الفقرة السابعة
في:
الحساب والميزان
عرض إجمالي
- مر معنا أنه في الوقف يحشر الناس ويجمعون مصطفين وينتظرون ثم تكون الشفاعة لفصل القضاء، ثم يعرض الناس على ربهم عرضة يكون فيها جدال واعتذارات وتنصلات وأسئلة وإجابات، ثم تكون عرضة أخرى وتكون بها إقامة حجة، فتشهد الرسل وتشهد هذه الأمة وتشهد الأرض وتقوم الحجة على الخلق، ثم تطير الصحف فآخذ بيمينه وآخذ بشماله وآخذ وراء ظهره، ويكون في هذه المرحلة أو قبلها شرب من الحوض.
- ثم يكون الحساب والميزان فيسأل عما كلف به، يسأل عن سمعه وعن بصره وعن فؤاده: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (١).
ويسأل عما استرعاه الله، ويسأل عن العمر والعلم والمال والجسم والشباب ويسأل عن النعيم: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ (٢). ويسأل عن الآلاء والنعم، ويحاسب على أعماله ما أراد بها فيسأله عن النيات والإخلاص: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣)، ويحاسب الإنسان على أعمال الظاهر والباطن وخطايا الظاهر والباطن ويحاسب على أمراض القلوب: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٤).
﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا
стр. 1227
وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ (١). وأول ما يحاسب عليه العبد من حقوق الله الصلاة، وأول ما يحاسب عليه من حقوق العباد الدماء، ومن أشد ما يحاسب عليه العبد الزكاة والعقوبة عليها تبدأ عند الموت وتستمر في القبر وتكون في الحشر والموقف ويحتسب عليها.
- وشهادات يوم القيامة كثيرة والشهداء كثر: فهناك شهادة الأنبياء وشهادة الملائكة وشهادة الجوارح وشهادة العباد بعضهم على بعض، وشهادة الأرض وكل من هؤلاء يؤدي شهادته في الوقت المناسب يوم القيامة:
﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ (٢).
﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ (٣).
﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤).
﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٥).
﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٦).
﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٧).
- وسيجد الكلفون أن الأمو ر مضبوطة في غاية الضبط فكتاب عام محصى فيه كل شيء، وكتاب خاص لكل مكلف على حدة:
﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٨).
﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (١).
- وحقوق العباد يشدد فيها أكثر مما يشدد في حقوق الله إلا حق التوحيد ومع شدة الهول يوم القيامة فإن الله خلق مائة رحمة تسعا وتسعين منها أخرها إلى يوم القيامة، ولعل المسلم يخرج من قراءة النصوص الواردة في هذه الفقرة بنية جازمة ألا يظلم أحدًا، وأن يقوم بحقوق الله وحقوق التكليف كاملة ويسعى ليكون من الذين لا حساب عليهم، وقد استقرأ بعضهم النصوص التي وعد أهلها بألا يحاسبوا فذكر من أهل ذلك أنهم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون، ومن ذلك قوام الليل وقراء القرآن والمخلصون والمؤذنون والدعاة إلى الله ومن قام بحق الله وحق العباد والعلماء العاملون والشهداء والعافون عن الناس والحمادون الله على كل حال.
وقد مر معنا من قبل كلام ابن كثير في النهاية أن الحساب يكون قبل الميزان غير أنه من الصعب التمييز بين مجموع النصوص الواردة في الحساب والميزان أيها يكون في الحساب وأيها يكون عند الميزان، وإن كان بعضها واضحًا أنه في الحساب أو أنه في الميزان، ولذلك دمجنا الكلام عن هذين الموضوعين في فقرة واحدة، ولا يدخل في دائرة التكليف أن يعرف المسلم على ما يحمل عليه كل نص مما ورد في الحساب والميزان إلا إذا كان قطعي الثبوت وقطعي الدلالة والمهم بالنسبة للمسلم أن يؤمن بالحساب والميزان وأن يسلم بالنصوص الواردة في ذلك وأن تحمله النصوص الواردة في ذلك على تحرير الاعتقاد وإحسان العمل والبعد عن كل ما يسخط الله مما يشتد بسببه الحساب أو يخف بسببه الميزان.
стр. 1231
النصوص
١٢٤٦ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كانت عنده مظلمة لأخيه، من عرضه أو شيء منه، فليتحلله منه اليوم، من قبل أن لا تكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه، فحمل عليه".
وفي رواية (١) الترمذي قال: قال رسول الله ﷺ : "رحم الله عبدًا كانت لأخيه عنده مظلمة ... " الحديث.
١٢٤٧ - * روى البزار عن ابن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ : "من نوقش الحساب هلك".
١٢٤٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبن أبي مليكة، قال: إن عائشة كانت لا تسمع شيئا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وإن النبي ﷺ قال: "من نوقش الحساب عذب"، فقالت: أليس يقول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٩]؟ فقال: "إنما ذلك العرض، وليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك".
وفي رواية (٢) "وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب".
وفي أخرى (٣) قالت: قال رسول الله ﷺ : "ليس أحد يحاسب إلا هلك".
стр. 1232
قلت: يا رسول الله، جعلني الله فداك، أليس الله تعالى يقول: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ قال: "ذلك العرض تعرضون، ومن نوقش الحساب هلك".
١٢٤٩ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من حوسب عذب". وهو حديث حسن يشهد له الذي قبله.
١٢٥٠ - * روى البخاري ومسلم عن صفوان بن محرز المازني قال: بينما ابن عمر ﵁ يطوف، إذ عرض له رجل، فقال: يا أبا عبد الرحمن، أخبرني ما سمعت من رسول الله ﷺ في النجوى، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يدنى المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه: تعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: أعرف رب، أعرف -مرتين- فيقول: سترتها عليك في الدنيا، وأغفرها لك اليوم، ثم تطوى صحيفة حسناته، وأما الآخرون- أو الكفار، أو المنافقون- فينادى بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين".
١٢٥١ - * روى الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: جاء رجل، فقعد بين يدي رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني، وأشتمهم وأضربهم، فكيف أنا منهم؟ فقال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم القيامة يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم: كان كفافًا، لا لك، ولا عليك، وإن كانعقابك إياهم دون ذنوبهم،
стр. 1233
كان فضلًا لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم، اقتص لهم منك الفضل" فتنحى الرجل وجعل يهتف ويبكي، فقال له رسول الله ﷺ : "أما تقرأ قول الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (١) " فقال الرجل: يا رسول الله ما أجد لي ولهؤلاء ولهؤلاء شيئًا خيرًا من مفارقتهم، أشهدك أنهم كلهم أحرار.
١٢٥٢ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يومًا: "أتدرون ما المفلس؟ " قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: "إن المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطي هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عيله، ثم يطرح في النار".
١٢٥٣ - * روى الترمذي عن أبي برزة الأسلمي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة، حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه؟ وعن علمه ما عمل به؟ وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيما أبلاه؟ ".
١٢٥٤ - * روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال: "لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه، حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيا أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه؟ وماذا عمل فيما علم؟ ".
стр. 1234
١٢٥٥ - * روى أحمد عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله ﷺ : "أول خصمين يوم القيامة جاران".
١٢٥٦ - * روى الطبراني عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: "تجتمعون يوم القيامة فيقال أين فقراء هذه الأمة ومساكينها؟ فيقومون، فيقول: ماذا عملتم؟ فيقولون ربنا ابتليتنا فصبرنا ووليت الامور والسلطان غيرنا فيقول الله جل ذكره صدقتم -أو نحو هذا- فيدخلون الجنة قبل الناس بزمان ويبقى شدة الحساب على ذوي الامور والسلطان" قالوا: فأين المؤمنون يومئذ. قال: "يوضع لهم منابر من نور يظلل عليهم الغمام يكون ذلك اليوم أقصر على المؤمنين من ساعة من نهار".
١٢٥٧ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله، أنؤاخذ بما عملناه في الجاهلية؟ قال: "من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر".
قال النووي:
أما معنى الحديث فالصحيح فيه ما قاله جماعة من المحققين أن المراد بالإحسان هنا الدخول في الإسلام بالظاهر والباطن جميعًا وأن يكون مسلما حقيقيا فهذا يغفر له ما سلف في الكفر بنص القرآن العزيز والحديث الصحيح الإسلام يهدم ما قبله وبإجماع المسلمين والمراد بالإساءة عدم الدخول في الإسلام بقلبه بل يكون منقادا في الظاهر مظهرا للشهادتين غير معتقد للإسلام بقلبه فهذا منافق باق على كفره بإجماع المسلمين فيؤاخذ بما عمل في الجاهلية قبل إظهار صورة الإسلام وبما عمل بعد إظهارها لأنه مستمر على كفره وهذا معروف في استعمال الشرع يقولون حسن إسلام فلان إذا دخل فيه حقيقة بإخلاص وساء إسلامه أو لم يحسن إسلامه إذا لم يكن كذلك والله أعلم اهـ. (شرح النووي على مسلم).
стр. 1235
١٢٥٨ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء".
وللنسائي (١): أن رسول الله ﷺ قال: "أول ما يحاسب عليه العبد: الصلاة، وأول ما يقضى بين الناس: في الدماء".
١٢٥٩ - * روى الطبراني عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "قال الرب : يؤتى بحسنات العبد وسيئاته يوم القيامة فيقيض بعضها ببعض فإن بقيت حسنة واحدة أدخله الله الجنة". قال: قلت: فإن لم يبق؟ قال: " ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾ ": قال قلت: أرأيت قوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. قال: "هو العبد يعمل السر أسره الله له يوم القيامة فيرى قرة أعين".
١٢٦٠ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ ، فضحك، فقال: "هل تدرون مم أضحك؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "من مخاطبة العبد ربه، فيقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ " قال "يقول بلى، فيقول: فإني لا أجيز اليوم على نفسي شاهدا إلا مني، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا، والكرام الكاتبين شهودا" قال "فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدًا
стр. 1236
لَكُن وسحقاً، فعنكن كنت أناضل".
١٢٦١ - * روى أحمد عن عبد الله بن أنيس أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "يحشر الله العباد يوم القيامة" أو قال: "الناس عراة غرلا بهما" قال قلنا: وما بهما؟ قال: "ليس معهم شيء ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الديان أنا الملك، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه حتى اللطمة" قال: قلنا كيف: وإنما نأتي عراة بهما قال: "الحسنات والسيئات".
١٢٦٢ - * روى أحمد عن حريث بن قبيصة قال: قدمت المدينة، فقلت: اللهم يسر لي جليسا صالحا، قال: فجلست إلى أبي هريرة ﵁، فقلت: إني سألت الله أن يرزقني جليسا صالحا، فحدثني بحديث سمعته من رسول الله ﷺ ، لعل الله أن ينفعني به، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله: صلاته، فغن صلحت، فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت، فقد خاب وخسر، فغن انتقص من فريضته شيءيا، قال الرب ﵎: انظروا، هل لعبدي من تطوع؟ فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك".
стр. 1237
وفي أخرى (١) عن أبي هريرة بمعناه أخصر منه.
١٢٦٣ - * روى أبو داود عن تميم الداري ﵁ عن رسول الله ﷺ بهذا المعنى قال: "ثم الزكاة مثل ذلك، ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك".
١٢٦٤ - * روى الطبراني عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "لو غفر لكم ما تأتون إلى البهائم لغفر لكم كثير".
١٢٦٥ - * روى أحمد عن عقبة بن عامر انه سمع النبي ﷺ يقول: "إن أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه فخذه من الرجل الشمال".
١٢٦٦ - * روى أحمد عن معاوية بن حيدة قال: أتيت النبي ﷺ فقال: "مالي آخذ بحجزكم عن النار ألا إن ربي داعي وإنه سائلي هل بلغت عبادي، وإني قائل رب إني قد بلغتهم فليبلغ الشاهد منكم الغائب ثم إنكم مدعوون مقدمة أفواهكم بالفدام، إن أول ما يبين عن أحدكم لفخذه وكفه" قلت يا نبي الله: هذا ديننا قال: "هذا دينكم وأينما تحسن يكفك".
١٢٦٧ - * روى أحمد عن أبي عسيب قال: خرج رسول الله ﷺ يوما فمر بي فدعاني فخرجت إليه، ثم مر بأبي بكر ﵀ فدعاه فخرج إليه، ثم مر بعمر فدعاه فخرج إليه
стр. 1238
فانطلق حتى دخل حائطا لبعض الأنصار، فقال لصاحب الحائط "أطعمنا" فجاء بعذق فوضعه فأكل رسول الله ﷺ وأصحابه ثم دعا بماء بارد فشرب فقال: "لتسألن عن هذا يوم القيامة" قال: فأخذ عمر العذق فضرب به الأرض حتى تناثر البسر قبل رسول الله ﷺ ثم قال يا رسول الله إنا لمسئولون عن هذا يوم القيامة؟ قال: "نعم إلا من ثلاث: خرقة كف بها عورته أو كسرة سد بها جوعته أو جحر يتدخل فيه من الحر والقر".
١٢٦٨ - * روى أبو يعلي عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قال: كان النبي ﷺ في بيتي وكان بيده سواك فدعا وصيفة له -أولها- حتى استبان الغضب في وجهه فخرجت أم سلمة إلى الحجرات فوجدت الوصيفة وهي تلعب ببهمة فقالت ألا أراك تعلبين بهذه البهمة ورسول الله ﷺ يدعوك فقالت لا والذي بعثك بالحق ما سمعتك: فقال رسول الله ﷺ "لولا خشية القود لأوجعتك بهذا السواك"، وفي رواية: "لولا القصاص لضربتك بهذا السواك"، وفي رواية: "لولا مخافة القصاص لأوجعتك بهذا السواك".
١٢٦٩ - * روى البزار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه: "من ضرب سوطا ظلما اقتص منه يوم القيامة".
١٢٧٠ - * روى البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله
стр. 1239
صلى الله عليه وسلم: "ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه، فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه، فلا يرى إلا ما قدم وينظر بين يديه، فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة". زاد في رواية (١): "فمن لم يجد فبكلمة طيبة".
١٢٧١ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله سيخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعو وتسعين سجلا، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا، يا رب، فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا، يا رب، فيقول الله تعالى: بلى إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: فإنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله شيء".
* * *
стр. 1240
الفقرة الثامنة
في:
الصراط
عرض إجمالي
- بعد الحساب والميزان تقرر النتيجة ويكون الحشر إلى أرض أخرى قبل جهنم، وهناك تبدل أرضنا هذه أرضا أخرى وتبدل السموات ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ (١)، فهذا تبدل آخر للأرض كائن، والناس في الظلمة دون الصراط.
- والنار مظلمة، الصراط مظلم، وهذه الأرض مظلمة، وإنما ينير لكل إنسان نوره الذي اكتسبه بالإيمان والعمل الصالح.
- ويفزع أهل الإيمان إلى الأنبياء ليؤذن للناس بالمرور على الصراط فيعتذرون إلا محمدا ﷺ فيشفع ويشفع ويكون هو وأمته أول من يجوز على الصراط وهذا الجواز هو الذى فسر فيه بعضهم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (٢).
- ويمر الناس على الصراط بسرعات مختلفة وأنوار مختلفة، والمنافقون لا نور لهم قال تعالى:
﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ
стр. 1241
اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١)، ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢).
- ولهول المرور على الصراط يقول الانبياء وتقول الملائكة: اللهم سلم سلم.
- وعلى ضوء نتيجة الحساب والميزان تدقق الملائكة بأحوال المارين، وقد ورد في حديث صحيح أنه يحبس المؤمنون في قنطرة بين الجنة والنار ليقتص من بعضهم لبعض، وقد فهم بعضهم أن على الصراط قناطر يدقق في كل قنطرة على نوع من الأعمال.
- ثم الناس بعد تجاوز قناطر الصراط على نوعين: نوع تساوت حسناتهم وسيئاتهم فهؤلاء أهل الأعراف، وهو سور بين النار والجنة ونوع يكون من أهل الجنان ومن هناك تبدأ مناشدة أهل الجنة ربهم بإخوانهم المؤمنين الذين أدخلوا النار، ولرسولنا ﷺ في هذا المقام شفاعات: منها الشفاعة بدخول الجنة، فيكون هو وأمته أول الداخلين، ومنها شفاعته لبعض أهل الإيمان من أهل النار. وللأنبياء في ذلك المقام شفاعات بأفراد من أممهم، وللأطفال شفاعات بآبائهم وأمهاتهم، وللعلماء شفاعات بأصحابهم، وللمؤمنين شفاعات بإخوانهم.
- وقد ورد في وصف الصراط نصوص يحتمل بعضها المجاز، ولكن الأصل هو الحمل على الظاهر والتسليم حتى يقع: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٣).
- ومما يخفف على المؤمن هول المرور على الصراط ملازمته المساجد، والإحسان في الصدقة، وإقالة المسلم بمصيبته وعثرته، وتيسير الإنسان ما عسر على غيره، وإعانة العباد في حاجاتهم والمشي في قضاء مهماتهم وحماية المؤمن من المنافقين.
стр. 1242
- وبعد أن ينقى أهل الإيمان ولم يبق إلا دخول الجنة يعطيهم الله خلقهم الذى قدره لهم في الجنة كطول آدم وعرضه ويعطيهم شبابا وحسنا ونضارة.
- وإذا كان أهل الإيمان يمرون على الصراط، وبعض العصاة منهم يتساقطون في النار، فإن أهل النفاق لا يعبرون على الصراط أصلا على قول للعلماء، وبعض العلماء يقول: إن السور الذي يضرب بينهم وبين أهل الإيمان يكون في آخر أو في مكان ما منه، وعلى هذا القول فإن أهل النفاق يمرون على الصراط أو على بعضه، ولكنهم لا نور لهم فيسقطون في جهنم وعلى القول بأن السور يضرب بينهم وبين أهل الإيمان قبل الصراط فإن حالهم حال الكافرين الذين يذهب بهم إلى النار، وقد رأينا بعض النصوص التي تفصل فيما يجرى لأهل النار وعليهم، والظاهر أنه بعد الحساب والميزان يخرج ادم بعث النار، ويخرج عنق من النار فيأخذ أصنافا من الناس إلى النار، وكما أنه لا يوجد شيء في هذا الكون إلا على غاية النظام والترتيب والانضباط فكذلك الحال في اليوم الاخر كل شيء بترتيب ونظام وانضباط.
- والنصوص الواردة في الصراط كثيرة تمر بمناسبات متعددة وهذه بعض الروايات في ذلك:
стр. 1243
النصوص
١٢٧٢ - * روى أحمد عن أبى سعد قال: قال رسول الله ﷺ : "يوضع الصراط بين ظهراني جهنم. على حسك كحسك السعدان. ثم يستجيز الناس. فناج مسلم ومخدوج به. ثم ناج ومحتبس به. ومنكوس فيها".
١٢٧٣ - * روى أحمد عن أبى بكرة عن النبي ﷺ قال: "يحمل الناس على الصراط يوم القيامة فتتقادع بهم جنبتا الصراط تقادع الفراش في النار، فينجى الله تعالى برحمته من يشاء" قال: "ثم يؤذن للملائكة والنبيين والشهداء أن يشفعوا فيشفعون ويخرجون فيشفعون ويخرجون" زاد عفان "مرة ويشفعون ويخرجون من كان في قلبه ما يزن ذرة من إيمان".
أقول: الملاحظ أن هذا الحديث يذكر أن للصراط جنبتين وهذا يرجح تأويل ما ورد في وصف الصراط بأنه كحد السيف، بأن المرد بذلك صعوبة المرور عليه وأن المرور عليه مخيف وقد ذهب بعضهم إلى أن صراط كل إنسان على حسب حاله.
стр. 1244
١٢٧٤ - * روى الترمذي عن مجاهد بن جبر قال: قال ابن عباس: أتدرون ما سعة جهنم؟ قلت: لا، قال: اجل والله ما تدري، حدثتني عائشة: أنها سألت رسول الله ﷺ عن قول الله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] قالت: قلت: فأين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: "على جسر جهنم".
أقول: وراد في حديث آخر: "في الظلمة دون الجسر" والجمع بينهما أن يكون بعضهم قد بدأ الجواز على الصراط وبعضهم ينتظر.
١٢٧٥ - * روى الترمذي عن المغيرة بن شعبه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "شعار المؤمنين على الصراط يوم القيامة: يا رب سلم سلم".
١٢٧٦ - * روى البخاري عن أبى سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطره بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا، أذن لهم في دخول الجنة، فو الذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا".
١٢٧٧ - * روى الطبراني في الأوسط عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "يجئ الظالم يوم القيامة حتى إذا كان على جسر جهنم بين الظلمة والوعرة لقيه المظلوم فعرفه وعرف ما ظلمه به فما يبرح الذين ظلموا يقصون من الذين ظلموا حتى ينزعوا ما في أيديهم من الحسنات فإن لم تكن لهم حسنات رد عليهم من سيئاتهم حتى يورد الدرك الأسفل من النار".
стр. 1245
فائدة:
قال ابن كثير في النهاية بمناسبة الكلام عن الصراط:
ثم ينتهي الناس بعد مفارقتهم مكان الموقف، إلى الظلمة التي دون الصراط وهي على جسر جهنم كما تقدم عن عائشة: أن رسول الله ﷺ سئل أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال: "هم في الظلمة دون الجسر".
وفي هذا الموضع يفترق المنافقون عن المؤمنين، ويتخلفون عنهم، ويسبقهم المؤمنون، ويحال بينهم وبينهم بسور يمنعهم من الوصول إليهم كما قال تعالى:
﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١).
وقال تعالى:
﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢).
وعن عبيد بن عمير، أنه كان يقول: أيها الناس إنه جسر مجسور، اعلاه دحض منزلة، والملائكة على جنبات الجسر يقولون: رب سلم قال: وإن الصراط مثل السيف على جسر جهنم، وإن عليه كلاليب وحسكا، والذي نفسي بيده، إنه ليؤخذ بالكلاب الواحد أكثر من ربيعيه ومضر.
стр. 1246
وعن سعيد بن أبي هلال قال:
بلغنا أن الصراط يوم القيامة وهو على الجسر يكون على بعض الناس أدق من الشعر، وعلى بعض الناس مثل الوادي الواسع. رواه ابن أبي الدنيا. اهـ (النهاية في الفتن).
* * *
стр. 1247
الفقرة التاسعة
في:
الشفاعات
- الشفاعة سؤال الخير للغير وهي تكون يوم القيامة من الأنبياء والملائكة والعلماء العاملين والشهداء والصالحين والمؤمنين وأولاد المؤمنين والمؤمنات ممن ماتوا صغيرًا، وتشفع بعض الأعمال فيشفع القرآن ويشفع الصيام.
- والشفاعة عند الله لا تكون إلا بإذنه ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (١) ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (٢).
- ومن أعظم شفاعات رسول الله ﷺ شفاعته لفصل القضاء ثم شفاعته لعبور الصراط ثم شفاعته لدخول الجنة ومن شفاعاته ﵊ شفاعته في قوم يدخلهم الجنة بغير حساب، ومنها شفاعته في قوم حوسبوا واستحقوا العذاب ألا يعذبوا، ومنها الشفاعة في إخراج عصاة المؤمنين من النار، ومنها شفاعته ﵊ لأقوام أن ترفع درجاتهم في الجنة.
- ومن الأسباب في أن ينال العبد المؤمن شفاعته ﵊: الدعاء عقب الأذان، وسؤال الوسيلة والمقام المحمود لرسول الله ﷺ . ومن أسباب الشفاعة الموت في أحد الحرمين، ومن أسبابها كثرة الصلاة على رسول الله ﷺ .
- قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ (٣) دلت الآية بمفهومها على أن غير الكافرين تنفعهم شفاعة الشافعين من رسل وأنبياء وملائكة وصديقين وشهداء وصالحين وآخرين من أهل الإيمان، وقد مرت معنا نصوص في الشفاعة وستمر معنا نصوص في سياقات أخرى.
стр. 1248
قال ابن كثير في النهاية ذاكراً أنواع شفاعاته ﵊:
فالنوع الأول منها: شفاعته الأولى. وهي العظمى، الخاصة به، من بين سائر إخوانه، من المؤمنين والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين وهي التي يرغب إليها فيها الخلق كلهم. حتى الخليل إبراهيم وموسى الكليم. ويتوسل الناس إلى آدم، فمن بعده من المرسلين، فكل يحيد عندها. ويقول: لست بصاحبها. حتى ينتهي الأمر إلى سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة. محمد رسول الله ﷺ دائمًا. فيقول: "أنا لها. أنا لها" فيذهب، فيشفع عند الله في أن يأتي للفصل بين عباده، ويريحهم من مقامهم ذلك. ويميز بين مؤمنهم وكافرهم، بمجازاه المؤمنين بالجنة. والكافرين بالنار.
النوع الثاني والثالث من الشفاعة: شفاعته ﷺ في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم ليدخلوا الجنة. وفي أقوام آخرين قد أمر بهم إلى النار، أن لا يدخلوا.
النوع الرابع من الشفاعة: شفاعته ﷺ في رفع درجات من يدخل الجنة فيها، فوق ما كان يقتضيه ثواب أعمالهم.
وقد ذكر القاضي عياض وغيره نوعًا أخر من الشفاعة. وهو: الخامس: في أقوام يدخلون الجنة بغير حساب، ولم أر لهذا شاهدًا فيما علمت، ولم يذكر القاضي فيما رأيت مستند ذلك، ثم تذكرت حديث عكاشة بن محصن حين دعا له رسول الله ﷺ ، أن يجعله من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب والحديث مخرج في الصحيحين، كما تقدم، وهو يناسب هذا المقام.
وذكر أبو عبد الله القرطبي في التذكرة:
نوعا آخر سادسًا من الشفاعة: وهو شفاعته في عمه أبي طالب، أن يخفف عذابه ...
واستشهد بحديث أبي سعيد في صحيح مسلم: أن رسول الله ﷺ ذكر عنده أبو طالب فقال:
"لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من نار، يبلغ كعبيه، يغلي منه دماغه".
стр. 1249
ثم قال: فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ (١).
قيل له: لا تنفعه في الخروج من النار، كما تنفع عصاة الموحدين. الذين يخرجون منها، ويدخلون الجنة.
النوع السابع من الشفاعة: شفاعته ﷺ لجميع المؤمنين قاطبة، في أن يؤذن لهم في دخول الجنة.
النوع الثامن من الشفاعة: شفاعته في أهل الكبائر من أمة محمد ممن دخل النار، فيخرجون منها وقد تواترت بهذا النوع الأحاديث. اهـ (النهاية في الفتن).
أقول: والتحقيق أنها عشر شفاعات: فهناك شفاعة فصل الخطاب، وهناك الشفاعة لجواز الصراط وهناك الشفاعة لدخول الجنة، وفي كل من هذه الشفاعات الثلاث يفزع الناس إلى آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈، ثم يؤول الأمر إلى أن يشفع محمد ﷺ ولم يذكر في كلام ابن كثير الشفاعة لجواز الصراط والشفاعة لدخول الجنة مع أن الرسول ﷺ يذكر أن الناس يفزعون إليه ثلاث فزعات يوم القيامة، ولغموض هذا المقام فإنه يلتبس على البعض حمل بعض النصوص على محاملها الصحيحة وقد مرت معنا من قبل نصوص كثيرة في الشفاعة وفيما يأتي نذكر بعض النصوص:
стр. 1250
النصوص
١٢٧٨ - * روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ -آدم فمن سواه- إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر" قال: "فيفزع الناس ثلاث فزعات، فيأتون آدم، فيقولون: أنت أبونا آدم، فاشفع لنا إلى ربك، فيقول: إني أذنبت ذنبا فأهبطت به إلى الأرض، ولكن ائتوا نوحًا، فيأتون نوحًا، فيقول: إني دعوت على أهل الأرض دعوة فأهلكوا، ولكن اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم، فيقول: إني كذبت ثلاث كذبات"، ثم قال رسول الله ﷺ : "ما منها كذبة إلا ما حل بها عن دين الله، ولكن ائتوا موسى، فيأتون موسى، فيقول: قد قتلت نفسا، ولكن ائتوا عيسى، فيأتون عيسى، فيقول: إني عبدت من دون الله، ولكن ائتوا محمدًا ﷺ ، فيأتوني، فأنطلق معهم". قال ابن جدعان: قال أنس: فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ ، قال: "فآخذ بحلقة باب الجنة، فأقعقعها، فيقال: من هذا؟ فيقال: محمد، فيفتحون لي ويرحبون، فيقولون: مرحبا، فأخر ساجدًا، فيلهمني الله من الثناء والحمد، فيقال لي: ارفع رأسك، سل تعط، واشفع تشفع، وقل يسمع لقولك، وهو المقام المحمود الذي قال الله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (١) " قال سفيان: ليس عن أنس إلا هذه الكلمة: "فآخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها".
أقول: تحدث ﵊ عن الفزعات الثلاث ثم اختصر، ففصل في الفزعة الأخيرة وهي الفزعة لدخول الجنة والفزعة الأولى لفصل القضاء والفزعة الثانية لعبور الصراط.
стр. 1251
١٢٧٩ - * روى البخاري ومسلم أبن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كل نبي سأل سؤالًا"- أو قال: "لكل نبي دعوة قد دعاها لأمته- وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة".
ولمسلم قال (١) قال رسول الله ﷺ : "أنا أول الناس يشفع في الجنة، وأنا أكثر الأنبياء تبعا يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة".
١٢٨٠ - * روى مسلم عن حذيفة بن اليمان، وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : "يجمع الله ﵎ الناس، فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة، فيأتون آدم، فيقولون: يا أبانا، استفتح لنا الجنة فيقول: وهل أخرجكم من الجنة، إلا خطيئة أبيكم؟ لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله، قال: "فيقولون إبراهيم: لست بصاحب ذلك، إنما كنت خليلا من وراء وراء، اعمدوا إلى موسى الذي كلمه تكليمًا" قال: "فيأتون موسى، فيقول: ليست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه، فيقول عيسى: لست بصاحب ذلك، فيأتون محمدًا ﷺ ، فيقوم فيؤذن له، وترسل الأمانة والرحم، فتقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا، فيمر أولكم كالبرق"، قال: قلت بأبي وأمي: أي شيء كالبرق، قال: "ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين؟ كمر الريح، ثم كمر الطير، وشد الرجال، تجري بهم أ'مالهم، ونبيكم قائم على الصراط، فيقول: رب سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجئ الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفا".
أقول: مر معنا أن الناس يفزعون إلى رسول الله ﷺ ثلاث فزعات وله كل منها
стр. 1252
شفاعة ففزعة لفصل الخطاب وفزعة لدخول الجنة وفزعة للإذن بالمرور على الصراط، وهذا الحديث تحدث عن هذه الفزعة.
١٢٨١ - * روى البخاري ومسلم عن معبد بن هلال العنزي، قال: انطلقنا إلى أنس بن مالك، وتشفعنا بثابت، فانتهينا إليه وهو يصلي الضحى فاستأذن لنا ثابت، فدخلنا عليه، وأجلس ثابتًا معه على سريره فقال له: يا أبا حمزة، إن أخوانك من أهل البصرة يسألونك أ، تحدثهم حديث الشفاعة، فقال: حدثنا محمد ﷺ ، قال: "إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض، فيأتون آدم، فيقولون: اشفع لذريتك، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم، فإنه خليل الله، فيأتون إبراهيم، فيقول لست لها، ولكن عليكم بموسى، فإنه كليم الله، فيؤتي موسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بعيسى، فإنه روح الله وكلمته، فيؤتي عيسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بمحمد، فأوتي فأقول: أنا لها، ثم أنطلق فاستأذن على ربي، فيؤذن لي، فأقوم بين يديه، فأحمده بمحامد لا أقدر عليها إلا أن يلهمنيها، ثم آخر لربنا ساجدًا، فيقول: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يارب أمتي أمتي، فيقول: انطلق، فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل، ثم أرجع إلى ربي فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدًا، فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يارب أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق، فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل، ثم أعود إلى ربي أحمد بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدًا، فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يارب، أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق، فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان
стр. 1253
فأخرجه من النار، فأنطلق فأفعل" هذا حديث أنس الذي أنبأنا به، فخرجنا من عنده، فلما كنا يظهر الجبان، قلنا: لو ملنا إلى الحسن فسلمنا عليه وهو مستخف في دار أبي خليفة؟ قال: فدخلنا عليه، فسلمنا عليه، قلنا: يا أبا سعيد، جئنا من عند أخيك أبي حمزة، فلم نسمع بمثل حديث حدثناه في الشفاعة، قال: هيه، فحدثناه الحديث، فقال: هيه، قلنا: ما زادنا؟ قال: قد حدثنا به منذ عشرين سنة، وهو يومئذ جميع، ولقد ترك شيئا ما أدري: أنسى الشيخ، أم كره أن يحدثكم فتتكلوا؟ قلنا له: حدثنا، فضحك وقال: خلق الإنسان من عجل، ما ذكرت لكم هذا إلا وأنا أريد أن أحدثكموه، قال: "ثم أرجع إلى ربي في الرابعة، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدًا، فيقال لي: يا محمدًا، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه واشفع تشفع، فأقول: يارب، ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله، قال: فليس ذلك إليك، ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله" قال: فأشهد على الحسن أنه حدثنا به أنه سمع أنس بن مالك- أراه قال: قبل عشرين سنة- وهو يومئذ جميع.
١٢٨٢ - * روى البخاري تعليقا: عن قتادة عن أنس أن النبي ﷺ قال: "يحبس المؤمنون يوم القيامة ... " وذكر نحوه، وفي آخره: "ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن". أي وجب عليه الخلود، ثم تلا هذه الآية ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (١) قال: وهذا المقام المحمود الذي وعده نبيكم ﷺ . زاد في رواية (٢): فقال النبي ﷺ : "يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة".
أقول: هذا الحديث يتحدث عن الفزعة الثالثة (الفزعة التي لدخول الجنة) إلا أنه
стр. 1254
يطوى الكلام عنها لحصولها كما ذكرنا من قبل، ويتحدث عن شفاعة رسول الله ﷺ لأهل الإيمان ممن دخلوا النار.
١٢٨٣ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ أن يشفع لي يوم القيامة، فقال: "أنا فاعل إن شاء الله" قلت: فأين أطلبك؟ قال: " أول ما تطلبني على الصراط" قلت: فإن لم ألقك على الصراط؟ قال: "فاطلبني عند الميزان" قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: "فاطلبني عند الحوض، فإني لا أخطئ هذه الثلاثة مواطن".
١٢٨٤ - * روى الترمذي عن عوف بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أتاني آت من عند ربي، فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة، وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة، فهي نائلة من مات لا يشرك بالله شيئًا".
١٢٨٥ - * روى الطبراني في الأوسط عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ "يفتقد أهل الجنة ناسًا كانوا يعرفونهم في الدنيا فيأتون الأنبياء فيذكرونهم فيشفعون فيهم فيشفعون يقال لهم الطلقاء وكلهم طلقاء يصب عليهم ماء الحياة".
١٢٨٦ - * روى الطبراني الأوسط والصغير عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : "يدخل من أهل هذه القبلة النار من لا يحصي عددهم إلا الله ما عصوا الله واجترؤوا على معصيته وخالفوا طاعته فيؤذن لي في الشفاعة فأثني على الله ساجدًا كما أثنى عليه قائما فيقال لي: ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع".
стр. 1255
١٢٨٧ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم- أو قال: بخطاياهم- فأمانتهم إماتة، حتى إذا كانوا فحما أذن بالشفاعة، فجئ بهم ضائر ضائر، فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة، أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة في حميل السيل" فقال رجل من القوم: كأن رسول الله ﷺ قد كان بالبادية.
١٢٨٨ - * روى البخاري عن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يخرج قوم من النار بشفاعة محمد ﷺ ، فيدخلون الجنة يسمون الجهنميين".
١٢٨٩ - * روى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "يخرج من النار قوم بالشفاعة، كأنهم الثعارير"، قلنا: ما الثعارير؟ قال: "الطغابيس".
وفي رواية (١): "إن الله يخرج ناساً من النار فيدخلهم الجنة".
وفي أخرى (٢): "إن الله يخرج قوماً من النار بالشفاعة".
١٢٩٠ - * روى ابن ماجه عن أبي موسى الأشعري؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "خيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل نصف أمتي الجنة. فاخترت الشفاعة.
стр. 1256
لأنها أعم وأكفى. أترونها للمتقين؟ لا. ولكنها للمذنبين، الخطائين المتلوثين".
١٢٩١ - * روى الطبراني عن أبي إمامة عن رسول الله ﷺ : "صنفان من أمتي لن تنالهما شفاعتي: إمام ظلوم غشوم، وكل غال مارق".
١٢٩٢ - * روى أحمد عن أبي موسى قال: غزونا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره فعرس بنا رسول الله ﷺ ، فانتهيت في بعض الليل إلى مناخ رسول الله ﷺ فلم أجده فخرجت أطلبه بارزاً، فإذا رجل من أصحاب رسول الله ﷺ يطلب ما أطلب. قال فبينا نحن كذلك، إذ أتجه إلينا رسول الله ﷺ . قال: فقلنا يا رسول الله: أنت بأرض حرب ولا نأمن عليك، فلولا إذ بدت لك حاجة قلت لبعض أصحابك فقام معك فقال رسول الله ﷺ : "إني سمعت هزيزا كهزيز الرحا، وحنينا كحنين النحل، وأتاني آت من ربي فخيرني بين أن يدخل ثلث أمتي الجنة وبين الشفاعة، فاخترت لهم شفاعتي وعلمت أنها أوسع لهم" قال: فقلنا: يا رسول الله ادع الله أن يجعلنا من أهل شفاعتك فدعا لهما ثم إنهما انتهينا إلى أصحاب رسول الله ﷺ وأخبراهم بقول رسول الله ﷺ قال: فجعلوا يأتونه ويقولون: يا رسول الله ادع الله أن يجعلنا من أهل شفاعتك فيدعو لهم. فلما أضب عليه القوم وكثروا قال رسول الله ﷺ : "إنها لمن مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله".
وفي رواية عند الطبراني (١): فسرنا حتى إذا كنا بقريب من الصبح نزل فاجتمعنا حوله وكذلك كنا نفعل فعقل ناقته ثم جعل خده على عقالها ثم نام وتفرقنا فرفعت رأسي فإذا أنا لا أراه في مكانه فذعرني ذلك، فقمت فإذا أنا أسمع مثل هزيز الرحاء من قبل الوادي، إذ جاء رسول الله ﷺ مستبشرًا قال: قلت يا رسول الله أين كنت؟ قال: "كأنه راعك
стр. 1257
حين لم ترني في مكاني؟ "قلت: أي والله، قد راعني. قال "أتاني جبريل ﵇ آنفا فخيرني بين الشفاعة وبين أن يغفر لنصف أمتي فاخترت الشفاعة" فنهض القوم إليه فقالوا: يا رسول الله اشفع لنا قال: "شفاعتي لكم" فلما أكثروا عليه قال: "من لقي الله يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة".
١٢٩٣ - * روى البزار عن عبد الرحمن بن أبي عقيل قال: انطلقت في وفد إلي رسول الله ﷺ فأتيناه فأنخنا بالباب وما في الناس أبغض إلينا من رجل نلج عليه، فما خرجنا حتى ما كان في الناس أحب إلينا من رجل دخلنا عليه فقال قائل منا: يا رسول الله إلا سألت ربك ملكًا كملك سليمان قال: فضحك ثم قال: "فلعل لصاحبكم عند الله أفضل من ملك سليمان، إن الله لم يبعث نبيا إلا أعطاه دعوة، منهم من اتخذ بها دنياه فأعطيها، ومنهم من دعا بها على قومه إذ عصوه فأهلكوا بها وإن الله أعطاني دعوة فاختبأتها عند ربي شفاعة لأمتي يوم القيامة".
١٢٩٤ - * روى البزار عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: جعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً وأحلت لي الغنائم ولم تحل لنبي كان قبلي، ونصرت بالرعب مسيرة شهر على عدوي، وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأعطيت الشفاعة وهي نائلة من أمتي من لا يشرك بالله شيئًا.
١٢٩٥ - * روى الطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ "إن ناسًا من أمتي يعذبون بذنوبهم فيكونون في النار ما شاء الله أن يكونوا، ثم يعيرهم أهل الشرك فيقولون: ما نرى ما كنتم فيه من تصديقكم وإيمانكم نفعكم فلا يبقى موحد إلا أخرجه الله" ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (١).
стр. 1258
١٢٩٦ - * روى الطبراني عن مصعب الأسلمي قال: انطلق غلام منا فآتى النبي ﷺ فقال: إني سائلك سؤالا، قال: "وما هو؟ " قال: أسألك أن تجعلني ممن تشفع له يوم القيامة. قال: "من أمرك هذا- أو- من علمك هذا- أو- من دلك على هذا؟ " قال: ما أمرني به أحد إلا نفسي: قال: "فإنك ممن أشفع له يوم القيامة".
١٢٩٧ - * روى أحمد عن بعض أصحاب النبي ﷺ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إنه يقال للوالدان يوم القيامة: ادخلوا الجنة فيقولون: يارب حتى يدخل آباؤنا وأمهاتنا" قال: "فيأبون". قال: "فيقولون الله : ما لي أراهم محبنطئين ادخلوا الجنة" قال: "فيقولون: يارب آباؤنا فيقول: ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم".
١٢٩٨ - * روى الترمذي عن عبد الله بن شقيق ﵀ كنت مع رهط بإيلياء، فقال عبد الله بن أبي الجدعاء: سمعت رسول الله ﷺ قال: "يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي: أكثر من بني تميم"، قلنا: سواك يا رسول الله؟ قال: "نعم سواي".
١٢٩٩ - * روى أحمد عن أبي برزة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن من أمتي لمن يشفع لأكثر من ربيعة ومضر وإن من أمتي لمن يعظم للنار حتى يكون ركنا من أركانها".
١٣٠٠ - * روى أحمد عن أبي إمامة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليدخلن
* * *
стр. 1259
الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثل الحيين ربيعة ومضر" فقال رجل: يا رسول الله أو ما ربيعة من مضر قال: "إنما أقول ما أقول".
١٣٠١ - * روى البزار عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الرجل ليشفع للرجلين والثلاثة".
١٣٠٢ - * روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أمتي من يشفع في الفئام من الناس، ومنهم من يشفع للقبيلة، ومنهم من يشفع للعصبة، ومنهم يشفع للواحد، حتى يدخلوا الجنة".
وزاد رزين: "وإنما شفاعتي في أهل الكبائر، وإنه ليؤمر برجل إلى النار، فيمر برجل كان قد سقاه شربة ماء على ظمأ، فيقول: إلا تشفع لي؟ فيقول: ومن أ، ت؟ فيقول: ألست أنا سقيتك الماء يوم كذا وكذا؟ فيعرفه؟ فيشفع فيه، فيرد من النار إلى الجنة".
* * *
стр. 1260
الفقرة العاشرة
في:
الجنة والنار:
١ - المقدمة
إن نهايتكم أيها الإنس والجن إما إلى جنة وإما إلى نار فهل أنتم متذكرون أو غافلون؟
- من أجل أن نتذكر هذه النهاية بعث الرسل عليهم الصلاة والسلام وأنزلت الكتب وكانت المعجزات وظهرت الكرامات لتقوم الحجة على الخلق.
- وها إن القرآن بين يديك وهو معجزة فيها معجزات يحدثك عما سيكون بين يديك، وها إن محمدًا ﷺ من كان القرآن معجزته وأكرمه الله بمعجزات أخرى، ومن بشر به من قبله من الرسل، ومن كانت صفاته وثمراته تدل عليه- أنذرك وبشرك.
- وها أنت ترى بقايا الوحي الإلهي في كثير من الأديان مع كثرة التغيير والتبديل تحدثك عما أعده الله لأهل طاعته وأوعد به أهل معصيته.
وكما أن الأصل في الأمور الغيبية أن نتلقاها عن المعصوم محمد ﷺ فإذا ثبتت عنه كان من واجبنا التسليم فإن أمر الآخرة كله كذلك وأمر الجنة والنار من ذلك.
وهناك قضايا من أمر الإيمان يكفي فيها الإيمان الإجمالي وهناك قضايا لابد فيها من الإيمان التفصيلي، وفي كل الأحوال فالإيمان التفصيلي الذي هو أثر عن معرفة النصوص كلها وفهمها حق الفهم على ضوء تحقيقات العلماء الراسخين في العلم من أهل السنة والجماعة هو الأرقى.
وإذا مر معك وأنت تقرأ النصوص ما لم تعتد أن تشاهده في الدنيا من أمر الآخرة ففر إلى الإيمان وفر إلى تصديق الله، وفر إلى تصديق رسول الله ﷺ ، فلا أصدق من الله ورسوله (وصدق الله ورسوله) (١) (ومن أصدق من الله حيثا) (٢) اللهم لا أحد.
стр. 1261
والنار هي السجن الذي أعده الله للكافرين والعصاة قال تعالى: (وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا) (١) والجنة هي دار السلام ودار النعيم المقيم أعدها الله لأهل الإيمان فكل ما فيها سلام وكل ما فيها سلام قال تعالى: (لهم دار السلام عند ربهم) (٢).
- والجنة والنار قد خلقهما من قبل فهما موجودتان قال تعالى عن النار (فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين) (٣)، (إنا أعتدنا للظالمين نارا) (٤). وقال عن الجنة (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين) (٥)، فكل من الجنة والنار قد خلق وأعد وكتب له الخلود، والجنة علوية وهي الآن فوق السماء السابعة والنار مغيبة لا يعلم مكانها إلا الله ومن أطلعه الله على ذلك ويوم القيامة يؤتي بالنار ويؤتي بالجنة فتكونان متلاصقتين ويعبر الناس من أرض الحشر إلى الجنة على الصراط وقد مرت معنا نصوص كثيرة تدل على ذلك.
- والنار من السعة بمها يهول قال تعالى: (يوم نقول لجنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد) (٦) والجنة من السعة بما يهول قال تعالى: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض) (٧) (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض) (٨).
ولا تستغربن عرض الجنة أن يكون كذلك فمحيط الدائرة أوسع من قطرها والسموات السبع على القول الراجح كروية فإذا كانت الجنة فوق السماء السابعة فمحيط السماء السابعة أكبر من قطرها الذي عرض السموات والأرض.
- والجنة والنار باقيتان أبدًا وأما قوله تعالى ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا * لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ (٩) فالمراد والله أعلم أنهم يعذبون العذاب أحقابًا ثم يكون عذاب أشد أو أنه كلما انتهى حقب بدأ حقب إلى ما لا نهاية له.
стр. 1262
- وأما قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (١) أي غير مقطوع، فليس المراد بالاستثناء نفي الديمومة بل المراد بالاستثناء أن الجنة والنار خالدتان خلود السموات والأرض باستثناء ما حدث للسموات والأرض يوم القيامة فإن ذلك لا يصيبهما وللعلماء اتجاهات أخرى في فهم الآيتين، فمن قطيعات الاعتقاد الإيمان بديمومة الجنة والنار فمن أنكر ذلك وقع في الضلال المبين.
قال ابن كثير وهو يتحدث عن أهل الجنة:
"وثبت أن أول زمرة منهم على صورة القمر ثم الذين يلونهم في البهاء كأضوأ كوكب دري في السناء، وأنهم يجامعون ولا يتناسلون ولا يتوالدون إلا ما يشاؤون. وأنهم لا يموتون ولا ينامون، لكمال حياتهم وكثرة لذاتهم وتوالي نعيمهم ومسراتهم، وكلما ازدادوا خلودًا ازدادوا حسنًا وجمالًا وشبابًا وقوة وكمالًا، وازدادت لهم الجنة حسنًا وبهاء وطيبًا وضياء، وكانوا أرغب شيء فيها وأحرص عليها وكانت عندهم أعز وأغلى وألذ وأحلى، كما قال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ " (٢). أهـ. (النهاية في الفتن والملاحم).
وقال ابن كثير وهو يتحدث عن أهل النار:
"إذا خرج أهل المعاصي من النار فلم يبق فيها غير الكافرين فلا يموتون ولا يحييون كما قال تعالى: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ (٣). فلا خروج لهم منها ولا محيد لهم بل هم خالدون فيها أبدًا وهم الذين حبسهم القرآن وحكم عليهم بالخلود، كما قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (٤). وقال تعالى في سورة النساء ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ
стр. 1263
ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ (١) أهـ (النهاية في الفتن والملاحم).
ولشيخ الإسلام تقي الدين السبكي رسالة سماها: "الاعتبار ببقاء الجنة والنار"، رد فيها على من ادعى غير ذلك وجمع فيها النصوص القطعية الواردة في ذلك وختمها بقوله: "فهذه الآيات التي استحضرناها في بقاء الجنة والنار وبدأنا لأنا وقفنا على تصنيف لبعض أهل العصر في فنائها. وقد ذكرنا نحو مائة آية منها من ستين في النار، ونحو من أربعين في الجنة، وقد ذكرنا الخلود وما اشتق منه في أربع وثلاثين آية في النار وثمان وثلاثين في الجنة، وذكرنا التأبيد في ثلاث في النار مع الخلود، وفي ثمان في الجنة منها سبع من الخلود. وذكر التصريح بعدم الخروج أو بمعناه في أكثر من ثلاثين. وتضافر هذه الآيات ونظائرها يفيد القطع بإرادة حقيقة معناها، وأن ذلك ليس مما استعمال فيه الظاهر في غير المراد، ولذلك أجمع المسلمون على اعتقاد ذلك ونقلوه خلفًا عن سلف عن نبيهم ﷺ وهو مركوز في فطرة المسلمين معلوم من الدين بالضرورة، بل وسائر الملل غير المسلمين يعتقدون ذلك، ومن رد ذلك فهو كافر ومن تأوله فهو كمن تأول الآيات الواردة في البعث الجسماني وهو كافر أيضًا" أهـ (الاعتبار).
- فحدد يا أخي بصر الإيمان إلى مقرك ومستقرك وأقبل على الله بالذكر والفكر والتأمل في المصير وأكثر من قراءة القرآن فإنه الذي يذكرك بكل شيء، وها نحن نعرض عليك بعض النصوص حول الجنة والنار مع شيء من التعليقات بما يتناسب مع غرض الكتاب، وهي نصوص من الكتاب والسنة فيما وصفت به النار والجنة وبعض نعيم أهل الجنة وبعض عذاب أهل النار وفي بعض ما استحق به أهل الجنة وأهل النار النار ونبدأ هذه الفقرة بذكر مشاهد من القرآن الكريم حول ما ذكرناه.
стр. 1264
٢ - مشاهد من القرآن الكريم
﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا * وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ * عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ * يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا * وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ * وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ * إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ * ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ * وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ * وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ * قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ (١).
جاءت سورة الواقعة بعد سورة الرحمن وقد ختمت سورة الرحمن بالحديث عن أهل النار وبالجنتين اللتين أعدهما الله للمحسنين ووصفتهما ثم بالحديث عن الجنتين اللتين أعدهما الله لأهل اليمين ووصفتهما، ثم جاءت سورة الواقعة فبدأت بالحديث عن أن الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: أهل يمين وأهل الشمال وسابقون وفصلت فيما أعد الله لكل، وختمت سورة الواقعة بما أعد الله للمقربين، وهم السابقون، وما أعده لأهل اليمين وما أعده لأهل الشمال. فالصورتان تتكاملان في العرض وقد بدأنا بذكر ما ورد في أوائل سورة الواقعة مما أعده الله
стр. 1265
عز وجل للسابقين وأهل اليمين وأهل الشمال، ونكتفي بتفسير الكلمات التي تحتاج إلى تفسير: ﴿الْوَاقِعَةُ﴾: القيامة. ﴿كَاذِبَةٌ﴾: نفس الكاذبة تنكر وقوعها. ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾: خافضة للأشقياء رافعة للسعداء. ﴿رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾ زلزلت. ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ﴾: فتتت. ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾: غبار متفرقًا منتشرًا. ﴿أَزْوَاجًا﴾ أصنافاً. ﴿الْمَيْمَنَةِ﴾: اليمن أو اليمين. ﴿الْمَشْأَمَةِ﴾ الشؤم أو الشمال. ﴿ثُلَّةٌ﴾: أمة كثيرة من الناس. ﴿سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ منسوجة من الذهب بإحكام. ﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾: مبقون على هيئة الولدان في البهاء. ﴿بِأَكْوَابٍ﴾: أقداح. ﴿وَأَبَارِيقَ﴾: أوان لها عرى وخراطيم. ﴿وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾: قدح من خمر جارية من العيون. ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾: لا يصيبهم صداع بشربها. ﴿وَلَا يُنْزِفُونَ﴾: لا تذهب عقولهم. ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾: نساء بيض واسعات الأعين حسناتها. ﴿اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ المصون في أصدافه. ﴿لَغْوًا﴾ كلامًا باطلًا لا خير فيه ﴿تَأْثِيمًا﴾: نسبة إلى الإثم. ﴿سِدْرٍ﴾: شجر النبق. ﴿مَخْضُودٍ﴾: مقطوع شوكه ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ شجر الموز أو مثله نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾: دائمًا يتقلص. ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾: مصبوب يجري في غير أخاديد. ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ متحببات إلى أزواجهن مستويات في السن. ﴿سَمُومٍ﴾: ريح شديد الحرارة تدخل المسام. ﴿حَمِيمٍ﴾ ماء بالغ الحرارة. ﴿يَحْمُومٍ﴾ دخان شديد السواد. ﴿وَلَا كَرِيمٍ﴾: لا نافع من أذى الحر. ﴿الْحِنْثِ﴾: الذنب العظيم- الشرك- ﴿زَقُّومٍ﴾ شجر كريه جدًا في النار ﴿شُرْبَ الْهِيمِ﴾ الإبل العطاش التي لا تروى.
﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * ذَوَاتَا أَفْنَانٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ