١٥ - أبو يعلي ومسنده
قال صاحب الرسالة المستطرفة:
ومسند أبي يعلي أحمد بن علي بن المثني التميمي الموصلي الحافظ المشهور الثقة المتوفى بالموصل سنة سبع وثلاثمائة، وقد زاد على المائة وعمر وتفرد ورحل الناس إليه، وله مسندان صغير وكبير. وفيه قال إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي الحافظ: قرأت المسانيد كمسند العدني ومسند أبي منيع وهي كالأنهار، ومسند أبي يعلي كالبحر فيكون مجموع الأنهار.
وقال المناوي في التعريف بأبي يعلي:
الحافظ الثبت محدث الجزيرة أحمد بن علي بن المثنى التميمي، سمع ابن معين وطبقته، وعنه ابن حبان والإسماعيلي وغيرهما، أهل صدق وأمانة وعلم وحلم، وثقه ابن حبان والحاكم، ولد سنة عشر ومائتين ومات سنة سبع وثلاثمائة.
* * *
стр. 72
١٦ - أبو بكر البزار ومسنده
قال محمد بن جعفر الكتاني:
ومسند أبي بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار البصري الحافظ الشهير المتوفى بالرملة سنة اثنتين وتسعين ومائتين، وله مسندان الكبير المعلل وهو المسمى (البحر الزاخر) يبين فيه الصحيح من غيره، قال العراقي: ولم يغفل ذلك إلا قليلاً، إلا أنه يتكلم في تفرد بعض رواة الحديث ومتابعة غيره عليه.
وحظنا في هذا الكتاب من مسند البزار هو زوائده على الكتب الستة التي أخرجها الهيثمي في (مجمع الزوائد) أو في كتاب (كشف الأستار عن زوائد البزار على الكتب الستة) فنحن في هذا الكتاب نختار منها ما اجتمع فيه شرط الحسن أو الصحة ووافق غرضنا من هذا الكتاب.
قال الهيثمي في تقديمه لكشف الأستار:
وبعد فقد رأيت مسند الإمام أبي بكر البزار المسمى بـ (البحر الزخار) قد حوى جملة من الفوائد الغزار، يصعب التواصل إليها على من التمسها، ويطول ذلك عليه قبل أن يخرجها، فأردت أن أتتبع ما زاد فيه على الكتب الستة، من حديث بتمامه، وحديث شاركهم .. وفيه زيادة.
* * *
стр. 73
١٧ - الحاكم ومستدركه
قال صاحب الرسالة المستطرفة:
وصحيح أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه الحاكم الضبي الطهماني النيسابوري المعروف بابن الييّع - بوزن قيّم - صاحب التصانيف التي لم يسبق لمثلها ككتاب (الإكليل) وكتاب (المدخل إليه) (وتاريخ نيسابور) (وفضائل الشافعي) وغيرها، المتوفى بنيسابور سنة خمس وأربعمائة، وهو المعروف بـ (المستدرك على الصحيحين) مما لم يذكراه وهو على شرطهما، أو شرط أحدهما، أولا على شرط واحد منهما. وهو متساهل في التصحيح. واتفق الحفاظ على أن تلميذه البيهقي أشد تحرياً منه.
وقد لخص مستدركه هذا الحافظ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قيماز التركماني الفارقي الأصل الذهبي نسبة إلى اذهب كما في النصير الدمشقي الشافعي المتوفى بدمشق سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، وتعقب كثيراً منها بالضعف والنكارة أو الوضع، وقال في بعض كلامه: إن العلماء لا يعتدون بتصحيح الترمذي والحاكم. وذكر له ابن الجوزي في موضوعاته ستين حديثاً أو نحوها. ولكن انتصر له الحفاظ في أكثرها.
وفي التعقيبات أنه جَرَّد بعض الحفاظ منه مائة حديث موضوعة في جزء، ولجلال الدين (توضيح المدرك في تصحيح المستدرك) لم يكمل ولخصه أيضاً - أعني المستدرك - برهان الدين الحلبي - وزعم أبو سعد الماليني أنه ليس فيه حديث على شرطهما، ورده الذهبي بأنه غلو وإسراف، بل فيه جملة وافرة على شرطهما، وأخرى كبيرة على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك نحو نصف الكتاب، وفيه نحو الربع مما صح سنده، وإن كان فيه علة، وما بقي فهو مناكير وواهيات لا تصح وفي بعض ذلك موضوعات، ويقال: إن السبب في التساهل الواقع فيه أنه صنفه أواخر عمره، وقد حصلت له غفلة وتغير أو أنه لم يتيسر له تحريره وتنقيحه، ويدل له أن تساهله في قدر الخمس الأول منه قليل جداً بالنسبة لباقيه، وقد قال الحافظ: وجدت قريباً من نصف الجزء الثاني - من تجزئة ستة من المستدرك - إلى هنا انتهى إملاء الحاكم، قال: وما عدا ذلك من الكتاب لا يؤخذ عنه إلا بطريق الإجازة،
стр. 74
والتساهل في القدر المملى قليل جداً بالنسبة إلأى ما بعده. وقد قال الحازمي: ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم. وقال العماد ابن كثير: قد التزم ابن خزيمة وابن حبان الصحة وهما خير من المستدرك بكثير وأنظف أسانيد ومتوناً، وقال غيرهما: صحيح ابن خزيمة أعلى مزية من صحيح ابن حبان وصحيح ابن حبان أعلى من الحاكم، وهو مقارب للحاكم في التساهل، لأنه غير متقيد بالمعدِّلين، بل ربما يخرج للمجهولين لا سيما ومذهبه إدراج الحسن في الصحيح، ولكن هذا كله اصطلاح له ولا مُشاحة فيه، على أن في صحيح ابن خزيمة أيضاً أحاديث محكوم منه بصحتها وهي لا ترتقي عن درجة الحسن، بل وفيما صححه الترمذي من ذلك أيضاً جملة من أنه يفرق بين الصحيح والحسن وحينئذ فلابد من النظر في أحاديث كل ليحكم على كل واحد منه بما يليق به. والله أعلم.
وفي تدريب الراوي:
واعتنى الحافظ أبو عبد الله الحاكم في المستدرك بضبط الزوائد عليهما، مما هو على شرطهما أو على شرط أحدهما، أو صحيح مصحح وإن لم يوجد شرط أحدهما، وربما أورد فيه ما لم يصح عنده منبهاً على ذلك وهو متساهل في التصحيح. وقد لخص الذهبي مستدركه وتعقب كثيراً منه بالضعف والنكارة، وجمع جزءاً في الأحاديث التي فيه وهي موضوعة فذكر نحو مئة حديث. فما صححه الحاكم ولم نجد فيه لغيره من المعتمدين تصحيحاً ولا تضعيفاً، حكمنا بأنه حسن، إلا أن يظهر فيه علة توجب ضعفه، أهـ ملخصاً.
وقد أغنانا عن ذلك الذهبي، فما أقره عليه فهو صحيح، وما سكت عنه ولم يتعقبه بشيء فهو كما قال ابن الصالح: حسن. وقد رأيت العزيزي في (شرحه للجامع الصغير) يحتج كثيراً بتقرير الذهبي للحاكم على التصحيح، فليعلم ذلك. والله أعلم. أهـ.
وقد علق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة على قول صاحب تدريب الراوي: (فما صححه الحاكم ولم تجد فيه لغيره من المعتمدين ..) بقوله:
هذا كلام ابن الصلاح في (مقدمته) ووافقه النووي في (التقريب) وقد انتقده السيوطي في (التدريب) ص ٥٣ فقال عقبه: اله البدر بن جماعة: والصواب أنه يتتبع
стр. 75
عليه بما يليق بحاله من الحسن أو الصحة أو الضعف، ووافقه العراقي وقال: إن حكمه أي: ابن الصلاح - عليه بالحسن فقط تحكم.
قال إلا أن ابن الصلاح قال ذلك بناء على رأيه: أنه قد انقطع التصحيح في هذه الأعصار، فليس لأحد أن يصحح، فلهذا قطع النظر عن الكشف عليه، والعجب من المصنف - أي النووي - كيف وافقه هنا؟ مع مخالفته له في المسألة المبني عليها.
* * *
стр. 76
١٨ - رزين وابن الأثير وابن الديبع الشيباني
والأصول الستة
قال في الرسالة المستطرفة:
والجمع بين الأصول الستة أي: الصحاح الثلاثة التي هي البخاري ومسلم والموطأ، والسنن الثلاثة وهي سنن أبي داود والترمذي والنسائي، لأبي الحسن (رزين) بوزن أمير، ابن معاوية العبدري السرقسطي الأندلسي المالكي، المتوفى بمكة - بعد ما جاور بها أعواماً - سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، وهو المسمى بـ (التجريد للصحاح والسنن)، والجمع بينهما أيضاً لأبي السعادات مجد الدين المبارك بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني المعروف (بابن الأثير) الجزري نسبة إلى جزيرة ابن عمر لكونه ولد بها ونشأ بها، ثم انتقل إلى الموصل وبه توفي سنة ست وستمائة ودفن برباطه، وهو المسمى (جامع الأصول من أحاديث الرسول) على وضع كتاب رزين إلا أن فيه زيادات كثيرة عليه، في عشرة أجزاء، واختصره أبو زيد وأبو الضياء حافظ العصر وجيه الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد بن عمر الشهير (بابن الديْيَع) بدال مهملة مفتوحة فياء تحتية ساكنة فياء موحدة مفتوحة أيضاً فعين مهملة آخره، الشيباني الزبيدي اليمني الشافعي المولود بزبيد سنة ست وستين وثمانمائة، والمتوفى ضحى يوم الجمعة سادس عشر رجب سنة أربع وأربعين وقيل سنة خمسين وتسعمائة وهو أحسن مختصراته سماه (تيسير الوصول إلى جامع الأصول) في مجلدين.
وإذن فعندنا ثلاثة كتب:
(تجريد الصحاح والسنن) لرَزِين، و (جامع الأصول من أحاديث الرسول) لابن الأثير و (تيسير الوصول إلى جامع الأصول) مبني على كتاب جامع الأصول محاولاً فيه صاحبه الخروج من التكرار وهو لابن الدييع الشيباني، وأصول هذه الكتب الثلاثة: صحيحا البخاري ومسلم وموطأ الإمام مالك وسنن أبي داود والترمذي والنسائي.
قال ابن الأثير في مقدمة كتابه الجامع للأصول:
стр. 77
لما وقفت على هذه الكتب أي الستة ورأيتُها في غاية من الوضع الحسن والترتيب الجميل، ورأيت كتاب (رَزِين) هو أكبرها وأعمها، حيث حوى هذه الكتب الستة التي هي أم كتب الحديث، وأشهرها في أيدي الناس وبأحاديثها أخذ العلماء واستدل الفقهاء، وأثبتوا الأحكام، وشادوا مباني الإسلام.
ومصنفوها أشهر علماء الحديث، وأكثرهم حفظاً، وأعرفهم بمواضع الخطأ والصواب، وإليهم المنتهى، عندهم الموقف.
فحينئذ أحببت أن أشتغل بهذا الكتاب الجامع لهذه الصحاح، وأعتني بأمره، ولو بقراءته ونسخه، فلما تتبعته وجدته - على ما قد تعب فيه - قد أودع أحاديث في أبواب، غير تلك الأبواب أولى بها، وكرر فيه أحاديث كثيرة، وترك أكثر منها.
ثم إنني جمعت بين كتابه وبين الأصول الستة التي ضمنها كتابه، فرأيت فيها أحاديث كثيرة لم يذكرها في كتابه، إما للاختصار، أو لغرض وقع له فأهملها، ورأيت في كتابه أحاديث كثيرة لم أجدها في الأصول التي قرأتها وسمعتها ونقلت منها، وذلك لاختلاف النسخ والطرق، ورأيته قد اعتمد في ترتيب كتابه على أبواب البخاري، فذكر بعضها وحذف بعضها.
فناجتني نفسي أن أهذب كتابه، وأرتب أبوابه، وأوطيء مقصده، وأسهل مطلبه، وأضيف إليه ما أسقطه من الأصول، وأُتبعه شرح ما في الأحاديث من الغريب والإعراب والمعنى، وغير ذلك مما يزيده إيضاحاً وبياناً، فاستصغرت نفسي عن ذلك، واستعجزتها، ولم يزل الباعث يقوى والهمة تنازع، والرغبة تتوفر، وأنا أُعللها بما في ذلك من التعرض للملام، والانتصاب للقدح، والأمن من ذلك جميعه مع الترك، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، فتحققت بلطف الله العزيمة، وصدقت بعونه النية، وخلصت بتوفيقه الطوية.
فشرعت في الجمع بين هذه الكتب الستة التي أودعها (رزين) ﵀ كتابه، وصدفت عما فعله ورتبه، فاعتمدت على الأصول دون كتابه، واخترت له وضعاً يزيد بيانه حسبما أدى إليه اجتهادي، وانتهى إليه عرفاني.
стр. 78
لكن ابن الأثير كرر الأحاديث على حسب احتياجات الأبواب إليها، فخرج كتابه كبيراً واسعاً؛ لذلك اختصره ابن الديبع في مجلدين. وقد عرف الشيخ عبد القادر الأرناؤوط - محقق كتاب الجامع - على ابن الأثير وكان مما قال:
هو الإمام البارع مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري، ثم الموصلي المعروف بابن الأثير.
ولد في أحد الربيعين سنة أربع وأربعين وخمسمائة في جزيرة ابن عمر، وهي - على ما يقول ياقوت الحموي معاصر المؤلف - بلدة فوق الموصل: بينهما ثلاثة أيام، ونشأ بها وتلقى من علمائها معارفه الأولى، من تفسير وحديث ونحو ولغة وفقه، ثم تحول سنة (٥٦٥ هـ) إلى الموصل، وفيها بدأت معارفه تنضج وثقافته تزداد، وأقام بها إلى أن توفي.
قرأ الأدب على ناصح الدين أبي محمد سعيد بن المبارك بن الدهان البغدادي، وأبي بكر يحيى بن سعدون القرطبي، وأبي الحزم مكي بن الريان بن شبة النحوي الضرير، وسمع الحديث بالموصل من جماعة منهم خطيب الموصل أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد الطوسي، وقدم بغداد حاجاً فسمع بها من أبي القاسم صاحب ابن الخل، وعبد الوهاب بن سكينة، وعاد إلى الموصل فروى بها وحدث وانتفع به الناس.
وصفه من أرخ له بأنه كان من محاسن الزمن، ذا دين متين، وطريقة مستقيمة، عارفاً، فاضلاً، ورعاً، عاقلاً، سيداً، مطاعاً، رئيساً، مشاوراً، ذا بِرَ وإحسان. قد جمع بين علم العربية والقرآن والنحو واللغة والحديث والفقه، وصنف تصانيف مشهورة وألف كتباً مفيدة.
منها: (غريب الحديث) على حروف المعجم، وهو المعروف بالنهاية، و (الشافي في شرح مسند الشافي) و (الإنصاف بين الكشف والكشاف)، جمع فيه بين تفسيري الثعلبي والزمخشري، و (البديع) في النحو، و (الباهر في الفروق) في النحو أيضاً، و (تهذيب فصول ابن الدهان) و (المصطفى المختار من الأدعية والأذكار) و (كتاب لطيف في صناعة الكتابة) وله رسائل في الحساب مُجدّوْلات، وكتاب ديوان رسائله: كتاب البنين
стр. 79
والبنات، والآباء والأمهات، والأذواء والذوات، و (جامع الأصول في أحاديث الرسول) وهو هذا الكتاب. إلى غير ذلك من المؤلفات القيمة والمصنفات النافعة.
قال ياقوت الحموي في (معجم الأدباء): حدثني أخوه أبو الحسن قال: تولى أخي أبو السعادات الخزانة لسيف الدين الغازي بن مودود ب زنكي، ثم ولاه ديوان جزيرة ابن عمر وأعمالها، ثم عاد إلى الموصل، فناب في الديوان عند الوزير جلال الدين أبي الحسن علي بن جمال الدين محمد بن منصور الأصبهاني، ثم اتصل بمجاهد الدين بن قايماز - وكان نائب المملكة - بالموصل أيضاً، فنال عنده درجة رفيعة، فلما قُبض على مجاهد الدين سنة ٥٨٩ هـ اتصل بخدمة أتابك عز الدين مسعود بن مودود إلى أن توفي عز الدين وآل الأمر إلى ولده نور الدين شاه، فاتصل بخدمته حتى صار واحد دولته حقيقة، بحيث إن السلطان كان يقصده في منزله في مهام نفسه، لأنه أُقعد في آخر زمانه، فكانت الحركة تصعب عليه، فكان يجيئه بنفسه أو يرسل إليه بدر الدين لؤلؤاً.
وكان قد عرض عليه غير مرة أن يستوزره، وهو يأبى، فركب السلطان إليه، فامتنع أيضاً، حتى غضب عليه، فاعتذر إليه وقال له: أنا رجل كبير، وقد خدمت العلم عمري واشتهر ذلك عني في البلاد، وأعلم أني لو اجتهدت في إقامة لعدل بغابة جهدي ما قدرت أن أؤدي حقه، ولو ظُلِم أكِّار (حرِّاث) في ضيعة من أقصى أعمال السلطان لنسب ظلمه إليَّ، ورجعت أنت وغيرك باللائمة عليِّ، والملك لا يستقيم إلا بشيء من العسف والظلم، وأخذ الخَلْق بالشدة، وأنا لا أقدر عليه، ولا يليق بي، فعذره وأعفاه.
ولما أقعد في آخر عمره، جاء رجل مغربي فعالجه بدهن صنعه، فبانت ثمرته، وتمكن من مدِّ رجليه، فقال لأخيه عز الدين أبي الحسن علي بن الأثير: أعطه ما يرضيه، واصرفه، فقال أخوه: لماذا وقد ظهر النجح؟! قال: هو كما تقول، ولكني في راحة من صحبة هؤلاء القوم - يعني الأمراء والسلاطين، وقد سكنت نفسي إلى الانقطاع والدعة، وبالأمس كنت أذل نفسي بالسعي إليهم، وهنا في منزلي لا يأتون إليَّ إلا في مشورة مهمة، ولم يبق من العمر إلا القليل، فدعني أعش باقيه حراً سليماً من الذل، قال أخوه: فقبلت قوله وصرفت الرجل بإحسان.
стр. 80
فلزم بيته صابراً محتسباً، يقصده العلماء، ويفد إليه السلاطين والأمراء، يقبسون من علمه، وينهلون من فيضه، حتى توفي ﵀ بالموصل سنة ٦٠٦ هـ.
* * *
стр. 81
١٩ - نور الدين الهيثمي ومجمع الزوائد
هو علي بن أبي بكر بن سليمان بن أبي بكر بن عمر بن صالح نور الدين أبو الحسن الهيثمي القاهري الشافعي الحافظ ويعرف بالهيثمي. كان أبوه صاحب حانوت بالصحراء، فولد له هذا في رجب سنة خمس وثلاثين وسبعمائة، ونشأ فقرأ القرآن، ثم صحب الزين العراقي وهو بالغ، ولم يفارقه سفراً وحضراً، حتى مات بحيث حج معه جميع حجاته، ورحل معه سائر رحلاته، ورافقه في جميع مسموعه بمصر والقاهرة والحرمين وبيت المقدس ودمشق وبعلبك وحلب وحماة وطرابلس وغيرها، وربما سمع الزين بقراءته، ولم ينفرد عنه الزين بغير ابن البابا، والتقي السبكي وابن شاهد الجيش. كما أن صاحب الترجمة لم ينفرد عنه بغير صحيح مسلم على ابن عبد الهادي.
وممن سمع عليه سوى ابن عبد الهادي: الميدومي ومحمد بن إسماعيل بن الملوك ومحمد بن عبد الله النعماني وأحمد بن الرصدي وابن القطرواني والعرضي ومظفر الدين محمد بن محمد بن يحيى العطار وابن الخباز وابن الحموي وابن قيم الضيائية وأحمد بن عبد الرحمن المرداوي، فمما سمعه على المظفر: صحيح البخاري، وعلى ابن الخباز: صحيح مسلم، وعليه وعلى العرضي: مسند أحمد، وعلى العرضي والميدومي: سنن أبي داود، وعلى الميدومي وابن الخباز: جزء ابن عرفة.
وهو مكثر سماعاً وشيوخاً، ولم يكن الزين يعتمد في شيء من أموره إلا عليه حتى إنه أرسله مع ولده الولي لما ارتحل بنفسه إلى دمشق، وزوجه ابنته خديجة، ورزق منها عدة أولاد.
وكان عجباً في الدين والتقوى والزهد والإقبال على العلم والعبادة والأوراد وخدمة الشيخ وعدم مخالطة الناس في شيء من الأمور، والمحبة في الحديث وأهله. وحدث بالكثير رفيقاً للزين بل قل أن حدث الزين بشيء إلا وهو معه، وكذلك قل أن حدث هو بمفرده، لكنهم بعد وفاة الشيخ أكثروا عنه، ومع ذلك فلم يغير حاله ولا تصدر ولا تمشيخ، وكان مع كونه شريكاً للشيخ يكتب عنه الأمالي بحيث كتب عنه جميعها وربما استملى عليه،
стр. 82
ويحدث بذلك عن الشيخ لا عن نفسه إلا لمن ضايقه.
ولم يزل على طريقه حتى مات في ليلة الثلاثاء تاسع عشر من رمضان سنة سبع وثمانمائة، بالقاهرة ودفن من الغد، خارج باب البرقية منها، ﵀ وإيانا. أهـ.
قال الهيثمي في مقدمته على مجمع الزوائد:
وبعد فقد كنت جمعت زوائد مسند الإمام أحمد وأبي يعلي الموصلي وأبي بكر البزار ومعاجم الطبراني الثلاثة - رضي الله تعالى عن مؤلفهم وأرضاهم وجعل الجنة مثواهم - كل واحد منها في تصنيف مستقل - ما خلا المعجم الأوسط والصغير فإنهما في تصنيف واحد - فقال لي سيدي وشيخي العلامة شيخ الحفاظ بالمشرق والمغرب ومفيد الكبار ومن دونهم الشيخ زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن العراقي ﵁ وأرضاه وجعل الجنة مثوانا ومثواه -: اجمع هذه التصانيف واحذف أسانيدها لكي يجتمع أحاديث كل باب منها في باب واحد من هذا، فلما رأيت إشارته إليَّ بذلك صرفت همتي إليه، وسألت الله تعالى تسهيله والإعانة عليه، وأسأل الله تعالى النفع به إنه قريب مجيب.
قال صاحب الرسالة المستطرفة:
و (غاية المقصد في زوائد المسند) - أي مسند أحمد - على الكتب الستة، للحافظ نور الدين أبي الحسن علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي بالثاء المثلثة، وأما أحمد بن حجر الهيثمي، فقال الأمير في ثبته "بالمثناة الفوقية نسبة للهياتم من قرى مصر" الشافعي المصري المتوفى بالقاهرة سنة سبع وثمانمائة وهو رفيق أبي الفضل العراقي في سماع الحديث وصهره وتلميذه، وهو الذي أشار عليه بجمع الزوائد المذكورة وهي في مجلدين، وله أيضاً زوائد مسند البزار على الكتب الستة وسماها "البحر الزخار في زوائد مسند البزار" في مجلد ضخم، وزوائد مسد أبي يعلي الموصلي عليها أيضاً في مجلد، وزوائد المعجم الكبير للطبراني عليها أيضاً، وسماها (البدر المنير في زوائد المعجم الكبير) في ثلاثة مجلدات، وزوائد المعجم الأوسط والصغير له عليها أيضاً وسماها (مجمع البحرين في زوائد المعجمين) في مجلدين، ثم جمع الزوائد الستة المذكورة كلها في كتاب واحد محذوف الأسانيد مع الكلام عليها بالصحة
стр. 83
والحسن والضعف، وما في بعض رواتها من الجرح والتعديل، وسماه (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) وهو في ست مجلدات كبار ويوجد في ثمان مجلدات وأكثر وهو من أنفع كتب الحديث، بل لم يوجد مثله كتاب، ولا صنف نظيره في هذا الباب.
* * *
стр. 84
٢٠ - محمد بن محمد بن سليمان المغربي
وكتابه جمع الفوائد
قال صاحب الرسالة المستطرفة:
وللشيخ الإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن محمد بن سليمان المغربي الروداني، صاحب (صلة الخلف بموصول السلف) المتوفى سنة أربع وتسعين وألف، ودفن بسفح جبل قاسيون من دمشق الشام، كتاب (جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد) اشتمل على الصحيحين والموطأ والسنن الأربعة ومسند الدارمي ومسند أحمد ومسند أبي يعلي ومسند البزار ومعاجم الطبراني الثلاثة.
وقد تحدث الشيخ محمد بن محمد في مقدمة كتابه عن كتابه فقال:
فهذا (جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد).
(الأول) للإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري الموصلي ﵀ جمع فيه ما في تجريد رزين بن معاوية للأصول الستة، بإبدال ابن ماجه بالموطأ، وما نقصه رزين منها، وعزا كل حديث إلى مخرجه سوى ما زاده - أعني ما في تجريد رزين - ولم يجده ابن الأثير في الأصول الستة، فإنه بيض له مكاناً حتى إذا عثر على مخرجه عزاه إليه فيه، ورتبه على ترتيب بديع، لكن لغموض دقة وضعه واتساع حجمه في جمعه؛ قل أن ينتفع به إلا ذو فكرة ذاكية وحافظة واعية.
(وأما الثاني) للحافظ نور الدين أبي الحسن علي بن أبي بكر ابن سليمان الهيثمي ﵀ جمع فيه ما في مسند الإمام أحمد وأبي يعلي الموصلي وأبي بكر البزار ومعاجم الطبراني الثلاثة من الأحاديث الزائدة على ما في الأصول الستة بجعل ابن ماجه ههنا دون الموطأ وعقب كل حديث بالكلام على رواته تعديلاً وتجريحاً، فجاء حجمه في ست مجلدات يتناهز بجامع الأصول، فتجشمت هذا الجمع منهما لضيق وسعي عن الإحاطة بكل ما فيهما، فاقتضى الجمع أن أضيف إليهما سنن ابن ماجه، لكن لكون جامع الأصول أخرجه من الستة فلم يذكر
стр. 85
ما فيه، وكون مجمع الزوائد أدخله فلم يذكر زوائده، لم يحسن مني أن أضيف كله إلى الجامع أو زوائده إلى المجمع لأن ذلك كجبر لأحدهما على خلاف مراده، فلهذا أفردت زوائده وعزوتها إليه، ولما كان اختلاف القوم في سادس الستة أهو ابن ماجه أو الموطأ أو مسند الدارمي؟ راعيت هذا الخلاف، فأضفت لذلك أيضاً زوائد الدارمي مفردة، إلا أن يتفق مع ابن ماجه فأجمعهما، وتكلمت على رجالهما تجريحاً وتعديلاً بما في الكاشف للذهبي وتهذيب التهذيب والتقريب للحافظ ابن حجر وغيرها، ورتبته على ترتيب أصوله لكونه مألف طبعي دون ترتيب الجامع، وأينما عثرت على حديث مكرر عندهم في أبواب أثبته في أليق تلك الأبواب به وحذفته في غيرها، إلا لفائدة أو غفلة مني كما فعل مسلم ﵀ وأينما ورد في حكم أو معنى حديثان فأكثر أو روايتا حديث فأكثر، فإني أقتصر فيه على ما هو أكثر فائدة من تلك الأحاديث أو الروايات، وأحذف غيره إلا إن اشتمل على زيادة، فإني أخلص منه تلك الزيادة، أو أذكر كله، والحديث الذي تعدد من أخرجه أذكره بلفظ أحدهم وسياقه ثم تارة أذكر من له اللفظ وتارة لا أذكره.
أقول: وقد جعلت كتاب محمد بن محمد بن سليمان أنيساً لي، ودليلاً في عملي، فقد اجتمع فيه ما تفرق في غيره، بل وجدت فيه الكثير مما يحقق مقاصد كتابنا هذا، ولولا أني أستهدف أكثر مما استهدف، وأريد أكثر مما أراد لاكتفيت بخدمة كتابه، ولكن حاجة عصرنا أوسع، فتطلعت إلى التأليف المستقل فكان هذا الكتاب، الذي أرجو أن يكون قد انصبت فيه كل هذه الجهود التي خدمت السنة النبوية، كما أرجو أن أكون قد وفقت لاستخلاص جناها وعبيرها، ورصف جواهرها، وإحكام البناء والزخرفة من لبنات ذهبها. وها نحن أولاء نسلمك للقسم الأول من هذا الكتاب.
* * *
стр. 86
القسم الأول
في
السيرة النبوية
ويشتمل على:
مقدمة وستة أبواب
الباب الأول: من البدء حتى النبوة الشريفة
الباب الثاني: من البعثة حتى الاستقرار في المدينة
الباب الثالث: من الاستقرار في المدينة حتى الوفاة
الباب الرابع: في الصفات والخصائص والشمائل
الباب الخامس: في معجزات الرسول ﷺ
الباب السادس: دوائر شرف حول الرسول صلى الله عليه وسلم
стр. 87
المقدمة
стр. 88
السيرة النبوية - في الأصل - هي الكتاب والسنة، إنك لا تعرف رسول الله ﷺ إلا إذا عرفت الكتاب الذي أنزل عليه، وعرفت مجموع أقواله وأفعاله وصفاته وتقريراته، وتلك هي سنته.
لقد كان خلق رسول الله ﷺ القرآن، ولقد كان القرآن نفسه سجلاً لأهم الأحداث في حياته ﵊ فمن هنا قلنا إن القرآن سيرته، وإن أقواله وأفعاله وصفاته وتقريراته هي سيرته، ومن ثم فإن هذا الكتاب وكتاب الأساس في التفسير من سلسلة في المنهج هما في سيرته.
وبهذا المعنى تقول: إن السيرة النبوية تسع الزمان والمكان والأشخاص فهي منهج متكامل متجدد، فما من وضع للإنسان وللناس وللمكلفين إلا والسيرة النبوية تسعه قدوة وعملاً ملاحظاً في ذلك أحوال الناس جميعاً من ضعف إلى قوة، وما دام الإنسان على مقتضى الفتوى فإنه على نوع من القدوة.
على أن كُتاب السيرة درجوا على أن يرسموا صورة لشخصه ومسرى لأحداث حياته ﵊ ومن ههنا أصبحت السيرة في الاصطلاح جزءاً من كلٍّ، وأصبحت علماً على علم خاص أشبه بالتاريخ الشخصي وما يحيط به.
ولهذا جعلنا الكلام عن سيرته ﵊ قسماً من أقسام هذا الكتاب.
وقد أدخلنا في هذا القسم ما هو ألصق بالسيرة الذاتية، وما فاتنا ذكره هنا مما هو ألصق بموضوعات أخرى يجده القارئ في بقية الأقسام.
وكما توضَّعت حول أي موضوع من موضوعات الكتاب والسنة دراسات وتحقيقات وأصبح لكثير من الموضوعات مختصون ومحققون، فكذلك هذا القسم من السنة النبوية، فكما وجد في الفقه وفي التوحيد وفي التفسير أئمة" فقد وجد في السيرة أئمة، من أمثال ابن إسحق وموسى بن عقبة والواقدي، وغيرهم كثير.
стр. 89
وهناك فارق بين المحدِّث وكاتب السيرة، كالفارق بين المحدث والفقيه، كالفارق بين المنقِّب عن الآثار والمؤرخ. فالمنقب عن الآثار مهمته: أن يعثر على الأثر وأن يُقدِّم دراسة عنه، ولكن مهمة المؤرخ: أن يستفيد من هذا الأثر وغيره ليقدم صورة متكاملة عن حدث أو مرحلة، أو يقدم نظرية متكاملة في مسرى الأمور. والفارق بين المحدث والفقيه: أن المحدث مهمته: جمع الروايات وتحقيقها، وهو لا يدخل في حسابه ما زاد على ذلك من التتبع للنصوص القرآنية، أو البحث في مَحِلِّ هذه الروايات بالنسبة لبناء الشريعة، أما الفقيه فمهمته: رؤية كل ما ورد من كتاب أو سنة في موضوع ما، وإذا كانت هناك مسائل تحتاج إلى جواب وليس في النصوص الصحيحة والقرآن جواب واضح عليها فعليه أن يبحث عن الجواب من خلال قياس أو إجماع أو روايات ضعيفة يسندها قياس أو استئناس بروح الشريعة إلى غير ذلك، قلْ مثل هذا في الفارق بين المحدث وكاتب السيرة، فكاتب السيرة محدث وزيادة، فهو من حيثية كونه محدثاً عليه أن يروي وأن يجمع الروايات وأن يمحصها وأن ينتقد الرواة وأن يقارن بين المرويات، ولكنه ككاتب سيرة له مهمة زائدة: أن ينظر في هذه الروايات على ضوء النصوص القرآنية، وما كان له أصل صحيح وليس فيه تفصيلات فعليه أن يبحث عن هذه التفصيلات، وإذا كان هناك تعارض بين الروايات فعليه أن يرجح، وإذا كانت هناك فجوة في تسلسل الأحداث فعليه أني بحث ليملأها، وقد يملؤها من خلال استقراء أو استنتاج أو من خلال روايات ضعيفة، وأحياناً من خلال روايات وصلته دون إسناد، فهو من هذه الحيثية محقق ومؤرخ بل قد يكون مجتهداً.
وكما يختلف الفقهاء في النهاية فقد يختلف محققو السيرة في النهاية. وفي حالة الاتفاق أو الاختلاف فهناك صور لا يترتب عليها عمل، سواء اتفقوا أو اختلفوا كالقضايا التاريخية البحتة، فمثلاً: م هي مدة فترة الوحي التي حدثت بين نزول قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ..﴾ من سورة العلق، وبين نزول سورة (المدثر)؟ لا يترتب على المعرفة التفصيلية ههنا عمل، وإن كان بعض علماء التربية قد يستفيد منها نوع فائدة.
وهناك قضايا يترتب عليها عمل، ولاتفاق المحققين أو اختلافهم تأثير، فمثلاً: المعاهدات التي عقدها رسول الله ﷺ أول استقراره في المدينة مع غير المسلمين، هذه
стр. 90
المعاهدات تعتبر سوابق دستورية للحركة الإسلامية في تعاملها مع الآخرين إذا لم تكن منسوخة، نفرض أن هذه المعاهدات نقلت لنا على طريقة المحدثين، وسندها صحيح أو حسن، فالأمر في هذه الحالة واضح، إذ تأخذ هذه الروايات محلها من أصول الأحكام فحكمها حكم السنة النبوية المعتمدة. ولكن لنفرض أن هذه الروايات لم تبلغ هذا المستوى وأجمع عليها كُتَّابُ السير المعتمدون وأئمة هذه الشأن أو اختلفوا، فهل هذه الروايات لا قيمة لها أبداً؟ الذي أذهب إليه أن هذه الروايات إذا لم يكن لها معارض، وكان لها أصل صحيح ترجع إليه، لا تنزل عن أن تكون مذهباً لصاحبها، فإذا كان صاحبها إماماً أو مرجعاً في هذه الشأن صح تقليده، وللمسلمين أن يبنوا على مثل هذه الروايات، والحجية في هذه الحالة لا من حيث إن ما ورد تقوم به الحجة سنداً، لكن من حيث إن من رواه يعتبره جزءاً من السيرة، ويعتبره أهلاً للبناء عليه.
واحتراساً أقول: ليس كل إنسان مرشحاً لأن يفتي بناء على ذلك.
إنني أذهب إلى مثل هذا في كتب التراث، فمن كان من أئمة شأن من الشؤون، وقد وصل إلى أن يكون مرجعاً فيه، وليس متهماً في عقيدته أو ورعه أو علمه، فإن للمسلم أن يعتمد تحقيقه، وأن يبني عليه، قل مثل هذا في كتب الحديث أو التفسير أو الفقه أو السيرة الصادرة عن الراسخين في العلم.
وإنما أوردنا هذه المعاني حتى لا يظن ظان أن كتب السيرة وكتب الحديث يحرم النظر فيها إلا إذا كانت محققة على الأصول الفنية التي هي محل اجتهاد، فذلك باب لو أغلقناه ينسد به باب القراءة للتراث كله، وهذا مخالف للإجماع، فما أحد من أهل العلم في تاريخ هذه الأمة قال: يحرم على المسلم أن يقرأ سيرة ابن هشام أو مسند الإمام أحمد أو سنن الترمذي.
وكذلك أوردنا هذه المعاني هنا للتقديم لعملنا في هذا القسم، فعملنا في هذا القسم أن نذكر الروايات الصحيحة والحسنة الواردة في سيرته ﵊ في أصول هذا الكتاب وقد نذكر ما صح أو حسن من يغر هذه الأصول مع الخدمة التي وعدنا بها، وتحقيق الأغراض التي استهدفناها، ولكنا في الوقت نفسه ننقل خلاصات من أقوال المحققين
стр. 91
من أئمة أهل السير والمغازي، فما تنقله عن هؤلاء لا ينزل في رأينا عن أن يكون مذهباً لصاحبه، ونحن مضطرون لذلك لأنه إذا لم نفعله فإن قارئ هذا القسم سيخرج بفوائد أقل، وقد التزمنا في كتابنا هذا أن ننقل في كل بحث تحقيقات أهل الاختصاص فيه، ولا نحب أن نخل بهذا الالتزام في هذا القسم أو غيره.
* * *
وإنما جعلنا هذا القسم مقدمة وستة أبواب، لأننا حريصون على تصحيح مفاهيم وترسيخ أخرى حول السيرة، فاخترنا أن يكون هذا في المقدمة، واعتمدنا الأبواب الستة - كما سنعرضها - كشيء لابد منه لتكامل العرض.
فالمراحل الرئيسية في حياة رسول الله ﷺ ثلاثة: ما قبل البعثة، ثم ما بعد البعثة حتى الاستقرار في المدينة، ثم من الهجرة حتى الوفاة؛ فهذه ثلاثة أبواب.
وهناك دائرتان لابد من الحديث عنهما لتتكامل الصورة: دائرة آل بيته وفيهم أزواجه، ودائرة أصحابه ومنهم خلفاؤه، فهؤلاء الذين حملوا الراية، وتابعوا مرحلة التأسيس فأصبحت الأبواب أربعة.
ومعرفة صفاته وشمائله وخصائصه جزء من سيرته، والتعرف على معجزاته طريق الإيمان به فتمت الأبواب بذلك ستة، وما سيأتي في بقية أقسام هذا الكتاب يكمل صورة ما فات، فهذه الموضوعات هي الألصق بالسيرة.
* * *
تصحيح مفاهيم حول السيرة:
إن هذه المقدمة قد خصصناها لتصحيح مفاهيم ولترسيخ أخرى، والمفاهيم الخاطئة في موضوع السيرة نوعان: فمنها أخطاء عند بعض الإسلاميين، ومنها مفاهيم خاطئة أو قاصرة عند الكافرين. ألا إن هناك أغلاطاً في شأن السيرة النبوية، بعضها ناشئ عن جهل بكمالات السيرة النبوية، وبعضها ناشئ عن القصور في تصور أصول التشريع الإسلامي
стр. 92
وكيفية انبثاق الأحكام عنها، ومحل السيرة النبوية - في الاصطلاح - منها.
وقد وجدت أن كثيراً من المفاهيم التي أحب تصحيحها أو ترسيخها، وكثيراً من الأغلاط التي أرغب في تصويبها، قد تعرَّض لها الشيخ سليمان الندوي ﵀ في محاضراته الثمان التي خرجت باسم (الرسالة المحمدية)، بل إن المعاني التي ذكرها لا يستغني عنها قارئ للسيرة النبوية في عصرنا، ولذلك فإنني سأعطيك تصوراً عن بعض ما ذكره في هذه المحاضرات، ثم أنطلق بعد ذلك في المقدمة مكملاً ما أردت لها من أغراض.
* * *
إن سيرة النبي ﷺ حلقة من سلسلة النبوات والرسالات، وللنبوة والرسالة خصائصها وميزاتها، وسيرة النبي ﷺ مع اشتراكها في خصائص النبوات والرسالات لها خصائصها وسماتها الخاصة، ومحاضرات الشيخ سليمان الندوي الثمان كانت في هذه الشؤون، فقد أبرز المؤلف في محاضرته الأولى أهمية رسالات الله في الحياة البشرية، وأن الرسل وحدهم - عليهم الصلاة والسلام - هم الهداة الحقيقيون بالدعوة والقدوة لكن هؤلاء الرسل باستثناء محمد ﷺ لم يصلنا عنه ما يغطي احتياجات البشر في الهداية والقدوة، ولذلك حكمته، فمحمد ﷺ هو الرسول الخاتم ورسالته هي الرسالة الخاتمة ولذلك اجتمع لها أربعة شروط لابد منها لسيرة القدوة والهادي: التاريخية، والشمول، والكمال، والواقعية العملية. وهذا هو محور المحاضرة الثانية. ثم جاءت المحاضرات الأربع التالية لتفصل في كل شرط من هذه الشروط وكيف أنه موجود على التمام في سيرة رسول الله ﷺ ، حتى إذا وصل إلى المحاضرة السابعة تحدث عن أن سيرة النبي ﷺ التي تجمعت فيها كل شروط القدوة والهداية ينبغي أن تهتدي بها الأمم، لأنها موجهة إلى الأمم جميعها، ولأن الأمم كلها بحاجة إليها، ثم تأتي المحاضرة الثامنة لتذكر بعض أيادي الرسالة المحمدية على البشرية، وفيها تأكيد لضرورة اهتداء البشرية برسالة محمد ﷺ كما فيها تعداد لجوانب كثيرة في هذه الرسالة وأنها هي الدواء والبلسم لأصعب أمراض الأمم القديمة والمعاصرة.
стр. 93
هذا هو الخط العريض لهذه المحاضرات، وكم فيها من معانٍ عظيمة، وكنوز راقية، وكم فندت فيها أخطاء وشبهات، لذلك أجدني أسير النقل عنها في هذه المقدمة شعوراً مني بأن ذلك يخدم أغراضها.
(١)
حاجة البشرية إلى الدين
إن أعظم احتياجات البشر على الإطلاق هي حاجتهم إلى دين، يعطيهم تصورات صحيحة، ويطلق طاقاتهم في طريق مستقيم وبسلوك قويم، والرسل من بين خلق الله تعالى هم الذين قدموا للبشرية ذلك من خلال الدعوة والقدوة، أما من سواهم من أمراء وملوك وشعراء وأدباء وغير ذلك ممن ليسوا على قدم الأنبياء فهؤلاء مهما أعطوا البشرية فإنهم يعطونها ما هو دون الاحتياج الأعظم، بل هم يضلونها ويعذبونها، وفي كل الأحوال فهم لا يشكلون القدوة الرفيعة للإنسانية الجديرة بالاحترام.
هذا هو المحور الرئيسي للمحاضرة الأولى التي سار فيها المؤلف على الترتيب التالي:
أ - الحديث عن مكانة الإنسان في هذا الكون، ومحله في تسلسل مراتب الكمال الحياتي، وأنه أُعطِيَ استعداداً للكمالات فاقت ما أُعطيه كل مخلوق، وقد سخر الله له المخلوقات كلها.
ب - هذا الإنسان عنده استعداد للعدل والعلم كما أن عنده استعداداً للظلم والجهل، وهو بدون هداية الأنبياء يغلب عليه الظلم والجهل، بينما تجعله هداية الأنبياء سائراً في طريق العدل والعلم، والبشرية لم يزل مستقراً في ضميرها حب العلم والعدل، ولذلك فقد استقر في ضميرها تقديس الأنبياء والرسل، وازدراء الظالمين والجاهلين.
ج - وإذا كان الرسل والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - هم الذين دعوا بالحال والمقال إلى العدل والعلم، فقد استقامت بهم الحياة، وتحقق بهم فلاح الإنسان وصلاحه وسعادته، بينما نجد غيرهم في تاريخ البشرية قد لمعت أسماؤهم، ولكن من منهم ترك لمن أتى بعده أسوة
стр. 94
يتأسى بها في تعميم الخير؟ ومن منهم إذا اهتدى الناس بهديه ينجون من المهالك ويسلكون سبل السعادة والهناء؟ ومَن مِن هؤلاء مَن استعملوا سيوفهم البواتر في قطع حبائل العقائد الفاسدة، وتخليص العقول من الأوهام الواهية والأفكار الباطلة؟ ومَن منهم من وقف حياته على حل معضلات بني آدم، وكان حريصاً على عقد أواصل الإخاء بينهم على الحق والتواصي بالخير؟ وهل يوجد في حياة من ذكرنا من هؤلاء العظماء ما يستعين به بنو الإنسان على تخفيف ما يعانونه من الغمرات في حياتهم الاجتماعية؟ أم في أخلاقهم وأعمالهم ما ييسر للإنسانية الشفاء من أمراضها الخلقية وأوصابها النفسية؟ أم في دعوتهم ما يجلو صدأ القلوب ورينها، أو يرتق فتقاً في الحياة الاجتماعية؟
وقد تحدث المؤلف حديثاً مستفيضاً عن أصناف من الأعلام شعراء وكتاب وقانونيين واجتماعيين وأمراء وملوك، وأقام الدليل على أن هؤلاء ليسوا في منصب الإصلاح الحقيقي، مهما كان شأنهم إذا قورنوا بالأنبياء.
ثم تحدث عن الأنبياء والمرسلين الذين لم يترك الله أمة إلا وقد أرسل لها طائفة منهم وأن كل لمعة خير في قلب أو في أمة إنما هي بقايا فطرة وأثر دعوة نبي.
وبعد أن يقارن بين آثار الملوك والجبابرة وبين آثار الأنبياء، وبين ما تجيش به العواطف والقلوب نحو الأنبياء، وبين تأثيرات الملوك على القلوب والعواطف، يقول:
أظنكم قد استمعتم لما ألقيت عليكم من الأدلة العقلية والبراهين التاريخية، وإخالها قد تركت فيكم أثراً أورث في قلوبكم يقيناً بأنه لم تكن طائفة من الناس أصلحت من فساد الأخلاق، وقومت من عوجها، وهذبت النفوس، وهدتها من ضلال، مثل الذي قام به الأنبياء ﵈، فهم الذين أصلحوا الحياة الاجتماعية، وعلموا الناس الاقتصاد في المعيشة، والاعتدال في كل شيء، وهم الذين أقاموا العدل في الدنيا، وحكموا بالقسط بين الناس، وزكوا القلوب، وأخذوا بيد الإنسانية إلى الحق والخير وأنقذوها من حمأة الرذائل، وأن الله سبحانه قد بعثهم ليخرجوا الناس من الظلمات - ظلمات العقائد، وظلمات الأخلاق، وظلمات الأعمال - إلى النور - نور الإيمان، ونور الخلق الكريم، ونور العمل
стр. 95
الصالح -، وتركوا بعدهم سنة للناس يتبعها السوقة ويعمل بها الملوك، وينتفع بها صغار الناس وكبارهم، ويتمتع بخيراتها الأغنياء والبؤساء على السواء، وإن مثل الأسوة بهم كمثل عين ثرةٍ فياضة تروي البلاد وتسقي العباد، يشرب منها كل عطشان بقدر حاجته، ويرتوي بمائها العذب الزلال كل ظمآن فينقع غلته.
وبعد ذلك يتحدث عن أعلام الأنبياء في القرآن، ويذكر المعالم الكبرى لشخصية كل نبي، وأن مجموع هذه المعالم هي التي تحتاجها الحياة البشرية.
ثم تحدث عن دور البناة جميعاً في الحياة البشرية من مهندسين وأطباء وحكماء وأنصف الجميع، ثم برهن على أن ذلك كله بالنسبة لاحتياجات البشرية هو الجانب الأدنى إذا قورن باحتياجات البشر إلى هداية الأنبياء.
وبعد هذا خلص إلى الحديث عن الدعوة والقدوة في حياة الأنبياء، وكمالهما وتكاملهما، وذلك هو المظهر الأرقى للرشد والإرشاد في حياة البشرية.
تلك هي بعض معالم المحاضرة الأولى التي بينت عظم الفضل وعظيم العمل الذي قام به الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فطوقوا جيد البشرية بالمنِّة.
* * *
(٢)
محمد الرسول الأكمل ﷺ
ومن بين الرسل جميعاً يظهر محمد ﷺ كأكمل رسول، وهو من بين الرسل جميعاً تصلنا دعوته مفصلة وسيرته كاملة، ولذلك فهو الذي يمكن أن يُهتدى بهديه اهتداءً كاملاً، ويُقتدى بسيرته اقتداءً كاملاً، لأنه من بين الأنبياء كانت سيرته ورسالته تجتمع فيها: التاريخية والشمولية والكمال والعملية، عدا عن كون رسالته هي الرسالة الخاتمة والناسخة، وهي التكليف الرباني الذي لا يقبل الله غيره، ولكنها كذلك جعلها الله على ما ذكرنا.
هذا هو محور المحاضرة الثانية:
стр. 96
إن لكل رسول ميزة وخصيصة، ومحمد ﷺ من بين الرسل تجمعت فيه الميزات والخصائص جميعها على كمالها وتمامها، ولكل رسول إضاءته وتبشيره وإنذاره ودعوته، ومحمد ﷺ من بين الرسل الشمس المنيرة والبشير الأعظم والمنذر الأكبر والداعية الأجل، فهو النبي الجامع محمد ﷺ لأنه بعث ليختم الله به النبيين والنبوات، فأعطي الرسالة الأخيرة ليبلغها إلى البشر كافة، فجاء بالشريعة الكاملة التي لا يحتاج البشر معها إلى غيرها، ولم تنزل من السماء إلى الأرض شريعة على قلب بشر بعد هذه الشريعة، لقد حظيت التعاليم المحمدية بالخلود، واختصت بالبقاء والدوام إلى يوم القيامة، فكانت نفس محمد ﷺ جامعة لجميع الأخلاق العالية والعادات السنية، وقد بعث ليتمم مكارم الأخلاق.
ثم يأتي بالأدلة والبراهين على ذلك، وأول برهان على ذلك: أن سيرته وشريعته باقيتان خالدتان معروفتان.
ثم يتحدث عن أشهر الديانات المعروفة: الهندوسية والبوذية والكونفوشيوسية والزرادشتية واليهودية والمسيحية، ليقيم الدليل على أن المنقول منها لا يغطي احتياجات البشرية في الهداية ولا في القدوة.
يقول المؤلف:
إنه ليس في مئات الألوف من المصلحين والنبيين من يشهد لهم التاريخ إلا ثلاثة أو أربعة، ومع ذلك فإن التاريخ لا يعرف من تفاصيل أحوالهم وشؤون حياتهم ودخائل سيرتهم إلا نزراً يسيراً وغير كامل، فكيف يتسنى للإنسان أن يتخذ من ذلك أسوة لحياته ذات النواحي المختلفة؟.
وأخذ يضرب الأمثلة في البرهان على ذلك من خلال ما يعرفه الناس عن بوذا وزرادشت وموسى وعيسى، مع البرهان على أن هذه المعلومات - كما وردت عن أهلها - لا تشكل روايات ثابتة، ويخلص بالتالي إلى أن كل ما تعرفه البشرية عن الأنبياء السابقين عن طريق أتباعهم لا تجتمع فيه شروط التاريخية أو الواقعية أو الشمولية أو الجمع لكل ما يلزم الإنسان وهي شروط الاهتداء والاقتداء. ثم إن هذه الديانات نفسها على حسب ما
стр. 97
نقلت لنا ليس فيها ما يتفق مع الفطرة البشرية، إنَّ في شأن الربوبية أو في شأن السلوك أو في شأن العمران، فعدا عن قصورها فإن فيها انحرافاً وضلالاً وخراباً، فبعض هذه الديانات ليس لله فيها ذكر كالديانة البوذية والصينية، وبعضها ليس في أصولها المنقولة تفصيل عن طبيعة العلاقة مع الله كالديانة اليهودية والمسيحية، وفي التعامل بين بني الإنسان لا تجد تفصيلاً شاملاً بل نجد قصوراً وأخطاء فطرية، ولو طبقت هذه الأديان حرفياً كما وصلت إلينا لترتب على ذلك خراب العالم وشقاء الإنسان.
يقول المؤلف:
لم تكن سيرة بوذا قط أسوة للهناء العائلي، ولا لأهل الصناعات والمتاجر، ولو اتخذ أتباع بوذا قدوة لهم من حياة بوذا لما قامت لهم هذه الدول في الصين واليابان وسيام وتبت وبرما، ولما عمرت للتجارة في بلادهم سوق، ولا دبت الحياة في صناعاتهم ومصانعهم، ولو اختار أهل تلك البلاد سيرة متبوعهم سيرة لهم وساروا عليها لأقفرت الأرض العامرة وتحولت إلى صحاري قاحلة، ولأصبحت المدن خراباً أو أرضاً جرداء.
ولو أن الناس في أيامنا هذه آثروا التأسي بحياة عيسى ﵇ وأرادوا أن يعيشوا كما عاش، لخربت الدنيا واستحال عمرانها خراباً يباباً، ولأصبحت القرى مقابر تتردد في أنحائها أصوات البوم، أما الحضارة وتقدمها فسرعان ما يعتريهما الزوال ويمحى اسمهما، وأوروبا المسيحية لن تبقى بعد ذلك يوماً واحداً.
ويخلص في نهاية المحاضرة إلى قوله:
إن الإنسان ينشد مثالاً يقتدي به في كل عمل يقدم عليه، في غناه وفقره، وفي سلمه وحربه، ويتحرى السبيل الذي يسلكه إذا تزوج أو بقي عزباً، ويريد أنموذجاً عالياً يأتم به إذا عبد ربه، أو عاشر الناس، ويحاول أن يلم بالقوانين التي ينبغي العمل بها بالنسبة إلى الراعي والرعية والحكام والمحكومين.
جميع هذه الأمور ينبغي للمرء أن يتخذ لنفسه القدوة فيه، لأن الأمم قد التوت عليها هذه المسألة، فأهمها التماس الطريق الموصل إلى حلِّ هذه المعضلات وتذليل هذه المصاعب،
стр. 98
ومعظم الشعوب تشعر بالحاجة الشديدة إلى المثل العليا في ذلك لتخفف عن الإنسانية آلامها وتأسو جراحها، وهي متلهفة على مثال لذلك من الأعمال، لا على مثال عليه من الأقوال.
ولست بمبالغ إذا قلت: إن التاريخ أصدق شاهد على أنه ليس في الدنيا أحد يصح أن يكون للإنسانية أسوة من سيرته وحياته غير سيرة محمد ﷺ وحياته.
وليكن على ذكر منكم ما تحدثت به إليكم من قبل، وهو أن حياة العظيم التي يجدر بالناس أن يتخذوا منها قدوة لهم في الحياة ينبغي أن تتوافر فيها أربع خصال:
١ - أن تكون (تاريخية) أي أن التاريخ الصحيح المحض يصدقها ويشهد لها.
٢ - أن تكون (جامعة) أي محيطة بأطوار الحياة ومناحيها وجميع شئونها.
٣ - أن تكون (كاملة) أي أن تكون متسلسلة لا تنقص شيئاً من حلقات الحياة.
٤ - أن تكون (عملية) أي أن تكون الدعوة إلى المبادئ والفضائل والواجبات بعمل الداعي وأخلاقه، وأن يكون كل ما دعا إليه بلسانه قد حققه بسيرته وعمل به في حياته الشخصية والعائلية والاجتماعية، فأصبحت أعماله مثلاً عليا للناس يتأسون بها.
وأنا لا أقول إن الأنبياء صفرت صحائف حياتهم من هذه الميزة مدة وجودهم في الحياة الدنيا، بل أقول إن سيرتهم التي توجد الآن بين أيدي الناس لا تنص على هذه الأمور، ويخيل إليَّ أن الحكمة الإلهية في ذلك ترجع إلى أن أولئك الأنبياء إنما بعثِ الواحد منهم لزمن قصير نسبياً فكان الموفقون للخير من شعوبهم يعرفون سيرتهم فيتأسون بها، ولم يكن هنالك حاجة إلى أن تبقى سيرتهم معلومة للأجيال التالية بعدهم؛ لأن النبؤات ستختم برسالة محمد ﷺ الكاملة إلى الناس كافة في كل زمان ومكان، فمست الحاجة إلى أن تكون سيرته ﷺ معلومة عل حقيقتها في كل زمان ومكان إلى يوم القيامة، ليتيسر التأسي بها لجميع أمم الأرض. وهذا من أصدق البراهين على كون محمد ﷺ خاتم النبيين ولا نبي بعده: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١).
стр. 99
الشروط الصحيحة لسيرة الهادي القدوة
ثم جاءت المحاضرات الأربع اللاحقة تنصبُّ على الشروط التي يجب أن تتوافر فيها سيرة الهادي القدوة. فالأولى في شرط التاريخية، والثانية في شرط الكمال، والثالثة في شرط الشمول، والرابعة في شرط العملية.
* * *
(٣)
شرط التاريخية
وها هو ذا يتحدث عن التاريخية في سيرة محمد ﷺ :
لقد شهدت الدنيا أصدق شهادة، ثم ازداد ذلك ثبوتاً على الأيام، بأن المسلمين لم يقتصروا على حفظ سيرته ﷺ بل توسعوا في ذلك إلى ما يتعلق بها من كل النواحي، فصانوا هذه الأمانة القدسية فلم تلمسها يد الضياع، ولم تعبث بها عوامل الدهر، إلى درجة أن العالم كله يقف من ذلك موقف العجب والاستغراب. والذين وقفوا حياتهم منذ العصر النبوي على حفظ أقوال النبي ﷺ ورواية أحاديثه، وكل ما يتعلق بحياته، أدوْها إلى من ضبطوها بعدهم، وكتبوها وصاروا يسمون (رواة الحديث) أو (المحدثين) و (أصحاب السير) وهم طبقات متسلسلة من (الصحابة) و (التابعين) و (تابعي التابعين).
وقد بلغ عدد الصحابة ﵃ في آخر حياة النبي ﷺ الذين حجوا معه حجة الوداع [حوالي] مائة ألف، ومن هؤلاء [حوالي] عشرة آلاف صحابي مذكورة أسماؤهم وأحوالهم في كتب التاريخ التي أفردت لتدوين أحوالهم خاصة، لأن كل واحد منهم حفظ شيئاً من أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتصرفاته وهديه وسيرته.
ثم جال المؤلف جولات موفقة في عرض طبقات المشتغلين بنقل السنة النبوية وتعليمها، متحدثاً خلال ذلك عن تحري الصحابة والأئمة العدول صدق النقل عن رسول الله ﷺ ومتحدثاً عن قوة ذاكرة العرب خاصة، ثم المشتغلين بالسنة بشكل عام، وكيف أنهم كانوا يجمعون مع الحفظ الكتابة لزيادة التوثيق، وإنه مع هذا وهذا وجدت العلوم التي تُمحِّص
стр. 100
وتقارن وتحقق، ووجد الجهابذة الذين يمتلكون القدرة على التمييز بين المرويات.
وخلال ذلك ردْ على فرية بعض المستشرقين الذين يزعمون أن السنة النبوية تأخر تدوينها، فيقيم الأدلة التاريخية القاطعة على كذب هؤلاء، فلم ينقطع التدوين منذ عهد رسول الله ﷺ إلى أن وجدت كتب السنة المشهورة، ولعل هذه الصفحات من كتابه من أروع الصفحات. ومما قاله في هذه الصفحات:
فأصحاب النبي ﷺ كتبوا بأيديهم في عهده ﷺ وجمعوا من أحاديثه في حياته، وتركوا ذلك لمن بعدهم، والذين جاءوا بعدهم أدخلوه في كتبهم، ولا أعدو الحقيقة إذا قلت: إن التابعين ﵃ جمعوا جميع المرويات في عهد الصحابة، وكتبوا في حياتهم ما وصل إلى علمهم من الأخبار والشؤون، وبحثوا عن ذلك بحثاً طويلاً، وبذلوا فيه جهودهم وسافروا له، وطرقوا أبواب العلماء والمحدثين، حتى لقد كانوا يطوون لأجل الحديث الواحد مسافة طويلة وشُقَّة بعيدة.
والحق أن جميع الأحاديث والأحكام والأخبار تم تدوينها عند المسلمين في ثلاثة أطار:
الطور الأول هو الذي كان فيه الصحابة وكبار التابعين.
الطور الثاني هو الذي كان فيه صغار التابعين وتابعو التابعين.
والطور الثالث هو عهد المحدثين وأئمة السنة كالإمام محمد بن إسماعيل البخاري، والإمام مسلم صاحب الجامع الصحيح، والإمام الترمذي، والإمام أحمد بن حنبل، وغيرهم من المحدثين.
وما جمع في الطور دوِّن في كتب الطور الثاني، وما دوِّن في الطور الثاني جمع ونُظِّم في كتب الطور الثالث، ونرى أمامنا أكثر ما جمع في الطورين الثاني والثالث مدوناً في كتب كثيرة تشتمل على آلاف من الأوراق هي في الواقع من أثمن الذخائر العلمية في العالم، بل لا يوجد في جميع ذخائر الدنيا لعلمية أوثق منها سنداً وأصح تاريخاً ورواية.
ولقد صدق الأستاذ الكبير العلامة الشيخ شبلي النعماني حين قال:
стр. 101
(لما أرادت الأمم الأخرى من غير المسلمين أن تجمع في أطوار نهضتها أقوال رجالها ورواياتهم، كان قد فات عليهم زمن طويل، وانقضى بينها وبينهم عهد بعيد، فحاولوا كتابة شئون أمة قد خلت، ولم يميزوا بين غثِّ ذلك الماضي وسمينه، وصحيحه وسقيمه، بل لم يعلموا أحوال رواة تلك الأخبار ولا أسماءهم ولا تواريخ ولادتهم فاكتفوا بأن اصطفوا من أخبار هؤلاء الرواة المجهولين ورواياتهم ما يوافق هواهم ويلائم بيئتهم وينطبق على مقاييسهم، ثم لمي مض غير زمن يسير حتى صارت تلك الخرافات معدودة كالحقائق التاريخية المدوَّنة في الكتب، وعلى هذا المنهاج السقيم صنفت أكثر الكتب الأوروبية مما يتعلق بالأمم الخوالي وشئونها، والأقوام القديمة وأخبارها، والأديان السالفة ومذاهبها ورجالها.
أما المسلمون فقد جعلوا لرواية الأخبار والسير قواعد محكمة يرجعون إليها وأصولاً متقنة يتمسكون بها وأعلاها أن لا تُروى واقعة من الوقائع إلا عن الذي يشهدها، وكلما بعد العهد على هذه الواقعة فمن الواجب تسمية من نقل ذلك الخبر عن الذي نقله عمَّن شهد، وهكذا بالتسلسل من وقت الاستشهاد بالواقعة والتحدث عنها إلى زمن وقوعها. والتثبت من أمانة هؤلاء الرواة وفقههم وعدالتهم وحسن تحملهم للخبر الذي يروونه، وإذا كانوا على خلاف ذلك وجب تيينه أيضاً.
وهذه المهمة من أشق الأمور، ومع ذلك فإن مئات من المحدثين تفرغوا لها، ووقفوا أعمارهم على تحري ذلك واستقصائه وتدوينه، وطافوا لأجله البلاد، ورحلوا بين الأقطار، باحثين دارسين لأحوال الرواة، وكانوا يلقون المعاصرين لهم من الرواة لينقدوا أحوالهم، وإذا اطمأنوا إلى سيرة فرق منهم سألوهم عما يعرفونه من أحوال الطبقة التي كانت قبلهم، وقد اجتمع من هذا المجهود العلمي العظيم علم مستقل من العلوم الإسلامية أطلق عليه فيما بعد عنوان (أسماء الرجال) فتيسر لمن أتى بعدهم أن يقفوا على أقدار مئات الألوف من الحفاظ والعلماء والرواة وغيرهم).
هذا فيما يتعلق بالرواية وحملتها، وهنالك (عالم نقد الحديث) من جهة الدراية والفهم، وأن له أصولاً محكمة وقواعد متقنة اتخذوها لنقد المرويات وتمييز صحيحها من سقيمها وغثها من السمين والراجح من المرجوح، وقد تحرى علماء السنة في هذا الأمر الحق وحده، وتمسكوا
стр. 102
فيه بالمحجة البيضاء، وكل ما يؤدي إليه الصدق، فكان عملهم هذا من مفاخر الإسلام.
وبعد ذلك يجول المؤلف جولة موفقة فيما يؤكد التوثيق، في شأن نقل السنة النبوية وتمحيص رواياتها، ثم بعد ذلك يخص السيرة النبوية بالحديث، فيتحدث عن مصادرها فيقول:
وأريد أن ألفت أنظاركم إلى المصادر التي أخذت عنها سيرة النبي ﷺ وهديه، وكيف دونت تلك المصادر وجمعت، وأن أهم ما في سيرته ﷺ وأوثقها وأكثرها صحة هو ما اقتبس من القرآن الحكيم الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾، وهو الذي لم يشك في صحته العدو اللدود، فضلاً عن الحبيب الودود.
فالقرآن الكريم هو المصدر الأول من مصادر السيرة النبوية: والقرآن يقص علينا جميع مناحي السيرة النبوية وطرفاً من حياته ﷺ قبل النبوة، فيذكر لنا يتمه وفقره وتحنثه، كما يذكر لنا شئونه بعد النبوة من هبوط الوحي الإلهي عليه وتبليغه إياه والعروج به وعداوة الأعداء وهجرته وغزواته، وفي القرآن الكريم ذكر أخلاقه ﷺ .
كل ذلك تراه مذكوراً في القرآن ببيان واضح وأسلوب متين رائق: ومن ذلك تعلمون أنه لم تطرق أذن التاريخ سيرة رجل بأحسن ولا أصح ولا أوثق من سيرة محمد ﷺ .
والمصدر الثاني من مصادر السيرة النبوية كتب الحديث: وهي كتب حفظت لنا من أقوال النبي ﷺ وأفعاله وأحواله ما يبلغ مائة ألف حديث، وقد امتاز الصحيح منها عن الضعيف والموضوع، والقوي منها عن غير القوي.
ومن الكتب المصنفة في الحديث الكتب الستة التي محص العلماء كل ما ورد فيها، وذكروا شواهده ومتابعاته، حتى لم يتركوا في النفوس منزع ظفر لمحقق منصف، بل ولا لمدقق جائر، ويتلو الكتب الستة كتب المسانيد، وأعظمها مسند الإمام أحمد بن حنبل، في ستة مجلدات كبار، كل مجلد منها يحتوي على نحو خمسمائة صفحة من القطع الكبير بحروف دقيقة، وقد تضمن هذا المسند مرويات كل صحابي مجموعة ومذكورة على
стр. 103
حدة، وفي هذه المجموعات جميع تعاليم الرسول ﷺ وأحواله وسيرته غير مرتبة على المواضيع.
والمصدر الثالث كتب المغازي: ومعظم ما فيها ذكر الغزوات النبوية، وقد تتضمن أموراً أخرى، ومن المصنفات القديمة في المغازي: مغازي عروة بن الزبير المتوفى سنة ٩٤ هـ، ومغازي الزهري المتوفى سنة ١٢٤ هـ. ومغازي ابن إسحاق المتوفى سنة ١٥٠ هـ، ومغازي زياد البكائي المتوفى سنة ١٨٢ هـ، ومغازي الواقدي المتوفى سنة ٢٠٧ وغيرهم.
والمصدر الرابع كتب التاريخ الإسلامي العام: التي تبتدئ بالسيرة النبوية ومن أوثقها وأصحها وأطولها وأضخمها: طبقات ابن سعد، وتاريخ الرسل والملوك للإمام أبي جعفر الطبري، والتاريخ الصغير والتاريخ الكبير لمحمد بن إسماعيل البخاري، وتاريخ ابن حبان، وتاريخ ابن أبي خيثمة البغدادي المتوفى سنة ٢٩٩ هـ وغيرهم.
والمصدر الخامس الكتب التي ألفت في المعجزات: وتسمى بكتب الدلائل ومنها: دلائل النبوة لأبي إسحق الحربي المتوفى سنة ٢٥٥ هـ، ودلائل النبوة لابن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦ هـ، ودلائل النبوة للإمام البيهقي المتوفى سنة ٤٣٠ هـ، ودلائل النبوة لأبي نعيم الأصفهاني المتوفى سنة ٤٣٠ هـ، ودلائل النبوة للمستغفري المتوفى سنة ٤٣٢ هـ، ودلائل أبي القاسم إسماعيل الأصفهاني المتوفى سنة ٥٣٥ هـ، وأضخمها وأبسطها كتاب الخصائص الكبرى للجلال السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ.
والمصدر السادس كتب الشمائل: وهي مقصورة على ذكر أخلاق النبي ﷺ وعاداته وفضائله وما كان يعمل في يومه من الصباح إلى المساء، وفي ليله من المساء إلى الصباح. وأشهر هذه الكتب وأولها: كتاب الشمائل للحافظ المنذري. وقد كتب كبار العلماء زيادات عليه أهمها وأضخمه وأطولها: كتاب الشفا في حقوق المصطفى للقاضي عياض، وقد شرحه الشهاب الخفاجي وسماه نسيم الرياض، وصنف في هذا الموضوع علماء آخرون، منها: كتاب شمائل النبي ﷺ لأبي العباس المستغفري المتوفى سنة ٤٣٢ هـ، والنور الساطع لابن المقري الغرناطي المتوفى سنة ٥٥٢ هـ، وسفر السعادة لمجد الدين الفيروزابادي المتوفى سنة ٨١٢ هـ.
стр. 104
يضاف إلى ما ذكرناه الكتب التي صنفها بعض العلماء المتقدمين في أحوال مكة المعظمة والمدينة المكرمة، وذكروا فيه ما في هذين البلدين الطيبين من بقاع وأماكن وأودية وجبال وخطط، وذكروا من تولى إمارتهما، بادئين بكل ما له علاقة بالنبي ﷺ وأقدم كتاب في هذا الموضوع: أخبار مكة للأزرقي المتوفى سنة ٢٢٣ هـ، وأخبار المدينة لعمر بن شبة المتوفى سنة ٢٦٨ هـ، ثم أخبار مكة للفاكهي، وأخبار المدينة لابن زبالة.
ثم بعد ذلك يتحدث عن التأليف في السيرة النبوية وأنه تجاوز على مدى العصور كل تصور، وبعد أن يضرب أمثلة على سعة التأليف في السيرة النبوية ينقل نقلاً عن كاتب متحامل على الإسلام هو (ريوزورند باسورث سميث) من كتابه (محمد والمحمدية) يقول فيه هذا الكاتب:
كل ما يقال في الدين يغلب فيه الجهل ببدايته، ومما يؤسف له أن هذا يصح إطلاقه على الديانات الثلاث (١) وعلى أصحابها الذين نعدهم تاريخيين، لأننا لا نعلم لهم وصفاً أحسن من هذا الوصف، فإننا قلما نعلم عن الذين كانوا في طلائع الدعوة، والذي نعلمه عن الذين جاءوا بعدهم واجتهدوا في نشر عقائدهم أكثر من الذي نعلمه عن أصحاب الدعوة الأولين، فالذي نعلمه من شئن زردشت وكونفوشيوس أقل من الذي نعلمه عن سولون وسقراط. والذي نعلمه عن موسى، وبوذا أقل مما نعلمه عن أمبرس Ambrase وقيصر، ولا نعلم من سيرة عيسى إلا شذرات تتناول شعباً قليلةً من شُعَبِ حياته المتنوعة والكثيرة، ومن ذا الذي يستطيع أن يكشف لنا الستار عن شئون ثلاثين عاماً هي تمهيد واستعداد للثلاثة أعوام التي لنا علم بها من حياته، إنه بعث ثلث العالم من رقدته، ولعله يحيي أكثر مما أحيا، وحياته المثالية بعيدة عنا مع قربها منا، وإنها تتراوح بين الممكن والمستحيل، بيد أن كثيراً من صفحاتها لا نعلم عنها شيئاً أبداً، وما الذي نعلمه عن أم المسيح، وعن حياته في بيته؟ وعيشته العائلية؟ وما الذي نعلمه عن أصحابه الأولين وحوارييه؟ وكيف كان يعاملهم؟ وكيف تدرجت رسالته الروحية في الظهور؟ وكيف فاجأ الناس بدعوته ورسالته؟ وكم وكم من السئلة تجيش في نفوسنا، ولن يستطيع أحد أن يجيب عليها إلى يوم القيامة؟!
стр. 105
أما الإسلام فأمره واضح كله، ليس فيه سر مكتوم عن أحد، لا غُمة ينْبَهِم أمرها على التاريخ. ففي أيدي الناس تاريخه الصحيح، وهم يعلمون من أمر محمد ﷺ كالذي يعلمونه من أمر لوثر وملتن، وإنك لا تجد فيما كتبه عنه المؤرخون الأولون أساطير ولا أوهاماً ولا مستحيلات، وإذا عرض لك طرف من ذلك أمكنك تمييزه عن الحقائق التاريخية الراهنة، فليس لأحد هنا أن يخدع نفسه ولا أن يخدع غيره، والأمر كله واضح وضوح النهار، كأنه الشمس رأد الضحى، يتبين تحت أشعة نورها كل شيء. أهـ.
هذا كلام كاتب متحامل على الإسلام، لكنه لم يسعه إلا أن يقرر هذه الحقيقة التي كانت وراء محور هذه المحاضرة، إن سيرة محمد ﷺ تاريخية لا ريب في ذلك ولا لبس، وقد ختم المؤلف المحاضرة الثالثة بقوله:
لقد ألف المسلمون في السيرة النبوية ألوف الكتب بل أكثر من ذلك، ولا يزالون ماضين في التأليف فيها، كل كتاب في السيرة المحمدية - مهما كان - لا ريب أنه أوضح بياناً وأوثق رواية وأكثر صحة من كل ما كتبه الناس في قصص النبيين وسيرهم ﵈.
والكتب الأولى في السيرة المحمدية تلقاها عن أصحابها مئون وآلاف من تلاميذهم، وأتقنوها فهماً، وأحكموها فقهاً، ولم يتركوا فيها كلمة غامضة ولا عبارة معضلة إلا أوضحوا مبهمها وحلوا معضلها.
وأول كتاب عندنا في الحديث النبوي كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس، وقد سمعه من مؤلفه ستمائة من تلاميذه فيهم الخلفاء والولاة والعلماء والفقهاء والأدباء والزهاد والنساك، والجامع الصحيح لأبي عبد الله بن إسماعيل البخاري تلقاه ستون ألفاً من أهل العلم عن تلميذ واحد من تلاميذه وه الإمام الفِرَبْرِي، فهل في العالم دين احتاط أهله مثل هذا الاحتياط واهتموا مثل هذا الاهتمام بكل ما يتعلق بأمر نبيهم وهدايته؟ وهل ألف في هذا الباب تأليف أكثر صحة وأعظم ثقة وتثبتاً؟ وهل نال مثل هذه الصحة التاريخية دين غيره؟ وهل حفظ التاريخ من تفاصيل حياة نبي من الأنبياء ﵈ مثل الذي حفظه من سيرة محمد ﷺ ؟.
стр. 106
(٤)
شرط الكمال المطلق
قد يوجد في تاريخ البشرية من سيرتُه تاريخية ولا يعتبر ذلك وحده كافياً للهداية والاقتداء، بل قد تكون سيرة هؤلاء شراً وخبثاً، فلابد أن يجتمع مع شرط التاريخية شرط آخر لتصلح السيرة للاقتداء والاهتداء، هذا الشرط هو أن يكون تصرف صاحب السيرة في الصغيرة والكبيرة هو الكمال المطلق، وهذا الذي نجده على الكمال والتمام في سيرة النبي ﷺ وهذا هو محور المحاضرة الرابعة، فلقد أخذ المؤلف يضرب على ذلك الأمثال في الصغيرة والكبيرة من تصرفاته ﷺ قبل النبوة وبعدها في حياته البيتية وغيرها مقيماً الأدلة على ذلك.
ومن كلامه في هذه المحاضرة:
إن أعظم الناس وأجلهم إذا انقلب إلى بيته كان فيه رجلاً من الرجال وواحداً كآحاد الناس، ولقد صدق فولتير في كلمته المشهورة: (إن الرجل لا يكون عظيماً في داخل بيته، ولا بطلاً في أسرته) يريد أن عظمة المرء لا يعترف بها من هو أقرب الناس إليه، لاطلاعه على دخيلته في مباذله.
وهذا الحكم يشذ عن الرسول ﷺ فيقول باستور سميث: (إن ما قيل عن العظماء في مباذلهم لا يصح - على الأقل - في محمد رسول الإسلام) واستشهد بقول كين: (لم يمتحن رسول من الرسل أصحابه كما امتحن محمد صلى أصحابه" إنه قبل أن يتقدم إلى الناس جميعاً، تقدم إلى الذين عرفوه إنساناً، المعرفة الكاملة، فطلب من زوجته وغلامه وأخيه وأقرب أصدقائه إليه وأحب خلانه أن يؤمنوا به نبياً مرسلاً، فكل منهم صدق دعواه وآمن بنبوته، وإن حليلة المرء أكثر الناس علماً بباطن أمره ودخيلة نفسه وألصقهم به، فلا يوجد من هو أعرف منها بنهاته ونقائصه، أليس أول من آمن بمحمد رسول الله زوجه الكريمة التي عاشرته خمسة عشر عاماً، واطلعت على دخائله في جميع أموره وأحاطت به علماً ومعرفة فلما ادعى النبوة كانت أول من صدقه في نبوته).
стр. 107
إن أعظم الناس لا يأذن لزوجه - وإن كانت له زوج واحدة - بأن تحدث الناس عن جميع ما تراه من تحليلها، وأن تعلن كل ما شاهدته من أحواله. لكن رسول الله كانت له في وقت واحد تسع زوجات، وكانت كل منهن في إذن من الرسول بأن تقول عنه للناس كل ما تراه منه في خلواته، وهُن في حِلٍّ من أن يخبرن الناس في وضح النهار كل ما رأين منه في ظلمة الليل، وأن يتحدثن في الساحات والمجامع بما يشاهدن منه في الحجرات، فهل عرفت الدنيا رجلاً كهذا الرجل يثق بنفسه كل هذه الثقة، ولا يخاف قالة السوء عنه من أحد لأنه أبعد الناس عن السوء.
إن النبي ﷺ أذن لأصحابه ولمن يحضر مجالسه أن يبلغوا عنه لمن غاب عنها، وهذا الإذن عام لما يكون عنه في بيته وبين أهله وعياله، أو ما يصدر عنه في حلقته مع أصحابه، أو ما يقفون عليه من أعماله وأقواله، عند تعبده في مسجده، أو قيامه على منبره خطيباً، أو جهاده في ساحة الحرب تجاه أعدائه، وهو يسوِّي صفوف المجاهدين في سبيل الله، أو إذا خلا إلى ربه في حجرة منعزلة في بيته يعبد الله ويتضرع إليه فكان أزواجه وأصحابه يتحدثون جميعاً بكل ما يصدر عنه من قول أو عمل.
ثم إنه كان تجاه مسجده صُفَّة يأوي إليها فقراء الصحابة الذين لم تكن لهم بيوت يأوون إليها، فكانوا يتناوبون الخروج إلى ما بعد بنيان المدينة يحتطبون من أشجار الصحراء والجبل، ويبيعون مايأتون به ليقتاتوا جميعاً بثمنه، ولم يكن لسائرهم عمل غير صحبة النبي ﷺ ولزوم مجالسه ليحفظوا عنه ما يقول وما يعمل ثم يروونه للناس بعناية وأمانة، وقد بلغ عدد أهل الصَفَّة هؤلاء [في بعض الأحوال] سبعين رجلاً، كان منهم أبو هريرة الذي لم يكن صحابي أكثر منه حديثاً عن رسول الله ﷺ وهؤلاء السبعون يسرهم الله لحفظ كل ما يستطيعون حفظه مما يدخل في موضوع الحديث النبوي لا يفترون عن ذلك أناء الليل وأطراف النهار، وقد استمر الحال بهم على ذلك يومياً، وإذا ارتحل الرسول ﷺ عن المدينة في غزوة أو حج كانوا معه، وكذلك غيرهم من الصحابة، حتى لم تخف عنهم خافية من أمره، ولم يغب عنهم معنى من معاني رسالته، ولما كان فتح مكة كان معه من أصحابه
стр. 108
حوالي عشرة آلاف، ولما سار إلى تبوك كان في معسكره حوالي ثلاثين ألفاً، ولما حج حجة الوداع حج معه تلك السنة حوالي مائة ألف مسلم، ينطبق عليهم عنوان الصحابة، وما منهم إلا من يحرص على الوقوف على شيء من هداية نبيه ﷺ أو أي أمر من أموره فيتحدث عنه، بل هو الذي أمرهم أن يبلغوا عنه ما يسمعون منه أو يرون من تصرفاته، فما ظنكم به بعد ذلك هل يخفى عن التاريخ وجه من وجوه حياته أو ناحية من نواحيها.
هذا من جهة أصحابه، وأما أعداؤه فإنهم أفرغوا جهدهم، واستنفدوا سعيهم ليقفوا على دخيلة من دخائله وليؤاخذوه بحقيقة يعلمونها عنه فلم يستطع أحد منهم أن يجد له ناحية ضعف ولا ما يندد به وأقصى ما استطاع أعداؤه في كل زمان ومكان أن يقولوه عنه إنه سلَّ سيفه للقتال وأنه كان كثير الزوجات.
وقد تبين لكم أن حياته الطاهرة هي حياة العصمة من كل نقص، البريئة من كل عيب.
إن الرسول ﷺ لم يقض حياته كلها بين أحبائه وأصحابه، بل قضى أربعين سنة من عمره في مكة قبل أن يبعث، فكان بين أهلها مشركي قريش، وكان يتعاطى فيهم التجارة، ويعاملهم في أمور الحياة ليل نهار، وهي الحياة اليومية وما تنطوي عليه من أخذ وعطاء، ومن شأنها أن تكشف عن أخلاق للمرء فيتبين للناس فسادها وصلاحها، وهي عيشة طويل طريقها، كثيرة منعطفاتها، وعرة مسالكها، تعترضها وهدات مما قد يصدر عن المرء من خيانة وإخفار عهد وأكل مال بالباطل، وعقبات من الخديعة والخيانة وتطفيف الكيل وبخس الحقوق وإخلاف الوعد.
وإن الرسول صلى الله لعيه وسلم اجتاز هذه السبيل الشائكة الوعرة وخلص منها سالماً نقياً لم يصبه شيء مما يصيب عامة الناس، حتى لقد دعوه (الأمين) وإن قريشاً بعد بعثته وادعائه النبوة كانوا يودعون عنده ودائعهم وأموالهم لعظيم ثقتهم به، وقد علمتم أنه ﷺ لمَّا هاجر من مكة خلفَ عليها علياً ليردِّ ما كان لديه من الودائع إلى أهلها. فقريش خالفوه أشد الخلاف في دعوته ولم يتركوا سبيلاً إلى ذلك إلا سلكوه، فقاطعوه وعاندوه وصدوا عن
стр. 109
سبيله، وألقوا عليه سلى جزور وهو يصلي، ورموه بالحجارة، وأرادوا قتله، وكادوا له كيدهم، وسموه ساحراً ودعوه شاعراً، وفندوا آراءه وسخفوا حلمه، ولكن لم يجرؤ أحد منهم على أن يقول شيئاً في أخلاقه، ولا أن يرميه بالخيانة، أو ينسب إليه الكذب في القول، أو إخلاف الوعد أو إخفار الذمة أو نقض العهد.
وإن من ادعى النبوة وقال إن الله يوحي إليه فكأنه ادعى العصمة البراءة من جميع المفاسد ومساوئ الأعمال. ألم يكن يكفي قريشاً في ردهم على الرسول أن يذكروا أموراً عمل فيها الرسول بغير الحق، وأن يشهدوا عليه بأنه أخلفهم وعداً أو خانهم في أموالهم أو كذبهم في شيء مما قاله لهم؟ إن قريشاً أنفقوا أموالهم، وبذلوا نفوسهم في عداوة الرسول، وضحوا بفلذات أكبادهم في قتاله حتى قتل منهم وجرح كثيرون، لكنهم لم يستطيعوا أن يُدنسوا ذيله الطاهر ولا أن يصموه بشيء في عظيم أخلاقه. وكانت أحوال الرسول ﷺ وشئونه وهديه ظاهرة لجميع الناس معلومة لهم، استوى في ذلك أحبابه وأعداؤه ولم يخف عليهم شيء من أمره.
ثم أفاض المؤلف في ذكر الأعجوبة الهائلة أن يقدم شخص للعالم كل ما يحتاجه هذا العالم، بحيث يزيد سعة وشمولاً ويفوق كمالاً - مع السلامة من النقص - على ما تبنيه الأمم خلال عصور، مما لا نجده في ما وصلنا عن أحد غيره، ألا أنها الرسالة والنبوة.
ويختتم محاضرته بقوله:
نحن لا نزال نقدم للناس تلك السيرة الكاملة، التي هي لنا سراج وهاج في جميع شئون الحياة البشرية، فكأن السيرة المحمدية مرآة صافية للدنيا كلها، يرى فيها كل إنسان صورته وروحه، ظاهره وباطنه، قوله وعمله، خلقه وأدبه، هديه وسنته، وفي استطاعته أن يصلح أخلاقه ويثقف عوجه بحسب ما يراه في تلك المرآة الصافية.
لأجل ذلك لا ترى أمة مسلمة تبحث - في خارج دينها وبمنأى عن سيرة نبيها - عن أصول وضوابط تقوم بها اعوجاجها وتثقف منآدها وتصلح زيفها. لأنها في غنى عما هو أجنبي عنها، وعندها في هدي سيرة نبيه ﷺ الميزان القويم والقسطاس المستقيم، الذي تبين
стр. 110
به ما في العلم من خير وشر وتميز به الحق من الباطل.
وفي الحق إن العالم كله لفي حاجة شديدة إلى سيرة بشر كامل تتخذ من حياته الأسوة العظمى، وليس في الدنيا إنسان كامل يعرف التاريخ سيرته على التفصيل كما يعرف تفاصيل حياة محمد ﷺ خاتم النبيين، فالناس كلهم في أمس الحاجة إلى أن يتخذوا من السيرة المحمدية منهاج حياتهم ففيها الأسوة الطاهرة، وهي الحياة المثالية للناس جميعاً، صلى الله عليه سلم.
* * *
(٥)
شرط الشمولية
قد توجد التاريخية في حياة بعض الناس، وقد يوجد شيء من الكمال في حياة هؤلاء، ولكن أن تكون حياتهم من الخصب والغنى بحيث تسع الناس زماناً ومكاناً - حيث إن هذا هو المطلوب في سيرة القدوة والهادي - فليس ذلك لأحد إلا لرسول الله ﷺ فقد اجتمع في سيرته التاريخية والكمال في التصرفات، والشمولية، حتى لتسع سيرته الزمان والمكان والأشخاص، بالقدوة والهداية، وهذا هو محور المحاضرة الخامسة.
يقول المؤلف:
ليس من الممكن أن يكون جميع الداخلين في دين من الأديان من طائفة بشرية واحدة، أو أن يكونوا من شعب إنساني واحد، لأن الدنيا قد قام بنيانها على التنوع في الأعمال والاختلاف في الأفعال، ولولا أن الناس مختلفون في مهنهم ومكاسبهم وأشغالهم ومعايشهم، وهم يتعاونون ويساعد بعضهم بعضاً، لخربت الدنيا.
ولابد للعالم من ملك أو رئيس جمهورية أو وال يتولى أمورهم العامة، وحاكم يحكم بينهم فيما يختلفون فيه. وكذلك لا تخلو الدنيا من رعية يرعى أمورهم رئيس، ومن محكومين يحكم فيهم حاكم، ومن خصوم يقضي بينهم قاض بالعدل، ليسود الأمان ويستتب