← Сира

Сира · id 18332

الأساس في السنة وفقهها - السيرة النبوية

سعيد حوى

Полный текст (2 129 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

فههنا نجد عبد الله بن حذافة يقبل رأس هرقل في مقابل أن يخلص أسرى المسلمين وهذا مقتضى قوة الإيمان على حسب قوة النفس، فكثيرون من الناس تمنعهم قوة النفس من الأخذ بالفتوى التي تناسب المقام وخاصة فيما يظنه الناس رخصة فيحبون أن يسجلوا مواقف بطولية لا تتحقق فيها مصلحة للإسلام والمسلمين، وما فعله عبد الله بن حذافة درس لهؤلاء فليس العبرة بقوة الموقف أو ضعفه بل العبرة في أن يكون المسلم عاملاً بحكم الشريعة في تعامله مع الكافرين والمسلمين، ملاحظاً أن في الشريعة فتوى أصلية وأخرى استثنائية وفيها رخصة وعزيمة والرخصة في محلها قد تكون أقوى من العزيمة، ولا يفطن لمثل هذه الدقائق إلا أصحاب البصيرة ممن اجتمع لهم علم وتقوى وتوفيق. قال الذهبي: الوليد بن مسلم: حدثنا أبو عمرو، ومالك بن أنس: أن أهل قيسارية أسروا ابن حذافة، فأمر به ملكهم، فجرب أشياء صبر عليها. ثم جعلوا له في بيتٍ معه الخمر ولحم الخنزير ثلاثاً لا يأكل، فأطلعوا عليه، فقالوا للملك: قد انثنى عنقه، فإن أخرجته وإلا مات. فأخرجه، وقال: ما منعك أن تأكل وتشرب؟ قال: أما إن الضرورة كانت قد أحلتها لي، ولكن كرهت أن أشمتك بالإسلام. قال: فقبل رأسي، وأخلي لك مئة أسير. قال: أما هذا، فنعم. فقبل رأسه، فخلى له مئة، وخلى سبيله. وقد روى ابن عائذ قصة ابن حذافة فقال: حدثنا الوليد بن محمد: أن ابن حذافة أسر. فذكر القصة مطولة، وفيها: أطلق له ثلاث مئة أسير، وأجازه بثلاثين ألف دينار، وثلاثين وصفة، وثلاثين وصيفاً. ولعل هذا الملك قد أسلم سراً. ويدل على ذلك مبالغته في إكرام ابن حذافة. وكذا القول في هرقل إذ عرض على قومه الدخول في الدين، فلما خافهم قال: إنما كنت أختبر شدتكم في دينكم.

стр. 2032

فمن أسلم في باطنه هكذا، فيرجى له الخلاص من خلود النار؛ إذ قد حصل في باطنه إيماناً ما وإنما يخاف أن يكون قد خضع للإسلام وللرسول، واعتقد أنهما حق، مع كون أنه على دين صحيح، فتراه يعظم الدينين، كما قد فعله كثير من المسلمانية الدواوين، فهذا لا ينفعه الإسلام حتى يتبرأ من الشرك. مات ابن حذافة في خلافة عثمان ﵃. ا. هـ. * * *

стр. 2033

٧٢ - عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال ابن حجر: عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي القرشي السهمي ... قال الطبري: قيل كان طوالا أحمر عظيم الساقين أبيض الرأس واللحية، وعمي في آخر عمره. وقال ابن سعد: أسلم قبل أبيه ويقال لم يكن بين مولدهما إلا اثنتا عشرة سنة أخرجه البخاري عن الشعبي، وجزم ابن يونس بأن بينهما عشرين سنة ... قال الواقدي، مات بالشام سنة خمس وستين وهو يومئذ ابن اثنتين وسبعين، وقال ابن البرقي: وقيل مات بمكة، وقيل بالطائف وقيل بمصر ودفن في داره قاله يحيي بن بكير. وحكى البخاري قولاً آخر: أنه مات سنة تسع وستين وبالأول جزم ابن يونس، وقال ابن أبي عاصم: مات بمكة وهو ابن اثنتين وسبعين وقيل مات سنة ثمان وستين وقيل تسع وستين ا. هـ. قال الذهبي: الإمام الحبر العابد، صاحب رسول الله ﷺ وابن صاحبه، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن. وقيل: أبو نصير القرشي السهمي. وأمه هي رائطة بنت الحجاج ابن منبه السهيمة، وليس أبوه أكير منه إلا بإحدى عشرة سنة أو نحوها. وقد أسلم قبل أبيه فيما بلغنا، ويقال: كان أسمه العاص، فلما أسلم، غيره النبي ﷺ بعبد الله. وله مناقب وفضائل ومقام راسخ في العلم والعمل، حمل عن النبي ﷺ علماً جماً. وكتب الكثير بإذن النبي ﷺ ، وترخيصه له في الكتابة بعد كراهيته للصحابة أن يكتبوا عنه سوى القرآن وسوغ ذلك ﷺ ، ثم انعقد الإجماع بعد اختلاف الصحابة ﵃ على الجواز والاستحباب لتقييد العلم بالكتابة. والظاهر أن النهي كان أولاً لتتوفر هممهم على القرآن وحده، وليمتاز القرآن بالكتابة عما سواه من السنن النبوية، فيؤمن اللبس، فلما زال المحذور واللبس، ووضح أن القرآن لا يشتبه بكلام الناس أذن له في كتابه العلم، والله أعلم. ا. هـ. قال محقق السير: قال ابن القيم ﵀ في (تهذيب اللسنن): قد صح النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 2034

النهي عن الكتابة والإذن فيها متأخر، فيكون ناسخاً لحديث النهي، فإن النبي ﷺ قال في غزاة الفتح "اكتبوا لأبي شاة" يعني خطبته التي سأل أبو شاه كتابتها، وأذن لعبد الله ابن عمرو في الكتابة، وحديثه متأخر عن النهي، لأنه لم يزل يكتب، مات وعنده كتابته، وهي الصحيفة التي كان يسميها (الصادقة) ولو كان النهي عن الكتابة متأخراً، لمحاها عبد الله، لأمر النبي ﷺ بمحو ما كتب عنه غير القرآن، فلما لم يمحها، وأثبتها، دل على أن الإذن في الكتابة متأخر عن النهي عنها، هذا واضح والحمد لله. ٢٢٠٨ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "اقرأ القرآن في كل شهر" قال: قلت: إني أجد قوة، قال: "فاقرأه في عشرين ليلة" قال: إني أجد قوة، قال: "فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك". وقد نازله رسول الله ﷺ إلى ثلاث ليال ونهاه أن يقرأه في أقل من ثلاثٍ. ٢٢٠٩ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: "لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث". قال الذهبي: وهذا [التنازل] كان في الذي نزل من القرآن، ثم بعد هذا القول نزل ما بقي من القرآن. فأقل مراتب النهي أن تكره تلاوة القرآن كله في أقل من ثلاث، فما فقه ولا تدبر من تلاه في أقل من ذلك. ولو تلا ورتل في أسبوع، ولازم ذلك، لكان عملاً فاضلاً، فالدين يسر، فوالله إن ترتيل سبع القرآن في تهجد قيام الليل مع المحافظة على النوافل الراتبة، والضحى، وتحية المسجد، مع الأذكار المأثورة الثابتة، والقول عند النوم واليقظة، ودبر المكتوبة والسحر، مع النظر في العلم النافع والاشتغال به مخلصا لله، مع الأمر بالمعروف، وإرشاد الجاهل وتفهيمه، وزجر الفاسق، ونحو ذلك، مع أداء الفرائض

стр. 2035

في جماعة بخشوع وطمأنينة وانكسار وإيمان، مع أداء الواجب، واجتناب الكبائر، وكثرة الدعاء والاستغفار، والصدقة وصلة الرحم، والتواضع، والإخلاص في جميع ذلك، لشغل عظيم جسيم، ولمقام أصحاب اليمين وأولياء الله المتقين، فإن سائر ذلك مطلوب. فمتى تشاغل العابد بختمة في كل يوم، فقد خالف الحنيفية، ولم ينهض بأكثر ما ذكرناه، ولا تدبر ما يتلوه. هذا السيد العابد الصاحب كان يقول لما شاخ: ليتني قبلت رخضة رسول الله ﷺ . وكذلك قال له ﵇ في الصوم، وما زال يناقصه، حتى قال له: "صم يوماً وأفطر يوماً، صوم أخي داود ﵇" وثبت أنه قال: "أفضل الصيام صيام داود" (١). ونهى ﵇ عن صيام الدهر (٢). وأمر ﵇ بنوم قسط من الليل، وقال: "لكني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وأكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني" ا. هـ الذهبي. قال الحافظ في الفتح: والمراد بالسنة: الطريقة، لا التي تقابل الفرض، والرغبة عن الشيء: الإعراض عنه إلى غيره، والمراد: من ترك طريقتي، وأخذ بطريقة غيري، فليس مني ولمح بذلك إلى طريق الرهبانية، فإنهم الذين ابتدعوا التشديد كما وصفهم الله تعالى، وقد عابهم بأنهم ما وفوه بما التزموه، وطريقة النبي ﷺ الحنيفية السمحة، فيفطر ليقوى على الصوم، وينام ليتقوى على القيام، ويتزوج لكسر الشهوة، وإعفاف النفس، وتكثير النسل. ثم قال الذهبي: وكل من لم يلزم نفسه في تعبده وأورده بالسنة النبوية، يندم ويترهب ويسوء مزاجه، ويفوته خير كثير من متابعة سنة نبيه الرؤوف الرحيم بالمؤمنين، الحريص على نفعهم، وما زال ﷺ معلماً للأمة أفضل الأعمال، وأمراً يهجر التبتل والرهبانية التي لم

стр. 2036

يبعث بها، فنهى عن سرد الصوم، ونهى عن الوصال، وعن قيام أكثر الليل إلا العشر الأخير، ونهى عن العزبة للمستطيع، ونهى عن ترك اللحم إلى غير ذلك من الأوامر والنواهي، فالعابد بلا معرفة لكثير من ذلك معذور مأجور، والعابد العالم بالآثار المحمدية. المتجاوز لها مفضول مغرور، وأحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل. ألهمنا الله وإياكم حسن المتابعة، وجنبنا الهوى والمخالفة. ا. هـ. ٢٣١٠ - * روى أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قلت: يا رسول الله! أكتب ما أسمع منك؟ قال: "نعم" قلت: في الرضي والغضب؟ قال: "نعم، فإني لا أقول إلا حقاً". ٢٢١١ - * روى البخاري عن أبي هريرة قال: لم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى عليه وسلم أكثر حديثاً مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب. ٢٢١٢ - * روى أبو نعيم عن أبي عبد الرحمن الحبلي، سمعت عبد الله بن عمرو يقول: لأن أكون عاشر عشرة مساكين يوم القيامة، أحب إلي من أن أكون عاشر عشرة أغنياء، فإن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال هكذا وهكذا، ويقول: يتصدق يميناً وشمالاً. ٢٢١٣ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمرو، قال: زوجني أبي امرأة من قريش، فلما دخلت علي، جعلت لا أنحاش لها مما بي من القوة على العبادة، فجاء أبي إلى كنته، فقال: كيف وجدت بعلك؟ قالت: خير رجلٍ لم يفتش لها كنفاً، ولم يقربه لها فراشاً: فأقبل علي، وعضني بلسانه، ثم قال: أنكحتك امرأة ذات حسب، فعضلتها

стр. 2037

وفعلت، ثم انطلق، فشكاني إلى النبي ﷺ ، فطلبني، فأتيته، فقال لي: "أتصوم النهار وتقوم الليل"؟ قلت: نعم. قال: "لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأمس النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني". ٢٢١٤ - * روى البخاري، عن عبد الله بن عمرو قال: أنكحني أبي امرأة ذات حسب، فكان يتعاهد كنته، فيسألها عن بعلها، فتقول: نعم الرجل من رجل لم يطأ لنا فراشاً، ولم يفتش لنا كنفاً منذ أتيناه، فلما طال ذلك عليه، ذكر للنبي ﷺ ، فقال: "ألقني به" .... والكنة: زوج الولد، وقولها لم يفتش لنا كنفاً: الكنف: الجانب، أرادت أنه لم يقربها، ولم يطلع منها على ما جرت به عادة الرجال مع نسائهم. واسم المرأة: أم محمد بنت محمية بن جزء الزبيدي حليف قريش، ذكرها الزبير. ٢٢١٥ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمرو، قال: دخل رسول الله ﷺ بيتي هذا، فقال: "يا عبد الله! ألم أخبر أنك تكلفت قيام الليل وصيام النهار"؟ قلت: إني لأفعل. فقال: "إن من حسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام، فالحسنة بعشر أمثالها، فكأنك قد صمت الدهر كله" قلت: يا رسول الله، إني أجد قوة، وإني أحب أن تزيدني. فقال: "فخمسة أيام" قلت: إني أجد قوة. قال: "سبعة أيام"، فجعل يستزيده، ويزيده حتى بلغ النصف، وأن يصوم نصف الدهر: "إن لأهلك عليك حقاً، وإن لعبدك عليك خقاً، وأن لضيفك عليك حقاً" فكان بعد ما كبر وأسن يقول: ألا كنت قبلت رخصة النبي ﷺ أحب إلي من أهلي ومالي. أقول: الأصل في حياة المسلم أن يلزم نفسه من النوافل بما يستطيع وإذا ألزم نفسه بشيء من النوافل دون نذر، وعجز أو حيل بينه وبين أن يؤدي ما ألزم نفسه به فالأمر واسع في

стр. 2038

حقه، وقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسل لما كبر وثقل خفف بعض ما كان يلزم به نفسه من قبل ولو أن عبد الله فعل ذلك لما كان عليه من حرج، ولكن التزامه أمام رسول الله ﷺ جعله يستشعر أن عليه أن يبقى على الحالة التي فارقه عليها رسول الله ﷺ ، وهذا من باب الورع ولم يكن واجباً في حقه، ومن كلامه نأخذ درساً ألا يضيق الإنسان على نفسه فيما وسعت به الشريعة، ونخص بالتذكير بعض الطبقات التي تتعامل مع المباح وكأنه فريضة أو ومع خلاف الأولى وكأنه محرم، فهؤلاء لهم أجرهم ولكنهم يضيقون واسعاً إذا كانوا أئمة يقتدي بهم أو يلتزم الناس بأوامرهم. ٢٢١٦ - * روى أحمد عن حنظلة بن خويلد العنبري، قال: بينما أنا عند معاوية، إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمار ﵁، فقال كل واحد منهما: أنا قتلته. فقال عبد الله بن عمرو: ليطب به أحدكما نفساً لصاحبه، فإني سمعت رسوله ﷺ يقول: "تقتله الفئة الباغية" فقال معاوية: يا عمرو ألا تغني عنا مجنونك، فما بالك معنا؟ قال: إن أبي شكاني إلى رسول ﷺ ، فقال: "أطع أباك مادام حياً" فأنا معكم، ولست أقاتل. أقول: أمر الرسول ﷺ ههنا عام، ومن ورع عبد الله أنه حمل العموم على عمومه، ولكن مقتضى الفتوى أن ما يخصص العام تخصيصاً لا ليس فيه فإن على المسلم أن يأخذ به، وفي الواقعة التي نحن فيها كان مقتضي الفتوى ألا يكون عبد الله مع جند معاوية بل أن يكون مع جند علي، فكان الواجب عليه أن يأخذ بهذا الخصوص الواضح البين، ولكنه اجتهد فحمل العام على عمومه، فنرجو أن يكون مأجورا إن شاء الله. ٢٢١٧ - * روى ابن سعد عن ابن أبي مليكة، قال: قال عبد الله بن عمرو ﵁: مالي ولصفين، مالي ولقتال المسلمين، لوددت أني مت قبلها بعشرين سنة - أو قال بعشر سنين - أما والله على ذلك ما ضربت بسيف، ولا رميت بسهم. وذكر أنه كانت الراية بيده.

стр. 2039

٢٢١٨ - * روى الحاكم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو قال: كانت أم عبد الله بن عمرو وريطة بنت منبه بن الحجاج تلطف برسول الله ﵌، فأتاها ذات يوم فقال "كيف أنت يا أم عبد الله"؟ قالت: بخير وعبد الله رجل قد ترك الدنيا. قال له أبوه يوم صفين: اخرج فقاتل. قال: يا أبتاه أتأمرني أن أخرج فأقاتل وقد كان من عهد رسول الله ﵌ ما قد سمعت؟ قال: أنشدك بالله أتعلم أن ما كان من عهد رسول الله ﵌ إليك أنه أخذ بيدك فوضعها في يدي فقال أطع أباك عمرو بن العاص قال: نعم، قال: فإني آمرك أن تقاتل. قال: فخرج يقاتل. فلما وضعت الحرب قال عبد الله: لو شهدت جمل مقامي ومشهدي ... بصفين يوما شاب منها الذوائب عشية جاء أهل العراق كأنهم ... سحاب ربيع زعزعته الجنائب إذا قلت قد ولوا سراعا ثبتت لنا ... كنائب منهم واجحنت كتائب فقالوا لنا إنا نرى أن تبايعوا ... عليا فقلنا نرى أن تضاربوا ٢٢١٩ - * روى الحاكم عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: كنا مع رسول الله ﵌ في غزوة له ففزع الناس، فخرجت وعلي سلاحي فنظرت إلى سالم مولى أبي حذيفة عليه سلاحه يمشي وعليه السكينة، فقلت: لأفتدين بهذا الرجل الصالح حتى أتى فجلس عند باب رسول الله ﷺ وآله وسلم وجلست معه، فخرج رسول الله ﷺ مغضبا فقال: "يا أيها الناس ما هذه الخفة ما هذا الترف أعجزتم أن تصنعوا كما صنع هذان الرجلان المؤمنان". قال الذهبي: عن سلمان بن ربيعة الغنوي: أنه حج زمن معاوية في عصابة من القراء، فحدثنا أن

стр. 2040

عبد الله في أسفل مكة. فعمدنا إليه، فإذا نحن بثقل عظيم يرتحلون ثلاث مئة راحلة، منها مئة راحلة ومئتا زاملة (١) وكنا نحدث أنه أشد الناس تواضعاً. فقلنا: ما هذا؟ قالوا: لإخوانه يحملهم عليها ولمن ينزل عليه، فعجبنا، فقالوا: إنه رجل غني، ودلونا عليه أنه في المسجد الحرام، فأتيناه، فإذا هو رجل قصير أرمص (٢)، بين بردين وعمامة، قد علق نعليه في شماله. عن سليمان بن الربيع قال: انطلقت في رهط من نساك أهل البصرة إلى مكة، فقلنا: لو نظرنا رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ ، فدللنا على عبد الله بن عمرو، فأتينا منزله، فإذا قريب من ثلاث مئة راحلة. فقلنا: على كل هؤلاء حج عبد الله بن عمرو؟ قالوا: نعم. هو ومواليه وأحباؤه. قال: فانطلقنا إلى البيت، فإذا نحن برجل أبيض الرأس واللحية، بين بردين قطريين، عليه عمامة وليس عليه قميص. عن عبيد بن سعيد: أنه دخل مع عبد الله بن عمرو المسجد الحرام، والكعبة محترقة حين أدبر جيش حصين بن نمير، والكعبة تتناثر حجارتها. فوقف وبكى حتى إني لأنظر إلى دموعه تسيل على وجنتيه. فقال: أيها الناس! والله لو أن أبا هريرة أخبركم أنكم قاتلو ابن نبيكم، ومحرقو بيت ربكم، لقلتم: ما أحد أكذب من أبي هريرة. فقد فعلتم، فانتظروا نقمة الله فليلبسنكم شيعاً، ويذيق بعضكم بأس بعض. وقد أسلم عبد الله وهاجر بعد ستة سبع، وشهد بعض المغازي. قال أبو عبيد: كان على ميمنة جيس معاوية يوم صفين. وذكره خليفة بن خياط في تسمية عمال معاوية على الكوفة. قال: ثم عزله وولى المغيرة بن شعبة. ورث عبد الله من أبيه قناطير مقنطرة من الذهب المصري، فكان من ملوك الصحابة. قال قتادة: كان رجلاً سميناً.

стр. 2041

قال أحمد بن حنبل: مات عبد الله ليالي الحرة سنة ثلاثٍ وستين. وقال يحيي بن بكير: توفي عبد الله بن عمرو بمصر، ودفن بداره الصغيرة سنة خمسٍ وستين، وكذا قال في تاريخ وفاته: خليفةً، وأبو عبيد، والواقدي، والفلاس وغيرهم. [وهو الصحيح] وقال خليفة: مات بالطائف، ويقال: بمكة. وقال ابن البرقي أبو بكر: فأما ولده فيقولون: مات بالشام. ا. هـ الذهبي * * *

стр. 2042

٧٣ - محمد بن مسلمة ﵁ محمد بن مسلمة بن سلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الخزرج بن عمرو ابن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي الحارثي أبو عبد الرحمن المدني حليف بني عبد الأشهل .. ولد قبل البعثة باثنتين وعشرين سنة في قول القوادي، وهو ممن سمي في الجاهلية محمدا وقيل يكنى أبا عبد الله وأبا سعيد والأول أكثر. قول ابن شاهين: حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث أنه شهد بدراً وصحب النبي ﵌ هو وأولاده جعفر وعبد الله وسعد وعبد الرحمن وعمر، وقال: وسمعته يقول قتله أهل الشام ثم أخرج من طريق هشام عن الحسن أن محمد بن مسلمة قال: أعطاني رسول الله ﵌ سيفاً فقال "قاتل به المشركين ما قاتلوا فإذا رأيت أمتي يضرب بعضهم بعضا فائت به أحدا فاضرب به حتى ينكسر ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية" ففعل قلت [القائل ابن حجر] ورجاله هذا السند ثقات إلا أن الحسن لم يسمع من محمد بن مسلمة وأخي رسول الله ﷺ بينه وبين أبي عبيدة وشهد الشاهد بدراً وما بعدها إلا غزوة تبوك فإنه تخلف بإذن النبي ﵌ له أن يقيم بالمدينة وقال ابن عبد البر، كان من فضلاء الصحابة واستخلفه النبي ﵌ على المدينة في بعض غزواته، وكان ممن اعتزل الفتنة فلم يشهد الجمل ولاصفين. وقال ابن الكلبي: ولاه عمر على صدقات جهينة، وقالى غيره كان عند عمر معداً لكشف الأمور المعضلة في البلاد وهو كان رسوله في الكشف عن سعيد بن أبي وقاص حين بنى القصر بالكوفة وغير ذلك. وقال ابن مبارك في الزهد أنبأنا ابن عيينة عن عمر بن سعيد بن عباية بن رفاعة قال: بلغ عمر بن الخطاب أن سعد بن أبي وقاص اتخذ قصراً وجعل عليه باباً وقال انقطع الصوت، فأرسل محمد بن مسلمة وكان عمر إذا أحب أن يؤتى بالأمر كما يريد بعثه بالأمر كما بعثه فقال له: ائت سعداً فأحرق عليه بابه فقدم الكوفة فلما وصل إلى الباب أخرج زنده فاستورى ناراً ثم

стр. 2043

أحرق الباب فأخبر سعد فخرج إليه فذكر القصة. قال ابن شاهين: كان من قدماء الصحابة سكن المدينة ثم سكن الربذة يعني بعد قتل عثمان. قال الواقدي: مات بالمدينة في صفر سنة ست وأربعين وهو ابن سبع وسبعين سنة وأرخه المدائني سنة ثلاث وأربعين وقال ابن أبي داود: قتله أهل الشام، وكذا قال يعقوب ابن سفيان في تاريخه دخل عليه رجل من أهل الشام من أهل الأردن وهو في داره فقتله وقال محمد بن الربيع في صحابة مصر: بعثه عمر إلى عمرو بمصر فقاسمه ماله وأسند ذلك في حديث، ثم قال: مات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين وله سبع وسبعون سنة، وكان طويلاً معتدلاً أصلع. ا. هـ. ابن حجر. وقال الذهبي عنه: من نجباء الصحابة، شهد بدراً والمشاهد. وقيل: إن النبي ﷺ استخلفه مرة على المدينة. وكان ﵁ ممن اعتزل الفتنة، ولا حضر الجمل، ولا صفين؛ بل اتخذ سيفاً من خشب، وتحول إلى الربذة، فأقام مديدة. وهو حارثي، من حلفاء بني عبد الأشهل. وكان رجلاً طوالاً أسمر معتدلاً أصلع وقوراً. قد استعمله عمر على زكاة جهينة. وقد كان عمر إذا شكي إليه عامل، نفذ محمداً إليهم ليكشف أمره. خلف من الولد عشرة بنين؛ وست بنات. ﵁. وقدم للجابية، فكان على مقدمة جيش عمر. عباد بن موسى السعدي: حدثنا يونس، عن الحسن، عن محمد بن مسلمة، قال: مررت، فإذا رسول الله ﷺ على الصفا، واضعاً يده على يد رجل، فذهبت. فقال: "ما منعك أن تسلم"؟ قلت: يا رسول الله، فعلت بهذا الرجل شيئاً ما فعلته بأحد، فكرهت أن أقطع عليك حديثك، من كان يا رسول الله؟ قال: "جبريل، وقال لي: هذا محمد بن مسلمة لم يسلم، أما إنه لو سلم رددنا ﵇". قلت: فما قال لك يا رسول الله؟ قال: "ما زال يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه يأمرني فأورثه" (١).

стр. 2044

قال ابن سعد: أسلم محمد بن مسلمة على يد مصعب بن عمير، قبل إسلام سعد بن معاذ. قال: وأخي رسول الله ﷺ بينه وبين أبي عبيدة، واستخلفه على المدينة عام تبوك (١). قال ابن يونس: شهد محمد فتح مصر، وكان فين طلع الحصن مع الزبير. قال عباية ابن رفاعة: كان محمد بن مسلمة، أسود طويلاً عظيماً. وفي الصحاح، من حديث جابر: مقتل كعب بن الأشرف على يد محمد بن مسلمة (٢) عاش ابن مسلمة سبعاً وسبعين سنة. قال يحيي بن بكير، وإبراهيم بن المنذر، وابن نمير، وشباب، وجماعة: مات محمد بن مسلمة في صفر سنة ثلاث وأربعين. أ. هـ. ٢٢٢٠ - * روى الحاكم بن عمرو بن دينار سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: بعثني عثمان ﵁ في خمسين فارساً إلى ذي خشب وأميرنا محمد بن مسلمة الأنصاري، فجاء رجل في عنقه مصحف وفي يده سيف وعيناه تذرفان، فقال: إن هذا يأمرنا أن نضرب بهذا على ما في هذا، فقال له محمد بن مسلمة: اجلس فقد ضربنا بهدا على ما في هذا قبل أن تولد فلم يزل يكلمه حتى رجع. ٢٢٢١ - * روى أبو دواد عن ثعلبة بن ضبيعة، قال: دخلنا على حذيفة، فقال: إني لأعرف رجلاً لا تضره الفتن شيئاً، قال: فخرجنا فإذا فسطاط مضروب، فدخلنا، فإذا فيه محمد بن مسلمة، فسألناه عن ذلك، فقال: ما أريد أن يشتمل علي شيء من أمصاركم حتى تنجلي عما انجلت.

стр. 2045

وفي رواية (١) عن حذيفة قال: ما أحد من الناس تدركه الفتنة إلا أنا أخافها عليه إلا محمد بن مسلمة فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول "لا تضرك الفتنة". ٢٢٢٢ - * روى الحاكم عن محمد بن إسحاق في ذكر من شهد بدرا قال: ومن الأوس ثم حلفائه من بني عبد الأشهل محمد بن مسلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن عمرو بن مالك بن الأوي كان حليفاً لبني عبد الأشهل، توفي سنة ثلاث وقيل سنة ست وأربعين وهو يومئذ ابن سبع وسبعين سنة، وكان يكنى أبا عبد الرحمن وصلى عليه مروان بن الحكم. * * *

стр. 2046

٧٤ - حسان بن ثابت قال الذهبي في السير: ابن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، سيد الشعراء المؤمنين، المؤيد بروح القدس، أبو الوليد؛ ويقال: أبو الحسام. الأنصاري الخزرجي النجاري المدني، ابن الفريعة. شاعر رسول الله ﷺ وصاحبه. قال ابن سعد: عاش ستين سنة في الجاهلية، وستين في الإسلام. أمه الفريعة بنت خنيس. قال مسلم: كنيته أبو عبد الرحمن. وقيل: أبو الوليد. قال ابن إسحاق: سألت سعيد بن عبد الرحمن بن حسان: ابن كم كان حسان وقت الهجرة؟ قال: ابن ستين سنة، واهجر رسول الله ابن ثلاث وخمسين. الزهري، عن ابن المسيب، قال: كان حسان في حلقة فيهم أبو هريرة، فقال: أنشدك الله يا أبا هريرة، فقال: أنشدك الله يا أبا هريرة، هل سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أجب عني، أيدك الله بروح القدس"؟ فقال: اللهم نعم (١). وروى عدي بن ثابت، عن البراء: أن رسول الله قال لحسان: "اهجهم وهاجهم وجبريل معك" (٢). وقال سعيد بن المسيب: مر عمر بحسان، وهو ينشد الشعر في المسجد، فلحظه، فقال حسان: قد كنت أنشد فيه، وفيه خير منك. قال: صدقت (٣). عن عائشة، قالت: كان حسان يضع له النبي ﷺ منبراً في المسجد، يقوم عليه قائماً ينافح عن رسول الله ﷺ ، ورسول الله يقول: "إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح عن رسول الله ﷺ " (٤).

стр. 2047

وعن عروة، قال: سببت ابن فريعة عند عائشة، فقالت: يا ابن أخي، أقسمت عليك لما كففت عنه، فإنه كان ينافح عن رسول الله ﷺ . (١) أقول: وفي منع ابن أختها من سب حسان مع دوره في حادثة الإفك دليل على أن المسلم لا يحقد ويمتنع عن أن يشفي قلبه من غيظ الغيبة منه أو من غيره، وهو خلق عز في عصرنا وقل أصحابه. عمر بن حوشب، عن عطاء بن أبي رباح، سمعه يقول: دخل حسان على عائشة، بعدما عمي، فوضعت له وسادة، فدخل أخوها عبد الرحمن، فقال: أجلستيه على وسادة، وقد قال ما قال؟ - يريد: مقالته نوبة الإفك - فقالت: إنه - تعني أنه كان يجيب عن رسول الله ﷺ ، ويشفي صدره من أعدائه، وإني لأرجو ألا يعذب في الآخرة. وروي عن عائشة قالت: قدد رسول الله المدينة، فهجته قريش، وهجوا معه الأنصار. فقال لحسان: "اهجهم، وإني أخاف أن تصيبني معهم بهجو بني عمي". قال: لأسلنك منهم سل الشعرة من العجين، ولي مقول يفري ما لا تفريه الحربة. ثم أخرج لسانه، فضرب به أنفه، كأنه لسان شجاع (٢) بطرفه شامة سوداء، ثم ضرب به ذقنه. عن أبي سلمة: أن حسان قال: والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني هذا. ثم أطلع لسانه، كأنه لسان حية. فقال رسول الله ﷺ : "إن فيهم نسباً، فائت أبا بكر، فإنه أعلم قريش بأنسابها، فيخلص لك نسبي". قال: والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم ومسبك سل الشعرة من

стр. 2048

العجين. فهجاهم. فقال له رسول الله ﷺ : "لقد شفيت واشتفيت" (١). محمد بن السائب بن بركة، عن أمه: أنها طافت مع عائشة، ومعها نسوة، فوقعن في حسان، فقالت: لا تسبوه، قد أصابه ما قال الله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢) وقد عمي، والله إني لأرجو إن يدخله الله الجنة بكلمات قالهن لأبي سفيان بن الحارث: هجوت محمداً فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء أتهجوه ولست له بكفء ... فشركما لخيركما الفداء انتهى. من السير للذهبي. قال الشيخ شعيب: أبو سفيان بن الحارث: هو ابن عم النبي ﷺ وأخوه من الرضاعة، كان يألف النبي ﷺ في الجاهلية، فلما بعث عاداه، وهجاه، ثم أسلم عام الفتح، وشهد حنيناً، وقوله: (فشركما لخيركما الفداء). قال السهيلي: وفي ظاهر اللفظ بشاعة، لأن المعروف أن لا يقال: هو شرهما إلا وفي كليهما شر .. ولكن سيبويه قال في (كتابه): تقول: مررت برجل شر منك: إذا نقص عن أن يكون مثله، وهذا يدفع الشناعة، ونحو منه قوله ﷺ : "شر صفوف الرجال آخرها" يريد: نقصان حظهم عن حظ الأول. عن مسروق، قال: كنت عند عائشة، فدخل حسان - بعد ما عمي - فقال: حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح من لحوم الغوافل فقالت: لكن أنت لست كذلك. فقلت لها: تأدنين له، وقد قال الله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٣) فقالت: وأي عذاب أشد من العمى.

стр. 2049

وقالت: إنه كان ينافح، أو يهاجي عن رسول الله ﷺ (١). خديج بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن سعيد بت جبير، قال: قبل لابن عباس: قدم حسان اللعين، فقال ابن عباس: ما هو بلعين، قد جاهد مع رسول الله ﷺ بنفسه ولسانه (٢). وقال [الذهبي] هذا دال على أنه غزا. أقول: من المشهور عن حسان قلة مشاركته في القتال وذلك يرجع في نظري إلى أنه كان كبير السن عندما دخل في الإسلام كما مر، وقد علل بعضهم عدم مشاركته في القتال تعليلات لا تليق ولم تثبت بسند صحيح يطمئن إليه القلب، وإنما هو ما ذكرناه فقد كان معذوراً بدليل أنه لم يعاقب ولم يعاتب ولم يؤثر عن رسول الله ﷺ لوم له في هذا الشأن. قال الذهبي: عبدة بن سليمان، عن أبي حيان التيمي، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: أنشد حسان النبي ﷺ : شهدت بإذن الله أن محمداً ... رسول الذي فوق السماوات من عل وأن أبا يحيي ويحيي كلاهما ... له عمل من ربه متقبل وأن أخا الأحقاف إذ قام فيهم ... يقول بذات الله فيهم ويعدل (٣) فقال النبي ﷺ : "وأنا". وروى أبو غسان النهدي: حدثنا عمر بن زياد، عن عبد الملك بن عمير: أن النبي ﷺ أنشده حسان - فذكرها وزاد: وأن الذي عادي اليهود ابن مريم نبي أتى من عند ذي العرش مرسل

стр. 2050

قال ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر، وعبد الله بن حزم: إن حسان لما قال هذه الأبيات: من النوم بالغشاء الهموم ... وخيال إذا تغور النجوم من خبيب أصاب قلبك منه ... سقم فهو داخل مكتوم يا لقومٍ هل يقتل المرء مثلي ... واهن البطش والعظا سؤوم شأنها العطر والفراش ويعلو ... ها لجين ولؤلو منظوم لو يدب الحولي من ولد الذ ... ر عليها لأندبتها الكلوم لم تفقها شمس النهار بشيء ... غير أن الشباب ليس بدوم زاد بعضهم: رب حلم أضاعه عدم الما ... ل وجهل غظى عليه النعيم نادى بأعلى صوته على أطمة فارع: يا بني قيلة، فلما اجتمعوا، قالوا: ما لك ويلك؟ قال: قلت قصيدة لم يقل أحد من العرب مثلها، ثم أنشدها لهم، فقالوا: ألهذا جمعتنا؟ فقال: وهل يصبر به من وحر الصدر. [أي وساوسه]. قال سليمان بن يسار: رأيت حسان لع ناصية قد سدلها بين عينيه. قال ابن إسحاق: توفي حسان سنة أربعٍ وخمسين. وأما الهيثم بن عدي، والمدائني فقالا: توفي سنة أربعين. قلت: له وفادة على جبلة بن الأبهم، وعلى معاوية. قال: ابن سعد: توفي زمن معاوية. ا. هـ. الذهبي. وقال ابن حجر: قال عبيدة فضل حسان بن ثابت على الشعراء بثلاث: كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبي ﵌ في أيام النبوة، وشاعر اليمن كلها في الإسلام ... مات حسان قبل الأربعين في قول خليفة وقبل سنة أربعين وقبل خمسين وقيل أربع وخمسين وهو قول ابن هشام حكاه عنه ابن البرقي وزاد وهو ابن عشرين ومائة سنة أو نحوها وذكر ابن إسحاق أن النبي ﷺ قدم المدينو ولحسان ستون

стр. 2051

سنة (قلت [القائل ابن حجر] من قال إنه سنة أربعين بلغ مائة أو دونها او في سنة خمسين مائة وعشرة أو سنة أربع وخمسين مائة وأربع عشرة، والجمهور أنه عاش مائة وعشرين سنة وقيل عاش مائة وأربع سنين جزم به أنه أبي خيثمة عن المدائني وقال ابن سعد عاش في الجاهلية ستين وفي الإسلام ستين ومات وهو ابن عشرين ومائة. ا. هـ. ٢٢٢٢ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: "استأذن حسان بن ثابت رسول الله ﷺ في هجاء المشركين، فقال رسول الله ﷺ : "فكيف بنسبي؟ " فقال حسان: لأسئلنك منهم كما تسل العشرة من العجين. وفي رواية قال عروة: ذهبت أسب حسان عند عائشة، فقالت: لا تسبه، فإنه كان ينافح عن رسول الله ﷺ . وفي رواية لمسلم (٢) قالت: قال حسان: يا رسول الله، ائذن لي في أبي سفيان، قال: "كيف بقرابتي منه؟ " قال: والذي أكرمك، لأسلنك كما تسل العشرة من الخمير، فقال حسان: وإن سنام المجد من آل هاشم ... بنو بيت مخزوم، ووالدك العبد قصيدته هذه. وبعد بيت "وإن سنام المجد ... " بيت لم يذكره البخاري ومسلم، وبذكره تتم الفائدة والمراد، وهو: ومن ولدت أبناء زهرة منهم ... كرام ولم يقرب عجائزك المجد والمراد ببيت مخزوم: فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم أم عبد الله والزبير وأبي طالب بني عبد المطلب، والمراد بأبي سفيان المهجو في الحديث: أبو سفيان بن الحارث

стр. 2052

ابن عبد المطلب، وهو ابن عم رسول الله ﷺ وكان يؤذي النبي ﷺ والمسلمين في ذلك الوقت، ثم أسلم وحسن إسلامه. وقوله: ولدت أبناء زهرة منهم، مراده: هالة بنت وهب بن عبد مناف أم حمزة وصفية، وأما قوله في البيت الأول: ووالدك العبد، فهو سب لأبي سفيان بن الحارث، ومعناه: أن أم الحارث بن عبد المطلب والد أبي سفيان هذا: هي سمية بنت موهب، وموهب غلام لبني عبد مناف، وكذا أم أبي سفيان بن الحارث كانت كذلك، وهو مراده يقوله، ولم يقرب عجائزك المجد. وفي رواية لمسلم (١) أن رسول الله ﷺ قال: "اهجوا قريشاً، فإنه أشد عليها من رشق النبل" فأرسل إلى ابن رواحة، فقال: اهجهم، فلم يرض، فأرسل إلى كعب بم مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبة، ثم أدلع لسانه، فجعل يحركه، فقال: والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم، فقال رسول الله ﷺ : "لا تعجل، فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، وإن لي فيهم نسباً، حتى يلخض لك نسبي" فأتاه حسان، ثم رجع، فقال: والذي بعثك بالحق، لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين، قالت عائشة: فسمعت رسول الله ﷺ يقول لحسان: إن روح القدس لا يزال يؤديك ما نافحت عن الله ورسوله. وقالت عائشة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: هجاهم حسان، فشفى واتشفى، قال حسان: هجوت محمداً، فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء هجوت محمداً براً تقياً ... رسول الله شيمته الوفاء

стр. 2053

فإني أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء ثكلت بنيتي لم تروها ... تثير النقع من كنفي كداء يبارين الأعنة مصعدات ... على اكتافها الأسل الظماء تظل جيادنا متمطرات ... تلطمهن بالخمر النساء فإن أعرضتم عنا اعتمرنا ... وكان الفتح، وانكشف الغطاء وإلا فاصبروا لضراب يومٍ ... يعز الله فيه من يشاء وقال الله: قد أرسلت عبداً ... يقول الحق، ليس به خفاء وقال الله: قد يسرت جنداً ... هم الأنصار عرضتها اللقاء تلافى كل يوم من مقد ... سباب، أو قتال، أو هجاء فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء أقول: ترجمنا لحسان ﵁ لأنه يشكل ظاهرة تحتاج إلى تأمر كبير ليأخذ منها دعاة الإسلام دروساً كثيرة، فلقد كان الشعر في الجاهلية هو الأداة الأقوى في التأثير على الرأي العام، وقد استعمل الرسول ﷺ هذا السلاح استعمالا كثيراً فلم يبق شاعراً إلا وقد استخرج ما عنده في نصرة الإسلام أو الدعوة له أو الذنب عنه أو الرد على خصومه أو في

стр. 2054

التعليل للمواقف، وهذا يعطينا درساً في أن يبذل الدعاة أقصى ما يستطيعونه للتأثير على الرأي العام بكل وسيلة مشروعة متاحة، وقد كان من سننه ﵇ أن يرد على شاعر بشاعر وعلى خطيب بخطيب، وهذا درس كذلك للدعاة في أن يردوا على الجريدة بالجريدة وعلى الكتاب بالكتاب وعلى البيان بالبيان على ضوء الحكمة والفتوى. ومن الدروس في ترجمة حسان أن نعرف أن للشاعر قيمته للدعوة الإسلامية، قال تعالى لرسوله ﵇ ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ ولقد أثر رسول الله ﷺ على كثير من شعرائه، ووصف قوة تأثير شعرهم في العدو، كما دعا لبعضهم، وهذا رد على بعض المنتطعين الذين لا يعطون للشعر الإسلامي أهميته. * * *

стр. 2055

٧٥ - حجر بن عدي ﵁ قال ابن حجر في ترجمته: حجر بضم أوله وسكون الجيم ابن عدي بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكرمين الكندي المعروف بحجر بن الأدبر حجر الخير. ذكر ابن سعد ومصعب الزبيري فيما رواه الحاكم عنه أنه وفد على النبي ﵌ هو وأخوه هانئ بن عدي وأن حجر بن عدي شهد القادسية وأنه شهد بعد ذلك الجمل وصفين وصحب علياً فكان من شيعته وقتل بمرج عذراء بأمر معاوية وكان حجر هو الذي افتتحها فقدر أن قتل بها. وقد ذكر ابن الكلي جميع ذلك وذكره يعقوب بن سفيان في أمراء علي يوم صفين، وروى ابن السكن وغيره من طريق بن الأشتر عن أبيه أنه شهد وهو حجر بن الأدبر موت أبي ذر بالربذة، وأما البخاري وابن أبي حاتم عن أبيه وخليفته بن خياط وابن حبان فذكروه في التابعين، وكذا ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة، فإما أن يكون ظنه آخر وإما أن يكون ذهل. وروى ابن قانع في ترجمته من طريق شعيب بن حرب عن شعبة عن أبي بكر بن حفص عن حجر بن عدي رجل من أصحاب النبي ﵌ عن النبي ﷺ قال "إن قوماً الخمر يسمونها بغير اسمها" وروى أحمد في الزهد والحاكم في المستدرك من طريق ابن سيرين قال: أطال زياد الخطبة فقال حجر: الصلاة، فضى في خطبته فحصبه حجر والناس، فنزل زياد فكتب إلى معاوية، فكتب إليه أن سرح به إلي، فلما قدم قال: السلام، عليك يا أمير المؤمنين، فقال: أو أمير المؤمنين أنا؟ قال: نعم، فأمر بقتله، فقال: لا تطلقوا عني حديداً ولا تغسلوا عني دماً فإني لاق معاوية بالجادة وإني مخاصم. وروى الروياني والطبراني والحاكم من طريق أبي إسحاق قال: رأيت حجر بن عدي وهو يقول ألا إني على بيعتي لا أقيلها ولا أستقيلها ا. هـ. ابن حجر. وقال الذهبي: هو حجر الخير، وأبوه عدي الأدبر، وكان قد طعن مولياً. فسمي الأدبر، الكوفي، أبو عبد الرحمن الشهيد. له صحبة ووفادة.

стр. 2056

قال غير واحد: وفد مع أخيه هانئ بن الأدبر، ولا رواية له عن النبي ﷺ . وسمع من علي وعمار. وكان شريفاً، أميراً مطاعاً، أماراً بالمعروف، مقدماً على الإنكار، من شيعة علي ﵄. شهد صفين أميراً، وكان ذا صلاح وتعبد. قال ابن عون: عن محمد [بن سيرين]، قال: لما أتي بحجر، قال: ادفنوني في ثيابي، فإني أبعث مخاصماً (١). وروى ابن عون عن نافع، قال: كان ابن عمر في السوق، فنعي إليه حجر، فأطلق حبوته، وقام، وقد غلب عليه النحيب (٢). هشام بن حسان: عن محمد، قال: لما أتي معاوية بحجر، قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين! قال: أو أمير المؤمنين أنا؟ اضربوا عنقه، فصلى ركعتين، وقال لأهله: لا تطلقوا عني حديداً، ولا تغسلو علي دماً، فإني ملاقٍ معاوية على الجادة. وقيل: إن رسول معاوية عرض عليهم البراءة من رجلٍ والتوبة. فأبى ذلك عشرة، وتبرأ عشرة، فلما انتهى القتل إلى حجر، جعل يرعد. وقيل: لما حج معاوية، استأذن على عائشة، فقالت: أقتلت حجراً؟ قال: وجدت فى قتله صلاح الناس، وخفت من فسادهم. ومشهدهم ظاهر بعذراء (٣) يزار. وخلف حجر ولدين: عبيد الله، وعبد الرحمن. قتلهما مصعب بن الزبير الأمير، وكانا يتشيعان. ا. هـ. أقول: إننا مع رغبتنا في أن لا نذكر إلا بخير، ولكن لابد أن نسجل أن

стр. 2057

معاوية ﵁ كان بداية الملك العضوض بالنص الصريح عن رسول الله ﷺ كما كان رأس الفئة الباغية التي قتلت عماراً، وهذا كذلك منصوص عليه، ثم هو أول من سن القتل السياسي بقتله حجر بن عدي وأصحابه صبراً فكانت سنة سيئة في تاريخ الأمة الإسلامية، ونحن إذ نسجل هذه الظواهر نسجلها للعبرة والله تعالى هو الذي يحاسب عباده، ولمعاوية عندنا كما لبقية الصحابة: طلب الرضوان والغفران والأمر لله من قبل ومن بعد. * * *

стр. 2058

٧٦ - عمران بن حصين ﵁ قال ابن حجر: عمران بن حصين بن عبيد بن خلف بن عبد نهم بن حذيفة بن جهمة ابن غاضرة بن حبشة بن كعب بن عمرو الخزاعي .. هكذا نسبه إلى ابن الكلبي ومن تبعه وعند أبي عمر عبد نهم بن سالم بن غاضرة ويكنى أيا نيجد بنون وجيم مصغراً. روى عن النبي ﵌ عدة أحاديث، وكان إسلامه عام خيبر، وغزا عدة غزوات، وكان صاحب راية خزاعة يوم الفتح قاله ابن البرقي، وقال الطبراني: أسلم قديماً هو وأبوه وأخته، وكان ينزل ببلاد قومه ثم تحول إلى البصرة إلى أن مات بها ... وأخرج الطبراني بسند صحيح عن سعيد بن أبي هلال عن أبي الأسود الدئلي قال: قدمت البصرة وبها عمران بن حصين كان عمر بعثه ليفقه أهلها، وقال خليفة: استقضى عبد الله بن عامر بن عمران بن حصين على البصرة فأقام أياماً ثم استعفاه، وقال ابن سعد: استقضاه زياد ثم استعفاه فأعفاه. وأخرج الطبراني وابن منده بسند صحيح عن ابن سيرين قال: لم يكن تقدم على عمران أحد من الصحابة ممن نزل البصرة، وقال أبو عمر: كان من فضلاء الصحابة وفقهائهم يقول عنه أهل البصرة إنه كان يرى الحفظة وكانت تكلمه حتى اكتوى ... وقال ابن سيرين: أفضل من نزل البصرة من الصحابة عمران وأبو بكرة، وكان الحسن يحلف أنه ما قدم البصرة والسرو خير لهم من عمران أخرجه أحمد في الزهد عن سفيان قال: كان الحين يقول نحوه وكان قد اعتزل الفتنة فلم يقاتل فيها، وقال أبو نعيم: كان مجاب الدعوة ا. هـ. ابن حجر وقال الذهبي في ترجمته: القدوة الإمام، صاحب رسول الله ﷺ . أبو نجيد الخزاعي. أسلم هو وأبوه وأبو هريرة في وقت، سنة سبع. وله عدة أحاديث. وولي قضاء البصرة، وكان عمر بعثه إلى اهل البصرة ليفقههم؛ فكان الحسن يحلف؛ ما قدم عليهم البصرة خير لهم من عمران بن الخصين. قال زرارة: رأيت عمران بن حصين يلبس الخز. وقال مطرف بن عبد الله: قال لي عمران بن حصين: أحدثك حديثاً عسى الله أن

стр. 2059

ينفعك به: إن رسول الله ﷺ جمع بين الحج والعمرة، ولم ينه حتى مات، ولم ينزل فيه قرآن يحرمه، وأنه كان يسلم علي - يعني الملائكة - قال: فلما اكتويت، أما ذلك؛ فلما تركه، عاد إلي (١). أقول: في تسليم الملائكة على عمران بن حصين ﵁ دليل على أنه يمكن للمسلم أن يكون له صلة بعالم الغيب، وهي الظاهرة التي يسميها أهل السلوك إلى الله (الكشف) وهي ليست مستغربة فالقرآن وصف مريم بالصديقية، ومع ذلك ذكر أن الملائكة خاطبتها ومن وقعت له واقعة من هذه الواقعات فله أن يذكرها إذا ترتب على ذلك مصلحة شرعية، ويجوز للمسلم أن يصدقه في كلامه إذا لم يعرف عنه كذب أو فسوق، ولم يترتب على كلامه تكليف شرعي أو نقض لشرع، ولا نفي ما حدث لعمران جواز الكي وأمثاله للتداوي ولكن يشعر أن الكمال في حق عمران ألا يكتوي. قال الذهبي: وقد غزا عمران مع النبي ﷺ غير مرة. وكان ينزل ببلاد قومه، ويتردد إلى المدينة. عن الحكم بن الأعرج، عن عمران بن حصين، قال: ما مسست ذكرى بيميني منذ بايعت بها رسول الله ﷺ (٢). عن محمد: ما قدم البصرة أحد بفضل على عمران بم حصين (٣). قال ققتادة: يلغني أن عمران قال: وددت أني رماد تذروني الرياح (٤). قلت [القائل الذهبي]: وكان ممن اعتزل الفتنة، ولم يحارب مع علي. عن قتادة: قال لي عمران بن حصين: الزم مسجدك. قلت: فإن دخل علي؟

стр. 2060

قال: الزم بيتك. قلت: فإن دخل علي؟ قال: لو دخل علي رجل يريد نفس ومالي، لرأيت أن قد حلي لي أن أقتله (١). عن عمران، قال: اكتوينا، فما أفلحن، ولا أنجحن - يعني المكاوي (٢). عن مطرف: قال لي عمران في مرضه: إنه قد كان يسلم علي، فإن عشت، فاكتم علي (٣). قال مطرف: قال لي عمران: أشعرت أن التسليم عاد إلي؟ قال: ثم لم يلبث إلا يسيراً حتى مات (٤). عن مطرف، قلت لعمران: ما يمنعني من عيادتك إلا ما أرى عن حالك. قال: فلا تفعل، فإن أحبه إلي أحبه إلى الله (٥). إبراهيم بن عطاء مولى عمران، عن أبيه أن عمران قضى على رجل بقضية، فقال: والله، قضيت علي بجور، وما ألوت. قال: وكيف؟ قال: شهد علي بزور. قال: فهو في مالي، والله لا أجلي هذا أبداً (٦). عن أبي رجاء، قال: خرج علينا عمران في مطرف خز لم نره قط، فقال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله إذا أنعم على عبد نعمة يجب أن ترى عليه" (٧). قال ابن سيرين: سقى بطن عمران بن حصين ثلاثين سنة، كل ذلك يعرض عليه

стр. 2061

الكي، فيأبى؛ حتى كان قبل موته بسنتين، فاكتوى (١). عمران بن حدير، عن أبي مجلز، قال: كان عمران ينهى عن الكي، فابتلي، فاكتوى، فكان يعج (٢). عن الحسن: أن عمران بن حصين أوصى لأمهات أولاده بوصايا، وقال: من صرخت علي، فلا وصية لها. توفي عمران سنة اثنتين وخمسين. ﵁. ا. هـ الذهبي. ٢٢٢٤ - * روى الحاكم عن إبراهيم بن عطاء عن أبيه أن زيادًا أو ابن زياد بعث عمران ابن حصين ساعيًا فجاء ولم يرجع معه درهم فقال له: أين المال؟ قال: وللمال أرسلتني أخذناها كما كنا نأخذها على عهد رسول الله ﵌ ووضعناها في الموضع الذي كنا نضعها على عهد رسول الله ﵌. ٢٢٢٥ - * روى الحاكم عن هلال بن يساف قال: انطلقت إلى البصرة فدخلت المسجد فإذا شيخ مستند إلى إسطوانة يحدث يقول: قال رسول الله ﵌: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم تاتي أقوام يعطون الشهادة قبل أن يسألوها" فقلت: من هذا الشيخ؟ قالوا: عمران بن حصين. ٢٢٢٦ - * روى الحاكم عن رافع بن سحبان أن رجلاً أتى عمران بن حصين وهو في المسجد فقال: رجل طلق امرأته وهو في مجلس ثلاثًا، فقال: إثم لزمه وحرمت عليه امرأته، فانطلق فذكر ذلك لأبي موسى يريد عيبه، فقال أبو موسى: أكثر الله فينا مثل أبي نجيد.

стр. 2062

٧٧ - سهيل بن عمرو ﵁ قال ابن حجر: سهيل بن عمرو بن شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي القرشي العامري خطيب قريش أبو يزيد ... قال البخاري سكن مكة ثم المدينة، وذكره ابن سميع في الأولى ممن نزل الشام، وهو الذي تولى أمر الصلح بالحديبية، وكلامه ومراجعته للنبي ﵌ في ذلك في الصحيحين وغيرهما، وله ذكر في حديث ابن عمر في الذين دعا النبي ﵌ عليهم في القنوت فنزلت (ليس لك من الأمر شيء) زاد أحمد في روايته، فتابوا كلهم. وروى حميد بن زنجويه في كتاب الأموال من طريق ابن أبي حسين قال: لما فتح رسول الله ﵌ مكة دخل البيت ثم خرج فوضع يده على عضادتي الباب فقال ماذا تقولون؟ فقال سهيل بن عمرو: نقول خيرًا ونظن خيرًا أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت فقال: أقول كما قال أخي يوسف لا تثريب عليكم اليوم. وذكره ابن إسحاق فيمن أعطاه النبي ﵌ مائة من الإبل من المؤلفة وذكر ابن أبي حاتم عن عبد الله بن أحمد عن أبيه عن الشافعي كان سهيل محمود الإسلام من حين أسلم. وروى البيهقي في الدلائل من طريق الحسن بن محمد بن الحنفية قال قال عمر للنبي ﵌: دعني أنزع ثنيتي سهيل فلا يقوم علينا خطيبًا؟ فقال: دعها فلعلها أن تسرك يومًا فلما مات النبي ﵌ قام سهيل بن عمرو فقال لهم: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وروى أوله يونس بن بكير في مغازي ابن إسحاق عنه عن محمد بن عمرو بن عطاء وهو في المحامليات. موصول من طريق سعيد بن أبي هند عن عمرة عن عائشة وذكر ابن خالويه أن السر في قوله أنزع ثنيتيه أنه كان أعلم والأعلم إذا نزعت ثنيتاه لم يستطع الكلام ... وروى أبو قرة من طريق ابن أبي حسين أن النبي ﵌ استهداه من ماء زمزم، وروى البخاري في تاريخه والباوردي من طريق حميد عن الحسن قال: كان المهاجرون، والأنصار بباب عمر فجعل يأذن لهم على قدر منازلهم وثم جماعة من الطلقاء فنظر بعضهم إلى بعض فقال لهم سهيل بن عمرو: على أنفسكم فاغضبوا دعي القوم ودعيتم فأسرعوا وأبطأتم فكيف بكم إذا دعيتم إلى أبواب الجنة ثم خرج إلى الجهاد، وأخرجه ابن المبارك في الجهاد أتم منه، وروى ابن شاهين من طريق ثابت البناني قال قال

стр. 2063

سهيل بن عمرو: والله لا أدع موقفًا وقفته مع المشركين إلا وقفت مع المسلمين مثله ولا نفقة أنفقتها مع المشركين إلا أنفقت على المسلمين مثلها لعل أمري أن يتلو بعضه بعضًا، وقال ابن أبي خيثمة: مات سهيل بالطاعون سنة ثمان عشرة ويقال قتل باليرموك وقال خليفة بمرج الصفر والأول أكثر، وأنه مات بالطاعون وأخرجه ابن سعد بإسناد له إلى أبي سعد بن فضالة وكانت له صحبة، قال: اصطحبت أنا وسهيل بن عمرو إلى الشام فسمعته يقول سمعت رسول الله ﵌ يقول: مقام أحدكم في سبيل الله ساعة من عمره خير من عمله عمره في أهله، قال سهيل: فإنما أرابط حتى أموت ولا أرجع إلى مكة، قال: فلم يزل مقيمًا بالشام حتى مات في طاعون عمواس. ا. هـ ابن حجر. وقال الذهبي: يكنى أبا يزيد. وكان خطيب قريش، وفصيحهم، ومن أشرافهم. لما أقبل في شأن الصلح، قال النبي، ﷺ ، "سهل أمركم" (١) تأخر إسلامه إلى يوم الفتح، ثم حسن إسلامه. وكان قد أسر يوم بدر وتخلص. قام بمكة وحض على النفير، وقال: يال غالب! أتاركون أنتم محمدًا والصباة (٢) يأخذون عيركم؟ من أراد مالاً، فهذا مال، ومن أراد قوة، فهذه قوة. وكان سمحًا جوادًا مفوهًا. وقد قام بمكة خطيبًا عند وفاة رسول الله، ﷺ ، بنحوٍ من خطبة الصديق بالمدينة، فسكنهم وعظم الإسلام. قال الزبير بن بكار: كان سهيل بعد كثير الصلاة والصوم والصدقة، خرج بجماعته إلى الشام مجاهدًا، ويقال: إنه صام وتهجد حتى شحب لونه وتغير، وكان كثير البكاء إذا سمع القرآن. وكان أميرًا على كردوسٍ (٣) يوم اليرموك. قال المدائني وغيره: استشهد يوم اليرموك. وقال الشافعي، والواقدي: مات في طاعون عمواس. ا. هـ. * * *

стр. 2064

٧٨ - أبو سعيدٍ الخدري ﵁ قال ابن حجر: سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن الأبجر، وهو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي أبو سعيد الخدري ... مشهور بكنيته استصغر بأحد واستشهد أبوه بها وغزا هو ما بعدها (١) كان من أفقه أحداث الصحابة، وقال الخطيب: كان من أفاضل الصحابة وحفظ حديثًا كثيرًا، وروى الهيثم ابن كليب في مسنده من طريق عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه عن جده قال بايعت النبي ﵌ أنا وأبو ذر وعبادة بن الصامت ومحمد بن مسلمة وأبو سعيد الخدري وسادس على أن لا تأخذنا في الله لومة لائم فاستقال السادس فأقاله، وروى ابن سعد من طريق حنظلة بن سفيان الجمحي عن أشياخه قال: لم يكن أحد من أحداث أصحاب رسول الله ﵌ أفقه من أبي سعيد الخدري، ومن طريق يزيد بن عبد الله بن الشخير قال: خرج أبو سعيد يوم الحرة فدخل غارًا فدخل عليه شامي، فقال: أخرج، فقال: لا أخرج وإن تدخل علي أقتلك، فدخل عليه فوضع أبو سعيد السيف، وقال: بؤ بإثمك، قال: أنت أبو سعيد الخدري؟ قال: نعم. قال: فاستغفر لي. وروى أحمد وغيره من طريق عطية عن أبي سعيد قال: قتل أبي يوم أحد شهيدًا وتركنا بغير مال، فأتيت رسول الله ﵌ أسأله فحين رآني قال "من استغنى أغناه الله ومن يستعف يعفه الله" فرجعت، وأصل هذا الحديث في الصحيحين من طريق عطاء بن يزيد عن أبي سعيد بقصة أخرى غير هذه ولفظه: "من يستغن يغنه الله ومن يستعفف يعفه الله ومن يتصبر يصبره الله" الحديث، قال شعبة عن أبي سلمة سمعت أبا نضرة عن أبي سعيد رفعه: لا يمنعن أحدكم مخافة الناس أن يتكلم بالحق إذا رآه أو علمه، قال أبو سعيد: فحملني ذلك على أن ركبت إلى معاوية. فملأت أذنيه ثم رجعت، وقال ابن أبي خيثمة حدثنا يحيى بن معين حدثنا عمرو بن محمد بن عمرو بن معاذ الأنصاري سمعت هند ابنة سعيد بن أبي سعيد الخدري عن عمها جاء رسول الله ﵌ عائدًا إلى

стр. 2065

أبي سعيد فقدمنا إليه ذراع شاة. عن أبي سعيد قلنا له: هنيًا لك برؤية رسول الله ﵌ وصحبته قال إنك لا تدري ما أحدثنا بعده، وقال علي بن الجعد حدثنا شعبة عن سعيد بن يزيد سمع أبا نضرة يحدث عن أبي سعيد قال: تحدثوا فإن الحديث يهيج الحديث، قال الواقدي: مات سنة أربع وسبعين وقيل أربع وستين وقال المدائني: مات سنة ثلاث وستين، وقال العسكري: مات سنة خمس وستين. وقال الذهبي عنه: الإمام المجاهد، مفتي المدينة. وأخو أبي سعيد لأمه هو قتادة بن النعمان الظفري أحد البدريين. استهشد أبوه مالك يوم أحد، وشهد أبو سعيد الخندق، وبيعة الرضوان. وحدث عن النبي ﷺ ، فأكثر وأطاب، وعن أبي بكر، وعمر، وطائفة، وكان أحد الفقهاء المجتهدين. وعن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، قال: عرضت يوم أحد على النبي ﷺ وأنا ابن ثلاث عشرة، فجعل أبي يأخذ بيدي ويقول: يا رسول الله! إنه عبل العظام. وجعل نبي الله يصعد في النظر، ويصوبه. ثم قال: رده، فردني. إسماعيل بن عياش: أنبأنا عقيل بن مدرك، يرفعه إلى أبي سعيد الخدري قال: عليك بتقوى الله فإنه رأس كل شيء. وعليك بالجهاد، فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن، فإنه روحك في أهل السماء، وذكره في أهل الأرض، وعليك بالصمت إلا في حق، فإنك تغلب الشيطان. وروى حنظلة بن أبي سفيان، عن أشياخه: أنه لم يكن أحد من أحداث أصحاب رسول الله ﷺ أعلم من أبي سعيد الخدري. قال أبو عقيل الدورقي: سمعت أبا نضرة يحدث قال: دخل أبو سعيد يوم الحرة غارًا، فدخل عليه رجل، ثم خرج، فقال لرجلٍ من أهل الشام: أدلك على رجل تقتله؟ فلما انتهى الشامي إلى باب الغار، وفي عنق أبي سعيد السيف، وقال: بؤ بإثمي وإثمك. وكن من أصحاب النار. قال: أنت أبو سعيد الخدري؟ قال: نعم. قال:

стр. 2066

فاستغفر لي، غفر الله لك. عبد الله بن عمر: عن وهب بن كيسان، قال: رأيت أبا سعيد الخردي يلبس الخز. ابن عجلان: عن عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع، قال: رأيت أبا سعيد يحفي (١) شاربه كأخي الحلق. عن أبي سعيد، قال: أتى علينا رسول الله ﷺ ونحن أناس من ضعفة المسلمين ما أظن رسول الله يعرف أحدًا منهم، وإن بعضهم ليتوارى من بعضٍ من العري. فقال رسول الله بيده، فأدارها شبه الحلقة، قال: فاستدارت له الحلقة، فقال: "بما كنتم تراجعون"؟ قالوا: هذا رجل يقرأ لنا القرآن، ويدعولنا، قال: "فعودوا لما كنتم فيه"، ثم قال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم" ثم قال: "ليبشر فقراء المؤمنين بالفوز يوم القيامة قبل الأغنياء بمقدار خمس مئة عام، هؤلاء في الجنة يتنغمون، وهؤلاء يحاسبون" (٢). * * *

стр. 2067

٧٩ - المغيرة بن شعبة ﵁ قال ابن حجر: المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب ابن عمرو بن سعد بن عوف بن قيس الثقفي أبو عيسى أو أبو محمد، وقال الطبري يكنى أبا عبد الله. قال وكان ضخم القامة عبل الذراعين بعيد ما بين المنكبين أصهب الشعر جعد. وكان لا يفرقه. أسلم قبل عمرة الحديبية وشهدها وبيعة الرضوان وله فيها ذكرن وحدث عن النبي ﵌ ... قال ابن سعد: وشهد اليمامة وفتوح الشام والعراق قال البغوي: كان أول من وقع ديوان البصرة، وقال ابن حبان: كان أول من سلم عليه بالإمرة، ثم ولاه عمر الكوفة وأقره عثمان ثم عزله، فلما قتله عثمان اعتزل القتال إلى أن حضر مع المحكمين ثم بايع معاوية بعد أن اجتمع الناس عليه ثم ولاه بعد ذلك الكوفة فاستمر على إمرتها حتى مات سنة خمسين عند الأكثر ونقل فيه الخطيب الإجماع وقيل مات قبل بسنة وقيل بعدها بسنة، وقال الطبري أيضًا كان مع أبي سفيان في هدم طاغية ثقيف بالطائف وبعثه أبو بكر الصديق إلى أهل النجير وأصيبت عينه باليرموك ثم كان رسول سعد إلى رستم، وفي صحيح البخاري في قصة النعمان بن مقرن في قتال الفرس أنه كان رسول النعمان إلى امرئ القيس وشهد تلك الفتوح ... وقال ابن سعد كان رجلاً طوالا مصاب العين أصيبت عينه باليرموك وقال البخاري في التاريخ قال أبو نعيم عن زكريا عن الشعبي: انكسفت الشمس في زمن المغيرة بن شعبة يوم الأربعاء في رجب سنة تسع وخمسين فقام المغيرة وأنا شاهد فذكر القصة كذا قال والصواب سنة تسع وأربعين. ا. هـ. وقال الذهبي: الأمير أبو عيسى، ويقال: أبو عبد الله، وقيل: أبو محمد. من كبار الصحابة أولي الشجاعة والمكيدة. شهد بيعة الرضوان. كان رجلاً طوالاً مهيبًا، ذهبت عينه يوم اليرموك، وقيل: يوم القادسية. قالت عائشة: كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، فقام المغيرة بن شعبة بنظير إليها، فذهبت عينه.

стр. 2068

قال ابن سعد: كان المغيرة أصهب الشعر (١) جدًا، يفرق رأسه فروقًا أربعة، أقلص الشفتين، مهتومًا، ضخم الهامة، عبل الذراعين، بعيد ما بين المنكبين، وكان داهية، يقال له: مغيرة الرأي. وعن الشعبي: أن المغيرة سار من دمشق إلى الكوفة خمسًا. معمر، عن الزهري قال: كان دهاة الناس في الفتنة خمسة، فمن قريش: عمرو، ومعاوية، ومن الأنصار؛ قيس بن سعد، ومن ثقيف، المغيرة. ومن المهاجرين: عبد الله ابن بديل بن ورقاء الخزاعي. فكان مع علي قيس وابن بديل، واعتزل المغيرة بن شعبة. وعن أبي موسى الثقفي قال: كان المغيرة رجلاً طوالاً، أعور، أصيبت عينه يوم اليرموك. وعن غيره: ذهبت عينه يوم القادسية، وقيل: بالطائف، ومر أنها ذهبت من كسوف الشمس. ابن إسحاق، عن عامر بن وهب، قال: خرج المغيرة في ستةٍ من بني مالكٍ إلى مصر تجارًا، حتى إذا كانوا ببزاق (٢) عدا عليهم، فذبحهم، واستاق العير، وأسلم. عن المغيرة، قال: أنا آخر الناس عهدًا برسول الله ﷺ ، لما دفن خرج علي بن أبي طالب من القبر، فألقيت خاتمي، فقلت: يا أبا الحسن، خاتمي. قال: انزل فخذه، قال: فمسحت يدي على الكفن، ثم خرجت. عن سماك بن سلمة قال: أول من سلم عليه بالإمرة المغيرة بن شعبة. يعني: قول المؤذن عند خروج الإمام إلى الصلاة: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته. عن ابن سيرين: كان الرجل يقول للآخر: غضب الله عليك كما غضب أمير المؤمنين

стр. 2069

على المغيرة، عزله عن البصرة، فولاه الكوفة. قال الليث: وقعة أذربيجان كانت سنة اثنتين وعشرين، وأميرها المغيرة بن شعبة. وقيل: افتتح المغيرة همذان عنوة. سلمة بن بلال: عن أبي رجال العطاردي قال: كان فتح الأبلة (١) على يد عتبة بن غزوان، فلما خرج إلى عمر، قال للمغيرة بن شعبة، صل بالناس، فلما هلك عتبة، كتب عمر إلى المغيرة بإمرة البصرة، فبقي عليها ثلاث سنين. سعيد بن داود الزنبري: حدثنا مالك، عن عمه أبي سهيل، عن أبيه؛ قال: لقي عمار المغيرة في سكك المدينة، وهو متوشح سيفًا، فناداه يا مغيرة! فقال: ما تشاء؟ قال: هل لك في الله؟ قال: وددت والله أني علمت ذلك، إني والله ما رأيت قتله صوابًا، فهل لك يا أبا اليقظان أن تدخل بيتك، وتضع سيفك حتى تنجلي هذه الظلمة، ويطلع قمرها فنمشي مبصرين؟ قال: أعوذ بالله أن أعمى بعد إذ كنت بصيرًا. قال: يا أبا اليقظان، إذا رأيت السيل، فاجتنب جريته. عن الزهري: قال: دعا معاوية عمرو بن العاص بالكوفة، فقال: أعني على الكوفة، قال: كيف بمصر؟ قال: استعمال عليها ابنك عبد الله بن عمرو، قال: فنعم. فبينا هم على ذلك جاء المغيرة بن شعبة -وكان معتزلاً بالطائف- فناجاه معاوية. فقال المغيرة: تؤمر عمرًا على الكوفة، وابنه على مصر، وتكون كالقاعد بين لحي الأسد، قال: ما ترى؟ قال: أنا أكفيك الكوفة. قال: فافعل. فقال معاوية لعمرو حين أصبح: إني قد رأيت كذا، ففهم عمرو، فقال: ألا أدلك على أمير الكوفة؟ قال: بلى، قال: المغيرة، واستعن برأيه وقوته عن المكيدة، وأعزله عن المال، قد كان قبلك عمر وعثمان ففعلا ذلك، قال: نعم ما رأيت. فدخل عليه المغيرة، فقال: إني كنت أمرتك على الجند والأرض، ثم ذكرت سنة عمر وعثمان قبلي، قال: قد قبلت. قال الليث: كان المغيرة قد اعتزل، فلما صار الأمر إلى معاوية كاتبة المغيرة.

стр. 2070

عن عبد الملك بن عمير قال: كتب المغيرة إلى معاوية، فذكر فناء عمره، وفناء أهل بيته، وجفوة قريشٍ له. فورد الكتاب على معاوية وزياد عنده، فقال: يا أمير المؤمنين، ولني إجابته، فألقى إليه الكتاب، فكتب: أما ما ذكرت من ذهاب عمرك؛ فإنه لم يأكله غيرك. وأما فناء أهل بيتك، فلو أن أمير المؤمنين قدر أن يقي أحدًا لوقى أهله، وأما جفوة قريش؛ فأنى يكون ذاك وهم أمروك. قال ابن شوذب: أحصن المغيرة أربعًا من بنات أبي سفيان، وكان آخر من تزوج منهن بها عرج. عن أبي السفر؛ قيل للمغيرة: إنك تحابي، قال: إن المعرفة تنفع عند الجمل الصؤول (١)، والكلب العقور (٢)، فكيف بالمسلم. عن المغيرة بن شعبة قال: لقد تزوجت سبعين امرأة أو أكثر. ابن المبارك قال: كان تحت المغيرة بن شعبة أربع نسوة. قال: فصفهن بين يديه وقال: أنتن حسنات الأخلاق، طويلات الأعناق، ولكني رجل مطلاق، فأنتن الطلاق. حدثنا مالك قال: كان المغيرة نكاحًا للنساء، ويقول: صاحب الواحدة إن مرضت مرض، وإن حاضت حاض، وصاحب المرأتين بين نارين تشعلان، وكان ينكح أربعًا جميعًا ويطلقهن جميعًا. عن زياد بن علاقة، سمعت جريرًا يقول حين مات المغيرة بن شعبة: أوصيكم بتقوى الله، وأن تسمعوا وتطيعوا حتى يأتيكم أمير، استغفروا للمغيرة غفر الله له، فإنه كان يحب العافية. وفي لفظ أبي عوانة عن زياد: فإنه كان يحب العفو. قال عبد الملك عن عمير: رأيت زيادًا واقفًا على قبر المغيرة يقول:
следующие страницы →