Полный текст (721 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
مقدمة التحقيق
الحمد لله الذي أنزل الفرقان، وجعل فيه التبيان، وضمَّنَه الأقسامَ والأيمان، نحمده على جزيل الإحسان، وعظيم الامتنان، وهو المستحقُّ لكلِّ حمدٍ في كل آن. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فهذا كتابٌ عظيمُ النَّفْع، طيِّبُ الوَقْع، سال فيه قلم ابن القيم ﵀ بالفوائد المحرَّرة، والفرائد المبتكرة، حتَّى فاض واديه فبلغَ الروابي، وملأ الخوابي، قصدَ فيه جمعَ ما ورد في القرآن الكريم من الأيمان الربَّانية وما يتبعها من أجوبتها وغاياتها وأسرارها، فبَرعَ وتفنَّن، ثُمَّ قعَّد وقَنَّن، ولا غَرْوَ في ذلك فإنَّه "شمس الدِّين".
وقد اعتنى أهل العلم بالأيمان والأقسام من قديم، فأفردوها بالتصنيف على قلَّةٍ في ذلك، إلا أنَّ أغراضهم ومقاصدهم تنوَّعت من تآليفهم؛ فمن ذلك:
أنَّ جماعةً من علماء العربية صنَّفوا فيما ورد عن العرب من الأيمان والأقسام، كما فعل أبو العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب (٢٩١ هـ) فصنَّف "كتاب الأيمان" (١)، وكذلك صنَعَ: عَسل بن ذكْوَان العسكري النحوي - في طبقة المبرِّد - كتابَ "أقسام العربية" (٢)، وجمَعَ
_________
(١) انظر: إنباه الرواة" (١/ ١٥١).
(٢) انظر: "معجم الأدباء" (١٢/ ١٦٩)، و"إنباه الرواة" (٢/ ٣٨٣).
стр. 2
أبو إسحاق النَّجِيرَمي (٤٢٣ هـ) في كتابِ لطيفٍ "أيمان العرب" (١).
ورامَ جماعةٌ من الأئمة جمع ما ورد في الأيمان من الرواية والدراية كما فعل الإمام أبو عبيد القاسم بن سلَّام (٢٢٣ هـ) في كتابه "الأيمان والنذور" (٢).
وألَّف الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن سرور المقدسي (٦٠٠ هـ) جزءًا سمَّاه: "الأقسام التي أقسم بها النبيُّ ﷺ " (٣).
وأفردَ الإمام أبو الحسينِ محمد بن القاضي أبي يعلى (٥٢٦ هـ) جزءًا لطيفًا في المسائل التي حَلَف عليها الإمام أحمد (٤).
و"أقسام القرآن" من ذيَّاك القبيل، وقد عدَّه السيوطي في "الإتقان" (٢/ ١٠٤٨) نوعًا من أنواع علوم القرآن، وتبعه طاش كبري زاده في "مفتاح السعادة" (٢/ ٥٤٠) حيث جعله فرعًا من فروع التفسير (٥)، فعِلْمٌ هذا شأنه لا يستغرب بعد ذلك أن يحتفي به العلماء ويخصُّوه بعناية زائدة ويفردوه بمصنفاتٍ خاصَّة.
وهذا الكتاب المبارك بدأته بمقدِّمة دراسية تتعلق بالكتاب وموضوعه، وجعلتها على قسمين:
_________
(١) طبع في المطبعة السلفية بمصر، سنة ١٣٤٣ هـ.
(٢) انظر: "إنباه الرواة" (٣/ ٢٢).
(٣) انظر: "السير" (٢١/ ٤٤٧).
(٤) طبع بدار العاصمة - الرياض، سنة ١٤٠٧ هـ، بتحقيق: محمود بن محمد الحداد.
(٥) وانظر: "كشف الظنون" (١/ ١٣٧)، و"أبجد العلوم" (٢/ ١٢٣).
стр. 3
القسم الأوَّل: فصولٌ في القَسَم، وذكرتُ فيه:
- منزلة القَسَم عند العرب.
- الأقسام في القرآن.
- أشتاتٌ من الفوائد.
- المصنَّفات في أقسام القرآن.
والقسم الثاني: التعريف بالكتاب، وذكرتُ فيه:
- عنوان الكتاب.
- نسبة الكتاب إلى مؤلِّفه.
- تأريخ تأليف الكتاب.
- موضوع الكتاب.
- منهج المؤلِّف في الكتاب.
- موارد المؤلِّف في الكتاب.
- أهمية الكتاب وأثره فيمن بعده.
- طبعات الكتاب.
- نسخ الكتاب.
- عملي في التحقيق.
والله أسأل أن ينفع بهذا العمل، وأن يقينا فيه الزَّلل والخطَل، ويديم علينا نعمته، ويسبغ علينا عافيته؛ إنَّه جوادٌ كريم، مجيبٌ قدير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 4
القسم الأوَّل: فصول في القَسَم
- منزلة القَسَم عند العرب
- الأقسام في القرآن
- أشتاتٌ من الفوائد
- المصنَّفات في أقسام القرآن
стр. 5
<رمز> منزلة القَسَم عند العرب: </رمز>
للعرب طريقتهم في الكلام، وأسلوبهم في التخاطب، وقواعدهم في الحديث، أرشدتهم إليها فطرتهم القويمة، وطبيعتهم المستقيمة، فجرى بها لسانهم عفوًا من غير اعتمال، وسليقةً من دون افتعال.
وقد كان العرب أهل صدق وذمَّة، يتنزَّهون عن الكذب أيًّا ما كان الخبر، ويَعَافُون حكايته، ويستقبحون فعلته، ويعيِّرون فاعله ذمًّا وشنَاءةً، فالكذب عندهم عار اللسان كما أنَّ الزِّنا عار العِرْض.
لأجل ذلك كانوا يَصْدُقُون على الدوام، فيكون سامعهم على ثقةٍ من كلامهم، فإذا تردَّد السامع في صدق خبرهم أو شكَّ في ثبوته أكَّدوه له بما يناسب المقام من المؤكِّدات اللفظية وغيرها، حتى يستروح إلى أمانتهم في الحكاية، وصدقهم في القيل.
"والقَسَم" نوعٌ من أنواع التوكيد عند العرب، بل هو أجلُّها وأعظمها؛ لأنَّه غاية ما يبذله المتكلِّم من الجَهْد لتقوية كلامه وتثبيته في نفس سامعه، وليس في المؤكِّدات ما يوازيه أو يقوم مقامه فهو أقواها على الإطلاق، ولهذا كثرت ألفاظهم وتنوَّعت عباراتهم في أداء القَسَم؛ شأنهم في كل الأمور الجليلة والخطيرة، فمن ذلك قولهم: "لا وفالق الإصباح، وباعث الأرواح"، "لا والذي شقَّ الجبال للسيل، والرجال للخيل"، "لا والذي نادى الحجيج له"، وغير ذلك من ألفاظ القَسَم (١).
زد على ذلك تعظيم القَسَم في نفوسهم فقد كان لهم فيه اعتقاد،
_________
(١) انظر: "الأمالي" للقالي (٣/ ٥١)، و"أيمان العرب" للنَّجِيرَمي (١٩)، و"المخصَّص" لابن سيده (١٣/ ١١٨)، و"المزهر" للسيوطي (٢/ ٢٦١).
стр. 6
حيث كانوا يعتقدون أنَّ اليمين الكاذبة تدع الديار بلاقع، ولا تترك شيخًا ولا يافع، الأمر الذي جعلهم يتحفَّظون في أيمانهم، ولا يطرحونها إلا في مواطن الجِدِّ والحزم والصرامة.
وقد نزل القرآن بلغة العرب وعلى أسلوب كلامهم، ومناحي خطابهم، فجاء في أسلوب بيانه من القَسَم ما كان معهودًا عندهم، وخُصَّ بالأمور الجليلة العظمى، وقضايا الإيمان الكبرى.
فإن قيل: إنَّ المتكلِّم إنِّما يحلف ويُقْسِم لحاجته إلى القَسَم واليمين في تأكيد أمرٍ أو تثبيت خبرٍ عند سامعه، أمَّا الله ﷻ فإنَّه غير محتاجٍ إلى ذلك؛ لأنَّه - سبحانه - أحسن حديثًا وأصدق قيلًا.
هذا من جهة المتكلِّم بالقَسَم؛ أمَّا المُلْقَى إليه القَسَم فإنَّه إمَّا أن يكون مؤمنًا؛ فهذا يحمله إيمانه على التصديق بكلام الله فلا يتوقَّف إيمانه على اليمين لأنَّه قد سلَّم وأيقنَ بما في القرآن. وإمَّا أن يكون كافرًا؛ فهذا لم ينتفع بالحجج والبراهين فكيف ينتفع بالقَسَم واليمين! فآلَ الأمرُ إلى عدم الحاجة إلى الأيمان، ومالا حاجة إليه لا فائدة من وروده! (١)
والجواب من خمسة أوجه:
الأوَّل: ما سبق تقريره من أنَّ هذا جارٍ على سَنَن لغة العرب ومألوف لسانها، فليس في وروده في القرآن إغرابٌ في اللغة ولا بمدخولٍ عليها
_________
(١) وثَمَّ إشكال آخر يورده بُلَداء المستشرقين، انظره وجوابه في: "مناهل العرفان" للزرقاني (١/ ٢٢٢)، و"المدخل لدراسة القرآن الكريم" لمحمد أبو شهبة (٢٤٥ - ٢٤٧)، و"القَسَم في القرآن الكريم" لحسين نصَّار (٤٩).
стр. 7
ما لا يعرفه أهلها، بل هو ممَّا اعتادوه في مجريات كلامهم بغضِّ النظر عمَّن أُلقي إليه القَسَم.
الثاني: أنَّ وجود القَسَم في القرآن من أبلغ الحجج وأوضحها على صدق النبيِّ ﷺ وصحة رسالته، إذ لو كان كاذبًا في هذه الأيمان لأصابه خراب الديار، وانقلاب الحال، وسوء المآل؛ على ما كانوا يعتقدونه في الأيمان الكاذبة، أمَا والأمرُ بعكس ذلك فإنَّ يمينه برَّةٌ، وكلامه صدقٌ، ورسالته حقٌّ.
الثالث: أنَّنا لا نسلِّم بانتفاء فائدته، بل الفائدة حاصلة حتمًا، وذلك أنَّ النَّاس ثلاثة أصناف: مؤمن، ومرتاب، وجاحد.
فأمَّا المؤمن فإنَّ توكيد الكلام بالقَسَم يزيده طمأنينةً واستيقانًا، وينزل الكلام من نفسه المنزل الأسنى.
وأمَّا المرتاب فإنَّ القَسَم يزيل ريبته، ويطرح الشكَّ الذي في نفسه، فلا يبقى عنده تردُّدٌ في ثبوت الخبر أو عدمه.
وأمَّا الجاحد فإنَّ القَسَم زيادةٌ في تحقيق البيِّنَة وإقامة الحجة عليه، فلا حُجَّة له بَعْدُ أن يقول: إنَّ ما سمعتُه كان خبرًا من جملة ما نسمعه من الأخبار التي تطرق مسامعنا على الدوام، ولم يؤكَّد لي هذا الخبر أو ذاك بيمينٍ أو قَسَمٍ أحترمُه وأعظِّمُه. فورود القَسَم دفعٌ لهذه الحُجَّة الداحضة.
الرابع: أنَّ ما ذُكر في الإشكال إنَّما يستقيم إذا حصرنا فائدة القَسَم فيما قالوه فقط؛ والأمر ليس كذلك، إذ قد يرد القَسَم ويراد به تعظيم المقسَم به أو المقسَم عليه لا غير كما ذهب إليه بعض أهل العلم منهم
стр. 8
ابن القيم ﵀.
الخامس: ما ذكره أبو القاسم القشيري ﵀ حيث قال: "إنَّ الله ذكر القَسَم في القرآن لكمال الحجة وتأكيدها، وذلك أنَّ الحُكْمَ يُفْصَل باثنين: إمَّا بالشهادة، وإمَّا بالقَسَم. فذكر الله - تعالى - في كتابه النوعين حتى لا يبقى لهم حُجَّة، فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨]، وقال: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣] " (١).
* * *
_________
(١) نقله عنه الزركشي في "البرهان" (٣/ ١٢٢)، والسيوطي في "الإتقان" (٢/ ١٠٤٨)، وفي "معترك الأقران" (١/ ٤٥٠)، وطاش كبري زاده في "مفتاح السعادة" (٢/ ٥٤٠).
стр. 9
<رمز> الأقسام في القرآن: </رمز>
جاءت الأقسام في القرآن الكريم على ضربين:
الضرب الأوَّل: الأقسام الصادرة من الخلق وذكرها الله عنهمِ، كقوله تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧)﴾ [الأنبياء: ٥٧]، وكقوله تعالى عن المشركين: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ [الأنعام: ٢٣]، وقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ [فاطر: ٤٢]، وغير ذلك كثير.
الضرب الثاني: ما أقسم الله به، وهذا على نوعين:
الأوَّل: القَسَم المُضْمَر؛ وهو القَسم المحذوف منه فعل القَسَم والمقسَم به، لكن يدل عليه أحد أمرين:
١/ إمَّا جوابه المقرون باللام، كقوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦]، تقديره: واللَّهِ لتبلونَّ ولتسمعنَّ.
٢/ وإمَّا المعنى والسياق، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، أي: والله ما من كافرٍ إلا واردٌ النَّار، بدلالة المعنى والسياق الذي جاءت فيه هذه الآية فإنها جاءت بعد آياتٍ مؤكَّداتٍ بالقَسَم الملفوظ وهو قوله سبحانه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ. . .﴾ [مريم: ٦٨ - ٧٠].
الثاني: القَسَم الظاهر الملفوظ، وهذا على ثلاثة أضرب:
стр. 10
أوَّلًا: إقسامُه - سبحانه - بذاته القدسيَّة، وورد ذلك في عشر آياتٍ مباركاتٍ (١)، منها آيتان مدنيتان، والثماني الباقيات مكيَّةٌ، وهي:
١ - ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥].
٢ - ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣].
٣ - ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾ [الحجر: ٩٢].
٤ - ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٥٦].
٥ - ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النحل: ٦٣].
٦ - ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ [مريم: ٦٨].
٧ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣].
٨ - ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣].
٩ - ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧].
١٠ - ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠)﴾ [المعارج: ٤٠].
_________
(١) ذكر الزركشي في "البرهان" (٣/ ١٢١) سبعَ آياتٍ فقط، وعنه تناقلها من جاء بعده، وتتبعها الدكتور: يوسف خليف فأوصلها إلى عشر آياتٍ في كتابه "دراسات في القرآن والحديث" (٩٦)، ووافقه الأستاذ: حسين نصَّار في "القسم في القرآن الكريم" (٤٧)، لكن الدكتور: سامي عطا حسن تعقَّبَ بعضها في بحثه "أسلوب القسم الظاهر في القرآن الكريم" (٤٥).
стр. 11
ثانيًا: إقسامه - سبحانه - بأفعاله وصفاته العليَّة، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧)﴾ [الشمس: ٥ - ٧] على اعتبار "ما" مصدريَّة، أي: والسماء وبنائها.
ثالثًا: إقسامُه - سبحانه - بمخلوقاته، وهو - سبحانه - لا يقسم إلا بالأشياء العظيمة الدالَّة على قدرته وكمال صُنعه، أو بالأشياء المباركة في نفعها أو فضلها.
قال ابن القيم ﵀: "وإنما يُقْسِم - سبحانه - من كل جنْسٍ بأعلاه، كما أنه لمَّا أقسَمَ بالنُّفُوس أقسَمَ بأعلاها؛ وهي: النَّفْس الإنسانيَّة.
ولمَّا أقسَمَ بكلامه أقسَمَ بأشرفه وأجلِّه؛ وهو: القرآن.
ولمَّا أقسَمَ بالعُلْويَّات أقسَمَ بأشرفها؛ وهي: السماء، وشمسها، وقمرها، ونجومها.
ولمَّا أقسَمَ بالزَّمان أقسَمَ بأشرفه؛ وهو: الليالي العَشْر.
وإذا أراد - سبحانه - أن يُقْسِمَ بغير ذلك أدرجه في العموم كقوله : ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩)﴾ [الحاقة: ٣٨، ٣٩]، وقوله: ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾ [الليل: ٣]، في قراءة رسول الله ﷺ ، ونحو ذلك" (١).
وقد نُقل عن الضحَّاك إنكاره لهذا النوع من القَسَم فقال: "إنَّ الله لا يقسم بشيءٍ من خلقه، ولكنه استفتاح يستفتح به كلامه" (٢)!
_________
(١) "التبيان" (١٨٨ - ١٨٩).
(٢) نقله عنه الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٤٦٢)، وابن كثير في "تفسيره" =
стр. 12
وهذا لا يثبت عنه؛ لأنَّه من رواية جويبر عنه، وجويبر متروك.
ثُمَّ لو صح لكان مطَّرَحًا لمخالفته صريح القرآن، قال ابن كثير: "وهذا القول ضعيف، والذي عليه الجمهور أنه قَسَمٌ من الله يُقسِمُ بما شاء من خلقه، وهو دليلٌ على عظمته" (١).
وههنا سؤال يكثر إيراده في باب القَسَم وهو: أنَّه قد ورد النهي عن الحلف بغير الله ، فكيف جاء في القرآن القَسَم بالمخلوقات؟
وللعلماء أجوبةٌ كثيرةٌ عن هذا السؤال، وعن الأجوبة اعتراضات عند بعضهم، والكلام فيها يطول، لكنَّ أصح هذه الأجوبة وأحسنها - وهو المنقول عن السلف - أنَّ الله يقسِمُ بما شاء من خلقه، وليس للخلق أن يُقسِمُوا إلا به سبحانه، كما قال : ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣].
* * *
_________
= (٧/ ٥٤٣).
(١) "تفسيره" (٧/ ٥٤٣).
стр. 13
<رمز>أشتاتٌ من الفوائد:</رمز>
وقفتُ - أثناء قراءتي ومطالعتي - على فوائد مبثوثة هنا وهناك تتعلق بالقَسَم ولا ينتظمها أمرٌ واحد، فأحببتُ أن أثبتها ههنا تتميمًا للفائدة:
* حكى القرافي (٦٨٤ هـ) الإجماعَ على أنَّ القَسَم من أقسام الإنشاء لا الخبر (١).
* قال ابن خالويه (٣٧٠ هـ): "واعلم أنَّ القَسَم يحتاج إلى سبعة أشياء: أحرف القَسَم، والمقسِم، والمقسَم به، والمقسَم عليه، والمقسَم عنده، وزمان، ومكان" (٢).
* أوَّلُ قَسَمٍ في القرآن بحسب ترتيب النزول جاء في سورة "القَلَم": ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ (٣).
* قال الثعلبي (٤٢٧ هـ) (٤): "وجوابات القَسَم سبعةٌ:
١ - "إنَّ" الشديدة، كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ [الفجر: ١٤].
٢ - و"ما" النفي، كقوله: ﴿وَاَلضُّحُى (١) … مَا وَدَّعَكَ﴾ [الضحى: ١ - ٣].
_________
(١) "الفروق" (١/ ١٠٦). ونقله عنه السيوطي في "معترك الأقران" (١/ ٤٤٩)، وطاش كبري زاده في "مفتاح السعادة" (٢/ ٤٩٤).
(٢) "إعراب ثلاثين سورة من القرآن" (٤٦). وراجع كتاب "أسلوب القَسَم واجتماعه مع الشرط في رحاب القرآن الكريم" لعلي أبو القاسم عون (٣٨ - ٣٩) ففيه تمثيل وشرح.
(٣) انظر: "قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله" عبد الرحمن حبنكة (٤٦٥).
(٤) "الكشف والبيان" (٩/ ٩٣ - ٩٤)، وعنه البغوي في "معالم التنزيل" (٧/ ٣٥٦).
стр. 14
٣ - و"اللام" المفتوحة، كقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾ [الحجر: ٩٢].
٤ - و"إنْ" الخفيفة، كقوله: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي. . .﴾ [الشعراء: ٩٧].
٥ - و"لا"، كقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ. . .﴾ [النحل: ٣٨].
٦ - و"قد"، كقوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) … قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾ [الشمس: ١ - ٩].
٧ - و"بل"، كقوله: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا﴾ [ق: ١ - ٢] ".
* جاء الاستفتاح بالقَسَم في خمس عشرة سورة من القرآن، كلها مبدوءة بحرف "الواو"، وكلها سورٌ مكيَّةٌ، وهي: (١)
١ - والصافات.
٢ - والذاريات.
٣ - والطور.
٤ - والنجم.
٥ - والمرسلات.
٦ - والنازعات.
٧ - والسماء ذات البروج.
_________
(١) انظر: "مقدمة في الدراسات القرآنية" لمحمد فاروق النبهان (١٧٣).
стр. 15
٨ - والسماء والطارق.
٩ - والفجر.
١٠ - والشمس.
١١ - والليل.
١٢ - والضحى.
١٣ - والتين.
١٤ - والعاديات.
١٥ - والعصر.
* أطول موضع في القرآن الكريم تتابع فيه القَسَم جاء في سورة "الشمس"، حيث تتابعَتْ سبع آياتٍ متوالياتٍ يطَّرد فيها القَسَم بحرف "الواو" في صدر كل آية (١).
* لم تأتِ سورة مدنيَّةٌ مبدوءةٌ بحرف القَسَم "الواو" (٢).
* صيغة القَسَم "تالله" لم ترد إلا في الآيات المكيَّة فقط (٣).
_________
(١) انظر: "الإعجاز البياني للقرآن" لعائشة بنت الشاطيء (٢٢٩)، و"القَسَم في
القرآن الكريم" لحسين نصَّار (٩١).
(٢) انظر: "القَسَم في القرآن الكريم" لحسين نصَّار (٩١)، وأحال في الهامش على مصادر أخرى.
(٣) انظر: "دراسات في القرآن" ليوسف خليف (١١١)، و"القَسَم في القرآن الكريم" لحسين نصَّار (٩١).
стр. 16
* أكثر ما أقسم الله به من المخلوقات هو "الليل"، حيث جاء القَسَم به في ستِّ آياتٍ مباركات؛ وهي:
١ - في سورة [المدثر: ٣٣]: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣)﴾.
٢ - في سورة [الانشقاق: ١٧]: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧)﴾.
٣ - في سورة [التكوير: ١٧]: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾.
٤ - في سورة [الفجر: ٤]: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾.
٥ - في سورة [الشمس: ٤]: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤)﴾.
٦ - في سورة [الليل: ١]: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾.
* ورد المقسَم به مسبوقًا بأداة النفي "لا" في ثمانية مواضع من القرآن الكريم (١)، وهي:
أ/ مقسَم به تقدمته أداة النفي مقترنة بـ "الفاء"، وذلك في ستة مواضع من القرآن الكريم، وكلها في ثنايا السور، وهي:
١ - قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥].
٢ - وقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩)﴾ [الحاقة: ٣٨، ٣٩].
_________
(١) انظر: "أسلوب القَسَم الظاهر في القرآن الكريم" للدكتور: سامي عطا حسن (٣٧)، مقال في مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الكويت، العدد (٥٣)، سنة ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م.
стр. 17
٣ - وقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠)﴾ [المعارج: ٤٠]
٤ - وقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾ [الواقعة: ٧٥].
٥ - وقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾ [التكوير: ١٥، ١٦].
٦ - وقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦)﴾ [الإنشقاق: ١٦].
ب/ ومقسَمٌ به مسبوق بأداة النفي "لا" غير مقترنة بـ "الفاء" وذلك في موضعين:
١ - قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾ [القيامة: ١ - ٢].
٢ - وقوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ [البلد: ١].
* ورد القَسَم بالقرآن الكريم في خمسة مواضع، كلها مسبوقة بالحروف المقطَّعة التي افتتحت بها السور (١)؛ وهي:
١ - قوله تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ [يس: ١ - ٢].
٢ - وقوله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ [ص: ١].
٣ و ٤ - وقوله تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ [سورتا الزخرف والدخان].
_________
(١) انظر: "القَسَم في القرآن الكريم" لحسين نصَّار (٤٨).
стр. 18
٥ - وقوله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ [ق: ١].
* قال ابن القيم ﵀ عند قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩)﴾ [الحاقة: ٣٨، ٣٩]: "وهذا أعمُّ قَسَمٍ وقع في القرآن، فإنَّه يَعُمُّ العلويَّات والسُفْليَّات، والدنيا والآخرة، وما يُرى وما لا يُرى، ويدخل في ذلك الملائكة كلهم، والجنُّ، والإنسُ، والعرشُ، والكرسيُّ، وكلُّ مخلوق" (١).
* وقال أيضًا: "ثُمَّ أقسَم - سبحانه - أعظمَ قَسَمٍ، بأعظم مقسَمٍ به، على أجلِّ مقسَمٍ عليه، وأكَّد الإخبار به بهذا القَسَم، ثُمَّ أكَّده - سبحانه - بشِبْهِه بالأمر المحقَّق الذي لا يشكُّ فيه ذو حاسَّةٍ سليمةٍ، قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾ [الذاريات: ٢٣] " (٢).
* * *
_________
(١) "التبيان" (٢٦٤).
(٢) "التبيان" (٦٣٨).
стр. 19
<رمز> المصنَّفات في أقسام القرآن: </رمز>
من عادة السيوطي ﵀ في "الإتقان" أنَّه إذا ذكر نوعًا من علوم القرآن يصدِّره بذكر مَنْ أفرده بالتأليف وينقل منه بعض نصوصه، فلما ذكر أقسام القرآن لم يذكر إلا كتاب "التبيان" فقط (١)، ومن جاء بعده تبعوه في ذلك.
ولأجل ذلك جزم جماعة من أهل العلم بأنَّه لم يُفْرِد أقسام القرآن بمصنَّف إلا ابنُ القيم ﵀ في كتابه "التبيان"، وأنَّه "أوَّل كتابٍ مفصَّلٍ علمي مؤسَّسٍ على الدراسة العميقة، والتدبر في القرآن، واستعراضٍ لأنواع الأقسام والمقسم بها ومواردها في القرآن" (٢).
لكن كلام الشيخ محمد أبو شهبة يشعر بوجود مصنفاتٍ أخرى في هذ الفنِّ حيث قال: "وقد ألَّف العلماء في أقسام القرآن كتبًا مستقلة، ولعلَّ أحفلها وأجلَّها - فيما أعلم - "التبيان في أقسام القرآن" لابن القيم" (٣).
فكلام أبو شهبة ﵀ يفيد بوجود وفرةٍ في مؤلَّفات أقسام القرآن، وأنَّ هناك من سبق ابن القيم ولحقه في إفرادها بالتأليف؛ إلا أنَّه لم يذكر لنا ما وقف عليه من تلك الكتب ولو كانت مخطوطةً لم تطبع بَعْدُ.
_________
(١) انظر: "الإتقان" (٢/ ١٠٤٨).
(٢) من كلام أبي الحسن الندوي في مقدمته لكتاب "إمعان في أقسام القرآن" للفراهي (١٠).
(٣) "المدخل لدراسة القرآن الكريم" (٢٤٨).
стр. 20
والأمر ليس كما أفاد؛ فأمَّا قبل عصر ابن القيم فإنِّي لم أقف بعد البحث في كتب الطبقات والسير على مؤلَّفاتٍ في أقسام القرآن إلا على كتابٍ واحدٍ لأبي عمرو الدمشقي عبد الله بن أحمد بن بشير - ويقال: بشر - بن ذكْوَان (٢٤٢ هـ) أحد مشاهير القرَّاء الشاميين، سمَّاه: "أقسام القرآن وجوابها" (١)، ولا أعرف من خبره شيئًا.
وأمَّا بعد عصر ابن القيم فلا يكاد الباحث يقف إلا على تلخيص ابن طولون لكتاب "التبيان" حيث سمَّاه: "خلاصة التبيان في أيمان القرآن"، وليس بعد ذلك إلا دراسات المتأخرين والمعاصرين في أبحاثهم ومقالاتهم وبعض كتبهم.
ويبقى كتاب "التبيان" متفردًا في بابه (٢)، قد خاض العلماء في عُبَابه، وحَطُّوا رحالهم على أعتابه، فوجدوا فيه جواهر مكنونة، ومعادن مخزونة، فاستفادوا منه، ولم يرغبوا عنه، ولم يتجاسروا على مجاراته، حتى غدا عَلَمًا على هذا الفن.
_________
(١) عزاه له ابن الجزري في "غاية النهاية" (١/ ٤٠٤ - ٤٠٥)، وعنه كحَّالة في "معجم المؤلفين" (٢/ ٢٢٢).
(٢) أما ما ذكره الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (٣/ ٢٠٣) في الأصل الرابع والأربعين بعد المائتين تحت عنوان: (في بيان أقسام القرآن)؛ فليس مراده بأقسام جمع (قَسَم) الذي هو اليمين، وإنما مراده جمع (قِسْم)؛ لأنه ذكر أنواع دلالات الآيات على مضمونها.
стр. 21
القسم الثاني: التعريف بالكتاب ومباحثه
- عنوان الكتاب
- نسبة الكتاب إلى مؤلِّفه
- تأريخ تأليف الكتاب
- موضوع الكتاب
- منهج المؤلِّف في الكتاب
- موارد المؤلِّف في الكتاب
- أهمية الكتاب وأثره فيمن بعده
- طبعات الكتاب
- نسخ الكتاب
- عملي في التحقيق
стр. 22
<رمز>عنوان الكتاب:</رمز>
اشتهر هذا الكتاب - منذ طبعته الأُولى - بين النَّاس بـ "التبيان في أقسام القرآن"، وبه تتابعت سائر الطبعات، وكذا تناولته أقلامِ الباحثين في الإحالات والدراسات، وصار هذا العنوان هو الاسم العَلمي لهذا الكتاب، ولهذا أسبابُه … فمنها:
١) أنَّ بعض من ترجم للمؤلِّف سمَّاه بهذا الاسم؛ كما في "كشف الظنون" (١/ ٣٤١)، و"هدية العارفين" (٢/ ١٥٨)، و"الأعلام" (٦/ ٥٦).
٢) أنَّ لفظ "القَسَم" هو الوارد في القرآن الكريم في أقسام الله دون لفظ "اليمين" أو "الحَلِف" ونحو ذلك، فاشتُقَّ اسم الكتاب من لفظ "القَسَم" دون غيره لأنه موافق لمضمونه، مقاربٌ لمرسومه.
٣) أنَّ المؤلِّف ﵀ خصَّ كتابه للكلام عن القَسَم فقط، ولهذا يبدأ غالب فصول الكتاب بقوله: "ومن ذلك قَسَمُه سبحانه بـ. . ."، فانتزعوا اسم الكتاب من تصرفات المؤلِّف في ثناياه.
٤) أنَّ مقدِّمة المؤلِّف ﵀ قد خلت منها جميع الطبعات! فإنَّ الناشر الأوَّل لعله اعتمد على نسخةٍ سقطت منها هذه المقدِّمة، فاجتهد في تسمية الكتاب، فكان ما تراه من اسم الشهرة، ثُمَّ تابعه عليه من جاء بعده.
٥) أنَّ هذا الاسم جاء في صفحة العنوان للنسخة (ز).
وجاء في صفحة العنوان للنسختين (ح) و (م) اسم الكتاب هكذا: (كتاب أقسام القرآن والكلام على ذلك).
стр. 23
وذكره عبد اللطيف بن محمد المعروف بـ "رياضي زاده" في كتابه "أسماء الكتب" (٨٠) فسمَّاه: "التبيان في معرفة أحكام القرآن"! وقد تفرَّد بذلك، وهو سهوٌ.
وكل ما مضى يتهاوى أمام تسمية المؤلِّف لكتابه في المقدِّمة، والتصريح بذلك، ويجعلنا نجزم أنَّ تلك التسميات كانت من قبيل الاجتهاد بالمعنى لا غير، فإنَّ الاسم العَلَمي الصحيح للكتاب هو: "التبيان في أيمان القرآن"، وإليك الأسباب:
أوَّلًا: أنَّ المؤلِّف ﵀ قد ذكر هذا العنوان صراحةً وسمَّاه به في خطبة الكتاب حيث قال: "فهذا كتابٌ صغير الحجم، كبير النفع، فيما وقع في القرآن العزيز من الأيمان والأقسام، والكلام عليها يمينًا، وارتباطها بالمقسَم عليه، وذكر أجوبة القَسَم المذكورة والمقدَّرة، وأسرار هذه الأقسام، فإنَّ لها شأنًا عظيمًا يعرفه الواقف عليه في هذا الكتاب، وسمَّيته: "كتاب التبيان في أيمان القرآن"".
ثانيًا: أنَّ المؤلِّف ﵀ قد أحال على هذا الكتاب باسم "أيمان القرآن" في موضعين من كتابه المعروف "الداء والدواء" (١).
ثالثًا: أنَّ أكثر من ترجم للمؤلِّف - خاصةً المتقدمين منهم - يذكرونه باسم "أيمان القرآن"، وفي مقدمتهم تلميذه ابن رجب الحنبلي في "ذيل طبقات الحنابلة" (٥/ ١٧٦)، وكذا قاله: الداودي في "طبقات المفسِّرين" (٢/ ٩٣)، والعليمي في "المنهج الأحمد" (٥/ ٩٥)، وفي "الدر المنضَّد" (٢/ ٥٢٢)، وابن العماد في "شذرات الذهب"
_________
(١) انظر منه (ص/٨٣) و (ص/٤٧٠).
стр. 24
(٨/ ٢٩١)، وابن ضويان في "رفع النقاب" (٣٢٠)، والبغدادي في "هدية العارفين" (٢/ ١٥٨).
رابعًا: أنَّ هذا الاسم جاء على صفحة العنوان في بعض النسخ المخطوطة للكتاب كما في النسخة (ن)، والنسخة (ط)، ونسخة مكتبة وحيد باشا في كتاهية بتركيا رقم (٣) وقد كتبت في القرن التاسع (١).
خامسًا: أنَّ العلَّامة شمس الدين ابن طولون الحنفي (٩٥٣ هـ) قد لخَّص الكتاب وسمَّاه بالخلاصة مع المحافظة على عنوان الكتاب فقال: "خلاصة التبيان في أيمان القرآن" (٢).
_________
(١) انظر: "الفهرس الشامل" (١/ ٤٠٩) علوم القرآن، و"الأثبات في مخطوطات الأئمة" للشبل (٢٤٧).
(٢) منه نسخة خطية فريدة بخط المؤلف محفوظة في دار الكتب المصرية، مجاميع تيمور رقم (٢٠٣) ضمن مجموع، موضع الكتاب منه (٢١٣ - ٣٨٦) ورقة.
стр. 25
<رمز> نسبة الكتاب إلى المؤلِّف: </رمز>
الأصل أنَّ الأمر المتيقَّن لا يحتاج إلى إثبات؛ لأنَّ "الثابت ثابت"، فتعداد أدلَّة ثبوته تحصيل حاصل كما هو الحال ههنا في كتاب "التبيان".
لكنَّ أهل التحقيق درجوا في مقدِّماتهم على بيان نسبة الكتاب إلى مؤلِّفه؛ استيثاقًا للبحث، وطمأنةً للقاريء، وإجهازًا منهم على فلول الشك والاحتمال، وطلبًا لإثبات الكتاب إلى مؤلِّفه على وجه الكمال.
وعليه فأقول:
لا شكَّ في نسبة كتاب "التبيان" إلى ابن القيم؛ لأمور:
أوَّلًا: أنَّ المؤلِّف ﵀ ذكره لنفسه في بعض كتبه الأخرى، وأحال عليه في مواطن، كما جاء في كتابه المعروف "الداء والدواء" في موضعين:
أوَّلهما: عند قوله: "وقد ذكرنا وجه الاستدلال بذلك في كتاب "أيمان القرآن" عند قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩)﴾ [الحاقة: ٣٨، ٣٩]، وذكرنا طرفًا من ذلك عند قوله: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١]، وأنَّ الإنسان دليلٌ على وجود خالقه وتوحيده، وصدق رسله، وإثبات صفات كماله" (١).
وثانيهما: عندما بيَّن إقسامَ الله - سبحانه - بطوائف من الملائكة المنفِّذين لأمره في الخليقة، ثُمَّ قال: "وقد ذكرنا معنى ذلك وسرَّ
_________
(١) انظر: "الداء والدواء" (٨٣).
стр. 26
الإقسام به في كتاب "أيمان القرآن"" (١).
ثانيًا: أنَّ المؤلِّف ﵀ أحال في هذا الكتاب أثناء بحثه لبعض مسائل القياس على كتابه العَلَم "إعلام الموقعين" (٢)، وستأتي عبارته قريبًا إن شاء الله.
ثالثًا: أنه ذكر شيخه المبجَّل شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع عدَّة، وانتصر لاختياراته، وغالب هذه المواضع يصرِّح به (٣)، وأحيانًا ينقل كلامه بلا تصريح ولا عَزْو؛ لكنه يصرِّح بذلك في كتبه الأخرى، فهو يترك التصريح به فيما قد عُرف عنه أنَّه ينقله عن شيخه، واشتُهر ذلك في كتبه، وهذا من عظيم احتفائه بشيخه، وحفظه لحقه عليه، رحم الله الجميع.
رابعًا: كل من ترجم له ينسب الكتاب إليه، المتقدمون منهم والمتأخرون، ولا يُعرف عن أحدٍ منهم أنَّه شكَّك في نسبته إليه.
خامسًا: أنَّ جماعةً من أهل العلم - ممَّن جاء بعد عصر المؤلِّف - استفادوا من الكتاب ونقلوا منه بعض قضاياه ومسائله، وسيأتينا - إن شاء الله - النقل عنهم، كلهم يعزُون ذلك إلى ابن القيم في كتابه "التبيان".
سادسًا: الكتاب بيِّنٌ بنَفَسِه، وشاهدٌ على نَفْسِه؛ أنَّه صنيعةُ ابن القيم وممَّا خطَّته أنامله، وكلُّ من أَلِف طريقته وأُسلوبه ميَّز بين ما هو له وما هو لغيره بمجرد الاطلاع والنظر، فبسطُه للمسائل، وإحاطتُه بأقوال
_________
(١) انظر: "الداء والدواء" (٤٧٠).
(٢) انظر: "التبيان" (٣٤٥).
(٣) راجع فهرس الأعلام ففيه الإحالة على أرقام الصفحات.
стр. 27
السلف، وتحريره للنقول، وإقامته للحُجَّة، وحشدُه للأدلَّة، ودفعه للاعتراض، ورعايته للمقاصد، ودرايته بالحِكَم = منهجٌ لكتبه معروف، ومسلكٌ لمصنفاته مألوف.
سابعًا: جميع صفحات العنوان في المخطوطات أُثبت عليها نسبة الكتاب لابن القيم ﵀.
стр. 28
<رمز> تأريخ تأليف الكتاب: </رمز>
لم يذكر ابن القيم ﵀ تأريخ تأليفه لكتابه، ولم ينقل عنه أحدٌ من تلاميذه خبرًا في ذلك؛ إلا أنَّنا يمكن أن نستفيد من إشارتين اثنتين لبيان تأريخ تأليفه على وجه التقريب لا التحديد:
أولاهما: أنه أحال في ثنايا الكتاب على كتابه الآخر "إعلام الموقعين"، فقال: "وقد بيَّنا في كتابنا "المعالم" بطلان التحليل وغيره من الحيل الربويَّة" (١).
فهذا النقل يفيدنا أنه ألَّف كتاب "التبيان" بعد كتابه "إعلام الموقعين".
وثانيهما: أنه في كتابه "الداء والدواء" قد أحال على كتاب "التبيان" في موضعين (٢)، ممَّا يفيدنا أنَّه ألَّفه قبل كتاب "الداء والدواء".
وعليه فيكون تأليفه لكتاب "التبيان" منحصرًا بين سنة تأليفه لكتاب "إعلام الموقعين"، وسنة تأليفه لكتاب "الداء والدواء"، إلَّا أنَّ الإشكال قائمٌ من حيث إنَّنا لا نعلم - تحديدًا - سنة تأليفه لهذين الكتابين! لكن هذا غاية ما توصلنا إليه.
وثَمَّ أمرٌ يُستأنس به ههنا؛ وهو أنَّ ابن القيم ﵀ تمنَّى أن يؤلِّف تفسيرًا للقرآن على نهجٍ سار عليه في تفسير "سورة الكافرون" في
_________
(١) "التبيان" (٣٤٥).
(٢) انظر "الداء والدواء" (٨٣) و (٤٧٠).
وقد ذكر الدكتور: أحمد ماهر البقري في كتابه "ابن القيم اللغوي" (٦٤) أنَّه ألَّف كتابه "التبيان" بعد "الجواب الكافي"! وهذا سبق قلم.
стр. 29
كتابه "بدائع الفوائد" (١)، ثُمَّ قال: "وقد كتبتُ على مواضع متفرقة من القرآن بحسب ما يسنح من هذا النَّمَط وقتَ مقامي بمكة وبالبيت المقدَّس، والله المرجو إتمام نعمته"، فهل يكون من تلك المواضع المتفرقة التي كتبها اعتناؤه بأقسام القرآن، واستيفاؤه الكلام عليها، وإفرادها بكتابه "التبيان"، في تلك المدة، وذاك التأريخ؟ … احتمال.
_________
(١) (١/ ٢٣٤ - ٢٤٩).
стр. 30
<رمز> موضوع الكتاب: </رمز>
أنشأ ابن القيم ﵀ هذا الكتاب للكلام عن الأيمان، وخصَّه بالأيمان والأقسام الواردة في القرآن الكريم، وتكلَّم عمَّا يلحق هذه الأيمان من لواحق وتوابع، وأفصح عن ذلك كلِّه في مقدِّمة كتابه حيث قال:
"فهذا كتابٌ صغير الحجم، كبير النفع، فيما وقع في القرآن العزيز من الأيمان والأقسام، والكلام عليها يمينًا، وارتباطها بالمقسَم عليه، وذكر أجوبة القَسَم المذكورة والمقدَّرة، وأسرار هذه الأقسام، فإنَّ لها شأنًا عظيمًا يعرفه الواقف عليه في هذا الكتاب" (١).
فتبيَّن من خطبة المؤلِّف هذه غرضه من تأليفه، وموضوعه الذي سيدور حوله ويتحدَّث عنه، وهو عدة أمور:
أوَّلها: الأيمان والأقسام الواردة في القرآن الكريم خاصةً.
وثانيها: تحقيق كون هذه الأيمان والأقسام كذلك.
وثالثها: ارتباط هذه الأيمان بالمقسَم عليه، وبيان التناسب بينها.
ورابعها: ذكر أجوبة القَسَم سواء كانت مذكورة أو مقدَّرة.
وخامسها: ما يتعلق بهذه الأيمان من الأسرار والحِكَم والغايات.
فأمَّا الأمور الأربعة الأخيرة فاستوفاها إلى الغاية بل وأربى، وأتى فيها بكل ما يُستملح بل وأحلى، فأفاد وأجاد.
_________
(١) (ص/ ٣).
стр. 31
وأمَّا الأمر الأوَّل منها فالحقُّ أنَّه لم يتتبع كل ما في القرآن من الأيمان والأقسام، بل ترك الكلام عن الأيمان التي حكاها الله في القرآن عن خلقه، وترك - أيضًا - الأيمان المقدَّرة، مع أنَّ هذا الكتاب مظنَّةٌ لدراستها، والمعروف عن ابن القيم ﵀ أنه يتتبع القضايا والمسائل التي تتعلَّق بموضوع الكتاب الذي يصنِّفُه، ولا أدري سببًا لتفويت هذا الشمول والاستيعاب، الأمر الذي فسح لبعضهم مدخلًا لتعقُّبه في ذلك (١)!
إذن موضوع الكتاب يتعلَّق - فقط - بالأيمان الربَّانية الصريحة الظاهرة في القرآن الكريم، والكلام على ما يتعلق بها ممَّا أوضحه في المقدِّمة وسبق بيانه، إلا أنه فاته - أيضًا - شيءٌ يسير من هذه الأيمان الربَّانية تُعرف بتتبعها في القرآن الكريم.
_________
(١) انظر مقال الأستاذ: عبد الله بن سالم الحمود الدوسري بعنوان: "منهج ابن القيم في كتابه التبيان في أقسام القرآن؛ دراسة وتقويم"، مجلة كلية اللغة العربية بجامعة الإمام، العدد (٧)، (ص/ ٦٤٨).
وراجع كلام الشيخ: عبد الرحمن حسن حبنكة في "قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله " (٤٦٣).
стр. 32
<رمز> منهج المؤلِّف في الكتاب: </رمز>
لابن القيم ﵀ في جميع كتبه منهج عامٌّ وخاصٌّ.
فأمَّا المنهج العامُّ فطريقته التي سلكها في تآليفه حتَّى غَدَت واضحة المعالم، بيِّنة الملامح؛ من اعتماده على نصوص الكتاب والسُّنَّة الصحيحة، وتقديمه لأقوال الصحابة، واحتفائه بأقوال السلف، وقوَّةٍ في الحُجَّة، وطول نَفَسٍ في تقرير المسائل، مع مراعاة المقاصد والحِكَم، واطِّراح الشاذ والضعيف والمنكر من الآراء والأقوال والمذاهب؛ كل ذلك بأسلوبه الممتع الجذَّاب.
وأمَّا المنهج الخاصُّ فهو ما سلكه من طريقةٍ في كل كتابٍ بما يناسبه ويلائمه، فإنَّه ﵀ قد كتب في غالب الفنون الشرعية، وكلُّ فنٍّ لمسائله ذوقها، ولأهله لغتهم.
وكتابنا "التبيان" يمكننا أن نقسمه إلى قسمين: قسمٍ نظري تأصيلي، وقسمٍ تطبيقي.
القسم النظري التأصيلي:
عمد ابنُ القيم ﵀ في أوَّل كتابه "التبيان" إلى تقرير قواعد وأصول هذا الفنِّ وهو أيمان القرآن، وخطَّ له خطوطًا عريضةً سار عليها في باقي كتابه. وقد أحسن في ذلك أيَّما إحسان؛ لأنَّه بنى سائر كتابه على هذه الأصول والقواعد، وصار يُرجِعُ مسائله إليها، وردَّ إليها ما أشكل من تفسير آيات القَسَم، الأمرَ الذي أبعده عن الاضطراب والتذبذب الذي وقع فيه غيره.
بدأ المؤلِّف ﵀ ببيان وجود القَسَم في القرآن وأنَّه واردٌ في
стр. 33
كلام الله ، وأنَّ الله - سبحانه - يُقسم بأمرين اثنين:
الأوَّل: بنفسه المقدَّسة الموصوفة بصفاته العليا.
والثاني: بآياته المستلزمة لذاته وصفاته (١).
وقرَّر بأنَّ القَسَم ببعض المخلوقات دليلٌ على أنَّها من آياته، وأنَّ في ذلك إشادةً بها وتنويهًا، وإذا كان الأمر كذلك فلا بد أن يتعلق بها أمران:
الأوَّل: أن تكون هذه الآيات من الأمور المشهودة الظاهرة، فإنَّ "آيات الرَّبِّ التي يُقسِم بها لا تكون إلا ظاهرةً جليَّةً يشترك في معرفتها الخلائق" (٢).
والثاني: أنَّ هذه الآيات الظاهرة الجلية لا تأتي إلا مقسَمًا بها ولا تكون مقسَمًا عليها.
ثُمَّ بيَّن أنَّ للقَسَم إحدى فائدتين:
١ - إمَّا تحقيق القَسَم.
٢ - وإمَّا تحقيق المقسَم عليه وتوكيده.
وقرَّر - أيضًا - أنَّ هذا المقسَم عليه لا بد أنَّ يكون من الأمور الغائبة التي يطالَب العبدُ بالإيمان بها (٣).
وأمَّا جواب القَسَم فلا يخلو من حالتين:
_________
(١) (ص/ ٥، ٢٦ - ٢٧، ٢١٠).
(٢) (ص/ ٥، ١٨٧، ٢٢٥).
(٣) (ص/ ٥، ٢٢٥).
стр. 34
١) إمَّا أنَّ يذكر جواب القَسَم، وهو الغالب.
٢) وإمَّا أن يحذف، ويكون حذفه من أحسن الكلام حينئذٍ، وفي هذه الحال لا يخلو من أحد غرضين (١):
أ/ إمَّا أنه لا يُراد ذكره أصلًا بل المراد من القَسَم تعظيم المقسَم به.
ب/ وإمَّا أنَّه مرادٌ، فيُعرف حينئذٍ بدلالة الحال أو السياق عليه.
ثُمَّ بيَّن ﵀ أنَّ القَسَم لمَّا كان يكثر في الكلام؛ احتيج إلى اختصاره طلبًا لخفَّة اللسان وسهولة الاستعمال، فصار يُحذَف فعل القَسَم ويكتفى بـ "الباء"، ثُمَّ عُوِّض عن "الباء":
١ - "الواو" في الأسماء الظاهرة.
٢ - و"التاء" في اسم الله خاصة.
وأمَّا المقسَم عليه فقعَّد له قاعدةً كليَّةً فيما يُقسِم الله عليه، وأنَّه - سبحانه - إنَّما يُقسِم على أصول الإيمان التي يجب على جميع الخلق معرفتها والإيمان بها:
فتارةً يُقسِم على التوحيد.
وتارةً يُقسِم على أنَّ القرآن حقٌّ.
وتارةً يُقسِم على أنَّ الرسول حقٌّ.
وتارةً يُقسِم على حال الإنسان وصفته وعاقبته.
_________
(١) (ص/ ١٣، ١٤).
стр. 35
وذكر أنَّ السبب في إقسامه - تعالى - على هذه القضايا والأصول هو حاجة النفوس إلى معرفتها، وشدَّة فاقتها إلى الإيمان بها.
القسم التطبيقي:
لمَّا فرغ ابنُ القيم ﵀ من تأصيل مسائل القَسَم في القرآن الكريم؛ أخذ بتطبيق ما أصَّله على آيات القَسَم التي فسَّرها على النحو التالي (١):
* بيان الآية من جهة اللغة العربية، وهذا حَدَاهُ إلى:
أ/ الكشف عن معاني الكلمات، وما فيها من دقائق وأسرار حتى يتمَّ الفهم الصحيح للمعنى المراد منها في الآية، كما فعل في:
- تفسير "الطَّحْو" (ص/ ٢٨).
- وتفسير "الكَبَد" (ص/ ٥١).
- وتفسير "الكَنُود" (ص/ ١٢٥).
- وتفسير "الدافق" (ص/ ١٦٠).
- وتفسير "الخُنَّس والكُنَّس" (ص/ ١٨٤).
- وتفسير "المَوْر" (ص/ ٤١١).
- وتفسير "الحُبُك" (ص/ ٤٣٤).
ب/ وهذا البيان لمعاني الكلمات حمله على توضيح الفرق بين
_________
(١) ما سأذكره فيما يأتي من أرقام الصفحات إنما هو على سبيل التمثيل لا الحصر.
стр. 36
كلمةٍ وأخرى، التماسًا منه ﵀ لحكمة استعمال هذه اللفظة دون تلك، فمن ذلك:
- الفرق بين لفظ "السعي" و"العمل" (ص/ ١١ - ١٢).
- والفرق بين "النسيان" و"السهو" (ص/ ٤٣٨).
- والفرق بين قولك: "سبقته إليه" و"سبقته عليه" (ص/ ٢٩٠).
- والفرق بين "رَبْط الشيء" و"الرَّبْط على الشيء" (ص/ ٢٨١).
ج/ كلامه على بعض وجوه الإعراب للآية إذا كان اختلاف الإعراب ينبني عليه تغاير المعنى، وانظر على سبيل المثال (ص/ ٢٧، ١٧٤، ٣١٤، ٣١٩).
* إذا كان في الآية قراءات متعدِّدة فإنَّه يذكرها، ويوجِّه معناها، وربما رجَّح بعضها على بعض من جهة دلالتها على المعنى المراد، كما فعل في (١):
- قراءة: "فامضوا إلى ذكر الله" (ص/ ١١).
- وقراءة: "فكَّ رقبةً" (ص/ ٦٥).
- وقراءة: "ذو العرشِ المجيدِ" بالكسر (ص/ ١٤٨).
* جمعه للنظائر والأشباه في مكانٍ واحدٍ، والتوفيق بين معانيها إذا كان ظاهرها التعارض، أو كان الفرق بينها لا يتجلَّى إلا بالإيضاح والبيان، وانظر على سبيل المثال: (ص/ ٤٨، ١٠٦، ١٣١، ١٩٠، ٢٠٠،
_________
(١) وانظر أيضًا: (ص/ ١٧٩، ١٩٦، ٣٢٣، ٣٧٣، ٣٧٥).
стр. 37
٢١٨، ٢٤١، ٢٤٥، ٢٥١، ٢٧٤، ٢٨٠، ٢٨٨، ٢٩٧، ٣٢٨، ٣٤٣).
* وأمَّا الأقوال في تفسير الآية فإنَّه يقوم بالتالي:
١ - يستوفي نقلها في الغالب، حتى إنَّه ربما نقل الأقوال الضعيفة في تفسيرها طلبًا للاستيفاء، ويندر جدًّا أنَّ يفوته قولٌ مشهورٌ في تفسير الآية كما حصل معه في سورة البلد (ص/ ٥٩).
٢ - يَعْزُو هذه الأقوال إلى أصحابها؛ بدءًا بالصحابة ﵃ ثُمَّ بمن يليهم، هذا هو الأعمُّ الأغلب؛ لكن ربما ترك العَزْوَ أحيانًا كما في (ص/ ٥٧، ٢٣٧، ٢٨٨، ٣٣٠، ٣٤٨، ٣٧٢، ٤٠٠، ٤٣٨، ٥٢٨، ٦٣٧).
٣ - ينقل نصوص أقوالهم بحروفها كما جاءت عنهم في التفاسير المسندة.
٤ - إذا كانت في ظاهرها متعارضة وأمكن الجمع بينها فإنَّه يجمع بينها ويدفع تعارضها كما فعل في (ص/ ٧٠، ٩١، ١٢٣، ١٥٧، ٢٠٧، ٢٢٧).
٥ - وربما كانت هذه الأقوال كثيرةً ومتباينةً في باديء النظر لكنها عند التأمُّل تؤول في حقيقتها إلى قولين أو ثلاثة مثلًا؛ فيردُّها إلى ذلك كما في (ص/ ٤٨، ١٤١، ١٧٢، ٢٢٣، ٢٣٢).
٦ - يذكر أدلَّة كل قول، ويرجِّح بينها، ويبرز جوانب القوَّة فيما يختاره من الأقوال، وهذا كثير في الكتاب كما في (ص/ ١٥، ٣٥، ٤٠، ٦٨، ٧٤، ٧٧، ٨٠، ١٠٥، ١١٥، ١١٦، ١٢٣، ١٣٣، ١٤٦، ١٦٣، ١٦٦، ١٧٥، ١٨٤، ١٩١، ٢٠٨، ٢١١، ٢١٢، ٢٣٥، ٢٧٦، ٢٩٢،
стр. 38
٣٣١، ٣٦٣، ٣٩٩، ٤٤١).
٧ - ينبِّه على الأقوال الضعيفة أو الساقطة أو البعيدة والمتكلَّفة كما في (ص/ ٢١٣، ٢١٦، ٢٢٥، ٢٩٦، ٣١٤، ٣٢٠، ٣٦٠).
* ثُمَّ بعد ذلك له ﵀ تنقيبٌ عجيبٌ في خبايا الآيات، وتفتيشٌ مذهلٌ في كنوزها التي لا تنتهي، فيستنبط منها ما هو من حاجات القاريء وإن لم يكن من حاجة المفسِّر، ولربما أرخى القلم بما هو من عَرَض الكتابة وإن لم يكن من أغراض التفسير، وهذا بحرٌ يحبُّ ابن القيم السباحة فيه ويُحسن الغَوص في أعماقه، فمن ذلك:
- مناقشته لطائفة من النظَّار والمتكلمين (ص/ ١٠، ٢٧، ٢٤٥) وغيرها.
- ردُّه على الطبائعيين والفلاسفة والدهرية والملاحدة (ص/ ٢٨، ٢٥٣، ٤٠٩، ٤٩٧).
- جوابه عن شُبَه القدريَّة والجبريَّة (ص/ ٩٩، ١٥٢، ٢٠٣) وغيرها.
- مناقشته للأطباء في قضايا الخلق والتكوين (ص/ ٤٩٢، ٤٩٩، ٥٠٣، ٥٣٨) وغيرها.
- بيان ما في الآية من مواعظ وآداب وتوجيهات.
- عنايته بذكر اللطائف والنُّكَت والفوائد العلمية (ص/ ٢١٩، ٣٢٢، ٤٣٩) وغيرها.
هذا قليلٌ من كثير من إبداعاته وإفاداته، ولعلَّ نظرةً إلى فهرس الفوائد العلمية يحيطك بشيء من ذلك.
стр. 39
وثَمَّ أمور تبرز لقارئ الكتاب؛ عدَّها بعضهم من المؤاخذات وهي في الحقيقة من الملحوظات (١) التي لا تخلو من توجيهٍ حسنٍ للمنصف القادح، أو نظرةٍ سديدةٍ للمستحسن المادح، وهذا أو ذاك لا يستطيع إخفاء حاجته إلى صيد ابن القيم ﵀، وإلا ما قصد إلى قراءة كتابه، ومن تلك الملحوظات:
١ - أنَّ ابن القيم ﵀ لم يبيِّن لنا سبب تسميته لكتابه بـ "أيمان القرآن" وعدوله عن التسمية بأقسام القرآن، مع أنَّه يفتتح كلامه عن آيات القَسَم - غالبًا - بقوله: ومن ذلك قَسَمُه سبحانه بكذا … ثُمَّ يذكره.
وأيضًا؛ لم يرد في القرآن الكريم لفظ "اليمين" بالنسبة لله ، وإنَّما ورد لفظ "القَسَم" كما تراه في هذا الكتاب مشروحًا، أمَّا "اليمين" في القرآن الكريم فقد جاءت في حق الخلق واستعمالهم كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]، وقوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وقوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وقوله: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، إلى غير ذلك من الآيات.
وقد يستطيع المتأمِّل الجواب عنه بما يظهر له من مليح الاستنباط، إلا أنَّنا كنَّا في شوقٍ لجواب ابن القيم نفسه لما عُرف عنه من الدقَّة،
_________
(١) وليس كل ملحوظةٍ مؤاخذة، ومن الخطأ أن نحاكم عُرْف المتقدمين في التأليف إلى عُرْفنا المشوب بطرائق المستشرقين أو تنظير الخاملين من أصحاب الأكاديميات، وهذا - والله - من جنايات المعاصرين على تراث الأئمة، فكان القصاص في قلة بركة مؤلفاتهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 40
وصاحب الدار أدرى بما فيه.
٢ - إذا تكلَّم في تفسير آيات القَسَم فإنَّه يُتمُّ تفسير السورة بأكملها وإن لم يكن لها تعلُّق بالأيمان والأقسام، وهذا كثيرٌ في الكتاب إلا في آخره فإنَّه اقتصر فيه على محلِّ القَسَم وما يتبعه.
٣ - استطراده ﵀ في بعض المواطن بأمور خارجةٍ تمامًا عن التفسير وملحقاته، فمن ذلك:
- ذكره لمنافع التين والزيتون (ص/ ٦٩ - ٧٠).
- كلامه عن الليل والنَّهار (ص/ ٢٥٥ - ٢٦٠).
- ذكره لأنواع الأقلام (ص/ ٣٠٣ - ٣١٠).
- كلامه عن الاعتراض بين الجُمَل وفوائده (ص/ ٣٢٣ - ٣٢٨).
- وأيضًا كلامه عن الاستطراد ومحاسنه (ص/ ٣٩٧ - ٣٩٨).
- كلامه عمَّا يُستملح من خِلْقة المرأة (ص/ ٤١٩).
- كلامه عن الرِّياح (ص/ ٤٢٦ - ٤٢٩).
- كلامه عن الأرض (ص/ ٤٤٧ - ٤٥٧).
- كلامه عن خَلْق الإنسان والتفصيل في تكوينه وما في ذلك من الآيات الباهرات (ص/ ٤٥٧ - ٦٢٦) (١).
_________
(١) وهذا أطول موضع لابن القيم ﵀ على الإطلاق من بين سائر كتبه في كلامه عن خَلْق الإنسان وتفاصيل تكوينه.
следующие страницы →