بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
الحمد لله ربِّ العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ربُّ العالمين، وقيُّومُ السمواتِ والأرضين. وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، المبعوثُ بالكتاب المبين، الفارق بين الغَيِّ والرَّشَادِ، والهُدَى والضلالِ، والشَّكِّ واليقينِ، صلَّى الله عليه وعلى آله الطَّيِّبِين الطَّاهِرين، صلاةً دائمةً بدوام السموات والأرضين.
وبعد:
فهذا كتابٌ صغير الحجم، كبير النفع، فيما وقع في القرآن العزيز من الأَيْمَانِ والأَقْسَام، والكلام عليها يَمِينًا (٢)، وارتباطها بالمُقْسَمِ عليه، وذكر أجوبة القَسَم المذكورة [و] (٣) المقدَّرة، وأسرار هذه الأقْسَام، فإنَّ لها شأنًا عظيمًا يعرفه الواقف عليه في هذا الكتاب، وسَمَّيتُه: "كتابَ التِّبْيانِ في أيْمَانِ القرآنِ".
واللهُ المسؤولُ أن ينفع به من قرأه وكتبه ونظر فيه، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم (٤)، سببًا لمغفرته.
فما كان فيه من صوابٍ فمِنَ الله فَضْلًا ومِنَّةً، وما كان فيه من خطأ فَمِنِّي ومن الشيطان (٥)، والله ورسوله بريئان منه.
стр. 72
فيا أيُّها القارئُ؛ لك غُنْمُه، وعلى مؤلِّفه غُرْمُه، ولم يَأْلُ في معرفة المراد (١)، والله وليُّ التوفيق والسَّدَاد، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 73
اعلم أنَّ الله (١) - سبحانه - يُقْسِمُ بأمورٍ على أمورٍ، وإنَّما يُقْسِم بنفسِهِ [المُقَدَّسَةِ] (٢) الموصُوفَةِ بصفاتِه، أو آياتِه المستلزِمة لِذَاتِه وصفاتِه، وإقْسَامُه ببعض المخلوقات دليلٌ على أنَّه من عظيم آياته.
فالقَسَمُ:
إمَّا على جملةٍ خبريةٍ - وهو الغالب - كقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات: ٢٣].
وإمَّا على جملةٍ طلبيةٍ، كقوله : ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣].
مع أنَّ هذا القَسَمَ قد يُرَادُ به تحقيقُ المُقْسَم عليه، فيكون من باب الخبر، وقد يراد به تحقيق القَسَم.
والمُقْسَمُ عليه يُرَاد بالقَسَم توكيدُهُ وتحقيقُهُ، فلا بدَّ أن يكون ممَّا يَحْسُن فيه ذلك، كالأمور الغائبةِ والخَفِيَّة إذا أُقْسِمَ على ثبوتها.
فأمَّا الأمور المشهودة (٣) الظاهرة كالشمس، والقمرِ، واللَّيلِ، والنَّهارِ، والسماءِ، والأرضِ، فهذه يُقْسَمُ بها ولا يُقْسَمُ عليها.
وما أقْسَمَ عليه الرَّبُّ - سبحانه - فهو من آياته، فيجوزُ أن يكون مُقْسَمًا به، ولا ينعكس.
стр. 74
فهو - سبحانه - يذكر جوابَ القَسَم تارةً - وهو الغالب -، وتارةً يحذفه، كما يحذف جواب "لو" كثيرًا، كقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥)﴾ [التكاثر: ٥] وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد: ٣١]، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ [الأنفال: ٥٠]، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾ [سبأ: ٥١]، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٣٠].
ومثل هذا حذفه من أحسن الكلام؛ لأنَّ المراد: "أنَّك لو رأيتَ ذلك لرأيت (١) هَولًا عظيمًا"، فليس في ذكر الجواب زيادةٌ على ما دلَّ (٢) عليه الشَّرطُ.
وهذه (٣) عادةُ النَّاس في كلامهم، إذا رَأَوا أمورًا عجيبةً وأرادوا أن يُخبروا بها لغائبٍ عنها؛ يقول أحدُهم: لو رأيتَ ما جرى يوم كذا (٤) بموضع كذا.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾ [البقرة: ١٦٥]، فالمعنى - في أظهر الوجهين -: لو يَرى الذين ظلموا في الدنيا إذ يرون العذاب في الآخرة، والجواب محذوف (٥). ثُمَّ قال بعد ذلك: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾. كما
стр. 75
قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾ [سبأ: ٥١]، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ [الأنفال: ٥٠]؛ أي: لو تَرى ذلك الوقت وما فيه.
وأمَّا المُقْسَمُ [عليه] (١)؛ فإنَّ الحالِفَ قد يحلف على الشيء ثُمَّ يكرِّرُ القَسَمَ ولا يعيد المُقْسَم عليه، لأنَّه قد عُرِفَ ما يحلف عليه، فيقول: واللهِ إنَّ لي عليه ألفَ درهمٍ، ثُمَّ يقول: ورَبِّ السماءِ والأرضِ، والذي نفسي بيده، وحَقِّ القرآنِ العظيمِ، ولا يعيدُ المُقْسَمَ عليه، لأنَّه قد عُرِفَ المُرادُ.
والقَسَمُ لمَّا كان يكثر في الكلام اختُصِرَ، فصارَ فِعْلُ القَسَم يُحذَف ويكتفى بـ "الباء"، ثُمَّ عُوِّض من "الباءِ": "الواوُ" في الأسماء الظاهرة، وبـ "التاء" في اسم الله كقوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧]، وقد نُقِل: "تَرَبِّ الكعبةِ" (٢)، وأمَّا "الواو" فكثيرٌ.
стр. 76
فصل
إذا عُرِف هذا؛ فهو - سبحانه - يُقْسِمُ على أصول الإيمان، التي يجب على الخلق معرفتُها: تارةً يُقْسِمُ على (١) التوحيد، وتارةً يُقْسِمُ على أنَّ القرآنَ حقٌّ، وتارةً على أنَّ الرسولَ حقٌّ، وتارةً على الجزاء والوعد والوعيد، وتارةً على حال الإنسان.
فالأوَّل: كقوله تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤)﴾ [الصافات: ١ - ٤].
والثاني: كقوله تعالى (٢): ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٧٧].
وقوله: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ١ - ٣].
و ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] إذا جُعِل ذلك جواب القسم كما هو الظاهر.
وإن قيل: بل الجوابُ محذوفٌ؛ كان كقوله: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ [ص: ١]، فإنه هنا حذفَ الجواب (٣). ومن قال: إنَّ الجواب هو قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾ [ص: ٦٤]؛ فقد أَبْعَدَ النُّجْعَةَ (٤).
стр. 77
والقَسَمُ على الرسول ﷺ ؛ كقوله: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)﴾ [يس: ١ - ٤] إذا قيل هو الجواب. وإن قيل: الجوابُ محذوفٌ؛ كان كما ذُكِر.
ومنه قوله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾ [القلم: ١ - ٢].
ومنه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢)﴾ [النجم: ١ - ٢] إلى آخر القصة.
ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ الآية [الحاقة: ٣٨ - ٤١].
وأمَّا القَسَم على الجزاء والوعد والوعيد؛ ففي مثل قوله تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١)﴾ [الذاريات: ١] إلى آخر القَسَم، ثُمَّ ذَكَر تفصيل الجزاء، وذَكَر الجنَّة والنَّار، وذكر أنَّ في السماء رزقكم وما توعدون، ثُمَّ قال: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾ [الذاريات: ٢٣].
ومثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾ [المرسلات: ١ - ٧].
ومثل: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢)﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)﴾ [الطور: ١ - ٨].
وقد أمر نبيَّه أن يُقْسِمَ على الجزاء والمَعَاد في ثلاث آيات:
١ - فقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ الآية [التغابن: ٧].
стр. 78
٢ - وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣].
وهذا لأنَّ المَعَادَ إنَّما يعلَمُه عامَّة النَّاس بإخبار الأنبياء، وإن كان من النَّاس من قد يعلمه بالنَّظَر.
وقد تنازع النُّظَّارُ في ذلك؛ فقالت طائفةٌ: إنَّه لا يمكن عِلْمُه إلا بالسَّمْعِ - وهو الخبر -؛ وهو قول من لا يرى تعليل الأفعال، ويقول: لا ندري ما يفعل اللهُ إلا بِعَادَةٍ أو خَبَرٍ، كما يقول جَهْمٌ ومن اتبعه، والأشعريُّ وأتباعه، وكثيرٌ من أهل الكلام والفقه والحديث من أتباع الأئمة الأربعة.
بخلاف العلم بالصَّانِعِ - سبحانه - فإنَّ النَّاسَ متفقون على أنَّه يُعْلَمُ بالعقل، وإن كان ذلك ممَّا نَبَّهَتْ عليه الرُّسُلُ.
وصفاتُه قد تُعْلَمُ بالعقل، وتُعْلَم بالسَّمْع - أيضًا - كما قد بُسِطَ في موضعٍ آخر (١).
وأمَّا القَسَم على أحوال الإنسان؛ فكقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)﴾ [الليل: ١ - ٤] إلى آخر السورة.
стр. 79
ولفظ "السَّعيِ" هو: العمل، لكن يراد به العمل الذي يهتمُّ (١) به صاحبُه، ويجتهد فيه بحسب الإمكان؛ فإن كان يفتقر إلى عَدْوِ بَدَنِهِ عَدَا، وإن كان يفتقر إلى جمْع أعوانٍ جَمَع، وإن كان يفتقر إلى تفرُّغٍ له وتَرْكِ غيرِه؛ فَعَل ذلك.
فلفظ "السَّعْي" في القرآن جاء بهذا الاعتبار، ليس هو مُرادِفًا للفظ العمل كما ظنَّهُ طائفةٌ، بل هو عملٌ مخصوصٌ يهتَمُّ به (٢) صاحبه، ويجتهد فيه، ولهذا قال في الجُمُعَة: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وهذه أحسن من قراءة من قرأ: ﴿فامْضُوا إلى ذكر الله﴾ (٣).
وقد ثبت في "الصحيح" عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "إذا أُقِيمَت الصَّلَاةُ فلا تأتوها (٤) تَسْعَون، وأْتُوها تمشُون، وعليكم السَّكِينَةُ، فما أدركتُم فصَلُّوا، وما فَاتكُم فأتِمُوا" (٥)، فلم ينْهَ عن السَّعْي إلى الصلاة؛ فإنَّ الله - تعالى - أمرَ بالسَّعْي إليها، بل نَهَاهُم أن يأتوها يَسْعَون، فنَهَاهُم عن الإتيان المُتَّصِفِ بسعي صاحبه، والإتيانُ فِعْلُ البَدَن، وسَعْيُهُ عَدْوُ البدن، وهذا منهيٌّ عنه.
стр. 80
وأمَّا السَّعْيُ المأمورُ به في الآية فهو الذهابُ إليها على وجهِ الاهتمامِ بها، والتفرُّغِ لها عن الأعمال الشاغلة، من بيعٍ وغيره، والإقبال بالقلب على السعي إليها (١).
وكذلك قوله في قصة فرعون لمَّا قال له موسى: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ إلى قوله : ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى﴾ [النازعات: ١٨ - ٢٣]، فهذا اهتمامٌ واجتهادٌ في حَشْدِ (٢) رعيته، ومناداته فيهم.
وكذلك قوله: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٢٠٥] هو عَمَلٌ بهِمَّةٍ واجتهادٍ.
ومنه سُمِّيَ السَّاعي على الصدقة، والسَّاعي على الأَرْملةِ واليتيم.
ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)﴾ [الليل: ٤]؛ وهو العمل الذي يقصده صاحبه ويعتني به، لِيَتَرَتَّبَ (٣) عليه ثوابٌ أو عقابٌ، بخلاف المباحات المعتادة، فإنَّها لم تدخل في هذا السَّعْي، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ [الليل: ٥، ٦] الآية وما بعدها.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الإسراء: ١٩].
وقوله : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ [المائدة: ٣٣].
стр. 81
فصل
وأقْسَمَ على صفة الإنسان بقوله سبحانه: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١)﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾ [العاديات: ١ - ٦].
وأقسم على عاقبته، وهو قَسَمٌ على الجزاء؛ في قوله: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ [العصر: ١ - ٢] إلى آخر السورة. وفي قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾ إلى قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: ١ - ٦].
وحَذَفَ جوابَ القَسَم؛ لأنَّه قد عُلِم أنَّه يُقْسِمُ على هذه الأمور، وهي متلازمة، فمتى ثبت أنَّ الرسول حقٌّ ثبت القرآنُ والمَعَادُ، ومتى ثبت أنَّ القرآن حقٌّ ثبت صدق الرسول الذي جاء به (١)، ومتى ثبت أنَّ الوعد والوعيد حقٌّ ثبت صدقُه وصدقُ الكتاب الذي جاء به.
والجوابُ يُحذَف تارةً ولا يُراد ذِكْرُه، بل يراد تعظيمُ المُقْسَمِ به، وأنَّه ممَّا يُحلَفُ به، كقول النبيِّ ﷺ : "من كان حالفًا فَلْيَحلِفْ باللهِ أو لِيَصْمُتْ" (٢).
لكن هذا في الغالب يُذْكَرُ معه الفعلُ دون مجرَّدِ حرف القَسَم، كقولك: فلانٌ يَحْلِفُ باللهِ وحده، وأنا أحلفُ بالخالق لا بالمخلوق، ونحوِ ذلك - فالنصرانيُّ يحلفُ بالصليب والمسيح -، وفلانٌ أكذَبُ ما
стр. 82
يكون إذا حلف بالله.
وقد يكون هذا النَّوع (١) بحرف القَسَم مجرَّدًا، كما في الحديث: كانت أكثرُ يمينِ رسولِ الله ﷺ "لا، ومُقَلِّب القُلُوبِ" (٢). وكان بعض السلف إذا اجتهد في يمينه قال: "واللهِ الذي لَا إله إلَا هو".
وتارةً يُحذَفُ الجوابُ وهو مرادٌ؛ إمَّا لكونه قد ظَهَر وعُرِف: إمَّا بدلالة الحال - كمن قيل له: كُلْ، فقال: لا؛ واللهِ الذي لا إله إلا هو -، أو بدلالة السياق.
وأكثر ما يكون هذا إذا كان في نفس المُقْسَمِ به ما يَدُلُّ على المُقْسَم عليه، وهي طريقة القرآن، فإنَّ المقصود يحصل بذكر المقسَم به (٣)، فيكون حَذْفُ المُقْسَم عليه أبلغَ وأوجزَ؛ كمن أراد أن يُقْسِمَ على أن الرسولَ حقٌّ، فقال: والذي أرسلَ محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحقِّ، وأيَّدَهُ بالآياتِ البينات، وأظهرَ دعوته، وأَعْلَى كلمته، ونحو ذلك؛ فلا يحتاج إلى ذكر الجواب، استغناءً عنه بما في القَسَم من الدلالة عليه.
وكَمَن أراد أن يُقسِم على التوحيدِ، وصفاتِ الرَّبِّ ونعوتِ جلاله، فقال: واللهِ الذي لا إله إلا هو، عالمِ الغيبِ والشهادةِ، الرحمنِ الرحيمِ، الأوَّلِ الآخِرِ، الظاهرِ الباطنِ.
وكمن أراد أن يقسم على علُوِّه فوق عرشه، فقال: والذي استوى
стр. 83
على عرشه فوق سمواته، يصعد إليه الكَلِمُ الطَّيِّبُ، وتُرفَعُ إليه الأيدي، وتَعْرُجُ الملائكةُ والرُّوحُ إليه، ونحو ذلك (١).
وكذلك من حَلَفَ لشخصٍ أنَّه يُحِبُّهُ ويُعَظِّمُه، فقال: والذي ملأ قلبي من محبتِكَ وإجلالِكَ ومَهَابتِكَ … ؛ ونظائر ذلك = لم يحتج إلى ذكر الجواب، وكان في المُقْسَم به ما يدلُّ على المُقْسَمِ عليه.
فمن هذا قوله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ [ص: ١]،
فإنَّ في المُقْسَم به من تعظيم القرآن، ووَصْفِه بأنَّه ذُو الذِّكْر - المتضمِّن لتذكير العباد ما يحتاجون إليه -، وللشَّرَفِ، والقَدْر = ما يدلُّ على المُقْسَم عليه، وهو كونه حقًّا من عند الله، غير مفترىً كما يقوله الكافرون.
هذا معنى قول كثير من المفسِّرين - متقدِّميهم ومتأخِّريهم -: إنَّ الجوابَ محذوفٌ، تقديرُه: إنَّ القرآن لَحَقٌّ. وهذا مطَّرد في كلِّ ما شابَهَ ذلك.
وأمَّا قول بعضهم (٢): إنَّ الجوابَ قوله تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ [ص: ٣] فاعتَرَضَ بين القَسَم وجوابه بقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)﴾ [ص: ٢] = فبعيدٌ؛ لأنَّ "كَمْ" لا يُتَلَقَّى بها القَسَم، فلا تقول: واللهِ كم أنفقتُ مالًا، وباللهِ كم أعتقتُ عبدًا.
وهؤلاء لمَّا لم يخْفَ عليهم ذلك احتاجوا إلى أن يقدِّروا "لامًا"
стр. 84
يُتَلقَّى (١) بها الجواب، أي: لَكَمْ أهلكنا.
وأبعد من هذا قول من قال (٢): الجواب في قوله: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ [ص: ١٤].
وأبعد منه قول من قال: الجواب: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ [ص: ٥٤].
وأبعد منه قول من قال (٣): الجواب قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾ [ص: ٦٤].
وأقرب ما قيل في الجواب لفظًا (٤)، وإن كان بعيدًا معنىً ما ذكر عن قتادة وغيره: إنَّه في قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)﴾ (٥)
стр. 85
[ص/ ٢]، كما قال تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ [ق: ١ - ٢].
وشرح صاحب "النَّظْم" (١) هذا القول (٢)، فقال: "معنى "بل" توكيد الخبر الذي بعده، فصار كـ"إنَّ" الشديدة في تثبيت ما بعدها.
فـ "بَلْ" ههنا بمنزلة "إنَّ"؛ لأنَّه يؤكِّد ما بعده من الخبر، وإن كان له معنىً سواه في نفي خبرٍ متقدِّمٍ، فكأنَّه قال: "ص والقرآن ذي الذِّكْر، إنَّ الذين كفروا في عِزَّةٍ وشقاقٍ"، كما تقول: والله إنَّ زيدًا لَقَائمٌ".
стр. 86
قال: "واحتجَّ صاحبُ هذا القول بأنَّ هذا النَّظْمَ وإن لم يكن للعرب فيه أصلٌ، ولا لها فيه رسمٌ، فيحتمل أن يكون نظمًا أحدثه الله ، لما بينَّا من احتمال "بل" بمعنى "إنَّ"" انتهى (١).
وقال أبو القاسم الزجَّاجيُّ (٢): "قال النحويون: إنَّ "بَلْ" تقع في جواب القَسَم، كما تقع "إنَّ"؛ لأنَّ المراد بها توكيد الخبر" (٣).
وهذا القول اختيار أبي حاتم (٤)، وحكاه الأخفش (٥) عن الكوفيين.
стр. 87
وقرَّرَهُ بعضُهم بأن قال: "أصل الكلام: "بل الذين كفروا في عزَّةٍ وشقاقٍ، والقرآن ذي الذِّكْر"، فلمَّا قُدِّم القسَمُ تُرِك على حاله".
قال الأخفش: "وهذا يقوله الكوفيون، وليس بجيدٍ في العربية، لو قلتَ: واللهِ قام، وأنتَ تريد: قام واللهِ، لم يَحْسُن".
وقال النحَّاس (١): "هذا خطأ على مذهب النحويين؛ لأنَّه إذا ابتدأ بالقَسَم وكان الكلام معتمِدًا عليه؛ لم يكن بُدٌّ من الجواب، وأجمعوا أنَّه لا يجوز "واللهِ قام عمروٌ"، بمعنى "قام عمروٌ واللهِ"؛ لأنَّ الكلام يعتمد على القَسَم" (٢).
وذكر الأخفشُ وجهًا آخر في جواب القَسَم، فقال: "يجوز أن يكون لـ "ص" معنىً يقع عليه القَسَم، لا ندري نحن ما هو، كأنَّه يقول: الحقُ واللهِ".
قال أبو الحسن الواحديُّ (٣): "وهذا الذي قاله الأخفش صحيح
стр. 88
المعنى على قول من يقول: ﴿ص﴾ الصادق الله، أو صَدَقَ محمد ﷺ ".
وذكر الفرَّاء (١) هذا الوجه - أيضًا - فقال: " ﴿ص﴾ جواب القَسَم". وقال: "هو كقولك: وجَبَ واللهِ، ونَزَلَ واللهِ، فهي جوابٌ لقوله: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ " (٢).
وذكر النحَّاسُ وغيرُه وجهًا آخر في الجواب، وهو أنَّه محذوفٌ تقديره: والقرآن (٣) ذي الذِّكْر، ما الأمرُ كما يقوله هؤلاء الكفار. ودلَّ على المحذوف قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٤).
وهذا اختيار ابن جرير (٥)، وهو مخرَّجٌ من قول قتادة، وشَرَحه الجُرْجَانيُّ (٦)، فقال: ""بَلْ" رافِعٌ لخبرٍ قبله، ومثبتٌ لخبرٍ بعدَه، فقد ظهر ما بعده، وأُضْمِرَ ما قبله، وما بعده دليلٌ على ما قبله، فالظاهر يدلُّ على الباطن، فإذا كان كذلك وجَبَ أن يكون قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)﴾ مخالفًا لهذا المُضْمَر، فكأنَّهُ قيل: والقرآن ذي الذِّكْر إنَّ
стр. 89
الذين كفروا يزعمون أنَّهم على الحقِّ، أو كلامًا في هذا المعنى".
فهذه ستة أوجهٍ سوى ما بدأنا به في جواب القَسَم (١)، والله أعلم.
ونظير هذا قوله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا﴾ [ق: ١ - ٢].
وقيل: جواب القسم ﴿قَدْ عَلِمْنَا﴾.
وقال الفرَّاء: "محذوفٌ، دلَّ عليه ﴿أَإِذَا مِتْنَا﴾ أي: لتُبْعَثُنّ" (٢).
وقيل: هو ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾، كما تقدَّم بيانُه.
стр. 90
فصل
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾ [القيامة: ١ - ٢]، فقد تضمَّن هذا الإقسام ثبوتَ الجزاء، ومستَحَقَّ الجزاء (١)، وذلك يتضمَّن إثبات: الرِّسَالةِ، والقرآنِ، والمَعَادِ.
وهو - سبحانه - يُقْسِم على هذه الأمور الثلاثة، ويقرِّرُها أبلغ التقرير، لحاجة النفوس إلى معرفتها، والإيمان بها، وأمر رسوله ﷺ أن يُقْسِم عليها، كما:
١ - قال تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣].
٣ - وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التغابن: ٧].
وقد تقدَّم (٢) إقسامُه عليها في ثلاثة مواضعَ من كتابه لا رابع لها (٣)، يأمر رسوله ﷺ أن يُقْسِم على ما أقْسَمَ عليه هو - سبحانه - من: النُّبوَّةِ، والقرآنِ، والمَعَادِ.
فأقسم - سبحانه - لعباده، وأمَرَ أَصْدَق خَلْقِه أن يُقْسِم لهم،
стр. 91
وأقام البراهين القطعيَّةَ على ثبوت ما أقسم عليه، فأبى الظالمون إلا جحودًا وتكذيبًا.
واختُلِفَ في "النَّفْسِ" المُقْسَم بها ههنا، هل هي خاصَّةٌ أو عامَّة؟ على قولين، بناءً على الأقوال الثلاثة في "اللوَّامة":
فقال ابن عباس: "كلُّ نفسٍ تَلُومُ نفسَها يوم القيامة؛ يَلُومُ المُحْسِنُ نفسه (١) أن لا يكون ازداد إحسانًا، ويَلومُ المُسِيء نفسه أن لا يكون رجع عن إساءته".
واختاره الفرَّاء؛ قال: "ليس من نفسٍ، بَرَّةٍ ولا فاجرةٍ، إلا وهي تلوم نفسها، إن كانت عملت خيرًا قالت: هَلَّا ازددتُ؟ وإن كانت عملت سوءًا، قالت: ليتني لم أفعل" (٢).
والقول الثاني: أنَّها خاصَّةٌ.
قال الحسن: "هي النَّفْسُ المؤمنة، فإنَّ المؤمن - واللهِ - لا تَرَاهُ إلا يَلُوم نفسه على كلِّ حالِهِ، لأنَّه يَسْتَقْصِرُها في كلِّ ما تفعل، فيندمُ ويلومُ نفسَهُ، وإنَّ الفاجر يمضي قُدُمًا، لا يعاتبُ نفسَهُ" (٣).
والقول الثالث: أنَّها النَّفْس الكافرة وحدها، قاله: قتادة، ومقاتل (٤)؛ هي النَّفْس الكافرة تلوم نفسها في الآخرة على ما فرَّطَت في
стр. 92
أمر (١) الله.
قال شيخنا (٢): "والأظهر أنَّ المرادَ نفسُ الإنسانِ مطلقًا، فإنَّ نفسَ كلِّ إنسانٍ لوَّامَةٌ، كما أقسم بجنس "النَّفْس" في قوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ [الشمس: ٧، ٨]، فإنَّه لا بدَّ لكلِّ إنسانٍ أن يلوم نفسَه أو غيرَه على أمرٍ.
ثُمَّ هذا اللَّومُ قد يكون محمودًا، وقد يكون مذمومًا، كما قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١)﴾ [القلم: ٣٠، ٣١]، وقال تعالى: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤]، فهذا اللَّومُ غير محمود.
وفي "الصحيحين" (٣) في قصة احتجاج آدم وموسى: "أَتَلُومني على أمرٍ قدَّرَهُ اللهُ عليَّ قبل أن أُخْلَق؟ " قال: فحَجَّ آدمُ موسى (٤) … الحديث.
فهو - سبحانه - يُقْسمُ على صفة "النَّفْس اللوَّامة" كقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾ [العاديات: ٦]، وعلى جزائها كقوله:
стр. 93
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣]، وعلى تباين عملها كقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)﴾ [الليل: ٤] ".
وكلُّ نفسٍ لوَّامةٌ، فالنَّفْسُ السعيدة (١) تلوم على فعلِ الشَّرِّ، وتركِ الخير، فتبادر إلى التوبة، والنَّفْسُ الشَّقِيَّةُ بالضدِّ من ذلك.
وجمع - سبحانه - في القَسَمَ بين: مَحَلِّ الجَزَاءِ وهو يوم القيامة، ومَحَلِّ الكَسْبِ وهو "النَّفْس اللوَّامة".
ونبَّهَ - سبحانه - بكونها "لوَّامَةً" على شِدَّة حاجتها وفاقتها وضرورتها إلى من يُعَرِّفُها الخيرَ والشَّرَّ، ويَدُلُّها عليه، ويرشدُها إليه، ويُلْهِمُها إيَّاه؛ فيجعلَها مريدةً للخير، مُؤْثِرةً له، كارهةً للشَّرِّ، مُجَانبةً له، لتَخْلُصَ من اللَّوم، أو من سوء عاقبة ما تلوم عليه.
ولأنَّها متلوِّمةٌ متردِّدةٌ لا تَثبُتُ على حالٍ واحدةٍ؛ فهي محتاجةٌ إلى من يُعَرِّفُها ما هو أنفع لها في مَعَاشِها ومَعَادِها فتُؤْثِرُهُ، وتَلُومُ نفسَها عليه إذا فاتها، فَتَتُوبُ منه إن كانت سعيدةً، ولتقوم عليها حُجَّةُ عَدْلِهِ، فيكون لَوْمُها في القيامة لنفسها عليه لَوْمًا بِحَقٍّ، قد أعذَر اللهُ خالقُها وفاطرُها إليها فيه.
ففي صفة "اللَّوْم" تنبيهٌ على ضرورتها إلى التصديق بالرِّسَالة والقرآن، وأنَّها لا غنى لها عن ذلك، ولا صلاح ولا فلاح بدونه أَلْبَتَّةَ.
ولمَّا كان يومُ مَعَادِها هو مَحَلُّ ظهور هذا اللَّوْم، وترتُّبِ أثره عليه = قَرَنَ بينهما في الذِّكْرِ.
стр. 94
فصل
ومن ذلك (١) قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢)﴾ إلى قوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ [الشمس: ١ - ٢، ٨].
قال الزجَّاج (٢) وغيرُه: "جواب القسم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾، ولمَّا طالَ الكلامُ حَسُن حذف "اللَّام" من الجواب" (٣).
وقد تضمَّن هذا القَسَمُ الإقسامَ بالخلَّاق والمخلوقِ، فأقسم بالسماءِ وبانيها، والأرضِ وَطَاحِيها، والنَّفْسِ ومُسَوِّيها (٤).
стр. 95
وقد قيل: إنَّ "ما" مصدريَّة (١)، فيكون الإقسامُ بنفس فعله تعالى،
فيكون قد أقسم بالمصنوع الدَّالِّ عليه سبحانه، وبصنعته الدَّالَّةِ على كمال علمه، وقدرته، وحكمته، وتوحيده.
ولمَّا كانت حركة الشمس والقمر، والليل والنَّهار؛ أمرًا يشْهَدُ النَّاسُ حُدُوثَهُ شيئًا فشيئًا، ويعلمون أنَّ الحادث لابدَّ له من مُحْدِث = كان العلم بذلك منزَّلًا منزلة ذكر المُحْدِثِ له لفظًا، فلم يذكر الفاعل في الأقسام الأربعة الأُوَل.
ولهذا يسلُكُ طائفةٌ من النُّظَّار الاستدلالَ بالزَّمان على الصانع، وهو استدلالٌ صحيحٌ؛ قد نبَّهَ عليه القرآنُ في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ [آل عمران: ١٩٠].
ولمَّا كانت السماءُ والأرضُ ثابتتين - حتَّى ظَنَّ من ظَنَّ أنَّهما قديمتان (٢) - ذكر مع الإقسام بهما بانيهما ومبدعهما، وكذلك "النَّفْس"؛ فإنَّ حدوثَها غيرُ مشهودٍ، حتَّى ظنَّ بعضُهم قِدَمَها، فذَكَرَ مع الإقسام بها مُسَوِّيها وفاطِرَها، هذا مع ما في ذكر بناءِ السماء، وطَحْوِ الأرض، وتسوية "النَّفْس"؛ من الدلالة على الرحمة والحكمة والعناية بالخلق، فإنَّ بناء السماء يدلُّ على أنَّها كالقُبَّةِ العالية على الأرض، وجعلها سقفًا لهذا العالم.
стр. 96
و"الطَّحْو": هو مَدُّ الأرض وبسطُها (١)، وتوسيعُها ليستقرَّ عليها (٢) الأنامُ والحيوانُ، ويمكن فيها البِنَاء (٣) والغِرَاس والزرع، وهو متضمِّنٌ لِنُضُوب الماء عنها، وهو مِمَّا حيَّرَ عقولِ الطبائعيين، حيث كان مقتضى الطبيعة أن تَغْمُرَها كثرةُ الماء، فبُروزُ جانبٍ منها عن الماءِ على خلاف مقتضى الطبيعة، وكَوْنُه هذا الجانب المعيَّن دون غيره، مع استواء الجوانب في الشكل الكُري؛ يقتضي تخصيصًا، فلم يجدوا بُدًّا من أن يقولوا: عِنَايةُ الصانع اقتضت (٤) ذلك.
قلنا: فنَعَمْ إذًا، ولكن عناية من لا مشيئةَ له، ولا إرادةَ، ولا اختيارَ، ولا علمًا بمعيَّن أصلًا - كما تقولونه فيه -: محالٌ، فعنايته تقتضي ثبوت صفاتِ كماله، ونعوتِ جلاله، وأنَّه الفعَّال يفعل باختياره ما يريد.
وكذلك "النَّفْسُ"؛ أقسمَ بها وبمن سوَّاها، وألهمها فجورها وتقواها، فإنَّ من النَّاس من يقول: هي قديمةٌ لا مبدع لها. ومنهم من يقول: بل هي التي تبدع فجورها وتقواها (٥)، فذكر - سبحانه - أنَّه هو الذي سوَّاها وأبدعَها، وأنَّه هو الذي ألهمها الفجور والتقوى.
فأعلمنا أنَّه خالق نفوسنا وأعمالها، وذكر لفظ "التسوية" - كما ذكره في قوله تعالى: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ
стр. 97
فَعَدَلَكَ (٧)﴾ [الانفطار: ٦، ٧]، وفي قوله : ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]- إيذانًا بدخول البدن في لفظ "النَّفْس"، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الأعراف: ١٨٩] وقوله تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]. ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢] ونظائره، وباجتماع "الرُّوح" مع البدن تفسير "النَّفْس" فاجرةً أو تقيةً، وإلا فـ "الرُّوح" بدون البدن لا فجور لها.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾؛ الضمير المرفوع في ﴿زَكَّاهَا (٩)﴾ عائدٌ على (١) "مَنْ"، وكذلك هو في ﴿دَسَّاهَا (١٠)﴾، والمعنى قد أفلح من زكَّى نفسه، وقد خاب من دَسَّاها.
هذا هو القول الصحيح (٢)، وهو نظير قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ [الأعلى: ١٤]، وهو - سبحانه - إذا ذكر الفلاح علَّقَهُ بفعل المُفْلِح، كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] إلى آخر الآيات، وقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة: ٥] بعد قوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٣]، وقوله: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ [النور: ٥١] ونظائره.
قال الحسن: "قد أفلح من زكَّى نفسه وحملها على طاعة الله، وقد
стр. 98
خاب من أهلكها وحَمَلَها على معصية الله"، وقاله: قتادة (١).
وقال ابن قتيبة: "يريد: أفلح من زكَّى نفسه أي: أَنْماها وأَعْلَاها بالطاعةِ، والبِرِّ، والصدقةِ، والكفِّ عن المعاصي، والتنافُسِ في الدرجات (٢)، واصطناع المعروف، وقد خاب من دسَّاها أي: نقصها وأخفاها بترك عمل ذلكَ البِرِّ، وركوب المعاصي.
والفاجرُ - أبدًا - خفيُّ المكانِ، زَمِرُ (٣) المُرُوءَةِ، غامضُ الشَّخْصِ، ناَكِسُ الرأسِ، فكأنَّ النَّطِفَ (٤) بارتكاب الفواحِشِ دَسَّ نفسَهُ وقمَعَها، ومُصْطَنِعَ المعروفِ شَهَر نفسَهُ ورفَعَها.
وكانت أجوادُ العرب تنزل الرُّبَا ويَفَاع (٥) الأرض لِتَشْهَرَ بها أنفسَها للمُعْتَفِين (٦)، وتوقدُ النيران في الليل للطارقين. وكانت اللئام تنزلُ
стр. 99
الأَوْلَاجَ، والأطرافَ، والأهضام (١) لتُخْفِي أنفسَها وأماكنَها على الطالبين، فأولئك أعلَوا أنفُسَهم وزكَّوها، وهؤلاء أخفَوا أنفسَهم ودَسَّوها. وأنشد في ذلك:
وبَوَّأْتَ بيتكَ في مَعْلَمٍ … رَحيبِ المَباءَةِ والمَسْرَحِ
كَفَيْتَ العُفَاةَ طِلَابَ القِرَى … ونَبْحَ الكِلَابِ لِمُسْتنبِحِ" (٢)
وقال أبو العباس (٣): سألتُ ابنَ الأعرابي (٤) عن قوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ فقال: "دسَّ" معناه: دسَّ نفسَه مع الصالحين وليس
стр. 100
منهم" (١).
وعلى هذا فالمعنى (٢): أخفى نفسه في الصالحين، يُرِي النَّاسَ أنَّه منهم وهو مُنْطَوٍ على غير ما ينطوي عليه الصالحون (٣).
وقال طائفةٌ أخرى: الضمير يرجع إلى الله .
قال ابن عباس - في رواية عطاء -: "قد أفلَحَت نَفْسٌ زكَّاها اللهُ، فأصلَحَها" (٤).
وهذا قول: مجاهد، وعكرمة، والكلبي، وسعيد بن جبير، ومقاتل (٥)، قالوا: سَعِدَتْ نَفْسٌ وأفلَحَت نفسٌ أصلحها الله، وطهَّرها، ووفَّقَها للطاعة، حتَّى عملت (٦) بها، وخابَتْ وخَسِرَتْ نَفْسٌ أضلَّها اللهُ،
стр. 101
وأغواها، وأبطلَها، وأهلكَها (١).
قال أرباب هذا القول: قد أقسم الله - تعالى - بهذه الأشياء التي ذكرها؛ لأنَّها تدلُّ على وحدانيته، وعلى فلاح مَنْ طَهَّره، وخسارة من خَذَلَهُ، حتَّى لا يظُنَّ أحدٌ أنَّه هو الذي يتولَّى تطهيرَ نفسه، وإهلاكَها بالمعصية؛ من غير قَدَرٍ سابقٍ، وقضاءٍ متقدِّمٍ (٢).
قالوا: وهذا أبلغ في التوحيد الذي سيقت له هذه السورة.
قالوا: ويدلُّ عليه قوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ [الشمس: ٨].
قالوا: ويشهد له حديث نافع بن عمر (٣)، عن ابن أبي مُلَيكة، عن عائشة ﵂ أنَّها قالت: انتبهتُ ليلةً؛ فوجدتُ رسولَ الله ﷺ -وهو يقول: "ربِّ؛ أعْطِ نفسي تقواها، وزكِّها أنتَ خير من زكَّاها، أنت وَليُّها ومولاها" (٤).
стр. 102
قالوا: فهذا الدعاء هو تأويل الآية، بدليل الحديث الآخر: أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا قرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾ وقَفَ، ثُمَّ قال: "اللهُمَّ؛ آتِ نفسي تقواها، أنت وليُّها ومولاها، وزكِّها أنت خير من زكَّاها" (١).
قالوا: وفي هذا ما يبيِّنُ أنَّ الأمر كلَّه له سبحانه، فإنَّه هو (٢) خالق
стр. 103
"النَّفْس"، وهو مُلْهِمُها الفجورَ والتقوى، وهو مُزَكِّيها ومُدَسِّيها، فليس للعبد في الأمر شيءٌ، ولا هو مالكٌ من أمر (١) نفسه شيئًا.
قال أرباب القول الأوَّل: هذا القول، وإن كان جائزًا في العربية، حملًا للضمير المنصوب على معنى "مَنْ"، وإن كان لفظها (٢) مذكَّرًا؛ كما في قوله : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢]، جَمَعَ الضمير وإن كان لفظ "مَنْ" مفردًا، حَمْلًا على معناها (٣) = فهذا إنَّما يحسن حيث لا يقع لَبْسٌ في مفسِّر الضمائر، وههنا قد تقدَّم لفظ "مَنْ"، والضمير المرفوع في ﴿زَكَّاهَا (٩)﴾ يستحقُّه لفظًا ومعنىً، فهو أَولى به، ثُمَّ يعود الضمير المنصوب على "النَّفْس" التي هي أولى به لفظًا ومعنًى، فهذا هو النظم الطبيعي الذي يقتضيه سياق الكلام ووضعه.
وأمَّا عَوْدُ الضمير الذي يلي "مَنْ" على الموصول السابق وهو قوله: ﴿وَمَا سَوَّاهَا (٧)﴾، وإخلاءُ جاره الملاصق له - وهو "مَنْ" (٤) - مِن عَوده إليه، ثُمَّ عَوْدُ الضمير المنصوب - وهو مؤنَّثٌ - على "مَنْ"، ولفظه يُذكَّر دون "النَّفْس" المؤنثة = فهذا يجوز لو لم يكن للكلام محمَلٌ غيره أحسن منه، فأمَّا إذا كان سياقُ الكلام ونظمُه يقتضي خلافه، ولم تَدْعُ الضرورة إليه؛ فالحَمْلُ عليه ممتنعٌ.
قالوا: والقول الذي ذكرناه أرجح من جهة المعنى لوجوه:
стр. 104
أحدها: أنَّ فيه إشارة إلى ما تقدَّم من تعليق الفلاح على فعل العبد واختياره كما هي طريقة القرآن.
الثاني: أنَّ فيه زيادة فائدة؛ وهي إثبات فعل العبد وكسبه، وما يثاب ويعاقب عليه، وفي قوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ إثبات القضاء والقدر السابق.
فتضمَّنَت الآيتان هذين الأصلين العظيمين، وهما كثيرًا ما يقترنان في القرآن كقوله: ﴿إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر: ٥٤ - ٥٦] وقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩]، فتضمَّنت الآيتان الردَّ على "القَدَرِيَّة" و"الجَبْرِيَّة".
الثالث: أنَّ قولنا يستلزم قولكم، دون العكس؛ فإنَّ العبد إذا زكَّى نفسه ودسَّاها: فإنَّما يزكِّيها بعد تزكية الله لها بتوفيقه وإعانته، وإنَّما يُدَسِّيها بعد تَدْسِيَة الله لها بخذلانه، والتخلية بينه وبين نفسه. بخلاف ما إذا كان المعنى على القَدَرِ المحض، لم يبق للكسب وفعل العبد ههنا ذكرٌ أَلْبَتَّةَ.
стр. 105
فصل
وذكر في هذه السورة ثمودَ دون غيرهم من الأُمَم المكذِّبة؛ قال شيخنا: "هذا - والله أعلم - من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، فإنَّه لم يكن في الأُمَم المكذِّبة أخفُّ ذنبًا وعذابًا منهم، إذ لم يُذْكَر عنهم من الذنوب ما ذُكِر عن عاد، ومدين، وقوم لوط، وغيرهم.
ولهذا لمَّا ذكرهم وعادًا قال: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) … وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٥ - ١٧].
وكذلك إذا ذكرهم مع الأُمَم المكذِّبة لم يذْكُر عنهم ما يذْكُر عن أولئك من التجبُّر والتكبُّرِ، والأعمالِ السيئة، كاللِّوَاط، وبَخْسِ المكيال والميزان، والفسادِ في الأرض، كما في "سورة هود" و"الشعراء" وغيرهما.
فكان في قوم لوط - مع الشرك - إتيان الفواحش التي لم يُسْبَقُوا إليها.
وفي عاد - مع الشرك - التجبُّرُ، والتكبُّرُ، والتوسُّعُ في الدنيا، وشدَّةُ البَطْش، وقولُهم: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾.
وفي أصحاب مدين - مع الشرك - الظلمُ في الأموال.
وفي قوم فرعون الفسادُ في الأرض، والعلُوُّ.
وكان عذابُ كلِّ أُمَّةٍ بحسب ذنوبهم وجرائمهم؛ فعذَّبَ عادًا بالرِّيح الشديدة العَاتِيَةِ، التي لا يقوم لها شيءٌ.
стр. 106
وعذَّبَ قومَ لوط بأنواع من العذاب لم يعذِّب بها أُمَّةً غيرهم؛ فجمع لهم بين الهلاكِ، والرَّجمِ بالحجارة من السماء، وطَمْسِ الأبصار، وقَلْبِ ديارهم عليهم بأنْ جعل عاليها سافلها، والخَسْفِ بهم إلى أسفل سافلين.
وعذبَ قومَ شعيب بالنَّار التي أحرقتهم وأحرقت تلك الأموال التي اكتسبوها (١) بالظلم والعدوان.
وأمَّا ثمود فأَهلكَهم بالصيحة، فماتوا في الحال.
فإذا كان هذا عذابَهُ لهؤلاء، وذنبهم مع الشرك عَقْرُ ناقةٍ واحدةٍ جعلها اللهُ آيةً لهم؛ فمن انتَهَكَ محارمَ اللهِ، واستخفَّ بأوامره ونواهيه، وعَقَر عباده، وسفك دماءهم = كان أشدَّ عذابًا.
ومن اعتبر أحوال العالم (٢) قديمَا وحديثًا، وما يُعَاقَبُ به من سَعَى في الأرض بالفساد، وسَفَكَ الدماء بغير حقٍّ، وأقامَ الفتن، واستهانَ بحرمات الله = عَلِم أنَّ النَّجَاة في الدنيا والآخرة للذين آمنوا وكانوا يتقون" (٣).
قلتُ: وقد يظهر في تخصيص ثمود بالذِّكر ههنا - دون غيرهم - معنىً آخر، وهو أنَّهم رَدُّوا الهُدَى بعد ما تيقَّنُوه وكانوا مستبصرين به، قد ثَلِجَتْ له صدورُهم، واستيقنَتْهُ أنفسُهم، فاختاروا عليه العمَى
стр. 107
والضلالة، كما قال - تعالى - في وَصْفِهم (١): ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩] أي: مُوجبَةً لهم التبصُّر واليقين، وإن كان جميع الأمَم المُهْلَكَةِ هذا شأنهم؛ فإنَّ الله لم يُهْلِك أُمَّةً إلا بعد قيام الحُجَّةِ عليها، لكن خُصَّت ثمود من ذلك الهُدَى والبصيرة بمزيد، ولهذا لمَّا قَرَنَهم بـ "عادٍ" قال: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ الآية [فصلت: ١٥]، ثُمَّ قال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧].
ولهذا أَمْكَنَ عادًا المُكابَرَةُ، وأن يقولوا لنبيِّهم: ﴿مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾ [هود: ٥٣]، ولم يمكن ذلك ثمودًا، وقد رأَوا البيِّنَةَ عِيَانًا، وصارت لهم بمنزلة رؤية الشمس والقمر، فرَدُّوا الهُدَى بعد تيقُّنهِ والبصيرةِ التامَّةِ به، فكان في تخصيصهم بالذِّكر تحذيرٌ لكلِّ من عرف الحقَّ ولم يتَّبعْهُ، وهذا داء أكثر الهالكين، وهو أَعَمُّ الأدواء وأغلبُها على أهل الأرض، والله أعلم.
стр. 108
فصل
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥)﴾ [الفجر: ١ - ٥].
قيل (١): جوابه قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ [الفجر: ١٤].
وهذا ضعيفٌ لوجهين:
أحدهما: طولُ الكلام والفصل بين القَسَم وجوابه بِجُمَلٍ كثيرةٍ.
والثاني: أنَّ قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ ذُكِر تقريرًا لعقوبةِ اللهِ الأُمَمَ المذكورةَ وهي: عادٌ، وثمودُ، وفرعونُ. فذكر عقوبتهم ثُمَّ قال مقرِّرًا ومحذِّرًا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾، أفلا (٢) ترى تعلُّقَهُ بذلك دون القَسَم؟!
وأحسن من هذا أن يقال: إنَّ "الفجرَ" و"اللياليَ العشر" زمنٌ يتضمَّنُ أفعالًا معظَّمَةً، و"العشر" هو عشر ذي الحِجَّة وهو يتضمَّنُ أفعالًا معظَّمَةً (٣) من المناسك، وأمكنةً معظَّمَةً، وهي مَحَلُّها، وذلك من شعائر الله المتضمِّنَةِ خضوع العبد لربِّه، فإنَّ الحجَّ والنُّسُكَ عبوديةٌ محضةٌ لله، وذُلٌّ وخضوعٌ لعظمته. وذلك ضدُّ ما وصف به عادًا، وثمودًا، وفرعونَ؛ من العُتُوِّ والتكبُّر والتجبُّرِ؛ فإنَّ النُّسُكَ يتضمَّنُ غاية الخضوع لله، وهؤلاء
стр. 109
الأُمَم عَتَوا وتكبَّرُوا عن أمر ربِّهم.
وفي "صحيح البخاري" عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "ما مِنْ أيامٍ العَمَلُ الصالحُ فيهنَّ أحبُّ إلى الله من هذه الأيامِ العَشْرِ" قيل: يا رسول الله؛ ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ، إلَّا رجلٌ خَرَجَ بنفسِه ومالِه ثُمَّ لم (١) يرجع من ذلك بشيء" (٢). فالزَّمَانُ المتضمِّنُ لمثل هذه الأعمال أهلٌ أن يُقْسِمَ الرَّبُّ به.
﴿وَالْفَجْرِ (١)﴾: -
إن أُريد به جِنْسُ "الفجر" - كما هو ظاهر اللفظ - فإنَّه يتضمَّنُ وقت صلاة الصبح، التي هي أوَّل الصلوات. فافتتح القَسَم بما يتضمَّنُ أوَّل الصلوات، وختمه بقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾ المتضمِّن لآخر الصلوات.
وإن أُريد بـ "الفجر" فجرٌ مخصوصٌ، فهو فجرُ يوم النَّحْرِ وليلته، التي هي ليلة عرفة، فتلك الليلة من أفضل ليالي العام، وما رُئي الشيطانُ في ليلة أَدْحَر، ولا أَحْقَر، ولا أَغْيَظ منه فيها (٣). وذلك "الفجر": فجر
стр. 110
يوم النَّحْر، الذي هو أفضل الأيام عند الله، كما ثبت عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "أفضلُ الأيامِ عندَ اللهِ يومُ النَّحْر" (١) رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح.
وهو آخر أيام العشر، وهو يوم "الحجِّ الأكبر"، كما ثبت في "صحيح البخاري" وغيره (٢)، وهو اليوم الذي أذَّنَ فيه مؤذِّنُ رسولِ الله