وإن من أعجب ما يحقق الإعجاز أن معاني هذا الكتاب الكريم لو ألبست ألفاظاً أخرى من نفس العربية، ما جاءت في نمطها وسمتها والإبلاغ عن ذات المعنى لا في حكم الترجمة، ولو تولى ذلك أبلغ بلغائها ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً؛ فقد ضاقت اللغة عنده على سعتها، حتى ليس فيها لمعانيه غير ألفاظه بأعيانها وتركيبها. ثم تحدث عن غرابة أوضاعه التركيبية:
وذلك أنك حين تنظر في تركيبه لا ترى كيفما أخذت عينُك منه إلا وضعاً غريباً في تأليف الكلمات، وفي مساق العبارة، وبحيث تبادرك غرابته من نفسها وطابعها بما تقطع أن هذا الوضع وهذا التركيب ليس في طبع الإنسان، ولا يمكن أن يتهيأ له ابتداء واختراعاً دون تقديره على وضع يشبهه، أو احتذاء لبعض أمثلة تقابله، لا تحتاج في ذلك إلى اعتبار ولا مقايسةٍ، وليس إلا أن تنظر فتعلم ... ص ٢٤٩.
ويتحدث عن الطريقة النفسية في الطريقة اللسانية: فليس إلا أن تقرأ الآية على العربي أو مَنْ هو في حكمة لغة وبلاغة حتى تذهب نفسه مذهبها لا تني ولا تتخلف ... اهـ ص ٢٦٢.
وهكذا يعرض لنا الرافعي طرفاً من إعجاز القرآن.
وقد شعر كل قارئ عجز الباحثين والمتكلمين عن الوفاء بحق الإعجاز فكان ذلك مظهراً آخر من مظاهر الإعجاز فلا نطيل أكثر من ذلك.
ثالثاً: معجزات القرآن:
ذكرنا أن في القرآن إعجازاً ومعجزات، ومعجزات القرآن لا يمكن حصرها، وكل معجزة من معجزاته كافية لتدل على أنه من عند الله ، ولتدل على أن محمداً كان رسولاً لله لا شك في ذلك ولا ريب، فكيف إذا اجتمع مع معجزات القرآن إعجازه؟! وكيف إذا كانت معجزات القرآن بعضاً من معجزات رسول الله ﷺ ؟! إنك لو تأملت معاني القرآن ونظرت إليها على أنها جاءت بواسطة رجل أمي فإنك تجد من خلال هذه النظرة معجزات لا يمكن
стр. 1507
حصرها، وإذا نظرت إلى المكان الذي وجدت في هذه المعاني وهو جزيرة العرب، رأيت أن كثيراً من هذه المعاني القرآنية تدخل في باب الخوارق، وإذا نظرت إلى الزمان الذي نزل فيه هذا القرآن لوجدت استحالة أن توجد كثير من معاني القرآن في ذلك الزمان كما هي عليه في القرآن ولو تأملت ما حواه القرآن عن ماضي الإنسان لرأيت فيه من الخوارق الكثير، ولو تأملت ما ورد في القرآن مما كشفه النمو العلمي للإنسان لوجدت معجزات كثيرة. ولو أنك تأملت ما يسمى بالعلوم الإنسانية وعرضتها على القرآن لوجدت في ذلك كثيراً من الخوارق، ولو أنك تأملت ما انبثق عن القرآن من علوم تتوسع على مدى الزمان كالفقه مثلاً لرأيت كثيراً من الخوارق تدخل في باب المعجزات.
ولو نظرت إلى العلوم التي انبثقت عن علوم القرآن لرأيت خوارق كثيرة، ولو نظرت إلى قصور الفلسفة في مباحثها الثلاثة: المعرفة والوجد والقيم بالنسبة لهذا القرآن لرأيت خوارق كثيرة.
وهذا بعض ما في القرآن من معجزات فكيف إذا اجتمع لك مع هذا كله الحق والصدق في القرآن كله ودقة الوصف لما يعجز البشر عن أن يقولوا فيه إلا كلاماً متهافتاً وفي الكلام عن الله واليوم الآخر أعظم مثل على ذلك. ولهذا كله فإن الحديث عن معجزات القرآن واسع يحتاج الإنسان لكي يأخذ طرفاً منه أن يقرأ ما قاله المفسرون وأن يقرأ ما قاله المختصون في كثير من العلوم التي تعرض لها القرآن، وقد حاولنا في كتابنا "الأساس في التفسير" أن نعطي القارئ زاداً كثيراً في هذا الشأن، ولكن مع كثرة ما ذكرنا فإنه كُلٌّ من جُلٍّ ومن ذا الذي يحيط بمعجزات هذا القرآن الذي قال الله فيه ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ (٢).
ونحن هنا نقتصر على ضرب أملة مما ذكره السابقون ومما يفتح الله به:
أولاً: في عصرنا وجدت قوتان عظيمتان تتنافسان في الارتقاء في الأسباب، فتحاولان
стр. 1508
أن تتعرفا على قوانين هذا الكون وما فيه لتسخرها في الصراع فيما بين الكتلتين: كتلة الشرق الشيوعي وكتلة الغرب الرأسمالي. ومن مظاهر هذا الصراع: الصراع على الفضاء في عصرنا. فالأقمار الصناعية والمحطات الفضائية وغير ذلك مظهر من مظاهر هذا الصراع، اقرأ قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ (١) فها هنا حديث عن معسكرين يرتقيان في الأسباب وأحد المعسكرين سيكون هو المغلوب، ونحن الآن نشهد بداية هذا الصراع بين المعسكرين.
ثانياً: قال تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ (٢) فهذه الآية تدل على أن الليل هو الذي يطلب النهار وهذا لا يكون إلا إذا كانت الأرض تدور، لأنه لو كانت الشمس - وهي المنبع الضوئي للنهار- هي التي تدور حول الأرض لكان النهار هو الذي يطلب الليل.
ثالثاً: لقد أعطانا القرآن تصوراً عن الزمان والمكان ما كان ليخطر ببال إنسان حتى إذا جاء عصرنا وعرفنا أبعاد النجوم، وعرفنا أن أيام بعض الكواكب والنجوم طويلة جداً، وعرفنا من سعة الكون ما لا يخطر ببال، أدركنا معجزة من معجزات القرآن إذ يقول الله تعالى ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ (٣) وقال: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ (٥).
رابعاً: ومن ذا الذي كان يعرف في جزيرة العرب أن الأرض كروية، انظر إلى قوله تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ (٦). لتجد فيه إشارة إلى هذه الكروية.
стр. 1509
خامساً: من العلوم التي نشأت في العصور المتأخرة وأصبح لها دور كبير في مجالات شتى كإثبات الشخصية وإثبات بعض الجرائم علم البصمات الذي يرتكز على فكرة أن بصمة الإنسان لا تشبه بصمة إنسان آخر، ولهذا صلة بقوله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ (١) البنان هو الذي فيه بصمة الإنسان، فالإشارة إليه معجزة يعرفه من تأمل.
سادساً: وفي عصرنا عرف الإنسان شيئاً كثيراً عن السحاب وأنواع الكهربائية فيه ودور هذه الكهربائية في نزول المطر وانظر إلى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ (٢). فإنك تجد معجزة من معجزات هذا القرآن.
سابعاً: وفي عصرنا عرف الإنسان شيئاً عن أعماق المحيطات وعرف أن هناك أمواجاً ظاهرة وأمواجاً باطنة وانظر إلى قوله تعالى: ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ (٣). لترى معجزة من معجزات هذا القرآن.
ثامناً: وفي عصرنا عرف الإنسان فكرة الضغط الجوي وعرف أن الهواء المحيط في الأرض له قطر ينتهي به، وأن مآل من يصعد إلى السماء أن يختنق في النهاية وانظر إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (٤) لترى معجزة من معجزات هذا القرآن.
تاسعاً: ومن معجزات القرآن ما أخبر عنه القرآن من غيوب ماضية وهي من الدقة بمكان عظيم، فمن المعروف مثلاً أن ما يسمى بالتوراة الحالية تتحدث عن غرق فرعون فقط والحفريات الحديثة أوجدت جثث كل منْ هو مظنة أن يكون فرعون موسى، والقرآن يذكر الغرق ويذكر نجاة البدن. قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ (٥). وقد ثبت في حفريات بين النهرين أن البشر كانوا يعمرون أكثر من ألف سنة
стр. 1510
كما نقلنا ذلك في تفسيرنا وفي قسم العقائد من هذا الكتاب، والقرآن يقول عن نوح ﵇: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ (١) والقرآن يحدثنا أنه ترك سفينة نوح آية ولا يزال البحث قائماً على قدم وساق على جبل أرارات لأن الأقمار الصناعية وجدت على ظهر هذا الجبل ما مظنة أن يكون بقايا سفينة.
عاشراً: تحدث القرآن عن غيوب في عصر رسول الله ﷺ وظهر صدق ذلك ومن أظهر هذا النوع من المعجزات ما أخبر عنه القرآن الكريم من أن الروم سيغلبون فارس بعد أن غلبوا وقد كان ذلك. ومن ذلك إخبار الله رسوله عن حفظه من الناس بقوله ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٢) وقد كان ذلك فلم يستطع أحد أن يقتل رسول الله ﷺ على كثرة الراغبين في ذلك.
ومن ذلك إخبار الله رسوله عن انتصار الإسلام في كثير من الآيات وقد كان ذلك وهذا النوع من الإخبار بالغيوب المستقبلية كثير في القرآن وفي كل من ذلك معجزة من معجزات القرآن.
حادي عشرك ولقد شارك اليهود والمصريون في عبادة أوزيرس الذي ينطق به الغربيون عوزر، وكان قدماء المصريين يعتقدون أن ابن الله وذهب بعض المفسرين إلى أن هذا والمراد بقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ (٣).
ثاني عشر: والاستيعاب لمعجزات القرآن مستحيل وإنما ضربنا لك أمثلة لتعرف معنى ما ذكرناه من أن في القرآن إعجازاً وتعرف أنه مع كرامة الله لرسوله ﷺ بأن أظهر على يده من المعجزات الحسية أكثر مما أظهره على يد الرسل السابقين ومع ذلك فقد خصه بهذا القرآن المعجز الذي فيه مالا يحصى من المعجزات ليكون حجة الله على البشر إلى قيام الساعة بأن محمداً رسول الله وأن القرآن من عند الله.
стр. 1511
قال صاحب مناهل العرفان:
وهنا نلفت النظر إلى أن القرآن بما اشتمل عليه من هذه المعجزات الكثيرة قد كتب له الخلود، فلم يذهب بذهاب الأيام، ولم يمت بموت الرسول ﵊. بل هو قائم في فم الدنيا يحاج كل مكذب، ويتحدى كل منكر ويدعو أمم العالم جمعاء إلى ما فيه من هداية الإسلام وسعادة بني الإنسان. ومن هذا يظهر الفرق جلياً بين معجزات نبي الإسلام ﷺ ومعجزات إخوانه الأنبياء عليهم أزكى الصلاة وأتم السلام فمعجزات محمد في القرآن وحده آلاف مؤلفة، وهي متمتعة بالبقاء إلى اليوم وإلى ما بعد اليوم حتى يرث الله الأرض ومن عليها. أما معجزات سائر الرسل فمحدودة العدد، قصيرة الأمد، ذهبت بذهاب زمانهم، وماتت بموتهم، ومنْ يطلبها الآن لا يجدها إلا في خبر كان ولا يسلم له شاهدٌ بها إلا هذا القرآن، وتلك نعمة يمنها القرآن على سائر الكتب والرسل وما صح من الأديان كافة. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ وقال عز اسمه ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ ا. هـ
وبعد فقد قال الله : ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١).
فالقرآن الكريم لمن عقل لا شك فيه أنه من عند الله ، وهذه مقدمة نتيجتها أن يهتدي الإنسان بالقرآن في أمره كله، وإنما تحدثنا عن أسلوب القرآن وإعجازه ومعجزاته لنصل إلى هذه النتيجة وهو أن نجعل القرآن الكريم هدانا في كل شيء، وهذا يقتضي تلاوة وفهماً وعلماً وعملاً، ونحن وإن كنا قد أجّلنا في هذه المقدمة الكلام عن هداية القرآن إلا أننا نجتزئ هنا بذكر شيء مما كتبه السيوطي في الإتقان تحت عنوان: (في العلوم المستنبطة من القرآن) وذلك للتذكير بالمراد الأول من إنزال هذا القرآن وهو الاهتداء به:
قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وقال ﷺ "ستكون فتن، قيل: وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله،
стр. 1512
فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم" أخرجه الترمذي وغيره. وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود قال: من أراد العلم فعليه بالقرآن، فإن فيه خبر الأولين والآخرين. قال البيهقي: يعني أصول العلم.
وقال الإمام الشافعي ﵁: جميع ما تقوله الأمة شرح للسنة، وجميع السنة شرح للقرآن وقال أيضاً: جميع ما حكم به النبي ﷺ فهو مما فهمه من القرآن. قلت: ويؤيد هذا قوله ﷺ "إن لا أحل إلا ما أحل الله، ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه" أخرجه بهذا اللفظ الشافعي في الأم. وقال سعيد بن جبير: ما بلغني حديث عن رسول الله ﷺ على وجهه إلا وجدت مصداقه في كتاب الله. وقال ابن مسعود. إذا حدثتكم بحديث أنبؤكم بتصديقه من كتاب الله تعالى. أخرجهما ابن أبي حاتم. وقال الشافعي أيضاً: ليست تنزل بأحد في الدين نازلة إلا في كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها. فإن قيل: من الأحكام ما يثبت ابتداء بالسنة. قلنا: ذلك مأخوذ من كتاب الله في الحقيقة، لأن كتاب الله أوجب علينا اتباع الرسول ﷺ وفرض علينا الأخذ بقوله.
وقال ابن برهان: ما قال النبي ﷺ من شيء فهو في القرآن أو فيه أصله قرب أو بعد، ففهمه من فهمه وعم عنه من عمه، وكذا كل ما حكم به أو قضى به، وإنما يدرك الطالب من ذلك بقدر اجتهاده وبذل وسعه ومقدار فهمه.
وقال ابن أبي الفضل المرسي في تفسيره: جمع القرآن علوم الأولين والآخرين بحيث لم يحط بها علماً حقيقة إلا المتكلم بها، ثم رسل الله ﷺ خلا ما استأثر به ، ثم ورث عنه معظم ذلك سادات الصحابة وأعلامهم مثل الخلفاء الأربعة وابن مسعود وابن عباس حتى قال: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله تعالى، ثم ورث عنهم التابعون بإحسان، ثم تقاصرت الهمم وفترت العزائم تضاءل أهل العلم وضعفوا عن حمل ما حمله الصحابة والتابعون من علومه وسائر فنونه، فنوعوا علومه وقامت كل طائفة بفن من فنونه، فاعتنى قوم بضبط لغاته وتحرير كلماته ومعرفة مخارج حروفه وعددها وعدد كلماته وآياته وسوره وأحزابه وأنصافه وأرباعه وعدد سجداته والتعليم عند كل عشر آيات، إلى غير ذلك من حصر الكلمات المتشابهة والآيات المتماثلة من غير تعرض لمعانيه ولا تدبر لما أودع فيه، فسموا القراء واعتنى النحاة بالمعرب منه والمبني من الأسماء والأفعال والحروف العاملة
стр. 1513
وغيرها، وأوسعوا الكلام في الأسماء وتوابعها وضروب الأفعال واللازم والمتعدي ورسوم خط الكلمات وجميع ما يتعلق به، حتى إن بعضهم أعرب مشكله وبعضهم أعربه كلمة كلمة، واعتنى المفسرون بألفاظه فوجدوا منه لفظاً يدل على معنى واحد ولفظاً يدل على معنيين ولفظاً يدل على أكثر، فأجروا الأول على حكمه وأوضحوا معنى الخفي منه، وخاضوا في ترجيح أحد محتملات ذي المعنيين والمعاني، وأعمل كل منهم فكره وقال بما اقتضاه نظره، واعتنى الأصوليون بما فيه من الأدلة العقلية والشواهد الأصلية والنظرية مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة، فاستنبطوا منه أدلة على وحدانية الله ووجوده وبقائه وقدمه وقدرته وعلمه وتنزيهه عما لا يليق به، وسموا هذا العلم بأصول الدين. وتأملت طائفة منهم معاني خطابه فرأت منها ما يقتضي العموم ومنها ما يقتضي الخصوص إلى غير ذلك، فاستنطبوا منه أحكام اللغة من الحقيقة والمجاز، وتكلموا في التخصيص والإخبار والنص والظاهر والمجمل والمحكم والمتشابه والأمر والنهي والنسخ إلى غير ذلك من أنواع الأقيسة واستصحاب الحال والاستقراء، وسموا هذا الفن أصول الفقه. وأحكمت طائفة صحيح النظر وصادق الفكر فيما فيه من الحلال والحرام وسائر الأحكام، فأسسوا أصوله وفرعوا فروعه، وبسطوا القول في ذلك بسطاً حسناً، وسموه بعلم الفروع وبالفقه أيضاً. وتلمحت طائفة ما فيه من قصص القرون السالفة والمم الخالية ونقلوا أخبارهم ودونوا آثارهم ووقائعهم حتى ذكروا بدء الدنيا وأول الأشياء، وسموا ذلك بالتاريخ والقصص. وتنبه آخرون لما فيه من الحكم والأمثال والمواعظ التي تقلقل قلوب الرجال وتكاد تدكدك الجبال، فاستنبطوا مما فيه من الوعد والوعيد والتحذير والتبشير وذكر الموت والمعاد والنشر والحشر والحساب والعقاب والجنة والنار فصولاً من المواعظ وأصولاً من الزواجر، فسموا بذلك الخطباء والوعاظ. واستنبط قوم مما فيه من أصول التعبير مثل ما ورد في قصة يوسف في البقرات السمان وفي منامي صاحبي السجن وفي رؤياه الشمس والقمر والنجوم ساجدة، وسموه تعبير الرؤيا، واستنبطوا تفسير كل رؤيا من الكتاب، فإن عز عليم إخراجها منه فمن السنة التي هي شارحة للكتاب، فإن عسر فمن الحكم والأمثال. ثم نظروا إلى اصطلاح العوام في مخاطباتهم وعرف عادتهم الذي أشار إليه القرآن بقوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وأخذ قوم مما في آية المواريث من ذكر السهام وأربابها وغير ذلك علم الفرائض،
стр. 1514
فاستنبطوا منها من ذكر النصف والثلث والربع والسدس والثمن حساب الفرائض ومسائل العول، واستخرجوا منه أحكام الوصايا. ونظر قوم إلى ما فيه من الآيات الدالات على الحكم الباهرة في الليل والنهار والشمس والقمر ومنازله والنجوم والبروج وغير ذلك فاستخرجوا منه علم المواقيت. ونظر الكتاب والشعراء إلى ما فيه من جزالة اللفظ وبديع النظم وحسن السياق المبادي والمقاطع والمخالص والتلوين في الخطاب والإطناب والإيجاز وغير ذلك واستنبطوا منه المعاني والبيان والبديع.
وقد احتوى على علوم أخرى من علوم الأوائل وأم علوم القرآن ثلاثة: توحيد، وتذكير، وأحكام. فالتوحيد يدخل فيه معرفة المخلوقات ومعرفة الخالق بأسمائه وصفاته وأفعاله، والتذكير منه الوعد والوعيد والجنة والنار وتصفية الظاهر والباطن. والأحكام منها التكاليف كلها وتبيين المنافع والمضار والأمر والنهي والندب، ولذلك كانت الفاتحة أم القرآن لأن فيها الأقسام الثلاثة، وسورة الإخلاص ثلثه لاشتمالها على أحد الأقسام الثلاثة وهو التوحيد. وقال ابن جرير: القرآن يشتمل على ثلاثة أشياء: التوحيد، والأخبار، والديانات، ولهذا كانت سورة الإخلاص ثلثه لأنها تشمل التوحيد كله. وقال علي بن عيسى: القرآن يشتمل على ثلاثين شيئاً: الإعلام والتشبيه والأمر والنهي والوعد والوعيد ووصف الجنة والنار وتعليم الإقرار باسم الله وبصفاته وأفعاله وتعليم الاعتراف بإنعامه والاحتجاج على المخالفين والرد على الملحدين والبيان عن الرغبة والرهبة والخير والشر والحسن والقبيح ونعت الحكمة وفضل المعرفة ومدح الأبرار وذم الفجار والتسليم التحسين والتوكيد التقريع والبيان عن ذم الأخلاق وشرف الآداب. قال شيدلة: وعلى التحقيق أن تلك الثلاثة التي قالها ابن جرير تشمل هذه كلها بل أضعافها، فإن القرآن لا يستدرك ولا تحصى عجائبه.
وقال الشيخ العز بن عبد السلام:
وقد نوع الشارع في ذلك أنواعاً كثيرة ترغيباً لعباده وترهيباً وتقريباً إلى أفهامهم: فكل فعل عظمه الشرع أو مدحه أو مدح فاعله لأجله أو أحبه أو أحب فاعله أو رضي به أو رضي عن فاعله أو وصفه بالاستقامة أو البركة أو الطيب أو أقسم به أو بفاعله كالإقسام
стр. 1515
بالشفع والوتر وبخيل المجاهدين وبالنفس اللوامة، أو نصبه سبباً لذكره لعبده أو لمحبته أو لثواب عاجل أو آجل أو لشكره له أو لهدايته إياه أو لإرضاء فاعله أو لمغفرة ذنبه وتكفير سيئاته أو لقبوله أو لنصرة فاعله أو بشارته أو وصف فاعله بالطيب أو وصف الفعل بكونه معروفاً أو نفي الحزن والخوف عن فاعله أو وعده بالأمن، أو نصب سبباً لولايته أو أخبر عن دعاء الرسول بحصوله أو وصفه بكونه قربة أو بصفة مدح كالحياة والنور والشفاء، فهو دليل على مشروعيته المشتركة بين الوجوب والندب، وكل فعل طلب الشارع تركه أو ذمه أو ذم فاعله أو عتب عليه أو مقت فاعله أو لعنه أو نفي محبته أو محبة فاعله أو الرضى به أو عن فاعله أو شبه فاعله بالبهائم أو بالشياطين أو جعله مانعاً من الهدى أو من القبول أو وصفه بسوء أو كراهة أو استعاذ الأنبياء منه أو أبغضوه أو جعل سبباً لنفي الفلاح أو لعذاب عاجل أو آجل أو لذم أو لوم أو ضلالة أو معصية أو وصف بخبث أو رجس أو نجس أو بكونه فسقاً أو إثماً أو سبباً لإثم أو رجس أو لعن أو غضب أو زوال نعمة أو حلول نقمة أو حد من الحدود أو قسوة أو خزي أو ارتهان نفس أو لعداوة الله ومحاربته أو لاستهزائه أو سخريته أو جعله الله سبباً لنسيان فاعله أو وصفه نفسه بالصبر عليه أو بالحلم أو بالصفح عنه أو دعا إلى التوبة منه أو وصف فاعله بخبث أو احتقار أو نسبه إلى عمل الشيطان أو تزيينه، أو تولي الشيطان لفاعله، أو وصفه بصفة ذم ككونه ظلماً أو بغياً أو عداناً أو إثماً أو مرضاً، أو تبرأ الأنبياء منه أو من فاعله، أو شكوا إلى الله من فاعله أو جاهدوا فاعله بالعداوة أو نهوا عن الأسى والحزن عليه أو نصب سبباً لخيبة فاعله عاجلاً أو آجلاً، أو رتب عليه حرمان الجنة وما فيها، أو وصف فاعله بأنه عدو لله أو بأن الله عدوه أو أعلم فاعله بحرب من الله ورسوله، أو حمل فاعله إثم غيره، أو قيل فيه لا ينبغي هذا أو لاتكون أوامره بالتقوى عند السؤال عنه، أو أمر بفعل مضاده أو بهجر فاعله، أو تلاعن فاعلوه في الآخرة، أو تبرأ بعضهم من بعض، أو دعا بعضهم على بعض، أو وصف فاعله بالضلالة وأنه ليس من الله في شيء، أو ليس من الرسول وأصحابه، أو جعل اجتنابه سبباً للفلاح، أو جعله سبباً لإيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين، أو قيل هل أنت منته، أو نهى الأنبياء عن الدعاء لفاعله، أو رتب عليه إبعاداً أو طرداً، أو لفظة قتل من فعله أو قاتله الله، أو أخبر أن فاعله لا يكلمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه ولايزكيه ولا يصلح
стр. 1516
عمله ولا يهدي كيده أو لا يفلح، أو قيض له الشيطان أو جعل سبباً لإزاغة قلب فاعله أو صرفه عن آيات الله وسؤاله عن علة الفعل، فهو دليل على المنع من الفعل، ودلالته على التحريم أظهر من دلالته على مجرد الكراهة، وتستفاد الإباحة من لفظ الإحلال ونفي الجناح والحرج والإثم والمؤاخذة، ومن الإذن فيه والعفو عنه، ومن الامتنان بما في الأعيان من المنافع، ومن السكوت عن التحريم، ومن الإنكار على من حرم الشيء من الإخبار بأنه خلق أو جعل لنا، والإخبار عن فعل من قبلنا غير ذامّ لهم عليه، فإن اقترن بإخباره مدح دل على مشروعيته وجوباً أو استحباباً اهـ كلام الشيخ العز بن عبد السلام.
стр. 1517
الباب الأول
في فضل القرآن والإقبال على تلاوته وفي بعض الآداب والأحكام
فيه بعض ما خص بالذكر من آياته وسوره
وفيه فقرات
* الفقرة الأولى: في فضل القرآن وفي الإقبال عليه وتلاوته.
* الفقرة الثانية: في بعض الآداب والأحكام المتعلقة بالقرآن.
* الفقرة الثالثة: في بعض ما خصَّ بالذكر من آياته وسوره.
стр. 1518
المقدمة
القرآن هو كتاب الإسلام وهو الأصل الذي ينبثق عنه كل ما سواه وهو الحاكم على كل ما عداه وه كلام الله الذي لم يشب ولم يخالط وهو معجزة الرسول ﷺ العظمى بإعجازه ومعجزاته، والتركيز عليه هو الأصل الأصيل، فهو سنة المصطفى ﵊ وسنة أصحابه ولذلك منع رسول الله ﷺ أن يُكتب عنه إلا القرآن ابتداءً ثم أذن، وكان عمر يوصي الجيوش ألا يشغلوا الناس عن القرآن بشيء فيأمرهم بالإقلال من الرواية عن رسول الله ﷺ كما ذكر ذلك الدارمي، فالقرآن له وضع متميز، ولذلك فإن المسلم يعطي الأهمية الكبرى من نفسه وحياته دراسة وتلاوة وفهماً وعلماً، فهو متواتر بلفظه ومعناه وهو معجز وفيه معجزات، والسنة بالنسبة له شارحة فدورها دور المفصِّل قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١) فالقرآن هو الذي يثير التفكير والرسول ﷺ فصل بسنته القولية والعملية هذا القرآن فما من شيء في السنة إلا ويرجع بشكل ما إلى القرآن، فمن اشتغل في القرآن لم يفته شيء من الهداية الربانية ولكنه لا يستغني عن السنة لضبط الفهم وتفسير النصوص والقيام بالمطلوب وعن الكتاب والسنة ينبثق الفقهان الكبير والأكبر على ضوء القواعد الصحيحة التي تضبط الاستنباط.
ولكن الكتاب يبقى هو الأصل الأصيل والحاكم الأول والنهائي والحجة على الخلق جميعاً.
وقد غلط أصناف من الخلق في شأن القرآن:
غلط من أهمله وأقبل على علوم أخرى.
وغلط من لم يعط العلوم التي يحتاجها بيانه وفهمه وما انبثق عنه وغلط من حاول أن يسوي بينه وبين غيره كهؤلاء الذين يحاولون ألا يجعلوا فارقاً في قوة الإلزام بين نص القرآن وحديث الآحاد.
ولذلك قامت معارك بسبب كثير من تفصيلات هذه الشؤون، والربانيون من هذه
стр. 1519
الأمة يجعلون محل تركيزهم الأول هو القرآن ثم السنة.
﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (١).
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (٢).
ولابد من إرجاع الأمر إلى نصابه بإعطاء كتاب الله الاهتمام الأول، ثم السنة لأنها تفصيل الكتاب ثم يأتي بعد ذلك ما يلزم لخدمتهما أو لدراسة ما انبثق عنهما.
وفي الجملة فإن مما ينبغي أن يدخل في الدائرة الأولى لاهتمامات المسلمين:
أولاً: أن يتقن المسلم تلاوة القرآن على ضوء الأحكام المستقرأة لقراءة من القراءات المتواترة، وهذا يقتضي دراسة لكتاب في أحكام الترتيل، وقراءة ختمة أو أكثر على يد القراء الذين تلقنوا هذا القرآن تلقناً وأتقنوه.
ثانياً: أن يكون للمسلم ورده اليومي من تلاوة القرآن بقدر استطاعته.
ثالثاً: أن يبذل المسلم جهداً في حفظ ما أمكنه من كتاب الله وليكن هدفه أن يحفظ القرآن كله.
رابعاً: أن يعرف ما يلزم قارئ القرآن في المصحف أو عن ظهر قلب من آداب.
خامساً: أن يكون له إلمام بعلوم القرآن كل بقدر طاقته وما يتسع له وقته، وعلوم القرآن منها النقلية كعلم أسباب النزول والناسخ والمنسوخ ومنها البياني الذي له علاقة بعلوم اللغة العربية ومنها الموضوعات المتميزة التي انبثقت عن القرآن أو اقتضاها جمع موضوعاته الواحدة في كتاب واحد كإعجاز القرآن وأمثال القرآن، وأحكام القرآن، والأخلاق في القرآن، متشابه القرآن إلى غير ذلك.
سادساً: ومن أهم ما ينبغي الاهتمام به علم القراءات المتواترة، فذلك علم يفترض كفاية
стр. 1520
على المسلمين أن يتقنوه وأن يورثوه.
سابعاً: وفي العادة فإن علوم القرآن وعلم القراءات ينصب في النهاية في تفاسير القرآن الكريم، وكثير من المفسرين أدخلوا في تفاسيرهم كل شيء لأن القرآن تعرض لكل شيء فتجد بعض المفسرين يدخل في التفسير علوم القرآن النقلية والعلوم البيانية والمكتبة القرآنية، وبعض التفاسير تميز بخصوصية والمسلم لابد أن يكون له اهتمام بالتفسير وعليه أن يتخير من التفاسير ما يلائم التخصص أو العصر.
ثامناً: وينبغي أن يدخل في اهتمامات المسلم التعرف على المكتبة القرآنية التي يدخل فيها كل ما مر ويدخل فيها سواه كإعراب القرآن، والتصوير الفني في القرآن. وسيمر معنا ذكر لكثير مما يدخل في المكتبة القرآنية مما ينبغي أن يكون للمسلمين اهتمام فيه. وقد خصصنا هذا الباب لذكر بعض النصوص الحديثية التي تنسجم مع عنوانه وختمناه بمسائل وفوائد تتعلق ببعض الأحكام والآداب.
وإلى نصوص هذا الباب.
стр. 1521
الفقرة الأولى
في فضل القرآن والإقبال عليه وتلاوته
- فضل من يحمل شيئاً من القرآن ويقرؤه ويحافظ عليه والاجتماع على تلاوته:
٢٣٣٨ - * روى الطبراني عن أبي الأحوصِ قال: قال ابن مسعود ﵁: "هذا القرآن مأدُبةُ الله فمن استطاع أن يتعلم منه شيئاً فليفعلْ فإن أصغر البيوتِ من الخيرِ الذي ليس فيه من كتاب الله شيء وإن البيت الذي ليس فهي من كتاب الله شيءٌ كخراب البيت الذي لا عامر له، وإن الشيطان يخرجُ من البيت يسمعُ فيه سورة البقرة".
أقول: تشبيه القرآن بالمأدبة إشارة إلى أن في هذا القرآن غذاء العقل وفاكهته كما أنه غذاء للقلب والروح وفاكهة لهما، فالذين لا يجدون في القرآن الغذاء الشامل الكامل للعقل والقلب والروح مع قراءتهم إياه حظهم من القرآن ضئيل وقلوبهم مريضة، فليكثروا التلاوة والتأمل والتدبر والتفاعل مع هذا القرآن.
٢٣٣٩ - * روى الطبراني عن ابن مسعودٍ قال: "لكل شيءٍ سنامٌ وسنامُ القرآن سورةُ البقرة وإن لكل شيء لباباً وإن لباب القرآن المفصَّلُ، وإن الشياطين لتخرجُ من البيت الذي يُقرأ فيه سورةُ البقرة وإن أصغر البيوت للجوف الذي ليس فيه من كتاب الله شيء".
قوله: (وإن أصغر البيوت للجوف الذي ليس فيه من كتاب الله شيء) يدل على أن عمارة القلب منوطة بحفظ القرآن، وبقدر الحفظ مع سلامة القلب من الضلالة والبدعة تكون عمارة القلب.
والرواية التالية تؤكد ذلك:
стр. 1522
٢٣٤٠ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخَرِبِ".
٢٣٤١ - * روى أبو داود عن أبي هريرة (رض الله عنه) أن رسول الله ﷺ قال: "ما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيُوتِ الله ﵎ يتْلُون كتاب الله ، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينةُ، وغشيتْهم الرحمةُ، وحَفَّتْهم الملائكةُ، وذكرهم الله فمين عنده".
أقول: إن من آثار تنزل السكينة زيادة الإيمان قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (١) وهذه واحدة مما يكرم الله بها المجتمعين على تلاوة القرآن ومدارسته، فانظر إلى فضل الاجتماع على القرآن، وقد وردت نصوص تحمل على الاجتماع على أنواع أخرى من الخير فاحرص على الجمعة والجماعة والاجتماع على الخير.
٢٣٤٢ - * روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنةٌ، والحسنةُ بعشر أمثالها، لا أقول: "الم" حرفٌ، ولكن "ألفٌ" حرف، و"لامٌ" حرفٌ، و"ميمٌ" حرف".
стр. 1523
٢٣٤٣ - * روى أحمد عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: كنتُ جالساً عند النبي ﷺ ، فسمعتُه يقول: "تعلمُوا سورة البقرة، فإن أخذها بركةٌ وتركها حسرةٌ، ولا تستطيعها البطلةُ، ثم سكت ساعةً. ثم قال: تعلموا سورة البقرة، وآل عمران، فإنهما الزهْرَوان، وإنهما تُظلان صاحبهما يوم القيامة، كأنهما غمامتان، أو غيايتان أو فرقان من طير صوافَّ، وإنَّ القُرآن يلقي صاحبهُ يوم القيامة حين ينشقُّ عنه القبرُ، كالرجُل الشاحب، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك. فيقول: أنا صاحبُك القرآن، الذي أظمْتُك في الهواجِر، وأسهرتُ ليلك، وإن كُلَّ تاجر من وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كل تجارة، فيُعطى المُلْك بيمينه، والخُلْدَ بشماله، ويوُضع على رأسه تاجُ الوقارِ، ويُكسى والداهُ حُلَّتيْن لا يُقَوَّمُ لهما الدُّنْيا، فيقولان: بم كُسينا هذا؟ ويُقالُ لهما: بأخذِ ولدكُما القرآن، ثم يُقال له: اقرأْ واصعدْ في درج الجنة وغُرفِهَا، فهو في صعُودٍ ما دام يقرأُ هذاًّ كان أو ترتيلا".
٢٣٤٤ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "الماهِرُ بالقرآن مع السَّفرةِ الكرامِ البررةِ، والذي يقرأ القرآن ويتتَعْتَعُ فيه وهو
стр. 1524
عليه شاقٌّ، له أجران".
وفي رواية أبي داود (١) والترمذي (٢): "الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به الحديث" وليس فيه لفظة "يتتعتع" وقال أبو داود "وهو يشتد عليه".
أقول: المقام الأرقى للأول الذي هو الماهر في القرآن، وكون الثاني له أجران لما يبذل في القرآن من جهد لا يقدم صاحبه على الأول في مقامه العالي الذي من آثاره استحقاقه الكينونة مع الملائكة.
٢٣٤٥ - * روى الجماعة عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مثلُ المؤمنِ الذي يقرأُ القرآن مثلُ الأتْرُجَّةِ، ريحُها طيبٌ، وطعمُها طيبٌ، ومثلُ المؤمن الذي لا يقرأُ القرآن مثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلوٌ، ومثلُ المنافق الذي يقرأ القرآن مثلُ الريحانة، ريحها طيبٌ، وطعمها مُرٌّ، ومثلُ المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، لا ريح لها، وطعمها مُرٌّ".
وفي رواية (٣): "ومثلُ الفاجرِ" في الموضعين.
٢٣٤٦ - * روى أبو داود عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مثلُ المؤمن الذي يقرأُ القرآن، مثلُ الأُتْرُجّة، ريحها طيبٌ، وطمعُها
стр. 1525
طيبٌ، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن، مثل التمرةِ، طعمُها طيبٌ، ولا ريح لها، ومثلُ الفاجر الذي يقرأ القرآن، كمثل الريحانة، ريحها طيبٌ، وطعمها مُر، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن، كمثل الحنظَلةِ، طعمُها مُرّ، ولا ريح لها، ومثل جليس الصالح، كمثل صاحب المسك، إن لم يُصِبْك منه شيء، أصابك من ريحه، ومثلُ جليس السوء، كمثل صاحب الكير، إن لم يصبْك منه سواده أصابك من دُخانه".
٢٣٤٧ - * روى مسلم عن عامر بن واثلة ﵀ "أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بعُسْفان، وكان عمر استعمله على أهل مكة، فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ قال: ابن أبْزَى، قال: ومنِ ابنُ أبْزَى؟ قال: مولى من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله ، وإن عالمٌ بالفرائض، قال عمر: أما إن نبيكم ﷺ قد قال: إن الله يرفعُ بهذا الكتابِ أقواماً، ويضعُ به آخرين".
أقول: الفرائض في النص تحتمل علم المواريث وهذا يشير إلى أهميته وتحمل العلم بالتكليف.
لقد أنكر عمر ﵁ على عامله أن يستخلف على أهل مكة مولى من الموالي لأن العرب تأنف أني ليها إلا منها، فيترتب على ما فعل فتنة كما أن ذلك يتنافى مع أدب مراعاة الرأي العام في المباح وهو من السياسات النبوية، فلما علل له ذلك بأن العلم والقرآن هما اللذان قدماه، رضي عمر، وفي ذلك إشارة إلى أن للعلم محله في التقديم، وهذا أمر يلاحظ، ولذلك جعلنا في بعض كتبنا معيار التقدم والتأخر في العمل الإسلامي المعاصر: الثقافة الإسلامية والخصائص والالتزام.
٢٣٤٨ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أيُحبُّ أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد ثلاث خلفاتٍ عظامٍ سمانٍ؟ قلنا (١):
стр. 1526
نعم، قال: فثلاث آياتٍ يقرأ بهن أحدُكم في صلاةٍ خيرٌ له من ثلاثِ خلفاتٍ عظامٍ سمانٍ".
٢٣٤٩ - * روى مسلم عن عقبة بن عامرٍ ﵁ قال: "خرج رسول الله ﷺ ونحن في الصُّفَّة، فقال: أيُّكم يحبُّ أن يغدُو كل يوم إلى بُطحان - أو قال: إلى العقيق -فيأتي منه بناقتين كوماويْنِ في غير إثمٍ ولا قطيعة رحمٍ؟ فقلنا: [يا رسول الله] نحبُّ ذلك، قال: أفلا يعدو أحدُكم إلى المسجد، فيعْلَمَ - أو يقرأ - آيتين من كتاب الله خيرٌ له من ناقتين، وثلاثٌ [خير له من ثلاثٍ]، وأربعٌ خير له من أربعٍ، ومن أعدادِهنَّ من الإبل".
وفي رواية أبي داود (١) قال مثله إلى "كوماوَين" ثم قال: "زهراويْن بغير إثم بالله ولا قطع رحم؟ قالوا: كُلُّنا يا رسول الله، قال: فلأنْ يغدو أحدكم كل يوم إلى المسجد، فيتعلَّم آيتين من كتاب الله ، خيرٌ له من ناقتين، وإنْ ثلاثٌ فثلاثٌ، مثلُ أعدادِهنَّ من الإبل".
٢٣٥٠ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا حسد إلا في اثنتين: رجلٌ آتاهُ الله القرآن فهو يتلُوهُ آناء الليل والنهار فسمعهُ جارٌ له، فقال: ليتني أوتيتُ مثل ما أُوتيَ فلانٌ فعملتُ مثل ما عملُ، ورجلٌ آتاه الله مالاً فهو ينفقه في حقه، فقال رجل: ليتني أوتيتُ مثل ما أُوتي فلانٌ، فعملتُ مثل ما يعملُ".
стр. 1527
٢٣٥١ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يجيء صاحب القرآن يوم القيامة، فيقول (أي القرآن): يا رب حلِّه، فيُلبسُ تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب زدْه، فيُلْبَس حُلّة الكرامة، ثم يقول: يا رب أرض عنه، فيقول: رضيتُ عنه، فيُقال له: اقرأ وارْقَ، ويُعطى بكل آيةٍ حسنةً".
٢٣٥٢ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "يُقال لصاحب القرآن: اقرأْ وارْق ورتِّلْ كما كنت ترتِّلُ في دار الدنيا، فإن منزلك عند آخرِ آيةٍ تقرأُ بها".
٢٣٥٣ - * روى أحمد عن أبي هريرة - أو عن أبي سعيدٍ شكَّ الأعمشُ- قال: "يقال لصاحب القرآن يوم القيامة اقرأ وارقه فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها".
- فضل تعلم القرآن وتعليمه:
٢٣٥٤ - * روى البخاري عن عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "خيركُمْ من تعلم القرآن وعلمَهُ" (١).
стр. 1528
٢٣٥٥ - * روى الطبراني عن أبي أمامة: "أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله اشتريت مقسِمَ بني فلان فربحت في كذا وكذا قال: ألا أنبئك بما هو أكثرُ منه ربحاً قال: وهل يوجد؟ قال: رجلٌ تعلم عشر آيات، فذهب الرجل فتعلم عشر آياتٍ فأتى النبي ﷺ فأخبره".
- في وجوب تعهد القرآن وعدم الغفلة عنه:
٢٣٥٦ - * روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تعاهدُوا هذا القرآن، فوالذي نفسُ محمدٍ بيده، لهُوَ أشدُّ تفَلُّتاً من الإبل في عُقُلِها".
٢٣٥٧ - * روى أحمد عن عقبة بن عامرٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "تعلموا كتاب الله وتعادوه وتغنوا به فوالذي نفسي بيده لهو أشدُّ تَفَلُّتاً من النَّعَمِ في العُقُلِ".
٢٣٥٨ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنما مَثَلُ صاحبِ القرآن كمثلِ صاحب الإبل المُعَقَّلَةِ، إنْ عاهد عليها أمْسكَها، وإنْ أطْلَقَها ذهبتْ" (١).
стр. 1529
وزاد مسلم في رواية أخرى (١): "وإذا قام صاحبُ القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكرهُ، وإنْ لم يقم به نسيهُ".
أقول: القرآن عزيز كما وصفه الله : ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ (٢) فهو لا يبقى في صدر صاحبه مع إهماله إياه وكان أحد شيوخنا يقول: إن القرآن يحن إلى صاحبه فإذا عاود صاحبه التلاوة والإقبال عليه عاد إليه.
٢٣٥٩ - * روى الجماعة عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بئسما لأحدهِمْ أن يقول: نسيتُ آية كيت وكيت، بل هو نُسِّيَ، واستذكروا القرآن، فإنه أشدُّ تفصياً من صدور الرجال من النَّعَم من عُقُلها".
وفي رواية (٣) قال: "لا يقل أحدكم: نسيتُ آية كذا وكذا، بل هو نُسِّي".
стр. 1530
٢٣٦٠ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعودٍ قال: "من قرأ في ليلةٍ خمسين آية لم يُكْتَبْ من الغافلين، ومن قرأ مائة آيةٍ كُتِبَ من القانتين، ومن قرأ ثلثمائة آيةٍ كتب له قنطارٌ، ومن قرأ سبعمائة أفلح".
٢٣٦١ - * روى النسائي عن السائب بن يزيد ﵀ أن شُريحاً الحضرمي ذُكِرَ عند رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "لا يتوسَّدُ القرآن".
- نزول الملائكة والسكينة على قارئ القرآن:
٢٣٦٢ - * روى البخاري عن أُسيد بن حُضيرٍ ﵁ قال: "بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرةِ، وفرسُه مربوطةٌ عنده، إذْ جالت الفرسُ، فسكت، فسكنت الفرسُ، فقرأ، فجالت، فست، فسكنت الفرس، ثم قرأ فجالت الفرس، فانصرف، وكان ابنه يحيى قريباً منها، فأشفق أن تصيبه ولما أخَّره رفع رأسه إلى السماء (١)، فإذا مِثلُ
стр. 1531
الظُّلَّة، فيها أمثالُ المصابيح، فلما أصبح حدث النبي ﷺ ، فقال: اقرأ يا ابن حُضير اقرأ يا ابن حُضير قال: أشفقْتُ يا رسول الله أن تطأ يحيى، وكان منها قريباً، فانصرفت إليه، ورفعت رأسي إلى السماء، فإذا مثلُ الظُّلَّةِ فيها أمثالُ المصابيح، فخرجتُ حتى لا أراها، قال: وتدري ما ذاك؟ قال: لا، قال: تلك الملائكة دنتْ لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها، لاتتوارى منهم".
٢٣٦٣ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخُدري ﵁: "أن أُسَيْد بن حضير بينما هو ليلةً يقرأ في مربدِه، إذْ جالتْ فرسُه، فقرأ، ثم جالتْ أخرى، فقرأ، ثم جالتْ أيضاً، قال أُسيد: فخشيتُ أن تطأ يحيى، فقمت إليها، فإذا مثلُ الظُّلَّة فوق رأسي، فيها أمثال السُّرُج عرجتْ في الجوِّ حتى ما أراها، قال: فغدوتُ على رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، بينما أنا البارحة من جوف الليل أقرأ في مِرْبَدي، إذ جالتْ فرسي، فقال: رسول الله ﷺ : اقرأ ابن حضيرٍ، قال: فقرأتُ، ثم جالت أيضاً، فقال رسول الله ﷺ : اقرأ ابن حضير، قال: فانصرفتُ، وكان يحيى قريباً منها، فخشيتُ أن تطأه، فرأيتُ مثل الظُّلَّة، فيها أمثال السُّرُج عرجتْ في الجوِّ حتى ما أراها، فقال رسول الله ﷺ : تلك الملائكة كانت تستمعُ لك، ولو قرأت لأصبحتْ يراها النساُ ما تستترُ منهم".
أقول: هاتان الروايتان أصل أصيل في إثبات إمكانية انكشاف شيء من عالم الغيب للمسلم في حال إقباله على الله ، ولقد كثر الإنكار على الكشف وعلى أهله وليس ذلك ف محله إن جاءت الروايات عن صادق عدل، وكانت في دائرة الإمكان الشرعي.
٢٣٦٤ - * روى الشيخان عن البراء بن عازبٍ ﵁ قال: "كان رجل يقرأُ (سورة الكهف) وعنده فرسٌ مربوطة بشطنيْن، فتغشَّتْه سحابةٌ فجعلتْ تدنو، وجعلَ (١).
стр. 1532
فرسه ينفِرُ منها، فلما أصبح أتى النبي ﷺ ، فذكر له ذلك، فقال: تلك السكينةُ تنزلتْ للقرآن" وفي رواية (١): "اقرأ فلانُ، فإنها السكينةُ تنزلتْ عند القرآن" "أو للقرآن" وفي رواية (٢): "تنزلتْ بالقرآن".
ترجم البخاري (٩/ ٦٣) لحديث أُسيد بن حضير السابق بقوله:
باب نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن قال ابن حجر كذا جمع بين السكينة والملائكة ولم يقع في حديث الباب [أي حديث أسيد السابق] ذكر السكينة ولا في حديث البراء الماضي في فضل الكهف (أي هذا) ذكر الملائكة ولعل المصنف كان يرى أنهما قصة واحدة ولعله أشار إلى أن المراد بالظلة في حديث الباب السكينة لكن ابن بطال جزم بأن الظلة السحابة وأن الملائكة كانت فيها ومعها السكينة والسكينة تتنزل أبداً مع الملائكة اهـ. وقيل إن صاحب هذه القصة هو أسيد أيضاً لكن قصة أسيد السابقة فيها انه كان يقرأ سورة البقرة وهذا ظاهره التعدد.
وقعت لثابت بن قيس بن شماس قصة قريبة من قصة أسيد لكن في سورة البقرة أيضاً ويحتمل أن يكون قرأ سورة البقرة والكهف جميعاً أو من كل منهما. [انظر الفتح ٩/ ٥٧].
النووي (٦/ ٨٢): قد قيل في معنى السكينة هنا أشياء، المختار منها أنها شيء من مخلوقات الله تعالى في طمأنينة ورحمة ومعه الملائكة والله أعلم.
وفي هذا الحديث جواز رؤية آحاد الأمة الملائكة (وقال ابن حجر ٩/ ٦٤ وهو صحيح لكن الذي يظهر التقييد بالصالح مثلاً والحسن الصوت).
قال النووي وفيه فضيلة القرآن وأنها سبب نزول الرحمة وحضور الملائكة وفيه فضيلة استماع القرآن.
стр. 1533
وقال ابن حجر وفيه منقبة لأسيد وفضل سورة البقرة في صلاة الليل وفضل الخشوع في الصلاة وأن التشاغل بشيء من أمور الدنيا ولو كان من المباح قد يُفوِّتُ الخير الكثير فكيف لو كان بغير الأمر المباح.
- حب القرآن وعلاماته:
٢٣٦٥ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعودٍ قال: "من أحبَّ أن يُحبَّه الله ورسوله فلينظر فإنْ كان يُحبُّ القرآن فهو يُحبُّ الله ورسوله".
أقول: هذا ميزان لا يخطئ في التعرف على ما إذا كان الإنسان يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، وهو محبة قلبه للقرآن الكريم، وعلى هذا وبقدر ما يتعلق قلب الإنسان بهذا القرآن حباً وإجلالاً واحتراماً فإنه يكون قد تحقق بالصفة الأولى من صفات حزب الله يحبهم ويحبونه، وعلى هذا فإن مهمة الربانيين التركيز على القرآن الكريم من بداية السير إلى خاتمة العمر، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (١).
٢٣٦٦ - *روى الشيخان عن ابن مسعود: "قال لي النبيُّ ﷺ اقرأ عليَّ القرآن، قلت: يا رسول الله أقرأُ عليك، وعليك أُنزل؟ قال: إني أحبُّ أن أسمعه من غيري، فقرأت عليه سورة النساء، حتى جئت إلى هذه الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ قال: حسبُك الآن، فالتفتُّ إليه، فإذا عيناه تذرفان".
стр. 1534
أقول: إن محبة رسول الله ﷺ أن يسمع القرآن من غيره وتأثره بهذا السماع حتى ذرفت عيناه علامتان على حب هذا القرآن والتفاعل معه وهذا ما ينبغي أن يحصِّله المسلم من خلال التركيز على صحة قلبه وكثرة إقباله على القرآن الكريم وتدبره.
стр. 1535
الفقرة الثانية:
في بعض الآداب والأحكام المتعلقة بالقرآن
- وجوب تعلم القرآن وتعليمه وآداب ذلك:
٢٣٦٧ - * روى أحمد عن عبد الرحمن بن شبلٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "اقروا القرآن فإذا قرأتموه فلا تستكبروا به ولا تغلُوا فيه ولا تجفوا عنه ولا تأكلوا به وقال: إن النساء هم أصحابُ النار. فقال رجلٌ: يا رسول الله أليس أمهاتُنا وأخواتُنا وبناتنا؟ فذكر كُفرَهن لحق الزوج وتضييعهن لحقه".
وقد قرأ بعضهم جملة: (ولا تستكبروا به) على حرفين آخرين: (ولا تستكثروا به) (ولا تستأثروا به) والمعنى على الأول واضح فبعض الناس يستكبر بسبب أخذه القرآن، وعلى الثاني فالمراد عدم سؤال الناس بالقرآن استكثاراً، وعلى الثالث فالمراد أني علمه من يريد تعلمه.
٢٣٦٨ - * روى أحمد عن أبي سلامٍ قال: "كتبَ معاويةُ إلى عبد الرحمن بن شبلٍ أنْ عَلِّم الناس ما سمعت من رسول الله ﷺ . فجمعهم فقال: إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: تعلموا القرآن فإذا علمتموه فلا تغلوا فيه ولا تجفوا عنه ولا تأكلوا به ولا تستكثروا".
٢٣٦٩ - * (١) روى الترمذي عن عِمران بن حُصينٍ ﵁ أنه "مرَّ على
стр. 1536
قارئ يقرأ القرآن، ثم يسألُ الناس به، فاسترجع عِمرانُ، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قرأ القرآن، فليسأل الله به، فإنه سيجيءُ أقوامٌ يقرؤون القرآن ويسألون به الناس".
- إتقان القراءة:
٢٣٧٠ - * روى أحمد عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نقرأُ القُرآن، وفينا الأعرابيُّ والعجميُّ، فقال: اقرؤوا، فكلٌّ حسنٌ، وسيجيءُ أقوامٌ يُقيمونه كما يُقام القِدْحُ، يتعجَّلونه ولا يتأجَّلونه".
- التغني بالقرآن وتزيينه بالصوت:
٢٣٧١ - * روى أبو داود عن البراء بن عازبٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "زيِّنُوا القرآن بأصواتكم".
زينوا القرآن بأصواتكم: قال الخطابي في قوله: "زيِّنُوا القرآن بأصواتكم" قد فسَّرَهُ واحد من أئمة الحديث: زينوا أصواتكم بالقرآن، وقالوا: هذا من باب المقلوب، كما قالوا: عرضتُ الناقة على الحوض، وإنما هو عرضتُ الحوضَ على الناقة (١).
стр. 1537
قال: ورواه معمر عن منصور عن طلحة، فقدم الأصوات على القرآن، وهو الصحيح.
قال: ورواه طلحة عن عبد الرحمن بن عَوْسجةً عن البراء: أن رسول الله ﷺ قال: "زينوا أصواتكم بالقرآن" أي: الهجُوا بقراءته، واشغلُوا أصواتكم به، واتخذوه شعاراً وزينة.
وقال محقق الجامع في تفسيره الحديث على ظاهر الرواية الأولى ويكون ذلك بتحسين الصوت عند القراءة، فإن الكلام الحسن يزيد حسناً وزينة بالصوت الحسن، وفي أدائه بحسن الصوت وجودة الأداء بعث للقلوب على استماعه والإصغاء إليه، قال التوربشتي: هذا إذا لم يخرجه التغني عن التجويد، ولم يصرفه عن مراعاة النظم في الكلمات والحروف، فإن انتهى إلى ذلك، عاد الاستحباب كراهة، وأما ما أحدثه المتكلفون بمعرفة الأوزان والموسيقى فيأخذون في كلام الله مأخذهم في التشبيب والغزل، فإنه من أسوأ البدع، فيجب على السامع النكير، وعلى التالي التعزيز.
أقول: ما دامت أحكام التجويد مراعاة، والخشوع حاصلاً فكل ما يزيد التلاوة حسناً لا حرج فيه.
٢٣٧٢ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما أذن الله لشيءٍ ما أذن لنبيٍّ: أن يتغنى بالقرآن، يجهرُ به".
٢٣٧٣ - * روى أحمد عن سعد بن أبي وقاصٍ ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ : "ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن" (١).
стр. 1538
أقول: دل هذا النص وأمثاله على أن من أدب المسلم أن يكون له أنس في القرآن وإيناس، وإنْ من لم يصل به هذا الأنس إلى درجة التغني في القرآن، فإنه لم يصل إلى حقيقة الإيمان الذي يجعله من هذه الأمة، وفي النص تهديد ووعيد شديدان، فحيثما ورد قوله ﵊: (ليس منا) فذلك شيء مخيف، ولهذا فإننا نعتبر من الموازين التي على أساسها يختار الإنسان بطانته، من لم يقع في مثل هذا التهديد والوعيد فالله يقول: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ (١) فإن ممن يدخل في هذا النص ضمناً كل من وصفه رسول الله ﷺ بأنه ليس منا، فليتكلف المسلم أن يكون له تغنٍ في القرآن في تلاوة مجردة أو في قراءة في صلاة ولا يتحرج من ذلك ولا يخجل منه فإن ذلك حرج أو خجل في غير محله.
٢٣٧٤ - * روى أبو داود عن عبد الله بن أبي يزيد ﵀ قال: مَرَّ بنا أبو لُبابة فاتبعناهُ، حتى دخل بيتهُ، فدخلنا عليه، فإذا رجلٌ رثُّ الهيئة، فسمعتُه يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن"، قال: فقلت لابن أبي مُليكة: يا أبا محمدٍ، أرأيت إذا لم يكنْ حسن الصوتِ؟ قال: يُحسِّنُه ما استطاع.
- الجمع بين حسن التلاوة وحسن الفهم والإخلاص فيهما:
٢٣٧٥ - * روى الطبراني في الأوسط عن ابن عمر قال: "لقد عشتُ برهةً من دهري وإن أحدنا يُؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزلُ السورة على محمد ﷺ فيتعلَّمُ حلالها وحرامَها
стр. 1539
وما ينبغي أن يقفَ عنده منها كما تعلمون أنتم القرآن، ثم لقد رأيتُ رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأُ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته ما يدري ما آمِرُه ولا زاجره وما ينبغي أن يقف عنده منه وينثره نثر الدقل".
٢٣٧٦ - * روى البزار عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : "يظهرُ الإسلام حتى يختلف التجارُ في البحر وحتى تخوض الخيلُ في سبيل الله، ثم يظهر قومٌ يقرؤون القرآن يقولون من أقرأُ منا، من أعلم منا، من أفقه منا، ثم قال لأصحابه: هل في أولئك من خيرٍ؟ قالوا الله ورسوله أعلمُ. قال: أولئك منكم من هذه الأمة وأولئك هم وقودُ النار".
٢٣٧٧ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمروٍ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أكثرُ منافقي أمتي قُرَّاؤها: فأثخنوهم فالمأجورُ قاتِلُهم".
٢٣٧٨ - * روى أحمد عن عقبة بن عامرٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "أكثرُ منافقي أمتي قراؤها".
أقول: هذا وأمثاله محمول على أهل البدعة من القراء ومن يوالي الكافرين مختاراً.
- صفة قراءة النبي ﷺ
٢٣٧٩ - * روى أحمد عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ كان إذا قرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال "سبحان ربي الأعلى" (١).
стр. 1540
أقول: هذه سنة نبوية نجدها في أكثر من نص. مفادها أن رسول الله ﷺ كان إذا قرأ يتجاوب مع معانيه وذلك من آثار التدبر فعلى المسلم أن يفطن لذلك.
٢٣٨٠ - * روى النسائي عن أم سلمة ﵂ "سألها يعْلي بنُ ممْلكٍ عن قراءة رسول الله ﷺ وصلاته؟ قالت: ما لكم وصلاته؟ ثم نعتتْ قراءتَهُ، فإذا هي تنعتُ قراءةً مُفسرةً حرفاً حرفاً".
وفي رواية الترمذي (١)، قالت: "ما لكم وصلاتَهُ؟ كان يصلي ثم ينام قدر ما صلى، ثم يصلي قدر ما نام، ثم ينامُ قدر ما صلى، حتى يصبح، ثم نعتتْ قراءته، فإذا هي تنعتُ قراءةً مفسرةً حرفاً حرفاً".
وللترمذي من رواية (٢) ابن أبي مُليكة عنها قالت: "كان رسول الله ﷺ يُقطعُ قراءته: يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثم يقف، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم يقف، وكان يقرأ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾.
وأخرجه أبو داود (٣) قال: قالت: قراءة رسول الله ﷺ : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، يقطع قراءته آية آيةً.
أقول: ويرى بعضهم أن الأصل هو الوقوف على رؤوس الآيات ولكن لهذه القاعدة استثناءات فالعبرة عندهم للمعنى وبناء على هذا قسم الوقف إلى أقسام، ومعرفة أحكام الوقف نصف علم الترتيل والنصف الآخر إعطاء الحروف حقوقها ومستحقاتها.
стр. 1541
٢٣٨١ - * روى البخاري عن قتادة ﵀ قال: سألت أنساً عن قراءة رسول الله ﷺ فقال: "كان يمدُّ مداً، ثم قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يمدُّ ببسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم.
٢٣٨٢ - * روى الشيخان عن عبد الله بن مُغفَّلٍ ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ -يوم فتح مكة على ناقته - يقرأُ سورة الفتح، فرجع في قراءته، قال: فقرأ ابن مُغفلٍ ورجع، وقال معاوية بن قُرة: لولا الناس لأخذت لكم بذلك الذي ذكره ابن مغفل عن النبي ﷺ .
وفي رواية أبي داود قال: رأيت النبي ﷺ وهو على ناقته- يقرأ سورة الفتح، وهو يُرجعُ.
أقول: المشهور في تعرف الترجيع في الأذان أن يذكر الإنسان الشهادة بصوت غير مرتفع ثم يرفع صوته بها، فلعل أحد الأوجه في معنى الترجيع هاهنا أن رسول الله ﷺ كان يقرأ من سورة الفتح بصوت خفيض، ثم يعود ليقرأ ما قرأه بصوت مرتفع (١).
стр. 1542
٢٣٨٣ - * روى الطبراني عن موسى بن يزيد الكندي قال: "كان ابن مسعود يقريء رجلاً فقرأ الرجل: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ مرسلةً، فقال ابن مسعودٍ ما هكذا أقرأنيها رسول الله ﷺ . قال كيف أقرأكها يا أبا عبد الرحمن؟ قال أقرأنيها: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ فمددها".
أقول: من المعلوم أن الهمزة أو السكون إذا جاءا بعد حرف المد في كلمة واحدة كما في قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ فإنها تمد مداً واجباً مقداره أربع أو خمس حركات.
ولقد استقرأ علماء القراءات كيفية أداء رسول الله ﷺ لقراءة القرآن، فاستخرجوا قواعد التجويد والترتيب في الممدود وكيفية النطق بالأحرف إلى غير ذلك من قواعد ينبغي أن يبذل المسلم جهداً في تعلمها. فإنها من المطلوبات العينية في حق كل تالٍ للقرآن.
٢٣٨٤ - * روى أحمد عن بعض أزواج رسول الله ﷺ قال نافعٌ أُراها حفصة - أنها سُئلت عن قراءة رسول الله ﷺ فقالت إنكم لا تستطيعونها. قال: فقيل أخبرينا بها. قال فقرأتْ قراءةً ترسلتْ فيها. قال فحكى لنا ابن أبي مليكة الحمد لله رب العالمين ثم قطع الرحمن الرحيم ثم قطع مالك يوم الدين.
أقول: كما أن علماء النحو والصرف استقرؤوا اللغة العربية واستخرجوا قواعد النحو والصرف فكذلك علماء القراءات استخرجوا قواعد الترتيل استقراءً فأصبح علم الترتيل علماً قائماً بذاته فقارئ القرآن يجب عليه أن يقرأ القرآن مرتلاً وذلك بمراعاة طريقة رسول الله ﷺ في الأداء، وذلك لا يكون إلا بتلقن القرآن من أفواه المقرئين الذين يؤدونه كما تلقوه، ولا يستقيم ذلك بعد العصور الأولى إلا بمعرفة أحكام الترتيل كما دونها العلماء. فعلى المسلم أن يجمع وهو يقرأ القرآن ما بين أحكام التلاوة وتحسين الصوت والتخشع والتدبر (١)، ومن
стр. 1543
فاته أن يتلقن القرآن من أفواه المقرئين فلا أقل من أن يقرأه عليهم ليصححوا له قراءته.
- في كم يقرأ القرآن:
٢٣٨٥ - * روى الطبراني عن أبي الأحوص قال: قال عبد الله: "لا يُقرأُ القرآنُ في أقل من ثلاثٍ اقرؤوه في سبعٍ ويحافظُ الرجل على حزبه".
٢٣٨٦ - * روى الطبراني عن ابن مسعود قال: "من قرأ القرآن في أقل من ثلاثٍ فهو راجزٌ".
٢٣٨٧ - * روى مالك عن يحيى بن سعيدٍ ﵀ قال: كنتُ أنا ومحمدُ بن يحيى ابن حبان جالسين، فدعا محمدٌ رجلاً، فقال: أخبرني بالذي سمعت من أبيك، فقال الرجل: أخبرني أبي: أنه أتى زيد بن ثابتٍ، فقال له: كيف ترى في قراءة القرآن في سبعٍ؟ قال زيد: حسنٌ، ولأن أقرأه في نصف شهرٍ أو عشرٍ أحبُّ إليَّ، وسلني: لِمَ ذاك؟ قال: فإني أسألك؟ قال زيدٌ: لكي أتدبَّرَهُ وأقف عليه.
٢٣٨٨ - * روى أبو داود عن شداد بن الهاد ﵀ قال: سألني نافعُ بن جُبيرٍ بن مُطعمٍ، فقال لي: في كم تقرأُ القرآن؟ فقلت: ما أحزِّبُه، فقال لي نافع: لا تقل: ما أحزبه - وفي نسخةٍ: ما أجزئهُ - فإن رسول الله ﷺ قال: "قرأتُ جُزءاً من القرآن" قال: حسبت أنهُ ذكره عن المغيرة بن شعبة.
٢٣٨٩ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعودٍ أنه كان يقرأُ القرآن في ثلاثٍ وقلما يأخُذُ منه بالنهارِ (١).
стр. 1544
٢٣٩٠ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "ألمْ أُحبر أنك تصومُ الدهر، وتقرأُ القرآن كل ليلةِ؟ قلتُ: بلى يا نبي الله، ولم أُردْ بذلك إلا الخير، قال: فصُمْ صوْمَ داود - وكان أعبد الناس - واقرأ القرآن في كل شهرٍ، قال: قلت: يا نبيَّ الله، إني أطيقُ أفضل من ذلك، قال: فاقرأهُ في كل عشرين، قال: قلتُ: يا نبي الله، إني أطيقُ أفضل من ذلك، قال: فاقرأه في كل عشرٍ، قال: قلت: يا نبي الله، إني أطيق أفضل من ذلك، قال: فاقرأهُ في كل سبعٍ، لا تزدْ على ذلك. قال: فشددْتُ فشُدِّدَ عليَّ، وقال لي: إنك لا تردي، لعلك يطولُ بك عمرٌ، قال: فصرتُ إلى الذي قال لي النبي ﷺ ، فلما كبِرْتُ ودِدْتُ أنِّي كنتُ قبِلْتُ رخصة نبي الله ﷺ ".
في رواية (١) للترمذي قال: إن رسول الله ﷺ أمره أن يقرأ القرآن في أربعين.
وفي رواية (٢) له أيضاً ... قال: أختمه في خمسة عشر؟ .. قال: اختمه في خمس ...
٢٣٩١ - * روى أبو داود أن رسول الله ﷺ قال: "لم يفقهْ من قرأ القُرآن في أقلَّ من ثلاثٍ".
وفي رواية (٣) لأبي داود قال: قال لي النبي ﷺ : "اقرأ القرآن في شهرٍ" قلتُ: أجدُ قُوةً، فناقصني وناقصتُه، إلى أن قال: "اقرأهُ في سبعٍ، ولا تزد على ذلك"، قلت: إني أجد قوة، قال: "اقرأ في ثلاثٍ، فإنه لا يفقهُ من قرأه في أقلَّ من ثلاث".
أقول: إن قراءة القرآن في أقل من ثلاث جائزة ومأجور عليها وكان كثير من العباد
стр. 1545
يقرءونه في ليلة فلم يفهموا من النهي المنع وإنما فهموا منه الإرشاد إلى الحد الذي يستطيع فيه الإنسان أن يجمع بين التلاوة والتدبر، وفهموا أنه إذا فاتهم أجر التدبر، فلا يفوتهم أجر التلاوة.
والإكثار من التعبد ليس ببدعة إذا كان نوع العبادة مشروعاً.
- في ختم القرآن:
٢٣٩٢ - * روى الطبراني عن ثابت أن أنس بن مالك كان إذا ختم القرآن جمع أهله وولده فدعا لهم.
- ماذا يفعل من نام عن حزبه ؟:
٢٣٩٣ - * روى الجماعة إلا البخاري عن عبد الرحمن بن عبد القارئ ﵀ قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "من نام عن حزبه من الليل، أو عن شيء منه، فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كُتب له كأنما قرأه من الليل".
وفي رواية (١) الموطأ، فقرأهُ حين تزولُ الشمسُ إلى صلاة الظُّهر، فإنه لم يفُتْهُ أو كأنه أدركه".
- قراءة القرآن عند ائتلاف القلوب:
٢٣٩٤ - * روى الشيخان عن (جُندُبِ بن عبد الله) رفعه: "اقرءوا القرآن ما