← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 18337

التبيان في أيمان القرآن - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (721 стр.). Показаны 701–721 · переход к 706.

стр. 701

"القلب"، فلا يُحِسُّ بما ناله (١) الشيطان، مع أنَّه في غاية العذاب، والأَلَم، والضِّيق، والحَصْر، ولكنَّ سُكْرَ الشهوة والغفلة حَجَبَ عنه الإحساس بذلك المُؤْلِم. فإذا كُشِفَ عنه بعض غطائه أدركَ سُوءَ حاله، وعَلِمَ ما هو فيه، فإن استمرَّ له كَشْفُ الغطاء أمكَنَهُ (٢) تدارُكُ هذا الدَّاءِ وحَسْمُهُ، وإن عادَ الغطاءُ عادَ الأمر كما كان، حتَّى يُكْشَفَ عنه وقت المُفَارَقَة، فتظهر حينئذٍ تلك الآلامُ، والهُمومُ، والغمومُ، والأحزانُ، وهي لم تتجدَّدْ له، وإنَّما كانت كامنةً فيه، تُوَارِيها الشَّوَاغِلُ، فلمَّا زالت الشَّوَاغل ظهر ما كان كامنًا، وتجدَّدَ له أضعافُه. فصل والشيطانُ يُلِمُّ بـ "القلب" لِمَا له هناك من جَوَاذِب تجذبه، وهي نوعان: صفات، وإرادات. فإذا كانت الجَوَاذِبُ صفاتٍ قَوِيَ سُلْطَانُه هناك، واسْتفْحَلَ أمرُهُ، ووجَدَ موطِنًا ومَقَرًّا، فتبقى (٣) الأذكارُ والدَّعواتُ والتعوُّذَاتُ التي يأتي بها الإنسانُ (٤) حديثَ نفسٍ، لا تدفعُ سلطانَ الشيطان؛ لأنَّ مَرْكبَهُ صفةٌ لازِمةٌ.

стр. 702

فإذا قلع العبدُ تلك الصفاتِ من قلبه (١)، وعَمِلَ على التَّطهُّرِ منها والاغتسال، بَقِيَ للشيطان بـ "القلب" خَطَرَاتٌ، ووَسَاوِسُ، ولَمَّاتٌ من غير استقرار، وذلك يُضْعِفُه، ويقوِّي لَمَّةَ المَلَك، فتأتي الأذكارُ، والدَّعواتُ، والتعوُّذَاتُ؛ فتدفعه بأسهل شيء. وإذا أردت لذلك مثالًا مطابقًا: فَمَثَلُه مَثَلُ كلبٍ جائعٍ، شديدِ الجوع، وبينك وبينه لحمٌ أو خبزٌ، وهو يتأمَّلك، فيراك لا تقاوِمُه وهو قد اقتربَ منك، فأنت تَزْجُرُه، وتصيحُ عليه، وهو يأبَى إلا الهجوم (٢) عليك، والغَارَة على ما بين يديك. فالأذكارُ بمنزلة الصِّيَاح عليه، والزَّجْرِ له، ولكنَّ مَعْلُومَه ومُرَادَهُ عندك، وقد قَوَّيتَهُ (٣) عليك، فإذا لم يكن بين يديك شيءٌ يصلح له - وقد تأمَّلَكَ فرآكَ أقوى منه - فإنَّك تزجُرُه فَيَنْزَجِر، وتصيحُ عليه فيذهب. وكذلك "القلبُ" الخالي عن قُوت الشيطان يَنْزَجِرُ بمجرَّدِ الذِّكْرِ. وأمَّا "القلب" الذي فيه تلك الصفات التي هي مَرْكبه وموطنه، فيقع الذِّكْرُ في حواشيها وجوانبها، ولا يقوى على إخراج العدوِّ. ومصداق ذلك تجدُهُ في الصلاة، فتأمَّل الحالَ، وانظر: هل تُخْرِجُ الصلاةُ وأذكارُها وقراءَتُها الشيطانَ من قلبك، وتفرغه كلَّهُ لله تعالى، وتُقِيمُه بين يديه مقبلًا بكُلِّيَّتِهِ عليه، يصلي لله - تعالى - كأنَّه يَرَاهُ، قد اجتمع هَمُّهُ كلُّهُ على الله، وصار ذِكْرُه، ومراقَبتُه، ومحبَّتُه،

стр. 703

والأُنْسُ به؛ في مَحَلِّ الخواطر والوساوس؛ أم لا؟ فالله المستعان. وهاهنا نكتةٌ ينبغي التفطُّنُ لها، وهي أنَّ القلوبَ ممتلئةٌ بالأخلاط الرديئة. والعباداتُ والأذكارُ والتعوُّذَاتُ أدويةٌ لتلك الأخلاط، كما يثير الدواءُ أخلاطَ البدن، فإن كان قبل الدواء وبعده حِمْيَةٌ نَفَعَ ذلك الدواء، وقَلَعَ الدَّاءَ أو أكثَرَهُ، وإنْ لم يكن قبله ولا بعده حِمْيَةٌ (١) لم يزد الدواء على إثارته، وإن أزال منه شيئًا ما. فمدار الأمر على شيئين: الحِمْيَةِ، واستعمالِ الأدوية. فصل وأوَّلُ ما يطرق "القلبَ": الخَطْرَةُ. فإن دَفَعَها استراحَ ممَّا بعدها، وإن لم يدفَعْها قَوِيَت، فصارت: وَسْوَسَةً، فكان دفْعُها أصعب. فإن بادَرَ ودَفَعها، وإلا قويت، فصارت: شَهْوَةً. فإن عالَجَها، وإلا صارت: إرَادَةً. فإن عالَجَها، وإلا صارت: عَزِيمَةً. ومتى وصَلَتْ إلى هذه الحال لم يمكنه دَفْعُها، واقترنَ بها الفعلُ ولا بدَّ، وما يقدر عليه من مقدِّمَاتِه. وحينئذٍ ينتقل العلاجُ من مقدِّماته (٢) إلى أقوى الأدوية، وهو الاستفراغُ التَّامُّ بالتوبة النَّصُوحِ. ولا ريب أنَّ دفْعَ مبادِئ هذا الدَّاءِ أوَّلًا أسهلُ بكثير من طلب الدواء، وإذا وازَنَ العبدُ بين دَفْع هذا الداءِ (٣) من أوَّله، وبين استفراغه بعد حصوله - وساعَدَ القَدَرُ، وأعَانَ التوفيقُ - رأى أنَّ الدَّفْعَ أَوْلَى به.

стр. 704

وإنْ تألَّمَت النَّفْسُ بمفارقة المحبوب، فَلْيُوازِنْ بين فَوَاتِ هذا المحبوب الأَخَسِّ المنقطِعِ النَّكِدِ، المَشُوبِ بالآلام والهموم، وبين فوات المحبوب الأعظم الدائم الذي لا نسبةَ لهذا المحبوب إليه أَلْبَتَّةَ؛ لا في قَدْرِهِ، ولا في دَوَامِهِ (١) وبقائه. وَلْيُوازِنْ بين أَلَم فَوتِه، وبين أَلَم فَوتِ المحبوبِ الأخَسِّ. وَلْيُوازِنْ بين لذَّةِ الإنابةِ والإقبالِ على الله تعالى، والتنعُّمِ بحُبِّهِ، وذِكْرِهِ، وطاعتِه؛ ولذَّةِ الإقبال على الرذائل، والأَنْتَانِ، والقبائح. وَلْيُوازِنْ بين لذَّةِ الظَّفَر بالذَّنْب، ولذَّة الظَّفَر بالعَدُوِّ؛ وبين لذَّةِ الذنب، ولذَّةِ العِفَّةِ؛ ولذَّةِ الذنب، ولذَّةِ القوَّة وقَهْر الهَوَى؛ وبين لذَّةِ الذنب، ولذَّةِ إرغام عدوِّهِ وردِّهِ خاسئًا ذليلًا؛ وبين لذَّةِ الذنب، ولذَّةِ الطاعة التي تَحُولُ بينه وبينَه؛ وبين مرارة فَوتِه، ومَرَارةِ فَوتِ (٢) ثناء الله - تعالى - وملائكته عليه، وفَوتِ حُسْنِ جزائه، وجزيلِ ثوابه؛ وبين فرحةِ إدراكِه، وفرحة تركه لله - تعالى - عاجلًا، وفرحةِ ما يُثِيبُهُ عليه في دنياه وآخرته، والله المستعان. وهذا فصلٌ جَرَّهُ الكلام في قوله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]، أشرنا إليه إشارة (٣)، لو استقصيناه لاستدعَى عِدَّةَ أسفارٍ، ولكن فيما ذكرناه تنبيه على ما تركناه. وبالله التوفيق.

стр. 705

فصل ولنرجع إلى المقصود: ثُمَّ قال الله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: ٢٢]. أمَّا "الرِّزْقُ": ففُسِّر بالمطر (١)، وفُسِّر بالجنَّة (٢). فَفُسِّر برزق الدنيا والآخرة، ولا ريب أنَّ المطر من الرَّحمة، وأنَّ الجنَّةَ مستقَرُّ الرَّحمة. فَرِزْقُ الدَّارَين في السماء التي هي في العُلُوِّ. وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾، قال عطاء (٣): "من الثواب والعقاب". وقال الكلبي: "من الخير والشَّرِّ".

стр. 706

وقال مجاهد: "الجنَّة والنَّار". وقال ابن سيرين: "من أمر الساعة" (١). قلت: كَوْنُ الجنَّة والخير في السماء فلا إشكال فيه. وكَوْنُ النَّار في السماء وما يُوعَدُونَ به أهلُها يحتاجُ إلى تبيين: فإذا نظرت إلى أسباب الخير والشَّرِّ، وأسباب دخول الجنَّة والنَّار، وافتراق النَّاس وانقسامهم إلى شقيٍّ وسعيدٍ = وجدتَ ذلك كلَّه بقضاءِ الله وقَدَرِهِ النَّازل من السماء. وذلك كله مُثْبَتٌ في السماء في صحف الملائكة، وفي اللَّوح المحفوظ، قبل العمل وبعده. فالأمر كلُّه من السماء. وقول من قال: "من أمر السَّاعة" يكشف عن هذا المعنى؛ فإنَّ أمر السَّاعة يأتي من السماء، وهو الموعود بها، والجنَّةُ والنَّارُ الغايةُ التي لأجلها قامت السَّاعة. فصحَّ كلُّ ما قال السلف في ذلك. والله أعلم. فصل ثُمَّ أقسم - سبحانه - أعظمَ قسمٍ، بأعظم مُقْسَمٍ به، على أَجَلِّ مُقْسَمٍ عليه، وأكَّدَ الإخبار به بهذا القَسَم، ثُمَّ أكَّدَهُ - سبحانه - بشِبْهِه بالأمر المُحَقَّق الذي لا يشكُّ فيه ذو حاسَّةٍ سليمةٍ، قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾ [الذاريات: ٢٣]. قال ابن عباس ﵄: "يريدُ إنَّه لَحَقٌّ واقعٌ، كما أنكم

стр. 707

تنطقون". وقال الفرَّاء: "إنَّه لَحَقٌّ كما أنَّ الآدميَّ ناطِقٌ" (١). وقال الزجَّاجُ: "هذا كما تقول في الكلام: إنَّ هذا لحقٌّ كما أنَّك هاهنا" (٢). قلت: وفي الحديث "إنَّه لَحَقٌّ كما أنَّكَ هاهنا" (٣). فشَبَّهَ - سبحانه - تحقيقَ ما أخبر به بتحقيق نطق الآدميِّ ووجوده. والواحدُ منَّا يعرف أنَّه ناطقٌ ضرورةً، ولا يحتاج نُطْقُهُ إلى استدلالٍ على وجوده، ولا يُخَالِجُه شَكٌّ في أنَّه ناطِقٌ. فكذلك ما أخبر الله - سبحانه - عنه من أمر التوحيد، والنبوَّة، والمَعَاد، وأسمائه، وصفاته؛ حقٌّ ثابتٌ في نفس الأمر، يُشْبِهُ ثُبوت نطقكم ووجوده. وهذا بابٌ يعرفه النَّاس في كلامهم، يقول أحدُهم: هذا حقٌّ مثل الشمس. وأفصح الشاعر (٤) عن هذا بقوله: وليس يَصِحُّ في الأَذْهَانِ شيءٌ … إذا احتاجَ النَّهَارُ إلى دليل وهاهنا أمرٌ ينبغي التفطُّنُ له؛ وهو أنَّ الرَّبَّ - تعالى - شَهِدَ بصحة ما أخبر به، وهو أصدق الصادقين، وأقسم عليه، وهو أبَرُّ المُقْسِمِين، وأكَّدَهُ بتشبيهه بالواقع الذي لا يقبل الشكَّ بوجهٍ،

стр. 708

وأقام عليه من الأدلَّة العِيَانيَّةِ والبُرْهَانيَّة ما جعله مُعَايَنًا مُشَاهَدًا بالبصائر، وإن لم يُعَايَنْ بالأبصار = ومع ذلك فأكثر النُّفوس في غفلةٍ عنه لا تستعِدُّ له، ولا تأخذ له أُهْبَتَهُ. والمستعِدُّ له، الآخذُ له أُهْبَتَهُ؛ لا يعطيه حقَّه منهم إلا الفَرْد بعد الفَرْد، فأكثر هذا الخلق لا ينظرون في المراد من إيجادهم وإخراجهم إلى هذه الدار، ولا يتفكرون في قِلَّةِ مَقَامِهم في دار الغرور، ولا في رحيلهم وانتقالهم عنها، ولا إلى أين يرحلون؟ وأين يستقرُّون؟ قد مَلَكَهُم الحِسُّ، وقلَّ نصيبُهم من العقل، وشملتهم الغفلة، وغرَّتهم الأمانيُّ التي هي كالسَّرَاب، وخَدَعَهم طُولُ الأمل، فكأنَّ المقيمَ لا يَرْحَل، وكأنَّ أحدَهم لا يُبْعَث ولا يُسْأل، وكأنَّ مع كل مقيمٍ توقيعٌ من الله لفلانِ ابن فلانٍ بالأَمَانِ من عذابه، والفوزِ بجزيل ثوابه. فأمَّا هِمَّتُهُم (١) ففي اللذَّات الحِسِّية، والشهوات النفسيَّة، كيفَمَا حصلت حَصَّلُوها، ومن أيِّ وجهٍ لَاحَتْ أخذوها، غافلين عن المطالبة، آمنين من المُعَاقبة (٢). يَسْعَون لما لا يُدْرِكُون، ويتركون ما هم به مُطَالَبون، ويَعْمُرُون ما هم عنه منتقلون، ويُخرِّبون ما هم إليه صائرون، ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم: ٧]. ألسنتُهم لا تنطق (٣) إلا بشهواتِ نفوسهم، فلا ينظرون في مصالحها (٤)، ولا يأخذون في جمع زادها في سفرها: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ

стр. 709

هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)﴾ [الحشر: ١٩]. والعجبُ كلُّ العجب من غفلةِ من تُعَدُّ لحظاته، وتحصى عليه أَنْفَاسُهُ، ومطايا الليل والنَّهار تُسْرِع به، ولا يتفكر إلى أين يُحْمَلُ؟ ولا إلى أيِّ منزلٍ يُنْقَل؟ وكيفَ تَنَامُ العَينُ وهي قَرِيرَةٌ … ولم تَدْرِ في أَيِّ المَحَلَّينِ تَنْزِلُ؟ (١) وإذا نزل بأحدهم الموتُ قَلِقَ لِخَرَابِ ذاته، وذهابِ لَذَّاتِه، لا لما سَبَقَ من جناياته، ولا لسُوء منقلبه بعد مماته، فإن خطرت على قلب أحدهم خَطْرةٌ من ذلك اعتمد على العفو والرَّحمة، كأنَّهُ يتيقَّنُ أنَّ ذلك نصيبه ولا بدَّ. فلو أنَّ العاقلَ أحضَرَ ذهنه واستحضَرَ عقله، وسار بفكره، وأَنْعَم (٢) النَّظرَ، وتأمَّلَ الآيات = لَفَهِمَ المرادَ من إيجادِه، ولَنَظَرَتْ عينُ الراحِل إلى الطريق، ولأَخَذَ المسافرُ في التزوُّدِ، والمريضُ في التداوي. والحازِمُ يُعِدُّ [لـ] (٣) ــما يجوز أن يأتي؛ فما الظنُّ بأمر متيقَّنٍ! كما أنه لصِدْقِ إيمانهم، وقوَّةِ إيقانهم، وكأنَّهم يُعَاينُون الأمر، فأَضْحَت ربوعُ الإيمان من أهلها خالية، ومعالِمُهُ على عروشها خاوية.

стр. 710

قال ابن وهبٍ: أخبرني مَسْلَمَةُ بن عُلَيٍّ (١)، عن الأوزاعي، قال: "كان السلفُ إذا صَدَعَ الفجر أو قبله كأنَّما على رؤوسهم الطَّيْرُ، مُقْبِلين على أنفسهم، حتَّى لو أنَّ حبيبًا لأحدهم غاب عنه حينًا ثُمَّ قَدِمَ؛ لَمَا التفتَ إليه. فلا يزالون كذلك إلى طلوعِ الشمس، ثُمَّ يقوم بعضهم إلى بعضٍ فَيَتَحلَّقُونَ، فأوَّلُ ما يُفِيضُون فيه أمرُ مَعَادِهم، وما هم صائرون إليه، ثُمَّ (٢) يأخذون في الفقه" (٣).

стр. 711

فصل ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢)﴾ [ق: ١ - ٢]. الصحيحُ أنَّ: "ق"، و"ن"، و"ص"؛ بمنزلة "حم"، و"ألم"، و"طس"؛ تلك حروفٌ مُفْرَدَةٌ (١)، وهذه متعدِّدَةٌ، وقد تقدَّمت الإشارة إلى بعض ما قيل فيها (٢). وهاهنا قد اتَّحَدَ المُقْسَمُ (٣) به، والمُقْسَمُ عليه؛ وهو: القرآن. فأقسَمَ بالقرآنِ على ثبوته وصدقه، وأنَّه حقٌّ من عنده. ولذلك حذف الجوابَ ولم يُصَرِّح به؛ لمَا في القَسَم من الدلالة عليه، ولأنَّ المقصود نفس المُقْسَم (٤) به كما تقدَّم بيانه. ثُمَّ أخذ - سبحانه - في بيان عَجَبِ الكفَّار من غير عَجَبٍ، بل بما لا ينبغي أن يقع سواهُ، كما قال سبحانه: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١) أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ١ - ٢]، فأيُّ عَجَبٍ من هذا حتَّى يقول الكافرون: ﴿إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦)﴾؟ وكيف يُتَعَجَّبُ من رحمةِ الخالقِ عبادَهُ، وهدايتِه، وإنعامِه عليهم بتعريفهم على لسان رسوله ﷺ بطريق الخير والشَّرِّ، وما هم صائرون إليه بعد الموت، وأمرِهِم

стр. 712

ونَهْيهِم = حتَّى يُقَابَلَ ذلك بالتعجُّبِ، ونسبةِ مَنْ جاء به إلى السِّحْر، لولا غاية الجهل والظلم، بل العَجَبُ كلُّ العَجَب (١) قولُهم وتكذيبُهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: ٥].

стр. 713

فصل ومن ذلك قوله تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ [الزخرف: ١ - ٢]، وقوله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ [ص: ١]، وقوله تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ [يس: ١ - ٣]. والصحيح أنَّ "يس" بمنزلة "حم"، و"ألم"؛ ليست اسمًا (١) من أسماء النبيِّ ﷺ . وأقسم - سبحانه - بكتابه على صدق رسوله، وصحَّة نبوَّته ورسالته، فتأمَّلْ قَدْرَ المُقْسِم (٢)، والمُقْسَمِ به، والمُقْسَمِ عليه. وقوله تعالى: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)﴾ جُوِّزَ فيه ثلاثة أوجهٍ: ١ - أن يكون خبرًا بعد خبر، فأخبر عنه بأنَّه رسولٌ، وأنَّه على صراطٍ مستقيمٍ. ٢ - وأن يكون حالًا من الضمير في الخبر، أي: من المرسلين كائنًا على صراطٍ مستقيم (٣). ٣ - وأن يكون متعلِّقًا بالخبر نفسه. تعلُّقَ المعمول بعامله، أي: أُرسِلْتَ على صراطٍ. وهذا يحتاج إلى بيانٍ وتقديره: المَجْعُولين على صراطٍ مستقيمٍ. وكونه من المرسلين مستلزِمٌ لذلك؛ فاستغنى عن ذكره.

стр. 714

فصل ومن ذلك قوله : ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١)﴾ [الصافات: ١]. أقسم - سبحانه - بملائكته الصَّافَّات للعبوديَّة بين يديه، كما قال النبيُّ ﷺ لأصحابه: "ألا تَصُفُّونَ كما تَصُفُّ الملائكةُ عند رَبِّها؟ يُتِمُّون الأوَّلَ فالأوَّل، ويَتَراصُّونَ في الصفِّ" (١)، وكما قالوا عن أنفسهم: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥)﴾ [الصافات: ١٦٥]. والملائكة "الصَّافَّات": [التي تَصُفُّ] (٢) أجنحَتَها في الهواء. و"الزَّاجِرَاتُ": الملائكة التي تزجُرُ السَّحَاب وغيرَه بأمر الله، فـ "التاليات": التي تتلو كلام الله. وقيل: "الصَّافَّات" الطير، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩]، وقال تعالى: ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ [النور: ٤١]، و"الزَّاجِرَات": الآيات والكلمات الزاجرات عن معاصي الله، و"التاليات": الجماعات (٣) التاليات (٤) كتابَ الله . وقيل: "الصَّافَّات" للقتال في سبيل الله، فـ "الزَّاجِرات" الخيلَ للحمل على أعدائه، فـ "التاليات" الذاكرين له عند مُلَاقَاةِ عدوِّهم.

стр. 715

وقيل: ["الصَّافَّات"] (١): الجماعاتُ (٢) الصَّافَّاتُ أبدانها في الصلاة، "الزَّاجِرات" أنفسها عن معاصي الله، فـ "التاليات" آياتِ اللهِ. واللفظ يحتمل ذلك كلَّه، وان كان أحقَّ من دخل فيه وأَوْلَى الملائكةُ (٣)، فإنَّ الإقسام كالدليلِ والآيةِ على صحَّةِ ما أقسم عليه من التوحيد، وما ذُكِر غير الملائكة فهو من آثار الملائكة، وبواسطتها كان. وأقسم - سبحانه - بذلك على توحيد ربوبيَّتِه وإلهيَّته، وقرَّر توحيدَ إلهيَّتِه بتوحيد ربوبيَّتِه، فقال: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥)﴾ [الصافات: ٤، ٥]، [وهذا] (٤) من أعظم

стр. 716

الأدلَّة على أنَّه إلهٌ واحدٌ، ولو كان معه إلهٌ آخر لكان الإله مشاركًا له في ربوبيَّتِه، كما شاركه في إلهيَّتِه. تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. وهذه قاعدة القرآن؛ يقرِّرُ توحيد الإلهية بتوحيد الربوبية، فيقرِّرُ كونه معبودًا وحدَهُ بكونه خالقًا رازقًا وحده. وخَصَّ "المشارِقَ" هاهنا بالذِّكْرِ: ١ - إمَّا لدلالتها على "المغارب"، إذ الأَمْرَانِ المُتَضَايفَانِ كلٌّ منهما يستلزم الآخر. ٢ - وإمَّا لكون "المشارق" مطالعَ الكواكب، ومظاهرَ الأنوار. ٣ - وإمَّا توطِئَةً لما ذُكِرَ بعدها من تزيين السماء بزينة الكواكب، وجَعْلِها حفظًا من كلِّ شيطانٍ مارِدٍ. فَذِكْرُ "المشارِقِ" أنسبُ (١) بهذا المعنى وأَلْيَقُ. والله تعالى أعلم.

стр. 717

<رمز>فصل (١) </رمز> ومن ذلك قوله - تعالى - في قصة لوط ﵇، ومراجعة قومه له: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾ [الحجر: ٧٠ - ٧٢]. أكثر المفسِّرين من السَّلَفِ والخَلَف - بل لا يُعْرَفُ عن (٢) السلف فيه نزاعٌ - أنَّ هذا قَسَمٌ من الله بحياة رسوله ﷺ (٣). وهذا من أعظم فضائله؛ أنْ يُقْسِم الرَّبُّ بحياتِه، وهذه مزيَّةٌ لا تُعْرَفُ لغيره. ولم يُوَفَّق الزمخشريُّ لذلك، فصَرَفَ القَسَمَ إلى أنَّه بحياةِ لوطٍ ﵇، وأنَّه من قول الملائكة له، فقال: "هو على إرادة القول، أي: قالت الملائكة للوط ﵊: لَعَمْرُك إنَّهم لَفِي سكرتهم يعمهون" (٤).

стр. 718

وليس في اللفظ ما يدلُّ على واحدٍ من الأمرين، بل ظاهرُ اللفظِ وسياقُه إنَّما يدلُّ على ما فهمه السلف الطيِّبُ لا أهلُ التعطيل والاعتزال. قال ابن عباس ﵄: ""لَعَمْرُك" أي: وحياتِك". قال: "وما أقسم الله - تعالى - بحياة نبيٍّ غيره" (١). و"العَمْرُ" و"العُمْرُ": واحدٌ، إلا أنَّهم خَصُّوا القَسَم بالمفتوح

стр. 719

لإثبات الأخفِّ، لكثرة دَوَرَان (١) الحَلِفِ على ألسنتهم (٢). وأيضًا: فإنَّ "العَمْرَ" حياتُه خُصُوصةً (٣)، فهو عُمْرٌ شريفٌ عظيمٌ، أَهْلٌ أنْ يُقْسَمَ به، لمزيَّته على كلِّ عُمْرٍ من أعمار بني آدم. ولا ريب أنَّ عُمْرَهُ ﷺ له مَزيَّةٌ على عُمْر كلِّ من سواه، والآياتُ التي كانت في عُمْرِه وحياتِهِ من أعظم الآيات، بل عُمْرُهُ وحياتُهُ من أعظم النِّعَمِ والآياتِ، فهو أهلٌ أنْ يُقْسَمَ به، والقَسَمُ به أَوْلَى من القَسَم بغيره من المخلوقات. وقوله تعالى: ﴿يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾؛ أي: يَتَحَيَّرُون. وإنَّما وصف الله - سبحانه - اللُّوطِيَّةَ بالسَّكْرة؛ لأنَّ العِشْقَ له (٤) سَكْرةٌ مثلُ سَكْرَةِ الخَمْرِ وأشدُّ (٥)، كما قال القائل (٦): سُكْرَان: سُكْرُ هَوَىً، وسُكْرُ مُدَامَةٍ … ومتى إفَاقَةُ مَنْ به سُكْرَانِ؟

стр. 720

فصل ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. أقسم - سبحانه - بنفسِهِ المُقَدَّسَةِ، قَسَمًا مؤكَّدًا بالنفي قبله؛ على عدم إيمان الخَلْق حتَّى يحكِّموا رسوله في كلِّ ما شَجَر بينهم من الأصولِ، والفروع، وأحكامِ الشَّرْع، وأحكامِ المَعَادِ، ومسائِلِ الصِّفَاتِ وغيرِها. ولم يُثبِتْ لهم الإيمانَ بمُجَرَّدِ هذا التحكيم حتَّى ينتفي عنهم الحَرَجُ، وهو ضيقُ الصَّدْر، فتنشرح صدورُهم لحُكْمِه كلَّ الانشراح، وتَنْفَسِحَ له كلَّ الانْفِسَاح، وتقبَلَهُ كلَّ القبول. ولم يُثبِتْ لهم الإيمانَ بذلك - أيضًا - حتَّى يَنْضَافَ إليه مُقَابَلَةُ حكمه بالرِّضى والتسليمِ، وعدمِ المُنَازَعةِ، وانتفاءِ المعارضةِ والاعتراض. فهاهنا ثلاثةُ أمورٍ: التحكيم، وانتفاء الحرج، والتسليم. فلا يلزم من التحكيم انتفاء الحَرَج؛ إذ (١) قد يحكِّم الرجلُ غيرَهُ وعنده حَرَجٌ من حكمه. ولا يلزم من انتفاءِ الحَرَج الرِّضا والتسليمُ والانقيادُ؛ إذ قد يحكِّمُه وينتفي الحَرَجُ عنه في تحكيمه، ولكن لا ينقَادُ قلبُه، ولا يرضى كلَّ

стр. 721

الرِّضى بحكمه. فالتسليمُ أخَصُّ من انتفاءِ الحَرَجِ. فالحَرَجُ مانعٌ، والتسليمُ أمرٌ وجوديٌّ، ولا يلزم من انتفاءِ الحَرَجِ حصولُه بمجرَّدِ انتفائه، إذ قد ينتفي الحَرَجُ ويبقى "القلبُ" فارغًا منه، ومن الرِّضى والتسليمِ، فتأمَّلْهُ. وعند هذا تعلَمُ أنَّ الرَّبَّ ﵎ أقسَمَ على انتفاء إيمان أكثر الخلق، وعند الامتحان تُعْلَمُ مثل هذه الأمور الثلاثة؛ هل هي (١) موجودةٌ في قلب أكثر من يدَّعي الإسلام أم لا؟ والله - سبحانه - المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله العلي العظيم (٢)، وحسبنا الله ونعم الوكيل. آخِره؛ والحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه، وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا دائمًا إلى يوم الدين. * * *