← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 18337

التبيان في أيمان القرآن - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (721 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

منه القرآنُ، ورَغْبَتُهُ فيما رغَّبَ فيه، وزُهْدُه فيما زهَّدَ فيه، وكراهته لما كَرِهَهُ، ومحبته لما أحبَّهُ، وسَعْيُهُ في تنفيذ أوامره، وتبليغِهِ، والجهادِ في إقامته. فترجَمَتْ أُمُّ المؤمنين - لكمال معرفتها بالقرآن وبالرسول ﷺ ، وحسن تعبيرها - عن هذا كلِّه بقولها: "كان خُلُقُهُ القرآنُ"، وفَهِمَ السائلُ عنها هذا المعنى، فاكتفى به واشتفى. وإذا كانت أخلاقُ العباد، وعلومُهم، وإراداتُهم (١)، وأعمالُهم مستفادةً من "القَلَمِ" وما يسطرون، وكان في خَلْقِ "القَلَم" والكتابة إنعامًا عليهم، وإحسانًا إليهم، إذ وَصَلُوا به إلى ذلك، فكيف ينكرون إنعامه وإحسانه على عبده ورسوله الذي أعطاه أعلى الأخلاقِ، وأفضلَ العلومِ، والأعمالِ، والإراداتِ، التي لا تهتدي العقول إلى تفاصيلها من غير قلمٍ ولا كتابةٍ؟! فهل هذا إلا من أعظم آيات نبوَّته، وشواهدِ صِدْقِ رسالته؟! وسيعلم أعداؤه المكذِّبون له أيُّهُم المفتون، هو أَمْ هم؟ وقد علموا - هُمْ والعُقَلاء - ذلك في الدنيا، ويزداد علمهم به في البَرْزخ، وينكشِفُ ويظهَرُ كلَّ الظهور في الآخرة، بحيث تتساوى أقدام الخلائق في العلم به. وقد اختُلِفَ في تقدير قوله: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦)﴾: فقال أبو عثمان المازني (٢): هو كلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، و"المَفْتُون" عنده

стр. 387

مصدرٌ، أي: بأيِّكم الفِتْنَة. والاستفهامُ عن أمرٍ دائِرٍ بين اثنين قد عُلِمَ انتفاؤه عن أحدهما قطعًا، فتعيَّنَ حصولُه للآخر (١). والجمهور على خلاف هذا التقدير، وهو عندهم متَّصِلٌ بما قبله، ثُمَّ لهم فيه أربعةُ أوجهٍ: أحدها: أنَّ "الباء" زائدةٌ، والمعنى: أَيُّكُم المَفْتُون. وزيدت في المبتدأ كما زيدت في قولك: بِحَسْبِكَ (٢) أن تفعل. قاله أبو عبيدة (٣). الثاني: أنَّ "المَفْتُون" بمعنى: الفتنة (٤)، أي: سَتُبْصِرُ ويُبْصِرُون

стр. 388

بأيِّكُم الفتنة، و"الباء" على هذا ليست بزائدة. قاله الأخفش (١). الثالث: أنَّ "المَفْتُون" مفعولٌ على بابه، ولكن هنا مضافٌ محذوفٌ تقديره: بأيِّكُم فُتُون المَفْتُون، وليست "الباء" زائدةً. قاله الأخفش (٢) أيضًا. الرابع: أنَّ "الباء" بمعنى "في"، والتقدير: في أَيِّ فريقٍ منكم النَّوع المفتون، و"الباء" على هذا ظرفية (٣). وهذه الأقوال كلُّها تكلُّفٌ ظاهِرٌ لا حاجة إلى شيءٍ منه، و ﴿فَسَتُبْصِرُ﴾ مضمَّنٌ (٤) معنى: تَشْعُرُ وتَعْلَمُ، فعُدِّيَ بـ "الباء"، كما تقول: ستشعر بكذا، وتَعْلَمُ به. قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)﴾ [العلق: ١٤]، وإذا دعاك اللفظ إلى (٥) المعنى من مكانٍ قريبٍ فلا تُجِبْ من دعاك إليه من مكانٍ بعيدٍ.

стр. 389

فصل ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٨٠]. ذكر - سبحانه - هذا القَسَمَ عقيب ذكر القيامة الكبرى، وأقسام الخَلْقِ فيها، ثُم ذكر الأدلَّةَ القاطعةَ على قدرته على المَعَاد بالنَّشْأة الأولَى، وإخراجِ النَّبَاتِ من الأرض، وإنزالِ الماء من السماء، وخَلْقِ النَّار. ثُمَّ ذكر بعد ذلك أحوال النَّاس في القيامة الصغرى عند مفارقة "الرُّوح" للبدن. وأقسَمَ بمواقع النُّجُوم على ثبوت القرآن، وأنَّه تنزيله. وقد اختُلِفَ في النُّجُوم التي أقسَم بمواقعها: فقيل: هي آيات القرآن، ومواقعها: نزولها شيئًا بعد شيء. هذا قول ابن عباس ﵄ في رواية عطاء، وقولُ: سعيد بن جبير، والكلبي، ومقاتل (١)، وقتادة. وقيل: النُّجُوم (٢) هي الكواكب، ومواقِعُها: مساقِطُها عند غروبها. هذا قول أبي عبيدة (٣) وغيره.

стр. 390

وقيل: مواقعها انْتِثَارُها وانْكِدَارُها يوم القيامة، وهذا قول الحسن. ومن حُجَّةِ هذا القول أنَّ لفظ "مواقع" يقتضيه، فإنَّه (مَفَاعِل) من الوقوع وهو السقوط، فَلِكُلِّ نجمٍ مَوْقعٌ، وجَمْعُها: مَوَاقع. ومن حُجَّةِ قول من قال: هي مَسَاقِطُها عند الغروب؛ أنَّ الرَّبَّ - تعالى - يُقْسِمُ بالنُّجُوم وطلوعها وجريانها وغروبها، إذ فيها وفي أحوالها الثلاث آيةٌ وعبرةٌ ودلالةٌ كما تقدم في قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾ [التكوير: ١٥، ١٦]، وقال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾ [النجم: ١]، وقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠]. ويرجِّحُ هذا القول - أيضًا - أنَّ النُّجُوم حيث وقعت في القرآن فالمراد منها: الكواكب، كقوله تعالى: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (٤٩)﴾ [الطور: ٤٩]، وقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. وعلى هذا فتكون المناسبة بين ذكر النُّجُوم في القَسَم، وبين المُقْسَم عليه - وهو القرآن - من وجوه: أحدها: أنَّ النُّجُوم جعلها الله يُهتَدَى بها في ظلمات البَرِّ والبحر، وآياتُ القرآن يُهتَدَى بها في ظلمات (١) الجهل والغَيِّ. فتلك هدايةٌ في الظلمات الحِسِّيَّة، وآياتُ القرآن هدايةٌ في الظلمات المعنويَّة، فجَمَعَ بين

стр. 391

الهدايتين. مَعَ ما في النُّجُوم من الزينة الظاهرة للعالم، وفي إنزال القرآن من الزينة الباطنة. ومَعَ ما في النُّجُوم من الرجوم للشياطين، وفي آيات القرآن من رجوم شياطين الإنس والجنِّ. والنُّجُومُ آياته المشهودة العِيَانِيَّة، والقرآنُ آياتُهُ المَتْلُوَّةُ السمعيَّةُ. مَعَ ما في مواقعها عند الغروب من العبرة والدلالة على آياته القرآنية ومواقعها عند النزول. ومن قَرَأَ "بموقع النُّجُوم" (١) على الإفراد، فَلِدلالة الواحد المضاف إلى الجَمْع على التعدُّد، و"الموقع": اسمُ جنْس، والمصادر إذا اختلفت جُمِعَت، وإذا كان النَّوع واحدًا أُفرِدَتْ، قالَ الله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان: ١٩]، فجَمَعَ الأصوات لتعدُّدِ النَّوع، وأَفرَدَ "صوت الحمير" لوحدته. فإفراد "موقع النُّجُوْم" لوحدة المضاف إليه، وتعدُّد المواقع لتعدُّده، إذ لكلِّ نجمٍ موقع. فصل والمُقْسَم عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾، ووقع الاعتراض بين القَسَم وجوابه بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾، ووقع الاعتراض بين الصفة والموصوف في جملة هذا الاعتراض بقوله

стр. 392

تعالى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾، فجاء هذا الاعتراض في ضمن هذا الاعتراض، ألْطَفَ شيءٍ وأحسَنَهُ موقعًا. وأحسن ما يقع هذا الاعتراض إذا تضمَّنَ تأكيدًا أو تنبيهًا أو احترازًا، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢)﴾ [الأعراف: ٤٢]، فاعترض بين المبتدأ والخبر بقوله: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ لما تضمَّنَهُ ذلك من الاحتراز الرافع (١) لِتَوَهُّمِ مُتَوَهِّمٍ: أنَّ الوعد إنَّما يستحقه من أتى بجميع الصالحات، فرفع ذلك بقوله: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. وهذا أحسن مِنْ قول مَنْ قال: "إنَّه أَخْبَرَ عن الذين آمنوا، ثُمَّ أخبر عنهم بخبرٍ آخر، فهما خبران عن مُخْبَرٍ واحدٍ"، فإنَّ عدم التكليف فوق الوسْع لا يَخْتَصُّ [بِـ] (٢) الذين آمنوا، بل هو حكمٌ شامِلٌ لجميع الخلق، مَعَ ما في هذا التقدير من إخلاء جملة الخبر عن الرابط، وتقدير صفةٍ محذوفةٍ - أي: نَفْسًا منهم -، وتعطيل هذه الفائدة الجليلة. ومن أَلْطَفِ الاعتراضِ وأحسَنِهِ قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧]، فاعترض بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ بين الجَعْلَين. وفوائد الاعتراض تختلف بحسب قَصْدِ المتكلِّم، وسياق الكلام، من قَصْدِ الاعتناء، والتقرير، والتوكيد، وتعظيم المُقْسَم به، والمخبر

стр. 393

عنه، ورفع تَوَهُّمِ خلاف المراد، والجواب عن سؤال مقدَّرٍ، وغير ذلك. فمن الاعتراض الذي يُقْصَدُ به التقرير والتوكيد قول الشاعر (١): لو أنَّ البَاخِلِينَ - وأنتِ مِنْهُمْ - … رَأَوكِ تعلَّمُوا (٢) مِنْكِ المِطَالا وممَّا يقصد به الجواب عن سُؤَالٍ مقدرٍ قول الآخر (٣): فلا هَجْرُهُ يبدُو - وفي اليأْسِ رَاحَةٌ - … ولا وَصْلُهُ يَصْفُو لنا فَنُكَارِمُه (٤) فقوله: "وفي اليأس راحةٌ" جوابٌ لتقدير سؤالِ سائلٍ: وما يُغْنِي عنكَ هجره؟ فقال: وفي اليأس راحةٌ، أي: المطلوب أحد أمرين: إمَّا يأسٌ مريحٌ، أو وِصَالٌ صَافٍ. ومن اعتراض (٥) الاحتراز قول الجعدي (٦): أَلَا زَعَمَتْ بَنُو جَعْدٍ بأَنِّي … - وقد كَذَبُوا - كبيرُ السِّنِّ فَانِي ومنه قول نُصَيْبٍ (٧):

стр. 394

فكِدْتُ - ولم أُخْلَقْ مِن الطَّيْرِ - إنْ بَدَا … سَنَا بَارِقٍ نحْوَ الحِجَازِ أَطِيرُ فقوله: "ولم أُخْلَق منِ الطير" لرفع استفهام يتوجَّهُ عليه على سبيل الإنكار لو قال: فكدتُ أَطِيرُ، فيقال له: وهل خُلِقْتَ من الطير؟ فاحترز بهذا الاعتراض. وعندي أنَّ هذا الاعتراضَ يُفِيدُ غيرَ هذا، وهو قوَّةُ شَوقِهِ ونُزُوعِهِ إلى أرض الحجاز، فأَخْبَر أنَّه كاد يطير على أنَّه أَبْعَدُ شيءٍ من الطيران، فإنَّه لم يُخْلَق من الطير، ولا عَجَبَ طيرانُ من خُلِق من الطير، وإنَّما العَجَبُ طيرانُ من لم يُخْلَق من الطير، لشدَّةِ نُزُوعه وشوقه إلى جهة محبوبه؛ فتَأمَّلْه. ومن مواقع الاعتراض: الاعتراضُ بالدعاء، كقول الشاعر (١): قد كنتُ أَبْكِي وأنتِ رَاضِيَةٌ … حِذَارَ هذا الصُّدُودِ والغَضَبِ إنْ تَمَّ ذَا الهَجْرُ يا ظَلُومُ - ولا … تَمَّ - فَمَا لِي في العَيْشِ من أَرَبِ وكقول الآخر (٢): إنَّ سُلَيْمَى - واللهُ يَكْلَؤُها - … ضَنَّتْ بشيءٍ ما كَانَ يَرْزَؤُها وكقول الآخر (٣):

стр. 395

إنَّ الثَّمانَينَ - وَبُلِّغْتَها - … قد أَحْوَجَتْ سَمْعِي إلى تَرْجُمَانْ ومنه الاعتراضُ بالقَسَم، كقوله (١): ذَاكَ الذي - وأبيكَ - يَعْرِفُ مالكًا … والحقُّ يَدْفَعُ تُرَّهَاتِ البَاطِلِ ومن الاعتراض: الاستعطافُ؛ كقوله (٢): فَمَنْ لِيَ بِالعَينِ الَّتي كُنْتَ مرَّةً … إليَّ بها - نَفْسِي فِدَاؤُكَ - تَنْظُرُ فاعترضَ بقوله: "نفسي فِدَاؤُك" استعطافًا. فتأملْ حُسْنَ الاعتراض وجزالته في قول الرَّبِّ ﵎: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١]، فقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ اعتراضٌ بين الشرط وجوابِه أفاد أمورًا: ١ - منها الجواب عن سؤالِ سائلٍ: ما حكمة هذا التبديل، وما فائدته؟ ٢ - ومنها أنَّ الذي بُدِّلَ وأُتِي بغيره مُنَزَّلٌ مُحْكَمٌ نزولُه قبل الإخبار بقولهم.

стр. 396

٣ - ومنها أنَّ مصدر الأمرين عن علمه ﵎، وأنَّ كلًّا منهما مُنَزَّلٌ فيجب التسليم والإيمان بالأوَّلِ والثاني. ومن الاعتراض الذي هو في أعلى درجات الحُسْن قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، فاعترض بذكر شأن حَمْلِهِ وَوَضْعِهِ بين الوصية والمُوصَى به، توكيدًا لأمر الوصية بالوالدة التي هذا شأنها، وتذكيرًا (١) لولدها بحقِّها، وما قاسَتْهُ من حَمْلِهِ وَوَضْعِهِ ممَّا لم يتكلَّفْهُ الأَبُ. ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ [البقرة: ٧٢، ٧٣]، فاعترض بقوله: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)﴾ (٢) بين الجُمَل المعطوف بعضها على بعض، إعلامًا بأنَّ تَدَارُؤَهم وتَدَافُعَهم في شأن القتيل ليس نافعًا لهم في كتمانه، فإنَّ الله يُظْهِرُهُ ولا بُدَّ. ولا تَسْتَطِلْ هذا الفَصْلَ وأمثالَهُ؛ فإنَّه يعطيك ميزانًا، وينهج لك طريقًا يعينك على فَهْمِ الكتاب، والله المستعان. فصل ثُمَّ قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾ [الواقعة: ٧٧]، فوَصَفَه بما يقتضي حُسْنَهُ، وكَثرةَ خَيرِهِ ومنافِعِهِ، وجَلَالَتَهُ؛ فإنَّ "الكريم" هو: البَهِيُّ، الكثيرُ الخيرِ، العظيمُ النفعِ، وهو من كلِّ شيءٍ أحسنُهُ

стр. 397

وأفضلُه (١). والله - سبحانه - وصف نفسَهُ بـ "الكَرَم"، ووصف به كلامه، ووصف به عرشه، ووصف به ما كَثُرَ خيره، وحَسُنَ مَنْظَرُه من النَّبَات وغيره (٢). وكذلك فسَّرَ السلفُ "الكريم" بـ: الحَسَن، قال الكلبي: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أي: حَسَنٌ كريمٌ على الله". وقال مقاتل: "كرَّمَهُ اللهُ وأعزَّهُ؛ لأنَّه كلامه" (٣). وقال الأزهري (٤): "الكريم: اسمٌ جامعٌ لما يُحْمَدُ، والله كريمٌ حميدُ الفِعَال. وإنَّه لقرآنٌ كريمٌ يُحْمَد، لما فيه من الهُدَى والبيان والعلم

стр. 398

والحكمة" (١). وبالجملة فـ "الكريمُ" الذي (٢) مِنْ شَأْنِهِ أن يُعْطِي الخير الكثير بسهولةٍ ويُسْرٍ، وضده "اللئيم" الذي لا يُسْتَخرج خيرُهُ النَّزْرُ إلا بِعُسْرٍ وصعوبةٍ. وكذلك الكريم في النَّاس واللئيم. فصل ثُمَّ قال تعالى: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)﴾ [الواقعة: ٧٨]، اختلف المفسِّرون في هذا (٣)، فقيل: هو اللوح المحفوظ (٤). والصحيح أنَّه الكتاب الذي بأيدي الملائكة (٥)، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ (٦) [عبس: ١٣ - ١٦].

стр. 399

قال مالك: "أحسن ما سمعت (١) في هذه الآية (٢) - يعني قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ - أنَّها مثل التي في "عَبَسَ": ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ " (٣). ويدلُّ على أنَّه الكتاب الذي بأيدي الملائكة قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾، فهذا يدلُّ على أنَّه (٤) بأيديهم يَمَسُّونَهُ. وهذا هو الصحيح في معنى الآية. ومن المفسِّرين من قال: إنَّ المراد به أنَّ المصحف لا يَمَسُّه إلا طاهرٌ (٥). والأوَّلُ أَرْجَحُ لوجوهٍ (٦): أحدها: أنَّ الآية سيقت تنزيهًا للقرآن أنْ تَنْزِلَ به الشياطين، وأنَّ مَحَلَّهُ لا يصل إليه فيمسَّهُ إلا المطهَّرون، فيستحيل على أَخَابِثِ خلق الله - وأنجسهم أن يصلوا إليه أو يَمَسُّوه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠، ٢١١]، فنفَى

стр. 400

الفعلَ وتأَتِّيه منهم، وقدرتَهم عليه، فما فعلوا ذلك ولا يليق بهم، ولا يقدرون عليه. فإنَّ الفعلَ قد ينتفي عمَّنْ يَحْسُنُ منه، وقد يليق بمن لا يقدر عليه، فنَفَى عنهم الأمور الثلاثة. وكذلك قوله - تعالى - في سورة "عبس": ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ [عبس: ١٣ - ١٦]، فوصَفَ مَحَلَّهُ بهذه الصفات بيانًا أن الشيطان لا يمكنه أن يتنزَّلَ به. وتقرير هذا المعنى أهمُّ وأجلُّ وأنفعُ من بيان كون المصحف لا يمسُّه إلا طاهرٌ. الوجه الثاني: أنَّ السورةَ مكِّيَّةٌ، والاعتناء في السُّوَرِ (١) المكَيَّةِ إنَّما هو بأصول الدِّين، من تقرير التوحيد، والمَعَاد، والنُّبوَّة. وأمَّا تقرير الأحكام والشرائع فمظِنَّتُهُ السُّوَرُ المدنيَّةُ. الثالث: أنَّ القرآنَ لم يكن في مُصْحَفٍ عند نزول هذه الآية، ولا في حياة رسول الله ﷺ ، وإنَّما جُمِعَ في المصحف في خلافة أبي بكر. وهذا وإنْ جازَ أن يكون باعتبار ما يأتي؛ فالظاهر أنَّه إخبارٌ بالواقع حال الإخبار، يوضِّحُهُ: الوجه الرابع: وهو قوله: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)﴾، و"المَكْنُون": المَصُون المَسْتُور (٢) عن الأعين الذي لا تناله أيدي (٣) البَشَر، كما قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ [الصافات: ٤٩]، وهكذا قال السلف.

стр. 401

قال الكلبي: "مَكْنُونٌ من الشياطين". وقال مقاتل: "مَسْتُور" (١). وقال مجاهد: "لا يصيبه ترابٌ ولا غُبَارٌ" (٢). وقال أبو إسحاق (٣): "مَصُونٌ في السماء" (٤)، يوضِّحُهُ: الوجه الخامس: أنَّ وَصْفَهُ بكونه "مكنونًا" (٥) نظير وَصْفِه بكونه "محفوظًا"، فقوله (٦) : ﴿لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)﴾ كقوله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾ [البروج: ٢١، ٢٢]، يوضِّحُهُ: الوجه السادس: أنَّ هذا أبلغُ في الردِّ على المكذِّبين، وأبلغُ في تعظيم القرآن من كون المصحف لا يمسُّهُ مُحْدِثٌ. الوجه السابع: قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ بالرَّفْع (٧)،

стр. 402

فهذا خبرٌ لفظًا ومعنىً، ولو كان نهيًا لكان مفتوحًا. ومن حَمَلَ الآية على النَّهْي احتاج إلى صرف الخبر عن ظاهره إلى معنى النَّهْي، والأصل في الخبر والنَّهْي حَمْلُ كُلٍّ منهما على حقيقته، وليس ها هنا مُوجِبٌ يُوجِبُ صَرْف الكلام عن الخبر إلى النَّهْي. الوجه الثامن: أنَّه قال: ﴿إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ ولم يقل: إلا المتطهِّرون. ولو أراد به مَنْعَ المُحْدِثِ من مَسِّهِ لَقَال: إلا المتطهِّرون، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وفي الحديث: "اللهُمَّ اجعَلْني من التوَّابين، واجعلني من المُتَطَهِّرين" (١)، فـ "المُتَطَهِّر" فاعِلُ التطهير، و"المُطَهَّر"

стр. 403

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 404

الذي طهَّرَهُ غيرُهُ، فالمتوضِّئُ متطهِّرٌ، والملائكةُ مطهَّرون. الوجه التاسع: أنَّه لو أُريد به المصحف الذي بأيدينا لم يكن في الإخبار عن كونه مَكْنُونًا كبيرُ (١) فائدةٍ، إذ مجرَّدُ كَونِ الكلام مكنونًا في كتابٍ لا يستلزم ثبوته، فكيف يُمدَح القرآن بكونه مكنونًا في كتابٍ؟ وهذا أمرٌ مشتركٌ، والآيةُ إنَّما سِيقت لبيان مدحه وتشريفه (٢)، وما اختصَّ به من الخصائص التي تدلُّ على أنَّه منزَّلٌ من عند الله، وأنَّه محفوظٌ مَصُونٌ لا يصل إليه شيطانٌ بوجهٍ ما، ولا يَمسُّ مَحَلَّهُ إلا المطهَّرون، وهم السَّفَرَةُ الكِرَامُ البَرَرَةُ. الوجه العاشر: ما رواه سعيد بن منصور في "سننه": حدثنا أبو الأَحْوَص، حدثنا عاصم الأحول، عن أنس بن مالك في قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ قال: "المطهَّرون: الملائكة" (٣). وهذا - عند طائفةٍ من أهل الحديث - في حكم المرفوع. قال الحاكم (٤): "تفسير الصحابة - عندنا - في حكم

стр. 405

المرفوع" (١)، ومن لم يجعله مرفوعًا فلا ريب أنَّه عنده أصحُّ من تفسير مَنْ بَعد الصحابة، والصحابةُ أعلم الأُمَّة بتفسير القرآن، ويجب الرجوع إلى تفسيرهم. وقال حرب (٢) في "مسائله": "سمعت إسحاق في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ قال: النُّسْخَةُ التي في السماء لا يمسُّها إلا

стр. 406

المطهَّرون. قال: الملائكة" (١). وسمعتُ شيخ الإسلام يقرِّرُ الاستدلالَ بالآية على أنَّ المصحف لا يمسُّه المُحْدِثُ بوجهٍ آخر (٢)، فقال: هذا من باب التنبيه والإشارة، وإذا كانت الصحف التي في السماء لا يمسُّها إلا المطهَّرون، فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسَّها إلا طاهِرٌ، والحديث مشتَقٌّ من هذه الآية، وهو قوله: "لا تَمسَّ القرآنَ إلا وأنتَ طاهِرٌ" رواه أهل "السنن " من حديث: الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جَدِّه: أنَّ في الكتاب الذي كتبه (٣) النبيُّ ﷺ إلى أهل اليمن في السُّنَنِ، والفرائضِ، والدِّيَاتِ: "أن لا يمسَّ القرآن إلا طاهر" (٤).

стр. 407

قال أحمد: "أرجو أن يكون صحيحًا" (١). وقال أيضًا: "لا أَشُكُّ أنَّ رسولَ الله ﷺ كَتَبَهُ". وقال أبو عمر (٢): "هو كتابٌ مشهورٌ عند أهل السِّيَر، معروفٌ عند أهل العلم معرفةً يُسْتَغنى بشهرتها عن الإسناد؛ لأنَّه أشبه التواتر في مجيئه، لتلقِّي النَّاس له بالقبول والمعرفة". ثُمَّ قال: "وهو كتابٌ معروفٌ عند العلماء، وما فيه فَمُتَّفَقٌ عليه إلا

стр. 408

قليلًا" (١). وقد رواه ابن حِبَّان في "صحيحه" (٢)، ومالك في "موطئه" (٣) وفي المسألة آثارٌ أُخَرُ مذكورةٌ في غير هذا الموضع. فصل ودلَّت الآيةُ - بإشارتها وإيمائها - على أنَّه لا يُدْرِك معانيه ولا يفهمه إلا القلوب الطاهرة، وحرامٌ على القلب المتلوِّث بنجاسة الباع والمخالفات أن ينال معانيه، وأن يفهمه كما ينبغي. قال البخاري في "صحيحه" (٤) في هذه الآية: "لا يجد طعمه إلا مَنْ آمَنَ به". وهذا - أيضًا - من إشارة الآية وتنبيهها، وهو أنَّه لا يَلْتَذُّ به وبقراءته وفهمه وتدبُّرِه إلا مَنْ شَهِدَ أنَّه كلام الله، تكلم به حقًّا، وأنزله على رسوله وحيًا، ولا ينال معانيه إلا من لم يكن في قلبه حَرَجٌ منه بوجهٍ من

стр. 409

الوجوه. فمن لم يؤمن بأنَّه حقٌّ من عند الله ففي قلبه منه أعظمُ (١) حرجٍ. ومن لم يؤمن بأنَّ الله - سبحانه - تكلَّم به حقًّا، وليس مخلوقًا من جملة مخلوقاته؛ ففي قلبه منه حَرَجٌ (٢). ومن قال: إنَّ (٣) له باطنًا يخالف ظاهره، وإنَّ له تأويلًا يخالف ما يُفْهَمُ منه؛ ففي قلبه منه حَرَجٌ (٤). ومن قال: إنَّ له تأويلًا لا نفهمه، ولا نعلمه، وإنَّما نتلوه مُتَعبِّدِين بألفاظه؛ ففي قلبه حَرَجٌ منه (٥). ومن سلَّط عليه آراء الآرائيين، وهذيان المتكلِّمين، وسَفْسَطَة المتسَفْسِطِين، وخيالات المُتَصوِّفين؛ ففي قلبه منه حَرَجٌ. ومن جعله تابعًا لنِحْلَتِهِ ومذهبه، وقول من قلَّده دينه، ينزِّلُه على أقواله، ويتكلَّفُ حمله عليها؛ ففي قلبه منه حَرَجٌ. ومن لم يُحَكِّمْهُ ظاهرًا وباطنًا في أصول الدِّين وفروعه، ويُسَلِّمْ وينقاد (٦) لِحُكْمه أين كان؛ ففي قلبه منه حَرَجٌ (٧).

стр. 410

ومن لم يأْتَمِرْ بأوامره، ويَنْزَجِرْ عن زواجره، ويُصَدِّقْ جميع أخباره، ويُحَكِّمْ أَمْرَهُ ونَهْيَهُ وخَبَرَهُ، ويَرُدَّ له كلِّ أمرٍ ونَهْيٍ وخبرٍ خالَفَهُ؛ ففي قلبه منه حَرَجٌ. وكلُّ هؤلاء لا تَمسُّ قلوبَهم معانيه، ولا يفهمونه كما ينبغي أن يُفْهَم، ولا يجدون من لذَّةِ حلاوته وطعمه ما وَجَدَهُ الصحابةُ ومن تَبِعَهُم (١). وأنتَ إذا تأمَّلْتَ قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]، وأعطيت الآية حقَّها من دلالة اللفظ، وإيمائه، وإشارته، وتنبيهه، وقياس الشيء على نظيره، واعتباره بمُشَاكِلِه، وتأمَّلْتَ المشابهة التي عَقَدَها الله - سبحانه - وربطها بين الظاهر والباطن = فَهِمْتَ هذه المعاني كلَّها من الآية، وبالله التوفيق. فصل ثُمَّ أكَّدَ ذلك وقرَّرَهُ وأطَّدَهُ بقوله : ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ [الواقعة: ٨٠]، وهذا كما أنَّه لازِمٌ لكونه قرآنًا كريمًا في كتابٍ مكنونٍ؛ فهو ملْزُومٌ له. فهو دليلٌ عليه، ومدلولٌ له. وأفاد كونه تنزيلًا من ربِّ العالمين مطلوبَين (٢) عظيمَين هما أَجَلُّ مَطَالب الدِّين:

стр. 411

أحدهما: أنَّه المتكلِّم به، وأنَّه منه نَزَل، ومنه بَدَأ، وهو الذي تكلَّم به. ومن هنا قال السلف: "منه بدأ". ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢]. والثاني: عُلُوُّ اللهِ - سبحانه - فوق خَلْقه، فإنَّ "النُّزُول" و"التنزيل" - الذي تعقله العقول وتعرفه الفِطَر - هو وصول الشيء من أَعْلَى إلى أسفل، والرَّبُّ - تعالى - إنَّما يخاطب عباده بما تعرفه فِطَرُهم، وتشهد به عقولهم. وذَكَر "التنزيل" مضافًا إلى ربوبيته للعالَمين المستلزِمة لملكه لهم، وتَصَرُّفِهِ فيهم، وحكمِهِ عليهم، وإحسانِهِ وإنعامِهِ عليهم، وأنَّ مَنْ هذا شَأْنُهُ مع الخَلْق كيف يليق به مع ربوبيته التامَّةِ أن يتركَهم سدىً، ويَدَعَهُم هَمَلًا، ويخلقَهم عبثًا، لا يأمرهم ولا ينهاهم، ولا يثيبهم ولا يعاقبهم. فمن أقرَّ بأنَّه ربُّ العالَمين؛ أقرَّ بأنَّ القرآن تنزيله على رسوله. واستَدَلَّ بكونه ربَّ العالَمين على ثبوتِ رسالة رسوله ﷺ ، وصحةِ ما جاء به. وهذا الاستدلال أقوى وأشرف من الاستدلال بالمعجزات والخوارق، وإن كانت دلالتها أقرب إلى أذهان عموم النَّاس، وتلك إنَّما تكون لخواصِّ العقلاء. وقد أشار - سبحانه - إلى الطريقين في غير موضع من كتابه، كقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣]، فهذا استدلالٌ بالآيات المُعَايَنَة المخلوقة، ثُمَّ قال: ﴿أَوَلَمْ

стр. 412

يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾، فهذا استدلالٌ (١) بكمال ربوبيته، وكمال أوصافه؛ على صدق رسوله فيما جاء به. وهذه الطريق أخصُّ، وأقوى، وأكمل، وأَعْلَى. والأُولَى (٢) أعمُّ وأشمل، وقد تقدَّم بيانها عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤)﴾ [الحاقة: ٤٤] (٣). وأين الاستدلال بأوصاف الرَّبِّ - تعالى - وكماله المقدَّس على ثبوت النَّبِيِّ (٤) وبعثه، من الاستدلال عليه ببعض مخلوقاته؟ وتأمَّلْ فَرْقَ ما بين استدلال (٥) سيدة نساء العالَمين خديجة ﵂ بصفات الرَّبِّ تعالى، وصفات محمد ﷺ ، واستنتاجها (٦) من بين هذين الأمرين صحة نبوَّته (٧)، وأنَّه رسول الله حقًّا، وأنَّ من كانت هذه صفاته فصفات ربِّهِ وخالقه تَأْبَى أن يُخْزِيَهُ، وأنَّه لا بُدَّ أن يؤيِّدَه، ويُعْلِيَهُ، ويُتِمَّ نعمته عليه (٨). وأنتَ إذا تأمَّلْتَ هذه الطريقةَ وهذا الاستدلالَ وجدتَ بينها وبين

стр. 413

طريقة المتكلِّمين من الفَرْق ما لا يخفى. وإذا حصل للعبد الفقه في الأسماء والصفات انتفع به في باب معرفة الحقِّ والباطل من الأقوال، والطرائق، والمذاهب، والعقائد = أعظمَ انتفاعٍ وأتمَّهُ. وقد بينَّا في كتابنا (١) "المَعَالم" (٢) بطلان التحليل وغيره من الحِيَل الربويَّة بأسماء الربِّ وصفاته، وأنَّه يستحيل على الحكيم أن يُحَرِّمَ الشيء ويتوعَّدَ (٣) على فعله بأعظم أنواع العقوبات، ثُمَّ يُبِيح التوصُّل إليه بنفسه بأنواع (٤) التحيُّلات. فأين ذلك الوعيد الشديد، وجواز التوصُّل إليه بالطريق البعيد؟! إذ ليست حكمة الرَّبِّ - تعالى - وكمال علمه وأسمائه وصفاته؛ تنتقض (٥) بإحالة ذلك وامتناعه عليه (٦). فهذا استدلالٌ بالفقه الأكبر في الأسماء والصفات (٧) على الفقه

стр. 414

العَمَليِّ في باب الأمر والنَّهْي. وهذا بابٌ حرامٌ على الجَهْميِّ المُعَطِّلِ أن يَلِجَهُ، وجَنَّةٌ حرامٌ عليه رِيحُها، وإنَّ ريحَها ليوجد من مسيرة خمسين ألف سنة. والله العزيز الوهَّاب، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وبه التوفيق. فصل ثُمَّ وبَّخَهُم - سبحانه - على وَضْعِهم الإدْهَانَ (١) في غير موضعه، وأنَّهم يُدَاهِنُون بما حَقُّه أن يُصْدَعَ به، ويُفَرَّقَ به، ويُعَضَّ عليه بالنَّواجذ، وتُثْنى عليه الخَنَاصِر، وتُعْقَدَ (٢) عليه القلوبُ والأفئدة، ويُحَارَبَ ويُسَالَمَ لأجله، ولا يُلْتَوَى عنه يَمْنَةً ولا يَسْرَةً، ولا يكون للقلب التفاتٌ إلى غيره، ولا محاكمةٌ إلا إليه، ولا مخاصمةٌ إلا به، ولا اهتداءٌ في طُرُق المطالب العالية إلا بنُوره، ولا شفاءٌ إلا به، فهو روحُ الوجود، وحياة العالم، ومدار السعادة، وقائدُ الفلاح، وطريقُ النَّجاة، وسبيلُ الرَّشاد، ونورُ البصائر، فكيف تُطْلَبُ المُدَاهَنَةُ بما هذا شأنه، ولم ينزل للمُدَاهَنة؟ وإنَّما أُنزل بالحقِّ وللحقِّ. والمُدَاهَنة إنَّما تكون في باطِلٍ قَوِيٍّ لا يمكن إزالته، أو في حَقٍّ ضعيفٍ لا يمكن إقامته، فيحتاج المداهِنُ إلى أنْ يترك بعض الحقِّ، ويلتزم بعض الباطل، فأمَّا الحقُّ الذي قام به كلُّ حَقٍّ فكيف يُدَاهن به؟ ثُمَّ قال سبحانه: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ [الواقعة: ٨٢]،

стр. 415

لمَّا كانَ قِوَام كلِّ واحدٍ من البدن والقلب إنَّما هو بالرِّزْق - فَرِزْقُ البدنِ: الطعامُ، والشرابُ. ورزْقُ القلب: الإيمانُ، والمعرفةُ بربِّه وفاطره، ومحبتُه، والشوقُ إليه، والأُنْسُ بقُرْبه، والابتهاجُ بذكره -، وكان لا حياة له إلا بذلك، كما أنَّ البدن لا حياة له إلا بالطعام والشراب = أَنْعَم الله - على عباده بهذين النَّوعَين من الرِّزْق، وجعل قيام أبدانهم وقلوبهم بهما. ثُمَّ فَاوَتَ - سبحانه - بينهم في قِسْمَة هذين الرِّزْقَين، بحسب ما اقتضاه علمه وحكمته؛ فمنهم من وُفِّرَ حظُّه من الرِّزْقَين، ووُسِّعَ عليه فيهما، ومنهم من قُتِّرَ عليه في الرِّزْقَين، ومنهم من وُسِّعَ عليه رزقُ البدن، وقُتِّرَ عليه رزقُ القلب، وبالعكس. وهذا الرِّزْق إنَّما يَتِمُّ ويَكْمُلُ بالشُّكْر. و"الشُّكْر" مادَّةُ زيادته، وسبب حفظه وبقائه، وترك الشُّكْر سبب زواله وانقطاعه عن العبد، فإنَّ الله - تعالى - تأذَّنَ أنَّه لا بُدَّ أن يزيد الشَّكُور من نعمه، ولا بُدَّ أنْ يَسْلُبَها مَنْ لم يشكرها. فلمَّا وضعوا الكفر والتكذيبَ موضع الشُّكْرِ والإيمان؛ جعلوا رزقَهم - نَفْسَهُ - تكذيبًا، فإنَّ التصديقَ والشُّكْرَ لمَّا كانا سبب زيادة الرِّزْق - وهما (١) رِزْقُ القلب حقيقةً -، فهؤلاء جعلوا مكانَ هذا الرِّزْق التكذيبَ والكفْرَ، فجعلوا رزقَهم التكذيب. وهذا المعنى هو الذي حَامَ حوله من قال: التقدير: وتجعلون شُكْرَ

стр. 416

رزقكم أنكم تكذِّبون (١). وقال آخرون (٢): التقدير: وتجعلون بَدَلَ شُكْرِ رزقكم أنكم تكذِّبون، فحَذَفَ مُضَافَين معًا. وهؤلاء أطالوا اللفظ، وقصَّروا بالمعنى. ومن بعض معنى الآية قولهم: "مُطِرْنَا بِنَوْءِ كذا وكذا" (٣)، فهذا

стр. 417

يصلح أن تدلَّ عليه الآية ويراد بها (١)، وإلا فمعناها أوسعُ منه وأعمُّ وأعلى. والله أعلم. فصل ثُمَّ خَتَم السورةَ بأحوالهم عند القيامة الصغرى، كما ذكر في أوَّلها أحوالَهم في القيامة الكبرى، وقسَّمَهم إلى ثلاثة أقسامٍ كما قسَّمهم هناك إلى ثلاثة أقسام. وذكر بين يدي هذا التقسيم الاستدلال على صحته وثبوته، بأنَّهم مَرْبُوبُون مُدَبَّرُون مملُوكُون، فوقهم ربٌّ قاهِرٌ مالِكٌ يتصرَّف فيهم

стр. 418

بحسب مشيئته وإرادته، وقرَّرهم (١) على ذلك بما لا سبيل لهم إلى دفعه ولا إنكاره فقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣)﴾ [الواقعة: ٨٣]، أي: وصلت "الرُّوح" إلى هذا الموضع، بحيث فارَقَتْ ولم تُفَارِق، فهي في برزخٍ بين الموت والحياة، كما أنَّها إذا فارَقَتْ صارت في برزخٍ بين الدنيا والآخرة، وملائكةُ الرَّبِّ ﵎ أقربُ إلى المُحْتَضَرِ من حاضريه من الإنس، ولكنَّهم لا يبصرونهم، فلولا تردُّونها إلى مكانها من البدن أيُّها الحاضرون، إنْ كان الأمر كما تزعمون أنكم غيرُ مَجْزِيِّين ولا مَدِينين، ولا مبعوثين (٢) ليوم الحساب. فإن قيل: أيُّ ارتباطٍ بين هذين الأمرين حتَّى يُلازِمَ بينهما؟ قيل: هذا من أحسن الاستدلال وأَبْلَغِهِ، فإنَّهم إمَّا أنْ يُقِرُّوا بأنَّهم مملوكون مَرْبُوبُون عبيدٌ لمالكٍ، قادِرٍ، مُتَصرِّفٍ فيهم، قاهرٍ، آمِرٍ لهم، نَاهٍ؛ أو لا يُقِرُّون بذلك. فإنْ أقرُّوا به لزِمَهُم القيامُ بحقِّه عليهم، وشُكْرِه، وتعظيمِهِ، وإجلاله، وأن لا يجعلوا له نِدًّا، ولا شريكًا، وهذا هو الذي جاءهم به رسولُه (٣)، ونزل عليهم به كتابُه. وإنْ أنكروا ذلك وقالوا: إنَّهم ليسوا بعبيدٍ، ولا مملوكين، ولا مَرْبُوبين، وإنَّ الأمر إليهم؛ فَهَلَّا يردُّون الأرواحَ إلى مقارِّها (٤) إذا بلغت

стр. 419

الحلقوم؟ فإنَّ المتصرِّفَ في نفسه، الحاكِمَ على روحه؛ لا يمتنع منه ذلك، بخلاف المحكومِ عليه، المتصرِّفِ فيه غيرُه، المُدَبِّرِ له سواهُ، الذي هو عبدٌ مملوكٌ من جميع الجهات. وهذا الاستدلال لا محيدَ عنه، ولا مَدْفَعَ له، ومن أعطاه حقَّهُ من التقرير والبيان انتفع به غاية النَّفْع، وانقاد لأجله للعبودية وأَذْعَنَ، ولم يَسَعْهُ غير التسليم للربوبية والإلهية، والإقرار بالعبودية. وللهِ ما أحسن جَزَالةَ هذه الألفاظ وفصاحَتَها، وبلوغَها أقصى مراتب البلاغة والفصاحة، مع الاختصار التامِّ، وندائها إلى معناها من أقرب مكان، واشتمالها على التوبيخ والتقرير والإلزام، ودلائلِ الربوبية، والتوحيد، والبعث، وفصْلِ النزاع في معرفة "الرُّوح" وأنَّها تَصْعَدُ، وتَنْزِلُ، وتنتقلُ من مكانٍ إلى مكانٍ. وما أحسن إعادة "لولا" ثانيًا قبل ذكر الفعل الذي يقتضيه الأوَّل، وجَعْلِ الحرفين يقتضيانه اقتضاءً واحدًا، وذِكْرِ الشرط بين "لولا" الثانية وما تقتضيه من الفعل، ثُمَّ الموالاة بين الشرط الأوَّل والثاني، مع الفَصْل بينهما بكلمةٍ واحدةٍ هي الرابطة بين "لولا" الأُولَى والثانية، والشرط الأوَّل والثاني، وهذا تركيبٌ يَسْجُدُ العقل والسمع لمعناه ولفظه. فتضمَّنت الآيتان تقريرًا، وتوبيخًا، واستدلالًا على أصول الإيمان: من وجودِ الخالق - سبحانه - وكمالِ قدرته، ونُفُوذِ (١) مشيئته، وربوبيته، وتصرُّفِهِ في أرواح عباده، حيث لا يقدرون على التصرُّفِ فيها

стр. 420

بشيءٍ، وأنَّ أرواحَهم بيده، يذهبُ بها إذا شاء، ويردُّها إليهم إذا شاء، ويُخْلِي أبدانهم منها تارةً، ويجمع بينها وبينها تارةً، وإثباتِ المَعَاد، وصدقِ رسوله فيما أخبر به عنه، وإثباتِ ملائكته (١)، وتقريرِ عبودية الخلق. وأتى بهذا في صورة تَحْضِيضَين، وتَوْبِيخَين، وتَقْرِيرَين، وجَوَابَين، وشَرْطَين، وجَزَاءَين، منتظِمَةً أحسن الانتظام، ومتداخلةً أحسن التداخل، متعلِّقًا بعضُها ببعض. وهذا كلامٌ لا يقدر البشر على مثل نظمه ومعناه. قال الفرَّاء: "وأُجِيبَتْ ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ﴾ و ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦)﴾ بجوابٍ وَاحدٍ وهو: ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾ "، قال: "ومثله قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾ [البقرة: ٣٨] أُجيبا بجوابٍ واحدٍ، وهما شرطان (٢) " (٣). وقال الجُرْجَانيُّ: "قوله تعالى: ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾ جوابٌ لقوله: ﴿فَلَوْلَا﴾ المتقدِّمة والمتأخِّرة، على تأويل: فلولا إذا بلغت النَّفْسُ الحلقومَ تردُّونها إلى موضعها إن كنتم غير محاسبين ولا مجزيين كما تزعمون؟ يقول تعالى: إن كان الأمر كما تزعمون أنَّه لا بعثَ، ولا حسابَ، ولا جزاءَ، ولا إلهَ، ولا ربَّ يقوم بذلك، فهلَّا تردُّون نَفْسَ من يَعِزُّ عليكم إذا بلغت الحلقوم؟ فإذ لم يُمْكِنْكُم في ذلك حِيلة بوجهٍ من الوجوه، فهلَّا دلَّكُم ذلك على أنَّ الأمر إلى مليكٍ، قادرٍ، قاهرٍ، متصرِّفٍ

стр. 421

فيكم، وهو الله الذي لا إله إلا هو؟ " (١). وقال أبو إسحاق: "معناه: فهلَّا تَرجِعُون "الرُّوح" إن كنتم غير مملوكين مدبَّرين؛ فهلَّا إن كان الأمر كما زعمتم فيما يقول قائلكم: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨]، و ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]، أي: إنْ كنتم تقدرون أن تُؤَخِّروا أَجَلًا؛ فهلَّا تَرجِعُون "الرُّوح" إذا بلغت الحلقوم؟ وهلَّا تَدْرَؤُون عن أنفسكم الموت" (٢). قلتُ: وكأنَّ هذا يلتفت إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٠، ٥١]؛ أي: إنْ كنتم كما تزعمون لا تُبعَثُون بعد الموت خَلْقًا جديدًا، فكونوا خلقًا لا يفنى ولا يَبْلَى، إمَّا من حجارةٍ، أو من حديدٍ، أو أكبر من ذلك. ووجه الملازَمة ما (٣) تقدَّمَ ذكره، وهو إمَّا أنْ تُقِرُّوا بأنَّ لكم ربًّا متصرِّفًا فيكم، مالكًا لكم، تَنْفُذُ فيكم مشيئَتُهُ، وبقدرتِهِ يميتكم إذا شاء، ويُحييكم إذا شاء، فكيف تنكرون قدرته على إعادتكم خلقًا جديدًا (٤) بعدما أماتكم؟ وإمَّا أن تُنْكِرُوا أن يكون لكم ربٌّ قادرٌ، قاهرٌ، مالكٌ، نافِذُ المشيئة والقدرة فيكم؛ فكونوا خَلْقًا لا يقبل الفناء والموت، فإذا لم تستطيعوا أن تكونوا كذلك فما تنكرون مِن قدرة مَنْ جَعَلَكُم خلقًا يموتُ ويحيا؛ أن يُحييكم بعدما أماتكم؟

стр. 422

فهذا استدلالٌ يُعجِزُهم عن كونهم خَلْقًا لا يموت، والذي في "الواقعة" استدلالٌ يُعجِزُهم عن رَدِّ "الرُّوح" إلى مكانها إذا قاربت الموت، وليس بعد هذا الاستدلال إلا الإذعان والانقياد، أو الكفر والعناد. فصل فلمَّا قام الدليل، ووضح السبيل، وتَمَّ البرهان على أنَّهم مملوكُون، مَرْبُوبُون، مجزيُّون، محاسبون = ذكر طبقاتهم عند الحشر الأوَّل، والقيامة الصغرى. وهي ثلاثةٌ: ١ - طبقةُ المُقَرَّبين. ٢ - وطبقةُ أصحاب اليمين. ٣ - وطبقةُ المكذِّبين. فجعل تحيَّة المقرَّبين عند الموافاة: الرَّوْحَ، والريحانَ، والجنَّةَ. وهذه الكرامات الثلاث التي يُعْطَونها بعد الموت نظير الثلاثة التي يُعْطَونَها يوم القيامة. فـ "الرَّوْحُ": الفَرَحُ، والسرورُ، والابتهاجُ، ولذَّة الرُّوحِ، فهي كلمةٌ جامعةٌ لنعيم "الرُّوحِ" ولذَّتِها، وذلك قُوَّتُها وغذاؤها. و"الرَّيْحَانُ": الرِّزْقُ، وهو الأكلُ والشرب. و"الجنَّةُ": المَسْكَنُ الجامعُ لذلك كلِّه. فَيُعطَون هذه الثلاثةَ في البرزخ، وفي المَعَاد الثاني.

стр. 423

ثُمَّ ذكر الطبقة الثانية، وهي طبقة أصحاب اليمين. ولمَّا كانوا دون المقرَّبين في المرتبة جعلَ تحيَّتَهم عند القُدُوم عليه السلامةَ من الآفات والشرور التي تحصل للمكذِّبين الضَّالِّين فقال تعالى: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١)﴾ [الواقعة: ٩٠، ٩١]. و"السَّلَام": مصدر من سَلِمَ، أي: فَلَكَ السلامةُ. والخطاب له نفسه، أي يُقَالُ له (١): لَكَ السلامة، كما يقال للقادم: لَكَ الهَنَاءُ، ولَكَ السَّلَامةُ (٢)، ولَكَ البُشْرَى، ونحوَ ذلك من الألفاظ. كما يقولون: خير مَقْدَمٍ، ونحوَ ذلك، فهذه تحيَّتُه عند اللقاء. قال مقاتل: "يُسَلِّمُ اللهُ لهم (٣) أمرَهم، بِتَجَاوزِه عن سيئاتهم، وتقَبُّلهِ حسناتهم" (٤). وقال الكلبي: "يُسَلِّمُ عَليه أهلُ الجنَّة، ويقولون: السلامةُ لَكَ" (٥). وعلى هذا فقوله: ﴿مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١)﴾، أي: هذه التحيَّة حاصلةٌ لك من إخوانك أصحاب اليمين، فإنَّه إذا قَدِمَ عليهم حَيَّوْهُ بهذه التحيَّة، وقالوا: السلامةُ لك.

стр. 424

وفي الآية أقوالٌ أُخَر، فيها تكلُّفٌ وتعسُّفٌ، فلا حاجة إلى ذكرها (١). ثُمَّ ذكر الطبقة الثالثة، وهي طبقةُ الضَّالِّ في نفسه، المكذِّبِ لأهل الحقِّ، وإنَّ له عند الموافاة (٢) نُزُل الحميم، وسُكْنَى الجحيم. ثُمَّ أكَّدَ هذا الخبر بما جعله كأنَّه رأي العين لمن آمن بالله ورسوله فقال : ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥)﴾ [الواقعة: ٩٥]، فرفَعَ شَأْنَهُ عن درجة الظَّنِّ إلى العلم، وعن درجة العلم (٣) إلى اليقين، وعن درجة اليقين إلى حَقِّهِ (٤). ثُمَّ أمره أن يُنَزِّهَ اسمَهُ ﵎ عمَّا لا يليق به، وتنزيه الاسم متضمِّنٌ لتنزيه المُسَمَّى عمَّا يقوله الكاذبون والجاحدون.

стр. 425

فصل ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ [النجم: ١ - ٣]. أقسَمَ - سبحانه - بالنَّجْم عند هُوِيِّهِ على تنزيه رسوله، وبراءته ممَّا نسبه إليه أعداؤه من الضلالِ والغَيِّ. واختلف النَّاس في المراد بـ "النَّجْم": فقال الكلبي، عن ابن عباس: "أقسَمَ بالقرآن إذا نزل مُنَجَّمًا (١) على رسوله: أربع آياتٍ، وثلاث آياتٍ (٢)، والسورة، وكان بين أوَّله وآخره عشرون سنة". وكذلك روى عطاء عنه، وهو قول: مقاتل (٣)، والضحَّاك، ومجاهد (٤).
следующие страницы →