهواء والبدع، فذكر ستة عشر كتاباً.
стр. 16
ثم ذكر نوعاً آخر من التآليف في السنة وهي كتب مرتبة على الأبواب الفقهية، مشتملة على السنن وما هو في حيزها أو له تعلق بها بعضها يسمى مصنفاً وبعضها جامعاً وغير ذلك سوى ما تقدم، فذكر اثنين وعشرين كتاباً.
ثم ذكر نوعاً آخر من التصانيف وهي الكتب المفردة في الآداب والأخلاق والترغيب والترهيب والفضائل ونحو ذلك فذكر حوالي مئة وأربعين كتاباً.
ثم ذكر نوعاً آخر من التصانيف وهي كتب المسانيد - جمع مسند - وهي الكتب التي موضوعها جعل حديث كل صحابي على حدة صحيحاً كان أو حسناً أو ضعيفاً، مرتبين على حروف الهجاء أو على القبائل أو على السابقة في الإسلام أو الشرف في النسب، وقد يقتصر في بعضها على أحاديث صحابي واحد أو أكثر.
قال: (والمسانيد كثيرة جداً) ثم عدد ما تيسر له ذكره منها فذكر اثنين وثمانين مسنداً
ثم ذكر كتباً لم تؤلف في السنة قصداً، ولكنها حوت الكثير من نصوصها، ككتب التفسير والكتب المؤلفة في المصاحف والقراءات وكتب الناسخ والمنسوخ وذكر أسماء العشرات منها.
ثم تحدث عما يُسمى بالأجزاء الحديثية وهي كتب مفردة في موضوع أو في روايات أو مرويات فذكر العشرات منها.
ثم ذكر كتباً مؤلفة تحت عنوان (الفوائد) فذكر كثيراً منها.
ثم ذكر ما يُسمَّى خصوصيات انفرد بها بعض الأئمة وألف فيها آخرون فذكر الكثير من ذلك.
ثم تحدث عن كتب الشمائل النبوية والسير المصطفوية والمغازي فذكر منها تسعة
стр. 17
وعشرين كتاباً.
ثم تحدث عن نوع من الكتب يجمع أحاديث شيوخ بأعيانهم فذكر أحد عشر كتاباً.
ثم ذكر كتباً تجمع طرق بعض الأحاديث فذكر عشرة كتب.
ثم تحدث عن نوع من الكتب فذكر رواية بعض الأئمة المشهورين فذكر اثني عشر كتاباً.
ثم ذكر الكتب التي تتحدث عن الأحاديث الأفراد فذكر أربعة كتب.
ثم تحدث عن الكتب التي تتحدث عن المتفق لفظاً وخطأ والمفترق معنى من الأسماء والألقاب والأنساب وعن المتفق خطا والمختلف لفظاً .. وذكر ثلاثة وثلاثين كتاباً مؤلفاً فيها.
ثم تحدث عن نوع آخر من التأليف وهو في مهمات الأسانيد والمتون فذكر ثلاثة عشر كتاباً.
ثم تحدث عن كتب الأنساب فذكر أحد عشر كتاباً.
ثم تحدث عن الكتب المؤلفة في معرفة الصحابة فذكر ثمانية عشر كتاباً.
ثم تحدث عن الكتب المؤلفة في تواريخ الرجال وأحوالهم فذكر ثلاثة عشر كتاباً.
ثم تحدث عن كتب المعاجم، وهي الكتب التي تذكر الأحاديث على ترتيب الصحابة أو الشيوخ أو البلدان أو غير ذلك فذكر ثلاثة وأربعين معجماً.
ثم تحدث عن كتب الطبقات وهي التي تشتمل على ذكر الشيوخ وأحوالهم ورواياتهم طبقة بعد طبقة وعصراً بعد عصر إلى زمن المؤلف فذكر ثمانية عشر كتاباً.
ثم تحدث عن كتب المشيخات، وهي التي تشتمل على ذكر الشيوخ الذين لقيهم مؤلف وأخذ عنهم، أو أجازوه وإن لم يلقهم فذكر ثلاثة عشر كتاباً.
стр. 18
ثم تحدث عن الكتب المؤلفة في علوم الحديث - أي مصطلحه -، ذكرت فيها أحاديث بأسانيد فذكر منها ثمانية كتب.
ثم تحدث عن الكتب التي تتحدث عن الضعفاء من الرواة، أو تتحدث عن الثقات، فذكر خمسة وعشرين كتاباً.
ثم ذكر الكتب التي تتحدث عن الأحاديث الموضوعة المكذوبة على رسول الله ﷺ فذكر ثلاثة وعشرين كتاباً.
ثم ذكر الكتب المؤلفة في غريب الحديث - أي في شرح الكلمات الغامضة منه - فذكر سبعة عشر كتاباً.
ثم ذكر كتباً تتحدث عن مشكل الحديث وهي كتب تجمع بن النصوص فترد المتشابه إلى المحكم او ترجح النسخ أو عدمه فذكر خمسة كتب.
وهناك كتب الأمالي التي يملي فيها الشيخ على تلاميذه في جلسات عامة فتسجل، ذكر منها واحداً وثلاثين كتاباً.
ثم ذكر الكتب التي تتحدث عن رواية الأكابر عن الأصاغر، ورواية الآباء عن الأبناء والعكس، فذكر ستة كتب مؤلفة فيها.
ثم تحدث عن الكتب التي يجمع فهيا الأسانيد العالية أي التي يقل فيها الرواية بين الشيخ وبين رسول الله ﷺ فذكر أربعة عشر كتاباً.
ثم ذكر كتباً في التصوف فيها أحاديث بأسانيد فذكر ثلاثة عشر كتاباً.
ثم تحدث عن كتب الأطراف، وهي التي يقتصر فيها على ذرك طرف الحديث الدالِّ على بقيته، مع الجمع لأسانيده إما على طريق الاستيعاب أو على جهة التقيد بكتب مخصوصة، فذكر خمسة عشر كتاباً.
ثم تحدث عن كتب الزوائد، أي الأحاديث التي تزيد فيها بعض كتب الحديث على بعض آخر معين منها، كزوائد سنن ابن ماجه على كتب الحفاظ الخمسة للشهاب البوصيري،
стр. 19
فذكر تسعة عشر كتاباً.
ثم ذكر الكتب التي تجمع بين بعض الكتب الحديثية فذكر سبعة عشر كتاباً.
ثم ذكر كتباً مجردة من الأسانيد أو كتباً فيها أحاديث منتقاة فذكر واحداً وثلاثين كتاباً.
ثم ذكر كتباً تختص بتخريج الأحاديث الواردة في كتب بعض المصنفين فذكر ثلاثة وأربعين كتاباً.
ثم ذكر بعض الكتب التي تتحدث عن الأحاديث المشتهرة على الألسنة فذكر أحد عشر كتاباً.
ثم تحدث عن الكتب التي جمعت فتاوى مبناها على النصوص، والتي تسمى الفتاوى الحديثية، فذكر منها ستة كتب.
ثم تحدث عن كتب تجمع نوعاً من الحديث كالحديث المتواتر، فذكر خمسة كتب.
ثم ذكر كتباً في التفسير والشروح الحديثية لأهلها اعتناء بالحديث ومعرفة به وإكثار من رواياته، فذكر عشرة كتب.
ثم ذكر كتباً في السيرة النبوية والخصائص المحمدية غير ما سبق، فتحدث عن ثلاثة وثلاثين كتاباً.
ثم تحدث عن كتب في أسماء الصحابة غير ما ذكر، فذكر ثلاثة عشر كتاباً.
ثم تحدث عن كتب تذكر أحوال الرواة وتضبط أسماءهم وأسماء بلدانهم غير ما ذكره من قبل، فذكر ثلاثة وخمسين كتاباً.
ثم تحدث عن كتب الوفيات فذكر أربعة عشر كتاباً.
ثم تحدث عن كتب مصطلح الحديث فذكر ستة وثلاثين كتاباً.
ثم ختم كتابه بالحض على الاشتغال بعلوم الحديث.
* * *
стр. 20
من هذا العرض المختصر ندرك الجهود الهائلة التي بذلتها الأمة الإسلامية في خدمة سنة نبيها ﷺ حتى تبقى غضة طرية متميزة عما سواها، معلماً للهداية الربانية، فإذا ما ألقيت نظرة على كتب مصطلح الحديث تجد الدقة العلمية في البحث بما لا تطال العقول أرفع منه، ولا تحكم العقول بأن هناك أكثر منهجية في الوصول إلى الحق الخالص منه، فهناك قواعد لجرح وتعديل الرواة، وهناك قواعد تُسيرُ بها المتون.
وكأثر عن هذا كله ميز العلماء بين أكثر من خمسين نوعاً من أنواع الأحاديث كلها متفرعة عن دراسة السند والمتن، وكل ذلك في النهاية للوصول إلى ما تبنى عليه الأحكام من المرويات، كالأحاديث المتواترة لفظاً ومعنى، أو معنى فقط، والأحاديث الصحيحة والحسنة، ومن أجل ذلك كتبوا كل رواية لأن الروايات الضعيفة يمكن أن يكون لها دخل في تحسين حديث أو في تصحيحه، واقتضى ذلك منهم جهوداً كبيرة، حتى إن الإمام أحمد كان يحفظ مليون حديث بأسانيدها ومتونها، وهذا يعني بالضرورة أنه دخل كثيرون من الرجال تحت أشعة رصده، فإذا ما عرفنا أن تشعب الروايات يكثر كلما تطاول الزمن أدركنا كم من الجهود بذلت في خدمة السنة النبوية. ومن أجل الوصول إلى هذا الجوهر كم وجدت من دراسات وتوضعت من قواعد، ويكفي أن تقرأ كتاباً في مصطلح الحديث حتى تدرك جلل ما تذكره لك.
فمن أجل تمحيص الرواية وُجدتْ علوم كعلم الوفيات وسني الولادة، ووجدت دراسات مستوعبة عن كل راوٍ، عن عقيدته وسلوكه وصدقه وكذبه وعن عوامل الجرح أو التعديل في حياته، ومن أجل المتن وجدت علوم كعلم المقارنة بين المتون لمعرفة العلل والشذوذ، ولمعرفة الناسخ والمنسوخ، وتوضعت نتيجة لذلك مصطلحات.
ثم كان علم أصول الفقه هو العلم المكمل بالنسبة للسنة النبوية، إذ أنه هو العلم الذي تحدث عن محل السنة بالنسبة لأصول التشريع الأربعة الرئيسية وهي: الكتاب والسنة والإجماع والقياس. وهو الذي تحدث عن قوة إلزامية السنة بحسب كونها متواترة أو صحيحة أو حسنة أو غير ذلك، وهو الذي وضع القواعد التي تجمع بين النصوص بعضها مع بعض وبين
стр. 21
النصوص والأحكام العقلية والعادية، وهو الذي وضع القواعد لاستخراج الحكم الشرعي بناء على أن هناك رخصة وعزيمة وقواعد أصلية وأحوالاً استثنائية ...
إن من ثمرات العلم بالكتاب والسنة وأصول الفقه الوصول إلى معرفة الحكم الشرعي في كل قضية من قضايا المكلفين، وثمرة ذلك كله الاعتقاد الصحيح والعمل الصحيح، المقبولان عند الله تعالى، وإن ذلك لشيء عظيم وكبير، فهؤلاء الذين اجتمع لهم حسن الاعتقاد وحسن العمل هم وحدهم من بين أفراد هذا العالم الذين حققوا معنى العبودية لله .
* * *
إذا عرفت ما مرَّ وثقت في تحقيقات الراسخين في العلم، وأدركت عظم الجهود التي قام بها علماؤنا في خدمة السنة النبوية، تثبتاً في شأنها وتخليصاً لها عن سواها، وفي الوقت نفسه تدرك استحالة جمع كل ما ورد في السنة النبوية في كتاب، بل استحالة أن يطلع إنسان ما على كل ما كتب في السنة، فضلاً عن جمع كل روايات السنة في كتاب.
ولكن إذا عرفت معاني أخرى فإن ذلك يرجعك إلى أن تطمئن إلى أنه بإمكانك أن تطلع بسرعة على معاني السنة دون أن تغرق في بحار التآليف.
إنك إذا عرفت أن الكتب الستة المشهورة في السنة وهي: صحيحا البخاري ومسلم، والسنن الأربعة لأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، والمختلف في السادس منها: هل هو الموطأ أو سنن ابن ماجه - والتي تلقتها ألأمة بالقبول - ما فاتها إلا القليل من الأحاديث الصحيحة، وإذا عرفت أن هذه الكتب الستة تمت محاولات لجمع معانيها في مجلدين كما فعل ذلك ابن الديبع الشيباني في كتابه: (تيسير الوصول إلى جامع الأصول) مثلاً؛ إذا عرفت ذلك أدركت أن بإمكانك أن تعرف معاني السنة النبوية عن طرق مختصرة.
وقد اشتهرت بجانب الكتب الستة كتب أخرى، كمسند الإمام أحمد ومسند أبي بكر والبزار ومسند أبي يعلي الموصلي، ومعاجم الطبراني الثلاثة، فلو أنك قرأت زوائد هذه الكتب على الكتب الستة أو السبعة فإنك تستطيع أن تثق أنه ما فاتك إلا القليل، وإلا تحقيقات وكماليات، فإذا اطمأننت إلى كلامنا هذا فقد آن الأوان لنحدثك عن كتابنا هذا.
* * *
стр. 22
منهج تأليف هذا الكتاب
١ - تستطيع أن تقول إذا قرأت هذا الكتاب أنك كدت أن تحيط بمعاني السنة النبوية، لأنه حوى الهدي النبوي الذي روته أمهات كتب السنة وهي سبعة عشر كتاباً هي: صحيحا البخاري ومسلم، والسنن الخمسة: لأبي داود والنسائي والترمذي وابن ماجه والدارمي، وموطأ الإمام مالك، ومسانيد الإمام أحمد وأبي يعلي الموصلي وأبي بكر البزار، وصحيحا ابن خزيمة وابن حبان، ومعاجم الطبراني الثلاثة، ومستدرك الحاكم، وما تيسر جمعه من غير هذه الكتب من صحيح السنة وحسنها.
فقد اتجه الهمة لأن تكون هذه الكتب السبعة عشر هي أصول هذا الكتاب، على أن أستفيد من الكتب التي جمعت بعضها أو أكثر من أمثال الجامع للأصول لابن الأثير أو مجمع الزوائد للهيثمي أو جمع الفوائد لحمد بن محمد بن سليمان المغربي.
٢ - وقد ألزمت نفسي ألا آخذ من هذه الأصول إلا حديثاً صحيحاً أو حسناً، وقد أدخلت في الكتاب بعض ما صادفني من الحديث الصحيح أو الحسن مما ليس في الكتب السبعة عشر، فتميز هذا الكتاب على كتب الجمع الأخرى بأنه ما حوى إلا الصحيح والحسن، وحاول أن يستقصي أصوله، مع ملاحظة أن هناك روايات في أصول هذا الكتاب لا تدخل بشكل مباشر في مقصوده، فأسقطتها، فهناك روايات كثيرة مثلاً تتحدث عن أنساب الصحابة وعن تاريخ وفياتهم مما يصلح لدراسات إحصائية استقرائية، ومما محله كتب التاريخ ومما لا تعلق مباشراً له بالهدي النبوي الذي يحتاجه كل مسلم، أو بالمعرفة التي يُطالب بها كل مسلم، ولذلك فقد أسقطت مثل هذه الروايات في الغالب من كتابي.
وقد أدخلت في هذا الكتاب بعض الأحاديث المرسلة مع ما يقال في الأحاديث المرسلة، لأن لها محلها في البناء الأصولي لمن يريد التحقيق، وأدخلت روايات أناس اختلف عليهم إذا حكم إمام لحديثهم بالصحة أو الحسن إذا وُجد ما يقوي الرواية.
٣ - ولم أكتف بتصحيح أو تحسين من اشتهر عنهم أنهم يتساهلون في التصحيح والتحسين كالترمذي وابن حبان والحاكم إلا إذا أكد ذلك إمام آخر أو محقق ثبت، وكل ذلك ليطمئن
стр. 23
القارئ والداعية أن ما يأخذه من هذا الكتاب حجة وبه تقوم الحجة بإذن الله، ونرجو أن يكون مأجوراً في علمه وعمله إذا بناه على هذا الكتاب.
وإذا كنا أد
خلنا روايات لأناس اختلف عليهم فذلك لأن التصحيح والتحسين والتضعيف يخضع في بعض حيثياته لعوامل ذوقية. وللتبحر في علم الحديث، وللخبرة دخلهما في ذلك، ومن ثم كان للاجتهاد دخل في التصحيح أو التحسين أو التضعيف، ألا ترى أن بعض قواعد الجرح والتعديل محل خلاف؟
ومع أننا أدخلنا بعض ما اختلف فيه إذا كان التحقيق يوصل إلى تصحيح أو تحسين، فقد حاولنا أن نذكر وجهات النظر الأخرى إذا عثرنا عليها احتياطاً لحرمة جناب السنة النبوية المطهرة.
وإنما انصب جهدي على جمع الصحيح والحسن؛ لأنهما اللذان عليهما مدار الأحكام، وبهما تقوم الحجة، ولم أدخل الضعيف في متن هذا الكتاب - مع أن الضعيف لا يعتبر موضوعاً بالضرورة، وبالتالي فاحتمال أنه من كلام رسول الله ﷺ قائم - لأنني استهدفت بهذا الكتاب معاني متعددة ..
منها: أن يألف القارئ العبارة النبوية وأن يراها خالصة لا يخالطها غيرها.
ومنها: حفظ القارئ عن التشويش والاضطراب وتغير الخاطر وقلق الفكر.
ومنها: حفظ وقت القارئ.
ومنها: أن يندفع القارئ في العمل دون تردد.
٤ - وقد كنت ذكرت في مقدمة كتاب الأساس في التفسير بعض احتياجات الأمة الإسلامية في عصرنا بالنسبة للسنة فقلت:
أ - المسلم المعاصر عنده رغبة في أن يتعرف على السنة المتواترة والصحيحة والحسنة السند، ويحتاج إلى كتاب جامع لذلك كله، على أن يكون هذا الكتاب مضبوطاً شكله
стр. 24
مشروحاً غريبه.
ب - والمسلم غير المتخصص في الحديث يهمه كذلك أن يأخذ الجوهر - دون ما احتاجه هذا الجوهر لحمايته - أي هو يحرص على أن يقرأ متون السنة دون أسانيدها.
جـ - والمسلم المعاصر بحاجة إلى أني فهم السنة فهماً صحيحاً وأن يأخذ الجواب الشافي على كثير من الإشكالات، وأن يعرف كثيراً من الأمور التي يتلجلج في قلبه سؤال عنها.
د - وهناك شبهات حول السنة يثيرها أعداء الله ، وهناك مناقشات حادة حول الكثير من الأمور بين المسلمين أنفسهم في شأن فهم الكثير من متون السنة، وكل ذلك يحتاج المسلم المعاصر إلى أن يرتاح قلبه في شأنه.
هذا ما ذكرته في مقدمة كتاب التفسير عما يحتاجه المسلم المعاصر بالنسبة للسنة وشيء عادي أن أراعي ذلك في هذا الكتاب.
٥ - ولما كان هذا الكتاب ليس جمعاً للسنة فقط، بل جمع للسنة وحديث عن شيء من فقهها، وذلك من أهداف هذا الكتاب، فإنني أدخلت بعض تحقيقات أهل الاختصاص فيه، وذلك شيء لابد منه لمريد فهم السنة؛ فهناك نصوص في السنة فهمها بعض الناس فهماً خاطئاً فضلوا وأضلوا، كتلك الفرق المنشقة عن جسم الأمة الإسلامية.
وهناك نصوص يمكن أن يفهمها بعض الناس فهماً خاطئاً كالنصوص التي تتحدث عن تسلسل الأحداث إلى قيام الساعة، وأقواله ﵊ من جوامع الكلم، وأفعاله كلها في غاية من الحكمة، وفي هذا وذاك يوجد الفقيه والأفقه، والاستفادة من فقه أهل الفقه مهمة.
وهناك نصوص تعددت في فهمها أو في الموقف منها آراء أئمة الاجتهاد فكان لابد من تبيان أسباب ذلك لتبقى ثقة الأمة الإسلامية بأئمتها على أشدها فذلك هو الذي يعصم من السير وراء الأهواء، أو عن الاندفاع وراء الآراء الشاذة، أو عن الخطأ في المواقف.
وهناك - أيضاً - قضايا كثيرة تحتاج إلى أن يذكر فيها تحقيق المحققين كل في
стр. 25
اختصاصه، فمثلاً: تجد في السيرة كثيراً من النصوص الصحيحة والحسنة تشير إلى حادثة بعينها، ولكنك لا تجد في النصوص الصحيحة والحسنة التفصيلات، فإذا ما وجدت تفصيلات عند أئمة السير والمغازي فهذه التحقيقات مهمة ومفيدة، فهي لا تخرج عن أن يكون مضمونها مذهباً لصاحب التحقيق، فإذا كان إماماً فلنا في هذه الحالة أن نتابعه في قضية ليس فيها نص مخالف، وفي قضايا العقائد أو السلوك أو الفقه أو الطب أو التفسير نجد تحقيقات مهمة ومفيدة، تعين على الفهم أو تجيب على تساؤلات.
كل ذلك دعاني إلى إدخال تحقيق أهل التحقيق من أهل الاختصاص في هذا الكتاب، ولكن بأقصى ما أستطيع من الاختصار حتى لا يتوسع حجم الكتاب، وعلى هذا الهدي علقت وحشيت وهمشت وأدخلت كثيراً من الفوائد ليحقق الكتاب مجموع أهدافه.
٦ - وإذ كنت مولعاً بالبحث عن الكليات وربط أجزائها بها فقد راعيت في هذا الكتاب أن تأخذ موضوعات السنة محلها ضمن تسلسل يستشعر فيها القارئ وحدة السنة النبوية وكأنها في الأصل كتاب واحد.
٧ - وقارئ هذا الكتاب يخرج بانطباع أنه أمام أعظم هدي بشري لنبي. وقد راعيت فيه أن لا يمل قارئه وأن يزداد رغبة في القراءة كلما أوغل فيه، كما راعيت فيه أن يخرج قارئه وقد فقه السنة حق الفقه، مركزاً على ما يغفل عنه أبناء العصر من موضوعات تفرضها وقائع ومناقشات.
٨ - وقد بذلت جهداً كبيراً في تحقيق روايات بعض الكتب التي لم تنل من التحقيق ما يكفي، مما يعتبر وحده جهداً تتوجه إليه مقاصد الراغبين في السنة، كمجمع الزوائد للهيثمي، وقمت بضبط وتحقيق وتشكيل ما يشكل على القارئ العادي، معتمداً في ذلك على مصادر السنة الصحيحة المحققة وكتب اللغة المعتمدة.
٩ - وقد كان لأعداء الإسلام دور كبير في محاولة التشكيك في السنة وفي بعض معانيها، مما جعلني ألحظ ذلك في تأليف هذا الكتاب بشكل غير مباشر، بحيث تعود الكرة إلى مرمى أهلها، فيصبح ما هو محل تشكيك في زعمهم محل إيمان كما هو في الواقع والحقيقة.
стр. 26
١٠ - وإذا كانت بعض الموضوعات تحتاج إلى الاستفادة من معطيات عصرنا، وإذ كانت بعض معطيات عصرنا تُظهر من معجزات نبينا ﷺ الكثير، فقد كان هذا وهذا محل تركيز في هذا الكتاب.
١١ - ثم إن المسلم في عصرنا يحتاج إلى أن تفتح أمامه آفاق جديدة على الحاضر والمستقبل التزاماً وتطبيقاً، وأملاً وتفاؤلاً، وإذ كانت النصوص تعطي هذا كله فقد كان هذا محل تركيز في الكتاب، خاصة وأن بعض الموضوعات قد فهمت فهماً مغلوطاً انعكس على نفسية الأمة يأساً وإحباطاً.
١٢ - وكما أن بعض الموضوعات قد ركزت عليها شرحاً وتقديماً وتعليقاً وتلخيصاً وإلحاقاً إياها بمسائل وفوائد، فإنني سردت أحاديث بعض الموضوعات سرداً؛ لرؤيتي أن حاجة المسلم هي تملي هذه النصوص صرفاً لم تُشبْ بتعليقات الرجال.
١٣ - ومع هذا كله فإن هذا الكتاب لا يعتبر شرحاً تقليدياً للسنة ولا يعتبر تحقيقاً تقليدياً لها، ولكنه كتاب يعطيك السنة عن أقرب طريق ويعطيك فهماً لها عن أيسر طريق، الحشو فيه مستبعد، والتعقيد فيه متروك، هذا مع المحاولة بألا يفوتك شيء من الهدي النبوي إن شاء الله.
١٤ - والأصل عندي أن أختصر ما أمكن ليسهل على القارئ الاستيعاب السريع، ولذلك لم أكرر إلا حيث وجدت ملحظاً يقتضي التكرار: إما لإعلام أن أكثر من صحابي قد روى معنى من المعاني، وإما لضرورة أن يكرر حديث في أكثر من مكان إلى غير ذلك من الضرورات، ولقد أهملت بعض المعاني الفنية عمداً رغبة في الاختصار، حيث أجد أن ما أذكره كاف ليثق المسلم فيعتقد ويعمل.
ومن باب الاختصار أيضاً أنني في بداية كل حديث أذكر من أخرجه، ثم أحذف السند، وأكتفي بالصحابي الذي رواه فأقول مثلاً: روى البخاري عن أبي هريرة ... وكان ينبغي أن يقال: روى البخاري بسنده عن أبي هريرة، ولكن حذفت الجار والمجرور تخفيفاً، اعتماداً على أن هذا مفهوم من الكلام، ويستطيع القارئ الكريم أن يقدرهن بناء على معرفته بشرط هذا الكتاب.
стр. 27
١٥ - وفي عملية جمع النصوص من أصول هذا الكتاب صادفني أن بعض الروايات موجودة في أكثر الأصول فلم أر أن أذكر الصول كلها في العزو لأن ذلك يضخم حجم الكتاب دون فائدة للقارئ العادي، ولذلك اختصرت في العزو بالقدر الذي يحقق الغرض، وإذ كانت أكثر روايات الأصول الزائدة على الكتب الستة تكراراً لما في الكتب الستة، فإنك لا تجد كثيراً من العزو إلى هذه الأصول، فلا تظنن أن هذا قصور في الكتاب.
١٦ - وعلى عادتي فيما أؤلف فإنني لا أتوانى أن أنقل تحقيقات المحققين مما يحتاجه كتابي، دون أن أحاول إعادة صياغته، ولا حرج عليَّ في كل ما فعلته فلقد درج علماء المسلمين خلال العصور على أن يعتبروا مجرد الدمج بين كتابين أو أكثر هدفاً، وأن يعتبروا الانتقاء والاختيار من كتاب أو مجموعة كتب هدفاً، وأن يزيد اللاحق على فعل السابق آخذاً جهده مضيفاً إليه هدفاً، ومجرد تجميع الفوائد من كتب متعددة هدفاً.
فإذا حاولت أن أوجد عقد جوهر من جواهر مبثوثة، فإني لا أجد حرجاً من أن أكثر النقل فقد لا يصل الكتاب المنقول عنه إلى قارئي فأكون وسيطاً، ثم إن كثيرين يعرضون بعض الأمور عرضاً موفقاً قد لا أطيقه لو أني أردته، فماذا لو أنني رصعت كتابي بفوائد أمثال هؤلاء؟!
١٧ - وقد أفدت من تحقيقات البوصيري لزوائد ابن ماجه، وتحقيقات عبد الله اليماني لجمع الفوائد وتحقيقات عبد القادر أرناؤوط لجامع الأصول وتحقيقات الهيثمي لمجمع الزوائد وتحقيقات الذهبي للحاكم وتحقيقات الشيخ عبد الفتاح أبو غدة وناصر الألباني وشعيب الأرناؤوط وغيرهم، فجزى الله الجميع خيراً.
١٨ - ولعل قصة الجهد الذي بذلناه في هذا الكتاب تجعل لنا عند أهل الإنصاف عُذراً فيما يرونه من تقصير، فلكي أتجنب أخطاء النقل الكتابي، ولكي لا يفوتني حديث من أحاديث الكتب التي قررت أن أجمع منها هذا الكتاب، فقد جعلت كل حديث من أصول هذه الكتب في ورقة مستقلة تصويراً أو أخذاً مباشراً من نسخ هذه الكتب، حتى إذا انتهى
стр. 28
هذا الجهد، وجدتني أمام عشرات الآلاف من أوراق، فبدأت بحذف الضعيف، وضم النظير إلى النظير، على ضوء نظرية جامعة في الترتيب والتبويب، ثم كانت مرحلة ثانية وثالثة ورابعة، وخامسة حتى استكمل هذا الكتاب شكله الذي أقدمه إليك.
ونرجو من أي إنسان عنده علم في السنة أن يقدم لنا ملاحظاته، فنحن بفضل الله نفرح إن أهدانا أحد هدية الدلالة على خطأ.
* * *
стр. 29
أقسام الكتاب
وقد جعلت هذا الكتاب مقدمة وخمسة أقسام:
المقدمة: وفيها تعريف بهذا الكتاب ومنهج البحث فيه، وإلمامه بأصوله، وتعريف بالجهود الكبرى التي جمعت بين هذه الأصول وأفدت منها.
وجعلت القسم الأول من الكتاب في السيرة النبوية، لأن التعريف بالرسول ﷺ مقدم على التعريف بالرسالة، ولأن الإيمان بالرسول ﷺ هو المقدمة العادية لتلقي هديه.
وجعلت القسم الثاني في العقائد، لأنها هي الأساس، وعنها يصدر العمل وإذا صحت وجد القبول، ولأنها أول ما يخاطب به الإنسان، وهي المظهر الأول لدعوة رسول الله ﷺ فناسب أن يكون أول ما يطالعه الإنسان بعد سيرة رسول الله ﷺ العقائد، وقد جمعت في قسم العقائد بين الفهم الفطري للنصوص، ومباحث الأصوليين، وتحقيق المحققين.
وجعلت القسم الثالث في العبادات الرئيسية وما هو ألصق بها.
وجعلت القسم الرابع في الأخلاقيات وأحكام الحياتيات والعاديات.
وجعلت القسم الخامس في الحكم وما أهو ألصق به وفي حقوق الإنسان.
وسنرى أن الربط بين أبحاث كل قسم والتسلسل بين الأقسام كان قوياً لدرجة يجعل الكتاب بعضه أخذاً برقاب بعض، وقد لحظت في هذا الترتيب معاني تربوية ونفسية نرجو أن تكون ذا نفع.
* * *
وبعد: فهاك السنة النبوية تكاد تكون مجموعة من كتاب، وإني لأرجو لمن قرأ هذا الكتاب وكتاب الأساس في التفسير وكتاب الأساس في قواعد المعرفة وضوابط الفهم، أن يكون قد اجتمع له إبصار كامل بمواطن الحق والباطل والخطأ والصواب.
ولقد مرت على المسلمين أدوار، دور كانوا يأخذون فيه الكتاب والسنة وحدهما، ودور
стр. 30
أخذوا فيه الكتاب والسنة مع أقوال العلماء كل بدليله، ودور أخذوا فيه أقوال العلماء بلا دليل وأهملوا دراسة الكتاب والسنة، مع أن أكثر أقوال العلماء تبحث في غير الأمور المشهورة في الكتاب والسنة، فحدث نتيجة لذلك أخطاء كثيرة، وجهل عريض، وغفلة كبيرة، ولا أزعم أنه ليست لهذا استثناءات ولكنه هو الغالب، ولعل جهدي في سلسلة (في المنهج) يشارك في إعادة الأمور إلى نصابها.
* * *
وها أنذا أكرر توجيه الدعوة لأهل العلم والفضل أن يوافوني بأي وجهة نظر - مباشرة أو عن طريق الناشر - أستكمل فيها ما فاتني، أو أحرر فيها ما ذكرته، أو أرصع بها هذا الكتاب، فكل ذلك أفتح له صدري بل أطلبه، وليس عندي من حرج أن يرُدُّ عليِّ من يردّ في كتاب أو مجلة سيارة أو في صحيفة، فإنني أرجو أن أستفيد من ذلك كله، لله وفي الله.
وإذا وجد أحد أن هذا الكتاب لم يبلغ الكمال فأي جهد بشري بلغ الكمال؟! إنما هو خطوة في طريق جمع الأحاديث الصحيحة والحسنة لعلي أو لعل غيري يسير خطوات أخرى نحو الكمال والله الموفق، وما يجد القارئ في هذا الكتاب من خير وسداد فمن الله تعالى وما يجد فيه من نقص وخلل فمني وأستغفر الله.
هذا وإني لأدعو الله أن يتقبلني ويتقبل أعمالي وأن ينفع بها، كما أنني أدعو لنفسي ولكل من ساعدني في إنجاز هذا المشروع أو انتفع به أن يتغمدنا الله وأهلينا وذرياتنا برحمته، وأن يكرمنا برعايته، إنه سميع مجيب.
(رب اغفر لي ولوالدي رب ارحمهما كما ربياني صغيرا)
стр. 31
ثانياً: تعريف بأصول هذا الكتاب ومصنفيها
أصول هذا الكتاب الحديثية سبعة عشر كتاباً، هي: صحيحا البخاري ومسلم، والسنن الخمسة لأبي داود والنسائي والترمذي وابن ماجه والدارمي، وموطأ الإمام مالك، ومسانيد الإمام أحمد وأبي يعلي الموصلي وأبي بكر البزار، وصحيحا ابن خزيمة وابن حبان، ومستدرك الحاكم، ومعاجم الطبراني الثلاثة.
والجامع لهذه الكتب لا يستطيع إلا أن يستهدي بجمع من جمع منها، احتياطاً في البحث، واسترشاداً بجهود المتقدمين، وبعض كتب الجمع هي السبيل الوحيد المتوفر عندي للوصول إلى مروياتها لأنها لم تطبع حتى تأليف هذا الكتاب.
وأهم ما انصبت عليه عملية الجمع قديماً جمع الأصول الستة للبخاري ومسلم وأبي داود والنسائي والترمذي والموطأ، وجمع زيادات بعض الكتب على الأصول الستة ولكن بتبديل الموطأ بابن ماجه، وهي عملية الجمع التي قام بها نور الدين الهيثمي، ثم الجمع بين الجامع للأصول ومجمع الزوائد، مضافاً إليهما زيادات من ابن ماجه وسنن الدارمي، والتي قام بها محمد بن محمد بن سليمان المغربي في كتابه جمع الفوائد.
ونحن في هذا الكتاب مع استرشادنا بكتاب جمع الفوائد الذي هو أرقى عمليات الجمع فقد جمعنا الروايات كلها من الأصول الأقرب حتى لا تفوتنا رواية من روايات الكتب الأصول فكانت المحصلة هي ما جمعناه لك أو اعتمدناه في هذا الكتاب.
وسنقدم لك في هذه الفقرة تعريفاً بأصول هذا الكتاب وأصحابها وتعريفاً ببعض من جمع الأصول الستة وبمجمع الزوائد وبجمع الفوائد.
* * *
стр. 32
١ - الإمام البخاري وصحيحه
قال ابن الأثير - صاحب جامع الأصول - في ترجمة البخاري:
هو أبو عبد الله: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعفي البخاري.
وإنما قيل له: الجُعْفي لأن المغيرة - أبا جدِّه - كان مجوسياً، أسلم على يد يمان البخاري، وهو الجعفي والي بُخارّى، فنُسب إليه حيث أسلم على يده.
وجُعْفي: أبو قبيلة من اليمن، وهو جُعْفي بن سعد العشيرة بن مذحج، والنسبة إليه كذلك.
ولد يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلّتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومائة، وتوفي ليلة الفطر سنة ست وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة، إلا ثلاثة عشر يوماً، ولم يعقب ذكراً.
والبخاري - الإمام في علم الحديث - رحل في طلب العلم إلى جميع محدثي الأمصار، وكتب بخراسان والجبال، والعراق والحجاز، والشام ومصر، وأخذ الحديث عن المشايخ الحفاظ.
منهم: مكي بن إبراهيم البلخي، وعبدان بن عثمان المروزي، وعبيد الله بن موسى العبسي، وأبو عاصم الشيباني، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، ومحمد بن يوسف الفريابي، وأبي نُعيم الفضل بن دُكَيّن، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وإسماعيل بن أبي أويس المدني، وغير هؤلاء من الأئمة.
وأخذ عنه الحديث خَلْقٌ كثير في كل بلدة حدث بها.
قال الفِرَبْرِي: سمع كتاب البخاري تسعون ألف رجل، فما بقي أحد يروي عنه غيري، وكذلك لا يروي اليوم - صحيح البخاري - عن أحد سواه.
وردَّ على المشايخ وله إحدى عشرة سنة، وطلب العلم وله عشر سنين.
стр. 33
قال البخاري: خرجت كتاب الصحيح من زهاء ستمائة ألف حديث، وما وضعت فيه حديثاً إلا صليت ركعتين.
وقدم البخاري بغداد، فسمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة أنفس، لكل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوها على البخاري، فحضر المجلس جماعة من أصحاب الحديث. فلما اطمأن المجلس بأهله، وانتدب إليه رجل من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث فقال: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه. حتى فرغ من العشرة. والبخاري يقول: لا أعرفه. فأما العلماء فعرفوا بإنكاره أنه عارف، وأما غيرهم فلم يدركوا ذلك منه. ثم انتدب رجل آخر من العشرة فكان حاله معه كذلك، ثم انتدب آخر بعد آخر، إلى تمام العشرة، والبخاري لا يزيد على قوله: لا أعرفه.
فلما فرغوا التفت إلى الأول منهم، فقال: أما حديثك الأول، فهو كذا، والثاني كذا على النسق، إلى آخر العشرة، فرد كل متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، ثم فعل بالباقين مثل ذلك، فأقر له الناس بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل.
الجامع الصحيح
قال الشيخ محمد أبو شهبة:
كان الأئمة قبل البخاري لا يقصرون مؤلفاتهم على الأحاديث الصحيحة، بل كانوا يجمعون بين الصحيح والحسن والضعيف، تاركين التمييز بينها إلى معرفة القارئين والطالبين بنقد الأحاديث، والتمييز بين المقبول والمردد، إلى أن جاء البخاري فرأى أن يخص الصحيح بالتأليف، فألف كتابه الصحيح، وسماه:
(الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه).
وبذلك يكون الإمام البخاري قد خطا بالتأليف في الحديث خطوة موفقة يسرت
стр. 34
معرفة الحديث والاحتجاج به على الطالبين، ولا سيما المتأخرين.
الحامل له على تأليف الصحيح:
وقد وجهه إلى هذا العمل الجليل كلمة سمعها من أستاذه إسحاق بن راهويه. روي عن البخاري أنه قال: كنت عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح سنة رسول الله ﷺ ، قال: فوقع في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصحيح، وقد قوّي عنده العزم رؤيا رآها فقد روي عنه أنه قال:
رأيت النبي ﷺ وكأني واقف بين يديه، وبيدي مروحة أذب بها عنه، فسألت بعض المعبرين فقال لي: أنت تذب الكذب عن حديث رسول الله ﷺ ، فهو الذي حملني على إخراج الجامع الصحيح.
منهج البخاري في جمع الصحيح:
لقد نهج البخاري في جمع صحيحه منهجاً يدعو إلى الثقة والاطمئنان إلى صحة أحاديثه، وقد بالغ في التحري عن الرواة، والتوثق من صحة المرويات، وبذل في هذا أقصى ما وصل إليه الجهد الإنساني، وما زال يوازن بين المرويات، ويمحصها، ويتخير منها ما تركن إليه نفسه حتى صار كتابه إلى الحالة التي هو عليها تحريراً وتنقيحاً، يدل على ذلك ما روي عنه أنه قال: صنفت هذا الجامع من ستمائة ألف حديث - في ست عشرة سنة.
ومع أن البخاري اتبع في جمع صحيحه قواعد البحث العلمي الصحيح فقد استلهم الجانب الروحي من نفسه، قال تلميذه الفربري. سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: صنفت كتاب الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلت فيه حديثاً إلا استخرت الله، وصليت ركعتين، وتبينت صحته.
ومراده أنه بوب أبوابه، ووضع أساسه في المسجد الحرام، ثم بيض تراجمه، وأصوله في
стр. 35
الروضة (١) بين قبر النبي ﷺ ومنبره، ثم صار يجمع ما يتيسر له من الأحاديث، ويضعها في أبوابها اللائقة بها في الحرمين وغيرهما من البلاد التي ارتحل إليها، وقد مكث في تأليف صحيحه ست عشرة سنة، وهو يحرر ويدقق، وينتقي ويتخير ما هو على شرطه حتى جاء كتابه على ما أحب، ويحبه طلاب الحقيقة، ورواد البحث.
وبذلك اجتمع لهذا الكتاب الصحيح من دواعي التوفيق إلى الحق والصواب ما لم يجتمع لغيره، فلا عجب أن كانت له منزلة سامية في نفوس العلماء، وأن تلقته الأمة الإسلامية بالقبول والاطمئنان إلى ما فيه، وأن استحق أن يطلق عليه أنه أصح الكتب المدونة في الحديث النبوي.
براعة البخاري في النقد:
وللإمام البخاري في تعديل الرجال وتجريحهم، ونقد المتون، ونقد الرواية شروط عالية دقيقة، وشفوف نظر، وملكة عجيبة اكتسبها من طول ما بحث، ونقد، ومن طول ما عرض له من علل الأسانيد والمتون وذلك: كالنطاسي البارع الذي يحصل له من طول ملازمته لمهنة الطب وكثرة ما عرض عليه من الأمراض، نوع من العلم، قد يصل إلى حد الإلهام، بالعلل والأمراض، والوقوف على حقيقتها ومكامنها مهما كانت خفية، أو كانت عوارضها غير واضحة. وكالصيرفي الماهر الذي اكتسب بطول ملازمته الصيرفة التمييز بين النقود الجيدة السليمة، والنقود الزائفة وربما تسأله عن السبب في الحكم عليها فلا يجيب.
وهذه الملكة في التمييز بين الصحيح من الحديث والعليل تكاد تكون عند معظم أئمة الحديث وجهابذته، وإن كانوا يتفاوتون فيها على حسب الأصالة في النقد والاستعداد، وسعة الاطلاع ولعلك لمحت هذا التنظير بين المحدثين والأطباء في كلمة الإمام مسلم للبخاري: (يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله) وبين المحدثين والصيارفة في تعبيرهم عن نقاد الحديث: (صيارفته).
стр. 36
شروط البخاري في التصحيح في القمة:
من المعروف المقرر عند أئمة الحديث وعلمائه أن شروط الحديث الصحيح أن يكون: راويه مسلماً، عاقلاً، صادقاً، غير مدلس ولا مختلط (١)، متصفاً بصفات العدالة (٢)، ضابطاً لما يرويه، متحفظاً عليه، سليم الذهن والحواس التي لابد منها في السماع والضبط، قليل الوهم - الغلط - سليم الاعتقاد.
وأن يكون إسناده (٣) متصلاً، فلا إرسال فيه، ولا انقطاع، ولا إعضال (٤) وأن يكون متن الحديث غير شاذ، ولا معلل (٥).
فإذا اجتمعت هذه الشروط في الحديث كان صحيحاً - يعني في نسبته إلى قائله - وترجح ترجحاً قوياً في صدق هذه النسبة يكاد يصل عند أهل هذا الفن المتمرسين فيه إلى حد العلم واليقين.
ومن ثم يتبين لنا أن الشروط التي وضعها المحدثون لصحة الحديث تقتضي الثقة والطمأنينة، وترجح جانب الصدق على الكذب، والصواب على الخطأ، ومما ينبغي أن يعلم أن البخاري لم ينقل عنه أنه قال: شرطي في صحيحي كذا وكذا على التفصيل والتصريح كما يصنع بعض المؤلفين، وإنما عرف ذلك من سبر (٦) كتابه، والبحث فيه.
стр. 37
والذي استخلصه العلماء بعد البحث والتتبع أن الإمام البخاري في صحيحه التزم أعلى درجات الصحة، ولا ينزل عن هذه الدرجة إلا في بعض الأحاديث التي ليست من أصل موضوع الكتاب كالمتابعات والشواهد (١)، والأحاديث المروية عن الصحابة والتابعين.
وليس من شك في أن الرواة يتفاوتون في الأخذ عن شيوخهم إتقاناً وضبطاً، وطول ملازمة ومصاحبة وقلة ذلك، كما يتفاوتون في العدالة والأمانة، والبخاري في صحيحه إنما يعتمد من الرواة من كانوا في أعلى الدرجات من هذه الصفات وسأوضح ذلك بمثال: ذلك أن تلامذة الإمام الزهري مثلاً على خمس طبقات ودرجات ولكل طبقة مزية على التي تليها:
الطبقة الأولى: هم الذي امتازوا بالعدالة والحفظ والإتقان والأمانة، وطول الملازمة للزهري في السفر والحضر مثل: مالك وسفيان بن عيينة ورجال هذه الطبقة هم مقصد البخاري في صحيحه.
الطبقة (٢) الثانية: وهم الذين شاركوا الأولى في التثبت والأمانة، إلا أن رجال الأولى امتازوا بطول المصاحبة للزهري سفراً وحضراً، أما رجال الثانية فلم يلازموا الزهري إلا مدة يسيرة فكانوا في الإتقان والمعرفة بحديثه دون الأولى، وذلك مثل: الأوزاعي والليث بن سعد ورجال هذه الدرجة الثانية يعتمد رواياتهم الإمام مسلم، أما البخاري فلا يخرج من أحاديثهم إلا قليلاً في غير أصول الكتاب كما ذكرنا آنفاً.
الطبقة الثالثة: " وه من دون الثانية مثل: جعفر بن برقان وزمعة بن صالح، فلا يخرج لهم البخاري أصلاً. وقد يخرج لهم في المتابعات والشواهد.
أما رجال الطبقة الرابعة والخامسة: وهم المجروحون والضعفاء فلا يخرج لهم البخاري ومسلم.
وهكذا يتبين لنا أن شرط البخاري في صحيحه في القمة.
* * *
стр. 38
٢ - الإمام مسلم وصحيحه
قال ابن الأثير في ترجمة مسلم:
هو أبو الحسين: مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، أحد الأئمة الحفاظ.
ولد سنة ست ومائتين، وتوفي عشية يوم الأحد لست بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين.
رحل إلى العراق والحجاز والشام ومصر.
وأخذ الحديث عن يحيى بن يحيى النيسابوري، وقتيبة بن سعيد، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن الجعد، وأحمد بن حنبل، وعبيد الله القواريري، وشريح بن يونس، وعبد الله بن مسلمة القعْنبي، وجرملة بن يحيى، وخلف بن هشام، وغير هؤلاء من أئمة الحديث وعلمائه.
وقدم بغداد بغير مرة وحدث بها.
روى عنه خلق كثير؛ منهم: إبراهيم بن محمد بن سفيان، ومن طريقه روينا صحيحه، وكان آخر قُدومه بغداد سنة سبع وخمسين ومائتين.
قال أحمد بن سلمة: رأيت أبا زُرعة وأبا حاتم يُقدمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على أهل عصرهما.
وقال الحسن بن محمد الماسِرُجِسي: سمعت أبي يقول: سمعت مسلماً يقول: صنفت (المسند الصحيح) من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة.
وقال محمد بن إسحاق بن منده، سمعت أبا عليّ بن عليّ النيسابوري يقول: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم بن الحجاج في علم الحديث.
وقال أبو عمرو بن محمد بن حمدان الحيري: سألت أبا العباس بن عُقْدة عن محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج النيسابوري أيهما أعلم؟
فقال: كان البخاري عالماً، وكان مسلم عالماً، فكررت عليه مراراً وهو يجيبني بمثل هذا
стр. 39
الجواب، ثم قال: يا أبا عمرو: قد يقع للبخاري الغلط في أهل الشام، وذلك أنه أخذ كتبهم، فنظر فيها، فربما ذكر الواحد منهم بكنيته، ويذكره في موضع آخر باسمه، ويتوهم أنهما اثنان، فأما مسلم، فقلما يقع له الغلط، لأنه كتب المقاطيع والمراسيل.
وقال محمد بن يعقوب الأخرم - وذكر كلاماً معناه -: قلما يفوت البخاري ومسلماً مما يثبت في الحديث حديث.
قال الخطيب أبو بكر البغدادي: إنما قفا مسلم طريق البخاري، ونظر في علمه وحذا حذوه.
ولما ورد البخاري نيسابور في آخر مرة، لازمه مسلم، وأدام الاختلاف إليه.
وقال الدارقطني: لولا البخاري لما ذهب مسلم ولا جاء.
صحيح الإمام مسلم
وهو أحد الكتابين اللذين هما أصح الكتب بعد كتاب الله ، واللذين تلقتهما الأمة الإسلامية بالقبول.
وقد بالغ الإمام مسلم في البحث والتحري عن الرجال، والتمحيص للمرويات، والموازنة بينهما، والتدقيق في تحرير الألفاظ، والإشارة إلى الفروق بينها، حتى جاء صحيحه على الهيئة الكاملة، التي ينشدها أهل البحث والمعرفة.
وليس أدل على هذا من أنه انتقى كتابه من ألوف الروايات المسموعة، روى عنه أنه قال: (صنفت هذا الصحيح من ثلثمائة ألف حديث).
والكتاب ثمرة حياة مباركة استغلها صاحبها في السفر والارتحال والكد والجد، والجمع والحفظ، والكتابة والتنقيح، حتى كان كما ترى صحة وتهذيباً وتنسيقاً، وقد مكث هو وبعض تلاميذه يكتبون ويحررون حتى تم تأليفه في خمس عشرة سنة.
روي عن أحمد بن سلمة أنه قال: كتبت مع مسلم في تأليف صحيحه خمس عشرة سنة وهو اثنا عشر ألف حديث.
стр. 40
فلا تعجب إذا كان مسلم يشيد بذكر صحيحه فيقول - تحدثاً بنعمة ربه عليه -: لو أن أهل الأرض يكتبون الحديث مائتي سنة ما كان مدارهم إلا على هذا المسند.
ويدل على شدة تحريه، واستيثاقه من المرويات قوله: ما وضعت شيئاً في كتابي هذا إلا بحجة، وما أسقطت منه شيئاً إلا بحجة.
سماحة الإمام في البحث:
ولم يكن مسلم متعصباً لرأيه بل كان يتسم بسمة العلماء الذين يبتغون الحق، ولا عليهم لو ظهر على لسان أي شخص كان، ولا يرون غضاضة في الرجوع إلى الحق إذا ظهر، بل يعتبرونه فضيلة.
وبعد انتهائه من تدوين صحيحه عرضه على أئمة هذا العلم النبوي الشريف. روى الخطيب بإسناده عن مكي بن عبدان أحد حفاظ نيسابور قال: سمعت مسلماً يقول: عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي (١)، فكل ما أشار أنه له علة تركته، وكل ما قال إنه صحيح وليس له علة خرجته.
وهذا غاية التواضع، وعدم الاغترار بالنفس، والإعجاب بالرأي، وهو أدب عال من آداب البحث في الإسلام.
منهج مسلم في صحيحه:
لم ينص الإمام مسلم على أن شرطه في صحيحه (٢) هو كذا، وإنما استخرج العلماء ذلك من النظر في كتابه؛ والذي استخلصوه أن شرطه في صحيحه أنه لا يخرج الأحاديث إلا عن العدول الضابطين، الموثوق بصدقهم وأمانتهم، وحفظهم ويقظتهم وعدم غفلتهم، كما يخرج عمن دون ذلك من الرواة وأنه لا يخرج في كتابه بالأصالة إلا الأحاديث المسندة المتصلة المرفوعة إلى النبي ﷺ .