رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: "إن خلق أحدكم يجمعُ في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مُضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكاً بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله، وشقيٌّ أو سعيدٌ، ثم ينفخ فيه الروح، فوالذي لا إله غيرهُ، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ، فيسبق عليه الكتابُ فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخُلُها".
* * *
стр. 37
الفقرة الثالثة: نصوص في العقل
قال تعالى ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ (١).
المراد بالعقل هنا العقل الذي هو محل إدراك الخطاب.
﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (٢).
﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (٣).
﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾ (٤).
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ (٥).
المراد بالعقل بالنصوص الأربعة الأخيرة العقل الشرعي ومقره القلب.
ومن نصوص السنة في العقل:
٢٥ - * روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى- أو فطر- إلى المصلى، فمرَّ على النساء، فقال: "يا معشر النساء، تصدَّقن، فإني أريتكنَّ أكثر أهل النار" فقلن: لم يا رسول الله؟ قال: "تكثرن اللَّعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودينٍ أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن" قُلن: وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله؟ قال: "أليس شهادةُ المرأة منكن مثل نصف شهادة الرجل؟ " قلن: بلى؟ قال: "فذلك من نقصان عقلها أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصم"؟ قلن: بلى، قال: "فذلك من نقصان دينها".
стр. 38
فائدة:
المرأة بالنسبة للعقل التكليفي الذي هو محل إدراك الخطاب كالرجل، إلا أنها تختلف عن الرجل في مقدار التكليف وفي طبيعته نوع اختلاف بسبب تركيبها الذي يتناسب مع دورها الحياتي، فهي من هذه الحيثية ينقص دينها وعقلها عن دين الرجل وعقله.
٢٦ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يُعيدُ
* * *
стр. 39
الفقرة الرابعة: نصوص في القلب
١ - في أن القلب الإيماني محله الصدر.
قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (١).
﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٢).
﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (٣).
﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ (٤).
﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ (٥).
﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ (٦).
ومن نصوص السنة النبوية:
٢٧ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إياكم والظنَّ، فإنَّ الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ها هنا، التقوى ها هنا، التقوى ها هنا- ويشير الي صدره- بحسب امرئ من الشَّرِّ: أن يحقر أخاه المسلم، كلُّ المسلم على المسلم حرامٌ: دمُه، وعرضُه،
стр. 40
وماله، إن الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".
٢ - في بعض نصوص تتحدث عن القلب
من نصوص الكتاب في القلب:
قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (١).
﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (٢).
﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ (٣).
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (٤).
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٥).
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٦).
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ (٧).
﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ (٨).
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (٩).
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (١٠).
﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ (١١) ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (١٢).
ومن نصوص السنة في القلوب
٢٨ - * روى مسلم عن الأغر المزني ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنه ليغان على قلبي، حتى أستغفر الله في اليوم مائة مرة".
قال ابن الأثير:
ليغانُ على قلبي: أي: ليغطى ويغشى، والمراد به، السهوُ، لأنه كان ﷺ لا يزال في مزيدٍ من الذكر والقربة ودوام المراقبة، فإذا سها عن شيء منها في بعض الأوقات، أو نسي، عده ذنباً على نفسه ففزع إلى الاستغفار.
أقول:
"قال بعضهم مفسراً هذا الحديث ناسباً هذا التفسير إلى رؤيا رأى فيها رسول الله ﷺ ، فذكر رسول الله ﷺ في المنام "أنه غين أنوار لا أغيار" ولا شك أن نوع الغين الذي يقع لقلب- رسول الله ﷺ غير ما يمكن أن يتوهمه بعض الناس من كون هذه الحالة حالة نقص في حقه ﵊، إلا أن في الحديث تحريضاً للمؤمنين أن يراعو قلوبهم ويكثروا من الاستغفار لجلائها".
٢٩ - * روى البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين، قد رأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن، ثم نزل القرآن، وعلموا من السنة. ثم حدثنا عن رفع الأمانة، فقال: ينام الرجل النومة، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوكت، ثم ينام النومة، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر المجل، كجمرٍ
стр. 43
دحرجته على رجلك فنفط، فتراه منتبراً، وليس فيه شيءٌ- ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله- فيصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً، حتى يقال للرجل: ما أجلده، ما أظرفه، ما أعلقه، وما في قلبه مثقال حبةٍ من خردل من إيمان، ولقد أتى عليَّ زمانٌ وما أبالي أيكم بايعت لئن كان مسلماً ليردنه عليَّ دينُهُ، وإن كان نصرانياً أو يهودياً ليردنه عليَّ ساعيه، وأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلاناً وفلاناً.
قال ابن التين: الأمانة: كل ما يخفى ولا يعلمه إلا الله من المكلف، وعن ابن عباس: هي الفرائض التي أمروا بها ونهوا عنها، وقال أبو بكر بن العربي: المراد بالأمانة في هذا الحديث الإيمان، وتحقيق ذلك فيما ذكر من رفعها أن الأعمال السيئة لا تزال تضعف الإيمان حتى إذا تناهى الضعف لم يبق إلا أثر الإيمان وهو التلفظ باللسان والاعتقاد الضعيف في ظاهر القلب، فشبهه بالأثر في ظاهر البدن، وكنى عن ضعف الإيمان بالنوم، وضرب مثلاً لزهوق الإيمان عن القلب حالاً بزهوق الحجر عن الرجل حتى يقع بالأرض. (م).
قال صاحب التحرير: معنى الحديث أن الأمانة تزول عن القلوب شيئاً فشيئاً فإذا زال أول جزء منها زال نورها وخلفته ظلمة كالوكت- وهو اعتراض لون مخالف للون الذي قبله- فإذا زال شيء آخر صار كالمجل- وهو أثر محكم لا يكاد يزول إلا بعد مدة- وهذه الظلمة فوق التي قبلها، ثم شبه زوال ذلك النور بعد وقوعه في القلب وخروجه بعد استقراره فيه واعتقاب الظلمة إياه بحجر على رجله حتى يؤثر فيها ثم يزول الحجر ويبقى التنفط. (١)
стр. 44
٣٠ - * روى البخاري ومسلم عن علي بن الحسين ﵄ أن صفية زوج النبي ﷺ ورضي الله عنها قالت: كان النبي ﷺ معتكفاً، فأتيته أزوره ليلاً، فحدثته، ثم قمت لأنقلب، فقام معي ليقلبني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا، فقال النبي ﷺ : "على رسلكما، إنها صفية بنت حيي". فقالا: سبحان الله، فقال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً"- أو قال: شيئاً-.
٣١ - * روى الترمذي عن ثوبان ﵁ قال: لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٣) كنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فقال بعض أصحابه: أنزلت في الذهب والفضة، فلو علمنا: أي المال خير فنتخذه، فقال رسول الله ﷺ : "أفضله: لسانٌ ذاكرٌ، وقلبٌ شاكرٌ، وزوجةٌ صالحةٌ تُعينه علي إيمانه".
٣٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵄: عن النبي ﷺ قال: "كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا، مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه".
стр. 45
٣٣ - * روى أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة، نكتت في قلبه نكتة، فإذا هو نزع واستغفر وتاب، صقل قلبه، وإن عاد، زيد فيها، حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكره الله" ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٢).
٣٤ - * روى أبو داود والحاكم، عن عبد الله، قال: كنا لا ندري ما نقول إذا جلسنا في الصلاة، وكان رسول الله ﷺ قد علم، فذكر نحوه، قال شريك: وحدثنا جامع- يعني ابن شداد- عن أبي وائل عن عبد الله، بمثله، قال: وكان يعلمنا كلمات ولم يكن يعلمناهن كما يعلمنا التشهد: اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، وأهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا، وأبصارنا، وقلوبنا، وأزواجنا، وذرياتنا، وتب علينا؛ إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها، قابليها وأتمها علينا.
٣٥ - * روى الترمذي عن شهر بن حوشبٍ، قال: قلت لأم سلمة ﵂: يا أم المؤمنين، ما كان أكثر دعاء رسول الله ﷺ إذا كان عندك؟ قالت: كان أكثر دعائه: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، قالت: فقلت له: يا رسول الله، ما أكثر دعاءك بهذا؟ قال: "يا أم سلمة، إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام، ومن شاء أزاغ".
стр. 46
٣٦ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمرو ﵄، قال: أكثر ما كان النبي ﷺ : لا، ومقلب القلوب.
٣٧ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاصى ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحدٍ، يصرفه حيث يشاء" ثم قال رسول ﷺ : "اللهم مصرف القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك".
٣٨ - * روى النسائي عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: "اللهم أغسل خطاياي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس".
٣٩ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: صعد رسول الله ﷺ المنبر، فنادى بصوت رفيع، فقال: "يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين، ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله" قال نافع، ونظر ابن عمر يوماً إلى الكعبة، فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك.
٤٠ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله تعالى جعل الحقَّ على لسان عمر وقلبه". قال: وقال ابن عمر: ما نزل بالناس أمر قط، فقالوا فيه عمر- أو قال: ابن الخطاب شك خارجة- إلا نزل
стр. 47
فيه القرآن على نحو ما قال عمر.
٤١ - * روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله: "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان" قال أبو سعيد: فمن شك فليقرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (٢).
٤٢ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁، قال: قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشافعتك يوم القيامة؟ قال: "لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله، خالصاً مخلصاً من قلبه".
٤٣ - * روى النسائي عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "لا يجتمع غبارٌ في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبدٍ أبداً، ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبدٍ أبداً". وفي أخرى "في قلب مسلمٍ" في الموضعين.
٤٤ - * روى مسلم عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: كنا عند عمر فقال: أيكم سمع رسول الله ﷺ يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه، فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره؟ قالوا: أجل، قال: تلك يكفرها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن أيكم سمع النبي ﷺ يذكر التي موج البحر؟ قال حذيفة: فأسكت القوم، فقلت: أنا، قال: أنت لله أبوك، قال حذيفة: سمعت رسول الله ﷺ : يقول: "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأي قلبٍ أشربها نكت فيه نكتة
стр. 48
سوداء؟ وأيُّ قلب أنكرها نكت فيه نكتةً بيضاء، حتى تصير على قلبين: أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنةٌ، ما دامت السموات والأرض، والآخر: أسود مرباداً، كالكوز مجخياً، لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً، إلا ما أشرب من هواه" قال وحدثته: أن بينك وبينها بابا مغلقاً، يوشك أن يكسر قال عمر: أكسرا؟ لا أبالك، فلو أنه فتح؟ لعله كان يعاد، قال: لا، بل يكسر، وحدثته أن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت، حديثاً ليس بالأغاليط. قال ربعيٌ: فقلت: يا أبا مالك- هو سعد بن طارق- ما أسود مرباداً؟ قال: شدة البياض في سوادٍ، قلت: فما الكوز مجخياً؟ قال: منكوسا.
(كالحصير عوداً عوداً) قال الحميدي: في بعض الراويات "عرض الحصير" والمعني فيها: أنها تحيط بالقلوب كالمحصور المحبوس، يقال: حصره القوم: إذا أحاطوا به، وضيقوا عليه، قال: وقال الليث: حصير الجنب: عرق يمتد معترضاً على الجنب إلى ناحية البطن، شبه إحاطتها بالقلب بإحاطة هذا العرق بالبطن، وقوله "عوداً عوداً":
أي مرة بعد مرة، يقول: عاد يعود عودة وعوداً.
أقول:
هناك روايات تذكر بدل العَود العُودَ ويترتب على ذلك اختلاف في شرح الحصير وسمير معنا الحديث مرة أخرى.
٤٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي إدريس الخولاني، أنه سمع حذيفة بن اليمان يقول: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد
стр. 49
هذا الخير من شر؟ قال: "نعم". قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: "نعم وفيه دخن". قلت وما دخنه؟ قال: "قوم يهدون بغير هدبي، تعرف منهم وتنكر"، قلت: فهل بعد بعد ذلك الخير من شر؟ قال: "نعم، دعاةٌ على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها". قلت: يا رسول الله، صفهم لنا، قال: "هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا". قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم" قلت: فإن لم يكن لهم جماعةٌ ولا إمام؟ قال: "فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعضَّ بأصل شجرة حتى يدركك الموتُ وأنت على ذلك".
ولمسلم (١) نحوه، وفيه قلت: "ما دخنه؟ قال: "قوم لا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجالٌ قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس"، قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: "تسمع وتُطيع، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع".
٤٦ - * روى الترمذي عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمر ﵃، قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : "يكون في آخر الزمان رجالٌ يختلون الدنيا بالدين، يلبسون للناس جلود الضأن من الين، ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم الذئاب، يقول الله تعالى: أبي يغترون، أم علي يجترئون؟ في حلفت، لأبعثن على أولئك منهم فتنة تدع الحليم حيران".
ورواية ابن عمر أخصر من هذه، قال: قال النبي ﷺ : "إن الله قال: لقد خلفت خلقاً ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، في حلفت: لأتيحنهم فتنة تدع الحليم منهم حيران، فبي يغترون، أم عليَّ يجترئون"؟.
стр. 50
٤٧ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: قال رسول الله: "غلظ القلوب والجفاءُ: في المشرق، والإيمان في أهل الحجاز".
٤٨ - * روى مسلم عن أبي مسعود البدري ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: "استووا، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليلني منكم أولو الأحلام والنهي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم".
قال أبو مسعود: فأنتم اليوم أشدُّ اختلافاً.
٤٩ - * روى أبو داود والنسائي عن أبي الجعد الضمري ﵁، وكانت له صحبةٌ: أن رسول ﷺ قال: "من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع الله على قلبه".
وعند الترمذي (٤) "من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونا بها طبع الله على قلبه".
٥٠ - * روى مسلم عن أبي إدريس الخولاني ﵀، عن أبي ذر، أن رسول الله ﷺ قال: فيما روي عن الله ﵎ أنه قال: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا، يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته، فأستهدوني أهدكم، يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي، كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني،
стр. 51
يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقي قلب رجل واحدٍ منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، [كانوا] على أفجر قلب رجلٍ واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيدٍ واحدٍ، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي، إنما أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه".
٥١ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁، قال: دخلنا مع رسول الله صلى عليه وسلم على أبي سيف القين، وكان ظئراً لإبراهيم، فأخذ رسول الله ﷺ ابنه إبراهيم، فقلبه وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك، وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عيناً رسول الله ﷺ تذرفان، فقال ابن عوف: وأنت يا رسول الله، فقال: "يا ابن عوف، إنها رحمةٌ" ثم أتبعها بأخرى، فقال: "إن العين تدمع، والقلب يخشع، ولا تقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم محزونون".
٥٢ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه رسول الله ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، فلما دخل عليه وجده في غشية، فقال: قد قضى؟ فقالوا: لا، يا رسول الله، فبكى رسول الله ﷺ ، فلما رأى القوم بكاء النبي ﷺ بكوا، قال "ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا- وأشار لسانه- أو يرحم".
стр. 52
٥٣ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂، قالت: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ ، فقال: إنكم تقبلون الصبيان، ولا نقبلهم؟ فقال رسول الله ﷺ : "أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك؟ ".
٥٤ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ يوماً لأصحابه: "من يأخذ [عني] هؤلاء الكلمات فيعمل بهن، أو يعلم من يعمل بهن؟ " قال أبو أبو هريرة، قلت: أنا يا رسول الله، فأخذ بيدي وعد خمساً، فقال "اتق المحارم تكن أعبد الناس، وأرض بما قسم لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمناً، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلماً، ولا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك، تميت القلب".
٥٥ - * روى البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول- وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه- "إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهاتٌ، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات، استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا ولكل ملكٍ حمي، ألا وإن حمى الله محارمة، ألا وإن في الجسد مضغةً، إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب".
٥٦ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال طارق بن شهاب: أول من بدأ بالخطبة يوم العبد قبل الصلاة مروان، فقام إليه رجلٌ فقال: الصلاة قبل الخطبة، قال: قد ترك ما هنالك، فقال أبو سعيد، أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت
стр. 53
رسول الله ﷺ يقول: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".
٥٧ - * روى مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون، ويفعلون مالا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل".
٥٨ - * روى البخاري ومسلم عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه".
٥٩ - * روى مسلم والترمذي عن حنظلة الأسيدي قال: وكان من كتاب رسول الله ﷺ قال: لقيني أبو بكرٍ فقال: كيف أنت؟ يا حنظلة أنت؟ يا حنظلة! قال قلت: نافق حنظلة. قال: سبحان الله! ما تقول؟ قال قلت: نكون عند رسول الله ﷺ : يذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأى عين. فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ : عافشنا الأزواج والأولاد والضيعات؟ فنسينا كثيراً. قال أبو بكر: فوالله! إنا لنلقى مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكر، حتى دخلنا على رسول الله ﷺ . قلت: نافق حنظلة. يا رسول الله!
стр. 54
فقال رسول الله ﷺ "وما ذاك؟ " قلت: يا رسول الله! نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة. حتى كأنا رأي عينٍ. فإذا خرجنا من عندك، عافشنا. الأزواج والأولاد والضيعات. نسينا كثيراً. فقال رسول الله ﷺ "والذي نفسي بيده! إن لو تدومون على تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتهم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم. ولكن، يا حنظلة! ساعة وساعة" ثلاث مراتٍ.
وفي رواية لمسلم (١) عن حنظلة. قال: كنا عند رسول الله ﷺ . فوعظنا فذكر النار. قال: ثم جئت إلى البيت فضاحكت الصبيان ولاعبت المرأة. قال فخرجت فلقيت أبا بكر. فذكرت ذلك له. فقال: وأنا قد فعلت مثل ما تذكر. فلقينا رسول الله ﷺ . فقلت: يا رسول الله! نافق حنظلة. فقال "مه" فحدثته بالحديث. فقال أبو بكر: وأنا قد فعلت مثل ما فعل فقال: "يا حنظلة! ساعة وساعة. ولو كانت تكون قلوبكم كما تكون عند الذكر، لصافحتكم الملائكة، حتى تسلم عليكم في الطرق".
٦٠ - * روى أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "من كثر همة فليقل: اللهم إني عبدك وابن عبدك، وابن أمتك، وفي قبضتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت بن نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في مكنون الغيب عندك: أن تجعل القرآن ربيع قلبي، وجلاء همي وغمي، ما قالها عبدٌ قط إلا أذهب الله غمه، وأبدله به فرجاً".
٦١ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما قال
стр. 55
عبدٌ: لا إله إلا الله، مخلصاً من قلبه، إلا فتحت له أبواب السماء، حتى يفضي إلى العرش ما اجتنب الكبائر".
٦٢ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أن النبي ﷺ قال: "من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا رقبة الآخر".
قلت: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: سمعته أذناي، ووعاه قلبي، قلت: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نفعل ونفعل؟ قال: أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله.
أقول: (المراد بالبيعة هنا التي تعطي لأمير المؤمنين، ولأهل العدل من السلاطين، وليست المراد بذلك البيعات التي تعورف عند الشيخ وأمثالهم ممن ليس لهم سلطان نافذ على الرعية).
٦٣ - * روى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد الساعدي ﵁، قال: لما جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، جئت أهب نفسي لك، فنظر إليها رسول الله ﷺ ، فصعد النظر فيها وصوبه، ثم طأطأ رسول الله ﷺ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئاً جلست، فقام رجلٌ من أصحابه، فقال: يا رسول الله، إن لم يكن لك بها حاجةٌ فزوجنيها، فقال: "فهل عندك من شيء؟ " فقال: لا والله
стр. 56
يا رسول الله، فقال: "اذهب إلى أهلك فانظر: هل تجد شيئاً؟ " فذهب، ثم رجع، فقال: لا والله، ما وجدت شيئاً، فقال رسول الله ﷺ : "انظر ولو خاتماً من حديد" فذهب، ثم رجع فقال: لا، والله يا رسول الله، ولا خاتماً من حديد، ولكن هذا إزاري- قال سهل: ماله رداء- فلها نصفه، فقال رسول الله ﷺ "ما تصنعُ بإزارك؟ إن لبسته لم يكن عليها منه شيء، وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء" فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسة قام، فرآه رسول الله ﷺ مولياً، فأمر به فدعي، فلما جاء قال: "ماذا معك من القرآن؟ " قال: معي سورة كذا، وسورة كذا- عددها- قال: "تقرؤهن عن ظهر قلبك؟ " قال: نعم، قال: "اذهب، فقد ملكتكها بما معك من القرآن".
٦٤ - * روى الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁: لما كان يوم الحديبية خرج إلينا ناس من المشركين، منهم سهيل بن عمرو، وأناس من رؤساء المشركين، فقالوا: يا رسول الله، قد خرج إليك ناس من أبنائنا وإخواننا وأرقائنا، وليس بهم فقه في الدين، وإنما خرجوا فراراً من أموالنا وضياعنا، فارددهم إلينا، فإن لم يكن لهم فقه في الدين، وإنما خرجوا فراراً من أموالنا وضياعنا، فارددهم إلينا، فإن لم يكن لهم فقةً في الدين سنفقههم، فقال رسول الله ﷺ : "يا معشر قريش، لتنتهن أو ليبعثن الله عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين، قد امتحن الله قلوبهم على الإيمان" قال أبو بكر وعمر: من هو يا رسول الله؟ قال: "خاصف النعل" وكان قد أعطى عليا نعله يخصفها، ثم التفت إلينا علي فقال: قال رسول الله ﷺ : "من كذب علي متعمداً فليتبوأ من النار".
٦٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي ظبيان حصين بن جندب قال: سمت أسامة بن زيد يقول: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية، فصبحنا الحرقات من جهينة، فأدركت
стр. 57
رجلاً، فقال: لا إله إلا الله، فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "أقال لا إله الله وقتلته؟ قال وقلت: يا رسول الله، إنما قالها خوفاً من السلاح، قال: "أفلا شققت عن قلبه، حتى تعلم أقالها، أم لا؟ " فما زال يكررها علي، حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ، قال: فقال سعدٌ: وأنا والله لا أقتل مسلماً حتى يقتله ذو البطين- يعني-: أسامة- قال: فقال رجل: ألم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (١)؟ فقال سعد: قد قتلنا حتى لا تكون فتنة، وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة.
٦٦ - * روى أبو داود عن علي أبي طالب ﵁، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضياً، فقلت: يا رسول الله، ترسلني وأنا حدث السن، ولا علم لي بالقضاء؟ فقال: "إن الله سيهدي قلبك، ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان، فلا تقضين حتى تسمع من الآخر، كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء" قال: فما زلت قاضياً، أو ما شككت في قضاء بعد.
وأخرجه الترمذي (٣)، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "إذا تقاض إليك رجلان فلا تقض للأول ... " وذكر الحديث.
٦٧ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول ﷺ : "قال الله : أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" واقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ
стр. 58
مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (١).
٦٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "أول زمرةٍ تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون، ولا يتغوطون، آنيتهم فيها الذهب، أمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم الألوة، ورشحهم المسك، ولكل واحدٍ منهم زوجتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن، لا أختلاف بينهم، ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشياً".
تعليق:
أكثرنا من الأحاديث، وأكثرنا من ذكر النصوص التي تتعلق بالقلب لأننا نرى أن علم إصلاح القلب على مقتضى الهدي النبوي قد طوى الكثيرون بساطه، وقل العارفون به، فكثرت أمراض القلوب وظهرت كثير من القلوب المريضة التي تتحدثت عنها النصوص من مثل قلوب الشياطين وقلوب الذئاب والقلوب التي هي أمر من الصبر، كما أن قضية القلب في المفهوم الفطري للنصوص قد طرأ عليها ما طرأ، وهذا كله يستدعي علاجاً وذكراً وتذكيراً وحسن تطيب ولذلك أكثرنا النقل عن القلوب ثم إن أشياء كثيرة ستمر معنا لها صلة بموضوع القلب فاقتضى ذلك التنويه بهذا الموضوع في أوائل قسم العقائد.
وكما أننا أكثرنا من النصوص في موضوع القلب فسنذكر الكثير منها في موضوع النفس لأن تزكية الأنفس على مقتضى الشريعة من أهم ما بعث به الرسل عليهم الصلاة والسلام.
* * *
стр. 59
الفقرة الخامسة: نصوص في النفس
تطلق كلمة النفس في اصطلاحات الشارع وفي خطابات الناس وفي كلام المؤلفين على معان متعددة، ويلتبس نتيجة لذلك على كثير من الناس المراد بالنفس حينما تستعمل.
ونحن يهمنا في هذا الكتاب أن نلفت النظر إلى المرادات الرئيسية لكلمة النفس في اصطلاحات النصوص.
ومن ها هنا فسنذكر النصوص التي وردت في النفس تحت العناوين التالية:
١ - نصوص في النفس ويراد بها الذات.
٢ - نصوص في النفس ويراد بها الروح.
٣ - نصوص في النفس ويراد بها الروح بها الروح بعد تلبسها بالجسد وطاعتها للأهواء.
٤ - نصوص في النفس ويراد بها القلب.
стр. 60
١ - نصوص في النفس ويراد بها الذات
قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ (١).
﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ (٢).
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (٣).
﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٤).
ومن النصوص النبوية:
٦٩ - * روى ابن ماجه عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل روقها وأجلها.
٧٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه، وحسابه على الله".
وفي راوية: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله".
стр. 61
٧١ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂، قالت: بعث رسول الله ﷺ إلى عثمان بن مظعون: "أرغبت عن سنتي؟ " فقال: لا، والله يا رسول الله، ولكن سنتك أطلب، قال: "فإني أنام، وأصلي، وأصوم، وأفطر، وأنكح النساء، فاتق الله يا عثمان، فإن لأهلك عليك حقاً، وإن لنفسك عليك حقاًن فصم وأفطر، وصل ونم".
٧٢ - * روى مسلم عن محمد بن عمرو بن عطاء ﵀ قال: سميت ابنتي برة، فقالت لي زينب بنت أبي سلمة: إن رسول الله ﷺ نهى عن هذا الاسم، وسميت برة، فقال رسول الله ﷺ : "لا تزكوا أنفسكم أعلم بأهل البر منكم" فقالوا: بم نسميها؟ فقال: "سموها زينب".
٧٣ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ "ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة، في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة".
٧٤ - * روى البخاري عن عبد الله بن هشام ﵁، قال: كنا مع النبي ﷺ وهو آخذٌ بيد عم بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب من كل شيء، إلا نفسي، فقال النبي ﷺ : "لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك" فقال له عمر: فإنه الآن، [والله] لأنت أحب إلى من نفسي، فقال له النبي ﷺ : "الآن يا عمر".
стр. 62
٧٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله الله : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قال: "يا معشر قريشٍ- أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم، لا أغنى عنكم من الله شيئاً يا بني عبد مناف، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئاً. ويا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئاً. ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئاً".
وفي رواية نحوه (٢)، ولم يذكر فيه "يا بني عبد مناف" وذكر بدله: "بني عبد المطلب".
٧٦ - * روي الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁، وقد سئل: بأي شيء بعثت في الحجة؟ قال: بعثت بأربعٍ: لا يطوفن بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي ﷺ عهد، فهو إلى مدته، ومن لم يكن له عهد، فأجله أربعة أشهرٍ، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنةٌ، ولا يجتمع المشركون والمؤمنون بعد عامهم هذا".
٧٧ - * روي أبو داود عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الشيطان حساسٌ لحاسٌ، فأحذروه على أنفسكم، من بات وفي يده ريح غمرٍ فأصابه شي فلا يلومن إلا نفسه".
стр. 63
٧٨ - * روى أبو داود عن ثوبان ﵁، قال: قال رسول ﷺ : "ثلاث لا تحل لأحد أن يفعلن: لا يؤمن رجل قوماً فيخض نفسه بالدعاء دونهم، فإن فعل فقد خانهم، ولا ينظر في قعر بيت قبل أن يستأذن، فإن فعل فقد خانهم، ولا يصلي وهو حقن، حتى يتخفف".
٧٩ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: صلى النبي ﷺ يوماً، ثم انصرف، فقال: "يا فلان"، ألا تحسن صلاتك؟ ألا ينظر المصلى إذا صلى كيف يصلي؟ فإنما يصلي لنفسه، إني لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي".
٨٠ - * روى أبو داود عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: قال رسول ﷺ : " لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة نيل، فيها عطاء، فيستجيب لكم"
٨١ - * روى مسلم عن أبي ذر الغفاري ﵁، قال: قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكي ثم قال: "يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها".
وفي رواية قال له: "يا أبا ذر، إني آراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيمٍ".
стр. 64
٨٢ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "ليس من نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه سن القتل أولاً".
٨٣ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاثٍ: الثيب الزاني، والنفس والتارك لدينه، المفارق للجماعة".
٨٤ - * روى مسلم عن جابر بن سمرة ﵁، قال: أتي النبي ﷺ برجل قتل نفسه بمشاقص، فلم يصل عليه.
أقول: أجاز الفقهاء الصلاة على من قتل نفسه، ولعل الرسول ﷺ لم يصل عليه زجراً للناس أن يفعلوا مثل فعله.
٨٥ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁، قال: كنا عند رسول الله ﷺ ، فضحك، فقال: "هل تدرون مم أضحك؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "من مخاطبة العبد ربه، فيقول: يارب ألم تجرني من الظلم؟ [قال]: يقول بلى:
стр. 65
فيقول: فإني لا أجيز اليوم على نفسي إلا مني، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً، والكرام الكاتبين شهوداً، قال: فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يخلي بينه وبين الكلام، فيقول: بعدا لكن وسحقاً، فعنكن كنت أناضل".
٨٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "بينما رجلٌ يمشي في حلةٍ تعجبه نفسه، مرجل رأسه، يختال في مشيته إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة".
٨٧ - * روى الترمذي عن حذيفة بن اليمان ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يكن أحدكم إمعةً يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا أن لا تظلموا".
стр. 66
٢ - نصوص في النفس ويراد بها الروح
قال تعالى: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ (١).
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (٢).
﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٣).
٨٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلفة عليه، ثم يقول: باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فأحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين".
في رواية للترمذي (٥): أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قام أحدكم عن فراشه، ثم رجع [إليه] فلينفضه بصنفة ثوبه، ثلاث مرات، وليقل: باسمك ربي وضعت جنبي [إليه] فلينفضه بصنفة بصنفة ثوبه، ثلاث مرات، وليقل: باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه .. " الحديث- وزاد في آخره: "فإذا استيقظ فليقل: الحمد لله الذي عافاني في جسدي ورد علي روحي، وأذن لي بذكره".
٨٩ - * روى الجماعة إلا الترمذي عن عائشة ﵂، أن رجلاً قال لرسول الله ﷺ : أمي أفتلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجرٌ إن تصدقت عنها؟
стр. 67
قال: "نعم".
وفي رواية: افتلتت نفسها ولم ترص ... وذكر نحوه.
٩٠ - * روى النسائي عن عبد الرحمن بن أبي عميرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "ما من نفسٍ مسلمةٍ يقبضها ربها تحب أن ترجع إليكم وأن لها الدنيا وما فيها، غير الشهيد".
قال ابن أبي عميرة: قال رسول الله ﷺ : "لأن أقتل في سبيل الله أحب إليَّ من أن يكون لي أهل الوبر والمدر"
٩١ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "قال الله تعالى: من عادى لي ولياً، فقد آذنته بجرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ من أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطشن بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته، وإن استعاذ بي أعذته، وما ترددت عن شيء أنا فاعله، ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته".
قال الحافظ في الفتح حول هذا الحديث: قال الخطابي: التردد في حق الله غير جائز والبداء عليه في الأمور سائغ. ولكن له تأويلان: أحدهما أن العبد قد يشرف على الهلاك في أيام عمره من داء يصيبه وفاقة تنزل به فيدعو الله فيشفيه منها ويدفع عنه مكروهها، فيكون ذلك من فعله كتردد من يريد أمراً ثم يبدو له فيه فيتركه ويعرض عنه ولابد له من لقائه إذا بلغ الكتاب أجله لأن الله قد كتب الفناء على خلقه واستأثر بالبقاء
стр. 68
لنفسه. والثاني أن يكون معناه ما رددت رسلي في شيء أنا فاعله كترديدي إياهم في نفس المؤمن، كا روي في قصة موسى وما كان من لطمه عين ملك الموت وتردده إليه مرة بعد أخرى، قال: وحقيقة المعنى على الوجهين عطف الله على العبد ولطفه به وشفقته عليه. وقال الكلاباذي ما حاصله إنه عبر عن صفة الفعل بصفة الذات، أي عن الترديد بالتردد، وجعل متعلق الترديد اختلاف أحوال العبد من ضعف ونصب إلى أن تنتقل محبته في الحياة إلى محبته للموت فيقبض على ذلك. قال: وقد يحدث الله في قلب عبده من الرغبة فيما عنده والشوق إليه والمحبة للفائه ما يشتاق معه إلى الموت فضلا عن إزالة الكراهة عنه، فأخبر أنه يكره الموت ويسوؤه ويكره الله مساءته فيزيل عنه كراهية الموت لما يورده عليه من الأحوال، فيأتيه الموت وهو له مؤثر وإليه مشتاق. قال: وقد ورد تفعل بمعنى فعل مثل تفكر وفكر وتدبر ودبر وتهدد وهدد والله أعلم.
وعبر ابن الجوزي عن الثاني بأن التردد للملائكة الذين يقبضون الروح وأضاف الحق ذلك لنفسه لأن ترددهم عن أمره، قال: وهذا التردد ينشأ عن إظهار الكراهة. فإن قيل: إذا أمر الملك بالقبض كيف يقع منه التردد؟ فالجواب أنه يتردد فيما لم يحد له فيه الوقت: كأن يقال لا تقبض روحه إلا إذا رضي. ثم ذكر جواباً ثالثاً وهو احتمال أن يكون معنى التردد اللطف به كأن الملك يؤخر القبض، فإنه إذا نظر إلى قدر المؤمن وعظم المنفعة به لأهل الدنيا احترمه فلم يبسط يده إليه، فإذا ذكر أمر ربه لم يجد بداً من امتثاله. وجواباً رابعاً وهو أن يكون هذا خطاباً لنا بما نعقل والرب منزه عن حقيقته، بل هو من جنس قوله "ومن أتاني يمشي أتيته هرولة" فكما أن أحدنا يريد أن يضرب ولده تأديباً فتمنعه المحبة وتبعثه الشفقة فيتردد بينهما ولو كان غير الوالد كالمعلم لم يتردد بل كان يبادر إلى ضربه لتأديبه فأريد تفهيمنا تحقيق المحبة للولي بذكر التردد، وجوز الكرماني احتمالا آخر وهو أن المراد أنه يقبض روح المؤمن بالتأني والتدريج، بخلاف سائر الأمور فإنها تحصل بمجرد قول كن سريعاً دفعة اهـ.
стр. 69
٩٢ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه".
* * *
٩٣ - * روى البخاري عن ابن عباسٍ ﵂، قال: ما رأيتُ شيئاً أشبه باللمم مما قال أبو هريرة إنَّ النبي ﷺ قال: "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذللث أو يكذبه".
٩٤ - * روى الجاعة إلا الترمذي عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "يفقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقدٍ، يضرب على كل عقدةٍ مكانها، عليك ليلٌ طويلٌ فارقد، فان استيقظ فذكر الله انحلت عقدةٌ، فإن توضأ انحلت عقدةٌ، فإن صلى انحلت عقده كلها، فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان".
٩٥ - * روى مسلم عن زيد بن أرقم ﵁، قال: - وقد سئل عما سمع رسول الله ﷺ يقول: كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجين والبخل والهرم، وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها، ورزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهمَّ إني أعوذ بك من علم لا ينفعُ، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا تُستجاب".
٩٦ - * روى الترمذي عن فضالة بن عبيدٍ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "المجاهد من جاهد نفسه".
стр. 72
٩٧ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵂، أن رسول الله ﷺ رأي امرأة، فأتى امرأته زينب، وهي تمعس منيئة [له]، فقضى حاجته منها، ثم خرج إلى أصحابه، فقال: "إن المرأة تُقبل في صورة شيطان، وتُدبرُ في صورة شيطانٍ، فإذا أبصر أحدُكم امرأة فليأت أهله، فإن ذلك يرد ما في نفسه".
٩٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "ليس الغني عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس".
٩٩ - * روى البخاري ومسلم عن سهل بن حنيف ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقولن أحدكم: خبُثت نفسي، ولكن ليقل: لقست نفسي".
стр. 73
٤ - نصوص في النفس ويراد بها القلب
قال الله تعالى:
﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ (١).
﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ (٢).
﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ (٣).
﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٤).
﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (٥).
من النصوص النبوية:
١٠٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا نودي الصلاة أدبر الشيطان له ضُراط حتى لا يسمع التأذين، حتى إذا قضي التثويب، أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول: اذكر كذا، واذكر كذا، لما لم يكن يذكر من قبل، حتى يظل الرجل ما يدري كم صلى".
١٠١ - * روى أبو داود عن أبي رافع ﵁، قال: بعثني قريش إلى رسول الله ﷺ ، فلما رأيت رسول الله ﷺ ألقي في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله، إني والله لا أرجع إليهم أبداً، فقال رسول الله ﷺ : "إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البرد، ولكن ارجع، فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع". قال: فذهبت، ثم أتيت رسول الله ﷺ ، فأسلمت.
стр. 74
قال أبو داود: وكان أبو رافع قبطياً، قال: وإنما كانوا يردون أول الزمان، وأما الآن فلا يصلح.
١٠٢ - * روى مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من النفاق". قال ابن المبارك فنرى أن ذلك كان على عهد رسول الله ﷺ .
١٠٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إلى شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً اقتربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة".
قال الحافظ في الفتح:
قوله: (ذراعاً تقربت منه باعاً، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة) قال ابن بطال: وصف سبحانه نفسه بأنه يتقرب إلى عبده ووصف العبد بالتقرب إليه ووصفه بالإتيان والهرولة كل ذلك يحتمل الحقيقة والمجاز فحملها على الحقيقة يقتضي قطع المسافات وتداني الأجسام وذلك في حقه تعالى محال، فلما استحالت الحقيقة تعين المجاز لشهرته في كلام العرب، فيكون وصف العبد بالتقرب إليه شبراً وذراعاً وإتيانه ومشيه معناه التقرب إليه بطاعته وأداء مفترضاته ونوافله ويكون تقربه سبحانه من عبده وإتيانه والمشي عبارة عن إثباته على طاعته وتقربه من رحمته، ويكون قوله أتيته هرولة أي أتاه ثوابي مسرعا، وثقل عن
стр. 75
الطبري أنه إنما مثل القليل من الطاعة بالشبر منه والضعف من الكرامة والثواب بالذراع فجعل ذلك دليلاً على مبلغ كرامته لمن أدمن على طاعته أن ثواب عمله له على عمله الضعف وأن الكرامة مجاوزة حده إلى ما يثيبه الله تعالى، وقال ابن التين: القرب هنا نظير ما تقدم في قوله تعالى ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ فإن المراد به قرب التربة وتوفير الكرامة، والهرولة كناية عن سرعة الرحمة إليه ورضا الله عن العبد وتضعيف الأجر، قال: والهرولة ضرب من المشي السريع وهي دون العدو. وقال صاحب المشارق: المراد بما جاء في هذا الحديث سرعة قبول توبة الله للعبد أو تيسير طاعته وتقويته عليه وتمام هدايته وتوفيقه والله أعلم بمراده. ا. هـ.
١٠٤ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت النبي ﷺ يقول "والذي نفسي بيده، لولا أن رجالاً من المؤمنين لا تطيب أنفسهم بأن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سرية. تغزو في سبيل الله، ولوددت أني أقتل في سبيل الله. ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل".
١٠٥ - * روى أبو داود عن معاذ ابن جبل ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة، ومن سأل الله القتل في سبيل الله صادقاً من نفسه، ثم مات أو قتل: كان له أجر شهيد، ومن جرح جرحاً في سبيل الله، أو نكب نكبة، فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها لون الزعفران، وريحها ريح المسك، ومن خرج به خراج في سبيل الله، فإن عليه طابع الشهداء".