سعيد حوى
الأساس في السنة
وفقهها
المجلد الأول
القسم الثاني
العقائد الإسلامية
دار السلام
للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة
стр. 2
الأساس في السنة
وفقهها
العقائد الإسلامية
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسّلامُ عَلَىَ رَسُولِ اللهِ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ
رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
راجع هذا القسم ودققه
فضيلة الشيخ
عبد الحميد الأحدب
حفظه الله
стр. 4
مقدمة
كان القسم الأول من هذا الكتاب في السيرة وقد حاولنا في ذلك القسم أن نعطي تصوراً عن السيرة النبوية، وعما هو ألصق بها، واعتبرنا ذلك هو المدخل لبقية أقسام هذا الكتاب، وجعلنا الأقسام اللاحقة في: العقائد، والعبادات، والحياتيات، وتحرير الرقيق، والحكم.
فالقسم الثاني إذن في العقائد، هي أهم مضمونات الرسالة النبوية.
لقد بعث الله محمداً ﷺ بالتوحيد، والقيام بحقوق الربوبية، وبمسؤولية الإنسان أمام الله .
فالإله واحد؛ وعلى الإنسان أن يقوم بواجب التعبد له، والعبودية له، وذلك هو المظهر الأول لقبول التوحيد، فمن قَبِل التوحيد والعبادة والعبودية فإنه مجازى بالجنة، ومن رفض ذلك فإنه مجازى بالنار.
ويدخل في التوحيد: توحيد الذات، والصفات، والأفعال، وأن الرب واحد، وأنه هو صاحب الحق في التشريع، والأمر والحكم؛ وهذا يقتضي عبادةً وتسليماً.
ويدخل في العبادات: ما اشتهر أنه عبادة من صلاة وزكاة، ويدخل فيها التسليم له سبحانه في كل ما شرع، وطاعته في كل ما افترض وأوجب، سواء في ذلك ما كان علماً على عبادته، أو ما كان من أعلام شريعته، وهذه هي العبودية.
وقد جعلنا ما هو أدخل في العقائد في هذا القسم، وما هو أدخل في العبادة في القسم الثالث، وما هو أدخل في العبودية في القسمين الرابع، والخامس.
والأقسام كلها في النهاية توحيد وعبادة وعبودية، وسوابق لذلك أو لواحق له، ولكن تسهيل العرض جعلنا نضع ما هو أخص بقسم من الأقسام الخمسة بجانب بعضه.
وبالله نستعين ونبدأ الكلام من قسم العقائد.
* * *
стр. 5
لم تكن كلمة العقائد مستعملة زمن النبوة، فهي اسم مستحدث للتعبير عما يعتقد عليه القلب فيعتقده ويجزم به، فإذا أخذنا هذا الاصطلاح، وبنينا عليه، فإننا نستطيع أن نقول: هناك العقائد الإسلامية في وضعها الفطري في زمن النبوة، وهناك العقائد كما استقر عليها التأليف، فالعقائد في وضعها الفطري زمن النبوة كانت الأساس الذي يكلمه العمل بالإسلام، ويدخل فيها جانبان: الجانب الأول في الرسالة، والجانب الثاني هو الذي له علاقة بالغيبيات التي أخبرنا عنها الوحي الصادق، ويتداخل الجانبان أحياناً ويتكاملان، ورمز ذلك كله النطق بالشهادتين.
أما العقائد كما استقر عليها التأليف، فقد شملت هذه الأمور، وزادت عليها، بأن دخل فيها ما اضطرته عملية الصراع بين أهل الإسلام وأهل الأديان، وبين أهل الحق والصواب من جهة، وأهل الباطل والخطأ من غير أهل السنة والجماعة من جهة أخرى، ومن ههنا أدخلوا في بحث العقائد- كما استقر التأليف فيها- وصف الإسلام والإيمان، وما يدخل في كلٍ، ومباحث الإلهيات، والنبويات، والسمعيات، وما يدخل في كلٍ، ويأخذ الكلام عن الحقائق الغيبية التي لا يدركها الإنسان إلا عن طريق الوحي حيزاً كبيراً من هذا العلم، ويدخل في هذا العلم الحديث عن التصورات الكلية في الشريعة والتكليف.
والناس بالنسبة للإسلام والإيمان والشريعة: إما مسلم مؤمن ملتزم، وإما مسلم مؤمن مقصَّر مذنب، فالأول تقي، والثاني عاصٍ أو فاسق، وهناك متظاهر بالإسلام غير مؤمن به فذلك المنافق، وهناك الكافر، وهناك المسلم المخطئ في الفهم أو في العمل، فذلك المبتدع، وقد تصل البدعة إلى الكفر، وقد لا تصل، فالأول مرتد، والثاني ضال، وقد يرتد مسلم عن الإسلام أصلاً، أو قد يقول أو يفعل ما هو رِدّة، ومن ثم دخل في أبحاث العقائد نواقض الإسلام.
ومن وفاة رسول الله ﷺ إلى قيام الساعة ستحدث أحداث أخبر عنها رسول الله ﷺ ، والإيمان بها جزء من الإيمان بنبوته، وبعض هذه الأمور وقع، وبعضها لم يقع بعد، وبعضها يكون قبيل الساعة بقليل، وبعضها يسبقها بزمن، ومن ثم تدخل هذه الأمور في باب العقائد.
стр. 6
وفي مسرى تاريخ الأمة الإسلامية وجدت فرق إسلامية انشقت عن جسمها، وخرجت عن الفهم الفطري للنصوص، وطرحت هذه الفرق آراء شاذةً أو كافرة، وتنبت مواقف خاطئة، وأصبح الحديث عن آرائها ومواقفها جزءاً من علم العقائد.
وهناك تصورات خاطئة، وتصورات يترتب على السكوت عنها لوازم ضارة، يُتحدث عنها عادة في علم العقائد كذلك، ومبنى الحديث في العقائد على النصوص، ولكن للحكم العقلي والعادي محلاً في شريعتنا، فاقتضى ذلك كلاماً عن الاثنين في أبحاث العقائد؛ لمعرفة محل التجارب البشرية، والأحكام العقلية في هذا الدين، وهكذا دخل في أبحاث العقائد الكلام عن الحكم العقلي والشرعي، والعادي، وأنها لا تتناقض.
هذه كلها مباحث تجدها مع غيرها في كتب العقائد، وقد أصبحت بطون هذه الكتب هي موطن البحث فيها.
* * *
وفي العادة فإن البشر يصلون إلى كثير من المعاني عن طريق التأمل والتجربة والممارسة، والله وصف الكافرين بقوله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (١). وقال رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" (٢) مثل هذه الأمور دور الشريعة فيها التوجيه والتسديد والترشيد، لكن هناك أموراً تعرف، أولا تستقيم، أو لا تتأكد إلا من خلال الوحي، وتبيان مثل هذه الأمور هي الوظيفة الكبرى للرسل عليهم الصلاة والسلام، ومن ذلك ما افترضه الله على عباده وكلفهم به.
ومن ذلك وضع الأمور في مواضعها على مقتضى الحكم؛ فلا تنحرف الحياة الإنسانية عن المسار الصحيح؛ كترشيد الإنسان في استثمار الكون، والحياة الاقتصادية، والعلاقات الجنسية، والعلاقات الاجتماعية، ومن ذلك الحقائق التي لا يمكن للإنسان أن يعرفها إلا عن طريق الوحي؛ كالمغيبات، وما أعده الله للمؤمنين والكافرين.
стр. 7
تفصيل هذه المعاني وأمثالها هي الوظيفة الكبرى للرسل عليهم الصلاة والسلام، نجد مصداق ذلك في قوله تعالى: - ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾: فمعرفة آيات الله التي تدل على ذاته مما جاء به الوحي. ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾: فتزكية الأنفس على ما تقتضيه معرفة الله والعبودية له مما جاء به الوحي ... ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ﴾: الذي أنزله: ويتضمن ما افترضه الله على خلقه، وذلك مضمون القرآن والكتب السماوية- ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: وهي وضع الأمور في مواضعها على مقتضى الكتاب، وهذا الجانب تكفل به الكتاب والسنة ... ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ (١): أي مما لا تستطيعون معرفته إلا عن طريق الوحي.
ومن ههنا كان التعرف على الآيات، وعلى ما تزكو به الأنفس، وعلى الفرائض والمكتوبات، وعلى الحكمة في الكون، أو في التصرفات، أو في التصورات، أو في العلاقات، أو في السياسات، وكان التعرف على ما لا يعرفه الإنسان إلا من طريق الوحي، كل ذلك يدخل في مباحث العقائد، بل إنه لهو الأهم، وهو الذي ينبغي أن يشتغل به الدعاة؛ لأن أعظم ما في الدين هو هذا: آيات الله، والواجبات، والحكمة، وما لا يعرف إلا عن طريق الوحي.
ومن ههنا تعلم خطأ بعض من يدعون إلى الإسلام فيغفلون التركيز على هذه الأمور، ويتحدثون عن نواحٍ أخرى لا تصبُّ في هذا البحر.
* * *
وإذا كان كل ما في الإسلام مبناه على الاعتقاد الحق، فالاعتقاد الحق مبناه على الإيمان الجازم بالله وبالرسول ﷺ ، ومبنى الإيمان بالله: يقوم على معرفة آثاره وآياته التي تدل عليه، ومبنى الإيمان بالرسول ﷺ : يقوم على معرفة الدلائل التي تدل على أنه رسول حقاً، وقد دخل ذلك في أبحاث العقائد، وقد جرت عادة كتاب العقائد- كما ذكرنا من قبل- أم يركزوا ما جرى فيه خلاف فيه أهل السنة والجماعة، وبقية الفرق الإسلامية، ومن
стр. 8
ههنا فقد حكم التأليف في العقائد ذكرُ وجهات النظر المطروحة؛ كأثر عن هوى، أو الرد على هوى، فقد وجدت آراء مبتدعة وأهواء متفرقة، فاقتضى ذلكم ردوداً ومناقشات، وغلب ذلك كله على التأليف، تأمل صحيح البخاري مثلاً، فإنك تجد الكثير من عناوين كتابه لها علاقة بقضية هي محل بحث في عصره، والكتب التي خصت العقائد في التأليف غلب عليها هذا الحال، ومع هذا التوسع في موضوعات كتب العقائد فقد أخرج الأقدمون من دائرة أبحاثهم قضايا اعتبروها ألصق بعلوم أخرى كبحث الحاكمية، وأنها لله وحدة، فقد ربطت بعلم أصول الفقه الذي لا يدرسه إلا الخاصة، ومن ههنا وجد الكتاب الإسلاميون المعاصرون شيئاً من الفراغ حاولوا أن يملأوه؛ فوجد ما يسمى- في جيلنا- بكتب التصورات الإسلامية.
وإذا كنت أعتبر أن دراسة العقائد كما استقر عليها التأليف لابد منه للمسلم، فقد جعلني هذا أركز في هذا القسم على ما كان محل تركيز في عصر النبوة، وإن كان القسم مليئاً بما اعتاد عليه كتاب العقائد قديماً وحديثاً أن يدخلوه في كتبهم، بل لا تكاد مسألة رئيسية من مسائل العقائد إلا وفي هذا القسم حديث عنها، ومع ذلك فإنني أنصح إخواني المسلمين أن يدرسوا العقائد في كتبها، فإن هذا الكتاب ركَّز على المسائل الاعتقادية التي كانت محل التركيز الأقوى في الهدي النبوي.
كان التركيز الأقوى في عصره ﵊ على توحيد الله، وعلى الإيمان بالرسول ﷺ ، وعلى الإيمان باليوم الآخر، وعلى الإيمان بالغيب، وعلى التسليم لله ورسوله ﷺ بالإسلام.
وكان عنوان الدخول في الإسلام بقبول الشهادتين، والنطق بها، والقيام بأعمال الإسلام، والكينونة مع الجماعة، وكان يقف في مقابل ذلك: كفر، ونفاق، وجاهلية؛ ولذلك فإنني سأخص هذا وأمثاله مما هو محل تركيز في عصر النبوة بمزيد عناية، وقد جعلت هذا القسم في ثلاثة أبواب:
الباب الأول: معالم عقدية.
الباب الثاني: الإيمان بالغيب.
стр. 9
الباب الثالث: مباحث عقدية.
وأدخلت في الإيمان بالغيب: أركان الإيمان الستة؛ وما يعتبر من الغيوب، وأدخلت في الباب الأول: المعالم الكبرى التي تعتبر نقاط علام في موضوع العقائد، وأدخلت في الباب الثالث: بعض الأبحاث التي هي ألصق بالجانب الاعتقادي.
* * *
стр. 10
الباب الأول
معالم عقدية
وفيه:
تمهيد وفصول
стр. 11
تمهيد
الإنسان في هذا العالم الكبير لا ينقضي منه العجب، وما خفي منه فذلك أعجب، والعالم الذي يعيش فيه الإنسان أكثر عجباً، ومع أنه أكثر عجباً فإنه خلق من أجل هذا الإنسان: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (١). ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (٢) فكان الإنسان بهذا التسخير قطب دائرة الوجود.
اقرأ عن الكون تدخل في دائرة الدهشة، مليارات السنين الضوئية، أعداد هائلة من المجرات، مجموعات شمسية كبيرة، أنواع من الإشعاعات، وأنماط من توضعات الكهارب الصغيرة، وإشارات فضائية متنوعة، وخصائص عجيبة لكل نجم، ولكل كوكب، ولكل مذَّنب، وهذه الأرض في محلها لا ينقضي منها العجب، ولا ينقضي مما فيها العجب وكل ذلك مسخَّر للإنسان.
واقرأ عن هذا الإنسان تجد كتب علم نفس تبلغ الآلاف، وهي تشمل ملاحظات مجردة عن نفس الإنسان دون أن تعرف كنهها، واقرأ عن التشريح تجد آلاف الصفحات، وهي تسجل حقائق وملاحظات عن جسم الإنسان وأعضاء الإنسان وغدد الإنسان، واقرأ ثبت الأمراض المعروفة تجد الآلاف، حتى إنه شخص حتى الآن من أمراض الوراثة وحدها حوالي ألف وخمسمائة، واقرأ تأثير الأغذية والأدوية تجد ما لا تستطيع له إحصاءً، واقرأ عن أخلاق الإنسان، وعلاقات الإنسان، واجتماعيات الإنسان، وأديان الإنسان، والأنظمة التي اخترعها الإنسان، والحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية مما له علاقة بالإنسان تجد عجباً، أما إذا وصلت إلى حياة الإنسان، وروح الإنسان، وقلب الإنسان، ومشاعر الإنسان، فتلك عوالم مجهولة مع كثرة آثارها.
فكما أن الذات الإلهية تعرف بآثارها، ولا يحاط بها علماً، فهذه النفخة التي خلقها الله
стр. 12
سبحانه وبثها في الإنسان تعرف بآثارها، ولا تدرك ولا يحاط بها: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ (١).
أبعد ذلك كله يعجب الإنسان أن يرسل الله لهداية الإنسان؟!
﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ (٢).
﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (٣).
أفبعد هذا التركيب المدهش للإنسان يعجب الإنسان أن يكلفه الله، ويحمله مسؤولية، ويجعل له حياة أخرى، وقد خلقه هذا الخلق، وخلق له هذا الخلق:
﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ (٤).
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ (٥).
إن من تأمل لم يعجب، فإذا جاء الواقع يصدق التأمل لم يبق إلا التسليم، فهذه قوافل الرسل تترى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ (٦).
ولقد كذب من لا عقل له ولا إنصاف ولا تدبر، فإن أهل العقول آمنوا، وحملوا رسالات الله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ (٧).
وعلى فترة من الرسل وبعد مرحلة من التيه والضياع، وبعد تصميم على الضلال عند كل فرقة من فرق الضالين بعث الله محمداً ﷺ : - ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ
стр. 13
عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ (١). لقد بُعث محمدٌ- ﷺ في مرحلة لا أمل أن ينبثق من الضلال الذي وقعت فيه الأمم هدى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ (٢). فالجميع مستمرون على الضلال، فكان لا بد من رسول يوقف هذا الاستمرار، ويعطي للناس الهداية.
لقد أُمر كل رسول الله بإقامة الدين وعدم التفرق فيه:
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (٣).
وعند بعثة رسول الله ﷺ لم يكن دين قائم؛ فالتوحيد رأس الدين تغير، ولم تعد نتيجة لذلك عبادة في الأرض، ولا عبودية، والتفرق حاصل:
﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ (٤).
ومن سنة الله ألا يستأصل المختلفين في الدين:
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ (٥).
وهكذا ضاع الدين، وحدث التفرق، ولم يبق يقين:
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ (٦).
لقد ضاع الدين واليقين، وفي هذه الأجواء بعث الله محمداً ﷺ وأمره:
﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ
стр. 14
كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥)﴾ (١).
فمن حاج بعد ذلك فحجته مرفوضة ومهزومة:
﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ (٢).
وإذا جعل الله كتاب هذا الدين محفوظاً فلا حجة لأحد ألا يقيم الدين، ولا حجة لأحد يتفرق في الدين، والأمر واضح، وعلينا أن نفهم هذا الدين فلا نتفرق، فبدون علم نزيغ، وبدون قلب سليم نتفرق.
وهذا الكتاب الذي بين يدينا فيه كل ما يحتاجه فهم الدين الذي بعث به محمد ﷺ . والسنة شارحة ومفصلة:
- فقد بعث الله محمداً ﷺ ، دينه الذي لا يقبل ديناً غيره، وأنزل عليه القرآن كتاباً لهذا الدين، مبيناً له ومفصلاً فيه، وجعل الله رسول الله ﷺ مبيناً لهذا القرآن، وشارحاً بالقدوة والحال، والكلمة والفعال، ومن ثم كان الكتاب والسنة هما أصلي هذا الدين.
- وقد جاءت نصوص الكتاب والسنة لتصف هذا الدين وما يدخل فيه وما يخرج منه على الكمال والتمام، وجاءت نصوص هي بمثابة المعالم الكبرى في الإسلام؛ ليعلم من يريد الإسلام ما يعني انتماؤه للإسلام؛ وما هي المطالب الكبرى فيه: من توحيد، وصلاة وزكاة، وصوم، وحج، وجهاد، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وما هي المحظورات الكبرى فيه: من شرك، وزنى، وشرب خمر، ...
- وجعل الله دينه منسجماً مع العقل والقلب والروح، واحتياجات الجسد في الأمر والنهي، والتكليف، فكان هذا الدين هو دين الفطرة، الدين الذي ينسجم مع حكمة الخلق، ومع تركيب الإنسان.
стр. 15
- وقبل بعض الناس هذا الدين فكان من المسلمين، وبتصديقه بهذا الدين وقبوله له أصبح من المؤمنين، الذين دخلوا في دائرة الخطاب بوصف الإيمان؛ ومن ثم جاءت النصوص لتوضح ماذا يدخل في دائرة الإيمان، وماذا يطالب به أهل الإيمان من عقائد، وأعمال، وتكاليف، ومقامات، فكان هذا النوع من النصوص مكملاً للنصوص التي وصفت الإسلام، وجاءت نصوص تصف الإيمان مطابقة للنصوص التي وصفت الإسلام؛ لأن الإيمان والإسلام يتطابقان أحياناً، ويدل كل منهما على مفهوم يكمل الآخر أحياناً.
- فالإسلام بمعناه الكامل: هو إسلام القلب، والجوارح، لله تعالى بهذا الدين، بنصوصه، وبعقائده، وتكالفيه، والإيمان بمعناه الكامل: هو تصديق القلب بنصوص هذا الدين، وتصديق السلوك لهذا التصديق، فالإسلام والإيمان من هذه الحيثية متطابقان.
- وأحياناً يراد بالإسلام: عمل الجوارح بالطاعة، وبالإيمان: التصديق القلبي، وانشراح الصدر بنور الإيمان؛ حتى يرى القلب الأشياء بنور هذا الدين، فههنا الإسلام والإيمان يتكاملان، فالإسلام بهذا المعنى أثر الإيمان العقلي، ويوصل إلى الإيمان القلبي: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (١).
- إنه بمجرد أن يقبل الإنسان الإسلام ويدخل في عداد المؤمنين به فإنه يطالب بأمر ونهي، أو بفعل وترك، ومجموع ما يطالب به مباشرة كفرائض ونوافل حوالي سبعين شيئاً هي ما يسمى بشعب الإيمان، وكثير من الشعب تعني المطالبة بها: الكف عما يناقضها، فالمطالبة بالتوحيد تعني الكف عن الشرك، وليس كل ما نهي عنه يقابل شيئاً مأموراً به، وهكذا تتوسع دائرة المنهيات حتى تشمل أموراً كثيرة، منها ما يسمى كبيراً من الذنوب، ومنها ما يسمى صغيراً من الذنوب.
- ودوائر التكليف الرباني أوسع من هذا الذي ذكرناه، فقد يقوم الإنسان بكل شعب الإيمان وينتهي عن الكبائر والصغائر، ومع ذلك يكون مقصراً في التكليف، لأن دوائر التكليف أوسع من مجرد هذا وهذا.
стр. 16
- وكأثر عن القيام بالتكليف يتحقق الإنسان بالصفات العليا التي أثنى الله على أصحابها: التقوى، والإحسان، والإيمان، والإسلام، والشكر، والتوكل، والصبر ...
- وبرفض الإسلام، أو بالتقصير في تكاليفه، أو بعدم التحقق بمقاماته، أو بالانحراف الاعتقادي أو العملي عنه، أو باعتقاد ما ليس منه على أنه منه، أو بعمل ما يتناقض معه على أنه منه: يستحق الإنسان وصفاً قبيحاً على حسب بشاعة الجرم: الكفر، النفاق، الضلال، العصيان، الفسوق، الابتداع، المروق من الدين، الردة، الزندقة، وعلى حسب القيام بالتكليف يكون للمؤمن وزنه ودرجته ورتبته: من صديقية، وشهادة، وصلاح، وربانية، وربِّيَّة، وللمؤمن ما يستحقه بفضل الله وكرمه، وما يتكرم به الله أعظم، وللآخرين ما يستحقونه من عقاب معنوي ومادي ودنيوي وأخروي.
- وشيء عادي- والرسول ﷺ يدعو إلى الإسلام فيصفه أو يربي على الإيمان فيفصله- أن تتعدد النصوص، فأحوال المدعوين متعددة، وأحوال المؤمنين ليست واحدة، فهذا عرف شيئاً فأتقنه، وغاب عنه شيء فجهله، فهذا يعرف على المجهول، ومجهول إنسان قد يختلف عن مجهول آخر، وما وصل إليه الصف الإسلامي اليوم غير ما وصل إليه بالأمس، والتكليف في زمن الرسول ﷺ كان متدرجاً، كل ذلك يجعلنا أمام نصوص كثيرة، تصب كلها في بحر واحد، وتنبثق عن نور واحد، ولكنها تلاحظ حالات شتى بعضها متشابه، وبعضها متداخل، وبعضها متكامل، والرسول ﷺ كان يواجه جاهلية متعددة الصور، ذات عقائد خاطئة، فينبثق عنها عبادات وسلوكيات خاطئة، فصحح المسار، وقطع الطريق على العودة إلى الجاهلية. وفي الباب معالم عقدية تتحدث عن بعض ما ذكرناه وغيره معه.
وقد جعلنا الفصل الأول في: العقل، والجسد، والقلب، والروح، والنفس، وهي المعالم الكبرى في الإنسان، وإثباتها هو الأساس في التكليف؛ فلا تكليف إلا بعقل، الجسد بما حوى هو المكلف، وللقلب تكليفه، وللنفس تكليفها، وللروح أحوالها، وقد اقتصرنا في هذا الفصل على ذكر النصوص التي تثبت هذه العوالم وتفصل في معاني إطلاقها.
* * *
стр. 17
فصول الباب الأول
الفصل الأول: في الجسد والروح والعقل والقلب والنفس.
الفصل الثاني: في التكليف ومسؤولية الإنسان أمام الله .
الفصل الثالث: في مباحث في الإسلام والإيمان.
الفصل الرابع: في فضل الانتساب إلى الأمة الإسلامية.
الفصل الخامس: في فضل الإيمان وفي فضل المؤمن.
الصفل السادس: في أمثال مثل بها لدعوة رسول الله ﷺ وللمستجيبين له.
الفصل السابع: في الإسلام وأسهمه وأركانه ومقاماته وبعض أعماله.
الفصل الثامن: في بعض شعب الإيمان.
الفصل التاسع: في بعض الموازين التي يزن بها المؤمن إيمانه وإسلامه.
الفصل العاشر: في فضل الشهادتين وكلمة التوحيد هي أصل الإيمان.
الفصل الحادي عشر: في الإيمان الذوقي وما يقابله.
الفصل الثاني عشر: في الجيل الأرقى تحققاً.
الفصل الثالث عشر: في الوساوس العارضة وفي خفوت نور الإيمان وزيادته وتجديده وإقلاعه.
الفصل الرابع عشر: في الفطرة وحقيقة الإيمان والكفر والنفاق.
الفصل الخامس عشر: في الكفر والشرك والكبائر.
الفصل السادس عشر: في النفاق وعلاماته وشعبه.
الفصل السابع عشر: في نواقض الشهادتين.
стр. 18
الفصل الثامن عشر: في الاعتصام بالكتاب والسنة.
الفصل التاسع عشر: في التمسك بالسنة وفي التحذير من البدعة وأهلها.
الفصل العشرون: في البدعة.
الفصل الحادي والعشرون: في افتراق هذه الأمة افتراق اليهود والنصارى وزيادة، وفي وجوب الكينونة مع الفرقة الناجية وهم أهل السنة والجماعة واعتزال فرق الضلال.
الفصل الثاني والعشرون: في التحذير من مواطأة الأمم في انحرافاتها.
الفصل الثالث والعشرون: في التحذير من الفتن.
стр. 19
الفصل الأول
في:
الجسد والروح والعقل والقلب والنفس
وفيه:
مقدمة وفقرات
الفقرة الأولى: نصُوص في الجسد.
الفقرة الثانية: نصُوص في الروح.
الفقرة الثالثة: نصُوص في العقل.
الفقرة الرابعة: نصُوص في القلب.
الفقرة الخامسة: نصُوص في النفس.
стр. 20
مقدمة الفصل
في الإنسان جانب غيبي أخبرتنا عنه نصوص الكتاب والسنة، وهذا الجانب الغيبي يعرفه الإنسان من آثاره، وبعضه يحس به إحساساً، حتى إن إنكاره يكون إنكاراً للمحسوس، فالإنسان يميز به بين العاقل وغير العاقل، ويحس بمطالب النفس والجسد، ويحس في قلبه الذي في صدره بكثير من المعاني، وأهل الإيمان لهم إحساستهم القلبية النامية، وهناك فارق بين حياة الجنين قبل نفخ الروح، وبعد نفخ الروح فيه، فمتى نفخت الروح فيه تبدأ الحركة، هذه القضايا التي نرى آثارها جاءت نصوص كثيرة تتحدث عنها، فأصبحت من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، مما لا يسع مسلماً أو مسلمة أن ينكرها، وإن كان يسع المسلم أن يجهل تفصيلات فيها، أو تحديدات لمعانٍ دقيقة للنصوص في شأنها.
وإنها لإحدى معارك عصرنا الإيمانية: الصراع مع الذين يفسرون كل ما في الإنسان، وكل ما يجري للإنسان أو على الإنسان، بالمادة والمادية، فكل شيء عندهم في الإنسان مرتبط بآلية المادة، وإفرازاتها، وقد سرى ذلك إلى بعض أبناء المسلمين؛ فصاروا يفسرون القلب بأنه الدماغ، وهم بذلك ينكرون أن يكون للمسلم قلب مرتبط بالقلب الحسي، له وظائفه الإيمانية، وهو محل الإلهام، ومحل الإشراق، وهو محل الكفر والنفاق، وأصبح هؤلاء يميلون إلى تأويل ما ورد عن الجانب الغيبي في الإنسان بأنواع من التأويلات.
والإسلام يعطي للتجربة البشرية مداها، وللبحث العلمي مداه، ولكن هل استطاع الإنسان أن يجيب جواباً جازماً على كل الأسئلة التي لها علاقة في الإنسان، أو أن الإنسان لا زال مجهولاً.
وفي كل الأحوال فنصوص الإسلام القطعية الثبوت، القطعية الدلالة، لا يمكن أن تتناقض مع حقيقة علمية فالأصل الأصيل أن يسلم المسلم للنصوص كلها، فكيف إذا كانت النصوص في أمور غيبية تشهد لها آثارها؟!
إنه لمن فساد التصورات، ومن المكفرات، إنكار الروح، أو القلب، أو النفس، أو العقل، أو الجسد، ثم إن هذا الإنكار يترتب عليه فساد عريض، فالتربية التي لا تلحظ
стр. 21
القلب، أو العقل، أو الجسد، أو النفس، أو الروح، تربية فاشلة، ومن ههنا يكون لهذا البحث أهمية كبرى في العقائد والسلوك.
إن الإنسان جسد وروح قال تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ (١). نرى ذلك واضحاً عند الموت حيث تفارق الروح الجسد فيتوقف كل شيء، هذه الروح إذا خالطت الجسد تسمى نفساً فقد قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ (٢). فالروح التي تقبض حين الوفاة سماها الله نفساً، وتطلق كلمة النفس على أكثر من معنى كما سنرى.
وفي هذا الإنسان المؤلف من الروح والجسد، أو من النفس والجسد، شيئان لهما الأهمية الكبرى هما: العقل، والقلب، فالعقل: هو محل إدراك الخطاب فحيثما وجد كان التكليف، والقلب: هو محل القبول للتكليف، فهو صاحب القرار في القبول والرفض.
والظاهر من التجربة، ومن النصوص، ومن الإحساسات، ومن الأذواق، أن العقل الذي هو محل إدراك الخطاب مقره الدماغ، وأن القلب الذي هو محل القرار في القبول والرفض مقره الصدرن فله تعلق بالقلب الصنوبري الذي يضخ الدم: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٣)، ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٤).
وللدماغ تكليفه: وهو أن يفكر فيربط الأسباب بمسبباتها، ويربط الأدلة بمدلولاتها؛ ليصل إلى الحقيقة، وللقلب تكليفه: وهو أن يقبل الإسلام الذي أوصل إليه العقل، وأن يستنير بنور الإسلام، وللنفس تكاليفها في التزكية ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (٥).
والتكليف في النهاية للإنسان المؤلف من الروح والجسد، فهو المكلف أن يجعل جسمه ونفسه وعقله وقلبه على مقتضى أمر الله .
* * *
стр. 22
إن النصوص تتحدث عن جسد: "إن لجسدك عليك حقا" (١). وعن روح: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (٢) وتتحدث عن نفس: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ (٣). وتتحدث عن قلب. "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله إلا وهي القلب" (٤). وتتحدث عن عقل: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
وأحيانا تتحدث النصوص عن النفس وتريد بها الذات كلها: الجسم والعقل والقلب والروح: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ (٥). وأحياناً تتحدث عن القلب وأنه محل العقل: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ (٦).
وأحياناً تشعر النصوص بأن المراد بالنفس الذات متلبسة بحالة قلبية: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ (٧) ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (٨).
والإنسان يحس بأن محل التفكير الدماغ، والدرسات المعاصرة وقفت بالنسبة للإنسان أمام مجهولات كثيرة، فلقد تبين أنه لو فقد الإنسان قسماً كبيراً من مخه فإنه لا يفتقد ذاكرته، ولم تزل أبحاث الذاكرة في دائرة المجهول، والماديون ينكرون الروح أصلاً، والكافرون لا يحسون بقلوبهم التي هي محل الكفر والإيمان، فهم يتكلمون بعيدين عن الجانب الغيبي في الإنسان، وكما ذكرنا من قبل فقد تأثر بعض المسلمين بأفكار غير إسلامية، حتى زعم بعضهم أن المراد بالقلب في الاصطلاح الشرعي هو الدماغ، وهذا شيء له خطورته في العقيدة والتربية والسلوك، فهو إنكار لشيء تتوطأ عليه النصوص، محددة له أنه في الصدر: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٩) ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (١٠)، (أفمن شرح الله صدره للإسلام) (١١). كل ذلك يقتضي كلاماً ضمن الحدود التي لا بد منها، فالمؤمن مكلف بالإيمان بأن له عقلاً هو محل إدراك الخطاب، وبهذا العقل تقوم عليه الحجة، ومكلف أن يؤمن بأن له قلباً عليه أن
стр. 23
يصدق به وأن ينوره، وأن له نفساً عليه أن يزكيها، وأن له روحاً ركّبها الله بهذا الجسد: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ (١)، ونصوص الكتاب والسنة متعاضدة متضافرة على تأكيد هذه المعاني، ولكن التداخل في الوظائف والتكليف يجعل أحياناً الكلام عن هذه المعاني متداخلاً في النصوص وفي كلام الناس، والمسلم مكلّف بالجملة بالإثبات، ولا يكلف كل مسلم بمعرفة كل النصوص، وحمل كل نص على المراد الدقيق منه.
إن الإيمان بالقلب والنفس لهما آثارهما في التربية والسلوك، فبينما ينبغي أن يكون مركز اهتمام المسلم قلبه ونفسه، وإذا به في حالة الإنكار يتوجه إلى الفكر والدماغ، وبينما يحس المؤمن إحساساً ذوقياً بقلبه ومقاماته فمن توكّل وخوف ورجاء ومحبة، إذا بهذا المُنْكِر يفقد هذا كله.
* * *
إن عصرنا جعل أكثر الناس علماً هم أكثر الناس تواضعاً؛ فمن عرف ضآلة بعض الإفرازات في الجسد، وضخامة تأثيرها، ومن عرف ضآلة حجم بعض الأشياء في الدماغ، وضخامة تأثيرها. ومن عرف أنه لو جمعنا كل أجهزة العالم من (التليفون والتلغراف والرادار والتلفزيون) ثم صَغّرناها إلى مثل حجم الدماغ فإنها لا تبلغ بمجموعها أن تؤدي وظائف الدماغ، ومن عرف فكرة التسجيلات والمسجّلات والطاقة الكهربائية والذرية ينبغي أن يزداد تواضعاً؛ فيسلم لمن يعلم ومن أعلم من الله!!
﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ (٢).
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٣).
وعوالم القلب والروح والعقل والجسد والنفس ليس مثل المسلم على بصيرة فيها. ونحن سنستعرض في هذا الفصل بعض نصوص الكتاب والسنة، وفيها العلم الذي يحكم على كل علم. وفيما بين يدي ذلك تقول:
стр. 24
تطلق كلمة القلب على معنيين: القلب الحسي الذي يشترك فيه الإنسان والحيوان، وعلى قلب آخره مقرُّه ذلك القلب، وهو مرتبط به نوع ارتباط، وهو محل الإيمان والكفر والنفاق، ومركز ظهور العواطف، وهو بالنسبة للإنسان محل القرار والإرادة، فهو محل التردد، والشك، والإقدام، والإحجام.
وللإنسان دماغ هو محل التفكر، والمحاكمات، وقد يكون محل خزن المعلومات، وهو محل إدراك الخطاب، وهو مخزن الحواس ومركز الإحساس، ومنظم الجملة العصبية إلى غير ذلك من المهام، وهناك الروح التي تعطي الجسد والقلب والدماغ.
* * *
عندما يكون الإنسان جنيناً في بطن أمه في المرحلة الأولى فإن حياته تكون تبعاً لحياة أمه، وإنما تكون له شخصيته المستقلة منذ نفخ الروح فيه، فعندما تُنفخ الروح عندئذ تكون له حياته المستقلة نوع استقلال، والروح في أصل خلقتها عارفة بالله، منطبعة بها البدهيات، والقلب الغيبي حين نفخ الروح في الجسد يكون على الفطرة، فهو نور خالص، والدماغ يكون جاهزاً للتلقي وتخزين المعلومات، هكذا حال الطفل أول ولادته.
* * *
عندما تحل الروح في الجسد تصبح أسيرة هذا الجسد، وبالتالي تتحكم فيها مطالب الجسد، وتفكير الدماغ وقرار القلب والبيئة، كما أن القلب تتحكم فيه مطالب الجسد، وتفكير الدماغ، وتأثير النفس بمطالب الجسد، والروح بعد التلبس بالجسد تسمى نفساً، وبقدر ما تسيطر عليها الشهوات يصبح القلب أسيراً لها، وبقدر ما يستنير القلب يمكن أن يؤثر في النفس، فيستقيم أمر الجسد، ومن ههنا فإن هناك صراعاً بين الخير والشر في ذات الإنسان، إما أن يسيطر العقل أو القلب أو الروح أو النفس أو الجسد، وبين ذلك صور فإذا تطهر القلب وتنور فعندئذ تكون الروح في وضعها الأول وضع العبودية؛ فتظهر فيها الأخلاق العليا كلها، وإلا فإنها تنتكس.
стр. 25
ومن العوامل المضلة المؤثرة:
أولاً: التلقين.
ثانياً: جواذب الدنيا.
ثالثاً: مطالب الجسد وغرائزه.
رابعاً: الشيطان ووساوسه.
ومن العوامل الهادية:
أولاً: الإيمان بالله ورسله والتلقي عنهما.
ثانياً: الفكر الاستدلالي والبناء عليه.
ثالثاً: الذكر.
رابعاً: العلم والمعرفة الصحيحان.
خامساً: بذل الجهد ومجاهدة النفس.
سادساً: البيئة المساعدة.
والعقل هو مناط التكليف، وهو الجهة التي يدرك فيها الإنسان فحوى الخطاب، وهو وسيلة الإنسان للمعرفة وهو مفطور على معانٍ، فعنده بدهيات مستقرة، وله قوانين مغروسة، وهو يصل إلى المعرفة من خلال التعليم والاستقراء أو الاستنتاج، ومن ههنا وجد علم المنطق الاستقرائي والاستنتاجي، فأن يتعرف الإنسان على علم المنطق للتعرف على قوانين العقل، وعلى ما هو بدهي، وعلى ضوابط الاستنتاج الصحيح، والاستقرار الصحيح، فهذا القدر لا حرج فيه. وحملةُ بعض العلماء على نوع من المنطق لا يدخل فيها ما ذكرناه. وهذا النوع يوجد عند الجن من لحظة الولادة، فهم مكفلون من تلك اللحظة، أما عند الإنسان فإنه يتكامل شيئاً فشيئاً، ومن ههنا فلا تكليف يحاسب عليه الإنسان إلا بعد البلوغ، أما ما قبل ذلك فله أحكامه.
* * *
стр. 26
ويطلق العقل في الشريعة على شيئين:
أولاً: على ما هو مناط فهم الخطاب، وإذا وجد فقد أصبح الإنسان مكلفاً ضمن شروط.
ثانياً: على قبول خطاب الشارع والعمل به وذلك هو العقل الشرعي.
وعلى هذا يحمل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (١). ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (٢) ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ (٣).
والقلب يطلق في الشريعة: على العقل الشرعي، وعلى القلب الحسي، وعلى القلب المرتبط بالقلب الحسي، وهو محل الإيمان والكفر، وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (٤) ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (٥) ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٦).
والنفس تطلق في الشريعة: على الذات كلها جسداً وروحاً، وتطلق على الروح وحدها، وتطلق على الدم، وتطلق على مطالب الروح المتأثرة بمطالب الجسد المذمومة.
وتسمى الروح إذا خالطت الجسد نفساً، وها نحن نذكر لك بعد هذا البيان بعض النصوص التي تناسب عنوان هذا الفصل، ومضمونه الذي تحدثنا عنه في هذه المقدمة، مبتدئين بذكر بعض النصوص التي تتحدث عن الجسد، للإشعار ببعض الواجبات الجسدية، وببعض حقوق الجسد، ومن مثل ذلك يعرف وضع الجسد في الإسلام: حقوقه، وواجباته، وكمالاته، وضرورة رعايته، لا كما تحاول ملل أخرى أن تعذبة أو تحرمه من ضرورات مباحة.
стр. 27
الفقرة الأولى: نصوص في الجسد
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (١) ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ (٢).
١ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال لي رسولُ الله ﷺ : "يا عبد الله ألم أخبر أنك تصوم النهار، وتقومُ الليل؟ " فقلت: بلى يا رسول الله، قال: "فلا تفعل، صُم وأفطر، وقم ونم، فإنَّ لجسدك عليك حقاً، وإن لبدنك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لزورك عليك حقاً، وإن بحسبك أن تصوم كل شهر ثلاثة أيام، فإن لك بكل حسنةٍ عشر أمثالها، فإذن ذلك صيامُ الدهر، فشددت فشدد عليَّ، قلت: يا رسول الله: إني أجد قوة، قال: "فصم صيام نبي الله داود ﵇ ولا تزد عليه". قلتُ: وما كان صيام نبي الله داود ﵇؟ قال: "نصف الدَّهر"، فكان عبدُ الله يقول بعد ما كبر: يا ليتني قبلت رخصة النبي ﷺ .
٢ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أول ما يسأل عنه يوم القيامة- يعني: العبد- من النعيم، أن يُقال: ألم نصح لك جسمك؟ ونروك من الماء البارد؟ "
стр. 28
٣ - * روى الترمذي عن عبيد الله بن محصن ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "من أصبح منكم آمناً في سربه، مُعافىً في جسده، عندهُ قوت يومه، فكأنما حيزت لهُ الدنيا بحذافيرها".
٤ - * روى الترمذي عن أبي بززة الأسلمي قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسئل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقهُ، وعن جسمه فيما أبلاه".
٥ - * روى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناهُ من بعدهم، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله، فغداً لليهود، وبعد غدٍ للنصارى" فسكت ثم قال "حق على كل مسلمٍ أن يغتسل في كل سبعة أيامٍ يوماًيغسلُ فيه رأسهُ وجسده".
٦ - * روى الترمذي عن بلالٍ، وأبي أمامة، ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: "عليكم بقيام الليل، فإنه دأبُ الصالحين قبلكم، وإنَّ قيام الليل قربةٌ إلى الله، ومنهاةً عن الإثم، وتكفيرٌ للسيئات، ومطردة للدَّاء عن الجسد".
стр. 29
٧ - * روى الترمذي عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: "اللهم عافني في جسدي، وعافني في بصري، واجعله الوارث مني، لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين".
٨ - * روى مسلم عن عثان بن أبي العاصي الثقفي الطائفي ﵁ أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعاً يجده في جسده منذ أسلم، فقال له: "ضع يدك على الذي يألم من جسدك، وقل: باسم الله، ثلاث مرات، وقُل سبع مراتٍ: أعوذُ بالله وقدرته من شر ما أجدُ وأحاذزُ".
وعند الموطاً (٣) "بعزة الله وقدرته من شر ما أجد" قال: فقلت ذلك، فأذهب الله ما كان بي، فلم أزل آمُرُ بها أهلي وغيرهم.
٩ - * روى البخاري عن عروة عن عائشة، "أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثم يمسح بها ما استطاع من جسده، يبدأ بها على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مراتٍ
١٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة، قال: قال: رسول الله ﷺ "لا تحاسدوا، ولا تناجشوا ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولايبع بعضكم على
стр. 30
بيع بعض. وكونوا، عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم. لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره. التقوى ها هنا" ويشير إلى صدره ثلاثٍ مراتٍ "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم
حرام. دمه وماله وعرضه".
١١ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة: بدأ فغسل يديه، ثم يتوضاً كا يتوضأ للصلاة ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أطول شعره، ثم يصب الماء على رأسه ثلاث غرفٍ بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله.
وفي رواية (٢) ثم يخلل بيديه شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض الماء عليه ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده.
وقالت: كنت أغتسلُ أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، نغترف منه جميعاً (٣).
١٢ - * روى مسل عن عثمان بن عفان ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "من توضأ فأحسن الوضوء، خرجت خطاياه من جسده ثم تخرج من تحت أظفاره".
١٣ - * روى أبو داود عن جابر بن عبد الله ﵂، قال: خرجنا في سفرٍ، فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه، فاحتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رُخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على
стр. 31
رسول الله ﷺ وأخبر بذلك، قال: "قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذا لم يعلموا، فإنما شفاء العيِّ السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر- أو يعصب، شك موسى- على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده".
* * *
стр. 32
الفقرة الثانية: نصوص في الروح
قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١) ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ (٢) ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (٣) والراد: روح خلقها ونسبها الي ذاته تشريفاً كما نقول: بيت الله.
ومن نصوص السنة في الروح:
١٤ - * روى مالك عن كعب بن مالك ﵁ كان يحدث أن النبي ﷺ قال: "إنما نسمة المؤمن طير يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله في جسده يوم يبعثه".
قال القرطبي وغيره: هي روح المؤمن الشهيد.
وقال بعضهم: المراد بالحديث أعم من أن يكون المراد بذلك أرواح الشهداء وحدهم فقد يعطي الله هذه الخصوصية لغيرهم.
١٥ - * روى أحمد وأبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما من أحدٍ يسلم عليَّ إلا رد الله ﵎ عليَّ روحي حتى أرُدَّ ﵇".
стр. 33
١٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف".
وفي رواية (٢) يرفعه قال: "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، والأرواح جنود مجندة .... الحديث".
١٧ - * روى البخاري ومسلم عن ربعي بن حراشٍ؛ أن حذيفة حدتهم قال: قال رسول الله ﷺ : "تلقت الملائكة روح رجلٍ ممن كان قبلكم فقالوا: أعملت من الخير شيئاً؟ قال: لا. قالوا: تذكر. قال: كنت أدين الناس. فآمر فتياني أن ينظروا المعسر ويتجوزوا عن الموسر. قال: قال الله : تجوزوا عنه".
١٨ - * روى أحمد وأبو داود عن عليِّ بن شماخ- وقيل: شماس، قال: شهدت مروان يسأل أبا هريرة: "كيف سمعت رسول الله ﷺ يصلي على الجنازة؟ قال أبو هريرة:
سمعته يقول: "اللهم أنت ربُّها، وأنت خلقتها، وأنت هديتها إلى الإسلام وأنت قبضت روحها، وأنت أعلمُ بسرها وعلانيتها، جئنا شفعاء، فاغفر لها".
١٩ - * روى أحمد وأبو داود عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله
стр. 34
صلى الله عليه وسلم، يقول: "كان في بني إسرائيل رجلان متواخيان، أحدهما مذنب والآخر في العبادة مجتهدٌ، فكان المجتهد لا يزال يرى الآخر على ذنب، فيقول: أقصر، فوجده يوماً على ذنب، فقال: أقصر، فقال: خلني وربي أبعثت عليَّ رقيباً؟ فقال له: والله لا يغفر الله لك- أو قال: لا يُدخلك الجنة- فقبض الله أرواحهما، فاجتمعا عند ربِّ العالمين، فقال الرب تعالى للمجتهد: أكنت على ما في يدي قادراً؟ وقال للمُذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار، قال أبو هريرة: تكلم والله بكلمةٍ أوبقت دنياه وآخرته".
٢٠ - * روى مسلم عن مسروق ﵀، قال: سألنا عبد الله بن مسعودٍ عن هذه الآية ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٢) فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله ﷺ ؟ فقال: "أرواحهم في جوف طيرٍ خضر، لها قناديل معلقةٌ بالعرش، تشرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل فاطلع إليهم ربهم اطلاعةً، فقال: هل تشتهون شيئاً؟ قالوا: أي شيءٍ نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مراتٍ، فلما رأوا أنهم لم يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب، نريد أن تردَّ علينا أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجةٌ تركوا".
أقول: إن كينونة أرواحهم في أجواف الطيور من زيادة الإكرام، فالطيور بالنسبة لهم كالسيارة أو الطائرة لراكبها.
٢١ - * روى مسلم عن أبي هريرة. قال: "إذا خرجت روح المؤمن تلقاقا ملكان يصعدانها قال حماد: فذكر من طيب ريحها، وذكر المسك.
стр. 35
قال: ويقول أهل السماء: روحٌ طيبةٌ جاءت من قبل الأرض. صلي الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه. فينطلق به إلى ربه . ثم يقول: انطلقوا به إلى آخر الأجل.
قال: وإن الكافر إذا خرجت روحة- قال حماد وذكر من نتنها، وذكر لعنا- ويقول أهل السماء: روح خبيثة جاءت من قبل الأرض. قال فيقالُ: انطلقوا به إلى آخر الأجل.
قال أبو هريرة: فرد رسول الله ﷺ ريطة، كانت عليه، على أنفه، هكذا.
٢٢ - * روى مسلم عن أم سلمة ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة- وقد شق بصرهُ- فأغمضه، ثم قال: "إنَّ الروح إذا قبض تبعه البصر" فضجَّ ناسُّ من أهله، فقال: "لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإنَّ الملائكة يؤمنون على ماتقولون" ثم قال: "اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجتهُ في المهديين، واخلفة في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونور له فيه".
٢٣ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁، قال: قالوا: يا رسول الله متى وجبت لك النبوةُ؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد"، والمراد: أن آدم ﵇ كان بعد تراباً لم يصور ولم يخلق.
٢٤ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁، قال: حدَّثنا
стр. 36
رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: "إن خلق أحدكم يجمعُ في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مُضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكاً بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله، وشقيٌّ أو سعيدٌ، ثم ينفخ فيه الروح، فوالذي لا إله غيرهُ، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ، فيسبق عليه الكتابُ فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخُلُها".
* * *
стр. 37
الفقرة الثالثة: نصوص في العقل
قال تعالى ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ (١).
المراد بالعقل هنا العقل الذي هو محل إدراك الخطاب.
﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (٢).
﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (٣).
﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾ (٤).
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ (٥).
المراد بالعقل بالنصوص الأربعة الأخيرة العقل الشرعي ومقره القلب.
ومن نصوص السنة في العقل:
٢٥ - * روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى- أو فطر- إلى المصلى، فمرَّ على النساء، فقال: "يا معشر النساء، تصدَّقن، فإني أريتكنَّ أكثر أهل النار" فقلن: لم يا رسول الله؟ قال: "تكثرن اللَّعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودينٍ أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن" قُلن: وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله؟ قال: "أليس شهادةُ المرأة منكن مثل نصف شهادة الرجل؟ " قلن: بلى؟ قال: "فذلك من نقصان عقلها أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصم"؟ قلن: بلى، قال: "فذلك من نقصان دينها".
стр. 38
فائدة:
المرأة بالنسبة للعقل التكليفي الذي هو محل إدراك الخطاب كالرجل، إلا أنها تختلف عن الرجل في مقدار التكليف وفي طبيعته نوع اختلاف بسبب تركيبها الذي يتناسب مع دورها الحياتي، فهي من هذه الحيثية ينقص دينها وعقلها عن دين الرجل وعقله.
٢٦ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يُعيدُ
* * *
стр. 39
الفقرة الرابعة: نصوص في القلب
١ - في أن القلب الإيماني محله الصدر.
قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (١).
﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٢).
﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (٣).
﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ (٤).
﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ (٥).
﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ (٦).
ومن نصوص السنة النبوية:
٢٧ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إياكم والظنَّ، فإنَّ الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ها هنا، التقوى ها هنا، التقوى ها هنا- ويشير الي صدره- بحسب امرئ من الشَّرِّ: أن يحقر أخاه المسلم، كلُّ المسلم على المسلم حرامٌ: دمُه، وعرضُه،
стр. 40
وماله، إن الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".
٢ - في بعض نصوص تتحدث عن القلب
من نصوص الكتاب في القلب:
قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (١).
﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (٢).
﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ (٣).
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (٤).
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٥).
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٦).
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ (٧).
﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ (٨).
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (٩).
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (١٠).
﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ (١١) ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (١٢).