شروط البخاري في التصحيح في القمة:
من المعروف المقرر عند أئمة الحديث وعلمائه أن شروط الحديث الصحيح أن يكون: راويه مسلماً، عاقلاً، صادقاً، غير مدلس ولا مختلط (١)، متصفاً بصفات العدالة (٢)، ضابطاً لما يرويه، متحفظاً عليه، سليم الذهن والحواس التي لابد منها في السماع والضبط، قليل الوهم - الغلط - سليم الاعتقاد.
وأن يكون إسناده (٣) متصلاً، فلا إرسال فيه، ولا انقطاع، ولا إعضال (٤) وأن يكون متن الحديث غير شاذ، ولا معلل (٥).
فإذا اجتمعت هذه الشروط في الحديث كان صحيحاً - يعني في نسبته إلى قائله - وترجح ترجحاً قوياً في صدق هذه النسبة يكاد يصل عند أهل هذا الفن المتمرسين فيه إلى حد العلم واليقين.
ومن ثم يتبين لنا أن الشروط التي وضعها المحدثون لصحة الحديث تقتضي الثقة والطمأنينة، وترجح جانب الصدق على الكذب، والصواب على الخطأ، ومما ينبغي أن يعلم أن البخاري لم ينقل عنه أنه قال: شرطي في صحيحي كذا وكذا على التفصيل والتصريح كما يصنع بعض المؤلفين، وإنما عرف ذلك من سبر (٦) كتابه، والبحث فيه.
стр. 37
والذي استخلصه العلماء بعد البحث والتتبع أن الإمام البخاري في صحيحه التزم أعلى درجات الصحة، ولا ينزل عن هذه الدرجة إلا في بعض الأحاديث التي ليست من أصل موضوع الكتاب كالمتابعات والشواهد (١)، والأحاديث المروية عن الصحابة والتابعين.
وليس من شك في أن الرواة يتفاوتون في الأخذ عن شيوخهم إتقاناً وضبطاً، وطول ملازمة ومصاحبة وقلة ذلك، كما يتفاوتون في العدالة والأمانة، والبخاري في صحيحه إنما يعتمد من الرواة من كانوا في أعلى الدرجات من هذه الصفات وسأوضح ذلك بمثال: ذلك أن تلامذة الإمام الزهري مثلاً على خمس طبقات ودرجات ولكل طبقة مزية على التي تليها:
الطبقة الأولى: هم الذي امتازوا بالعدالة والحفظ والإتقان والأمانة، وطول الملازمة للزهري في السفر والحضر مثل: مالك وسفيان بن عيينة ورجال هذه الطبقة هم مقصد البخاري في صحيحه.
الطبقة (٢) الثانية: وهم الذين شاركوا الأولى في التثبت والأمانة، إلا أن رجال الأولى امتازوا بطول المصاحبة للزهري سفراً وحضراً، أما رجال الثانية فلم يلازموا الزهري إلا مدة يسيرة فكانوا في الإتقان والمعرفة بحديثه دون الأولى، وذلك مثل: الأوزاعي والليث بن سعد ورجال هذه الدرجة الثانية يعتمد رواياتهم الإمام مسلم، أما البخاري فلا يخرج من أحاديثهم إلا قليلاً في غير أصول الكتاب كما ذكرنا آنفاً.
الطبقة الثالثة: " وه من دون الثانية مثل: جعفر بن برقان وزمعة بن صالح، فلا يخرج لهم البخاري أصلاً. وقد يخرج لهم في المتابعات والشواهد.
أما رجال الطبقة الرابعة والخامسة: وهم المجروحون والضعفاء فلا يخرج لهم البخاري ومسلم.
وهكذا يتبين لنا أن شرط البخاري في صحيحه في القمة.
* * *
стр. 38
٢ - الإمام مسلم وصحيحه
قال ابن الأثير في ترجمة مسلم:
هو أبو الحسين: مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، أحد الأئمة الحفاظ.
ولد سنة ست ومائتين، وتوفي عشية يوم الأحد لست بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين.
رحل إلى العراق والحجاز والشام ومصر.
وأخذ الحديث عن يحيى بن يحيى النيسابوري، وقتيبة بن سعيد، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن الجعد، وأحمد بن حنبل، وعبيد الله القواريري، وشريح بن يونس، وعبد الله بن مسلمة القعْنبي، وجرملة بن يحيى، وخلف بن هشام، وغير هؤلاء من أئمة الحديث وعلمائه.
وقدم بغداد بغير مرة وحدث بها.
روى عنه خلق كثير؛ منهم: إبراهيم بن محمد بن سفيان، ومن طريقه روينا صحيحه، وكان آخر قُدومه بغداد سنة سبع وخمسين ومائتين.
قال أحمد بن سلمة: رأيت أبا زُرعة وأبا حاتم يُقدمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على أهل عصرهما.
وقال الحسن بن محمد الماسِرُجِسي: سمعت أبي يقول: سمعت مسلماً يقول: صنفت (المسند الصحيح) من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة.
وقال محمد بن إسحاق بن منده، سمعت أبا عليّ بن عليّ النيسابوري يقول: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم بن الحجاج في علم الحديث.
وقال أبو عمرو بن محمد بن حمدان الحيري: سألت أبا العباس بن عُقْدة عن محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج النيسابوري أيهما أعلم؟
فقال: كان البخاري عالماً، وكان مسلم عالماً، فكررت عليه مراراً وهو يجيبني بمثل هذا
стр. 39
الجواب، ثم قال: يا أبا عمرو: قد يقع للبخاري الغلط في أهل الشام، وذلك أنه أخذ كتبهم، فنظر فيها، فربما ذكر الواحد منهم بكنيته، ويذكره في موضع آخر باسمه، ويتوهم أنهما اثنان، فأما مسلم، فقلما يقع له الغلط، لأنه كتب المقاطيع والمراسيل.
وقال محمد بن يعقوب الأخرم - وذكر كلاماً معناه -: قلما يفوت البخاري ومسلماً مما يثبت في الحديث حديث.
قال الخطيب أبو بكر البغدادي: إنما قفا مسلم طريق البخاري، ونظر في علمه وحذا حذوه.
ولما ورد البخاري نيسابور في آخر مرة، لازمه مسلم، وأدام الاختلاف إليه.
وقال الدارقطني: لولا البخاري لما ذهب مسلم ولا جاء.
صحيح الإمام مسلم
وهو أحد الكتابين اللذين هما أصح الكتب بعد كتاب الله ، واللذين تلقتهما الأمة الإسلامية بالقبول.
وقد بالغ الإمام مسلم في البحث والتحري عن الرجال، والتمحيص للمرويات، والموازنة بينهما، والتدقيق في تحرير الألفاظ، والإشارة إلى الفروق بينها، حتى جاء صحيحه على الهيئة الكاملة، التي ينشدها أهل البحث والمعرفة.
وليس أدل على هذا من أنه انتقى كتابه من ألوف الروايات المسموعة، روى عنه أنه قال: (صنفت هذا الصحيح من ثلثمائة ألف حديث).
والكتاب ثمرة حياة مباركة استغلها صاحبها في السفر والارتحال والكد والجد، والجمع والحفظ، والكتابة والتنقيح، حتى كان كما ترى صحة وتهذيباً وتنسيقاً، وقد مكث هو وبعض تلاميذه يكتبون ويحررون حتى تم تأليفه في خمس عشرة سنة.
روي عن أحمد بن سلمة أنه قال: كتبت مع مسلم في تأليف صحيحه خمس عشرة سنة وهو اثنا عشر ألف حديث.
стр. 40
فلا تعجب إذا كان مسلم يشيد بذكر صحيحه فيقول - تحدثاً بنعمة ربه عليه -: لو أن أهل الأرض يكتبون الحديث مائتي سنة ما كان مدارهم إلا على هذا المسند.
ويدل على شدة تحريه، واستيثاقه من المرويات قوله: ما وضعت شيئاً في كتابي هذا إلا بحجة، وما أسقطت منه شيئاً إلا بحجة.
سماحة الإمام في البحث:
ولم يكن مسلم متعصباً لرأيه بل كان يتسم بسمة العلماء الذين يبتغون الحق، ولا عليهم لو ظهر على لسان أي شخص كان، ولا يرون غضاضة في الرجوع إلى الحق إذا ظهر، بل يعتبرونه فضيلة.
وبعد انتهائه من تدوين صحيحه عرضه على أئمة هذا العلم النبوي الشريف. روى الخطيب بإسناده عن مكي بن عبدان أحد حفاظ نيسابور قال: سمعت مسلماً يقول: عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي (١)، فكل ما أشار أنه له علة تركته، وكل ما قال إنه صحيح وليس له علة خرجته.
وهذا غاية التواضع، وعدم الاغترار بالنفس، والإعجاب بالرأي، وهو أدب عال من آداب البحث في الإسلام.
منهج مسلم في صحيحه:
لم ينص الإمام مسلم على أن شرطه في صحيحه (٢) هو كذا، وإنما استخرج العلماء ذلك من النظر في كتابه؛ والذي استخلصوه أن شرطه في صحيحه أنه لا يخرج الأحاديث إلا عن العدول الضابطين، الموثوق بصدقهم وأمانتهم، وحفظهم ويقظتهم وعدم غفلتهم، كما يخرج عمن دون ذلك من الرواة وأنه لا يخرج في كتابه بالأصالة إلا الأحاديث المسندة المتصلة المرفوعة إلى النبي ﷺ .
стр. 41
ومعنى هذا أنه لم يلزم نفسه بما التزم به البخاري من مراعاة مستوى خاص في الرواية والرواة، بل توسع في شرطه فروى عن رواة لم يرو لهم البخاري في صحيحه، ولعلك على ذكر من المثال الذي ذكرناه أثناء الكلام على شرط البخاري في صحيحه، وهو أن تلامذة الإمام ابن شهاب الزهري على خمس طبقات: الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ولكل طبقة مزية على التي تليها في الحفظ والإتقان وطول الملازمة والصحبة.
وقد ذكرنا هناك أن البخاري يخرج أحاديث الطبقة الأولى، ويخرج من أحاديث الطبقة الثانية قليلاً وفي غير أصول الكتاب.
أما مسلم فيخرج أحاديث رجال الطبقة الأولى والثانية استيعاباً، ويخرج من أحاديث الطبقة الثالثة قليلاً، وذلك في المتابعات والشواهد لا في أصل الكتاب، ولعل فيما ذكره مسلم في مقدمة صحيحه ما يلقي لنا ضوءاً نتعرف به شرطه في صحيحه ذلك أنه قسم الأحاديث ثلاثة أقسام:
الأولى: ما رواه الحفاظ المتقنون.
الثاني: ما رواه المستورون المتوسطون في الحفظ والإتقان.
الثالث: ما رواه الضعفاء والمتروكون وقد ذكر أنه إذا فرغ من القسم الأول أتبعه الثاني وأما الثالث فلا يعرج عليه (١) وهو يؤيد ما ذكرناه.
خصائص صحيح مسلم:
وقد امتاز صحيح مسلم بأن مؤلفه سلك فيه طريقة حسنة، ذلك أنه يجمع المتون كلها بطرقها في موضع واحد، ولا يفرقها في الأبواب، ولا يكررها إلا في القليل النادر، إلا إذا كانت هناك ضرورة لهذا التكرار كفائدة زائدة في سند الحديث أو متنه.
وقد سهل له هذا المنهج أنه لم يقصد أن يضم إلى جمع الأحاديث بيان فقهها واستنباط الأحكام والآداب منها.
стр. 42
أما البخاري فقد قصد إلى ذلك فمن ثم اضطر إلى طريقته التي سلكها في صحيحه.
ومن هذه الخصائص: التدقيق في الألفاظ، والمحافظة على اللفظ ما وسعه الأمر حتى إذا خالف راوٍ راويا آخر في لفظه والمعنى واحد فرواها بعضهم بلفظ والآخر بلفظ آخر، بينهُ، وكذا إذا قال راوٍ (حدثنا) وقال آخر (أخبرنا) (١) بيّن الخلاف في ذلك، وكذلك إذا روى الحديث جماعة وكانت هناك مغايرة في بعض الألفاظ فإنه يبين أن اللفظ المذكور من رواية فلان، ولذا تجده يقول ي هذا النوع من الحديث: (واللفظ لفلان) وهذا غاية الدقة والأمانة في النقل اللتين امتاز بهما مثل الإمام مسلم.
وأيضاً فقد حرص مسلم أن لا يذكر في كتابه إلا الأحاديث المسندة المرفوعة - أي المنسوبة إلى النبي ﷺ فلذلك لم يذكر أقوال الصحابة ولا التابعين وليس فيه بعد المقدمة إلا الأحاديث المرفوعة.
وكذلك لم يكثر مسلم في كتابه من الأحاديث المعلقة (٢) فليس فيه إلا اثنا عشر حديثاً وهي في المتابعات لا في أصول الكتاب ومقاصده، هذا وهناك - غير ما ذكرنا - خصائص تظهر لمن يدرس الكتاب حق الدرس.
* * *
стр. 43
٣ - الإمام أبو داود وسننه
قال ابن الأثير في ترجمة أبي داود:
هو سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران الأزدي السجستاني، أحد من رحل وطوف، وجمع وصنف، وكتب عن العراقيين والخراسانيين والشاميين والمصريين والجزريين.
ولد سنة اثنين ومائتين، وتوفي بالبصرة لأربع عشرة بقيت من شوال سنة خمس وسبعين ومائتين.
وقدم بغداد مراراً، ثم خرج منها آخر مراته سنة إحدى وسبعين.
وأخذ الحديث عن مسلم بن إبراهيم، وسليمان بن حرب، وعثمان بن أبي شيبة وأبي الوليد الطيالسي، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، ومُسدد بن مُسرْهد، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وقتيبة بن سعيد، وأحمد بن يونس، وغير هؤلاء من أئمة الحديث، ممن لا يحصى كثرة.
وأخذ الحديث عنه: ابنه عبد الله، وأبو عبد الرحمن النسائي، وأحمد بن محمد الخلال، وأبو علي محمد بن عمرو اللؤلؤي، ومن طريقه نروي كتابه.
وكان أبو داود سكن البصرة.
وقدم بغدد، وروى كتابه المصنَّف في (السنن) بها، ونقلها أهلها عنه، وصنفه قديماً، وعرضه على أحمد بن حنبل، فاستجاذه واستحسنه.
قال أبو بكر بن دَاسة: قال أبو داود: كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب - يعني كتاب السنن - جمعت فيه أربعة آلاف حديث وثمانمائة حديث ذكرت الصحيح، وما يشبهه ويقاربه. ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديثز
стр. 44
أحدها: قوله ﵊: "إنما الأعمال بالنيات".
والثاني: قوله ﷺ : "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
والثالث: قوله ﷺ : "لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه".
والرابع: قوله ﷺ : "إن الحلال بيِّن، وإن الحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات ... الحديث.
وقال أبو بكر الخلال: أبو داود: سليمان بن الأشعث: الإمام المقدم في زمانه، رجل لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم وبصره بمواضعها أحد في زمانه، رجل ورع مقدم.
وكان إبراهيم الأصفهاني، وأبو بكر بن صدقة، يرفعان من قدره، ويذكرانه بما لا يذكران أحداً في زمانه بمثله.
وقال أحمد بن حنبل بن ياسين الهروي: كان سليمان بن الأشعث، أبو داود، أحد حفاظ الإسلام لحديث رسول الله ﷺ ، عِلْمِهِ وعِلَلِهِ وسَنَدِهِ، وكان في أعلى درجة من النسك والعفاف، والصلاح والورع، من فرسان الحديث.
وقال محمد بن أبي بكر بن عبد الرزاق: كان لأبي داود كُمٍّ واسع وكُمٍّ ضيق، فقال له: يرحمك الله! ما هذا؟ قال: الواسع للكتب، والآخر لا نحتاج إليه.
وقال أبو سليمان لخطابي: كتاب (السنن) لأبي داود، كتاب شريف لم يصنف في علم الدين كتاب مثله، وقد رزق القبول من كافة الناس، على اختلاف مذاهبهم، فصار حَكَماً بين فرق العلماء، وطبقات الفقهاء، فلكل فيه ورد، ومنه شرب، وعليه معول أهل العراق ومصر وبلاد المغرب، وكثير من مدن أقطار الأرض، فأما أهل خراسان، فقد أولع أكثرهم بكتاب محمد بن إسماعيل البخاري، وكتاب مسلم بن الحجاج النيسابوري.
وقال: قال أبو داود: ما ذكرت في كتابي حديثاً اجتمع الناس على تركه.
وكان تصنف علماء الحديث قبل زمان أبي داود: (الجوامع) و (المسانيد) ونحوهما، فتجمع تلك الكتب - إلى ما فيها من (السنن) و (الأحكام) - أخباراً وقصصاً، ومواعظ
стр. 45
وأدباً. فأما (السنن) المحضة، فلم يقصد أحد منهم إفراده واستخلاصها من أثناء تلك الأحاديث، ولا اتفق له ما اتفق لأبي داود، ولذلك حل هذا الكتاب عند أئمة الحديث وعلماء الأثر محل العجب، فضربت إليه أكباد الإبل، ورامت إليه الرحل.
قال إبراهيم الحربي لما صنف أبو داود هذا الكتاب، أُلين لأبي داود الحديث، كما أُلين لداود ﵇ الحديد.
وقال ابن الأعرابي عن كتاب أبي داود: لو أن رجلاً لم يكن عنده من العلم إلا المصحف الذي فيه كتاب الله ثم هذا الكتاب، لم يحتج معهما إلى شيء من العلم بتة.
* * *
стр. 46
٤ - الإمام الترمذي وسننه
قال ابن الأثير في ترجمة الترمذي:
هو أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السُّلمي الترمذي، وُلد سنة تسع ومائتين.
وتوفي بـ (ترمذ) ليلة الاثنين الثالث عشر من شهر رجب سنة تسع وسبعين ومائتين، وهو أحد العلماء الحفاظ الأعلام، وله في الفقه يد صالحة.
أخذ الحديث عن جماعة من أئمة الحديث، ولقي الصدر الأول من المشايخ مثل: قتيبة بن سعيد، وإسحاق بن موسى، ومحمود بن غيلان، وسعيد بن عبد الرحمن، ومحمد بن بشار، وعلي بن حجر، وأحمد بن منيع، ومحمد بن المثنى، وسفيان بن وكيع، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وغير هؤلاء، وأخذ عن خلق كثير لا يحصون كثرة.
وأخذ عنه خلق كثير: منهم محمد بن أحمد بن محبوب المحبوبي المروزي، ومن طريقه روينا كتابه (الجامع).
وله تصانيف كثيرة في علم الحديث، وهذا كتابه (الصحيح) أحسن الكتب وأكثرها فائدة، وأحسنها ترتيباً، وأقلها تكراراً، وفيه ما ليس في غيره: من ذكر المذاهب، ووجوه الاستدلال، وتبيين أنواع الحديث من الصحيح والحسن والغريب، وفيه جرح وتعديل، وفي آخره كتاب (العلل) قد جمع فيه فوائد حسنة لا يخفى قدرها على من وقف عليها.
قال الترمذي - رحمه الله تعالى -: صنفت هذا الكتاب فعرضته على علماء الحجاز فرضوا به، وعرضته على علماء العراق فرضوا به، وعرضته على علماء خراسان فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب، فكأنما في بته نبي يتكلم.
وقال الترمذي: كان جدي مروزياً انتقل من مرو، أيام الليث بن سيار.
* * *
стр. 47
٥ - الإمام النسائي وسننه
قال ابن الأثير في ترجمة النسائي:
هو أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن بحر بن سنان النسائي، ولد سنة خمس وعشرين ومائتين.
ومات بمكة سنة ثلاثة وثلاثمائة، وهو مدفون بها.
قال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري: سمعت أبا علي الحافظ غير مرة يذكر أربعة من أئمة المسلمين رآهم فيبدأ بأبي عبد الرحمن.
وهو أحد الأئمة الحفاظ العلماء، لقي المشايخ الكبار.
وأخذ الحديث عن قتيبة بن سعيد، وإسحاق بن إبراهيم، وحميد بن مسعدة وعلي بن خشرم، ومحمد بن عبد الأعلى، والحاث بن مسكين، وهناد بن السري، ومحمد بن بشار، ومحمود بن غيلان، وأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وغير هؤلاء من المشايخ الحفاظ.
وأخذ عنه الحديث خلق كثير، منهم: أبو بشر الدولابي - وكان من أقرانه - وأبو القاسم الطبراني، وأبو جعفر الطحاوي، ومحمد بن هارون بن شُعيب، وأبو الميمون بن راشد، وإبراهيم بن محمد بن صالح بن سنان، وأبو بكر أحمد بن إسحاق السُّني الحافظ، ومن طريقه روينا كتابه (السنن).
وله كتب كثيرة في الحديث والعلل، وغير ذلك.
قال مأمون المصري الحافظ: خرجنا مع أبي عبد الرحمن إلى طرسوس سنة الفداء، فاجتمع جماعة من مشايخ الإسلام، واجتمع من الحفاظ عبد الله بن أحمد بن حنبل، ومحمد ابن إبراهيم مُريِّعُ، وأبو الآذان، وكِيْلَجَةَ وغيرهم، فتشاوروا من ينتقي لهم على الشيوخ؟ فاجتمعوا على أبي عبد الرحمن النسائي، وكتبوا كلهم بانتخابه.
стр. 48
وقال الحاكم النيسابوري: أما كلام أبي عبد الرحمن على فقه الحديث فأكثر من أن يذكر، ومن نظر في كتاب السنن له تحير في حسن كلامه.
وقال: سمعت علي بن عرم الحافظ غير مرة يقول: أبو عبد الرحمن مُقدِّم على كل من يذكر بهذا العلم في زمانه.
وكان شافعي المذهب، له مناسك، ألفها على مذهب الشافعي وكان ورعاً متحرياً، ألا تراه يقول في كتابه (الحارث بن مسكين قراءة عليه، وأنا أسمع) ولا يقول فيه: (حدثنا) ولا (أخبرنا) كما يقول عن باقي مشايخه.
وذلك: أن الحارث كان يتولى القضاء بمصر، وكان بينه وبين أبي عبد الرحمن خشونة، لم يمكنه حضور مجلسه، فكان يستتر في موضع، ويسمع حيث لا يراه فلذلك تورع وتحرى فلم يقل: حدثنا وأخبرنا.
وقيل: إن الحارث كان خائضاً في أمور تتعلق بالسلطان، فقدم أبو عبد الرحمن فدخل إليه في زي أنكره، قالوا: كان عليه قباء طويل، وقلنسوة طويلة فأنكر زيه، وخاف أن يكون من بعض جواسيس السلطان، فمنعه من الدخول إليه فكان يجيء فيقعد خلف الباب ويسمع ما يقرؤه الناس عليه من خارج، فمن أجل ذلك لم يقل فيما يرويه عنه (حدثنا، وأخبرنا).
وسأل بعض الأمراء أبا عبد الرحمن عن كتابه (السنن): أكله صحيح؟ فقال: لا، قال: فاكتب لنا الصحيح منهج مجرداً، فصنع المجتبي، فهو (المجتبي من السنن) ترك كل حديث أورده في (السنن) مما تكلم في إسناده بالتعليل، والله أعلم بالصواب.
* * *
стр. 49
٦ - ابن ماجه وسننه
قال الشوكاني:
وأما ابن ماجه فهو أبو عبد الله محمد بن يزيد بن عبد الله بن ماجه القزويني مولى ربيعة بن عبد الله.
ولد سنة تسع ومائتين، ومات يوم الثلاثاء لثمان بقين من رمضان سنة ثلاث أو خمس وسبعين ومائتين.
وهو أحد الأعلام المشاهير، ألف سننه المشهورة، وهي إحدى السنن الأربع وإحدى الأمهات الست. وأول من عدها من الأمهات ابن طاهر في الأطراف ثم الحافظ عبد الغني، قال ابن كثير: إنها كتاب مفيد قوي التبويب في الفقه.
رحل ابن ماجه وطوّف الأقطار وسمع من جماعة منهم أصحاب مالك والليث، وروى عنه جماعة منهم أبو الحسن القطان.
وقد تحدث صاحب الرسالة المستطرقة عن ابن ماجه وسننه بقوله:
وسنن أبي عبد الله محمد بن يزيد المعروف بابن ماجه، وهو لقب أبيه لا جده، ولا أنه اسم لأمه خلافاً لمن زعم ذلك، وهاؤه ساكنة وصلاً ووقفاً لأنه اسم أعجمي، الربعي نسبة إلى ربيعة مولاهم، القزويني نسبة إلى قزوين مدينة مشهورة بعراق العجم، المتوفى سنة ثلاثة أو خمس وسبعين ومائتين.
وهي التي كملت بها الكتب الستة والسنن الأربعة بعد الصحيحين، واعتنى بأطرافها الحافظ ابن عساكر ثم المزي مع رجالها، ولم يذكر ابن الصلاح والنووي وفاته، كما لم يذكرا كتابه في الأصول، بل جعلاها خمسة فقط تبعاً لمتقدمي أهل الأثر وكثير من محققي متأخريهم.
ولما رأى بعضهم كتابه كتاباً مفيداً قوي النفع في الفقه ورأى من كثرة زوائده على الموطأ أدرجه على ما فيه في الأصول وجعلها ستة.
стр. 50
وأول من أضافه إلى الخمسة مكملاً به الستة أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي المقدسي في أطراف الكتب الستة له، وكذا في شروط الأئمة الستة له، ثم الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي في الكمال في أسماء الرجال، أي رجال الكتب الستة، الذي هذبه الحافظ جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي - بكسر الميم وتشديد الزاي المكسورة، نسبة إلى المزة قرية بدمشق - فتبعهما على ذلك أصحاب الأطراف والرجال والناس، ومنهم من جعل السادس الموطأ كرزين بن معاوية العبدري في التجريد، وأثير الدين أبي السعادات المبارك بن محمد المعروف بابن الأثير الجزري الشافعي في جامع الأصول.
وقال قوم من الحفاظ منهم ابن الصلاح والنووي وصلاح الدين العلائي والحافظ ابن حجر: لو جعل مسند الدارمي سادساً كان أولى، ومنهم من جعل الأصول سبعة فعد منها زيادة على الخمسة كلأ من الموطأ وابن ماجه، ومنهم من أسقط الموطأ وجعل بدله سنن الدارمي، والله أعلم.
وقد تحدث الدكتور محمد أديب الصالح في كتابه (لمحات في أصول الحديث) عن سنن بان ماجه فقال:
أحد السنن الأربع، وأحد الكتب الستة والأمهات: الصحيحين والسنن الأربع، وإنه - بشهادة العلماء الأثبات - غزير الفقه والفوائد، وفيه الكثير من الزيادات على الموطأ، بل والزيادات على الكتب الخمسة، فقد روى عنه الحافظ الذهبي أنه قال: عرضت هذه السنن على أبي زرعة فنظر فيه وقال: أظن إن وقع هذا في أيدي الناس تعطلت هذه الجوامع أو أكثرها، ثم قال: لعله لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثاً مما في إسناده ضعيف. ووصفه الحافظ ابن كثير بأنه كتاب مفيد قوي التبويب في الفقه.
ومع شهادة العلماء بجودة هذا الكتاب لم يغفلوا ذكر ما فيه من الضعيف، قال ابن حجر: كتابه في السنن - يعني ابن ماجه - جامع جيد كثير الأبواب والغرائب وفيه أحاديث ضعيفة جداً، وقد نقل مثل هذا الكلام عن ابن الأثير أيضاً: وكل هذه الأحاديث معروف
стр. 51
عند العلماء متميز عن غيره من الصحيح. ولكن عدد الضعيف قليل إذا قيس بعدد الأحاديث التي يشتمل عليها الكتاب، فقد ذكر أبو الحسن القطان - من أصحاب ابن ماجه - أن في السنن - يعني سنن ابن ماجه - ألفاً وخمسمائة باب، وجملة ما فيها أربعة آلاف حديث. وهذه الجملة دقق فيها أحد علماء العصر الحديث، محمد فؤاد عبد الباقي ﵀، فبلغت في تعداده (٤٣٤١) حديثاً. من هذه الأحاديث (٣٠٠٢) حديثاً أخرجها أصحاب الكتب الخمسة كلهم أو بعضهم، ولكنه هو رواها من طرق غير طرقهم، وباقي الأحاديث مما يحتج به عند العلماء. وتفصيل الزوائد - كما أثبتها محمد فؤاد عبد الباقي في آخر الجزء الثاني من (سنن ابن ماجه) كما يلي:
(٤٣٨) أحاديث رجالها ثقات، وصحيحة الإسناد.
(١٩٩) أحاديث حسنة الإسناد.
(٦١٣) أحاديث ضعيفة الإسناد.
(٩٩) أحاديث واهية الإسناد أو منكرة أو مكذوبة.
وبعد هذا التقسيم قرر ﵀ أن من مزايا الكتاب: ... رواية أحاديث الكتب الخمسة من طرق أخرى يؤيد بعضها بعضاً مما يعطي الأحاديث قوة على قوة، ثم كون الأحاديث - صحيحة الإسناد وحسنة الإسناد - تشكل عدداً كبيراً مما انفرد به، فإذا أضيف هذا إلى مزاياه الأخرى ظهرت لنا قيمة هذا الكتاب بشكل جلي.
* * *
стр. 52
٧ - الدارمي وسننه
قال صاحب الرسالة المستطرقة:
وسنن أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام بن عبد الصمد التميمي السمرقندي الدارمي، نسبة إلى دارم بن مالك بطن كبير من تميم، المتوفى بمرو سنة خمس وخمسين ومائتين، وله أسانيد عالية وثلاثياته (١) أكثر من ثلاثيات البخاري.
قال الدكتور أديب الصالح:
وذهب جماعة من العلماء منهم ابن الصلاح والنووي والحافظ ابن حجر إلى أنه لو جعل مسند الدارمي سادساً (أي سادس كتب السنة المعتمدة) لكان أولى.
وقد قدم محقق سنن الدارمي: محمد أحمد دهمان، للسنن معرفاً بالسنن وبمؤلفها فقال:
هو الحافظ الكبير، شيخ الإسلام أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام ابن عبد الصمد التميمي السمرقندي الدارمي - بكسر الراء - نسبة إلى دارم بن مالك بن حنظلة ابن زيد مناة بن تميم أحد بطونه.
روى ابن عساكر بسنده إلى أبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم الوراق قال: سمعت أبا محمد عبد الله بن عبد الرحمن يقول: ولدت سنة مات ابن المبارك سنة ١٨١ هـ.
نشأ على غاية من العقل والديانة يضرب به المثل في الحلم والدراية والحفظ والعبادة والزهد. ورحل في طلب الحديث فدخل مصر والشام والعراق والحرمين، وأظهر علم الحديث والآثار بسمرقند، وذب عنها الكذب، وكان مفسراً كاملاً، وفقيهاً عالماً، طلب للقضاء على سمرقند فأبى، فألح عليه السلطان حتى تقلده فقضى مرة واحدة ثم استعفى فأعفي.
توفى سنة (٢٥٥ هـ) يوم التروية بعد العصر ودفن يوم عرفة يوم الجمعة وهو ابن (٧٥)
стр. 53
سنة ودفن بمرو، وقيل إن وفاته سنة (٢٥٠ هـ) وهو وهم.
قال إسحاق بن أحمد: كنا عند محمد بن إسماعيل البخاري فورد عليه كتاب فيه نعي عبد الله بن عبد الرحمن فنكس رأسه ثم رفع واسترجع، وجعل يسيل دموعه على خديه ثم أنشد:
إن تبق تفجع بالأحبة كلهم ... وفناء نفسك لا أبالك أفجع
ولم يكن ينشد شعراً إلا ما ورد في الأحاديث.
ومن مؤلفاته: التفسير، والجامع، والمسند وهو هذا.
شيوخه:
سمع من أبي مسهر ومروان بن محمد، وعبد الوهاب بن سعيد المغني والنضر بن شميل ويزيد بن هارون وسعيد بن عامر الضبعي وجعفر بن عون وزيد بن يحيى بن عبيد الدمشقي ووهب بن جرير وخالد بن مخلد وطبقتهم بالحرمين وخراسان والشام والعراق.
من روى عنه:
روى عنه البخاري في غير جامعه، ومسلم في صحيحه، وأبو داود، والترمذي، والنسائي خارج سننه، والحسن بن الصباح البزار، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وبقي بن مخلد، وعمر بن محمد البجيري، وجعفر بن محمد القرباني، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وعيسى بن عمر بن العباس السمرقندي، وغيرهم.
ثناء الأئمة عليه:
قال إسحاق سمعت محمد بن المبرد المحرمي ببغداد يقول: يا أهل خراسان! ما دام عبد الله بن عبد الرحمن بين أظهركم فلا تشتغلوا بغيره، قال إسحاق: وسمعت أبا سعيد الأشج يقول: عبد الله بن عبد الرحمن إمامنا. قال إسحاق: وسمعت عثمان بن أبي شيبة يقول: إن عبد الله بن عبد الرحمن أعظم من ذاك فيما يقولون من البصر والحفظ وصيانة النفس عافاه الله.
стр. 54
وقال إسحاق: سمعت شريح بن يونس البغدادي يقول: طوبى لكم يا أهل خراسان بعبد الله بن عبد الرحمن.
وقال محمد بن عبد الله بن بكير: غلبنا عبد الله بن عبد الرحمن بالحفظ والورع.
وقال عبد الرحمن بن أبي حتم سمعت أبي يقول: عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي إمام أهل زمانه.
وقال زاهر الخطيب السمرقندي: كنت عند أحمد بن حنبل فذكر عبد الله بن عبد الرحمن فقال: هو ذاك السيد، ثم قال عُرض علي الكفر فلم أقبل وعرضت عليه الدنيا فلم يقبل.
وقال أحمد بن حامد: سمعت رجاء بن مرجي يقول: رأيت أحمد بن حنبل وإسحاق وابن المديني والشاذكوني فما رأيت أحفظ من عبد الله.
وقال أبو سعيد الجريري، عمر بن الحسن: كنت بمصر والشام - وذكر البلدان - ما رأيت أحداً من أهل العلم إلا وهو يعرف عبد الله بن عبد الرحمن، ولا يعرفون رجاء بن المرجي ولا محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حامد بن الشرقي: إنما أخرجت خراسان من أئمة الحديث خمسة رجال محمد بن يحيى، ومحمد بن إسماعيل، وعبد الله بن عبد الرحمن، ومسلم بن الحجاج، وإبراهيم بن أبي طالب.
وقال أبو محمد جعفر بن محمد الأمي سمعت رجاء الحافظ يقول: ما أعلم أحداً أعلم بحديث النبي ﷺ من عبد الله بن عبد الرحمن.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل: قلت لأبي: يا أبت ما الحفاظ؟
قال: يا بني شباب كانوا عندنا من أهل خراسان وقد تفرقوا.
قلت: من هم يا أبت؟
стр. 55
قال: محمد بن إسماعيل ذاك البخاري، وعبد الله بن عبد الكريم ذاك الرازي - يعني أبا زرعة. وعبد الله بن عبد الرحمن ذاك السمرقندي، والحسن بن شجاع ذاك البلخي.
قلت: فمن أحفظ هؤلاء؟
قال: أما أبو زرعة فأسردهم، وأما محمد بن إسماعيل فأعرفهم، وأما عبد الله بن عبد الرحمن فأتقنهم، وأما الحسن بن شجاع فأجمعهم للأبواب.
وقال بندار: حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالرَّي، ومسلم بن الحجاج بنيسابور، وعبد الله بن عبد الرحمن بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل ببخاري.
وقال أبو حاتم الرازي: البخاري أعلم من دخل العراق، ومحمد بن يحيى أعلم من بخراسان اليوم، ومحمد بن سليم أورعهم، والدارمي أثبتهم.
وقال النووي عنه: هو أحد حفاظ المسلمين في زمانه، قل من يدانيه في الفضيلة والحفظ.
مرتبة هذه السنن عند المحدثين:
اشتهرت هذه السنن عند المحدثين بالمسند، على خلاف اصطلاحهم. قال السيوطي في تدريب الراوي: ومسند الدارمي ليس بمسند، بل هو مرتب على الأبواب، وبعض المحدثين سموه بالصحيح.
وقال الحافظ الذهبي عنه: صاحب المسند العالي الذي في طبقة منتخب مسند عبد بن حميد.
قال الحافظ الذهبي: وسمي كتابه مسنداً وإن لم يكن على ترتيب المسانيد.
وقال ملا علي القاري في المرقاة: ومسنده المشهور وهو على الأبواب دون الصحابة خلافاً لمن وهم فيه.
والذي وهم فيه هو ابن الصلاح فقد عده من المسانيد على وجه اليقين: قال السيوطي
стр. 56
في تدريب الراوي: قيل ومسند الدارمي ليس بمسند بل هو مرتب على الأبواب وقد سماه بعضهم بالصحيح. قال شيخ الإسلام: ولم أر لمغلطاي سلفاً في تسميته الدارمي صحيحاً إلا قوله أنه رآه بخط المنذري.
وقال شيخ الإسلام: إنه ليس دون السنن في الرتبة بل لو ضم إلى الخمسة لكان أولى من ابن ماجه فإنه أمثل منه بكثير.
وقال العراقي في النكت: اشتهر تسميته بالمسند كما سمى البخاري كتابه بالمسند لتكون أحاديثه مسندة.
* * *
стр. 57
٨ - الإمام مالك وموطؤه
قال ابن الأثير:
هو أبو عبد الله: مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان بن خُثَيْل بن عمرو بن الحارث - وهو ذو أصبح - بن سويد، من بني حمير بن سبأ الأكبر، ثم من بني يشجب بن قحطان، وفي نسبه خلاف غير هذا.
ولد سنة خمس وتسعين من الهجرة، ومات بالمدينة سنة تسع وسبعين ومائة، وله أربع وثمانون سنة.
وقال الواقدي: مات وله تسعون سنة، وله ولد اسمه يحيى، ولا يعلم له غيره.
هو إمام أهل الحجاز، بل إمام الناس في الفقه والحديث، وكفاه فخراً أن الشافعي من أصحابه.
أخذ العلم عن: محمد بن شهاب الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ونافع مولى عبد الله بن عمر ﵄ ومحمد بن المنكدر، وهشام بن عروة بن الزبير، وإسماعيل بن أبي حكيم، وزيد بن أسلم، وسعيد بن أبي سعيد المقْبَري، ومخْرَمة بن سليمان، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وأفتى معه، وعبد الرحمن بن القاسم، وشريك بن عبد الله بن أبي نمر - وليس بالقاضي - وخلق كثير سواهم.
وأخذ العلم عنه خلق كثير لا يحصون كثرة، وهم أئمة البلاد.
منهم: الشافعي، ومحمد بن إبراهيم بن دينار، وأبو هشام المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي، وأبو عبد الله عبد العزيز بن أبي حازم، وعثمان بن عيسى بن كنانة؛ هؤلاء نظراؤه من أصحابه ومَعْن بن عيسى القَزَّاز، وأبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون، ويحيى بن يحيى الأندلسي، ومن طريقه روينا الموطأ - وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وعبد الله بن وهب وأصْبغَ بن الفرج، وغير هؤلاء ممن لا يحصى عدده.
وهؤلاء مشايخ البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن
стр. 58
معين، وغيرهم من أئمة الحديث.
قال مالك - رحمه الله تعالى -: قل من كتبت عنه العلم، ما مات حتى يجيئني ويستفتيني.
وقال بكر بن عبد الله الصُنعاني: أتينا مالك بن أنس فجعل يحدثنا عن ربيعة بن عبد الرحمن وكنا نستزيده من حديثه. فقال لنا ذات يوم: ما تصنعون بربيعة، وهو نائم في ذلك الطاق؟ فأتينا ربيعة فأنبهناه، وقلنا له: أنت ربيعة؟ قال: نعم. قلنا: الذي يتحدث عنك مالك بن أنس؟ قال: نعم، قلنا: كيف حظي بك مالك ولم تحظ أنت بنفسك؟! قال: أما علمتم أن مثقالاً من دولةٍ خيرٌ من حِمل علم؟! (١).
وكان مالك مبالغاً في تعظيم العلم والدين، حتى كان إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه، وسرح لحيته واستعمل الطيب وتمكن من الجلوس على وقار وهيبة، ثم حدث، فقيل له في ذلك، فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله ﷺ .
ومر يوماً على أبي حازم وهو جالس فجازه، فقيل له، فقال: إني لم أجد موضعاً أجلس فيه، فكرهت أن آخذ حديث رسول الله ﷺ وأنا قائم.
قال يحيى بن سعيد القطان: ما في القوم أصح حديثاً من مالك.
وقال الشافعي ﵀ إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وما أحد أمنَّ علي من مالك - رحمة الله عليه -.
وروي أن المنصور منعه من رواية الحديث في طلاق المكره، ثم دسَّ عليه من يسأله، فروى على ملأ من الناس: (ليس على مستكره طلاق) فضربه بالسياط، ولم يترك رواية الحديث.
وروي أن الرشد سأل مالكاً فقال: هل لك دار؟ فقال: لا، فأعطاه ثلاثة آلاف دينار، وقال: اشتر بها داراً، فأخذها ولم ينفقها فلما أراد الرشيد الشخوص. قال لمالك: ينبغي أن تخرج معي، فإني عزمت أن أحمل الناس على الموطأ، كما حمل عثمان الناس على
стр. 59
القرآن. فقال: أما حمل الناس على الموطأ فليس إلى ذلك سبيل، لأن أصحاب رسول الله صلى الله علي وسلم تفرقوا بعده في الأمصار فحدثوا، فعند أهل كل مصر علم، وقد قال رسول الله ﷺ "اختلاف أمتي رحمة" (١) وأما الخروج معك فلا سبيل إليه. قال رسول الله ﷺ "المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون" وقال: "المدينة تنفي خبثها" وهذي دنانيركم كما هي، إن شئتم فخذوها، وإن شئتم فدعوها.
يعني أنك إنما تكلفني مفارقة المدينة لما اصطنعته إليَّ فلا أوثر الدنيا على مدينة رسول الله ﷺ .
وقال الشافعي ﵀ رأيت على باب مالك كراعاً من أفراس خراسان وبغال مصر، ما رأيت أحسن منه، فقلت له: ما أحسنه، فقال: هو هدية مني إليك يا أبا عبد الله، فقلت: دع لنفسك منها دابة تركبها، فقال: أنا أستحي من الله تعالى أن أطأ تربة فيها رسول الله ﷺ بحافر دابة.
وكم مثل هذه المناقب لهذا الطود الأشم، والبحر الزاخر.
قال صاحب الرسالة المستطرفة:
ولأبي عمر بن عبد البر .. كتاب في وصل ما في الموطأ، من المرسل والمنقطع والمفضَل. قال: وجميع ما فيها من قوله بلغني، ومن قوله عن الثقة عنده مما لم يسنده أحد وستون حديثاً، كلها مسندة من غير طريق مالك إلا أربعة لا تعرف، ثم ذكرها.
قال الشيخ صالح الفلاني: قد رأيت لابن الصلاح تأليفاً وصل هذه الأربعة فيه بأسانيده.
* * *
стр. 60
٩ - الإمام أحمد ومسنده
قال الشوكاني:
وأما أحمد بن حنبل فهو الإمام الكبير، المجمع على إمامته وجلالته، أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيابني، رحل إلى الشام والحجاز واليمن وغيرها، وسمع من سفيان بن عيينة وطبقته، وروى عنه جماعة من شيوخه وخلائق آخرون لا يحصون، منهم البخاري ومسلم.
قال أبو زرعة: كانت كتب أحمد بن حنبل اثني عشر حملاً وكان يحفظها عن ظهر قلبه وكان يحفظ ألف ألف حديث.
ولد في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة، وتوفي سنة إحدى وأربعين ومائتين على الأصح، وله كرامات جليلة وامتحن المحنة المشهورة. وقد طول المؤرخون ترجمته وذكروا فيها عجائب وغرائب، وترجمة الذهبي في (سير أعلام النبلاء) في مقدار خمسين ورقة وأفردت ترجمته بمصنفات مستقلة.
وله ﵀ المسند الكبير انتقاه من أكثر من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألف حديث ولم يدخل فيه إلا ما يحتج به وبالغ بعضهم فأطلق على جميع ما فيه أنه صحيح، وأما ابن الجوزي فأدخل كثيراً منه في موضوعاته، في كتاب الموضوعات لابن الجوزي، حيث أورد فيه أحاديث موضوعة مكذوبة.
لكنه ﵀ كان يورد أحاديث ضعيفة، بل حسنة وصحيحة في كتابه - وتعقبه بعضهم في بعضها، وقد حقق الحافظ ابن حجر نفي الوضع عن جميع أحاديثه وأنه أحسن انتقاء وتحريراً من الكتب التي لم يلتزم مصنفوها الصحة في جميعها كالموطأ والسنن الأربعة، وليست الأحاديث الزائدة فيه على الصحيحين بأكثر ضعفاً من الأحاديث الزائدة في سنن أبي داود والترمذي، وقد ذكر العراقي أن فيه تسعة أحاديث موضوعة، وأضاف إليها خمسة عشر حديثاً أوردها ابن الجوزي في الموضوعات وهي فيه، وأجاب عنها حديثاً حديثاً. قال
стр. 61
السيوطي: وقد فاته أحاديث أخر أوردها ابن الجوزي وهي فيه وقد جمعها السيوطي في جزء سماه (الذيل الممهد) وذب عنها وعدتها أربعة عشر حديثاً. قال الحافظ ابن حجر في كتابه، (تعجيل المنفعة في رجال الأربعة) ليس في المسند حديث لا أصل له إلا ثلاثة أحاديث أو أربعة، منها حديث عبد الرحمن بن عوف أنه يدخل الجنة زحفاً، قال: والاعتذار عنه أنه مما أمر أحمد بالضرب عليه فترك سهواً، قال الهيثمي في زوائد المسند: إن مسند أحمد أصح صحيحاً من غيره، لا يوازي مسند أحمد كتاب مسند في كثرته وحسن سياقاته. قال السيوطي في خطبة كتابه (الجامع الكبير) ما لفظه: وكل ما كان في مسند أحمد فهو مقبول فإن الضعيف الذي فيه يقرب من الحسن.
وقال صاحب الرسالة المستطرفة:
ومسند الإمام الأوحد محيي السنة أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني المروزي، ثم البغدادي المتوفى ببغداد سنة إحدى وأربعين ومائتين، وكان يحفظ ألف ألف حديث، ومسنده هذا يشتمل على ثمانية عشر مسنداً أولها مسند العشرة، وما معه من زيادات ولده عبد الله ويسير من زيادات أبي بكر القطيعي الراوي عن عبد الله.
وقد اشتهر عند كثير من الناس أنه أربعون ألف حديث. قال أبو موسى المديني: لم أزل أسمع ذلك من الناس حتى قرأته على أبي منصور بن زريق. وقد صرح بذلك الحافظ شمس الدين محمد بن الحسين في التذكرة فقال: عدة أحاديثه أربعون ألفاً بالمكرر. وقال ابن المنادي: إنه ثلاثون ألفاً، والاعتماد على قوله دون غيره. وقد انتقاه من أكثر من سبعمائة ألف وخمسين ألف حديث. ولم يدخل فيه إلا ما يحتج به عنده، وتفضيل ابن الصلاح كتب السنن عليه منتقد، وبالغ بعضهم فأطلق عليه اسم الصحة، والحق أن فيه أحاديث كثيرة ضعيفة وبعضها أشد في الضعف من بعض، حتى إن ابن الجوزي أدخل كثيراً منها في موضوعاته، ولكن تعقبه في بعضها الحافظ أبو الفضل العراقي، وفي سائرها الحافظ ابن حجر في (القول المسدد في الذب عن مسند أحمد) والسيوطي في ذيله المسمى: (الذيل الممهد على القول المسدد). وحقق الأول منهما نفي الوضع عن جميع أحاديثه، وأنه أحسن انتقاء وتحريراً من الكتب التي لم تلتزم الصحة في جمعها. قال: وليست الأحاديث الزائدة
стр. 62
فيه على ما في الصحيحين بأكثر ضعفاً من الأحاديث الزائدة في سنن أبي داود والترمذي عليهما. وقال غيره: ما ضعف من أحاديثه أحسن حالاً مما يصححه كثير من المتأخرين.
وقد رتبه على الأبواب بعض الحفاظ الأصبهانيين، وكذا الحافظ ناصر الدين بن زريق، وكذا بعض من تأخر عنه، ورتبه على حروف المعجم في أسماء المقلين الحافظ أبو بكر بن المحب، ولولده أبي عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل البغدادي الحافظ المتوفى سنة تسعين ومائتين كتاب في زوائد مسنده هذا وهو نحو من ربعه في الحجم، قيل إنه مشتمل على عشرة آلاف حديث، وله أيضاً زوائد كتاب الزهد لأبيه، وللإمام الحافظ أبي بكر محمد بن الحافظ أبي محمد عبد الله المقدسي الحنبلي ترتيب مسند أحمد هذا على حروف المعجم.
ومن أجود الخدمات المعاصرة التي قدمت لمسند الإمام أحمد: خدمة الشيخ أحمد شاكر له على أنها خدمة لم تتم، وخدمة الشيخ عبد الرحمن البنا والد الشيخ حسن البنا - رحم الله الجميع - إذ رتب المسند على حسب الأبواب الفقهية والعلمية وشرحه.
وقال المناوي في التعريف بالإمام أحمد وبكتابه:
والإمام أحمد هو ابن محمد بن حنبل، الناصر للسنة، الصابر على المحنة، الذي قال فيه الشافعي: ما ببغداد أفقه ولا أزهد منه. وقال إمام الحرمين: غسل وجه السنة من غبار البدعة وكشف الغمة عن عقيدة الأمة.
ولد ببغداد سنة أربع وخمسين ومائة، وروى عن الشافعي وابن مهدي وخلق وعنه الشيخان وغيرهما، ومات سنة إحدى وأربعين ومائتين، وارتجت الدنيا لموته.
قال ابن المديني: مسنده - وهو نحو أربعين ألفاً - أصل من أصول الإسلام، وقال ابن الصلاح: مسند أحمد ونحوه من المسانيد كأبي يعلي والبزار والدارمي وابن راهويه وعبد بن حميد لا يلتحق بالأصول الخمسة وما أشبهها - أي كسنن ابن ماجه - في الاحتجاج بها والركون إليها. وقال العراقي: وجود الضعيف في مسند أحمد محقق، بل فيه أحاديث موضوعة جمعتها في جزء. وتعقبه تلميذه الحافظ ابن حجر بأنه ليس فيه حديث لا أصل له
стр. 63
إلا أربعة منها خبر ابن عوف أنه يدخل الجنة زحفاً. قال (أعني ابن حجر في تجريد زوائد البزار): وإذا كان الحديث في مسند أحمد لا يعزى لغيره من المسانيد.
* * *
стр. 64
١٠ - ١١ - ١٢ - معاجم الطبراني الثلاثة
قال صاحب الرسالة المستطرفة:
كتب المعاجم جمع معجم، وهو في اصطلاحهم ما تذكر فيه الأحاديث على ترتيب الصحابة أو الشيوخ أو البلدان أو غير ذلك، والغالب أن يكونوا مرتبين على حروف الهجاء، كمعجم الطبراني الكبير: المؤلف في أسماء الصحابة على حروف المعجم، عدا مسند أبي هريرة: فإنه أفرده في مصنف، يقال: إنه أورد فيه ستين ألف حديث ف اثني عشر مجلداً، وفيه قال ابن دحية: هو أكبر معاجم الدنيا، وإذا أطلق في كلامهم (المعجم) فهو المراد وإذا أريد غيره قيد.
والأوسط: ألفه في أسماء شيوخه، وهم قريب من ألفي رجل، حتى إنه روى عمن عاش بعده لسعة روايته وكثرة شيوخه، وأكثره من غرائب حديثهم، قال الذهبي: فهو ينظر الأفراد للدارقطني بين فيه فضيلة سعة روايته ويقال: إن فيه ثلاثين ألف حديث وهو في ست مجلدات كبار، وكان يقول فيه: هذا الكتاب روحي، لأنه تعب فيه. قال الذهبي: وفيه كل نفيس وعزيز ومنكر.
والصغير: وهو في مجلد خرّج فيه عن ألف شيخ، يقتصر فيه غالباً على حديث واحد عن كل واحد من شيوخه، قيل: وهو عشرون ألف حديث ذكره غير واحد، لكن ذكر المقري في (فتح المتعال) نقلاً عن كتاب (إرشاد المهتدين لمشايخ ابن فهد تقي الدين) أن المعجم الصغير للطبراني في مجلد، يشتمل على نحو من ألف وخمسمائة حديث بأسانيدها، قال: لأنه خرّج فيه عن ألف شيخ، كل شيخ حديثاً أو حديثين، وهو التحرير والصواب وخلافه سبق قلم، والله أعلم، أهـ.
وقد عرف المناويُّ المؤلف بقوله:
سليمان اللخمي أبو القاسم أحد الحفاظ المكثرين الجوالين، صاحب التصانيف الكثيرة أخذ عن أكثر من ألف شيخ منهم: أبو زرعة وطبقته، وعنه: أبو نعيم وغيره. قال
стр. 65
الذهبي: ثقة صدوق، واسع الحفظ، يصير بالعلل والرجال والأبواب، كثير التصانيف، إليه المنتهى في كثرة الحديث وعلومه، تكلم ابن مردويه في أخيه فأوهم أنه فيه وليس به، بل هو حافظ ثبت، مات بأصبهان سنة ستين وثلاثمائة عن مائة سنة وعشرة، أهـ.
وحظنا من معاجم الطبراني في هذا الكتاب هو ما أخرجه نور الدين الهيثمي منها في كتابه مجمع الزوائد، الذي يفترض فيه أنه جمع فيه زوائد الطبراني على الكتب الست، ولذلك تقول: إن من قرأ كتابنا هذا لم يفته معنى من العاني التي انفرد بها الطبراني من هديه ﵊.
وبعد أن سرت شوطاً بعيداً في هذا الكتاب، وصلتني بعض الأجزاء المطبوعة من كتاب المعجم الكبير لكني لم أجد فيها ما يجعلني أعيد النظر فيما سرت فيه.
* * *
стр. 66
١٣ - ابن حبان وصحيحه
قال محمد بن جعفر الكتاني:
وصحيح أبي حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن معاذ اليمني الدارمي، البُستي - بضم الموحدة، وإسكان السين - نسبة إلى بست بلد كبير من بلاد الغور بطرق خراسان، الشافعي، أحد الحفاظ الكبار، صاحب التصانيف العديدة، المتوفى ببست سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، وهو المسمى بالتقاسيم والأنواع في خمسة مجلدات، وترتيبه مخترع ليس على الأبواب ولا على المسانيد، والكشف منه عسر جداً، وقد رتبه بعض المتأخرين على الأبواب ترتيباً حسناً، وهو الأمير علاء الدين أبو احسن علي بن بلبان بن عبد الله الفارسي الحنفي الفقيه النحوي، المتوفى بالقاهرة سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، وسماه (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان) كما أنه رتب معجم الطبراني الكبير على الأبواب أيضاً، وصحيح ابن حبان موجود الآن بتمامه، بخلاف صحيح ابن خزيمة فقد عدم أكثره كما قال السخاوي. وقد قيل إن أصح من صنف في الصحيح بعد الشيخين ابن خزيمة فابن حبان.
وقد تحدث الدكتور محمد أديب الصالح في كتابه (لمحات في أصول الحديث) عن ابن حبان وصحيحه بقوله:
صاحب هذا الصحيح هو: الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان البستي الشافع. سمع من كثير: أبو عبد الرحمن النسائي، وأبو بكر بن خزيمة، وجعفر بن أحمد الدمشقي، وغيرهم من مصر إلى خراسان، وممن حدث عنه: الحاكم، ومنصور، وعبد الله الخالدي وآخرون. وهو أحد الحفاظ الكبار. قال الخطيب: كان ثقة نبيلاً فهماً، وله بجانب (صحيحه) العديد من التصانيف في الحديث والتاريخ، وله كتاب (الضعفاء) وقال عنه الحاكم: كان ابن حبان من أوعية العلم في الفقه واللغة والحديث. وقال ياقوت الحموي: أخرج من علوم الحديث ما عجز عنه غيره .. توفى سنة (٢٥٤).
وقال المناوي في التعريف به:
стр. 67
محمد بن حبان أبو حاتم التميمي الفقيه الشافعي البستي، أحد الحفاظ الكبار، روى عن النسائي وأبي يعلي وابن خزيمة وخلقٍ، وعنه الحاكم وغيره، وصنف كتباً نفيسة منها: تاريخ الثقات وتاريخ الضعفاء.
ولي قضاء سمرقند، وكان رأساً في الحديث، عالماً بالفقه والكلام والطب والفلسفة والنجوم، ولهذا امتحن ونسب للزندقة وأمر بقتله، ثم مات بسمرقند سنة أربع وخمسين وثلثمائة في عشر الثمانين.
وقال عن صحيحه: المسمى بالتقاسيم والأنواع المقدم عندهم على مستدرك الحاكم. قال الحازمي: ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم، والحاكم أشد تساهلاً منه، غايته أن ابن حبان يسمى الحسن صحيحاً، وما اقتضاه كلام التقريب كأصله مما يخالف ذلك رده الزين العراقي بأن ابن حبان شرط تخريج مراويه ثقة غير مدلس سمع من شيخه وسمع منه الآخذ عنه. ووفى بالتزامه، ولم يعرف للحاكم، قال: وصحيح ابن خزيمة أعلى رتبة من صحيح ابن حبان لشدة تحريه، فأصح من صنف في الصحيح بعد الشيخين ابن خزيمة فابن حبان فالحاكم قال ابن حجر: وذكر ابن حبان في كتابه أنه إنما لم يرتبه ليحفظ، لأنه لو رتبه ترتيباً سهلاً لاتّكل كل من يكون عنده على سهولة الكشف فلا يحفظه، وإذا توعر طريق الكشف كان أدعى لحفظه ليكون على ذكر من جمعه.
* * *
стр. 68
١٤ - ابن خزيمة وصحيحه
قال صاحب الرسالة المستطرفة:
ومنها - أي كتب السنة - كتب التزم أهلها فيها الصحة من غير ما تقدم من الموطأ والصحيحين، منها صحيح أبي عبد الله وأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة السلمي النيسابوري الشافعي شيخ ابن حبان المتوفى سنة إحدى عشر وثلاثمائة، ويعرف عند المحدثين بإمام الأئمة.
وقد تحدث الدكتور محمد أديب الصالح في كتابه (لمحات في أصول الحديث) عن ابن خزيمة وصحيحه بقوله:
صاحب هذا الصحيح هو شيخ الإسلام الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق (ابن خزيمة) النيسابوري، سمع من كثيرين مثل: محمود بن غيلان، وعتبة بن عبد الله اليحمدي، وأحمد ابن منيع، وعبد الجبار بن العلاء وطبقتهم، وانتهت إليه الإمامة والحفظ في عصره بخراسان.
وقد حدث عنه الكثيرون من العلماء، منهم: محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أحد شيوخه، وأحمد بن المبارك المستملي، وأبو علي النيسابوري، وحدث عنه الشيخان البخاري ومسلم في غير صحيحهما.
ولد ﵀ سنة (٢٢٣ هـ) وتوفي سنة (٣١١ هـ).
إلا أن الكتاب (صحيح ابن خزيمة) غير موجود بتمامه لأن أكثره قد عدم، علماً بأنه قيل: إنه أصح ما صنف في الصحيح بعد البخاري ومسلم. وهذا الموجود هو في غاية القبول عند العلماء. وإنك واجد في نقول الثقات الكثير من رد أحاديثهم إليه.
وقد تحدث محقق صحيح ابن خزيمة الدكتور: محمد مصطفى الأعظمي، في تقديمه لصحيح ابن خزيمة عن ابن خزيمة وصحيحه، وكان من كلامه:
يعد القرنان الثالث والرابع الهجريان من أنضج قرون الثقافة الإسلامية إنتاجاً، وما
стр. 69
غرس في القرن الأول على يد الصحابة الكرام - رضوان الله عليهم أجمعين - وسقي على أيدي التابعين وأتباع التابعين في القرن الثاني، بدأ يؤتي أكله ناضجاً شهياً في القرنين الثالث والرابع.
في هذا العصر الذهبي ولد إمام الأئمة فقه الآفاق المجتهد المطلق أبو بكر محمد بن إسحاق ابن خزيمة النيسابوري مولى مجشر بن مزاحم، في شهر صفر سنة ثلاث وعشرين ومائتين بنيسابور.
عني بالحديث منذ حداثته، ومع من إسحق بن راهويه المتوفى سنة ٢٣٨ هـ، ومحمد بن حميد المتوفى سنة ٢٣٠ هـ ولم يحدث عنهما لكونه كتب عنهما في صغره وقبل فهمه وتبصره.
رحلات لطلب العلم:
وعلى سنة الزمان أراد أن يرتحل لسماع الحديث النبوي، وكان يرغب في الذهاب إلى قتيبة فاستأذن أباه، فأجابه: (اقرأ القرآن أولاً حتى آذن لك) يقول ابن خزيمة: فاستظهرت القرآن، فقال لي: امكث أولاً حتى تصلي بالختمة، ففعلت، فلما عيدنا أذن ي، فخرجت إلى مروٍ، وسمعت بمرو الروذ من محمد بن هشام - يعني صاحب هشيم - فنعى إلينا قتيبة. وكانت وفاة قتيبة في سنة أربعين ومائتين.
فعلى هذا بدأ ابن خزيمة رحلاته العلمية وهو في السابعة عشرة من عمره، وقد اتسعت رحلاته حتى شملت الشرق الإسلامي حينذاك فسمع:
بنيسابور: ابن راهويه وغيره.
وبمرو: علي بن محمد وغيره.
وبالري: محمد بن مهران وغيره.
وبالشام: موسى بن سهل الرملي وغيره.
وبالجزيرة: عبد الجبار بن العلاء وغيره.
стр. 70
وبمصر: يونس بن عبد الأعلى وغيره.
وبواسط: محمد بن حرب وغيره.
وببغداد: محمد بن إسحق الصاغاتي وغيره.
وبالبصرة: نصر بن علي الأزدي الجهضمي وغيره.
وبالكوفة: أبا كريب محمد بن العلاء الهمداني وغيره.
كما سمع من البخاري ومسلم بن الحجاج القشيري والذهلي وخلق.
وروى عنه جماعة من مشايخه منهم البخاري ومسلم خارج الصحيحين، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم شيخه، ويحيى بن محمد بن صاعد، وأبو علي النيسابوري وخلائق، وآخر من روى عنه بنيسابور حفيده أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحق بن خزيمة.
شجاعته الأدبية:
كان ابن خزيمة جريئاً لا يخاف قال أبو بكر بن بالويه: سمعت ابن خزيمة يقول: كنت عند الأمير إسماعيل بن أحمد فحدث عن أبيه. بحديث وهم في إسناده فرددته عليه، فلما خرجت من عنده قال أبو ذر القاضي: قد كنا نعرف أن هذا الحديث خطأ منذ عشرين سنة، فلم يقدر واحد منا أن يرده عليه، فقلت له: لا يحل لي أن أسمع حديث رسول الله صلى الله لعيه وسلم فيه خطأ أو تحريف فلا أرده.
* * *
стр. 71
١٥ - أبو يعلي ومسنده
قال صاحب الرسالة المستطرفة:
ومسند أبي يعلي أحمد بن علي بن المثني التميمي الموصلي الحافظ المشهور الثقة المتوفى بالموصل سنة سبع وثلاثمائة، وقد زاد على المائة وعمر وتفرد ورحل الناس إليه، وله مسندان صغير وكبير. وفيه قال إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي الحافظ: قرأت المسانيد كمسند العدني ومسند أبي منيع وهي كالأنهار، ومسند أبي يعلي كالبحر فيكون مجموع الأنهار.
وقال المناوي في التعريف بأبي يعلي:
الحافظ الثبت محدث الجزيرة أحمد بن علي بن المثنى التميمي، سمع ابن معين وطبقته، وعنه ابن حبان والإسماعيلي وغيرهما، أهل صدق وأمانة وعلم وحلم، وثقه ابن حبان والحاكم، ولد سنة عشر ومائتين ومات سنة سبع وثلاثمائة.
* * *
стр. 72
١٦ - أبو بكر البزار ومسنده
قال محمد بن جعفر الكتاني:
ومسند أبي بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار البصري الحافظ الشهير المتوفى بالرملة سنة اثنتين وتسعين ومائتين، وله مسندان الكبير المعلل وهو المسمى (البحر الزاخر) يبين فيه الصحيح من غيره، قال العراقي: ولم يغفل ذلك إلا قليلاً، إلا أنه يتكلم في تفرد بعض رواة الحديث ومتابعة غيره عليه.
وحظنا في هذا الكتاب من مسند البزار هو زوائده على الكتب الستة التي أخرجها الهيثمي في (مجمع الزوائد) أو في كتاب (كشف الأستار عن زوائد البزار على الكتب الستة) فنحن في هذا الكتاب نختار منها ما اجتمع فيه شرط الحسن أو الصحة ووافق غرضنا من هذا الكتاب.
قال الهيثمي في تقديمه لكشف الأستار:
وبعد فقد رأيت مسند الإمام أبي بكر البزار المسمى بـ (البحر الزخار) قد حوى جملة من الفوائد الغزار، يصعب التواصل إليها على من التمسها، ويطول ذلك عليه قبل أن يخرجها، فأردت أن أتتبع ما زاد فيه على الكتب الستة، من حديث بتمامه، وحديث شاركهم .. وفيه زيادة.
* * *
стр. 73
١٧ - الحاكم ومستدركه
قال صاحب الرسالة المستطرفة:
وصحيح أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه الحاكم الضبي الطهماني النيسابوري المعروف بابن الييّع - بوزن قيّم - صاحب التصانيف التي لم يسبق لمثلها ككتاب (الإكليل) وكتاب (المدخل إليه) (وتاريخ نيسابور) (وفضائل الشافعي) وغيرها، المتوفى بنيسابور سنة خمس وأربعمائة، وهو المعروف بـ (المستدرك على الصحيحين) مما لم يذكراه وهو على شرطهما، أو شرط أحدهما، أولا على شرط واحد منهما. وهو متساهل في التصحيح. واتفق الحفاظ على أن تلميذه البيهقي أشد تحرياً منه.
وقد لخص مستدركه هذا الحافظ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قيماز التركماني الفارقي الأصل الذهبي نسبة إلى اذهب كما في النصير الدمشقي الشافعي المتوفى بدمشق سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، وتعقب كثيراً منها بالضعف والنكارة أو الوضع، وقال في بعض كلامه: إن العلماء لا يعتدون بتصحيح الترمذي والحاكم. وذكر له ابن الجوزي في موضوعاته ستين حديثاً أو نحوها. ولكن انتصر له الحفاظ في أكثرها.
وفي التعقيبات أنه جَرَّد بعض الحفاظ منه مائة حديث موضوعة في جزء، ولجلال الدين (توضيح المدرك في تصحيح المستدرك) لم يكمل ولخصه أيضاً - أعني المستدرك - برهان الدين الحلبي - وزعم أبو سعد الماليني أنه ليس فيه حديث على شرطهما، ورده الذهبي بأنه غلو وإسراف، بل فيه جملة وافرة على شرطهما، وأخرى كبيرة على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك نحو نصف الكتاب، وفيه نحو الربع مما صح سنده، وإن كان فيه علة، وما بقي فهو مناكير وواهيات لا تصح وفي بعض ذلك موضوعات، ويقال: إن السبب في التساهل الواقع فيه أنه صنفه أواخر عمره، وقد حصلت له غفلة وتغير أو أنه لم يتيسر له تحريره وتنقيحه، ويدل له أن تساهله في قدر الخمس الأول منه قليل جداً بالنسبة لباقيه، وقد قال الحافظ: وجدت قريباً من نصف الجزء الثاني - من تجزئة ستة من المستدرك - إلى هنا انتهى إملاء الحاكم، قال: وما عدا ذلك من الكتاب لا يؤخذ عنه إلا بطريق الإجازة،
стр. 74
والتساهل في القدر المملى قليل جداً بالنسبة إلأى ما بعده. وقد قال الحازمي: ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم. وقال العماد ابن كثير: قد التزم ابن خزيمة وابن حبان الصحة وهما خير من المستدرك بكثير وأنظف أسانيد ومتوناً، وقال غيرهما: صحيح ابن خزيمة أعلى مزية من صحيح ابن حبان وصحيح ابن حبان أعلى من الحاكم، وهو مقارب للحاكم في التساهل، لأنه غير متقيد بالمعدِّلين، بل ربما يخرج للمجهولين لا سيما ومذهبه إدراج الحسن في الصحيح، ولكن هذا كله اصطلاح له ولا مُشاحة فيه، على أن في صحيح ابن خزيمة أيضاً أحاديث محكوم منه بصحتها وهي لا ترتقي عن درجة الحسن، بل وفيما صححه الترمذي من ذلك أيضاً جملة من أنه يفرق بين الصحيح والحسن وحينئذ فلابد من النظر في أحاديث كل ليحكم على كل واحد منه بما يليق به. والله أعلم.
وفي تدريب الراوي:
واعتنى الحافظ أبو عبد الله الحاكم في المستدرك بضبط الزوائد عليهما، مما هو على شرطهما أو على شرط أحدهما، أو صحيح مصحح وإن لم يوجد شرط أحدهما، وربما أورد فيه ما لم يصح عنده منبهاً على ذلك وهو متساهل في التصحيح. وقد لخص الذهبي مستدركه وتعقب كثيراً منه بالضعف والنكارة، وجمع جزءاً في الأحاديث التي فيه وهي موضوعة فذكر نحو مئة حديث. فما صححه الحاكم ولم نجد فيه لغيره من المعتمدين تصحيحاً ولا تضعيفاً، حكمنا بأنه حسن، إلا أن يظهر فيه علة توجب ضعفه، أهـ ملخصاً.
وقد أغنانا عن ذلك الذهبي، فما أقره عليه فهو صحيح، وما سكت عنه ولم يتعقبه بشيء فهو كما قال ابن الصالح: حسن. وقد رأيت العزيزي في (شرحه للجامع الصغير) يحتج كثيراً بتقرير الذهبي للحاكم على التصحيح، فليعلم ذلك. والله أعلم. أهـ.
وقد علق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة على قول صاحب تدريب الراوي: (فما صححه الحاكم ولم تجد فيه لغيره من المعتمدين ..) بقوله:
هذا كلام ابن الصلاح في (مقدمته) ووافقه النووي في (التقريب) وقد انتقده السيوطي في (التدريب) ص ٥٣ فقال عقبه: اله البدر بن جماعة: والصواب أنه يتتبع
стр. 75
عليه بما يليق بحاله من الحسن أو الصحة أو الضعف، ووافقه العراقي وقال: إن حكمه أي: ابن الصلاح - عليه بالحسن فقط تحكم.
قال إلا أن ابن الصلاح قال ذلك بناء على رأيه: أنه قد انقطع التصحيح في هذه الأعصار، فليس لأحد أن يصحح، فلهذا قطع النظر عن الكشف عليه، والعجب من المصنف - أي النووي - كيف وافقه هنا؟ مع مخالفته له في المسألة المبني عليها.
* * *