← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 18337

التبيان في أيمان القرآن - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (721 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وجمعه: سُلَاميَات. فهنا ثلاثة أمور: أعضاء، وعظام، ومفاصل. وجعل الله - سبحانه - "العظام" أَصْلَبَ شيءٍ في البدن، لتكون أساسًا وعمدةً في البدن، إذ كانت الأعضاءُ كلُّها موضوعةً على "العظام"، حتَّى "القلب"، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وهي حاملةٌ للأعضاء، والحاملُ أقوى من المحمول. ولتكون وقايةً وجُنَّةً - أيضًا - كـ "القِحْفِ" (١) فإنَّه وقايةٌ "للدِّمَاغ"، و"عظام الصَّدرِ" وقايةٌ له. و جعلت "العظامُ" كثيرةً لفوائدَ ومنافعَ عديدة: منها: الحركة؛ فإنَّ الإنسانَ قد يحتاجُ إلى حركة بعض أجزائه دون بعضٍ، وقد يحتاج إلى حركة جزءٍ من عُضْوٍ. ومنها: أنَّه لو كان على عظمٍ واحدٍ لكَانَ إذا أراد أن يتحرَّكَ تحرَّكَ بجملته. ومنها: أنَّه (٢) كان يتعذَّر عليه الصنائع، والحَلُّ، والرَّبْطُ. ومنها: أنَّه (٣) كان إذا أصابته آفةٌ عمَّتْ جميع البدن، فجُعِلَت "العظامُ" كثيرةً ليكون متى نالَ بعضَها آفةٌ لم تَسْرِ إلى غيره، وقام غيره من

стр. 667

"العظام" مقامه في تحصيل تلك المنفعة. ومنها: تعدُّدُ (١) المنافع التي حصلت بسبب تعدُّدِ "العظام"، ولولا كثرتها وتعدُّدها لفاتت تلك المنافع. ومنها: أنَّ من "العظام" ما يحتاجُ البدنُ إلى كَبيرِهِ، ومنها ما يحتاجُ إلى صغِيرِهِ، ومنها ما يحتاج إلى مستطيلِهِ، ومنها ما يحتاجُ إلى مستدِيرِه، ومنها ما يحتاج إلى عريضِهِ، ومنها ما يحتاج إلى مُصْمَتِهِ (٢)، ومنها ما يحتاج إلى مُجَوَّفِهِ، ومنها ما يحتاج إلى مُنْحَنِيهِ، ومنها ما يحتاج إلى (٣) مستقيمه؛ ولا يحصل ذلك إلا بتعدُّدِ "العظام". ومنها: بديع الصَّنْعة، وحسن التأليف والتركيب. وغير ذلك من الفوائد. ثُمَّ شَدَّ الخالقُ - سبحانه - بعضَها إلى بعضٍ بالرِّبَاطَاتِ والأسْرِ المُحْكَم، ثُمَّ كَسَاها لحمًا؛ حفظًا لها ووقاية، ثُمَّ كَسَا اللَّحمَ جلدًا؛ صُوَانًا (٤) له. ولمَّا كانت الفَضَلاتُ تنقسم إلى: لطيفةٍ، وغليظةٍ؛ جعل الله - سبحانه - للغليظة منها مجاري تنجذب فيها إلى أسفل، وتخرُجُ منها خروجًا ظاهرًا للحِسِّ.

стр. 668

وأمَّا اللطيفة فهي الفَضَلات البُخَاريَّة، فإنَّ من شأنها أن تصعدَ إلى فوق، وتخرج عن البدن بالتحليل، بأنْ (١) جَعَلَ في "العظام" العليا منافذ يتحلَّلُ منها البُخَار المتصاعد. ولم تكن تلك المنافذ محسوسة، لئلَّا يَضْعُف صُوَانُ "الدِّماغ" (٢) - وهو "القِحْفُ" - بوصول الأجسام المؤذية إليه. فجَعَلَ "الدِّماغ" مركَّبًا عن عظامٍ كثيرةٍ، وَوَصَلَ بعضَها ببعضٍ بوُصَلٍ يقال لها: "الشُّؤون"، ومنه قولهم: فلان لم تُجْمَعْ شؤونُ رأسه (٣). ويشتمل "الرأس" بجملة أجزائه على تسعةٍ وخمسين عظمًا، وجُعل "القِحْفُ" مستديرًا بائنًا (٤) في مُقَدَّمِهِ ومُؤَخَّرِهِ وجانبيه، بمنزلة غِطَاء القِدْر. وعظامُه ستةٌ، وهي: عظم "اليَأفُوخ" (٥)، وعظم "الجَبْهَة"، وعظم مؤخَّر "الرأس"، والعظمان اللذان فيهما ثُقْبَا (٦) السَّمْع، وفي كلِّ واحدٍ من "الصُدْغَين" (٧) عظمان مُصْمَتَان.

стр. 669

وعظام "اللَّحْي الأعلى" أربعةَ عشر عظمًا: ستةٌ منها في مَحَاجِر (١) "العَينَين"، واثنان "للأنف"، واثنان تحت "الأنف" وهما المثقوبان (٢) إلى "الفم"، واثنان في "الوَجْنَتَين" (٣)، واثنان تحت "الشَّفَة العليا". وأمَّا العظم الشبيه بالوَتِد فهو واحدٌ، وهو كالقاعدة "للرأس". وعظام "اللَّحْي الأسفل" اثنان؛ وهما مُتَّصِلان في وَسْط "الذَّقَن" (٤)، وبينهما "الأسنان" (٥)، ويتصلان من فوق بـ "اللَّحْي الأعلى" اتصالًا مَفْصِليًّا. و"الأسنان": اثنان وثلاثون، في كل "لَحْي" ستة عشر: "ثَنِيَّتَان"، وتليهما "الرَّبَاعِيتان" (٦)، وتليهما "النَّابَان" (٧)، وتليهما "الأَضْرَاس": خمسةٌ من هاهنا، وخمسةٌ من هاهنا. و"النَّاجِذُ" أوَّلُ "الأَضْرَاس"، وهما "ناجِذَان"، في كلِّ ناحيةٍ "ناجِذٌ"، ورُبَّما نقصت "النواجِذُ" في بعض الأفراد، وكان في كلِّ جانبٍ

стр. 670

أربعة "أَضْرَاس". وقد سَلَّمَ اللهُ - سبحانه - غذاءَ الإنسان إلى يده، فتأخُذُه فتسلِّمُهُ إلى "شَفَتَيه"، فتسلِّمُهُ "الشَّفَتان" (١) إلى "الأَنْيَاب" و"الثَّنايا" فتُفَصِّلُهُ، ثُمَّ تسلِّمُه إلى "الأضراس" فتطحَنُهُ (٢)، ثُمَّ تسلِّمُه إلى "اللِّسَان" و"الفم" فَيَعْجِنُهُ، ثُمَّ يسلِّمُه إلى "الحُلْقُوم" و"المَرِيء" فَيَتَسَلَّمُهُ ويُوصِلُه إلى "المعدة"، فتطبَخُهُ وتُنضِجُهُ، وتُصْلِحُهُ كما ينبغي، ثُمَّ تُسلِّمُهُ إلى "الكبد"، فَيَتَسلَّمُهُ منها، ثُمَّ يُرسِلُ به إلى كلِّ عُضْوٍ راتِبَهُ ومعلُومَهُ، ثُمَّ يَصُبُّ "مِرَّتَهُ (٣) الصَّفْراءَ" في "المَرَارة"، و"السَّوْدَاءَ" في "الطِّحَالِ"، والثُّفْلَ يخرجه عنها كما تقدَّم بيانه. فصل و"الرأس" يقال بالعموم على ما يُقِلُّهُ "العُنُق" بجملته، ويقال بالخصوص على: ١ - "الفَرْوَةِ"؛ وهي جلدة "الرأس" حيث مَنْبَت "الشَّعْر". ٢ - و"الجُمْجُمَةِ": العظمِ الذي يحوي "الدِّماغ"، وهي مؤلَّفَةٌ من سبع قطعٍ متقابِلةٍ تسمَّى: "القَبَائل". وتسمَّى مواضع التأليف: "شؤونًا". ووَسْط "الجُمْجُمَة" يسمَّى: "الهَامَة". وحَدُّ "الهَامَة" من الجانبين قَرْنَا "الرأس"، وحَدُّ "الهَامَة" من

стр. 671

المُقَدَّم: "اليَأفُوخ"، ومن المُؤَخَّر: "القَمَحْدُوَة" (١)، وهي ما تصيب الأرض من رأس (٢) المُسْتَلْقِي على ظهره. ولها ثلاثة حدود: "نُقْرَةُ القَفَا"، و"القَذَالَان" (٣). فـ "نُقْرَةُ القَفَا" حدُّها من آخر الوسط. و"القَذَالَان" جانبا "النُّقْرَة". وقد تقدَّمَ تفصيل (٤) "القَبائل" السَّبْع. ويَسْتَظْهِر "الجُمْجُمَةَ" غِشَاءٌ (٥) يحيطُ بها يسمَّى: "السِّمْحَاق"، ويَسْتَبْطِنُها (٦) غِشَاءَان (٧): أحدُهما: يلي "الجُمْجُمَة"، وهو أَثْخَنُهما وأَصْلَبُهما. والآخر: يكتنف (٨) "الدِّمَاغ"، ويحيط به، ويخالطه (٩). ويقال لكلٍّ منهما: "أُمُّ الدِّمَاغ"، وتُسَمَّيَان: "الأُمَّان"، ومنه:

стр. 672

"الآمَّة"، و"المَأْمُومَة" التي فيها ثُلُث الدِّية، وهي الجراحة التي تبلغ "أُمَّ الدِّمَاغ". ويقال لكل (١) تجويفٍ في "الدِّمَاغ": بَطْنٌ، وهي ثلاث بُطُون. وبين بَطْنَي "الدِّماغ" اللَّذَين في مؤخَّرِهِ ووَسْطِه مَجْرَى، وفيه قطعةٌ من "الدِّمَاغ" مستطيلةٌ؛ شبيهةٌ بالدُّودَة، يَنْسَدُّ ذلك المَجْرَى وينفتح بها. وتحت "الدِّماغ" شبكَةٌ مبسوطَةٌ مؤلَّفَةٌ من "عُرُوقٍ ضَوَارِب"، يتولَّد فيها روحٌ نفسانيٌّ، ومنها ينفُذُ إلى البَطْنَين اللَّذَين في مُقَدَّم "الدِّمَاغ". وفي "الدِّمَاغ": البِرْكَةُ، والحَوضُ، والقِمْعُ، والدُّودةُ، والبُطُونُ، والأغشيةُ، ومبادئُ الأعصاب. ويحتوي "الدِّمَاغ" على ثلاث خزائن؛ نافِذٍ بعضُها إلى بعضٍ، وتسمَّى: "بطونًا": فالأُولَى: في مُقَدَّمِه وتنقسم إلى بَطْنَين. والثانية: في وَسْطه. والثالثة: في مُؤَخَّرِهِ. وجوهر "الدِّماغ": مُخِّيٌّ مُتَزَرِّدُ الشَّكْل، كأنَّه زَرَدٌ (٢) مجموع. والرُّوحُ النفسانيُّ مُثْبَتٌ (٣) في خلل الزَّرَد.

стр. 673

و"الدِّمَاغ" مقسومٌ في طوله بنصفين (١) مُتَضَامَّين، والتَّنْصِيف في مُقَدَّمِهِ أظهر. و"الغِشَاءَان" يدخلان في فصول "الدِّمَاغ" وتَزْرِيدِه، والصُّلْبُ منهما يدخل بُطُونًا بين جُزْئَي البَطْن المقدَّم (٢) فيحجزُ بينهما، وتحته مَصْفىً (٣) كالبِرْكَة تسمَّى: "المَعْصَرَة"، تَصُبُّ فيَ العُرُوق "الدَّمَ" المنطَبِخ، وتنبعث في جداول تسقي البطنَ المُقَدَّمَ، وتجتمع إلى عرقين كبيرين يحملان "الدَّمَ" إلى البطنِ الأوسطِ والمُؤَخَّرِ. والبطنُ الأوسطُ كدِهْلِيز (٤) ومنفذٍ بين (٥) المقدَّم والمؤخَّر، وسقفه معقودٌ كالأَزَجِ (٦). و"الدِّمَاغ" موضوعٌ طولًا على زائدتين الفخذين (٧) متقاربان، فَيَمْتَازَانِ (٨) ويتباعدان (٩) إلى الانفراج، فينفتح الدِّهْلِيز، ويَتَراءى البَطْنَان: المقدَّم والمؤخَّر.

стр. 674

والجزء المؤخَّر أخفى (١) تَزْرِيدًا من المقدَّم، وأصغر وأَعْجَفُ (٢) زَرَدًا، وهو كُريٌّ إلى الاستطالة، ويَسْتَدِق على التدريج، حتَّى يسيل منه "النُّخَاع" كالجدول من العين. وفي "الدِّمَاغ" جدولان يجريان (٣): أحدهما في آخر المقدَّم، والآخر في الأوسط لدفع فضوله. ويجتمعان عند منفذٍ واحدٍ عميقٍ: أوَّله في الغشاء الرقيق، والآخر في الغشاء الصُّلْب، يأخذ إلى مضيق كالقِمْع. ولمَّا كان "الدِّمَاغُ" مبدأ حركات البدن إلى إرادته لم يكن به حاجةٌ إلى الحركة القويَّة، فحُوِّطَ عليه بسُورٍ من "عظامٍ"، بخلاف "المعدة" و"الكبد" و"الرَّحِم"، وسائر آلات الغذاء، فإنَّها لمَّا احتاجت إلى أن تتسع وتمتلئ بالغذاء والحَمْلِ مرةً بعد أخرى، وأن تعصر على (٤) الفضول فتخرجَها - والعَظْم يمنع من ذلك - ويكفي فيه العَضَلُ (٥) وحده = فأحيط عليه بسورٍ من عَضَلٍ (٦).

стр. 675

وأمَّا "الصَّدْرُ" فإنَّه لمَّا احتاج إلى الوقاية (١) بـ "العظام"، وإلى الحركة بالعَضَل = أُلِّفَ "الصَّدْرُ" منهما. وكان "البطن" أوسع من "الصَّدْر"، لما يَحْوِيه (٢) من آلات الغذاءِ، والتنفُّسِ، و"الطِّحَالِ"، و"المريء" وغيرها.

стр. 676

فصل فاستقبل الآن النظر في نفسك من رأسٍ، وانظر إلى المبدأ الأوَّل وهو "النُّطْفَة"؛ التي هي قطرةٌ مهينةٌ ضعيفةٌ، لو تُرِكَت ساعة لبَطَلَت وفَسَدَت، كيف أخرجها رَبُّ الأرباب من بين الصُّلْب والترائب؟! وكيف أوقع المحبة والإلْفَ بين الذَّكَر والأنثى، ثُمَّ قادهما بسلسلة المحبة والشهوة إلى الاجتماع، ثُمَّ استخرج "النُّطْفَة" من الذَّكَر بحركة الوِقَاع من أعماق "العُرُوق"، وجمَعَها في "الرَّحِم" في قرارٍ مكينٍ، لا تناله يدٌ، ولا تطلع عليه شمسٌ، ولا يصيبه هواءٌ، ثُمَّ صرَّف تلك "النُّطْفَة" طَوْرًا بعد طَوْرٍ، وطَبَقًا بعد طَبَقٍ، وغَذَّاها بدم (١) الحيض. وكيف جعل - سبحانه - "النُّطْفَةَ" - وهي بيضاء مشرقة - عَلَقَةً حمراء، ثُمَّ جعلها مُضْغَةً، ثُمَّ قسَّمَ أجزاء "المُضْغَة" إلى: "العظامِ"، و"الأعصابِ"، و"العُرُوقِ"، و"الأوتارِ"، و"اللَّحْمِ" في داخل "الرَّحِم" في الظلمات الثلاث. ولو كُشِفَ لك الغطاء لرأيت التخطيطَ والتصويرَ يظهر في "النُّطْفة" شيئًا بعد شيء، من غير أن ترى المُصَوِّرَ، ولا آلته، ولا قَلَمَهُ. فهل رأيتَ مُصَوِّرًا لا تمسُّ آلتُه الصورَةَ (٢) ولا تُلَاقِيها؟ ثُمَّ تأمَّلْ هذه القُبَّةَ العظيمةَ التي قد رُكِّبَت على "المَنْكِبين"، وما أُودِعَ فيها من العجائب، وما رُكِّبَ فيها من الخزائن، وما أُودِعَ في تلك الخزائن من المنافع، وما اشتملت عليه هذه القُبَّة من "العظام" المختلفة

стр. 677

الأشكال والصفات والمنافع؛ ومن الرُّطُوبات، و"الأعصاب"، والطرق، والمجاري، و"الدِّماغ"، والمنافذ، والقُوى الباطنة من الذِّكْرِ، والفِكْرِ، والتخييل، وقوَّةِ الحفظ. ففيه القوَّة المفكِّرة، والمذكِّرة (١)، والمخيِّلة، والمحافظة (٢). وهذه القُوى مُودَعَةٌ في خزائن هذه القُبَّة (٣)، مسخَرَةٌ لمصالحه، يستعملها ويستخدمها كيف أراد. فتأمَّلْ كيف دَوَّرَ - سبحانه - "الرأسَ"، وشقَّ سمعَهُ، وبصَرَهُ، وأنفَهُ، وفمَه؟ وكيف ركَّب كُرِيَّهُ (٤) في بطن الأمِّ من ثلاثةٍ وعشرين عظمًا، وخلق تلك "العظام" على كيفيَّاتٍ مختلفةٍ. وتأمَّلْ كيف انقلبت تلك "النُّطْفَة" اللَّيِّنَة الضعيفة إلى "العظام" الصُّلْبة الشديدة؟ ثُمَّ تأمَّلْ كيف قدَّرَ - سبحانه - كلَّ واحدٍ من تلك "العظام" بشكلٍ مخصوصٍ، لو وُضِع بخلافِ ذلك (٥) لبطلت المنفعة، وفاتَ الغَرَض. ثُمَّ ركَّبَ بعضَها مع بعضٍ؛ بحيث حصل من مجموعها "كُرَةُ الرأس" على هذه الخِلْقَة المخصوصة. ولمَّا كان "الرأسُ" أشرفَ الأعضاء الإنسانية، وأجمَعَها

стр. 678

للقُوى والمنافع والآلات والخزائن = اقتضت العناية الإلهيَّة بأن صِينَ بأنواعٍ من الصيانات. وذلك أنَّ "الدِّمَاغ" يحيط به غشاءٌ رقيقٌ، وفوق ذلك الغشاء غشاءٌ آخر، يقال له: "السِّمْحَاق" (١). ثُمَّ فوق ذلك الغشاء طبقةٌ لَحْمِيَّةٌ، وفوق تلك الطبقة اللَّحْمية الجلدُ، ثُمَّ فوق الجلد "الشَّعْرُ". فخلق - سبحانه - فوق دِمَاغِك سَبْعَ طبقاتٍ، كما خلق فوق الأرض سبعَ سمواتٍ طباقًا. والمقصود من تخليقها الاحتفال (٢) في صَونِ "الدِّمَاغ" من الآفات. و"الدِّمَاغ" من "الرأس" بمنزلة "القلب" من البدن. وهو - سبحانه - قَسَّمَهُ في طوله ثلاثةَ أقسام، وجعل: ١ - القسمَ المقدَّمَ مَحَلَّ الحفظ والتخيُّل. ٢ - والبطنَ الأوسطَ مَحَلَّ التأمُّلِ والتفكُّرِ. ٣ - والبطنَ الأخيرَ مَحَلَّ التذكُّرِ والاسترجاع لمَا كان قد نَسِيَهُ.

стр. 679

وكلُّ واحدٍ من هذه الأمور الثلاثة أمرٌ مهمٌّ للإنسان لا بدَّ له منه، فإنَّه (١) محتاجٌ إلى التفهُّم والتفهيم، ولو لم يكن حافظًا المعاني المتصوَّرَات (٢) وصُوَرَها بعد غيبتها؛ لكَانَ إذا سمع كلمةً وفهمَها شَذَّت عنه عند مجيء الأخرى، فلم يحصل المقصود من التفهُّم (٣) والإفهام، فجَعَلَ له رَبُّهُ وفاطره - سبحانه - خزانةً تحفظُ له صُوَرَ المعلومات، حتَّى تجتمع له، وتسمَّى القوَّة التي فيها: "القوَّة الحافظة". ولا تتمُّ مصلحةُ الإنسان إلا بها، فإنَّه إذا رأى شيئًا، ثُمَّ غاب عنه، ثُمَّ رآه مرةً أخرى عَرَفَ أنَّ هذا الذي رآه الآن هو الذي رآه قبل ذلك؛ لأنَّه في المَرَّة الأُولى ثبتت صورته في الحافظة (٤)، ثُمَّ تَوَارَى عنه بالحجاب، فلمَّا رآه مرةً ثانيةً صارت هذه الصورة المحسوسة ثانيًا مطابقة للصورة المعنويَّة (٥) التي في الذِّهْن، فحصَل (٦) الجَزْمُ بأنَّ هذا ذاك، ولولا "القوَّة الحافظة" لما حصل ذلك، ولما عَرَفَ أحدٌ أحدًا بعد غيبته عنه. ولذلك إذا طالَت الغيبةُ جدًّا، وانْمَحَت تلك الصورة الأُولى من الذِّهْن بالكُلِّيَّة؛ لم يحصل له العلم بأنَّ هذا هو الذي رآه أوَّلًا، إلا بعد تفكُّرٍ وتأمُّلٍ. وقد قال قومٌ: إنَّ مَحَلَّ هذه الصُّوَر: "النَّفْسُ".

стр. 680

وقال قومٌ: مَحَلُّها "القلب". وقال قومٌ: مَحَلُّها "العقل". ولكلِّ فريقٍ منهم حُجَجٌ وأدلَّةٌ، وكلٌّ منهم أدرك شيئًا وغابت عنه أشياء. إذ الإدراك المذكور مفتقِرٌ إلى مجموع ذلك، لا يتمُّ إلا به. والتحقيقُ: أنَّ منشأَ ذلك ومبدأَهُ من "القلب"، ونهايَتَهُ ومستقَرَّهُ في "الرأس". وهي المسألة التي اختلف فيها الفقهاء: هل العقل في "القلب" أو في "الدِّماغ"؟ على قولين؛ حُكِيا روايتين عن الإمام أحمد (١). والتحقيق: أنَّ أصلَهُ ومادَّتَهُ من "القلب"، وينتهي إلى "الدِّمَاغ". قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦]، فجعل العقل (٢) بـ "القلب"، كما جعل السَّمْعَ بـ "الأُذُن"، والبَصَرَ بـ "العين". وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾ [ق: ٣٧]، قال غيرُ واحدٍ من السلف: "لمن كان له عقلٌ". واحتجَّ الآخَرون: بأنَّ الرَّجُلَ يُضْرَبُ في رأسه فيزول عقله، ولولا أنَّ العقل في "الرأس" لما زال. فإنَّ السمعَ والبصرَ لا يزولان بضرب اليدِ، ولا الرِّجْلِ، ولا غيرِهما من الأعضاء لعدم تعلقهما بها.

стр. 681

وأجاب أرباب "القلب" عن هذا: بأنَّه (١) لا يمتنع زواله بفساد "الدِّماغ" وإن كان في "القلب"؛ لما بين "القلب" و"الرأس" من الارتباط. وهذا كما (٢) يمتنع نباتُ شعر "اللِّحْيَة" بقطع "الأُنْثَيَين"، ففساد القوَّة بفساد العضو قد يكون؛ لأنَّه مَحَلُّها، وارتباطه بها. والله أعلم. وعلى كلِّ تقدير فذلك من أعظم آيات الله، وأدلَّته، وقدرته، وحكمته، كيف تَرْتَسِمُ (٣) صورة السماوات، والأرض، والبحار، والشمس، والقمر، والأقاليم، والممالك، والأُمم؛ في هذا المَحَلِّ الصغير؟ والإنسانُ يحفظ كتبًا كثيرةً جدًّا، وعلومًا شتَّى متعددة، وصنائع مختلفة، فترتَسِمُ كلُّها في هذا الجزء الصغير، من غير أن تختلط (٤) بعض هذه الصور ببعض، بل كلُّ صورةٍ منهُنَّ بنفسها مُحَصَّلَةٌ في هذا المَحَلِّ. وأنت لو ذهبتَ تنقُشُ صورًا وأشكالًا كثيرةً في مَحَلٍّ صغيرٍ لاختلط بعضُها ببعضٍ، وطَمَسَ بعضُها بعضًا. وهذا الجزء الصغير تنتقش فيه الصور الكثيرة المختلفة، والمتضادَّة (٥)، لا تُبطل منها صورةٌ صورةً. ومن أعجب الأشياء أنَّ هذه "القوَّة العاقلة" تقبل ما تُؤَدِّيه إليها الحَوَاسُّ، فتجتمع فيها، ثُمَّ تُفيد كلَّ حاسَّةٍ منها فائدةَ الحاسَّةِ الأُخرى.

стр. 682

مثاله: أنَّك ترى الشخص فتعلم أنَّه فلان، وتسمع صوته فتعلم أنَّه هو، وتلمسُ الشيءَ فتعرفه، وتشمُّه فتعرفَ أنَّه هو، ثُمَّ تستدلُّ بما تسمعه من صوته على أنَّه هو الذي رأيته، فيغنيك سماع صوته عن (١) رؤيته، ويقوم لك مقام مشاهدته. ولهذا جَوَّزَ أكثرُ الفقهاء شهادةَ الأعمى، وبيعَهُ وشراءَهُ. وأجمعوا على جواز وَطْئِه امرأَتَهُ، وهو لم يَرَها قَطُّ، اعتمادًا منه على الصوت، بل لو كانت خرساء - أيضًا - أو هو أطرش؛ جاز له الوطء. وقد جعل الله - سبحانه - بين السمع والبصر والفؤاد علاقةً وارتباطًا ونفوذًا يقوم به بعضها مقام بعض. ولهذا يَقْرنُ - سبحانه - بينها كثيرًا في كتابه كقوله: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً﴾ [الأحقاف: ٢٦]، وقوله: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩]، وهذا من عناية الخالق - سبحانه - بكمال هذه الصورة البشريَّة، لتقوم كلُّ حاسَّةٍ منها مقام الحاسَّةِ الأخرى، وتفيد فائدتها في الجملة، لا في كلِّ شيء. ثُمَّ أودع - سبحانه - قوَّةَ التفكُّر فيه، وأَمَرَهُ باستعمالها فيما يجدي عليه النفع في الدنيا والآخرة، فركَّبَ "القوَّةَ المُفَكِّرة" [من] (٢) شيئين من الأشياء الحاضرة عند "القوَّةِ الحافظة" تركيبًا خاصًّا، فيتولَّدُ من بين ذَيْنك الشيئين شيءٌ ثالثٌ جديدٌ لم يكن للعقل شُعُورٌ به، وكانت موادُّهُ عنده

стр. 683

لكن بسبب التركيب حصل له الأمر الثالث، ومن هاهنا حصل استخراج الصنائع، والحِرَفِ، والعلومِ، وبناء المُدُنِ والمساكِنِ، وأمورِ الزراعة والفلاحة، وغير ذلك. فلمَّا استخرجت "القوَّةُ المفكِّرةُ" ذلك، واستحسنته؛ سَلَّمته إلى "القوَّة الإراديَّة العمليَّة (١) "، فنقلته من ديوان الأذهان إلى ديوان الأعيان، فكان أمرًا ذهنيًّا ثُمَّ صار وجوديًّا خارجيًّا، ولولا الفِكْر لمَا اهتدَى الإنسانُ إلى تحصيل المصالح ودفِع المفاسد، وذلك من أعظم النِّعَم، وتمام العناية الإلهيَّة، ولهذا لمَّا فقَدَ البهائم والمجانين ونحوهم هذه القوَّة لم يتمكَّنُوا ممَّا تمكَّنَ منه أربابُ الفِكْر. ولمَّا كان استخراج المطلوب بهذه الطريق يتضمَّن تَفَكُّرًا وتقديرًا، فتفكِّرُ في استخراج المادَّة أوَّلًا، ثُمَّ تقدِّرُها وتفصِّلُها ثانيًا - كما يصنع الخيَّاط؛ يُحَصِّل الثوبَ، ثُمَّ يقدِّره ويفصِّلُه ثانيًا -؛ قال - تعالى - عن الوحيد (٢): ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠)﴾ [المدثر: ١٨ - ٢٠]، فكرَّرَ - سبحانه - التقدير دون التفكُّر، وذمَّهُ عليه دونه. وهذا مُنَزَّلٌ على مقتضَى الحال سواء، فإنَّه بالفِكْر طالِبٌ لاستخراج المجهول، وذلك غير مذموم. فلمَّا استخرجه قدَّرَ له تقديرين: تقديرًا كليًّا، وتقديرًا (٣) جزئيًّا. ١ - فالتقدير الكلي: أنَّ الساحر هو الذي يفرِّقُ بين المرء وزَوجه.

стр. 684

٢ - والتقدير الجزئي: الذي يفرِّق بين المرء وزوجه. فهاهنا تقديرٌ بعد تقدير، فلهذا كرَّرَهُ - سبحانه - وذَمَّهُ عليه، بخلاف التفكُّر (١)؛ فإنَّ المُفَكِّر (٢) طالبٌ لمعرفة الشيء، فلا يُذَمُّ، بخلاف من قَدَّرَ بعد تفكيره ما يُوصِله إلى تحقيق الباطل، وإبطال الحقِّ؛ فتأمَّلْهُ. فصل ثُمَّ انزِلْ إلى "العَينَين"، وتأمَّلْ عجائبَها، وشَكْلَها، وخَلْقَها، وإيداعَ (٣) النُّورِ البَاصِرِ فيها، وتركيبَها من عشر طبقاتٍ، وثلاث رطوبات. ولكلِّ واحدة من هذه الطبقات والرُّطُوبات شكلٌ مخصوصٌ، ومقدارٌ مخصوصٌ، لو لم يكن عليه لاختلَّت (٤) المصلحة المقصودة. وجعل - سبحانه - موضع الإبصار في قَدْر "العَدَسة"، ثُمَّ أظهر في تلك "العَدَسة" قدر السماء، والأرض، والجبال، والبحار، والشمس، والقمر. فكيف اتسعت تلك "العَدَسة" أن يُرسَمَ فيها ما لا نسبة لها إليه أَلْبَتَّة؟ وجعل تلك القوَّة الباصِرة في جزءٍ أسود، فتأمَّلْ كيف قام هذا

стр. 685

النُّور (١) الباصر بهذا الجزء الأسود؟ وجعل - سبحانه - "الحَدَقَةَ" مَصُونةً بـ "الأجفان"؛ لتسترها، وتحفظها، وتَصْقُلَها، وتدفع الأقذاءَ عنها. وجعل شعر "الأجفان" أسود؛ ليكونَ سواده سببًا لاجتماع النُّورِ الذي به الإبصار، ويكونَ مانعًا من تفرُّقِهِ، ويكونَ أبلغَ في الحُسْنِ والجمال. وخلق - سبحانه - لتحريك "الحَدَقَةِ" أربعًا وعشرين عَضَلةً، لو نقصت واحدةٌ منهُنَّ لاختلَّ أمر "العين". ولمَّا كانت "العينُ" شبيهةً بالمِرآة التي إنَّما يُنتفع بها إذا كانت في غاية الصَّقَالَةِ والصَّفَاءِ؛ جعل - سبحانه - "الأجفان" متحرِّكَةً إلى الانطباق (٢) والانفتاح (٣) أبدًا، باختيار الإنسان وغير اختياره، لتبقى "الحَدَقَةُ" نقيَّةً صافيةً عن جميع الكُدُورات. وجعل "العَينيَن" بمنزلة المِرآتين الصَّقيلتين اللَّتين تنطبع فيهما صور الأشياء الخارجيَّة، فيتأثر "القلب" بذلك، ثُمَّ يظهر ما فيه عليهما فتتأثران به. فهما مرآةٌ لما في "القلب" يظهر فيهما، ومرآةٌ لما في الخارج تنطبع صورته فيهما، فـ "العينان" على "القلب" كالزجاجتين الموضوعتين. ولذلك يُستَدلُّ باحوال "العين" على أحوال "القلب" من رضاه،

стр. 686

وغضبِهِ، وحُبِّهِ، وبُغْضِهِ، ونُفْرَتِه، وقُرْبِه (١). ومن أعجب الأشياء أنَّ "ماء العين" من ألطف أعضاء البدن، وهي لا تتأثر بالحرِّ والبرد كتأثرِ غيرِها من الأعضاء الكثيفة، ولو كان الأمر عائدًا إلى مجرد الطبيعة لكان ينبغي أن يكون الأمر بالعكس؛ لأنَّ الأَلْطَفَ أسرعُ تأثرًا (٢)، فعُلِم أنَّ حصول هذه المصالح ليس هو بمجرَّدِ الطَّبْعِ. فصل ثُمَّ اعدِلْ إلى "الأُذُنَين"؛ وتأمَّلْ شَقَّهُما، وخَلْقَهما، وإيداعَ الرُّطُوبة فيهما، ليكون ذلك عونًا على إدراك السمع، وجَعَلَ ماءَهُما مُرًّا (٣) لتمتنع الهَوَامُّ عن الدخول في "الأذن" (٤). وحَوَّطَهما (٥) - سبحانه - بصَدَفَتين يجمعان الصوت، ويؤدِّيَانه إلى "الصِّمَاخ". وجعل في الصَّدَفتين تعويجات؛ لِتَطُول المسافة فتنكسر حِدَّةُ الصوت؛ ولا تَلِجَ الهَوَامُّ دَفْعَةً، بل تكثر حركاتها فَتَنتَبِهُ لها، فتُخرجَها. وجعلَ "العَينيَن" مُقَدَّمَتَين، و"الأُذُنَين" مُؤَخَّرَتَين؛ لأنَّ "العَينَين" بمنزلة الطليعة والكاشِف والرائد الذي يتقدَّمُ القومَ ليكشف لهم، وبمنزلة

стр. 687

السِّرَاج الذي يضيءُ للسَّالِكِ (١) ما أمامه. وأمَّا "الأُذُنان" فتدركان المعاني الغائبة التي تَرِدُ على العبد من أمامه، ومن (٢) خلفه، وعن جانبيه. فكان جَعْلُهما في الجانبين أعدل الأمور. فسبحان من بَهَرَتْ حكمتُه العقولَ. وجعل "للعَينَين" غطاءً، ولم يجعل "للأُذُنَين" غطاءً (٣)؛ لأنَّ مُدْرَك "الأُذُن" الأصوات، ولا بقاء لها، فلو جُعِلَ عليهما غطاءٌ لزَالَ الصوتُ قبل ارتفاع الغطاء (٤)، فزالت المنفعة المقصودة. وأمَّا مُدْرَك "العين" فأمرٌ ثابتٌ. و"العينُ" محتاجةٌ إلى غطاءٍ يقيها، وحصول الغطاء لا يؤثِّر في بعض الإدراك. وقال بعض أهل العلم: "عَيْنَا" الإنسان هاديان، و"أذناهُ" رسولان إلى قلبه، و"لسانُه" ترجمان، و"يَدَاهُ" حاجِبَان (٥)، و"رِجْلَاهُ" بريدان، و"القلب" ملكٌ؛ فإذا طاب الملك طابت جنوده، وإذا خَبُثَ خَبُثَتْ جنودُه. فصل ثُمَّ انزِلْ إلى "الأَنْفِ"؛ وتأمَّلْ شَكْلَه وخِلْقَته، وكيف وَضَعَهُ (٦)

стр. 688

- سبحانه - في وَسْط "الوجه" بأحسن شَكْلٍ، وفتح فيه (١) بابين، وأودع فيهما حاسَّةَ الشَّمِّ، وجعله آلةً لاستنشاق الهواء، وإدراكِ الروائح على اختلافها، فيستنشق بهما الهواءَ الباردَ الطَّيِّبَ. فيستغني بـ "المِنْخَرَين" عن فتح "الفَم" أبدًا، ولولاهما لاحتاج إلى فتح "فَمِهِ" دائمًا. وجعل - سبحانه - تجويفه واسعًا لينحصر فيه الهواء، وينكسر بَرْدُهُ قبل الوصول إلى "الدِّماغ"، فإنَّ الهواءَ المُسْتَنْشَقَ ينقسم قسمين: شطرًا منه - وهو أكثره - ينفذ إلى "الرِّئة"، وشطرًا ينفذ إلى "الدِّمَاغ". ولذلك يَضُرُّ المَزْكُومَ استنشاقُ الهواء البارد. وجعل في "الأنف" - أيضًا - إعانةً على تقطيع الحروف. وجعل بين "المِنْخَرَين" حاجزًا، وذلك أبلغ (٢) في حصول المنفعة المقصودة، حتَّى كأنَّهما "أَنْفَان" (٣)؛ بمنزلة "العَينيَن" و"الأُذُنين" و"اليدين" و"الرِّجْلين". وقد يصيب أحد "المِنْخَرَين" آفةٌ، فيبقى الآخر سالمًا. وجَعَلَ تجويفَهُ نازلًا إلى أسفل؛ ليكون مَصَبًّا للفضلات النازلة من "الدِّمَاغ". وسَتَرَهُ بساتِرٍ (٤) أَبَدِيٍّ (٥)، لئلَّا تبدو تلك الفضلات في عين الرائي.

стр. 689

وتأمَّلْ منفعة النَّفَس الذي لو قُطع عن الإنسان لَهَلَكَ، وهو أربعةٌ وعشرون ألف نَفَسٍ في اليوم والليلة، قِسطُ كلِّ ساعةٍ ألفُ نَفَسٍ. وتأمَّلْ كيف يدخل الهواء في "المِنْخَرَين" فينكسر بَرْدُهُ هناك، ثُمَّ يصل إلى "الحُلْقُوم"، فيعتدل مِزَاجُهُ هناك، ثُمَّ يصل إلى "الرِّئة"، فيتصَفَّى فيها من الغِلَظِ والكُدْرَةِ، ثُمَّ يصل إلى "القلب" أصفَى ما كان وأعدَلَ، فيُرَوِّحُ عنه، ثُمَّ ينفذ منه إلى "العُرُوق" المتحرِّكة، ويتقدَّم إلى أقاصي أطراف البدن، ثُمَّ إذا سَخُنَ جدًّا وخرج عن حَدِّ الانتفاع؛ عادَ عن تلك الأقاصي إلى البدن، ثُمَّ إلى "الرِّئة" (١)، ثُمَّ إلى "الحُلْقُوم"، ثُمَّ إلى "المِنْخَرَين"، ثُمَّ يخرج، ويعودُ مثلُه … هكذا أبدًا، فمجموع ذلك هو النَّفَسُ الواحد. وقد أحصى الرَّبُّ عدَدَ هذه الأَنْفَاسِ، وجعل مقابل كلِّ نَفَسٍ منها ما شاء الله من الأحقاب في الجحيم، أو في (٢) النَّعيم. فما أَسْفَهَ من أضاعَ ما هذا قيمتُه في غير شيء. فصل وهو - سبحانه - جعل "القلب" أميرَ البدن، ومعدِنًا للحرارة الغريزيَّة، فإذا اسْتُنشِقَ الهواءُ الباردُ وصَلَ إلى "القلب" واعتَدَلَتْ حرارته، فيبقى هناك مدَّةً، [فإذا] (٣) سخُنَ واحتدَّ (٤)، واحتاجَ إلى

стр. 690

إخراجه ودَفْعِهِ معه، لم (١) يُضَيِّعْ أحكمُ الحاكمين ذلك النَّفَس ويخرجه بغير فائدة، بل جعل إخراجه سببًا لحدوث الصوت. ثُمَّ جعل - سبحانه - (٢) "الحَنْجَرَةَ" و"اللِّسَانَ" و"الحَنَكَ" (٣) آلاتٍ وأسبابًا، مختلفة الأشكال (٤)، فباختلافها يكون الصوت (٥)، فيحدث الحَرْف، ثُمَّ أَلْهَمَ الإنسانَ أن رَكَّبَ ذلك الحَرْفَ إلى مثله ونظيره، فتحدث الكلمة، ثُمَّ أَلْهَمَهُ تركيب تلك الكلمة إلى مثلها، فيحدث الكلام. فتأمَّلْ هذه الحِكْمَةَ الباهرة في إيصال النَّفَس إلى "القلب" لحفظ حياته، ثُمَّ عند الحاجة إلى إخراجه والاستغناء عنه جعله سببًا لهذه المنفعة العظيمة. فتبارك الله أحسن الخالقين. وخلق - سبحانه - هذه المقاطع والحَنَاجر مختلفةَ الأشكال، والضِّيق، والسَّعَة، والخُشُونة، والمَلَاسَة = لتختلف الأصوات باختلافها، فكما لا تتشابه صورتان من كلِّ وجهٍ، فلا يتشابه صوتان (٦)، بل كما يحصل الامتياز بين الأشخاص بالقوَّةِ البَاصِرَةِ، فكذلك يحصل بالقوَّةِ السَّامِعَةِ، فيحصل الامتياز للأعمى والبصير.

стр. 691

فصل ثُمَّ انزِلْ إلى "الصَّدْرِ"؛ تَرَى معدنَ العلم، والحِلْم، والوقار، والسكينة، والبِرِّ، وأضدادِها. فتجد صدور العِلْيَة (١) تغلي بالبرِّ، والخير، والعلم، والإحسان، وصدورَ السَّفِلَةِ (٢) تغلي بالفجورِ، والشَّرِّ، والإساءةِ، والحَسَدِ، والمَكْرِ. ثُمَّ انفُذْ من ساحة "الصَّدْر" إلى مشاهدة "القلب"؛ تجد مَلِكًا عظيمًا جالسًا على سرير مملكته، يأمر وينهى، ويولِّي ويعزِل. وقد حَفَّ به الأمراءُ (٣) والوزراء والجُند وكلُّهم في خدمته، إن استقامَ استقاموا، وإن زَاغَ زاغُوا، وإن صحَّ صَحُّوا، وإن فسد فسدوا، فعليه المُعَوَّلُ. وهو مَحَلُّ نظر الرَّبِّ تعالى، ومَحَلُّ معرفته، ومحبَّته، وخشيته، والتوكُّلِ عليه، والإنابةِ إليه، والرِّضَى به وعنه. والعبوديةُ عليه أوَّلًا؛ وعلى رعيَّته وجنده تبعًا. فأشرفُ ما في الإنسان "قلبُه"، فهو العالِمُ بالله، العامِلُ له، السَّاعي إليه، المُحِبُّ له، فهو مَحَلُّ الإيمان والعرفان. وهو المخاطَبُ المبعوثُ إليه الرُّسُلُ، المخصوصُ بأشرف العطايا، وهو الإيمان والعقل.

стр. 692

وإنَّما الجوارح أتباعٌ، وتُبَّعٌ "للقلب" يستخدمها استخدام الملوك للعبيد، والراعي للرعيَّة. والذي يسري إلى الجوارح من الطاعات والمعاصي إنَّما هي آثاره، فإنْ أظْلَمَ أظْلَمَت الجوارح، وإن اسْتَنارَ استنارت، ومع هذا فهو بين إصبعين من أصابع الرحمن (١). فسبحان مُقَلِّب القلوب، ومُودِعِها ما يشاء من أسرار الغيوب، الذي يحول بين المرء وقلبه، ويعلم ما ينطوي عليه من طاعته وذنبه (٢)، مُصَرِّفِ القلوب كيف أراد، وحيث أراد. أوحى إلى قلوب أوليائه: أنْ أَقْبِلِي إليَّ، فبَادَرَتْ، وبَاتَتْ (٣) وقَالَتْ (٤) بين يَدَي رَبِّ العالمين. وكَرِه انبعاثَ آخرين فَثَبَّطَهُم، وقيل: اقعُدُوا مع القاعدين. كانت أكثر يمين رسول الله ﷺ : "لا، ومُقَلِّبِ القلوب" (٥). وكان من دعائه: "اللهُمَّ يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا على طاعتك" (٦).

стр. 693

قال بعض السلف: "لَلْقَلْبُ أشدُّ تقلُّبًا من القِدْرِ إذا استجمعت غليانًا" (١). وقال آخر: "القلبُ أشدُّ تقلُّبًا (٢) من الريشة بأرضٍ فَلَاةٍ في يومِ ريحٍ عاصِفٍ" (٣).

стр. 694

و يطلق "القلب" على معنيين: أحدهما: أمرٌ حِسِّيٌّ؛ وهو العضو اللَّحْميُّ الصَّنَوبَرِيُّ الشَّكْل، المُودَعُ في الجانب الأيسر من "الصَّدْر"، وفي باطنه تجويفٌ، وفي التجويف دَمٌ أسود، وهو منبع "الرُّوح". والثاني: أمرٌ معنويٌّ؛ وهو لطيفةٌ ربَّانيةٌ رحمانيةٌ، روحانيَّةٌ، لها بهذا العضو تعلُّقُ اختصاصٍ. وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسانيَّة. و"للقلب" جُنْدَان: جندٌ يُرَى بالأبصار، وجندٌ يُرَى بالبصائر. فأمَّا جندُهُ المشاهَدَةُ: فالأعضاءُ الظاهرة والباطنة، وخُلِقَت خادِمةً له لا تستطيع له خلافًا. فإذا أَمَرَ "العينَ" بالانفتاح انفتحت، وإذا أمرَ "اللِّسَانَ" بالكلام تكلَّم، وإذا أمرَ "اليدَ" بالبطش (١) بطَشَت، وإذا أمرَ "الرِّجْلَ" بالسعي (٢) سَعَت، وكذا جميع الأعضاء ذُلِّلَتْ له تذليلًا (٣).

стр. 695

ولمَّا خُلِقَ "القلبُ" للسفر إلى الله - تعالى - والدار الآخرة، وجُعِلَ في هذا العالَم ليتزوَّدَ منه = افتقر إلى المَرْكبِ والزَّادِ لسفره الذي خلق لأجله، فأُعِينَ بالأعضاء والقُوَى، وسُخِّرَت له، وأُقِيمَت في خدمته؛ لتجلب له ما يوافقه من الغذاء والمنافع، ويدفع عنه ما يضرُّهُ ويهلكه، فافتقر إلى جُنْدَين: ١ - باطنٍ؛ وهو الإرادة، والشهوة (١)، والقُوى. ٢ - وظاهرٍ؛ وهو الأعضاء. فخلق في "القلب" من الإرادات والشهوات ما احتاج إليه، وخُلِقَت له الأعضاءُ التي هي آلةُ الإرادة، واحتاج لِدَفْع المَضَارِّ إلى جندين (٢): ١ - باطنٍ؛ وهو الغضب الذي يدفع المُهْلِكَات، وينتقم من الأعداء. ٢ - وظاهرٍ؛ وهو الأعضاء التي يُنْفِذُ بها غَضَبَهُ، كالأسلحة للمقاتل. ولا يتمُّ له ذلك إلا بمعرفته ما يَجْلِبُ وما يَدْفَعُ، فأُعِينَ بجُنْدٍ من العلم يكشف له حقائق ما ينفعه وما يضرُّه. ولمَّا سُلِّطَت عليه الشهوةُ، والغضبُ، والشيطانُ؛ أُعِين بجندٍ من الملائكة، وجَعَلَ له مَحَلًّا من الحلال يُنْفِذُ فيه شهواتِه، وجَعَلَ بإزائه

стр. 696

أعداءً له يُنْفِذُ فيهم غَضَبَهُ، فما ابتُلِيَ بصفةٍ من الصفات إلا وجُعِلَ له مَصْرِفٌ ومَحَلٌّ يُنْفِذُها فيه. فجُعِلَ لقوَّة الحَسَدِ (١) فيه مَصْرِفُ المنافسة في فِعْلِ الخير، والغِبْطَةِ عليه، والمسابقةِ إليه. ولقوَّة الكِبْرِ التكبُّرُ على أعداء الله - تعالى - وإهانتهم، وقد قال النبيُّ ﷺ لمن رآه يختال (٢) بين الصَّفَّين في الحرب: "إنَّهَا لمِشْيَةٌ يبغِضُها اللهُ إلا في هذا المَوطِنِ" (٣). وقد أمر الله - سبحانه - بالغِلْظَة على أعدائه. وجَعَلَ لقوَّة الحِرْصِ مَصْرِفًا، وهو الحرصُ على ما ينفع، كما قال النبيُّ ﷺ : "احرص على ما ينفعك" (٤).

стр. 697

ولقوَّة الشهوة مَصْرِفًا، وهو التزوُّجُ بأربع، والتَّسَرِّي بما شاء. ولقوَّة حُبِّ المال مَصْرِفًا، وهو إنفاقُه في مرضاته، والتزوُّدُ منه لمَعَاده. فمحبَّة المال على هذا الوجه لا تُذَمُّ. ولمحبَّة الجَاهِ مَصْرِفًا، وهو استعماله في تنفيذِ أوامره، وإقامةِ دينه، ونَصْرِ المظلوم، وإغاثةِ الملهوف، وإعانةِ الضعيف، وقَمْعِ أعداء الله. فمحبَّةُ الرياسة والجاه على هذا الوجه عبادةٌ. وجَعَلَ لقوَّة اللعب واللهو مَصْرِفًا، وهو لَهْوُهُ مع امرأته، أو بقوسِهِ وسَهْمِهِ، أو تأديبُهُ فَرَسَهُ. وكلُّ ما أعانَ على الحقِّ فهو من الحقِّ، وكلُّ ما أعانَ على الباطل فهو من الباطل والضلال (١). وجَعَلَ لقوَّة التحيُّلِ (٢) والمَكْرِ فيه مَصْرِفًا، وهو التحيُّلُ على عدوِّهِ وعدوِّ الله - تعالى - بأنواع التحيُّلِ (٣)، حتَّى يُرَاغِمَهُ ويردَّهُ خاسئًا، ويستعملَ معه من أنواع المَكْر ما يستعمله عدوُّهُ معه. وهكذا جميع القُوى التي رُكِّبَت فيه، فإنَّها لا تزول، ولا يُطْلَبُ (٤) إعْدَامُها؛ وقد ركَبَها اللهُ فيه لمصالح اقتضتها حكمته، فلا يُطْلَبُ تعطيلها، وإنَّما تُصْرَفُ مجاريها من مَحَلٍّ إلى مَحَلٍّ، ومن موضعٍ إلى موضعٍ. ومن تأمَّلَ هذا الموضع وتفقَّه فيه؛ عَلِمَ شدَّةَ الحاجة إليه،

стр. 698

وعظم الانتفاع به. فصل وجِمَاعُ الطرقِ والأبواب التي يُصابُ منها "القلب" وجنودُه: أربعةٌ، فمن ضَبَطها، وعَدَّلَها، وأصلح مجارِيَها، وصرَّفَها في مَحَالِّها اللائقة بها = ضُبِطَتْ وحُفِظَتْ (١) جوارحُه، ولم يشْمَتْ به عدوُّه، وهي: الحِرْصُ، والشهوةُ، والغَضَبُ، والحَسَدُ. فهذه الأربعة هي أصول مجامع طرق الشَّرِّ والخير، وكما هي طرقٌ إلى العذاب السَّرْمَدِيِّ، فهي طرقٌ إلى النَّعيم الأَبَديِّ. فـ "آدم" - أبو البشر ﷺ أُخْرِجَ من الجنَّة بالحرص، ثُمَّ أُدخل إليها بالحرص، ولكن فرقٌ بين حرصه الأوَّل، وحرصه الثاني. و"أبو الجنِّ" أُخرج منها بالحَسَد، ثُمَّ لم يُوَفَّق لمنافسةٍ وحَسَدٍ يُعِيدُهُ إليها، وقَد قال النبيُّ ﷺ : "لا حسدَ إلا في اثنتين: رجلٍ آتاهُ اللهُ مالًا، وسلَّطَهُ على هَلَكَتِهِ في الحقِّ. ورجلٍ آتاهُ اللهُ القرآنَ، فهو يقومُ به آناءَ الليلِ وأطرافَ النَّهار" (٢). وأمَّا الغَضَب فهو غُولُ (٣) العَقْلِ، يغتاله كما يغتال الذئبُ الشاةَ،

стр. 699

وأعظم ما يفترسه الشيطانُ عند غضبه وشهوته. فإذا كان حِرْصُهُ على ما ينفعه، وحَسَدُهُ منافسةً في الخير، وغضَبُهُ لله وعلى أعدائه، وشهوتُهُ مُستعمَلَةً فيما أبيح له = كان ذلك (١) عونًا له على ما أُمِر به، ولم تضرَّهُ هذه الأربعة؛ بل ينتفع بها أعظم الانتفاع. فصل وإذا تأمَّلْتَ حال "القلب" مع المَلَكِ والشيطانِ رأيتَ أعجب العجائب، فهذا يُلِمُّ به مرَّةً، وهذا يُلِمُّ به مرَّةً، فإذا أَلَمَّ به المَلَكُ حدَثَ من لَمَّتِه الانفساحُ، والانشراحُ، والنُّورُ، والرَّحمةُ، والإخلاصُ، والإنابةُ، ومحبَّةُ الله، وإيثارُه على ما سواه، وقِصَرُ الأَمَلِ، والتَّجَافِي عن دار البلاء والامتحان والغرور، فلو دامت له تلك الحالة لكان في أَهْنَأ عَيشٍ وأَلَذِّهِ وأَطْيَبِهِ. ولكن تأتيه لَمَّةُ الشيطان، فتُحْدِثُ له من الضِّيقِ، والظُّلْمةِ، والهَمِّ، والغَمِّ، والخوفِ، والسَّخَطِ على المقدور، والشَّكِّ (٢) في الحقِّ، والحرص على الدنيا وعاجِلِها، والغفلةِ عن الله = ما هو من أعظم عذاب "القلب" (٣).

стр. 700

ثُمَّ للنَّاس في هذه المحنة (١) مراتب لا يحصيها إلا الله : فمنهم من تكون لَمَّةُ المَلَك أغلب عليه من لَمَّةِ الشيطان وأقوى، فإذا أَلَمَّ به الشيطانُ وجَدَ من الأَلَم، والضِّيق، والحَصْر، وسوء الحال بحسب ما عنده من حياة "القلب"، فيُبَادِرُ إلى مَحْوِ تلك اللَّمَّة، ولا يَدَعها تستحكِمُ فيصعب تداركها. فهو دائمٌ بين اللَّمَّتَين، يُدَالُ له مرَّةً، ويُدَالُ عليه مرَّةً أخرى، والعاقبة للتقوى. ومنهم من تكون لَمَّةُ الشيطان أغلب عليه من لَمَّةِ المَلَك وأقوى، فلا تزال تغلبُ لَمَّةَ المَلَك حتَّى تستحكم ويصير الحكم لها، فيموت

стр. 701

"القلب"، فلا يُحِسُّ بما ناله (١) الشيطان، مع أنَّه في غاية العذاب، والأَلَم، والضِّيق، والحَصْر، ولكنَّ سُكْرَ الشهوة والغفلة حَجَبَ عنه الإحساس بذلك المُؤْلِم. فإذا كُشِفَ عنه بعض غطائه أدركَ سُوءَ حاله، وعَلِمَ ما هو فيه، فإن استمرَّ له كَشْفُ الغطاء أمكَنَهُ (٢) تدارُكُ هذا الدَّاءِ وحَسْمُهُ، وإن عادَ الغطاءُ عادَ الأمر كما كان، حتَّى يُكْشَفَ عنه وقت المُفَارَقَة، فتظهر حينئذٍ تلك الآلامُ، والهُمومُ، والغمومُ، والأحزانُ، وهي لم تتجدَّدْ له، وإنَّما كانت كامنةً فيه، تُوَارِيها الشَّوَاغِلُ، فلمَّا زالت الشَّوَاغل ظهر ما كان كامنًا، وتجدَّدَ له أضعافُه. فصل والشيطانُ يُلِمُّ بـ "القلب" لِمَا له هناك من جَوَاذِب تجذبه، وهي نوعان: صفات، وإرادات. فإذا كانت الجَوَاذِبُ صفاتٍ قَوِيَ سُلْطَانُه هناك، واسْتفْحَلَ أمرُهُ، ووجَدَ موطِنًا ومَقَرًّا، فتبقى (٣) الأذكارُ والدَّعواتُ والتعوُّذَاتُ التي يأتي بها الإنسانُ (٤) حديثَ نفسٍ، لا تدفعُ سلطانَ الشيطان؛ لأنَّ مَرْكبَهُ صفةٌ لازِمةٌ.

стр. 702

فإذا قلع العبدُ تلك الصفاتِ من قلبه (١)، وعَمِلَ على التَّطهُّرِ منها والاغتسال، بَقِيَ للشيطان بـ "القلب" خَطَرَاتٌ، ووَسَاوِسُ، ولَمَّاتٌ من غير استقرار، وذلك يُضْعِفُه، ويقوِّي لَمَّةَ المَلَك، فتأتي الأذكارُ، والدَّعواتُ، والتعوُّذَاتُ؛ فتدفعه بأسهل شيء. وإذا أردت لذلك مثالًا مطابقًا: فَمَثَلُه مَثَلُ كلبٍ جائعٍ، شديدِ الجوع، وبينك وبينه لحمٌ أو خبزٌ، وهو يتأمَّلك، فيراك لا تقاوِمُه وهو قد اقتربَ منك، فأنت تَزْجُرُه، وتصيحُ عليه، وهو يأبَى إلا الهجوم (٢) عليك، والغَارَة على ما بين يديك. فالأذكارُ بمنزلة الصِّيَاح عليه، والزَّجْرِ له، ولكنَّ مَعْلُومَه ومُرَادَهُ عندك، وقد قَوَّيتَهُ (٣) عليك، فإذا لم يكن بين يديك شيءٌ يصلح له - وقد تأمَّلَكَ فرآكَ أقوى منه - فإنَّك تزجُرُه فَيَنْزَجِر، وتصيحُ عليه فيذهب. وكذلك "القلبُ" الخالي عن قُوت الشيطان يَنْزَجِرُ بمجرَّدِ الذِّكْرِ. وأمَّا "القلب" الذي فيه تلك الصفات التي هي مَرْكبه وموطنه، فيقع الذِّكْرُ في حواشيها وجوانبها، ولا يقوى على إخراج العدوِّ. ومصداق ذلك تجدُهُ في الصلاة، فتأمَّل الحالَ، وانظر: هل تُخْرِجُ الصلاةُ وأذكارُها وقراءَتُها الشيطانَ من قلبك، وتفرغه كلَّهُ لله تعالى، وتُقِيمُه بين يديه مقبلًا بكُلِّيَّتِهِ عليه، يصلي لله - تعالى - كأنَّه يَرَاهُ، قد اجتمع هَمُّهُ كلُّهُ على الله، وصار ذِكْرُه، ومراقَبتُه، ومحبَّتُه،

стр. 703

والأُنْسُ به؛ في مَحَلِّ الخواطر والوساوس؛ أم لا؟ فالله المستعان. وهاهنا نكتةٌ ينبغي التفطُّنُ لها، وهي أنَّ القلوبَ ممتلئةٌ بالأخلاط الرديئة. والعباداتُ والأذكارُ والتعوُّذَاتُ أدويةٌ لتلك الأخلاط، كما يثير الدواءُ أخلاطَ البدن، فإن كان قبل الدواء وبعده حِمْيَةٌ نَفَعَ ذلك الدواء، وقَلَعَ الدَّاءَ أو أكثَرَهُ، وإنْ لم يكن قبله ولا بعده حِمْيَةٌ (١) لم يزد الدواء على إثارته، وإن أزال منه شيئًا ما. فمدار الأمر على شيئين: الحِمْيَةِ، واستعمالِ الأدوية. فصل وأوَّلُ ما يطرق "القلبَ": الخَطْرَةُ. فإن دَفَعَها استراحَ ممَّا بعدها، وإن لم يدفَعْها قَوِيَت، فصارت: وَسْوَسَةً، فكان دفْعُها أصعب. فإن بادَرَ ودَفَعها، وإلا قويت، فصارت: شَهْوَةً. فإن عالَجَها، وإلا صارت: إرَادَةً. فإن عالَجَها، وإلا صارت: عَزِيمَةً. ومتى وصَلَتْ إلى هذه الحال لم يمكنه دَفْعُها، واقترنَ بها الفعلُ ولا بدَّ، وما يقدر عليه من مقدِّمَاتِه. وحينئذٍ ينتقل العلاجُ من مقدِّماته (٢) إلى أقوى الأدوية، وهو الاستفراغُ التَّامُّ بالتوبة النَّصُوحِ. ولا ريب أنَّ دفْعَ مبادِئ هذا الدَّاءِ أوَّلًا أسهلُ بكثير من طلب الدواء، وإذا وازَنَ العبدُ بين دَفْع هذا الداءِ (٣) من أوَّله، وبين استفراغه بعد حصوله - وساعَدَ القَدَرُ، وأعَانَ التوفيقُ - رأى أنَّ الدَّفْعَ أَوْلَى به.

стр. 704

وإنْ تألَّمَت النَّفْسُ بمفارقة المحبوب، فَلْيُوازِنْ بين فَوَاتِ هذا المحبوب الأَخَسِّ المنقطِعِ النَّكِدِ، المَشُوبِ بالآلام والهموم، وبين فوات المحبوب الأعظم الدائم الذي لا نسبةَ لهذا المحبوب إليه أَلْبَتَّةَ؛ لا في قَدْرِهِ، ولا في دَوَامِهِ (١) وبقائه. وَلْيُوازِنْ بين أَلَم فَوتِه، وبين أَلَم فَوتِ المحبوبِ الأخَسِّ. وَلْيُوازِنْ بين لذَّةِ الإنابةِ والإقبالِ على الله تعالى، والتنعُّمِ بحُبِّهِ، وذِكْرِهِ، وطاعتِه؛ ولذَّةِ الإقبال على الرذائل، والأَنْتَانِ، والقبائح. وَلْيُوازِنْ بين لذَّةِ الظَّفَر بالذَّنْب، ولذَّة الظَّفَر بالعَدُوِّ؛ وبين لذَّةِ الذنب، ولذَّةِ العِفَّةِ؛ ولذَّةِ الذنب، ولذَّةِ القوَّة وقَهْر الهَوَى؛ وبين لذَّةِ الذنب، ولذَّةِ إرغام عدوِّهِ وردِّهِ خاسئًا ذليلًا؛ وبين لذَّةِ الذنب، ولذَّةِ الطاعة التي تَحُولُ بينه وبينَه؛ وبين مرارة فَوتِه، ومَرَارةِ فَوتِ (٢) ثناء الله - تعالى - وملائكته عليه، وفَوتِ حُسْنِ جزائه، وجزيلِ ثوابه؛ وبين فرحةِ إدراكِه، وفرحة تركه لله - تعالى - عاجلًا، وفرحةِ ما يُثِيبُهُ عليه في دنياه وآخرته، والله المستعان. وهذا فصلٌ جَرَّهُ الكلام في قوله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]، أشرنا إليه إشارة (٣)، لو استقصيناه لاستدعَى عِدَّةَ أسفارٍ، ولكن فيما ذكرناه تنبيه على ما تركناه. وبالله التوفيق.

стр. 705

فصل ولنرجع إلى المقصود: ثُمَّ قال الله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: ٢٢]. أمَّا "الرِّزْقُ": ففُسِّر بالمطر (١)، وفُسِّر بالجنَّة (٢). فَفُسِّر برزق الدنيا والآخرة، ولا ريب أنَّ المطر من الرَّحمة، وأنَّ الجنَّةَ مستقَرُّ الرَّحمة. فَرِزْقُ الدَّارَين في السماء التي هي في العُلُوِّ. وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾، قال عطاء (٣): "من الثواب والعقاب". وقال الكلبي: "من الخير والشَّرِّ".
следующие страницы →