الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ (١).
هذا نموذج على حوار بين أهل الجنة فيما بينهم ونموذج على أن أهل الجنة يطلعون على أهل النار.
والمراد بالقرين في الآيات الصاحب الكافر في الدنيا، والذي يجمعه مع المؤمن سبب من عمل مشترك أو جوار أو غير ذلك من الأسباب التي تجعل المؤمن يجالس الكافر، وكيف أن الكافر كان ينكر على المؤمن إيمانه. فههنا المؤمن يخاطب الكافر هذا الخطاب المذكور في الآية وقد جاءت هذه الآيات بعد الكلام عن اجتماع أهل الجنة على شرابهم فهم يتحدثون ويجرهم الحديث إلى هذا الموقف.
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٢).
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي خيارًا أو عدولًا مزكين بالعلم والعمل ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ أي على معاصريكم وعلى من قبلكم وبعدكم ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ فيشهد لكم بالعدالة، وشهادته لكم بالعدالة في الموقف تأكيد لشهادتكم على الأمم، وهذا يكون عندما تنكر الأمم أن رسلها قد بلغتها وذلك في موقف من مواقف القيامة.
* * *
وبعد:
فلقد حرصنا ألا يخلو الكلام عن اليوم الآخر من الإكثار من النصوص القرآنية ليزداد المسلم فهما وبصيرة بما يجري في اليوم الآخر، وحرصنا أن نبين ما استطعنا تسلسل الأحداث في اليوم الآخر لأن الكتابة في هذا الشأن قليلة فاقتضى هذا منا الإكثار من النصوص والنقول والتعليقات
стр. 1194
الفقرة الخامسة
في:
أحاديث تصف بعض ما في الموقف وما بعده
١٢١٦ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: "هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحابة"؟ قالوا: لا، قال: "فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة"؟ قالوا: لا. قال: "فو الذي نفسي بيده، لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما، فيلقى العبد ربه، فيقول: أي فل، ألم أكرمك وأسودك وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى يا رب. فيقول: أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثاني، فيقول: أي فل: ألم أكرمك وأسودك وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى يا رب. فيقول: أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثالث، فيقول: أي فل، ألم أكرمك وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى يا رب، فيقول: أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: أي رب: آمنت بك وبكتابك وبرسلك، وصليت وصمت وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع، فيقول ها هنا إذن، ثم يقول: الآن نبعث شاهدا عليك، فيتفكر في نفسه: من ذا الذي يشهد عليه؟ فيختم على فيه، ويقال لفخذه: انطقي، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعلمه، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق ذلك الذي يسخط الله عليه".
أقول: في الحديث عن الرؤية وهي خاصة بأهل الإيمان، وكلام عن المحاسبة والمخاطبة في موقف من مواقف القيامة وهي عامة كما هو ظاهر من الحديث.
стр. 1195
١٢١٧ - * روى البخاري عن سعيد بن المسيب، وعطاء بن يزيد الليثي أن أبا هريرة أخبرهما: أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: "هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب"؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: "فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب"؟ قالوا: لا، قال: "فإنكم ترونه كذلك، يحشر الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبع، فمنهم من يتبع الشمس، ومنهم من يتبع القمر، ومنهم من يتبع الطواغيت، وتبقى هذه الأمه فيها منافقوها، فيأتيهم الله، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتنا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا؟ فيدعوهم، ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب، مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان"؟ قالوا: نعم، قال "فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله تعالى، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم من يوبق بعمله، ومنهم من يخردل، ثم ينجو، حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار" وفي رواية: "فمنهم المؤمن بقي بعمله، ومنهم المجازى حتى ينجى- حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله، فيخرجونهم، ويعرفونهم بآثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار، فكل ابن آدم تأكله النار، إلا أثر السجود فيخرجون من النار قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون كما تنبت الحبه في حميل السيل،
стр. 1196
ثم يَفرُغُ الله من القصاص بين العباد، ويبقى رجل بين الجنة والنار- وهو اخر أهل النار دخولا الجنة- مقبل بوجهه قبل النار، فيقول: يارب، اصرف وجهي عن النار، قد قشبني ريحها وأحرقني ذكاها، فيدعو الله بما شاء أن يدعوه، فيقول: هل عسيت إن أفعل ذلك تسأل غير ذلك؟ فبقول: لا وعزتك، فيعطي الله ما شاء من عهد وميثاق، فيصرف الله وجهة عن النار، فإذا أقبل بوجهه على الجنة، ورأى بهجتها، سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم قال: يا رب، قدمني عند باب الجنة، فيقول الله له: أليس قد أعطيت العهود والمواثيق أن لا تسأل غير الذي كنت سألت؟ فيقول: يا رب لا أكون أشفى خلقك، فيقول: فما عسيت إن أعطيت ذلك أن تسأل غيره؟ فيقول: لا وعزتك، لا أسألك غير هذا، فيعطى ربه ما شاء من عهد وميثاق، فيقدمه إلى باب الجنة فإذا بلغ بابها، رأى زهرتها وما فيها من النضرة والسرور"
- وفى رواية (١): "فإذا قام إلى باب الجنة انفهقت له الجنة: فرأى ما فيها من الحبرة والسرور، فسكت ما شاء الله أن يسكت فيقول: يا رب أدخلني الجنة، فيقول الله: ويحك! يا ابن ادم ما اغدرك؟ أليس قد أعطيت العهود أن لا تسأل غير الذي قد أعطيت؟ فيقول: يا رب، لا تجعلني أشقى خلقك، فيضحك الله منه، ثم يأذن له في دخول الجنة، فيقول: تمن. فيتمنى، حتى إذا انقطع أمنيه، قال الله تعالى: تمن من كذا وكذا -يذكره ربه- حتى إذا انتهت به الأماني قال الله: لك ذلك ومثله معه"
قال أبو سعيد الخدري لأبى هريرة ﵄: إن رسول الله ﷺ قال: "قال الله: لك ذلك وعشرة أمثاله" قال أبو هريرة: لم أحفظ من رسول الله ﷺ ، إلا
стр. 1197
قوله: "لك ذلك ومثله معه" قال أبو سعيد: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لك ذلك وعشرة أمثاله" قال أبو هريرة: وذلك الرجل اخر أهل النار دخولا الجنة.
وفي رواية مسلم (١) عن عطاء وابن المسيب، وقال أبو هريرة: إن الناس قالوا للنبي ﷺ : يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ .... وساق الحديث بمثله. هكذا قال مسلم، ولم يذكر لفظه، وأخرجه البخاري عن عطاء وحده بنحوه.
ورواه الترمذي (٢) عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أخصر من هذا: أن رسول ﷺ قال: "يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثم يطلع عليهم رب العالمين، فيقول: ألا يتبع كل إنسان ما كان يعبد، فيمثل لصاحب الصليب صليبه، ولصاحب التصاوير تصاويره، ولصاحب النار ناره، فيتبعون ما كانوا يعبدون، ويبقى المسلمون فيطلع عليهم رب العالمين، فيقول: ألا تتبعون الناس؟ فيقولون: نعوذ بالله منك نعوذ بالله منك، الله ربنا وهذا مكاننا حتى نرى ربنا، وهو يأمرهم ويثبتهم". قالوا: وهل نراه يا رسول الله؟ قال: "وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر "؟ قالوا: لا، يا رسول الله قال: " فإنكم لا تضارون في رؤيته تلك الساعة، ثم يتوارى، ثم يطلع، فيعرفهم نفسه، ثم يقول: أنا ربكم فاتبعوني، فيقوم المسلمون، ويوضع الصراط، فيمر عليه مثل جياد الخيل والركاب وقولهم عليه: سلم سلم، ويبقى أهل النار، فيطرح منهم فيها فوج فيقال: هل امتلأت؟ فتقول: هل من مزيد؟ ثم يطرح فيها فوج، فيقال: هل امتلأت؟ فتقول: هل من مزيد؟ حتى إذا أوعبوا فيها وضع الرحمن قدمه فيها، وأزوى بعضها إلى بعض، ثم قال: قط، قالت: قط قط، فإذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار: أتي بالموت ملببا فيوقف
стр. 1198
على السور الذي بين أهل الجنة وأهل النار، ثم يقال: يا أهل الجنة، فيطلعون خائفين، ثم يقال: يا أهل النار، فيطلعون مستبشرين، يرجون الشفاعة، فيقال لأهل الجنة وأهل النار: هل تعرفون هذا؟ فيقول- هؤلاء وهؤلاء- قد عرفناه، هو الموت الذي وكل بنا، فيضجع، فيذبح ذبحا على السور، ثم يقال لهم: يا أهل الجنة، خلود لا موت، ويا أهل النار، خلود لا موت".
وروى النسائي (١) منه طرفا من وسطه، وهو قوله: "فتأتي الملائكة فتشفع ويشفع الرسل" وذكر الصراط، فقال رسول الله صلى لله عليه وسلم: "فأكون أول من يجيز، فإذا فرغ الله من القضاء بين خلقه، وأخرج من النار من يريد أن يخرج، أمر الله الملائكة والرسل أن تشفع، فيشفعون بعلاماتهم، إن النار تأكل كل شيء من بني آدم إلا موضع السجود، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون كما تنبت الحية في السيل".
أقول: في النص الذي مر معنا عدد من مشاهد يوم القيامة وهى بعض من كل، وهي تعطينا تصورا عن تعليم رسول الله ﷺ وعن طريقة وعظه، فالنص ابتدأ بالإجابة على سؤال ثم كان هناك تذكير بأكثر من مشهد من مشاهد يوم القيامة مما يناسب حال السامعين، وقد طوى النص مشاهد كثيرة من مشاهد يوم القيامة جاءت بمناسبات أخرى أو ذكرها القرآن الكريم ومنه نعلم أن الواعظ يتخير لوعظه ما يناسب حال السامعين، والمحدث يتخير لحديثه ما يناسب حال المخاطبين وقل مثل ذلك في المحاضرة والخطبة والدرس والعلم والتعليم وقد حاولنا أثناء العرض الإجمالي ومن خلال التعليقات أن ننقل أكبر قدر من مشاهد يوم القيامة مع إبراز تسلسل الأحداث بالقدر الذي أسعفتنا فيه المراجع ولم نقف عند الكثير من النصوص؛ لأن أمر القيامة غيب والمسلم مستقر في قلبه التنزيه والتسليم فلا يفوته أن يفهم النصوص على ضوء التنزيه ولا يفوته مع التنزيه أن يسلم: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ (٢).
стр. 1199
١٢١٨ - * روى مسلم عن أبى سعيد الخدري ﵁ قال: أن ناسا في زمن رسول الله ﷺ وفي رواية: قال: قلنا- يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : "نعم، فهل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البد صحوا ليس فيها سحاب"؟ قالوا: لا، يا رسول الله، قال: "ما تضارون في رؤية الله ﵎ يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما، إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله -من الأصنام والأنصاب- إلا يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر، وغبر أهل الكتاب، فيدعى اليهود، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزيرا ابن الله، فيقال: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا فاسقنا، فيشار إليهم: ألا تردون؟ فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا، فيتساقطون في النار، ثم يدعى النصارى، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا فاسقنا، فيشار إليهم: ألا تردون؟ فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا، فيتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر، أتاهم الله في أدنى صورة من التي رأوه فيها، قال: فما تنظرون؟ تتبع كل أمه ما كنت تعبد، قالوا: يا ربنا، فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم، ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله شيئا -مرتين أو ثلاثا- حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله به بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد الله
стр. 1200
اتقاء ورياء، إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صوبته التي رأوه فيها أول مره، فقال: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلم سلم" قيل: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: "دحض منزلة، فيه خطاطيف وكلاليب، وحسكه تكون بنجد، فيها شويكة، ويقال لها: السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق والريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم، حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فو الذي نفسى بيده، ما من أحد منكم بأشد مناشدة لله في استيفاء الحق من المؤمنون يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار" وفي رواية "فما أنتم بأشد مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمنين يومئذ للجبار إذا رأوا أنهم قد مجوا في إخوانهم، فيقولون: ربنا كانوا يصومون معنا، ويصلون ويحجون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار، فيخرجون خلقا كثيرا قد أخدت النار إلى نضف ساقه، وإلى ركبتيه، ثم يقولون: ربنا ما بقى فيها أحد ممن أمرتنا به، فيقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون: ربنا، لم نذر فيها أحدًا ممن
стр. 1201
أمرتنا، ثم يقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدًا، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيرا" وكان أبو سعيد يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث، فاقرؤوا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١). "فيقول الله : شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قومًا لم يعلوا خير قط، قد عادوا حمما، فيلقيهم في نهر أفواه الجنة، يقال له: نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل، ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر، ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر، وما يكون منها إلا الظل، يكون أبيض"؟ فقالوا: يا رسول الله، كأنك كنت ترعى بالبادية، قال: "فيخرجون كاللؤلؤ، في رقابهم الخواتيم، يعرفهم أهل الجنة، هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه، ثم يقول: ادخلوا الجنة، فما رأيتموه فهو لكم، فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من العالمين، فيقول: لكم عندي أفضل من هذا، فيقولون: يا ربنا، أي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: رضاي، فلا أسخط عليكم بعده أبدا".
قال مسلم: قرأت على عيسى بن حماد- زغبة- المصري هذا الحديث في الشفاعة، وقلت له: أحدث بهذا الحديث عنك، أنك سمعته من الليث بن سعد؟ فقال: نعم.
وقال مسلم عن أبي سعيد: إنه قال: قلنا: يا رسول الله، أنرى ربنا؟ قال: "هل تضارون في رؤية الشمس إذا كان يوم صحو"؟ قلنا. لا ... وساق الحديث، حتى انقضى إلى أخره، وزاد بعد قول: "بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه": "فقال لهم: لكم ما رأيتم ومثله معه". قال أبوسعيد: بلغني أن الجسر أدق من الشعرة، وأحد
стр. 1202
من السيف، وليس فيه: "فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من العالمين" وما بعده.
وفي رواية (١) قال: قلنا: يا رسول الله هل نرى ربنا؟ قال: "هل تضارون في رؤية الشمس إذا كانت صحوا"؟ قلنا: لا، قال: "فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ، إلا كما تضارون في رؤيتها". قال: "ثم ينادي مناد: ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم، حتى يبقى من كان يعبد الله من بر وفاجر، وغبرات من اهل الكتاب، ثم يؤتي بجهنم تعرض كأنها السراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا بعبد عزيرا ابن الله، فقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم، ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون، حتى يبقى من كان يعبد الله من بر وفاجر، فيقال لهم: ما يحبسكم وقد ذهب الناس؟ فيقولون: فارقناهم ونحن أحوج منا إليهم اليوم، فإنا سمعنا مناديا ينادي: ليلحق كل قوم ما كانوا يعبدون، وإنما ننتظر ربنا، قال: فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا؟ فلا يكلمه إلا الأنبياء، فيقال: نعم، الساق، فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كل يسجد لله رياء وسمعة، فيذهب كيما يسجد، فيعود ظهرة طبقًا واحدًا ثم يؤتي بالجسر، فيجعله بين ظهري جهنم" قلنا: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: "مدحضة مزلة، عليها خطاطيف وكلاليب، وحسكة مفلطحة،
стр. 1203
لها شوكة عقيفة تكون بنجد، يقال لها: السعدان، يمر المؤمن عليها كالطرف وكالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، وناج مخدوش، ومكدوس في نار جهنم، حتى يمر آخرهم، يسحب سحبا، فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمن يومئذ للجبار، فإذا رأوا أنهم قد نجوا شفعوا في إخوانهم، يقولون: ربنا، إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا، فيقول الله : اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرم الله صورهم على النار بذنوبهم، فبعضهم قد غاب في النار إلى قدميه، وإلى أنصاف ساقيه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه، فيخرجوه من عرفوا- قال أبو سعيد: فإن لم تصدقوني، فاقرؤوا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١) - فيشفع النبيون، والملائكة، والمؤمنون، فيقول الجبار: بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النار، فيخرج أقواما قد امتحشوا، فيلقون في نهر بأفواه الجنة، يقال له: ماء الحياة، فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبة في حميل السيل، قد رأيتموها إلى جانب الصخرة، فما كان من الشمس منها كان أخضر، وما كان إلى جانب الظل منها كان أبيض، فيخرجون كأنهم اللؤلؤ، فيجعل في رقابهم الخواتيم فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه، فيقال لهم: لكم ما رأيتم ومثله معه".
وفي رواية النسائي (٢) طرف منه، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مجادلة أحدكم في الحق يكون له في الدنيا بأشد مجادلة من المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين
стр. 1204
أُدخلوا النار"، قال: "ربنا، إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويحجون معنا، فأدخلهم النار"؟ قال: "فيقول: اذهبوا فأخرجوا من عرفتم منهم" قال: "فيأتون فيعرفونهم بصورهم، فمنهم من أخذته النار إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من أخذتم إلى كعبيه، فيخرجونهم، فيقولون: ربنا قد أخرجنا من أمرتنا" قال: "ثم يقول: أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار من إيمان، ثم من كان في وزن بصف دينار، حتى يقول: من كان في قلبه وزن ذرة" قال أبو سعيد: فمن لم يصدق، فليقرأ هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).
أقول: الملاحظ أن الروايات التي مرت معنا وبعض الروايات التي ستمر معنا في هذه الفقرة تتحدث عن رؤية الله في المحشر قبل دخول الجنة ورؤية الله ثانية لأهل الإيمان في المحشر وفي الجنة، وفي حديث أبي سعيد تركيز على مواقف بعينها أما محل هذه المواقف بالنسبة لتسلسل الأحداث يوم القيامة فإنه يحتاج إلى استشراف لعامة النصوص. والظاهر من النصوص أن إدخال أهل النار النار وإدخال أهل الجنة الجنة أنه يكون بعد إقامة أنواع من الحجج ولكن كما ذكر ابن كثير في النهاية أن بعض الرواة يطوون ذكر بعض المشاهد ويركزون على بعض المشاهد، ردا على جاحد أو مبتدع وقد يكون هذا الطي من رسول الله ﷺ لتركيز معنى معين عند أصحابه في جلسة من الجلسات ثم يركز على معنى آخر في جلسة أخرى فقد كان من سنته ﵊ تركيز المعاني في الأنفس حتى إنه كان يكرر الكلمة ثلاثا لتعقل منه.
وقد مرت معنا في رواية أبي سعيد كلمة يحسن أن نقف عندها لأنها تصادفنا كثيرًا وهي قوله عن الصراط: "بلغني أن الجسر أدق من الشعر واحد من السيف" فهذه العبارة حملها بعضهم على الحقيقة، والتحقيق آنها محمولة على المجاز كما مر معنا في العرض الإجمالي لأن نصوصًا أخرى تتحدث عن جنبتي الصراط وليس لحد السيف جانبان.
стр. 1205
١٢١٩ - * روى مسلم عن أبي الزبير ﵁ سمع جابرًا يسأل عن الورود؟ فقال نجيء نحن يوم القيامة عن كذا وكذا، انظر- أي ذلك فوق الناس- قال: فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد: الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك، فيقول: من تنظرون؟ فنقول: ننظر ربنا، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: حتى ننظر أليك، فيتجلى لهم يضحك، قال: فينطلق بهم، ويتبعون، ويعطى كل إنسان منهم- منافق أو مؤمن- نورا ثم يتبعونه، وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك، تأخذ من شاء الله، ثم يطفأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنين، فتنجو أول زمرة، وجوههم كالقمر ليلة البدر، سبعون ألفا، لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كأضوأ نجم في السماء. ثم كذلك، ثم تحل الشفاعة، ويشفعون حتى يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، فيجعلون بفاء الجنة، ويجعل أهل الجنة يرشون عليهم الماء، حتى ينبتوا نبات الشيء في السيل، ويذهب حراقه، ثم يسأل حتى تجعل له الدنيا وعشرة أمثالها معها.
١٢٢٠ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: "يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قيامًا أربعين سنة شاخصة أبصارهم ينتظرون فصل القضاء" قال: "وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي ثم ينادي مناد أيها الناس ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم ورزقكم وأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا أن يولى كل أناس منكم ما كانوا يعبدون في الدنيا أليس ذلك عدلا من ربكم؟ قالوا بلى" قال: "فيطلق كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ويقولون في الدنيا". قال: "فينطلقون ويمثل لهم أشباه ما كانوا يعبدون فمنهم من ينطلق إلى الشمس، ومنهم من ينطلق إلى القمر والأوثان من الحجارة وأشباه ما كانوا يعبدون" قال: "ويمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى ويمثل لمن كان يعبد عزيرا شيطان عزير، ويبقى محمد ﷺ وأمته" قال:
стр. 1206
"فيتمثل الرب ﵎ فيأتيهم فيقول ما لكم لا تنطلقون كانطلاق الناس فيقولون: إن لنا لإلها ما رأيناه. فيقول: هل تعرفونه إن رأيتموه؟ فيقولون: إن بيننا وبينه علامة إذا رأيناها عرفناها". قال: "فيقول: ما هي فنقول: يكشف عن ساقه" قال: "فعند ذلك يكشف عن ساقه فيخر كل من كان نظره ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر يريدون السجود فلا يستطيعون وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون، ثم يقول: ارفعوا رؤوسكم فيرفعون رؤوسهم فيعطيهم نورهم على قدر أعمالهم: فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل العظيم يسعى بين يديه، ومنهم من يعطى نوره أصغر من ذلك ومنهم من يعطى مثل النخلة بيده، ومنهم من يعطى أصغر من ذلك حتى يكون آخرهم رجلا يعطى نوره على إبهام قدميه يضيء مرة ويطفأ مرة فإذا أضاء قدم قدمه وإذا طفئ قام". قال: "والرب ﵎ أمامهم، حتى يمر في النار فيبقى أثره كحد السيف" قال: "فيقول: مروا فيمرون على قدر نورهم: منهم من يمر كطرفة العين، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالسحاب، ومنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشد الفرس، ومنهم من يمر كشد الرحل حتى يمر الذي يعطى نوره على ظهر قدميه يجثو على وجهه ويدية ورجليه تخر يد وتعلق يد وتخر رجل وتعلق رجل، وتصيب جوانبه النار فلا يزال كذلك حتى يخلص فإذا خلص وقف عليها فقال: الحمد لله فقد أعطاني الله ما لم يعط أحدًا إذ نجاني منها بعد إذ رأيتها". قال: "فينطلق به إلى غدير عند باب الجنة فيغتسل فيعود إليه ريح أهل الجنة وألوانهم فيرى ما في الجنة من خلل الباب فيقول رب أدخلني الجنة فيقول الله: أتسأل الجنة وقد نجيتك من النار؟ فيقول: رب اجعل بيني وبينها حجابا لا أسمع حسيسها" قال: "فيدخل الجنة ويرى أو يرفع له منزل أمام ذلك كأن ما هو فيه إليه حلم فيقول: رب أعطني ذلك المنزل، فيقول له: لعلك إن أعطيتكه تسأل غيره، فيقول: لا، وعزتك لا أسألك غيره، وأنى منزل أحسن منه، فيعطى فينزله. ويرى أمام ذلك منزلا كأن ما هو فيه إليه حلم، قال: رب أعطني ذلك المنزل، فيقول الله ﵎ له: فلعلك إن أعطيتكه تسأل
стр. 1207
غيره فيقول وعزتك يا رب وأنى منزل يكون أحسن منه، فيعطاه وينزله ثم يسكت فيقول الله جل ذكره: مالك لا تسأل؟ فيقول: رب قد سألتك حتى قد استحييتك وأقسمت حتى استحييتك. فيقول الله جل ذكره: ألم ترض أن أعطيك مثل الدنيا منذ خلقتنا إلى يوم أفنيتها وعشرة أضعافه، فيقول: أتهزأ بي وأنت رب العزة؟ فيضحك الرب ﵎ من قوله" قال: فرأيت عبدالله بن مسعود إذا بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، قد سمعتك تحدث هذا الحديث مرارا كلما بلغت المكان ضحكت، قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يحدث هذا الحديث مرارا كلما بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك حتى يبدو أضراسه قال: "فيقول الرب جل ذكره: لا ولكني على ذلك قادر، سل: فيقول: ألحقني بالناس، فيقول الحق بالناس" قال: "فينطلق يرمل في الجنة حتى إذا دنا من الناس رفع له قصر من درة فيخر ساجدًا فيقال له: ارفع رأسك، مالك؟ فيقول: رأيت ربي أو تراءى لي ربي فيقال له: إنما هو منزل من منازلك" قال: "ثم يلقى رجلا فيتهيأ للسجود له، فيقال له، مه. فيقول: رأيت أنك ملك من الملائكة، فيقول: إنما أنا خازن من خزانك وعبد من عبيدك، تحت يدي ألف قهرمان على مثل ما أنا عليه" قال: "فينطلق أمامه حتى يفتح له القصر" قال: "وهو من درة مجوفة، سقائفها وأبوابها وأغلاقها ومفاتيحها منها تستقبله جوهرة خضراء مبطنة كل جوهرة تفضي إلى جوهرة على غير لون الأخرى، في كل جوهرة سرر وأزواج ووصائف أدناهن حوارء عيناء عليها سبعون حلة يرى مخ ساقها من وراء حللها، كبدها مرآته وكبده مرآتها، إذا أعرض عنها إعراضه ازدادت في عينه سبعين ضعفاً عما كانت قبل ذلك فيقول لها: والله لقد ازدادت في عينه سبعين ضعفاً عما كانت قبل ذلك فيقول لها: والله لقد ازددت في عيني سبعين ضعفا وتقول له: وأنت ازددت في عيني سبعين ضعفاً، فيقال له: أشرف فيشرف. فيقال له: ملك ميسرة مائة عام ينفذه بصرك" قال: فقال عمر ألا تسمع ما يحدثنا ابن أم عبد يا كعب عن أدنى أهل الجنة منزلاً فكيف أعلاهم؟ قال: يا أمير المؤمنين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت. إن الله جل ذكره خلق دارًا جعل فيها ما شاء
стр. 1208
من الأزواج والثمرات والأشربة ثم أطبقها فلم يرها أحد من خلقه لا جبريل ولا غيره من الملائكة، ثم قال كعب ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) قال: وخلق دون ذلك جنتين وزينهما بما شاء وأراهما من شاء من خلفه، ثم قال: من كان كتابه غي عليين نزل في تلك الدار التي لم يرها أحد حتى أن الرجل من أهل عليين ليخرج فيسير في ملكه فلا تبقى خيمة من خيم الجنة إلا دخلها من ضوء وجهه فيستبشرون لريحه، فيقولون: واها لهذا الريح، هذا ريح رجل من أهل عليين قد خرج يسير في ملكه، قال: ويحك يا كعب إن هذه القلوب قد استرسلت فاقبضها. فقال كعب: إن لجهنم يوم القيامة لزفرة ما من ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا لركبتيه حتى إن إبراهيم خليل الله ليقول: رب نفسي نفسي. حتى لو كان لك عمل سبعين نبيًا إلى عملك لظننت أن لا تنجو. وفي رواية قال رسول الله ﷺ : "يقوم الناس لرب العالمين ألف سنة شاخصة أبصارهم ينتظرون فصل القضاء" قال: فذكر مثل حديث زيد بن أبي أنيسة.
أقول:
من الملاحظ أنه قد ورد معنا في هذا النص تحديد للزمن الذي يسبق فصل الخطاب، فأول الرواية ذكرت أربعين سنة، وآخر النص ذكر رواية أخرى حددته بألف عام، ولمثل هذا كان للتحقيق من أهله محله في فهم النصوص، وفي جمع بعضها مع بعض وفي ترجيح الأخذ ببعضها، وبسبب من هذا وجد في كل علم أئمة هدى سلمت لهم الأمة فمع إيماننا بعدالة الصحابة جميعًا ومع ثقتنا بالعدول من الرواة فإن للوهم أو للخطأ محلاً في الرواية، ولذلك أحالنا القرآن في سياقه على الراسخين في العلم في كل ما تشابه من القرآن، وهو المنقول تواترًا والمحفوظ من الله فكيف بما تشابه من نصوص السنة التي لم يوجد في كل نص منها تواتر بل وجد في بعضها تواتر لفظي أو معنوي وبعضها لم يوجد فيه تواتر أصلًا، ثم هي لم يدخل كل نص منها بالتحديد في دائرة الحفظ الإلهي، ومن هنا كان الرجوع في فهم غير القطعيات في الشريعة إلى فهوم الراسخين في العلم من أئمة الهدى هو الذي ينبغي أن
стр. 1209
يكون ملاذ المؤمن قال ﵊ في الحديث الصحيح: "وبين ذلك امور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس" ثم إن رسول الله ﷺ علمنا "فرب مبلغ أوعى من سامع"، وكما يكون هذا يكون العكس فرب مبلغ لا يعي أن يضع النصوص في مواضعها، ولا يحملها على محاملها الصحيحة ولا يعطيها محلها في مجموعة النصوص الواردة في الموضوع الواحد، ومن ههنا فإننا لا نعطي حق الإمامة في الدين والاجتهاد في الفهم إلا لمن توافرت فيه شروطه، ثم إن الصحابة أنفسهم قد يوجد عند بعضهم من العلم مالا يوجد عند الآخر مع أن الجميع لا يفوتهم قطعي في الشريعة ولا معلوم من الدين بالضرورة، ولكن قد يفوت بعضهم ما عند الآخر فإذا جمع ما عند الجميع وترك ما خالف فيه الثقة الثقات وما كان فيه عله تمنع الأخذ به استقام الأمر ويبقى القرآن هو الأصل والسنة شارحة له وكل ذلك يجعلنا نحتاج لتحقيقات الراسخين في العلم. وعلى كل الأحوال إذا فاتنا أن نعرف تحقيقات الراسخين في العلم فلا يفوتنا ونحن نقرأ نصوص السنة الثابتة التسليم، وإذا وجدنا تعارضا مع القطعيات المرجع، وإذا لم يكن هناك قطعيات فالتفويض لله والتصديق بما ورد على لسان رسول الله ﷺ كما أراده رسول الله ﷺ هو العاصم، كما لا يفوتنا في كل الأحوال ونحن نقرأ نصوص الكتاب والسنة أن يكون من جملة أهدافنا التأثر والجد والتشمير ليوم النشور، وهذا يتحقق في كل الأحوال سواء عرفنا تحقيق أهل التحقيق في الفهم الدقيق نتيجة الرسوخ في العلم والتدبر العميق أو لم نعرفه، ولنحذر أهل الشذوذ الذين يخالفون إجماع الراسخين في العلم ممن يسيئون الظن الهدى الذين أجمعت الأمة على إمامتهم.
١٢٢١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في دعوة، فرفع إليه الذراع- وكانت تعجبه- فنهس منها نهسه وقال: "أنا سيد الناس
стр. 1210
يوم القيامة هل تدرون مم ذاك؟ يجمع الله الأولين والأخرين في صعيد واحد، فيبصرهم الناظر، ويسمعهم الداعي، وتدنو منهم الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون إلى ما أنتم فيه، إلى ما بلغكم، ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم، فيأتونه، فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، وأسكنك الجنة، ألا تشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا؟ فقال: إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة، فعصيت، نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحًا فيقولون: يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدًا وشكورًا، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا تشفع لنا عند ربك؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب مثله، ولن يغضب بعد مثله، وإنه قد كان لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم فيقولون: أنت بني الله، وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، إما ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعد مثله، وإني كنت كذبت ثلاث كذبات ... فذكرها نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى فيقولون: أنت رسول الله، فضلك برسالاته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، أما ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغصب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفسًا لم أومر بقتلها، نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى، فيقولون: يا عيسى، أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وكلمت الناس في المهد، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول عيسى، إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنبًا، نفسي، نفسي، نفسي،
стр. 1211
اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد، فيأتون محمدًا ﷺ "وفي رواية "فيأتوني فيقولون: يا محمد، أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، إلا ترى ما نحن فيه؟ فأنطلق، فآتي تحت العرش، فأقع ساجدًا لربي، ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد، ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع راسي، فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب، أمتي يا رب، فيقال: يا محمد، أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب" ثم قال "والذي نفسي بيده، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة، كما بين مكة وهجر- أو كما بين مكة وب صرى" وفي كتاب البخاري: "كما بين مكة وحمير".
أقول: مر معنا أن رسولنا ﷺ ثلاث شفاعات كلها تدخل تحت مسمى المقام المحمود سوى شفاعاته الأخرى: شفاعة لفصل الخطاب، وشفاعة لعبور الصراط، وشفاعة لدخول الجنة، وكل هذه الشفاعات تكون بعد أن يلجأ الناس إلى بعض الأنبياء فيحيل كل منهم على آخر حتى يصل الأمر إلى رسولنا ﵊، وكثيرًا ما تتشابه النصوص فلا يعرف القارئ أي شفاعة من هذه الشفاعات يراد بنص من نصوص الشفاعة العظمى، ولا يكلف المسلم أن يعرف كيف يحمل كل نص من هذه النصوص على مقام بعينه بل يخشى عليه من الخطأ فيكفيه أن يعرف أصل المسألة مع التسليم والتفويض والجد والتشمير. وبمناسبة هذا الحديث الذي مر معنا نقول: إن العلماء يخشون أن يفهم فاهم من هذا الحديث وامثاله ما يتنافى مع عصمة الأنبياء وهي قضية مجمع عليها عند أهل السنة والجماعة فما يرد من ذكر المعاصي في حق الأنبياء محمول على أنها كانت قبل النبوة قال فرعون لموسى: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ (١). أي قتله القبطي فقال موسى ﵇ ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ (٢) ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٣) أو هي محمولة على أنها من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، أو أنها محمولة على اجتهاد مأذون لهم فيه فلم
стр. 1212
يصلوا باجتهادهم إلى ما هو الصواب عند الله فلهم أجر واحد وهذا ليس معصية، وحتى بالنسبة للخطأ في الاجتهاد هم معصومون مآلا لأن الله يصحح لهم، وعلى هذا فما خلقه لنا رسول الله ﷺ معصوم قطعًا عن الخطأ وغيره، لأنه إن حدث خطأ في الاجتهاد فإنهم يكونون مأجورين فيه ثم يصحح لهم، فالعصمة بالنسبة للمعاصي ثابتة لهم ابتداء وانتهاء، والعصمة بالنسبة للاجتهاد ثابتة لهم انتهاء، وعلى هذا فإنه يجب أن كل ما ورثناه عن رسولنا مما هو من سننه فعلا فإنه معصوم ولكن الرواة غير معصومين، ومن ههنا وجد التحقيق والمحققون والاجتهاد والمجتهدون والرواية والمحدثون والجرح والتعديل إلى غير ذلك مما تحتاجه خدمة الشرعية.
تعليق وتأكيد:
- ذكر في هذه الأحاديث الجامعة مشاهد من الموقف ما يكون بعده، واختصرت فيها مواقف، فلم تذكر أخذ الصحف والحساب والورود على الحوض، ذلك أن رسول الله ﷺ كان من سنته أن يجمع بين تبشير وإنذار، ومن ههنا كان يذكر مشهدًا من مشاهد الإنذار ثم يسارع إلى ذكر مشهد من مشاهد التبشير وقد يطوي أشياء تحدث بين المشاهد ليفصلها في مقام آخر.
- رأينا في بعض النصوص أن بعض الرسل عليهم الصلاة والسلام يعتذرون عن أفعال فعلوها أو فعلتها أقوامهم وقد يتوهم متوهم أنهم يعتذرون عن ذنوب تنقض مبدأ العصمة للرسل ﵊ وهذا وهم خاطئ؛ فالرسل معصومون منه إنما يعتذرون منه لا لأنه ذنب بل لأنهم يعرفون من جلال الله ما يقتضي منهم كثرة الخوف من أفعال هم مأجورون عليها لأنهم فعلوها باجتهاد أو ترخصوا بها في موقف يجوز فيه الترخص، أوهي من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين كما ذكرنا.
* * *
стр. 1213
الفقرة السادسة
في
الحوض
- أحاديث الحوض بلغت مبلغ التواتر ولذلك يكفر منكر الحوض.
- ولكل رسول من الرسل حوضه الذي يرد عليه أمته، وحوض رسولنا ﷺ هو أكثرهم واردًا.
- واختلف العلماء في مكان الحوض هل هو قبل الصراط أو بعده، والراجح أنه قبل الصراط فالناس يعطشون في الموقف. والنصوص تذكر أنه عن الحوض أقوام لكفرهم وردتهم ونفاقهم، والصراط لا يجاوزه إلا أهل الإيمان.
- الثابت أن رسول الله ﷺ تعرض عليه أعمال أمته، وبعض أحاديث الحوض يذكر أنه ﵊ يرد عليه بعض أمته، فتحول الملائكة بينهم وبين الحوض، وأن رسول الله رسول الله صلى الله عليه يتساءل عن سبب ذلك فيخبر أن هؤلاء قد ارتدوا، فهو إذن يجهل ردتهم مما يشير إلى آنه ﵊ تعرض عليه أعمال آهل الإيمان ولا تعرض عليه أعمال أهل الكفر.
- وحوض رسولنا ﵊ يأتي ماؤه من نهر الكوثر، ونهر الكوثر في الجنة، فمن فضل الله وكرمه أن يخرج من كوثر الجنة ما يصب بالحوض.
- والشرب من الحوض يحمي من الظمأ أبدًا فمن شرب منه لا يظمأ بعده وإنما يشرب بعد ذلك تلذذًا.
قال الشيخ اديب الكيلاني:
قال ملا علي القاري: حديث الحوض رواه من الصحابة بضع وثلاثون وكاد أن يكون متواترًا وقال الدكتور البوطي: الأحاديث الواردة في شأن الحوض ووصفه كثيرة جدًا زات عن حد التواتر. أه. في تعليقه على (شرح جوهرة التوحيد).
أقول: ومع أن أحاديث الحوض بلغت مبلغ التواتر إلا أن بعض أهل السنة والجماعة لا
стр. 1214
حكم بكفر منكرها بل يحكم بفسوقه أو ضلاله، وقد لحظنا عبارة ملا علي القاري إذ قال "وكاد أن يكون متواترًا فهناك خلاف حوال التواتر.
- والنصوص الواردة في الحوض تجدها في أكثر من سياق فهي تذكر مثلًا في الضوء، وتذكر في باب الردة، وهذه بعض نصوص في الحوض:
стр. 1215
النصوص
١٢٢٢ - * روى مسلم عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، ما آنية الحوض؟ قال: "والذي نفس محمد بيده، لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها، في الليلة المظلمة المصحية، آنية الجنة، من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه، يشخب فيه ميزابان من الجنة، من شرب منه لم يظمأ، عرضه مثل طوله، ما بين عمان إلى أيلة، وماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل".
أقول: قوله ﵇: "لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها في الليلة المظلمة المصحية" إشارة إلي أن عدد نجوم السماء كلها أكثر من آنية الحوض، ولكن آنية الحوض أكثر من النجوم المنظورة في الليلة المظلمة المصحية. وفي هذا التعبير معجزة عظمى فلم تنكشف كثرة نجوم هذا الكون إلا في عصرنا. وعلى هذا الحديث تحمل النصوص التي تطلق أن عدد كيزانه كنجوم السماء.
١٢٢٣ - * روى أبو داود عن عبد السلام بن أبي حازم أبي طالوت قال: شهدت أبا برزة ﵁ دخل على عبيد الله بن زياد، فحدثني فلان سماه مسلم- يعني ابن إبراهيم- وكان في السماط، فلما رآه عبيد الله، قال: إن محمد يكم هذا لدحداح، ففهمها الشيخ، فقال: ما كنت أحسب أن أبقى في قوم يعير ونني بصحبة محمد ﷺ ، فقال له عبيد الله: إن صحبة محمد ﷺ لكم زين غير شين، ثم قال: إنما بعثت إليك لأسألك عن الحوض، هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر فيه شيئاً؟ قال أبو برزة نعم، ولا مرتين، ولا ثلاثا، ولا أربعا، ولا خمسا، فمن كذب فلا سقاه الله منه، ثم خرج مغضباً.
стр. 1216
١٢٢٤ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك، قال نبي الله ﷺ : "يرى فيه أباريق الذهب والفضة كعدد نحوم السماء".
١٢٢٥ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحة أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من يشرب منه لا يظمأ أبدًا".
وفي رواية (١) "مسيرة شهر، وزواياه سواء، وماؤه أبيض من الورق ... " وذكر نحوه.
١٢٢٦ - * روى مسام عن حذيفة بن اليمان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن حوضي لأبعد من أيلة من عدن، والذي نفسي بيده: إني لأذود عنه الرجال، كما يذود الرجال الإبل الغريبة عن حوضه"، قالوا: يا رسول الله وتعرفنا؟ قال: "نعم، يردون على غرا محجلين من آثار الوضوء، ليست لأحد غيركم".
أقول: وصف هنا بعد الحوض كما بين أيله وعدن وفي حديث سابق ما بين عمان وأيله، وأيله تقع في نهاية البحر الأحمر نحو الشمال على خليج العقبة، والمسافتان بين عدن وبينها أو بين عمان وبينها متقاربة وقد يكون المخاطبون بمسافة من المسافات يعرفون هذه أكثر من غيرها.
стр. 1217
١٢٢٧ - * روى البخاري ومسلم عن ابي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده: لأذودن رجالا عن حوضي، كما تذاد الغريبة من الإبل عن الحوض".
١٢٢٨ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو بين ظهراني أصحابه: "إني على الحوض انظر من يرد على منكم، فو الله ليقتطعن دوني رجال، فلأ قولن: أي رب، مني ومن أمتي، فيقول: إنك لا تدري ما عملوا بعدك، مازالوا يرجعون على أعقابهم".
١٢٢٩ - * روى البخاري ومسلم عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أنا فرطكم على الحوض".
١٢٣٠ - * روى مسلم عن جابر بن سمرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ألا إني فرط لكم على الحوض، وإن بعد ما بين طرفيه: كما بين صنعاء وأيله، كأن الأباريق فيه النجوم".
١٢٣١ - * روى ابن ماجه عن الصنابح الأحمسي قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا إني فرطكم على الحوض وإني مكاثر بكم الأمم فلا تقتلن بعدي".
стр. 1218
١٢٣٢ - * روى البزار عن أنس قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يا معشر الأنصار موعدكم حوضي".
١٢٣٣ - * روى أبو داود عن زيد بن أرقم ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ ، فنزلنا منزلا، فقال: "ما أنتم جزء من مائة ألف جزء ممن يرد علي الحوض"، قيل: كم كنتم يومئذ؟ قال: "سبعمائة أو ثمانمائة".
١٢٣٤ - * روى مسلم عن ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إني لبعقر حوضي أذود الناس لأهل اليمن، أضرب بعصاي حتى يرفض عليهم"، فسئل عن عرضه؟ فقال: "من مقامي إلى عمان"، وسئل عن شرابه؟ فقال: "أشد بياض من اللبن، وأحلى من العسل، يغت فيه ميزابان يمدانه من الجنة، أحدهما من ذهب، والآخر من ورق".
أقول: ذكر النووي أن المسافات التي وصفت الحوض يدخل فيها القليل تحت الكثير.
أقول: والمراد أن يعرف السامع سعة حجمه، على أن راوية مسلم عن ثوبان التي تذكر مسافة أقل يرويها الترمذي في الرواية اللاحقة فيذكر نفس المسافة التي وردت في أحاديث أخرى.
стр. 1219
وفي رواية الترمذي (١)، عن أبي سلام الحبشي ممطور، قال: بعث إلى عمر بن عبد العزيز، فحملت على البريد، فلما دخلت إليه، قلت: يا أمير المؤمنين، لقد شق علي مركبي البريد، فقال: يا أبا سلام ما أردت أن أشق عليك، ولكن بلغني عنك حديث تحدثه عن ثوبان عن رسول الله ﷺ في الحوض، فأحببت أن تشافهني به، فقلت: حدثني ثوبان: أن رسول الله ﷺ قال: "حوضي مثل ما بين عدن إلى عمان البقاء؛ ماؤه أشد بياضًا من الثلج، وأحلى من العسل، وأكوابه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا، أول الناس ورودًا عليه فقراء المهاجرين الشعث رؤوسًا، الدنس ثيابًا، الذين لا ينكحون المنعمات، ولا تفتح لهم أبواب السدد، لا جرم لا أغسل رأسي حتى يشعث، ولا ثوبي الذي يلي جسدي حتى يتسخ.
أقول: وعمان البلقاء هي عمان الأردن التي هي عاصمة المملكة الهاشمية الأردنية في عصرنا، ورغبة عمر في سماع الحديث مشافهة أصل كبير من الأصول التي كان يحرص عليها السلف الصالح، فقد كانوا حريصين على التلقي المباشر ولذلك آثار في التربية القلبية والروحية والسلوكية، فالتلقي من أهل الأنوار، والتلقي من أهل العلم العاملين يعطي طالب العلم سمتا وأدبا وتواضعًا.
١٢٣٥ - * روى البخاري ومسلم عن حارثة بن وهب رضى الله عنه أنه سمع النبي ﷺ قال: حوضه: "ما بين صنعاء والمدينة"، فقال المستورد: ألم تسمه قال: الأواني؟ قال: لا، قال المستورد: ترى فيه الآنية مثل الكوكب.
стр. 1220
أقول: المسافة الواردة في هذه الرواية وبعض الروايات اللاحقة ورواية مسلم السابقة أقل من المسافة التي ذكرتها روايات أخرى، وقد يكون في ذلك إشارة إلى تناقض حجم الحوض لكثرة الشاربين، فهي تصفه في مرحلة من المراحل أو أن القليل يدخل في الكثير كما ذكر النووي فقال:
قال القاضي عياض: وهذا الاختلاف في قدر عرض الحوض ليس موجبا للاضطراب، فإنه لم يأت في حديث واحد بل في أحاديث مختلفة الرواة عن جماعة من الصحابة سمعوها في مواطن مختلفة ضربها النبي ﷺ في كل واحد منها مثلا لبعد أقطار الحوض وسعته وقرب ذلك من الأفهام لبعد ما بين البلاد المذكورة لا على التقدير الموضوع للتحديد بل للإعلام بعظم هذه المسافة، فبهذا تجمع الروايات. هذا كلام القاضي. قلت: [أي النووي] ليس في القليل من هذه منع الكثير، والكثير على ظاهر الحديث ولا معارضة والله أعلم أهـ.
١٢٣٦ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أمامكم حوضي، ما بين جنبيه كما بين جربا وأذرح" قال بعض الرواة: هما قريتان بالشام، بينهما مسيرة ثلاث ليال.
وفي رواية (٢): "وفيه أباريق كنجوم السماء، من ورده فشرب منه لم يظمأ بعدها أبدًا.
١٢٣٧ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما بين ناحيتي حوضي، كما بين صنعاء والمدينة.
стр. 1221
وفي رواية (١): "مثل ما بين المدينة وعمان".
وفي أخرى (٢): "ما بين لابتي حوضي".
وفي أخرى (٣) قال: "يرى فيه أباريق الذهب والفضة، كعدد نجوم السماء".
وفي أخرى (٤) مثله، وزاد: "أو أكثر من عدد نجوم السماء".
وفي أخرى (٥) قال: "إن قدر حوضي كما بين أليه وصنعاء اليمن، وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء".
١٢٣٨ - * روى الطبراني في الأوسط عن انس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "صنفان من أمتي لا يردان الحوض، ولا يدخلان الجنة: القدرية والمرجئة".
١٢٣٩ - * روى الطبراني عن العرباض بن سارية أن النبي ﷺ قال: "لتزدحمن هذه الأمة على الحوض ازدحام الإبل وردت لخمس".
١٢٤٠ - * روى أحمد عن خولة بنت حكيم قالت: قلت: يا رسول الله إن لك حوضًا؟ قال: "نعم. وأحب على من يرده قومك" ...
стр. 1222
١٢٤١ - * روى أحمد عن يحنش بن عبد الله أن حمزة بن عبد المطلب لما قدم المدينة تزوج خولة بنت قيس بن فهد الأنصارية من بني النجار، قال: وكان رسول الله ﷺ يزور حمزة في بيتها، وكانت تحدث عنه أحاديث، قالت: فأتانا رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله: إنه بلغني عنك أنك تحدث أن لك يوم القيامة حوضًا ما بين كذا إلى كذا، قال: "نعم وأحب الناس علي أن يروى منه قومك" قال: فقدمت إليه برمة فيها حريرة، فوضع رسول الله ﷺ يده في البرمة ليأكل فأحرقت أصابعه فقال: "حس" ثم قال: "ابن آدم إن أصابه البرد قال حس وإن أصابه الحر قال حس".
١٢٤٢ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ليردن علي الحوض رجال ممن صاحبني، حتى إذا رأيتهم، ورفعوا إلي، اختلجوا دوني، فلأقولن: أي رب، أصحابي، أصحابي، فليقالن لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك".
وفي رواية (١) "ليردن علي ناس من أمتي ... " الحديث، وفي آخره: "فأقول: سحقًا لمن بدل بعدي".
стр. 1223
١٢٤٣ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا فرطكم على الحوض، وليرفعن إلى رجال منكم، حتى إذا أهويت إليهم لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي رب، أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك؟ ".
١٢٤٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي حازم ﵀ عم سهل بن سعد ﵁، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "أنا فرطكم على الحوض، من ورد شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا، وليردن على أقوام أعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم"، قال أبو حازم: فسمع النعمان بن أبي عياش وأنا أحدثهم هذا الحديث، فقال: هكذا سمعت سهلا يقول؟ فقلت: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا لمن بدل بعدي".
١٢٤٥ - * روى مالك عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ؛ أنه أتى المقبرة فسلم على المقبرة فقال: "السلام عليكم، دار قوم مؤمنين! وإنا، إن شاء الله تعالى، بكم لاحقون" ثم قال: "لوددنا أنا قد رأينا إخواننا" قالوا: يا رسول الله! أولسنا إخوانك؟ قال: "أنتم أصحابي. وإخواني الذين يأتون من بعدي. وأنا فرطكم على الحوض" قالوا: يا رسول الله! كيف تعرف من لم يأت من أمتك؟ قال:
стр. 1224
"أرأيتم لو أن رجلاً له خيل غُر محجلة بين ظهراني خيل دهم بهم، ألم يكن يعرفها؟ " قالوا: بلى. قال: "فإنهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين، من أثر الوضوء" قال: "أنا فرطكم على الحوض" ثم قال: "ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال. فأناديهم: ألا هلموا! فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، ولم يزالوا يرجعون على أعقابهم، فأقول: ألا سحقاً! سحقاً! ".
أقول: الروايات التي تذكر أن هناك أناسا يردون عن الحوض متعددة يمكن أن يحمل بعضها على أمة الدعوة دون إشكال، إلا أن بعضها مما ذكر لفظ الأصحاب، استغله بعض المبتدعة فشككوا في الصحابة رضوان الله عليهم، والأمر لا يحتمل ما ذهبوا إليه، وقد ناقش ابن حجر العسقلاني مناقشة مطولة فيما قيل، وجميع الروايات الواردة في هذه الشؤون.
وأبسط ما يقال في هذا الشأن إن المراد بالأصحاب في الحديث هم بعض من مات رسول الله ﷺ وقد دخلوا في الإسلام ثم ارتدوا وحاربهم أبو بكر وماتوا على الردة، أو بعض من الذين تظاهروا بالإسلام وهو منافقون. ومما قاله ابن حجر:
قال الفربري: ذكر عن أبي عبد الله البخاري عن قبيصة قال: هم الذين ارتدوا على عهد أبي بكر فقاتلهم أبو بكر، يعني حتى قتلوا وماتوا على الكفر. وقد وصله الإسماعيلي من وجه آخر عن قبيصة. وقال الخطابي: لم يريد من الصحابة أحد وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب ممن لا نصرة له في الدين، وذلك لا يوجب قدحا في الصحابة المشهورين. ويدل قوله "أصحابي" بالتصغير على قلة عددهم. أهـ (فتح الباري).
стр. 1225
فوائد
قال ابن كثير في النهاية:
إن قال قائل: فهل يكون الحوض قبل الجواز على الصراط أو بعده؟ قلت: إن ظاهر ما تقدم من الأحاديث يقتضى كونه فبل الصراط، لأنه يذاد عنه أقوال يقال عنهم إنهم لم يزالوا يريدون على أعقابهم منذ فارقتهم، فإن كان هؤلاء كفارًا عصاة فهم من المسلمين فيبعد حجبهم عن الحوض لا سيما وعليهم سيما الضوء، وقد قال ﷺ :
"أعرفكم غراً محجلين من آثار الضوء".
ثم من جاوز لا يكون ناجيا مسلما فمثل هذا لا يحجب عن الحوض فالأشبه والله أعلم أن الحوض قبل الصراط.
وإذا كان الظاهر كونه قبل الصراط، فهل يكون ذلك قبل وضع الكرسي للفصل؟ أو بعد ذلك؟ هذا مما يحتمل كلا من الأمرين؟ ولم أر في ذلك شيئًا فاصلًا، فالله أعلم أي ذلك يكون.
وقال العلامة أبو عبد الله القطبي في التذكر أيضا: واختلف في كون الحوض قبل الميزان، قال أبو الحسن القابسي: والصحيح أن الحوض قبل، قال القرطبي: والمعنى يقتضيه، فإن الناس يخرجون عطاشا من قبورهم كما تقدم، فيقدم على الميزان والصراط، قال أبو حامد الغزالي في كتاب علم كشف الآخرة: حكى بعض السلف من أهل الصنيف: أن الحوض يورد بعد الصراط، وهو غلط من قائله. قال القرطبي: هو كما قال، ثم أورد حديث منع المرتدين على اعقابهم القهقرى عنه. ثم قال: وهذا الحديث مع صحته أدل دليل على أن الحوض يكون في الموقف قبل الصراط، لأن الصراط من جاز عليه سلم .. أهـ (النهاية في الفتن والملاحم).
* * *
стр. 1226
الفقرة السابعة
في:
الحساب والميزان
عرض إجمالي
- مر معنا أنه في الوقف يحشر الناس ويجمعون مصطفين وينتظرون ثم تكون الشفاعة لفصل القضاء، ثم يعرض الناس على ربهم عرضة يكون فيها جدال واعتذارات وتنصلات وأسئلة وإجابات، ثم تكون عرضة أخرى وتكون بها إقامة حجة، فتشهد الرسل وتشهد هذه الأمة وتشهد الأرض وتقوم الحجة على الخلق، ثم تطير الصحف فآخذ بيمينه وآخذ بشماله وآخذ وراء ظهره، ويكون في هذه المرحلة أو قبلها شرب من الحوض.
- ثم يكون الحساب والميزان فيسأل عما كلف به، يسأل عن سمعه وعن بصره وعن فؤاده: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (١).
ويسأل عما استرعاه الله، ويسأل عن العمر والعلم والمال والجسم والشباب ويسأل عن النعيم: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ (٢). ويسأل عن الآلاء والنعم، ويحاسب على أعماله ما أراد بها فيسأله عن النيات والإخلاص: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣)، ويحاسب الإنسان على أعمال الظاهر والباطن وخطايا الظاهر والباطن ويحاسب على أمراض القلوب: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٤).
﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا
стр. 1227
وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ (١). وأول ما يحاسب عليه العبد من حقوق الله الصلاة، وأول ما يحاسب عليه من حقوق العباد الدماء، ومن أشد ما يحاسب عليه العبد الزكاة والعقوبة عليها تبدأ عند الموت وتستمر في القبر وتكون في الحشر والموقف ويحتسب عليها.
- وشهادات يوم القيامة كثيرة والشهداء كثر: فهناك شهادة الأنبياء وشهادة الملائكة وشهادة الجوارح وشهادة العباد بعضهم على بعض، وشهادة الأرض وكل من هؤلاء يؤدي شهادته في الوقت المناسب يوم القيامة:
﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ (٢).
﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ (٣).
﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤).
﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٥).
﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٦).
﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٧).
- وسيجد الكلفون أن الأمو ر مضبوطة في غاية الضبط فكتاب عام محصى فيه كل شيء، وكتاب خاص لكل مكلف على حدة:
﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٨).
﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (١).
- وحقوق العباد يشدد فيها أكثر مما يشدد في حقوق الله إلا حق التوحيد ومع شدة الهول يوم القيامة فإن الله خلق مائة رحمة تسعا وتسعين منها أخرها إلى يوم القيامة، ولعل المسلم يخرج من قراءة النصوص الواردة في هذه الفقرة بنية جازمة ألا يظلم أحدًا، وأن يقوم بحقوق الله وحقوق التكليف كاملة ويسعى ليكون من الذين لا حساب عليهم، وقد استقرأ بعضهم النصوص التي وعد أهلها بألا يحاسبوا فذكر من أهل ذلك أنهم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون، ومن ذلك قوام الليل وقراء القرآن والمخلصون والمؤذنون والدعاة إلى الله ومن قام بحق الله وحق العباد والعلماء العاملون والشهداء والعافون عن الناس والحمادون الله على كل حال.
وقد مر معنا من قبل كلام ابن كثير في النهاية أن الحساب يكون قبل الميزان غير أنه من الصعب التمييز بين مجموع النصوص الواردة في الحساب والميزان أيها يكون في الحساب وأيها يكون عند الميزان، وإن كان بعضها واضحًا أنه في الحساب أو أنه في الميزان، ولذلك دمجنا الكلام عن هذين الموضوعين في فقرة واحدة، ولا يدخل في دائرة التكليف أن يعرف المسلم على ما يحمل عليه كل نص مما ورد في الحساب والميزان إلا إذا كان قطعي الثبوت وقطعي الدلالة والمهم بالنسبة للمسلم أن يؤمن بالحساب والميزان وأن يسلم بالنصوص الواردة في ذلك وأن تحمله النصوص الواردة في ذلك على تحرير الاعتقاد وإحسان العمل والبعد عن كل ما يسخط الله مما يشتد بسببه الحساب أو يخف بسببه الميزان.