← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 18337

التبيان في أيمان القرآن - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (721 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

فيكم، وهو الله الذي لا إله إلا هو؟ " (١). وقال أبو إسحاق: "معناه: فهلَّا تَرجِعُون "الرُّوح" إن كنتم غير مملوكين مدبَّرين؛ فهلَّا إن كان الأمر كما زعمتم فيما يقول قائلكم: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨]، و ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]، أي: إنْ كنتم تقدرون أن تُؤَخِّروا أَجَلًا؛ فهلَّا تَرجِعُون "الرُّوح" إذا بلغت الحلقوم؟ وهلَّا تَدْرَؤُون عن أنفسكم الموت" (٢). قلتُ: وكأنَّ هذا يلتفت إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٠، ٥١]؛ أي: إنْ كنتم كما تزعمون لا تُبعَثُون بعد الموت خَلْقًا جديدًا، فكونوا خلقًا لا يفنى ولا يَبْلَى، إمَّا من حجارةٍ، أو من حديدٍ، أو أكبر من ذلك. ووجه الملازَمة ما (٣) تقدَّمَ ذكره، وهو إمَّا أنْ تُقِرُّوا بأنَّ لكم ربًّا متصرِّفًا فيكم، مالكًا لكم، تَنْفُذُ فيكم مشيئَتُهُ، وبقدرتِهِ يميتكم إذا شاء، ويُحييكم إذا شاء، فكيف تنكرون قدرته على إعادتكم خلقًا جديدًا (٤) بعدما أماتكم؟ وإمَّا أن تُنْكِرُوا أن يكون لكم ربٌّ قادرٌ، قاهرٌ، مالكٌ، نافِذُ المشيئة والقدرة فيكم؛ فكونوا خَلْقًا لا يقبل الفناء والموت، فإذا لم تستطيعوا أن تكونوا كذلك فما تنكرون مِن قدرة مَنْ جَعَلَكُم خلقًا يموتُ ويحيا؛ أن يُحييكم بعدما أماتكم؟

стр. 422

فهذا استدلالٌ يُعجِزُهم عن كونهم خَلْقًا لا يموت، والذي في "الواقعة" استدلالٌ يُعجِزُهم عن رَدِّ "الرُّوح" إلى مكانها إذا قاربت الموت، وليس بعد هذا الاستدلال إلا الإذعان والانقياد، أو الكفر والعناد. فصل فلمَّا قام الدليل، ووضح السبيل، وتَمَّ البرهان على أنَّهم مملوكُون، مَرْبُوبُون، مجزيُّون، محاسبون = ذكر طبقاتهم عند الحشر الأوَّل، والقيامة الصغرى. وهي ثلاثةٌ: ١ - طبقةُ المُقَرَّبين. ٢ - وطبقةُ أصحاب اليمين. ٣ - وطبقةُ المكذِّبين. فجعل تحيَّة المقرَّبين عند الموافاة: الرَّوْحَ، والريحانَ، والجنَّةَ. وهذه الكرامات الثلاث التي يُعْطَونها بعد الموت نظير الثلاثة التي يُعْطَونَها يوم القيامة. فـ "الرَّوْحُ": الفَرَحُ، والسرورُ، والابتهاجُ، ولذَّة الرُّوحِ، فهي كلمةٌ جامعةٌ لنعيم "الرُّوحِ" ولذَّتِها، وذلك قُوَّتُها وغذاؤها. و"الرَّيْحَانُ": الرِّزْقُ، وهو الأكلُ والشرب. و"الجنَّةُ": المَسْكَنُ الجامعُ لذلك كلِّه. فَيُعطَون هذه الثلاثةَ في البرزخ، وفي المَعَاد الثاني.

стр. 423

ثُمَّ ذكر الطبقة الثانية، وهي طبقة أصحاب اليمين. ولمَّا كانوا دون المقرَّبين في المرتبة جعلَ تحيَّتَهم عند القُدُوم عليه السلامةَ من الآفات والشرور التي تحصل للمكذِّبين الضَّالِّين فقال تعالى: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١)﴾ [الواقعة: ٩٠، ٩١]. و"السَّلَام": مصدر من سَلِمَ، أي: فَلَكَ السلامةُ. والخطاب له نفسه، أي يُقَالُ له (١): لَكَ السلامة، كما يقال للقادم: لَكَ الهَنَاءُ، ولَكَ السَّلَامةُ (٢)، ولَكَ البُشْرَى، ونحوَ ذلك من الألفاظ. كما يقولون: خير مَقْدَمٍ، ونحوَ ذلك، فهذه تحيَّتُه عند اللقاء. قال مقاتل: "يُسَلِّمُ اللهُ لهم (٣) أمرَهم، بِتَجَاوزِه عن سيئاتهم، وتقَبُّلهِ حسناتهم" (٤). وقال الكلبي: "يُسَلِّمُ عَليه أهلُ الجنَّة، ويقولون: السلامةُ لَكَ" (٥). وعلى هذا فقوله: ﴿مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١)﴾، أي: هذه التحيَّة حاصلةٌ لك من إخوانك أصحاب اليمين، فإنَّه إذا قَدِمَ عليهم حَيَّوْهُ بهذه التحيَّة، وقالوا: السلامةُ لك.

стр. 424

وفي الآية أقوالٌ أُخَر، فيها تكلُّفٌ وتعسُّفٌ، فلا حاجة إلى ذكرها (١). ثُمَّ ذكر الطبقة الثالثة، وهي طبقةُ الضَّالِّ في نفسه، المكذِّبِ لأهل الحقِّ، وإنَّ له عند الموافاة (٢) نُزُل الحميم، وسُكْنَى الجحيم. ثُمَّ أكَّدَ هذا الخبر بما جعله كأنَّه رأي العين لمن آمن بالله ورسوله فقال : ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥)﴾ [الواقعة: ٩٥]، فرفَعَ شَأْنَهُ عن درجة الظَّنِّ إلى العلم، وعن درجة العلم (٣) إلى اليقين، وعن درجة اليقين إلى حَقِّهِ (٤). ثُمَّ أمره أن يُنَزِّهَ اسمَهُ ﵎ عمَّا لا يليق به، وتنزيه الاسم متضمِّنٌ لتنزيه المُسَمَّى عمَّا يقوله الكاذبون والجاحدون.

стр. 425

فصل ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ [النجم: ١ - ٣]. أقسَمَ - سبحانه - بالنَّجْم عند هُوِيِّهِ على تنزيه رسوله، وبراءته ممَّا نسبه إليه أعداؤه من الضلالِ والغَيِّ. واختلف النَّاس في المراد بـ "النَّجْم": فقال الكلبي، عن ابن عباس: "أقسَمَ بالقرآن إذا نزل مُنَجَّمًا (١) على رسوله: أربع آياتٍ، وثلاث آياتٍ (٢)، والسورة، وكان بين أوَّله وآخره عشرون سنة". وكذلك روى عطاء عنه، وهو قول: مقاتل (٣)، والضحَّاك، ومجاهد (٤).

стр. 426

واختاره الفرَّاء (١). وعلى هذا فَسُمِّيَ القرآنُ "نَجْمًا"؛ لتفرُّقِهِ في النزول، والعرب تُسمِّي التفرُّقَ: تَنَجُّمًا، والمفرَّقَ: مُنَجَّمًا. ونُجُوم الكتابَةِ: أَقْسَاطُها، وتقول: جعلتُ مالي على فلانٍ نجومًا منجَّمَةً كلَّ نجمٍ كذا وكذا. وأصل هذا أنَّ العرب كانت تجعل مطالعَ منازل القمر ومساقطَها مواقيتَ لِحُلُول دُيُونها وآجالها، فيقولون: إذا طلع النَّجمُ - يريدون (٢) "الثُّرَيَّا" - حَلَّ عليك الدَّينُ. ومنه قول زهير (٣) في ديةٍ جُعِلَت نجومًا على العاقلة: يُنَجِّمُها قَومٌ لِقَومٍ غَرَامَةً … ولم يُهَرِيقُوا بَينَهُمْ مِلْءَ مِحْجَمِ ثُمَّ جُعِلَ كلُّ تنجُّمٍ (٤) تفريقًا؛ وإن لم يكن موقَّتًا بطلوع نجم. وقوله تعالى: ﴿هَوَى (١)﴾ - على هذا القول - أي: نَزَلَ من عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ. قال أبو زيد (٥): "هَوَتِ العُقَابُ تَهْوِي هَوِيًّا - بفتح الهاء -: إذا

стр. 427

انقضَّتْ على صيدٍ أو غيره" (١). وكذلك قال ابن الأعرابي، وفرَّقَ بين "الهَوِيّ" و"الهُوِيّ" - بفتح الهاء وضمِّها -، وقال: "الفتحُ في السريع إلى أسفل، والضمُّ: في السريع إلى فوق" (٢)، ثُمَّ أنشد شاهدًا لقوله: والدَّلْوُ في إصْعَادِها (٣) عَجْلَى الهُوِيّ وقال الليث: "العامَّةُ تقول: الهُوِيّ - بالضمِّ - في مصدر: هَوَى يَهْوِي" (٤). وكذلك قال الأصمعي: "هَوَى يهْوِي هَويًّا - بفتح الهاء -: إذا سقط إلى أسفل"، قال: "وكذلك الهَوِيُّ في السَّيْرِ: إذا

стр. 428

مَضَى" (١). وهاهنا أمرٌ يجب التنبيه عليه غَلِطَ فيه أبو محمد بن حزم أقبحَ غَلَطٍ، فذكر في أسماء الرَّبِّ -تعالى -: الهَوِي (٢) - بفتح الهاء -، واحتجَّ بما في "الصحيح" من حديث عائشة: "أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يقول في سجوده: "سُبْحَانَ ربِّي الأَعْلَى" الهَوِيّ" (٣). فظنَّ أبو محمد أنَّ

стр. 429

"الهَوِيَّ" صفةٌ للرَّبِّ؛ وهذا من غلطه ﵀، وإنَّما "الهَوِيّ" على وزن "فَعِيل": اسمٌ لقطعةٍ من الليل. يقال: مَضَى (١) هَوِيٌّ من الليل - على وزن "فَعِيل" -، ومَضَى هَزِيعٌ منه؛ أي: طَرَفٌ وجانبٌ (٢). فكان يقول: "سُبْحَانَ ربِّي الأَعْلَى" في قطعةٍ من الليل وجانبٍ منه. وقد صرَّحَتْ بذلك في اللفظ الآخر، فقالت: "كان يقول: "سُبْحَانَ رَبِّي الأَعْلَى" الهَوِيَّ من الليل" (٣). عُدْنَا إلى قوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾: وقال ابن عباس - في رواية علي بن أبي طلحة، وعطية -: "يعني: "الثُّرَيَّا" إذا سقَطَتْ وغَابَتْ". وهو الرواية الأخرى عن مجاهد (٤). والعرب إذا أطلقت "النَّجْم" تعني به: "الثُرَيَّا" (٥)،

стр. 430

قال (١): فباتَتْ تَعُدُّ النَّجْمَ … (٢) وقال أبو حمزة الثُّمَالي (٣): "يعني: النُّجُوم إذا انْتَثَرَتْ يوم القيامة" (٤). وقال ابن عباس - في رواية عكرمة -: "يعني: النُّجُوم التي تُرْمَى بها الشياطينُ إذا سقطت في آثارها عند استراق السمع".

стр. 431

وهذا قول الحسن (١)، وهو أظهر الأقوال. ويكون - سبحانه - قد أقسَمَ بهذه الآية الظاهرة المشاهَدَة، التي نَصَبَها الله - سبحانه - آيةً، وحِفْظًا للوحي من استراق الشياطين له؛ على أنَّ ما أتى به رسولُه حقٌّ وصِدْقٌ، لا سبيل للشيطان ولا طريقَ له إليه، بل قد حُرِسَ بـ "النَّجْم" إذا هَوَى؛ رَصْدًا بين يدي الوحي، وحرسًا له. وعلى هذا فالارتباط بين المُقْسَمِ به والمُقْسَمِ عليه في غاية الظهور، وفي المُقْسَمِ به دليلٌ على المُقْسَمِ عليه. وليس بالبَيِّن تسمية القرآن عند نزوله بـ: النَّجْم إذا هَوَى، ولا تسمية نزوله: هويًّا، ولا عُهِد في القرآن بذلك فيُحْمَل هذا اللفظ عليه. وليس بالبَيِّن - أيضًا - تخصيصُ هذا القَسَم بـ "الثُّرَيَّا" وحدها إذا غَابَتْ. وليس بالبَيِّنِ - أيضًا - القَسَمُ بالنُّجُوم (٢) عند انتثارها يوم القيامة، بل هذا ممَّا يُقْسِمُ الرَّبُّ عليه، ويدلُّ عليه بآياته، فلا يجعله نفسَهُ دليلًا، لعدم ظهوره للمخاطَبِين، ولاسيما منكرو البعث، فإنَّه - سبحانه - إنَّما يستدِلُّ بما لا يمكنَ جَحْدُه، ولا المكابرة فيه. فأظهر الأقوال قول الحسن. والله أعلم.

стр. 432

وبين المُقْسَم به والمُقْسَم عليه من التناسب ما لا يخفى؛ فإنَّ النُّجُومَ التي تُرمَى بها الشياطين آياتٌ من (١) آياتِ الله، يَحْفَظُ بها دينَهُ، ووحيَهُ، وآياته المنزَّلة على رسوله، فَبِها ظهر دينُهُ، وشرعُهُ، وأسماؤُهُ، وصفاتُهُ، وجُعِلَتْ هذه النُّجُومُ المشاهَدة خَدَمًا وحرسًا لهذه النُّجُوم الهادية. ونَفَى - سبحانه - عن رسوله الضلالَ المنافي للهُدَى، والغَيَّ المنافي للرَّشَاد. ففي ضمن هذا النَّفْي الشهادة له بأنَّه على الهُدَى والرُّشْد، فالهُدَى في عِلْمِهِ، والرُّشْد في عَمَلِهِ. وهذان الأصلان هما غاية كمال العبد، وبهما سعادته وفلاحه. وبهما وصَفَ النبيُّ ﷺ خلفاءَهُ؛ فقال: "عليكم بِسُنَّتَي وسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدين المَهْدِيِّين مِنْ بعدي" (٢). فالرَّاشِد ضِدُّ الغاوي، والمَهْديُّ ضِدُّ الضَّالِّ، وهو الذي زَكَتْ نَفْسُهُ بالعلم النَّافع والعمل الصالح، وهو صاحب الهُدَى ودينِ الحقِّ،

стр. 433

ولا يشتبه الرَّاشدُ المَهْديُّ بالضَّالِّ الغاوي إلا على أجهل خلق الله، وأعماهم قلبًا، وأَبْعَدِهم من حقيقة الإنسانية. ولله درُّ القائل: وما انْتِفَاعُ أَخِي الدُّنْيا بِنَاظِرِهِ … إذا اسْتَوَتْ عندَهُ الأَنْوَارُ والظُّلَمُ (١) فالنَّاسُ أربعة أقسام: ضالٌّ في علمه، غاوٍ في قصده وعمله. وهؤلاء شرار الخلق، وهم مخالفو الرُّسُل. الثاني: مُهْتَدٍ في علمه، غاوٍ في قصده وعمله. وهؤلاء هم الأُمَّةُ الغَضَبِيَّةُ (٢) ومن تشبَّهَ بهم، وهو حال كلِّ من عرف الحقَّ ولم يعمل به. الثالث: ضالٌّ في علمه، ولكن قصده الخير، وهو لا يشعر. الرابع: مُهْتَدٍ في علمه، راشِدٌ في قصده. وهؤلاء ورثة الأنبياء، وهم وان كانوا الأَقلِّين عددًا فهم الأكثرون عند الله قَدْرًا، وهم صفوةُ الله من عباده، وحِزْبُهُ (٣) من خلقه. وتأمَّلْ كيف قال سبحانه: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾، ولم يقل: ما ضَلَّ محمدٌ؛ تأكيدًا لإقامة الحُجَّة عليهم، بأنَّه صاحبهم، وهم أعلم الخلق به وبحاله، وأقواله، وأعماله، وأنَّهم لا يعرفونه بكذبٍ، ولا غَيٍّ، ولا ضلالٍ، ولا يَنْقِمُون عليه أمرًا واحدًا قَطُّ. وقد نبَّهَ على هذا المعنى بقوله: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦٩]، وبقوله: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ

стр. 434

بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾ [التكوير: ٢٢]. فصل ثُمَّ قال سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤]، يُنَزِّهُ -تعالى - نُطْقَ رسولِهِ أن يَصْدُرَ عن هَوَىً، وبهذا الكمال هُدَاهُ ورُشْدُهُ. وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾، ولم يقل: وما ينطق بالهَوَى؛ لأنَّ نَفْيَ نُطْقِهِ عن الهَوَى أبلغ، فإنَّهُ يتضمَّنُ أنَّ نُطْقَهُ لا يصدر عن هَوَىً، وإذا لم يَصْدُر عن هَوَى فكيف ينطق به؟ فتضمَّنَ نَفْيَ الأمرين: نَفْيَ الهَوَى عن مصدر النُّطْق، ونَفْيَهُ عن النُّطْقِ نَفْسِهِ. فَنُطْقُه بالحقِّ، ومصدَرُهُ الهُدَى والرَّشَاد، لا الغَيُّ والضلالُ. ثُمَّ قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾؛ فأعاد الضمير على المصدر المفهوم من الفعل، أي: ما نُطْقُهُ إلا وَحْيٌ يُوحَى. وهذا أحسنُ من قول من جعل الضمير عائدًا إلى القرآن، فإنَّهُ يَعُمُّ نُطْقَهُ بالقرآن والسُّنَّةِ، وإنَّ كليهما وحيٌ يُوحَى. وقد احتجَّ الشافعيُّ لذلك فقال (١): "لعلَّ من حُجَّةِ من قال بهذا قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣] ". قال: "ولعلَّ من حُجَّته أن يقول: قال رسول الله ﷺ لأبي الزَّاني بامرأةِ الرجلِ الذي صالَحَهُ على الغنم والخادم: "والذي نفسي بيده لأَقْضِيَنَّ بينكما بكتاب الله: الغنمُ والخَادِمُ رَدٌّ عليك. . ." (٢) الحديث.

стр. 435

وفي "الصحيحين" أنَّ يَعْلَى بن أُميَّة كان يقول لعُمَر: ليتني أَرَى رسولَ الله ﷺ حين ينزل عليه الوحي، فلمَّا كان بالجِعِرَّانَة (١) سأله رجلٌ، فقال: كيف ترى في رجلٍ أحرم بعمرةٍ في جُبَّةٍ، بعدما تَضَمَّخَ بالخَلُوق (٢)؟ فنظر إليه النبيُّ ﷺ ساعةً، ثُمَّ سكت، فجاءَهُ الوحيُ، فأشار عمرُ بيده إلى يَعْلَى، فجاء، فادخَلَ رأسَهُ، فإذا النبيُّ ﷺ مُحْمَر يَغِطُّ (٣)، ثُمَّ سُرِّيَ عنه، فقال: "أين السائل آنفًا؟ " فجِيءَ به، فقال: "انْزِعْ عنكَ الجُبَّةَ، واغسِلْ أَثَر الطِّيبِ، واصْنَعْ في عُمْرَتك ما تصنَعُ في حَجِّكَ" (٤).

стр. 436

وقال الشافعي: أخبرنا مسلم، عن ابن جُرَيج، عن ابن طاووس، عن أبيه: "أنَّ عندَهُ كتابًا نزل به الوحي، وما فرض رسول الله ﷺ من صدقة، وعُقُولٍ (١)؛ فإنِّما نزل به الوحي (٢) " (٣). وذَكَر الأوزاعيُّ، عن حَسَّان بن عطيَّة (٤) قال: "كان جبريلُ ينزل على رسول الله ﷺ بالسُّنَّة كما ينزل عليه (٥) بالقرآن، يُعَلِّمُه إيَّاها" (٦).

стр. 437

وذكر الأوزاعيُّ - أيضًا -: عن أبي عبيد (١) - صاحب سليمان -، أخبرني القاسم بن مُخَيْمِرَة (٢)، حدثني ابن نَضْلَة (٣) قال: قيل لرسول الله ﷺ سَعِّرْ لَنَا، قال: "لا يسْأَلُنِي اللهُ (٤) عن سُنَّةٍ أحدَثْتُها فيكم، لم يَأْمُرْني بها، ولكِنْ سَلُوا اللهَ من فضله (٥) " (٦).

стр. 438

و"ابنُ نَضْلَة" هذا يُسَمَّى: طَلْحَة (١). وقد صحَّ عنه أنَّه قال: "ألَا إنِّي أُوتِيتُ الكتابَ ومثلَهُ مَعَهُ" (٢)،

стр. 439

وهذا هو "السُّنَّةُ" بلا شك، وقد قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣]؛ وهما القرآن والسُّنَّة. وبالله التوفيق. فصل ثُمَّ أخبر - تعالى - عن وَصْفِ من علَّمَهُ الوحيَ والقرآنَ، بما يُعْلَم أنَّه مضَادٌّ لأوصاف الشيطان مُعَلِّم الضَّلَال والغواية، فقال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾ [التكوير: ٢٠]، وذكرنا هناك السِّرَّ في وصفه بالقوَّةِ (١) .. وقوله تعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أي: جميلُ المَنْظَر، حَسَنُ الصورة، ذو جلالةٍ، ليس شيطانًا - أقبَحَ خلق الله، وأشوهَهم صورةً - بل هو من أجمل الخلق، وأقواهم، وأعظمِهم أمانةً ومكانةً عند الله . وهذا تعديلٌ لِسَنَدِ الوحي والنُّبوَّة، وتزكيةٌ له كما تقدَّمَ نظيرُهُ في "سورة التكوير" (٢). فوَصَفَهُ بالعلم، والقوَّةِ، وجمالِ المَنْظَرِ، وجلالته. وهذه كانت أوصاف الرسول البَشَرِيِّ والمَلَكِيِّ؛ فكان رسولُ الله ﷺ أشجعَ النَّاس، وأعلمَهم، وأجمَلهم، وأَجَلَّهم. والشياطين وتلامذتهم بالضِّدِّ من ذلك كلِّه، فهم أقبح الخلق

стр. 440

صورةً ومعنىً، وأجهلُ الخَلْق وأضعفُهم هِمَمًا ونفوسًا. ثُمَّ ذكر استواءَ هذا المعلِّم بالأُفُق الأَعْلَى، ودُنُوَّهُ، وتَدَلِّيَهُ، وقُرْبَهُ من رسول الله ﷺ ، وإيحاءَهُ إليه ما أَوْحَى. فصوَّرَ - سبحانه - لأهل الإيمان صورة الحال من نزول جبريل من عنده إلى أن استوى بالأُفُق، ثُمَّ دَنَى فَتَدلَّى، وقَرُبَ من رسوله، فأوحى إليه ما أمره الله بإيحائه، حتَّى كأنَّهم يشاهدون صورة الحال ويُعَاينُونَهُ هابطًا من السماء إلى أن صار بالأفُق الأَعْلَى مستويًا عليه، ثُمَّ نَزَلَ وقَرُبَ من محمدٍ ﷺ وخاطبه بما أمره الله به، قائلًا: ربُّكَ يقول لك كذا وكذا. وأخبر - سبحانه - عن مسافة هذا القُرْب، بأنَّه قَدْرُ قوسين أو أدنى من ذلك، وليس هذا على وجه الشَّكِّ، بل تحقيقٌ لِقَدْرِ المسافة، وأنَّها لا تزيد على قوسين أَلْبَتَّةَ؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ [الصافات: ١٤٧] تحقيقًا لهذا العدد، وأنَّهم لا ينقصون عن مائةِ ألفٍ رَجُلًا واحدًا. ونظيره قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]؛ أي: لا تنقُصُ قَسْوَتُها عن قسوة الحجارة، بل إنْ لم تَزِدْ على قسوة الحجارة لم تكن دونها. وهذا المعنى أحسنُ وألطفُ وأدق مِنْ قول من جعل "أو" في هذه المواضع بمعنى (١) "بل"، ومِنْ قول من جعلها للشكِّ بالنسبة إلى الرائي (٢)، وقول من جعلها بمعنى "الواو"، فتأمَّلْهُ.

стр. 441

فصل ثُمَّ أخبر - تعالى - عن تصديق فؤادِهِ لِمَا رأَتْهُ عينَاهُ، وأنَّ القلبَ صَدَّقَ العينَ، وليس كمن رأى شيئًا على خلاف ما هو به، فكذَّبَ فُؤَادُهُ بَصَرَهُ، بل ما رآه بِبَصَرِهِ صدَّقَهُ الفؤادُ، وعَلِمَ أنَّه كذلك. وفيها قراءتان (١): إحداهما: بتخفيف "كَذَبَ". والثانية: بتشديدها. يقال: كَذَبَتْهُ عينُه، وكَذَبَهُ قلبُه، وكَذَبَهُ حَدْسُهُ (٢)؛ إذا أخلف ما ظَنَّهُ وحَدَسَهُ. قال الشاعر (٣): كَذَبَتْكَ عينُكَ، أَمْ رأَيتَ بِوَاسِطٍ … غَلَسَ الظَّلَامِ من الرَّبَابِ خَيَالا أي: أَرتْكَ ما لا حقيقةَ له. فَنَفَى هذا عن رسوله ﷺ ، وأخبره أنَّ فُؤَادَهُ لم يكذِّبْ ما رآه. و"ما" (٤): إمَّا أن تكون مصدريَّة؛ فيكون المعنى: ما كَذَبَ فؤادُهُ رؤيتَهُ.

стр. 442

وإمَّا أن تكون موصولة؛ فيكون المعنى: ما كَذَّبَ الفؤادُ الذي (١) رآه بعينه. وعلى التقديرين؛ فهو إخبارٌ عن تطابقِ رؤية القلب لرؤية البصر وتوافُقِهما، وتصديقِ كلٍّ منهما لصاحبه. وهذا ظاهرٌ جدًّا في قراءة التشديد. وقد استشكلها طائفةٌ منهم المُبَرِّد، وقال: "في هذه القراءة بُعْدٌ"، قال: "لأنَّه (٢) إذا رأى بقلبه فقد عَلِمَهُ - أيضًا - بقلبه، وإذا وَقَعَ العِلْمُ فلا كذب معه؛ فإنَّه إذا كان الشيء في القلب معلومًا، فكيف يكون معه تكذيب؟ " (٣). قلتُ: وجواب هذا من وجهين: أحدهما: أنَّ الرجلَ قد يتخيَّلُ الشيءَ على خلاف ما هو به فَيَكْذِبُهُ قَلْبُهُ، إذ يُريه صورةَ المعلوم على خلاف ما هي عليه، كما تَكْذِبُهُ عَيْنُهُ، فيقال: كَذَبَهُ قَلْبُهُ، وكَذَبَهُ ظَنُّهُ، وكَذَبَتْهُ عَيْنُهُ. فنَفَى - سبحانه - ذلك عن رسوله، وأخبر أنَّ ما رآه الفؤادُ فهو كما رآه، كَمَنْ رأى الشيءَ على حقيقة ما هو به، فإنَّه يصحُّ أن يقال: لم تَكذِبْهُ عَينُهُ. الثاني: أن يكون الضمير في ﴿رَأَى (١١)﴾ عائدًا إلى

стр. 443

الرائي (١) لا إلى الفؤاد، ويكون المعنى: ما كذَّبَ الفؤادُ ما رآهُ البَصَرُ. وهذا - بحمد الله - لا إشكال فيه، والمعنى: ما كذَّبَ الفؤادُ ما رآهُ البَصَرُ (٢)، بل صدَّقَهُ. وعلى القراءتين فالمعنى: ما أَوْهَمَهُ الفؤادُ أنَّه رأى ولم يَرَ، ولا اتَّهَمَ بصَرَهُ. ثُمَّ أنكر - سبحانه - عليهم مُكَابَرَتَهُم وجَحْدَهُم له على ما رآه، كما يُنْكَرُ على الجاهل مُكَابَرَتُهُ للعالِم، ومُمَاراتُهُ له على ما عَلِمَهُ. وفيها قراءتان: "أَفَتُمَارُونَهُ"، و"أَفَتَمْرُونَهُ" (٣). وهذه المادَّةُ أصلها من: الجَحْدِ والدَّفْعِ، تقول: مَرَيْتُ الرجلَ حقَّه؛ إذا (٤) جَحَدْتَهُ. كما قال الشاعر (٥):

стр. 444

لَئِنْ هَجَرْتَ أَخَا صِدْقٍ وَمَكْرُمَةٍ … لقد مَرَيتَ أخًا ما كانَ يَمْرِيكَا ومنه: المُمَارَاةُ، وهي: المُجَادَلَة، والمُكَابَرة. ولهذا عُدِّيَ هذا الفعلُ بـ "على" وهي على بابها. وليست بمعنى "عن" كما قاله المُبرِّد (١)، بل الفعل متضمِّنٌ معنى المكابرة، وهذا في قراءة الألف أظهر. ورجَّح أبو عُبَيد قراءة من قرأ "أَفَتَمْرُونَهُ"، قال: "وذلك أنَّ المشركين إنَّما كان شأنُهم الجُحُود لِمَا كان يأتيهم من الوحي، وهذا كان أكثر من المُمَارَاة منهم" (٢). يعني (٣): أنَّ من قرأ ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ فمعناه: أَفَتُجَادِلُونه؟ ومن قرأ "أَفَتَمْرُونه" معناه: أَفَتَجْحَدُونه؟ وجحودهم لِمَا جاء به كان هو شأنُهم، وكان أكثرَ من مجادلتهم له. وخالفه أبو عليٍّ وغيرُه، واختاروا قراءة ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾. قال أبو عليٍّ: "من قرأ "أَفَتُمَارُونَه" فمعناه: أفتجادلونه جِدالًا تَرُومُون به دفعه عمَّا عَلِمَهُ وشاهَدَهُ؟ ويُقَوِّي هذا الوجه قوله تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ [الأنفال: ٦]. ومن قرأ "أَفَتَمْرُونَهُ" كان المعنى: أَفَتَجْحَدُونه؟ ". قال: "والمُجَادَلة كأنَّها أشبه في هذا؛ لأنَّ الجُحُود كان منهم في هذا وفي غيره، وقد جادله المشركون في الإسراء" (٤).

стр. 445

قلتُ: القومُ جمعوا بين الجدالِ، والدَّفْعِ، والإنكارِ. فكان جدالُهم جدالَ جحودٍ ودفعٍ؛ لا جدالَ استرشادٍ وتَبَيُّنٍ (١) للحقِّ. وإثبات "الأَلِف" يدلُّ على المُجَادَلة، والإتيان بـ "على" يدلُّ على المُكَابَرة؛ فكانت قراءة "الألف" منتظِمةً للمعنيين جميعًا، فهي أَوْلَى. وبالله التوفيق. فصل ثمَّ أخبر - سبحانه - عن رؤيته لجبريل مرَّةً (٢) أخرى، عند سِدْرَة المُنْتَهى؛ فالمرَّةُ الأُولَى كانت دون السماء بالأُفُقِ الأَعْلَى، والثانية كانت فوق السماء عند سدرة المُنْتَهى. وقد صحَّ عنه ﷺ أنَّه - يعني (٣) جبريل ﵊ رآهُ على صورته التي خُلِقَ عليها مرَّتين، كما في "الصحيحين" عن زِرِّ بن حُبَيش أنَّه سئل عن قوله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ قال: أخبرني ابن مسعود أنَّ النبيَّ ﷺ رأى جبريل له ستمائة جناح (٤). وفي "الصحيحين" - أيضًا - عن عبد الله بن مسعود ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ

стр. 446

مَا رَأَى (١١)﴾ (١) قال: "رأى (٢) جبريل (٣) في صورته؛ له ستمائة جناح" (٤). وقال البخاريُّ عنه: "رأى رَفْرَفًا أخضر، سَدَّ الأُفُق" (٥). وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ قال: "رأى جبريل ﵇" (٦). وفي "صحيحه" - أيضًا - عن مسروق قال: كنتُ مُتَّكِئًا عند عائشة فقالت: ثلاثٌ مَنْ تكلَّمَ بواحدةٍ منهُنَّ فقد أعظَمَ على الله الفِرْيَة، قلتُ: ما هُنَّ؟ قالت: من زَعَم أنَّ محمدًا رأى ربَّهُ؛ فقد أعظم على الله الفِرْيَة (٧). قال: وكنتُ متكئًا فجلستُ، فقلت: يا أُمَّ المؤمنين؛ أَنْظِريني ولا تَعْجَلِيني؛ أَلَمْ يَقُلِ اللهُ : ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾ [التكوير: ٢٣]، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم: ١٣]؟ فقالت: أنا أوَّلُ هذه الأُمَّة سأل عن ذلك رسولَ الله ﷺ ، فقال: "إنَّما هو جبريل، لم أَرَهُ على صورته التي خُلِقَ عليها غير هاتين المَرَّتين، رأيتُهُ مُنْهَبِطًا من السماء، سادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ ما بين السماء والأرض"، فقالت: أَوَ لم تسمع

стр. 447

أنَّ الله يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٣]، أَوَ لم تسمع أنَّ الله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾ [الشورى: ٥١]، قالت: ومن زعم أنَّ محمدًا ﷺ كَتَمَ شيئًا من كتاب الله؛ فقد أعظم على الله الفِرْيَة والله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]. قالت: ومن زَعَم أنَّهُ يُخْبِرُ بما يكون في غَدٍ؛ فقد أعظم على الله الفِرْيَة، والله يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]. ولو كان محمدٌ كاتمًا شيئًا ممَّا أُنزل عليه لَكَتَم هذه الآية: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] " (١). وفي "الصحيحين" عن مسروق - أيضًا - قال: سألتُ عائشة ﵂: هل رأى محمدٌ ربَّه؟ فقالت: "سبحان الله! لقد قَفَّ (٢) شعري ممَّا قلتَ" (٣).

стр. 448

وفيهما - أيضًا - قال: قلت لعائشة: فأين قوله : ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾؟ قالت: "إنَّما ذاك جبريل؛ كان يأتيه في صورة الرجال، وإنَّه أتاه في هذه المَرَّة في صورته التي هي صورته، فَسَدَّ الأُفق" (١). وفي "صحيح مسلم" أنَّ أبا ذَرٍّ سأله ﷺ : هل رأيتَ ربَّكَ؟ فقال: "نورٌ أنَّى أَرَاهُ" (٢). وفي "صحيحه" - أيضًا - من حديث أبي موسى الأشعري قال: قام فِينَا رسولُ الله ﷺ بخمس كلماتٍ، فقال: "إنَّ اللهَ لا ينامُ، ولا ينبغي له أن يَنَامَ، يَخْفِضُ القِسْطَ ويرفَعُه، يُرْفَعُ إليه عَمَلُ الليل قبل النَّهار، وعَمَلُ النَّهار قبل الليل، حِجَابُه النُّور، لو كَشَفَهُ لأحرقت سُبُحَاتُ وجهِهِ ما انتهى إليه بَصَرُهُ من خَلْقِهِ" (٣). وهذا الحديث ساقه مسلمٌ بعد حديث أبي ذَرٍّ المتقدِّم عَقِيبه، وهو كالتفسير له. ولا ينافي هذا قوله في الحديث الصحيح - حديث الرؤية يوم القيامة -: "فيكْشِفُ الحِجَابَ، فينظرون إليه" (٤)؛ فإنَّ النُّورَ الذي هو

стр. 449

حجاب الرَّبِّ - تعالى - يُرَادُ به الحجاب الأدنى إليه، وهو لو كَشَفَهُ لم يَقُمْ له شيءٌ، كما قال ابن عباس في قوله : ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ قال: "ذاكَ نُورُه الذي هو نُورُه، إذا تجلَّى به لم يَقُمْ له شيءٌ" (١). وهذا الذي ذكره ابن عباس يقتضي أنَّ قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ على عمومه وإطلاقه في الدنيا والآخرة، ولا يلزم من ذلك أن لا يُرَى؛ بل يُرَى في الآخرة بالأبصار من غير إدراك. وإذا كانت أبصارنُا لا تقوم لإدراك الشمس على ما هي عليه - وإنْ رأَتْها - مع القُرْب الذي بين المخلوق والمخلوق = فالتفاوت الذي بين أبصار الخلائق وذات الرَّبِّ ﷻ أعظَمُ وأعظَمُ.

стр. 450

ولهذا لمَّا حَصَلَ للجبل أدنى شيءٍ من تَجَلِّي الرَّبِّ تَسَافَى (١) الجَبَلُ، وانْدَكَّ لسُبُحَات ذلك القَدْر من التجلِّي. وفي الحديث الصحيح المرفوع: "جنَّتَان من ذهب؛ آنِيَتُهما، وحِليَتُهما، وما فيهما، وجنَّتَان من فضَّةٍ؛ آنِيَتُهما، وحِليَتُهما، وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظرو إلى ربِّهم إلا رداء الكبرياء على وجهه، في جنَّةِ عَدْنٍ" (٢). فهذا يدلُّ على أنَّ رداء الكبرياء على وجهه (٣) ﵎ هو المانع من رؤية الذَّات، ولا يمنع من أصل الرؤية، فإنَّ الكبرياء والعظمة أمرٌ لازمٌ لذاته تعالى. فإذا تجلَّى لعباده يوم القيامة، وكشف الحجاب بينهم وبينه، فهو الحجاب المخلوق. وأمَّا نُورُ الذَّات الذي يَحْجُبُ عن إدراكها؛ فذاك صفةٌ للذَّاتِ، لا تفارق ذاتَ الرَّبِّ ﷻ ، ولو كَشَفَ ذلك الحجاب لأحرقت سُبُحَات وجهه ما أدركه بصَرُه من خلقه. وتكفي هذه الإشارة في هذا المقام للمُصَدِّق المُوقن، وأمَّا

стр. 451

المُعَطِّلُ الجَهْمِيُّ فكلُّ هذا عنده باطِلٌ ومُحَالٌ. والمقصود أنَّ المُخْبَر عنه بالرؤية في سورة "النَّجْم" هو: جبريلُ. وأمَّا قولُ ابن عباس: "رأَى محمدٌ ربَّه بفؤاده مرَّتين" (١)؛ فالظاهر أنَّ مُسْتنَدَهُ هذه الآية، وقد تبيَّنَ أنَّ المرئيَّ فيها جبريلُ، فلا دلالة فيها على ما قاله ابن عباس. وقد حكى عثمانُ بن سعيد الدَّارمي الإجماعَ على ما قالته عائشة ﵂، فقال - في نَقْضِهِ على المَرِيسي، في الكلام على حديث ثوبانَ، ومعاذٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "رأَيتُ ربِّي البَارِحَةَ في أحسَنِ صُورَةٍ" (٢) فحكى تأويل المَرِيسِي الباطل له - ثُمَّ قال: "وَيْلَكَ؛ إنَّ تأويل هذا الحديث على غير ما ذهبتَ إليه، لما (٣) أنَّ رسول الله ﷺ قال في حديث أبي ذَرٍّ: "إنَّه لم يَرَ ربَّهُ" (٤)، وقال رسول الله ﷺ : "لن تَرَوا

стр. 452

ربَّكُم حتَّى تَمُوتُوا" (١)، وقالت عائشة ﵂: "من زَعَم أنَّ محمدًا رأى ربَّهُ فقد أعظم على الله الفِرْيَة" (٢). وأجمع المسلمون على ذلك؛ مع قول الله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ يَعْنُون (٣) أبصارَ أهل الدنيا. وإنَّما هذه الرؤية كانت في المنام، [وفي المنام] (٤) يمكن رؤية الله على كل حالٍ. كذلك روى معاذ بن جبل، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "صليتُ ما شاء الله من الليل، ثُمَّ وَضَعْتُ جَنْبِي، فأتاني ربِّي في أحسَنِ صُورةٍ" (٥)، فهذا

стр. 453

تأويل هذا الحديث عند أهل العلم" (١). وقد ظنَّ القاضي أبو يعلى أنَّ الرواية اختلفت عن الإمام أحمد: هل رأى رسولُ الله ﷺ ربَّهُ في ليلة الإسراء أم لا؟ على ثلاث روايات: إحداها: أنَّه رآه. قال المَرُّوذِي: قلت لأبي عبد الله: يقولون إنَّ عائشة قالت: "من زعم أنَّ محمدًا رأى ربَّه فقد أعظم على الله الفِرْيَة"، فَبِأَيِّ شيءٍ تَدْفَعُ قولَ عائشة؟ فقال: بقول النبيِّ ﷺ : "رأيتُ رَبِّي"، قولُ النبيِّ ﷺ أكبرُ من قولها. قال: وذكر المَرُّوذِي في موضعٍ آخر أنَّه قال لأبي عبد الله: هاهنا رجلٌ يقول: إنَّ الله يُرَى في الآخرة، ولا أقولُ إنَّ محمدًا رأى ربَّهُ في الدنيا. فغضِبَ؛ وقال: هذا أهلٌ أن يُجْفَى، يُسلِّم الخبر كما جاء. قال: فظاهر هذا أنَّه أثبت رؤية عين. ونقل حَنْبَل (٢) قال: قلت لأبي عبد الله: النبيُّ ﷺ رأى ربَّهُ؟ قال: رؤيا حلم بقلبه (٣). قال: فظاهر هذا نفي الرؤية. وكذلك نقل الأثرم وقد سأله عن حديث عبد الرحمن بن عائش (٤)

стр. 454

عن النبيِّ ﷺ : "رأيتُ ربِّي في أحسنِ صورةٍ" (١)، فقال: مضطَرِبٌ؛

стр. 455

لأنَّ (١) مَعْمَرًا رواه عن أيّوب، عن أبي معبد (٢)، عن عبد الرحمن بن عائش (٣)، عن النبيِّ ﷺ (٤).

стр. 456

ورواه حمَّاد، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس (١).

стр. 457

ورواه يوسف بن عطية، عن قتادة، عن أنس (١).

стр. 458

ورواه عبد الرحمن بن يزيد بن (١) جابر، عن خالد بن اللَّجْلَاج (٢) عن عبد الرحمن بن عائش (٣)، عن رجل من أصحاب النبيِّ ﷺ (٤).

стр. 459

ورواه يحيى بن أبي كثير فقال: عن ابن عائش (١)، [عن مالك بن يخامر] (٢)، عن معاذ، عن النبيِّ ﷺ (٣). وأصل الحديث واحد. قال الأثرم: فقلت لأبي عبد الله: فإلى أيِّ شيءٍ تذهب؟ فقال: قال الأعمش، عن زياد بن الحُصَين، عن أبي العالية، عن ابن عباس قال:

стр. 460

"رأى محمدٌ ربَّهُ بقلبه" (١). ونقل الأثرم (٢) أنَّ رجلًا قال لأحمد عن الحسن (٣) الأشْيَبْ أنَّه قال: لم يَرَ النبيُّ ﷺ ربَّهُ تعالى، فأنكره عليه إنسانٌ وقال: لِمَ [لا] (٤) تقول: رآه، ولا تقول: بعينه ولا بقلبه؟ كما جاء في (٥) الحديث. فاستحسن ذلك الأَشْيَب، فقال أبو عبد الله: حَسَنٌ. قال: وظاهر هذا إثبات رؤيةٍ لا يُعقَلُ معناها، هل كانت بعينه أم بقلبه؟ (٦).
следующие страницы →