فاستغفر لي، غفر الله لك.
عبد الله بن عمر: عن وهب بن كيسان، قال: رأيت أبا سعيد الخردي يلبس الخز.
ابن عجلان: عن عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع، قال: رأيت أبا سعيد يحفي (١) شاربه كأخي الحلق.
عن أبي سعيد، قال: أتى علينا رسول الله ﷺ ونحن أناس من ضعفة المسلمين ما أظن رسول الله يعرف أحدًا منهم، وإن بعضهم ليتوارى من بعضٍ من العري. فقال رسول الله بيده، فأدارها شبه الحلقة، قال: فاستدارت له الحلقة، فقال: "بما كنتم تراجعون"؟ قالوا: هذا رجل يقرأ لنا القرآن، ويدعولنا، قال: "فعودوا لما كنتم فيه"، ثم قال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم" ثم قال: "ليبشر فقراء المؤمنين بالفوز يوم القيامة قبل الأغنياء بمقدار خمس مئة عام، هؤلاء في الجنة يتنغمون، وهؤلاء يحاسبون" (٢).
* * *
стр. 2067
٧٩ - المغيرة بن شعبة ﵁
قال ابن حجر: المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب ابن عمرو بن سعد بن عوف بن قيس الثقفي أبو عيسى أو أبو محمد، وقال الطبري يكنى أبا عبد الله. قال وكان ضخم القامة عبل الذراعين بعيد ما بين المنكبين أصهب الشعر جعد. وكان لا يفرقه. أسلم قبل عمرة الحديبية وشهدها وبيعة الرضوان وله فيها ذكرن وحدث عن النبي ﵌ ... قال ابن سعد: وشهد اليمامة وفتوح الشام والعراق قال البغوي: كان أول من وقع ديوان البصرة، وقال ابن حبان: كان أول من سلم عليه بالإمرة، ثم ولاه عمر الكوفة وأقره عثمان ثم عزله، فلما قتله عثمان اعتزل القتال إلى أن حضر مع المحكمين ثم بايع معاوية بعد أن اجتمع الناس عليه ثم ولاه بعد ذلك الكوفة فاستمر على إمرتها حتى مات سنة خمسين عند الأكثر ونقل فيه الخطيب الإجماع وقيل مات قبل بسنة وقيل بعدها بسنة، وقال الطبري أيضًا كان مع أبي سفيان في هدم طاغية ثقيف بالطائف وبعثه أبو بكر الصديق إلى أهل النجير وأصيبت عينه باليرموك ثم كان رسول سعد إلى رستم، وفي صحيح البخاري في قصة النعمان بن مقرن في قتال الفرس أنه كان رسول النعمان إلى امرئ القيس وشهد تلك الفتوح ...
وقال ابن سعد كان رجلاً طوالا مصاب العين أصيبت عينه باليرموك وقال البخاري في التاريخ قال أبو نعيم عن زكريا عن الشعبي: انكسفت الشمس في زمن المغيرة بن شعبة يوم الأربعاء في رجب سنة تسع وخمسين فقام المغيرة وأنا شاهد فذكر القصة كذا قال والصواب سنة تسع وأربعين. ا. هـ.
وقال الذهبي: الأمير أبو عيسى، ويقال: أبو عبد الله، وقيل: أبو محمد. من كبار الصحابة أولي الشجاعة والمكيدة. شهد بيعة الرضوان. كان رجلاً طوالاً مهيبًا، ذهبت عينه يوم اليرموك، وقيل: يوم القادسية.
قالت عائشة: كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، فقام المغيرة بن شعبة بنظير إليها، فذهبت عينه.
стр. 2068
قال ابن سعد: كان المغيرة أصهب الشعر (١) جدًا، يفرق رأسه فروقًا أربعة، أقلص الشفتين، مهتومًا، ضخم الهامة، عبل الذراعين، بعيد ما بين المنكبين، وكان داهية، يقال له: مغيرة الرأي.
وعن الشعبي: أن المغيرة سار من دمشق إلى الكوفة خمسًا.
معمر، عن الزهري قال: كان دهاة الناس في الفتنة خمسة، فمن قريش: عمرو، ومعاوية، ومن الأنصار؛ قيس بن سعد، ومن ثقيف، المغيرة. ومن المهاجرين: عبد الله ابن بديل بن ورقاء الخزاعي. فكان مع علي قيس وابن بديل، واعتزل المغيرة بن شعبة.
وعن أبي موسى الثقفي قال: كان المغيرة رجلاً طوالاً، أعور، أصيبت عينه يوم اليرموك.
وعن غيره: ذهبت عينه يوم القادسية، وقيل: بالطائف، ومر أنها ذهبت من كسوف الشمس.
ابن إسحاق، عن عامر بن وهب، قال: خرج المغيرة في ستةٍ من بني مالكٍ إلى مصر تجارًا، حتى إذا كانوا ببزاق (٢) عدا عليهم، فذبحهم، واستاق العير، وأسلم.
عن المغيرة، قال: أنا آخر الناس عهدًا برسول الله ﷺ ، لما دفن خرج علي بن أبي طالب من القبر، فألقيت خاتمي، فقلت: يا أبا الحسن، خاتمي. قال: انزل فخذه، قال: فمسحت يدي على الكفن، ثم خرجت.
عن سماك بن سلمة قال: أول من سلم عليه بالإمرة المغيرة بن شعبة.
يعني: قول المؤذن عند خروج الإمام إلى الصلاة: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته.
عن ابن سيرين: كان الرجل يقول للآخر: غضب الله عليك كما غضب أمير المؤمنين
стр. 2069
على المغيرة، عزله عن البصرة، فولاه الكوفة.
قال الليث: وقعة أذربيجان كانت سنة اثنتين وعشرين، وأميرها المغيرة بن شعبة. وقيل: افتتح المغيرة همذان عنوة.
سلمة بن بلال: عن أبي رجال العطاردي قال: كان فتح الأبلة (١) على يد عتبة بن غزوان، فلما خرج إلى عمر، قال للمغيرة بن شعبة، صل بالناس، فلما هلك عتبة، كتب عمر إلى المغيرة بإمرة البصرة، فبقي عليها ثلاث سنين.
سعيد بن داود الزنبري: حدثنا مالك، عن عمه أبي سهيل، عن أبيه؛ قال: لقي عمار المغيرة في سكك المدينة، وهو متوشح سيفًا، فناداه يا مغيرة! فقال: ما تشاء؟ قال: هل لك في الله؟ قال: وددت والله أني علمت ذلك، إني والله ما رأيت قتله صوابًا، فهل لك يا أبا اليقظان أن تدخل بيتك، وتضع سيفك حتى تنجلي هذه الظلمة، ويطلع قمرها فنمشي مبصرين؟ قال: أعوذ بالله أن أعمى بعد إذ كنت بصيرًا. قال: يا أبا اليقظان، إذا رأيت السيل، فاجتنب جريته.
عن الزهري: قال: دعا معاوية عمرو بن العاص بالكوفة، فقال: أعني على الكوفة، قال: كيف بمصر؟ قال: استعمال عليها ابنك عبد الله بن عمرو، قال: فنعم. فبينا هم على ذلك جاء المغيرة بن شعبة -وكان معتزلاً بالطائف- فناجاه معاوية. فقال المغيرة: تؤمر عمرًا على الكوفة، وابنه على مصر، وتكون كالقاعد بين لحي الأسد، قال: ما ترى؟ قال: أنا أكفيك الكوفة. قال: فافعل. فقال معاوية لعمرو حين أصبح: إني قد رأيت كذا، ففهم عمرو، فقال: ألا أدلك على أمير الكوفة؟ قال: بلى، قال: المغيرة، واستعن برأيه وقوته عن المكيدة، وأعزله عن المال، قد كان قبلك عمر وعثمان ففعلا ذلك، قال: نعم ما رأيت. فدخل عليه المغيرة، فقال: إني كنت أمرتك على الجند والأرض، ثم ذكرت سنة عمر وعثمان قبلي، قال: قد قبلت.
قال الليث: كان المغيرة قد اعتزل، فلما صار الأمر إلى معاوية كاتبة المغيرة.
стр. 2070
عن عبد الملك بن عمير قال: كتب المغيرة إلى معاوية، فذكر فناء عمره، وفناء أهل بيته، وجفوة قريشٍ له. فورد الكتاب على معاوية وزياد عنده، فقال: يا أمير المؤمنين، ولني إجابته، فألقى إليه الكتاب، فكتب: أما ما ذكرت من ذهاب عمرك؛ فإنه لم يأكله غيرك. وأما فناء أهل بيتك، فلو أن أمير المؤمنين قدر أن يقي أحدًا لوقى أهله، وأما جفوة قريش؛ فأنى يكون ذاك وهم أمروك.
قال ابن شوذب: أحصن المغيرة أربعًا من بنات أبي سفيان، وكان آخر من تزوج منهن بها عرج.
عن أبي السفر؛ قيل للمغيرة: إنك تحابي، قال: إن المعرفة تنفع عند الجمل الصؤول (١)، والكلب العقور (٢)، فكيف بالمسلم.
عن المغيرة بن شعبة قال: لقد تزوجت سبعين امرأة أو أكثر.
ابن المبارك قال: كان تحت المغيرة بن شعبة أربع نسوة. قال: فصفهن بين يديه وقال: أنتن حسنات الأخلاق، طويلات الأعناق، ولكني رجل مطلاق، فأنتن الطلاق.
حدثنا مالك قال: كان المغيرة نكاحًا للنساء، ويقول: صاحب الواحدة إن مرضت مرض، وإن حاضت حاض، وصاحب المرأتين بين نارين تشعلان، وكان ينكح أربعًا جميعًا ويطلقهن جميعًا.
عن زياد بن علاقة، سمعت جريرًا يقول حين مات المغيرة بن شعبة: أوصيكم بتقوى الله، وأن تسمعوا وتطيعوا حتى يأتيكم أمير، استغفروا للمغيرة غفر الله له، فإنه كان يحب العافية.
وفي لفظ أبي عوانة عن زياد: فإنه كان يحب العفو.
قال عبد الملك عن عمير: رأيت زيادًا واقفًا على قبر المغيرة يقول:
стр. 2071
إن تحت الأحجار حزمًا وعزمًا ... وخصيمًا ألد ذا معلاق
حية في الوجار أربد لا ينـ ... ـفع منه السليم نفثه راق (١)
وقال الجماعة: مات أمير الكوفة المغيرة في سنة خمسين في شعبان، وله سبعون سنة. انتهى من السير الذهبي.
٢٢٢٧ - * روى أبو داود عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب ضرب ابنًا له تكنى بأبي عيسى، وأن المغيرة بن شعبة تكنى بأبي عيسى، فقال له عمر: أما يكفيك أن تكنى بأبي عبد الله؟ فقال: إن رسول الله ﷺ كناني، فقال: إن رسول الله ﷺ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وإنا في جلجتنا. فلم يزل يكنى بأبي عبد الله حتى هلك.
٢٢٢٨ - * روى الطبراني عن ابن أبي مرحب قال: نزل في قبر النبي ﷺ أربعة أحدهم عبد الرحمن بن عوف وكان المغيرة بن شعبة يدعي أنه أحدث الناس عهدًا برسول الله ﷺ ويقول أخذت خاتمي فألقيته عمدًا وقلت إن خاتمي سقط من يدي لأمس رسول الله ﷺ فأكون آخر الناس عهدًا به.
* * *
стр. 2072
٨٠ - النجاشي ﵁
قال الذهبي:
النجاشي: واسمه أصحمة ملك الحبشة. معدود في الصحابة ﵃، وكان ممن حسن إسلامه ولم يهاجر، ولا له رؤية، فهو تابعي من وجه، صاحب من وجه، وقد توفي في حياة النبي، فصلى عليه بالناس صلاة الغائب ولم يثبت أنه ﷺ على غائب سواه، وسبب ذلك أنه مات بين قوم نصارى، ولم يكن عنده من يصلي عليه، لأن الصحابة الذين كانوا مهاجرين عنده خرجوا من عنده مهاجرين إلى المدينة عام خيبر.
عن أم سلمة زوج النبي ﷺ ، قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي، أمنا على ديننا، وعبدنا الله تعالى لا نؤذي ولا نسمع شيئًا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشًا، ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم (١) فجمعوا له أدمًا كثيرًا، ولم يتركوا من بطارقته (٢) بطريقًا إلا أهدوا إليه هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي، وعمرو بن العاص السهمي، وأمروهما أمرهم، وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم، ثم قدموا له هداياه، ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم. قالت: فخرجا، فقدما على النجاشي، ونحن عنده بخير دار عند خير جار. فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته، وقالا له: إنه قد ضوى (٣) إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم، فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عينا (٤) وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهم: نعم. ثم إنهما قربا هدايا النجاشي، فقبلها منهم،
стр. 2073
ثم كلماه، فقالا له: أيها الملك إنه ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليه، فهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم فيه. قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله وعمرو من أن يسمع النجاشي كلامهم. فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك. فأسلمهم إليهما. فغضب النجاشي، ثم قال: لا ها الله إذا لا أسلمهم إليهما، ولا أكاد (١) قومًا جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم. ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله فدعاهم، فلما جاءهم رسوله، اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمتنا، وما أمرنا به نبينا ﷺ كائنًا في ذلك ما كان. فلما جاؤوه، وقد دعا النجاشي أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟.
قالت: وكان الذي يكلمه جعفر بن أبي طالب، فقال له: أيها الملك، إنا كنا قومًا أهل جاهلية: نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف. فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. قالت: فعدد له أمور الإسلام -فصدقناه وآمنا به واتبعناه، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.
قالت: فقال: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قال: نعم؟ قال: فاقرأه
стр. 2074
علي، فقرأ عليه صدرًا من ﴿كهيعص﴾. فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته (١)، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلي عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة. انطلقا، فوالله لا أسلمهم إليكم أبدًا ولا أكاد.
فلما خرجا قال عمرو: والله لأنبئه غدًا عيبهم ثم أستأصل خضراءهم (٢) فقال له عبد الله ابن أبي ربيعة، وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل، فإن لهم أرحامًا وإن كانوا قد خالفونا. قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى عبد. ثم غدا عليه، فقال: أيها الملك! إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيمًا، فأرسل إليهم، فسلهم عما يقولون فيه. فأرسل يسألهم.
قالت. ولم ينزل بنا مثلها، فاجتمع القوم، ثم قالوا: نقول والله فيه ما قال الله تعالى كائنًا ما كان. فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى؟ فقال له جعفر: نقول فيه الذي جاء به نبينا. هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. فضرب النجاشي يده إلى الأرض، فأخذ عودًا، ثم قال: ما عدا عيسى ما قلت هذا العود. فتناخرت (٣) بطارقته حوله فقال: وإن نخرتم والله، اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي -والسيوم الآمنون- من سبكم غرم ثم من سبكم غرم، ما أحب أن لي دبري ذهبًا وأني آذيت رجلاً منكم والدبر بلسانهم الجبل، ردوا عليهما هداياهما، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في، فأطيعهم فيه. فخرجا مقبوحين، مردودًا عليما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار. فوالله إنا على ذلك، إذ نزل به، يعني من ينازعه في ملكه، فوالله ما علمنا حربًا قط كان أشد من حربٍ حربناه (٤)، تخوفًا أن يظهر ذلك على النجاشي، فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه، وسار النجاشي وبينهما عرض النيل. فقال أصحاب رسول الله ﷺ : من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر؟ فقال الزبير: أنا، وكان من أحدث القوم سنًا. فنفخوا
стр. 2075
له قربة، فجعلها في صدره، ثم سبح عليها حتى خرج إلى مكان الملتقى، وحضر، فدعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده، واستوسق (١) له أمر الحبشة، فكنا عنده في خير منزل حتى قدمنا على رسول الله ﷺ وهو بمكة (٢).
عن عمير بن إسحاق أن جعفرًا قال: يا رسول الله ائذن لي حتى أصير إلى أرضٍ أعبد الله فيها، فأذن له، فأتى النجاشي. فحدثنا عمرو بن العاص قال: لما رأيت جعفرًا آمنًا بها هو وأصحابه حسدته، فأتيت النجاشي، فقلت: إن بأرضك رجلاً ابن عمه بأرضنا يزعم أنه ليس للناس إلا إله واحد، وإنك إن لم تقتله وأصحابه لا أقطع إليك هذه النطفة أبدًا ولا أحد من أصحابي. قال: اذهب إليه، فادعه. قلت: إنه لا يجيء معي، فأرسل معي رسولاً. فأتيناه وهو بين ظهري أصحابه يحثهم. قال له: أجب. فلما أتينا الباب ناديت: ائذن لعمرو بن العاص، ونادى جعفر: ائذن لحزب الله. فسمع صوته، فأذن له قبلي (٣).
وحدثني جعفر بن محمد، عن أبيه قال: اجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشي: فارقت ديننا. وخرجوا عليه، فأرسل إلى جعفر وأصحابه، فهيأ لهم سفنًا، وقال: اركبوا، فإن هزمت، فامضوا، وإن ظفرت فاثبتوا. ثم عمد إلى كتاب، فكتب فيه: هو يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، ويشهد أن عيسى عبده ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم. ثم جعله في فبئه، وخرج إلى الحبشة، وصفوا له، فقال: يا معشر الحبشة: ألست أحق الناس بكم؟ قالوا: بلى. فكيف رأيتم سيرتي فيكم؟ قالوا: خير سيرة، قال: فما بالكم؟ قالوا: فارقت ديننا، وزعمت أن عيسى عبد. قال: فما تقولون فيه؟ قالوا: هو ابن الله، فقال -ووضع يده على صدره على قبائه- هو يشهد أن عيسى، لم يزد على هذا شيئًا، وإنما عني على ما كتب، فرضوا، وانصرفوا. فبلغ ذلك النبي ﷺ ،
стр. 2076
فلما مات النجاشي صلى عليه، واستغفر له.
ومن محاسن النجاشي أن أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان بن حرب الأموية أم المؤمنين أسلمت مع زوجها عبيد الله بن جحش الأسدي قديمًا، فهاجر بها زوجها، فانملس بها إلى أرض الحبشة، فولدت له حبيبة ربيبة النبي ﷺ . ثم إنه أدركه الشقاء فأعجبه دين النصرانية فتنصر، فلم ينشب أن مات بالحبشة، فلما وفت العدة، بعث رسول الله ﷺ ، يخطبها، فأجابت، فنهض في ذلك النجاشي، وشهد زواجها بالنبي ﷺ ، وأعطاها الصداق عن النبي ﷺ من عنده أربع مئة دينار، فحصل لها شيء لم يحصل لغيرها من أمهات المؤمنين، ثم جهزها النجاشي.
وكان الذي وفد على النجاشي بخطبتها عمرو بن أمية الضمري، فيما نقله الواقدي بإسناد مرسل.
عن عبد الله بن أبي بكر: كان الذي زوجها، وخطب إليه النجاشي خالد بن سعيد بن العاص الأموي، وكان عمرها لما قدمت المدينة بضعًا وثلاثين سنة.
معمر: عن الزهري، عن عروة، عن أم حبيبة أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش، وكان رحل إلى النجاشي، وأن رسول الله ﷺ تزوجها بالحبشة، زوجه إياها النجاشي، ومهرها أربعة آلاف درهم من عنده، وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة، وجهازها كله من عند النجاشي (١).
فقيل: بنى بها رسول الله ﷺ سنة ست. وقال خليفة: دخل بها سنة سبع من الهجرة.
وأصحمة بالعربي: عطية. ولما توفي، قال النبي ﷺ للناس: "إن أخًا لكم قد مات بأرض الحبشة" فخرج بهم إلى الصحراء وصفهم صفوفًا، ثم صلى عليه. فنقل بعض العلماء أن ذلك كان في شهر رجب سنة تسع من الهجرة. ا. هـ الذهبي.
стр. 2077
٢٢٢٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم وكبر عليه أربع تكبيرات.
٢٢٣٠ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "مات اليوم بعد لله صالح، أصحمة" فقام فأمنا وصلى عليه.
٢٢٣١ - * روى البزار والطبراني عن أنس أن النبي ﷺ صلى على النجاشي حين نعي، فقيل: يا رسول الله: نصلي على عبدٍ حبشي؟، فأنزل الله ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ (١) الآية.
٢٢٣٢ - * روى البزار عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت هذه الآية ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ قال نزلت في النجاشي وأصحابه.
أقول: ترجمنا للنجاشي ﵁ لأنه يمثل نموذجًا يحتذى وسابقةً كثر تكرارها في تاريخ الأمة الإسلامية وخاصة في العصور المتأخرة، فهذا حاكم مسلم بشهادة النصوصل يحكم شعبًا غير مسلم وبغير أحكام الإسلام ومع ذلك فبالإجماع إنه من خيار المسلمين، وهذا يدل على أن كفر النظام لا يعني كفر كل مشارك فيه، وهذه القضية من أخطر قضايا عصرنا، فإذا لم نتوسع في الفتوى حيث لا تعسف ولا تكلف فإن مآل الأمة الإسلامية ألا يبقى رجل مسلم في أجهزة الحكم وبالتالي يفقد المسلمون الخدمة والرعاية كما يفقدون قوة التجربة، ولذلك فإننا نعتبر أن أمر المشاركة في الأعمال الحكومية والمؤسسات يخضع للفتوى البصيرة من أهلها.
стр. 2078
كما أن قصة أصحاب الرسول ﷺ عند النجاشي وعدم وجود رواية صحيحة تدل على أنهم قاموا بنشاط في الدعوة تعتبر سابقة لأدب اللجوء السياسي الإسلامي فإذا اضطر مسلم للجوء السياسي في بلد آخر فلا عليه أن لا يقوم بنشاط دعوي إذا كان الظرف أو القانون لا يسمحان بذلك، على أن هناك رواية تذكر في أسباب النزول أن جعفرًا أثر على عددٍ من نصارى الحبشة فوفدوا على رسول الله ﷺ وأسلموا.
* * *
стр. 2079
٨١ - أسيد بن حضير ﵁
قال ابن حجر:
أسيد بن الحضير بن سماك بن عيتك بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل الأنصاري الأشهلي .. يكنى أبا يحيى وأبا عتيك، وكان أبوه حضير فارس الأوس ورئيسهم يوم بعاث وكان أسيد من السابقين إلى الإسلام، وهو أحد النقباء ليلة العقبة وكان إسلامه على يد مصعب بن عمير قبل سعد بن معاذ، واختلف في شهوده بدرًا قال ابن سعد: كان شريفًا كاملاً وآخى رسول الله ﵌ بينه وبين زيد بن حارثة، وكان ممن ثبت يوم أحد وجرح حينئذ سبع جراحات ... عن عائشة قالت: ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد منهم يلحق في الفضل كلهم من بني عبد الأشهل سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وعباد ابن بشر، وأخرج أحمد في مسنده عن عائشة قالت: كان أسيد بن حضير من أفاضل الناس ... روى ابن السكن من طريق ابن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه قال: لما مات أسيد بن حضير باع عمر ماله ثلاث سنين فوفى بها دينه وقال لا أترك بني أخي عالة فرد الأرض وباع ثمرها، وأرخ البغوي وغيره وفاته سنة عشرين وقال المدائني سنة إحدى وعشرين. ا. هـ.
وقال الذهبي:
الإمام أبو يحيى، وقيل أبو عتيك الأنصاري، الأوسي الأشهلي: أحد النقباء الاثني عشر ليلة العقبة، أسلم قديمًا، وقال: ما شهد بدرًا، وكان أبوه شريفًا مطاعًا يدعى حضير الكتائب، وكان رئيس الأوس يوم بعاث (١) فقتل يومئذ قبل عام الهجرة بست سنين، وكان أسيد يعد من عقلاء الأشراف وذوي الرأي.
قال محمد بن سعد: آخى النبي، ﷺ ، بينه وبين زيد بن حارثة، وله رواية
стр. 2080
أحاديث، روت عنه عائشة، وكعب بن مالك، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ولم يلحقه.
قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : "نعم الرجل أبو بكر. نعم الرجل عمر، نعم الرجل أسيد بن حضير". أخرجه الترمذي، وإسناده جيد (١).
ابن إسحاق: عن يحيى بن عباد بن عبد الله، عن عائشة قالت: ثلاثة من الأنصار من بني عبد الأشهل لم يكن أحد يعتد عليهم فضلاً بعد رسول الله ﷺ : سعد بن معاذ، وأسيد ابن حضير، وعباد بن بشر ﵃ (٢).
وروى أن أسيدًا كان من أحسن الناس صوتًا بالقرآن.
قال ابن إسحاق: أسيد بن حضير، نقيب لم يشهد بدرًا، يكنى أبا يحيى. ويقال: كان في أسيد مزاح وطيب أخلاق.
عن أسيد بن حضير -وكان فيه مزاح- أنه كان عند النبي ﷺ ، فطعنه النبي ﷺ بعود كان معه، فقال: أصبرني، فقال: اصطبر، قال: إن عليك قميصًا وليس علي قميص، قال: فكشف النبي ﷺ قميصه، قال: فجعل يقبل كشحه ويقول: إنما أردت هذا يا رسول الله (٣).
قال يحيى بن بكير: مات أسيد سنة عشرين، وحمله عمر بين العمودين -عمودي السرير- حتى وضعه بالبقيع، ثم صلى عليه.
وندم على تخلفه عن بدر، وقال: ظننت أنها العير، ولو ظننت أنه غزو ما تخلفت. وقد جرح يوم أ؛ د سبع جراحات. ا. هـ الذهبي.
стр. 2081
٢٢٣٣ - * روى الحاكم عن أسيد بن حضير أنه كان تأوه وكان يومنا فصلى بنا قاعدًا فعاده رسول الله ﵌ فقالوا: يا رسول الله إن أسيدًا إمامنا وإنه مريض وإنه صلى قاعدًا. فقال رسول الله ﵌ "فصلوا وراءه قعودًا فإن الإمام ليؤتم به فإذا صلى قاعدًا فصلوا خلفه قعودًا".
٢٢٣٤ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁: أن رجلين من أصحاب النبي ﷺ خرجا من عند النبي ﷺ في ليلة مظلمةٍ، ومعهما مثل المصباحين يضيئان بين أيديهما، فلما افترقا صار مع كل واحد منهما واحد، حتى أتى أهله.
وفي رواية (٣) قال: كان أسيد بن حضير وعباد بن بشرٍ عند النبي ﷺ ، فخرجا في ليلة مظلمة، فإذا نور بين أيديهما ... وذكر نحوه.
٢٢٣٥ - * روى البخاري ومسلم عن أسيد بن حضير قال: بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوط عند إذ جالت الفرس، فسكت فسكنت، فقرأ فجالت الفرس، فسكت وسكت الفرس، ثم قرأ فجالت الفرس فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبًا منها فأشفق أن تصيبه، فلما اجتره رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدث النبي ﷺ فقال له: "اقرأ يا ابن حضير، اقرأ باابن حضير" قال: فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى، وكان منها قريبًا، فرفعت رأسي فانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها، قال: "وتدري ما ذاك" قال: لا، قال "تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها، لا تتوارى منهم".
٢٢٣٦ - * روى البخاري ومسلم عن البراء قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف، وإلى
стр. 2082
جانبه حصان مربوط بشطنين، فتغشته سحابة، فجعلت تدنو وتدنو، وجعل فرسه ينفر. فلما أصبح أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال: "تلك السكينة تنزلت بالقرآن".
قال ابن حجر في الفتح: قيل هو أسيد بن حضير ...
وقد وقع قريب من القصة التي لأسيد لثابت بن قيس بن شماس لكن في سورة البقرة أيضًا. وأخرج أبو داود من طريق مرسلة قال "قيل للنبي ﷺ : ألم تر ثابت بن قيس لم تزل داره البارحة تزهر بمصابيح؛ قال: "فلعله قرأ سورة البقرة". فسئل قال: قرأت سورة البقرة، ويحتمل أن يكون قرأ سورة البقرة وسورة الكهف جميعًا أو من كل منهما".
انتهى من الفتح.
* * *
стр. 2083
٨٢ - عبد الله بن أم مكتوم ﵁
قال ابن حجر في الإصابة:
عمرو بن أم مكتوم القرشي ويقال اسمه عبد الله وعمرو أكثر وهو ابن قيس بن زائدة بن الأصم ... ومنهم من قال عمرو بن زائدة لم يذكر قيسًا ومنهم من قال قيس بدل زائدة وقال ابن حبان من قال ابن زائدة نسبة لجده؟ ويقال كان اسمه الحصين فسماه النبي ﵌ عبد الله حكاه ابن حبان، وقال ابن سعد أل المدينة يقولون اسمه عبد الله وأهل العراق يقولون اسمه عمرو، وقال واتفقوا على نسبه وأنه ابن قيس بن زائدة بن الأصم وفي هذا الاتفاق نظر (قلت) [القائل ابن حجر] نسبه كذلك ابن منده وتبعه أبو نعيم وحكي في اسمه أيضًا عبد الله بن عمرو قال وقيل عمرو بن قيس بن شريح ابن مالك.
واسم أمه أم مكتوم عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة بمهملة ونون ساكنة وبعد الكاف مثلثة، ابن عائد بن مخزوم، وهو ابن خال خديجة أم المؤمنين فإن أم خديجة أخت قيس ابن زائدة واسمها فاطمة، أسلم قديمًا بمكة، وكان من المهاجرين الأولين قدم المدينة قبل أن ياجر النبي ﵌. وكان النبي صلى الله عليه وآل وسلم يستخلفه على المدينة في عامة غزواته يصلي بالناس ... وقال ابن عبد البر: روى جماعة من أهل العلم بالنسب والسير أن النبي ﵌ استخلف ابن أم مكتوم ثلاث عشرة مرة في الأبواء وبواط وذي العشيرة وعزوته في طلب كرز بن جابر وغزوة السويق وغطفان وفي غزوة أحد وحمراء الأسد ونجران وذات الرقاع وفي خروجه في حجة الوداع وفي خروجه إلى بدر ثم استخلف أبا لبابة لمارده من الطريق، قال: وأما رواية قتادة عن أنس أن النبي ﵌ استخلف ابن أم مكتوم فلم يبلغه ما بلغ غيره، ... انتهى، وهو المذكور في سورة عبس وتولى ونزلت فيه غير أولي الضرر لما نزلت (لا يستوي القاعدون) أخرجه البخاري وفي السنن من طريق عاصم بن أبي رزين عن ابن أم مكتوم قال قلت يا رسول الل رجل ضرير ... الحديث في تأكيد الصلاة في الجماعة والله أعلم. ا. هـ إصابة.
стр. 2084
وقال في السير:
ابن أم مكتوم مختلف في اسمه، فأهل المدينة يقولون: عبد الل بن قيس بن زائدة بن الأصم بن رواحة القرشي العامري.
وأما أل العراق، فسمو عمرًا. وأمه أم مكتوم: هي عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة ابن عامر بن مخزوم بن يقظة المخزومية. من السابقين المهاجرين.
وكان ضريرًا مؤذنًا لرسول الل ﷺ مع بلال، وسعد القرظ، وأبي محذورة، مؤذن مكة. هاجر بعد وقعة بدر بيسير، قاله ابن سعد، وقد كان النبي ﷺ يحترمه، ويستخلفه على المدينة، فيصلي ببقايا الناس.
قال الشعبي: استخلف النبي ﷺ عمرو بن أم مكتوم يوم الناس، وكان ضريرًا، وذلك في غزوة تبوك. كذا قال، والمحفوظ أن النبي ﷺ إنما استعمل على المدينة عامين علي بن أبي طالب.
عن أبي إسحاق، سمع البراء يقول: أول من قدم علينا مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئان الناس القرآن (١).
حدثنا أبو ظلال، قال: كنت عند أنس، فقال: متى ذبت عينك؟ قلت: وأنا صغير. فقال: إن جبريل أتى رسول الله ﷺ وعنده ابن أم مكتوم، فقال: متى ذهب بصرك؟ قال: وأنا غلام، فقال: قال الله تعالى: "إذا أخدت كريمة عبدي لم أجد له جزاء إلا الجنة" (٢) قالت عائشة: كان ابن أم مكتوم مؤذنًا لرسول الله ﷺ وهو أعمى (٣).
وقال ابن عمر: قال رسول الله ﷺ : "إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا
стр. 2085
حتى ينادي ابن أم مكتومٍ" وكان أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت (١).
قال عروة: كان النبي، ﷺ ، مع رجالٍ من قريش منهم عتبة بن ربيعة، فجاء ابن أم مكتوم يسأل عن شيء، فأعرض عنه، فأنزلت ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ (٢) ا. هـ الذهبي.
٢٢٣٧ - * روى أبو داود عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ استخلف ابن أم مكتوم على المدينة مرتين.
وذكر الذهبي (٣) عن يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن عبد الله بن معقل، قال: نزل ابن أم مكتوم على يهودية بالمدينة كانت ترفقه، وتؤذيه في النبي، ﷺ ، فتناولها فضربها، فقتلها، فرفع ذلك إلى النبي، ﷺ ، فقال هو: أما والله إن كانت لترفقني، ولكن آذتني في الله ورسول. فقال النبي ﷺ : "أبعدها الله، قد أبطلت دمها".
٢٢٣٨ - * روى أبو داود عن علي ﵁. أن يهودية كانت تشتم النبي، ﷺ ، وتقع في. فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل رسول الله، ﷺ ، دمها.
٢٢٣٩ - * روى البخاري عن زيد بن ثابت ﵁: أن رسول الله ﷺ أملى عليه: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٤) فجاءه
стр. 2086
ابن أم مكتوم -وهو يملها علي فقال: يا رسول الله والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت- وكان أعمى -فأنزل الل على رسول الله ﷺ وفخذه على فخذي- فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي، ثم سري عنه، فأنزل الله : ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾.
وفي رواية أبي داود (١) قال: كنت إلى جنب رسول الله ﷺ ، فغشيته السكينة، فوقعت فخذ رسول الله ﷺ على فخذي، فما وجدت ثقل شيء أثقل من فخذ رسول الله ﷺ ، ثم سري عنه، فقال لي: "اكتب" فكتبت في كتف: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ ...﴾ إلى آخر الآية. فقام ابن أم مكتوم -وكان رجلاً أعمى- لما سمع فضيلة المجاهدين، فقال: يا رسول الله، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟ فلما قضى كلامه، غشيت رسول الله ﷺ السكينة، فوقعت فخذه على فخذي، ووجدت من ثقلها في المرة الثانية، كما وجدت في المرة الأولى، ثم سري عن رسول الله ﷺ فقال: "اقرأ يا زيد" فقرأت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فقال رسول الله ﷺ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ...﴾ الآية كلها، قال زيد: أنزلها الله وحدها، فألحقها. والذي نفسي بيده، لكأني انظر إلى ملحقها عند صدع في كتفٍ.
٢٢٤٠ - * روى ابن سعد عن أنس: أن عبد الله بن أم مكتوم يوم القادسية كانت معه راية سوداء، عليه درع له.
وأخرج ابن سعد (٢) عن أنس: أن عبد الله بن زائدة وهو ابن أم مكتوم، كان يقاتل يوم القادسية وعليه درع له حصينة سابغة.
قال الذهبي: ويقال استشهد يوم القادسية.
والقادسية ملحمة كبرى تمت بالعراق، وعلى المسلمين سعد بن أبي وقاص، وعلى
стр. 2087
المشركين رستم، وذو الحاجب، والجالينوس.
قال أبو وائل: كان المسلمون أزيد من سبعة آلاف، وكان العدو أربعين وقيل: ستين ألفًا معهم سبعون فيلاً.
قال المدائني: اقتتلوا ثلاثة أيام في آخر شوال سنة خمس عشرة، فقتل رستم وانهزموا. ا. هـ.
[ويقال: الأصح أن المسلمين كانوا نحوًا من ثلاثين ألفًا وأن الفرس كانوا نحوًا من مائة وثلاثين ألفًا].
* * *
стр. 2088
٨٣ - أسعد بن زرارة ﵁
قال ابن حجر في الإصابة: أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك ابن النجار أبو أمامة الأنصاري الخزرجي النجاري ... قديم الإسلام شهد العقبتين وكان نقيبًا على قبيلته ولم يكن في النقباء أصغر سنًا منه ويقال إنه أول من بايع ليلة العقبة.
قال ابن إسحاق: إن أسعد إنما أسلم في العقبة الأولى مع النفر الستة الله أعلم، ووهم ابن منده فقال: كان لي بني ساعدة. وقيل إنه أول من بايع ليلة العقبة. وقال ابن إسحاق شهد العقبة الأولى والثانية والثالثة. وذكر ابن إسحاق إنه مات والنبي ﵌ يبني المسجد ... قال البغوي بلغني أنه أول من مات من الصحابة بعد الهجرة وأنه أول ميت صلى عليه النبي ﵌.
وروى الحاكم بسنده عن زينب بنت نبيط أن النبي ﵌ حلى أمها وخالتها رعاثا (١) من تبر وذهب فيه لؤلؤ، وكان أبوهما أسعد بن زرارة أوصى بهما إلى رسول الله ﵌ وقال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي أمامة بن سهل قال دخل النبي ﵌ على أسعد بن زرارة وكان أحد النقباء ليلة العقبة وقد أخذته الشوكة (٢) فكواه ... الحديث، وكذلك رواه الحاكم من طريق يونس عن الزري (قلت) [القائل ابن حجر] هذا هو المحفوظ ورواه عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن أنس أخرجه الحاكم أيضًا وهي شاذة، ورواه ابن أبي ذئب عن الزهري عن عروة عن عائشة وهي شاذة أيضًا، ورواه زمعة بن صالح عن الزري عن أبي أمامة بن سهل عن أبي أمامة أسعد بن زرارة، وهذا موافق لرواية عبد الرزاق لأنه لم يرد بقوله عن أبي أمامة أسعد بن زرارة الرواية وإنما أراد أن يقول عن قصة أسعد بن زرارة والله أعلم، وقد اتفق أهل المغازي والتواريخ على أنه مات في حياة النبي ﵌ قبل بدر ا. هـ ابن حجر.
стр. 2089
قال في السير: السيد نقيب بني النجار، أبو أمامة الأنصاري الخزرجي، من كبراء الصحابة. توفي شهيدًا بالذبحة (١).
قال أبو العباس الدغولي: قيل: إنه لقي النبي ﷺ بمكة قبل العقبة الأولى بسنة مع خمسة نفر من الخزرج، فآمنوا ب. فلما قدموا المدينة تكلموا بالإسلام في قومهم، فلما كان العام المقبل، خرج منهم اثنا عشر رجلاً، فهي العقبة الأولى، فانصرفوا معهم، وبعث النبي ﷺ ، مصعب بن عمير يقرئهم ويفقههم.
قال ابن إسحاق: حدثنا محمد بن أبي أمامة بن سهل، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كنت قائد أبي حين عمي، فإذا خرجت به إلى الجمعة. فسمع الأذان، صلى على أبي أمامة، واستغفر له. فقلت: يا أبة أرأيت استغفارك لأبي أمامة كلما سمعت أذان الجمعة ما هو؟ قال: أي بني كان أول من جمع بنا بالمدينة في هزم النبيت من حرة بني بياضة يقال له: نقيع الخضمات قلت: فكم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلاً. فكان أسعد مقدم النقباء الاثني عشر، فو نقيب بني النجار، وأسيد بن الحضير نقيب بني عبد الأشهل، وأبو الهيثم بن التيهان البلوي من حلفاء بني عبد الأشهل، وسعد بن خيثمة الأوسي أحد بني غنم بن سلم، وسعد بن الربيع الخزرجي الحارثي قتل يوم أحد، وعبد الله بن رواحة بن ثعلبة الخزرجي الحارثي قتل يوم مؤتة، وعبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر السلمي نقيب بني سلمة [استشهد في أحد] وسعد بن عبادة بن دليم الخزرجي الساعدي رئيس، نقيب، والمنذر بن عمرو الساعدي النقيب قتل يوم بئر معونة، والبراء بن معرور الخزرجي السلمي، وعبادة بن الصامت الخزرجي من القوافلة ورافع بن مالك الخزرجي الزرقي ﵃ (٢).
стр. 2090
وروى شعبة: عن محمد بن عبد الرحمن، أن جده أسعد بن زرارة أصابه وجع الذبح في حلقه، فقال رسول الله، ﷺ : "لأبلغن أو لأبلين في أبي أمامة عذرًا" فكواه بيده فمات. فقال رسول الله ﷺ : "ميتة سوء لليهود يقولون: هلا دفع عن صاحبه، ولا أملك له ولا لنفسي من الله شيئًا". ا. هـ (١).
٢٢٤١ - * روى أحمد وابن سعد عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن بعض أصحاب النبي، ﷺ ، قال: كوى رسول الله ﷺ أسعد أو سعد بن زرارة مرتين في حلق من الذبحة. وقال: "لا أدع في نفسي من حرجًا".
أقول: لله الحكمة البالغة فقد بعث رسوله ﷺ ليكون قدوة للناس جميعًا، ومن هذه الحادثة نأخذ درسًا أن الطبيب غير مسؤول عما يحدث بسبب طبه ما دام الطبيب قد طبب في حدود المعروف، ومن الحكم في هذه الحادثة أن يستقر في قلوب الخلق جميعًا معنى التوحيد الذي يدخل فيه أن الله وحده هو الذي يملك الضر والنفع وأنه حتى رسول الله ﷺ لا يملك ضرًا ولا نفعًا إلا بإذن الله، وقد غلب على كثير من المسلمين وهم أن من تتلمذ على بعض الصالحين فإنه لا يصيبه ضر وأن الصلاح لا يرافق ابتلاء وهذا يتناقض مع نصوص كثيرة. والأمر لله من قبل ومن بعد.
قال الذهبي: عن عائشة قالت: نقب النبي ﷺ أسعد على النقباء.
وعن أم خارجة: أخبرتني النوار أم زيد بن ثابت أنها رأت أسعد بن زرارة قبل مقدم النبي ﷺ ، يصلي بالناس الصلوات الخمس، يجمع بهم في مسجد بناه. قالت: فانظر إلى رسول الله ﷺ لما قدم صلى في ذلك المسجد وبناه، فو مسجده اليوم (٢).
стр. 2091
الثوري: عن أبي الزبير، عن جابر قال: كواه رسول الله، ﷺ ، في أكحله مرتين (١).
وقيل: كواه فحجر (٢) به حلقه يعني بالكي.
وقيل: أوصى أسعد ببناته إلى رسول الله، ﷺ ، وكن ثلاثًا. فكن في عيال رسول الله، ﷺ ، يدرن معه في بيوت نسائه، وهن: فريعة، وكبشة، وحبيبة. فقدم عليه حلي فيه ذهب ولؤلؤ، فحلاهن منه (٣).
وقيل: إنه مات في السنة الأولى من الهجرة، ﵁، وقد مات فيها ثلاثة أنفس من كبراء الجاهلية، ومشيخة قريش: العاص بن وائل السهمي والد عمرو، والوليد ابن المغيرة المخزومي، والد خالد، وأبو أحيحة سعيد بن العاص الأموي، ا. هـ الذهبي.
* * *
стр. 2092
٨٤ - أبو دجانة سماك بن خرشة الخزرجي ﵁
قال ابن حجر:
أبو دجانة الأنصاري اسمه سماك بن خرشة وقيل ابن أوس بن خرشة ... متفق على شهود بدرًا وقال علي إنه استشهد باليمامة وأسند ابن إسحاق من طريق يزيد بن السكن أن رسول الله ﷺ لما التحم القتال ذب عنه مصعب بن عمير يعني يوم أحد حتى قتل، وأبو دجانة سماك بن خرشة حتى كثرت فيه الجراحة، وقيل أنه ممن شارك في قتل مسيلمة، وثبت ذكره في الصحيح لمسلم ا. هـ.
وقال الذهبي: أبو دجانة الأنصاري: سماك بن خرشة بن لوذان بن عبد ود بن زيد الساعدي. كان يوم أحد عليه عصابة حمراء، يقال: آخى النبي ﷺ بينه وبين عتبة بن غزوان. وقيل: هو سماك بن أوس بن خرشة.
وقال زيد بن أسلم: دخل على أبي دجانة وهو مريض، وكان وجهه يتهلل. فقيل له: ما لوجهك يتهلل؟ فقال: ما من عمل شيء أوثق عندي من اثنتين: كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، والأخرى فكان قلبي للمسلمين سليمًا (١).
وعن أنس بن مالك قال: رمى أبو دجانة بنفسه يوم اليمامة إلى داخل الحديقة، فانكسرت رجله، فقاتل وهو مكسور الرجل حتى قتل ﵁.
وكان سيف أبي دجانة غير دميم. وذلك أن النبي ﷺ عرض ذلك السيف حتى قال: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فأحجم الناس عنه. فقال أبو دجانة: وما حقه يا رسول الله؟ قال: تقاتل به في سبيل الل حتى يفتح الله عليك أو تقتل. فأخذه بذلك الشرط. فلما كان قبل الهزيمة يوم أحد خرج بسيفه مصلتًا وهو يتبختر، ما عليه إلا قميص وعمامة حمراء قد عصب بها رأسه، وإنه ليرتجز ويقول:
إني امرؤ عاهدني خليلي ... إذ نحن بالسفح لدى النخيل
стр. 2093
أن لا أقيم الدهر في الكبول ... أضرب بسيف الله والرسول
قال: يقول رسول الله ﷺ : "إنها لمشية يبغضها الله ورسوله إلا في مثل هذا الموطن" ا. هـ.
٢٢٤٢ - * روى مسلم عن أنس: أن رسول الله ﷺ ، أخذ سيفًا يوم أحد فقال: "من يأخذ مني هذا؟ " فبسطوا أيديهم، كل إنسان منهم يقول: أنا، أنا. قال: "فمن يأخذه بحقه؟ " قال: فأحجم القوم. فقال سماك بن خرشة، أبو دجانة: أنا آخذه بحقه. قال: فأخذه ففلق به هام المشركين.
* * *
стр. 2094
٨٥ - أسماء بنت أبي بكر ﵄
قال ابن حجر:
أسماء والدة عبد الله بن الزبير بن العوام التيمية، وهي بنت أبي بكر الصديق وأمها قتلة أو قتيلة بنت عبد العزى قرشية من بني عامر بن لؤي ... أسلمت قديمًا بمكة قال ابن إسحاق بعد سبعة عشر نفسًا وتزوجها الزبير بن العوام. وأخرج ابن سعد بسند حسن عن ابن أبي مليكة كانت تصدع فتضع يدها على رأسها وتقول بذنبي وما يغفر الل أكثر، وقال هشام بن عروة عن أبيه بلغت أسماء مائة سنة لم يسقط لها سن ولم ينكر لها ا. هـ ابن حجر.
وقال الذهبي: أم عبد الله القرشية التيمية، المكية، ثم المدينة. والدة الخليفة عبد الله ابن الزبير، وأخت أم المؤمنين عائشة، وآخر المهاجرات وفاة روت عدة أحاديث. وعمرت دهرًا. وتعرف بذات النطاقين. وكانت أسن من عائشة ببضع عشرة سنة. هاجرت حاملاً بعبد الله. وقيل: لم يسقط لها سن وشهدت اليرموك مع زوجها الزبير. وهي، وأبوها، وجدها، وابنها ابن الزبير، أربعتهم صحابيون. ا. هـ.
٢٢٤٣ - * روى أحمد عن مسلم القري، قال: دخلنا على أم ابن الزبير، فإذا هي امرأة ضخمة عمياء -نسألها عن متعة الحج. قد رخص رسول الله ﷺ فيها.
٢٢٤٤ - * روى البخاري عن هشام بن عروة، عن أبيه، وفاطمة بنت المنذر، عن أسماء، قالت: صنعت سفرة النبي ﷺ في بيت أبي حين أراد أن يهاجر؛ فلم أجد لسفرته ولا لسقائه ما أربطهما، فقلت لأبي: ما أجد إلا نطاقي، قال: شقيه باثنين، فاربطي بهما؛ قال: فلذلك سميت: ذات النطاقين.
٢٢٤٥ - * روى البخاري عن وهب بن كيسان ﵀ قال: كان أهل الشام يعيرون
стр. 2095
ابن الزبير، يقولون: يا ابن ذات النطاقين، فقالت له أسماء: يا بني إنهم يعيرونك بالنطاقين، وهل تدري ما كان النطاقان إنما كان نطاقي شققته نصفين، فأوكيت قربة رسول الله ﷺ بأحدهما، وجعلت في سفرته آخر، فكان ابن الزبير إذا عيروه بالنطاقين يقول: إيها والإله:
وتلك شكاة ظاهر عنك عارها.
٢٢٤٦ - * روى البخاري ومسلم عن أسماء بنت أبي بكرٍ. قالت: تزوجني الزبير وماله في الأرض من مالٍ ولا مملوكٍ ولا شيء غير فرسه. قالت: فكنت أعلف فرسه، وأكفيه مؤنته، وأسوسه، وأدق النوى لناضحه، وأعلفه، وأستقي الماء، وأخرز غربه، وأعجن. ولم أكن أحسن أخبز. وكان يخبز لي جارات من الأنصار. وكن نسوة صدقٍ. قالت: وكنت أنقل النوى، من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ﷺ ، على رأسي وهي على ثلثي فرسخ قالت: فجئت يومًا والنوى على رأسي. فلقيت رسول الله ﷺ ومعه نفر من أصحابه. فدعاني ثم قال "إخ! إخ" ليحملني خلفه. قالت:
стр. 2096
فَاسْتَحْيَيْتُ وَعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ! لَحَمْلُكِ النَّوَى عَلَى رَأْسِكِ أَشَدُّ مِنْ رُكُوبِكِ مَعَهُ. قَالَتْ: حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ، بَعْدَ ذَلِكَ، بِخَادِمٍ فَكَفَتْنِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ. فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَنِي.
وفي رواية لمسلم (١) عن أسْمَاءَ قاَلَتْ: كُنْتُ أَخْدُمُ الزُّبَيْرَ خِدْمَةَ الْبَيْتِ. وَكَانَ لَهُ فرَسٌ. وكُنْتُ أَسُوسُهُ. فَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْخِدِمَةِ شَيءٌ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ سِياسَةِ الفَرَسِ. كُنْتُ أَحْتَشُّ لَهُ عَليْه وَأَسوُسُه. قاَلَ ثُمَّ إنَّها أصاَبَت خَادما. جاءَ النَّبي (ص) سَبْي فَأَعطَاهَا خَادِماً. قَالت: كَفَتْني سِيَاسَةَ الفرَسِ. فَألْقَت عَني مؤنتهُ.
فَجَاءَبي رجل فَقَالَ: ياأُمَّ عبدِ الله: إني رَجُلٌ فَقِير. أَردتُ أَّن أبيِع فِي ظِل دَارِكِ. قَالتْ: إني إنْ رَخَّصْتُ لكَ أبى ذَاكَ الزُّبَيْرُ. فَتَعَالَ فَاطْلبْ إلىَّ، والزَبيْر شاهِدٌ. فجَاءَ فَقاَلَ: يااُّم عبدِ اللهِ! إني رجلٌ فَقِير أردتُ أَن أبيع فىِ ظِل دارِكِ. فَقاَلت: مالَك بِالمدينَةِ إلا دَارِي؟ فَقاَلَ لَهَا الزبَيْرُ: ماَلَكِ أنْ تَمْنعي رجُلاّ فَقِيرا يبيعُ؟ فكان يبيع إلى أنْ كَسَبَ. فَبِعْتُه الجَارِيَةَ. فَدَخَلَ عَلَيَّ الزُّبيرُ وَثَمنهُا في حِجري. فَقَالَ: هَبيهِا لِي قَالتْ: إني قدْ تَصَدقْتُ بِها.
قال الذهبي: عن أسماء، قالت: لما توجه النبيُّ من مكة حمل أبو بكر معه جميع ماله - خمسة آلاف، أو ستة آلاف - جدّي أبو قُحافة وقد عّمي، فقال: إن هذا قد فجعكم بمالِهِ ونفسه. فقلتُ: كلا، قد ترك لنا خيراً كثيراً.
فعمدتُ إلى أحجارٍ، فجعَلْتُهنَّ فى كَوَّة البيت، وغطيت عليها بثوب، ثم أخذت بيده، ووضعتها على الثوب، فقلتُ: هذا تركه لنا. فقال: أمَا إذْ ترك لكَم هذا، فنعم (٢).
قال ابنُ أبي مليكة: كانت أساء تصدع، فتضعُ يدها على رأسها، وتقول: بذنبي، وما يغفرهُ الله أكثر.
وفي "الصحيح": قالت أسماءُ: يا رسولَ الله، إنَّ اُّمي قَدِمتْ، وهي راغب [أي فى
стр. 2097
الصلة وهي مشركة]، أفأصلها؟ قال: "نعم، صلي أمك" (١).
عن محمد بن المنكدر، قال: كانت أسماء بنت أبي بكر سخية النفس.
عن القاسم بن محمد: سمعت ابن الزبير يقول: ما رأيت امرأة قط أجود من عائشة وأسماء؛ وجودهما مختلف: أما عائشة، فكانت تجمع الشيء إلى الشيء، حتى إذا اجتمع عندها وضعته مواضعه، وأما أسماء، فكانت لا تدخر شيئًا لغد.
قال عروة: دخلت أنا وأخي، قبل أن يقتل، على أمنا بشعر ليال، وهي وجعة، فقال عبد الله: كيف تجدينك؟ قالت: وجعة. قال: إن في الموت لعافية. قالت: لعلك تشتهي موتي؛ فلا تفعل، وضحكت، وقالت: والله، ما أشتهي أن أموت، حتى تأتي على أحد طرفيك: إما أن تقتل فاحتسبك؛ وإما أن تظفر فتقر عيني. إياك أن تعرض على خطة فلا توافق، فتقبلها كراهية الموت.
قال: وإنما عني أخي أن يقتل: فيحزنها ذلك. وكانت بنت مئة سنة.
قال مصعب بن سعد: فرض عمر للمهاجرات: ألفا ألفًا، منهن: أم عبد، وأسماء (٢). عن فاطمة بنت المنذر: أن أسماء كانت تمرض المرضة، فتعيق كل مملوك لها (٣).
ا. هـ الذهبي.
٢٢٤٧ - * روى الحاكم عن أسماء: أنها اتخذت خنجرًا في زمن سعيد بن العاص في الفتنة فوضعته تحت مرفقيها، فقيل لها: ما تصنعين بهذا؟ قالت: إن دخل علي لص بعجت بطنه، وكانت عمياء. وروى ابن سعد (٥): أن أسماء اتخذت خنجرًا زمن سعيد بن العاص
стр. 2098
للصوص، وكانوا قد استعروا بالمدينة، فكانت تجعله تحت رأسها.
٢٢٤٨ - * روى مسلم عن أبي نوفل بن أبي عقرب من حديث مطول، في: أن الحجاج لما قتل ابن الزبير وصلبه ثم أنزل عن جذعه، وألقاه في قبور اليهود، أرسل إلى أمه أسماء بنت أبي بكر، فأبت أن تأتيه، فأعاد عليها الرسول: لتأتيني أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك، قال: فأبت: وقالت: والله لاآتيك حتى تبعث إلي من يسحبني بقروني، فانطلق حتى دخل عليها، فقال: كيف رأيتني صنعت بعدو الله؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنيا، وأفسد عليك آخرتك، بلغني أنك تقول له: يا ابن ذات النطاقين! أنا والله ذات النطاقين! أما أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول الله ﷺ ، وطعام أبي بكر من الدواب. وأما الآخر فنطاق المأرة التي لا تستغني عن. أما إن رسول الله ﷺ حدثنا "أن في ثقيف كذابًا ومبيرًا" فأما الكذاب فرأيناه، وأما المبير فلا إخالك إلا إياه. قال فقام عنها ولم يراجعها.
قال الذهبي عن ابن أبي مليكة، قال: دخلت على أسماء بعد ما أصيب ابن الزبير، فقالت: بلغني أن هذا صلب عبد الل: اللهم لا تمتني حتى أوتي ب، فأحنطه وأكفنه.
فأتيت به بعد، فجعلت تحنطه بيدها، وتكفنه، بعد ما ذهب بصرها.
ومن وجه آخر -عن ابن أبي مليكة-: وصلت عليه؛ وما أتت عليه جمعة إلا ماتت.
عن الركين بن الربيع، قال: دخلت على أسماء بنت أبي بكر، وقد كبرت، وهي تصلي، وامرأة تقول لها: قومي، اقعدي، افعلي، من الكبر.
قال ابن سعد: ماتت بعد ابنها بليال. وكان قتله لسبع عشر خلت من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين.
قلت [القائل الذهبي]: كانت خاتمة المهاجرين والمهاجرات.
* * *
стр. 2099
٨٦ - أم حرامٍ ﵂
قال الذهبي: أم حرام بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار. الأنصارية النجارية المدنية.
أخت أم سليم. وخالة أنس بن مالك. وزوجة عبادة بن الصامت. حديثها في جميع الدواوين: سوى جامع أبي عيسى. [الترمذي] كانت من علية النساء.
عن أنس، قال: دخل علينا رسول الله ﷺ ، ما هو إلا أنا وأمي وخالتي أم حرام، فقال: "قوموا فلأصل بكم" فصلى بنا في غير صلاة (١).
قلت [القائل الذهبي]: يقال هذه غزوة قبرس في خلافة عثمان.
[قبرس: هي الجزيرة المعروفة اليوم باسم قبرص، وكان أمير ذلك الجيش معاوية بن أبي سفيان ومعه أبو ذر وأبو الدرداء، وغيرهما من الصحابة وذلك سنة سبع وعشرين.
وبلغني أن قبرها تزوره الفرنج. ا. هـ الذهبي.
٢٢٤٩ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ كان يدخل على أم حرام بنت ملحان، فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها رسول الله ﷺ يومًا، ثم جلست تفلي رأسه، فنام رسول الله ﷺ ، ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: "ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر ملوكًا على الأسرة، أو مثل الملوك على الأسرة" قالت: فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، ثم وضع رأسه، فنام، ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: "ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله" كما قال في الأولى. قالت: فقلت: يا رسول
стр. 2100
الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: "أنت من الأولين" فركبت أم حرام بن ملحان البحر في زمن معاوية، فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر، فهلكت.
قال النووي: اتفق العلماء أن أم حرام بنت ملحان كانت محرمًا له ﷺ ، واختلفوا في كيفية ذلك، فقال ابن عبد البر وغيره كانت إحدى خالاته من الرضاعة، وقال آخرون كانت خالته لأبيه أو لجده لأن عبد المطلب كانت أمه من بني النجار ا. هـ.
وقد ذكر ابن حجر أنها كانت خالته.
* * *
стр. 2101
٨٧ - أمُّ سُلَيْمٍ ﵂
قال ابن حجر: أم سليم بنت سليمان بن خالد بن زد بن حرام بن جندب الأنصارية، وهي أم أنس خادم رسول الله ﵌، اشتهرت بكنيتها واختلف في اسمها فقيل سهلة وقيل رميلة وقيل رمينة وقيل مليكة وقيل الغميصاء أو الرميصاء، تزوجت مالك بن النض في الجاهلية فولدت أنسا في الجاهلية، وأسلمت مع السابقين إلى الإسلام من الأنصار فغضب مالك وخرج إلى الشام فمات بها، فتزوجت بعده أبا طلحة ... وكانت أم سليم تقول لا أتزوج حتى يبلغ أنس ويجلس في المجالس، فيقول جزى الله أمي عني خيرا لقد أحسنت ولايتي، فقال لها أبو طلحة فقد جلس أنس وتكلم فتزوجها ... وفي الصحيح عن أنس أن أم سليم لما قدم النبي صل الله عليه وآله وسلم قالت: يا رسول الله هذا أنس يخدمك وكان حينئذ ابن عشر سنين، فخدم النبي ﵌ منذ قدم المدينة حتى مات، فاشتهر بخادم النبي ﵌ ... وذكر أبو عمر نسبها من كتاب ابن السكن بحروفه ولكن قال اسم أمها مليكة والذي في كتاب ابن السكن اسم أمها أنيقة نبه عليه ابن فتحون، وكأن أبا عمر أخذه عن ابن سعد وإنه جزم بأن أمها مليكة بنت مالك بن عدي بن زيد مناة.
وقال الذهبي: مات زوجها مالك بن النضر، ثم تزوحها أبو طلحة زيد بن سهل الأنصاري، فولدت له: أبا عمير، وعبد الله.
شهدت: حنينا، وأحدا. من أفاضل النساء.
قال محمد بن سيرين: كانت ام سليم مع النبي (ص) يوم أحد، ومعها خنجر (١).
عن أنس: أن أم سليم اتخذت خنجرا يوم حنين، فقال أبو طلحة: يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر! فقالت: يا رسول الله، إن دنا مني مشرك بقرت به بطنه (٢).
стр. 2102
عن إسحاق بن عبد الله، عن جدته أم سليم: أنها آمنت برسول الله ﷺ ، قالت: فجاء أبو أنس، وكان غائباً، فقال أصبوت؟ فقالت: ما صبوت، ولكني آمنت!.
وجعلت تُلقن أنساً: قل: لا إله إلا الله، قل: أشهدُ أنَّ محمداً رسول الله ففعل. فيقول لها أبوه: لا تفسدي عليَّ ابني. فتقول إني لا أفسده! فخرج مالك، فلقيه عدوٌ له، فقتله. فقالت: لا جرمَ، لا أفطم أنساً حتى يدع الثَّدي؛ ولا أتزوج حتى يأمرني أنس.
فخطبها أبو طلحة، وهو يومئذٍ مُشرك (١) ا. هـ الذهبي.
٢٢٥٠ - * روى النسائي عن أنس قال: تزوج أبو طلحة أم سليم، فكان صداق ما بينهما الإسلام. أسلمت أم سليم قبل أبي طلحة فخطبها، فقالت: إني قد أسلمت، فإن أسلمت نكحتك، فأسلم، فكان صداق ما بينهما.
٢٢٥١ - * روى ابن سعد عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ كان يزور أم سليم، فتتحفه بالشيء تصنعه له، وأخٌ لي أصغر مني يُكنى أبا عُمير، فزارنا يوماً، فقال: مالي أرى أبا عمير خاثر النفس؟ قالت: ماتت صعوةٌ [له كان يلعب بها]. فجعل النبيُّ يمسح رأسه، ويقول: "يا أبا عمير، ما فعل النُغير؟ ".
٢٢٥٢ - * روى البخاري عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان لا يدخل في المدينة بيت امرأة، غير بيت أم سُليمٍ، إلا على أزواجه، فقيل له، فقال: "إني أرحمها، قُتل معي أخوها".
стр. 2103
وفي رواية (١): كان رسول الله ﷺ لا يدخل على أحدٍ من النساء إلا على أزواجه، إلا أم سليمٍ، فإنه كان يدخل عليها، فقيل له في ذلك، فقال: "أرحمها، قُتِلَ معي أخوها".
وأم سليم: هي أم أنس بن مالك، ولعله أراد: على الدوام، فإنه كان يدخل على أم حرام، وهي خالة أنس.
قد سبق القول إن أم حرام خالته ﷺ ، وأم سليم أختها فهي محرم ودخوله ﷺ صلة رحم.
٢٢٥٣ - * روى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيتُني دخلت الجنة، فسمعت خشفةً، فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة".
٢٢٥٤ - * روى ابن سعد عن أنس: أن النبي ﷺ دخل على أم سليم، وقربةً مُعلقةٌ، فشرب منها قائماً، فقامت إلى فيَّ السقاء، فقطعته.
وفي الباب ما يقويه عن أم ثابت كبشة بنت ثابت أخت حسان بن ثابت ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ ، فشرب من قِربة معلقة قائماً، فقمت إلى فيها فقطعته (٢).
قال النووي في (رياضه): (وإنما قطعتها لتحفظ موضع فم رسول الله ﷺ ، وتتبرك به، وتصونه عن الابتذال).
стр. 2104
٢٢٥٥ - * روى ابن سعيد عن أم سليم، قالت: كان رسول الله ﷺ يَقيلُ في بيتي، فكنت أبسطُ له نِطعاً، فيقيلُ عليه، فيعرقُ، فكنتُ آخذ سكاً فأعجنه بعرقه.
وأخرج بنحوه البخاري ومسلم عن أنس (١).
وزاد ابن سعد في طبقاته:
قال ابن سيرين: فاستوهبتُ من أم سُليم من ذلك السُّك، فوهبت لي منه.
قال أيوب: فاستوهبتُ من محمد [هو ابن سيرين] من ذلك السُّكِّ، فوهب لي منه؛ فإنه عندي الآن.
قال: ولما مات محمد حُنِّط بذلك السُّكِّ.
قال أنس: ثَقُلَ ابنٌ لأم سليم، فخرج أبو طلحة إلى المسجد، فتوفي الغلام. فهيأت أم سليم أمره، وقالت: لا تخبره. فرجع، وقد سَيَّرت له عشاءه، فتعشى، ثم أصاب من أهله. فلما كان من آخر الليل، قالت: يا أبا طلحة، ألم تر آل أبي فلان استعاروا عارية، فمنعُوها، وطُلبت منهم، فشق عليهم. فقال: ما أنصفوا. قالت: فإن ابنك كان عاريةً من الله، فقبضه. فاسترجع، وحمد الله.
فلما أصبح غداً إلى رسول الله ﷺ ، فلما رآه، قال: "بارَك اللهُ لكُما في ليلتكما".
فحملت بعبد الله بن أبي طلحة، فولدت ليلاً، فأرسلت به معي، وأخذتُ تمرات عجوة، فانتهيتُ به إلى النبي ﷺ ، وهو يهنأ أباعر له، ويَسِمُها، فقلتُ: يا رسول الله، ولدت أم سليم الليلة.
فمضغ بعض التمرات بريقه، فأوجره (٢) إياه، فتلمظ الصبي، فقال: "حِبُّ الأنصار
стр. 2105
التمر" فقلت: سَمِّه يا رسول الله. قال: "هو عبد الله" (١).
سعيد بن مسروق الثوري، عن عباية بن رفاعة، قال: كانت أم أنس تحت أبي طلحة. فذكر نحوه. وفيه: فقال رسول الله: "اللهم بارك لهما في ليلتهما".
قال عباية: فلقد رأيت لذلك الغلام سبع بنين، كلهم قد ختم القرآن (٢).
عن أنس: أن النبي ﷺ لما أراد أن يحلق رأسه بمنى، أخذ أبو طلحة شِق شعره، فجاء به إلى أم سليم، فكانت تجعله في سكها.
قالت: وكان يقيلُ عندي على نِطعٍ، وكان مِعراقاً (٣) ﷺ ، فجعلت أسلتُ العرق في قارورة. فاستيقظ، فقال: "ما تجعلين"؟ قلت: أريد أن أدُوف (٤) بعرقك طيبي (٥).
عن أنس: أن النبي ﷺ دخل على أم سليم، فأتته بسمن وتمر. فقال: إني صائم. ثم قام، فصلَّى، ودعا لأم سليم ولأهل بيتها، فقالت: إن لي خُوَيْصَةً (٦) قال: "ما هي"؟ قالت: خادمُك أنس، فما ترك خير آخرة ولا دُنيا إلا دعا لي به، وبعثت معي بمكتلٍ من رُطبٍ إلى رسول الله ﷺ (٧) أ. هـ ابن سعد.
* * *