أسر أفكارها.
هـ- أخذ حظ من الفقه عامة، ومن الفقه المذهبي خاصة، الأول ليعرف كيف يتصرف أمام الوقائع والثاني ليعرف كيف يراجع عويصات المسائل.
و- حفظ شيء من القرآن وإتقان تلاوته.
ز- حفظ شيء من السنة والاطلاع على ما أمكن من متونها ويدخل في ذلك التعرف على السيرة النبوية ومعالم في حياة الصحابة.
ح- الاطلاع على فقه الدعوة والحركة المعاصرين بحيث يطمئن إلى الكينونة في الجماعة التي يعطيها ولاءه وينطلق بالدعوة على بصيرة.
ط- الاطلاع على بعض الدراسات الإسلامية الحديثة التي تحتاجها بيئته أو تحتاجها مناعة وحصانة.
ي- الاطلاع على شيء من التاريخ الإسلامي وواقع المسلمين يحصنه ويطلق طاقاته في الخدمة الإسلامية.
ك- الاطلاع على الثقافة العسكرية الحديثة بحيث يكون عنده شيء من الإلمام بالكيفية التي يمكن أن يمارس فيها الجهاد في هذا العصر.
ل- أخذ حظ من علوم تزكية النفس والسير إلى الله.
م- المطالعة والمدارسة في كل ما ينمي الوعي الإسلامي بحيث يعرف الإنسان مشكلات المسلمين وكيفية حلها.
ن- الاطلاع على ما ينمي حسه الأمني بحيث لا يتصرف تصرفاً يضر أمته.
ثانياً: العمل:
أ - أول ما يطالب به العبد من العمل بعد التعرف على الله عبادته، والفروض مقدمة على النوافل ويدخل في ذلك الصلاة والصوم والزكاة والحج والأمر بالمعروف والنهي عن
стр. 37
المنكر والجهاد.
ب- الكسب الحلال وأداء الحقوق فيه.
جـ- القيام بحقوق الوالدين والأرحام والجوار.
د- نية الجهاد والتدريب على أدوات القتال ووسائله.
هـ- الكينونة في الصف الإسلامي وحسن التعامل مع المسلمين ويدخل في ذلك لزوم إمام المسلمين وجماعتهم إن كان لهم جماعة وإمام.
و- القيام بالحقوق الطارئة والعارضة.
ز- اجتناب المحرمات وما قاربها وإقامة الفرائض والواجبات.
ح- القيام بفروض الكفاية التي يتعين لها.
ط- مباشرة الجهاد إذا أصبح فرضاً عينياً وتوافرت شروط فرضية مباشرته.
ي- نية المتابعة لرسول الله ﷺ والالتزام بالأحكام.
ثالثاً: الحال القلبي والنفسي:
ويدخل في ذلك أن يكون قلبه سليماً وفطرته مستقيمة ونفسه مزكاة، وههنا نلفت النظر إلى أن ما يوصل إلى مثل هذه المعاني المفروضة فهو فريضة، ومن ههنا نقول: قد تكون بعض الأمور في الأصل مندوبة فإذا تعين كطريق للوصول إلى هذه الأحوال الشريفة فإنها تصبح فريضة ومما يدخل في مثل هذه الفريضة:
أ - التحقق بالإيمان والإخلاص والتوكل والزهد في الدنيا ومحبة الله ورسوله.
ب- والخلاص من الكفر والنفاق والفسوق والعصيان والإثم والأمراض القلبية من مثل الحسد والرياء والغل والحقد وأمثال هذه الأمراض. أ. هـ.
وفي غمرة الكلام عن فروض العين وفروض الكفاية بشقيها العلمي والعملي، التي بابها
стр. 38
ومفتاحها العلم فإنه لا يفوتنا أن نشير إلى أن المطلوبات الشرعية من المسلم أوسع من أن تكون فرضاً فقط، فهناك الفريضة والواجب والسنة والأدب، والمروءة، والأريحية، والذوق والسياسات النبوية، وكلها مطلوبات عينية من المسلم وعلى المسلم أن يحصل العلم فيها وأن يتحقق بالعمل، ولابد - ونحن سنعرض أحاديث باب العلم -أن نتعرض لهذا، وقد كنا كتبنا رسالة تحت عنوان - أخلاقيات وسلوكيات تتأكد في القرن الخامس عشر الهجري - ننقل لك بعض المقتطفات منها ليكون هذا الأمر واضحاً لديك:
والكلام عن الذوقيات والمروءات يجرنا إلى الكلام عن أدب العلاقات، فما من شيءٍ أدل على زكاة النفس في الإسلام من أدب العلاقات، وليس هناك شيء أصعب على النفس من الأدب في بعض الأحوال، لذلك كانت مجاهدة النفس لحملها على الكمال في أدب العلاقات من أعظم ما يطالب به المسلم.
كان نور الدين الشهيد ﵀ حازماً ومن حزمه أنه كان لا يسمح لأمير من أمرائه أن يجلس في حضرته إلا بإذنه لم يستثن من ذلك إلا نجم الدين أيوب والد صلاح الدين ولكنه كان مع العلماء والصالحين على غاية من الاحترام والتواضع والإجلال، انظر هذا الأدب وتأمل إلى أي حد يستطيع إنسان ذو صفة رسمية في عصرنا، عصر البروتوكول أن يتواضع لعالم عامل صالح أمام الجماهير.
إن كثيراً ما ترفض نفس الصغير توقير الكبير، وكثيراً ما ترفض نفس الكبير رحمة الصغير، وكثيراً ما تأنف أنفس أولي الأمر من استشارة من دونهم، وكثيراً ما يشتط المستشار إذا استشير، وكل هذه مظاهر من جموحات النفس ورعوناتها، ولذلك قلنا: إن من أعظم علامات زكاة النفس قيامها بأدب العلاقات ملاحظاً في ذلك الحكم الشرعي أولاً ثم المروءات والذوقيات.
إن أدب العلاقات واسع، فهناك أدب الولد مع الوالدين، وأدب الوالدين مع الأولاد ذكوراً وإناثاً، وأدب الإخوة مع بعضهم ذكوراً وإناثاً، وأدب الصاحب والجار مع الصاحب والجار، وأدب الموظف والعامل مع الزملاء ومع العمل وهكذا دوائر العلاقات البشرية كلها.
стр. 39
وإذا كان أدب العلاقة مع الخلق له هذه الأهمية، فما بالك بأدب العلاقة مع الخالق .. إنك لو حصرت الحياة البشرية الكاملة بأدبين أدب العلاقة مع الخالق وأدب العلاقة مع الخلق لم تعدَّ.
وأدب العلاقة مع الخالق يقتضي أدب العلاقة مع الخلق فكلما كملت العلاقة الأولى كملت الثانية.
وأدب العلاقة مع الخالق ينحصر بالإيمان والفعل والترك: فالإيمان بالوحي وترك المحرمات والمكروهات وفعل الواجبات والسنن والآداب والأريحيات والمروءات من مقتضى حسن التعامل مع الله .
وليس هناك في أدب العلاقات مع الخلق أعظم من القيام بحق الوالدين وحق العلماء والأولياء والمربين ثم الأرحام والجوار والأصحاب.
وفي أدب العلاقات نجد كيف كان رسول الله ﷺ يتألف الخلق جميعاً حتى استخرج النفاق من قلوب أكثرية المنافقين، وكيف استخرج أحقاداً وعداوات من قلوب موتورين حتى أصبح أحب إليهم من أبكارهم .. وكيف كان يضع الحزم في محله واللين في محله، وكان يغلب عليه اللين ويكفي أن الله أدبه بقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (١).
لقد كان ليّن الكلمة، رحيم القلب، حريصاً على المؤمنين، يعفو ويصفح، ويستغفر لذنوبهم، ويشاورهم، فأي أدب في العالم أرفع من هذا الأدب، إن إحياء آداب النبوة وسياستها من أهم ما يطالب به المسلم على مدى العصور وذلك لا يطيقه إلا من اجتمع له علم وذكر وما ذلك إلا لدقة الأدب، انظر إلى أدبه ﵊ في الإنصات:
﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ (٢)
стр. 40
لقد اتهمه المنافقون بأنه شديد الإصغاء ويستطيع كل إنسان أن يؤثر عليه فأكد الله أنه كثير الإنصات حتى شبهه بالأذن، إلا أنه يعرف من يصدق وأن إنصاته رحمة للمؤمنين أما أن يستجره أحد لموقف غير صحيح فلا:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ (١).
ولدقة السياسات النبوية قلنا: إنها تحتاج إلى علم لتعرف وإلى ذكر ليستطيعها الإنسان ولذلك قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٢) فمن لم يكن له ذكر كثير فإن اتِّباعه قليل.
في الشريعة فرائض وواجبات وسنن وآداب، وفيها محرمات ومكروهات، وهي مع تحديدا لهذه الأمور بشكل صريح أو ضمني يعرف من النصوص مباشرة أو بشكل غير مباشر، فهي قد وضعت أصولاً لضبط التعامل مع الرأي العام مما يدخل في ما يصطلح عليه الناس: الذوق ومراعاة الرأي العام.
وهذه قضية تغيب عن الكثيرين حتى إنك لتجد بعض المتدينين المتشددين يسقطون قضايا الذوق ومراعاة عواطف الناس ومشاعرهم، حدثني بعض شيوخنا أنه كان في جلسة علمية فامتخط إنسان وألقى بمخاطه على الأرض بشكل جاف، فاستعمل شيخنا حق الشيخ في التأديب فنبهه على ذلك فسأله التلميذ: أعندك نص في عدم الجواز
فهذا نموذج على نمط من التفكير يلغي قضايا الأذواق ومراعاة الرأي العام.
* * *
ولا شك أن الأذواق قد تمرض وأن الرأي العام قد يكون ضالاً مضللاً، وإذا كان أهل السنة والجماعة لا يعتبرون العقول نفسها ميزاناً للتحسين والتقبيح، فمن باب أولى ألا تعتبر الشريعة الأذواق والرأي العام ميزانين، خاصة وهما مرتبطان إلى حد كبير بالعواطف،
стр. 41
ولذلك نقول ابتداءً: إنه لا قيمة للذوق ولا للرأي العام إذا عارض الفرائض والواجبات والسنن والآداب، أو دخل في دائرة المكروهات أو المحرمات، وإذن فمراعاة الرأي العام وقضايا الأذواق إنما راعاها الشارع في المباحات ولذلك نجد في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ (١).
٨ - * روى مسلم قوله ﵊ لعائشة: "لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لهدمت البيت وبنيته على قواعد إبراهيم".
فالأول جاء في سياق مواقف المسلمين من اليهود، والثاني في مراعاة الرأي العام الجاهلي في قضية لا يترتب عليها عمل ..
ولننتقل إلى قضية أخرى وهي قضية الأيحيات والمروءات:
٩ - * روى مالك في الموطأ عن النبي ﷺ : "إنما بُعِثْت لأتمم مكارم الأخلاق" فالرسول ﷺ حصر بعثته بأن المراد منها استكمال بناء الصرح الأخلاقي في هذا العالم، وهذا يفيد انه ﵊ لم يبدأ البناء الأخلاقي من الصفر، بل هناك أخلاق بعث بها الرسل وأتمها رسول الله ﷺ ، وهناك مكارم للأخلاق تعارف عليها الناس أنها من مكارم الأخلاق وهي فعلاً كذلك. وجاء الرسول ﷺ ليقر أمثال هذه الأخلاق وليكملها، ولم تزل الأريحيات والمروءات مما تواطأ الناس على إكبارها واحترامها، إلا من فسدت فطرته ومرض عقله.
وقضايا الأريحيات والمروءات لا تدخل تحت حصر، وقد تتجاوز حدها فتصبح جاهلية، وقد تنقص حتى يحتقر المخل، إن بعض ما يدخل في المروءات والأريحيات يدخل في أبواب الحكم الشرعي من فريضة أو واجب أو سنة أو أدب وإذا تجاوزت الأريحيات حدها كأن دخل صاحبها بها في الإسراف والتبذير أو طرأ عليها عارض كالرياء والعجب
стр. 42
وحب الثناء والمدح، فإن ما صاحبها يدخل في باب المحظورات.
وقد تكون أحياناً من باب المباحات، ولكنها إذ تؤدي إلى احتقار صاحبها وغيبته وازدرائه فإنها تخرج صاحبها بسبب من ذلك إلى دائرة المحظورات، فمثلاً لو وقعت من إنسان تمرة فأهملها فرآها إنسان فأخذها فطالب الأول الآخر بها فذلك طلب مباح في الأصل ولكنه مخل بالمروءة.
إن موضوع الأريحيات والمروءات عميق في الفطرة البشرية وهو يختلف من شعب إلى شعب في القوة والضعف وفي السعة والضيق، ولعل العرب من أكثر الشعوب تأثراً بهذه الموضوعات، وقد يكون ذلك من حكم اختيارهم لحمل الرسالة الإسلامية، فهذه الرسالة تحتاج إلى نوع من النفسيات تهزها الأريحية والمروءة، وتبقى مشدودة، إلى كل كمال. وما أظن شعباً تهزه المروءات والأريحيات يسبق الشعب العربي في ذلك، وادرس أدب هذا الشعب نثراً وشعراً لترى أن الحديث عن الأريحيات والمروءات يشكل جزءاً كبيراً من أدبه.
ورسول الله ﷺ كان له في هذا القدم الأعلى، ألا ترى أن الله حرم عليه وعلى آل بيته الأكل من الصدقات ..
١٠ - * روى البخاري في صحيحه ما قالته خديجة له يوم رجع بالوحي وأخبرها أنه قد خشي على نفسه فقالت: كلا والله لا يخزيك الله أبداً: إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، تحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.
ولقد قال ابن الدغنة وهو مشرك لأبي بكر يوم فكر في الهجرة إلى الحبشة الكلمات نفسها وأجاره، مما يشير إلى أنه قد استقر في ضمير العرب أن هذه المعاني من مكارم الأخلاق التي ترفع صاحبها وتجعله أهلاً للحرص عليه.
* * *
إن الإسلام والذوق والمروءة مترادفات، ومتكاملات فإذا تعارض ما ظنه الناس ذوقاً
стр. 43
مع الإسلام أو تعارض ما ظنه الناس مروءة مع الإسلام، فذلك علامة على فساد الذوق وسخف المروءة، أما إذا لم يتعارض شيء من ذلك مع الإسلام، فالذوق مقبول، بل مطلوب، والمروءات مقبولة، بل مطلوبة، وهل ذلك إلا العرف والمعروف.
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (١).
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٢).
أنْ ترتب بيتك على ما ترتاح له الأذواق بما لا يتناقض مع شريعة، وأن تلبس لكل حالة لبوسها الذي يريح القلوب والأبصار، وأن تقدم للناس النظيف الجميل، أليس ذلك في محله من الحكمة؟ واقرأ هذا النص:
١١ - * روى أبو داود عن النبي ﷺ "إنكم قادمون على إخوانكم فأصلحوا رحالكم وأحسنوا لباسكم حتى تكونوا كأنكم شامة في أعين الناس، فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش".
وألا تسمح لنفسك أن تسف في القول والعمل، وألا تسمح لحد أن يسف بحضرتك بما ينقض وقاراً أو حلماً أو كمالاً، وألا تسمح لنفسك أن تفعل ما ينكره عقل أو شرع أو عرف أليس ذلك من الحكمة؟، واقرأ ما يقوله علي ﵁: "لا تفعل ما يسبق إلى العقول إنكاره وإن كان عندك اعتذاره".
عندما تدرس التربية النبوية، تجد التربية للأذواق مستمرة، وتجد الحوادث المعبرة عن سلامة الذوق كثيرة في حياة الصحابة.
فمثلاً عندما يراق الماء في العلية التي كان يسكنها أبو أيوب والتي كان رسول الله ﷺ يسكن أسفل منها بناء على رغبته للتسهيل على ضيفانه، نجد أبا أيوب يلتقط الماء خشية أن ينزل منه شيء على رسول الله ﷺ فيؤذيه، إنك تجد ههنا ذوقاً رفيعاً.
стр. 44
وعندما تجد أبا طلحة يضع الثوب أمام عينيه، ثم يتقدم ليضعه على صفية زوج رسول الله ﷺ عندما وقعت عن البعير، نجد ههنا ذوقاً رفيعاً، وعندما يُتوفى ابن أم سليم ويأتي أبو طلحة يسألها عن الطفل فتقول له: هو أسكن ما كان وتتزين له حتى يواقعها ثم تتطلف بالإعلام، ثم يدعو رسول الله أن يبارك لهما في ليلتهما، فإنك تجد قمة الذوق، وعندما يُسأل العباس عم رسول الله ﷺ أهو أكبر أم رسول الله ﷺ ؟. يقول: رسول الله أكبر وأنا أسن تجد كذلك ذوقاً رفيعاً.
ولقد كان رسول الله ﷺ يربي على أنواع من الذوق الرفيع في الأسماء وفي السلوك، فهذا جانب يجب أن نعطيه أهمية في عصرنا وأن نحيي وقائعه، فالإسلام كله ذوق، فالتوحيد أعلى درجات ذوق القلب، والعبادات أعلى درجات ذوق الجسد والاستئذان والسلام ووضع اليد على الفم أثناء التثاؤب، وعلى الأنف أثناء العطاس، ورحمة الكبير للصغير وتوقير الصغير للكبير، وأن يقدم الرجل مهراً للمرأة، وأن يستأنس بين يدي ما يريد، وأن يتلطف في الخطاب، وأن يبتعد عن الكبر والخيلاء والتكلف، كل ذلك ذوق رفيع، وعلى المسلم أن ينمي حسه الذوقي، فإذا دخل على العلماء فبالأدب، وإذا سأل فبالأدب، وإذا خالط أهل الفضل فبالأدب.
* * *
في قضايا المروءات والأريحيات يذكر وفاء سول الله ﷺ الذي ليس له مثيل، يذكر وفاءه لخديجة في إدامة ذكرها وإكرام صديقاتها، ويذكر وفاءه للمشركين والكافين إذا أسدوا له معروفاً، فها هو يقول يوم بدر:
١٢ - * روى أحمد عن النبي ﷺ "لو كان المطعم بن عدي حياً وكلمني في هؤلاء النتنى لأعطيتهم له" وها هو يوصي بأقباط مصر خيراً لأن لهم رحماً وصهراً وما ذاك إلا لأن هاجر ﵂ منهم، ولأن مارية القبطية ﵂ منهم. ونجد وفاءه ﵇ لأهل السابقة والمواقف، فهذا حاطب بن أبي بلتعة يعفو عنه مع عظم ما أتى
стр. 45
لأنه شهد بدراً، وانظر في قضايا المروءات والأريحيات كيف أنه ﵇ ما ضرب خادماً ولا امرأة في حياته، وكيف أكرم أبو قتادة سيف رسول الله ﷺ يوم أحد أن يقتل به امرأة، وكان ﵇ لا يسبقه أحد في خلق. أ. هـ.
وبعد هذه المقدمة الطويلة عن العلم وما يستتبعه من عمل فقد آن أن نعرض فصول باب العلم:
стр. 46
الباب الأول
في العلم
- الفصل الأول: فضل العلم بدين الله.
- الفصل الثاني: الترغيب في إكرام العلماء وإجلالهم وتوقيرهم والترهيب من إضاعتهم وعدم المبالاة بهم.
- الفصل الثالث: الترهيب من تعلم العلم لغير وجه الله تعالى.
- الفصل الرابع: الترغيب في نشر العلم والدلالة على الخير.
- الفصل الخامس: الترغيب في سماع الحديث وتبليغه.
- الفصل السدس: الترهيب من الدعوى في العلم والقرآن.
- الفصل السابع: الترهيب من كتم العلم.
- الفصل الثامن: وجوب التعلم والتعليم.
- الفصل التاسع: الترهيب من أن يعلم ولا يعمل بعلمه ويقول ما لا يفعل.
- الفصل العاشر: الترهيب من المراء والجدال والمخاصمة والمحاجة والقهر والغلبة
- الفصل الحادي عشر: بعض آداب التعليم والتعلم.
- الفصل الثاني عشر: ذهاب العلماء ورفع العلم.
- الفصل الثالث عشر: كتابة الحديث ونسخ النهي عن ذلك.
стр. 47
الفصل الأول
في
فضل العلم بدين الله
قال الله : ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (١).
﴿كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (٢) قال ابن عباس: كونوا عُلماء فُقهاء.
وقيل: سُمي العلماء ربانيين، لأنهم يرُبُّون العلم، أي: يقومون به، يُقال لكل منْ قام بإصلاح شيءٍ وإتمامه: قد ربَّه، يرُبُّه، فهو رَبٌّ له.
وقيل: سُموا الربانيين، لأنهم يُرَبُّون المتعلمين بصغار العلُوم قَبْلَ كبارها.
وقيل: الربانيون: العلماء بالحلال والحرام.
وقال الله إخباراً عن إبراهيم ﷺ : ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (٣)، يُقْتَدى بهُداك وبسُنَّتكَ.
وقال مالكٌ: الحكمةُ: الفقهُ في دين الله، وقال العلْمُ: الحكمةُ، ونورٌ يهدي الله به من يشاءُ، وليس بكثرة المسائل. شرح السنة ١/ ١٨٣ - ١٨٤.
١٣ - * روى البخاري ومسلم عن حميد [بن عبد الرحمن بن عوف الزهري] قال: سمعتُ معاوية وهو يخطبُ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقولُ "مَن يُرد الله به خيراً يُفقههُ في الدين، وإنما أنا قاسمٌ، ويُعطي اللهُ، ولن يزال أمرُ هذه الأمة مستقيماً
стр. 48
حتى تقوم الساعة، وحتى يأتي أمرُ الله".
١٤ - * روى البزار عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أراد الله بعبدٍ خيراً فقههُ في الدين وألهمه رُشدَهُ".
١٥ - * روى الإمام أحمد عن قيس بن كثير ﵀ قال: كنتُ جالساً مع أبي الدرداء في مسجد دمشق، فجاءه رجلٌ، فقال: يا أبا الدرداء، إني جئتُك من مدينة الرسول ﷺ ، لحديث بلغني أنك تُحدثُه عن رسول الله ﷺ ، ما جئتُ لحاجةٍ، قال: فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من سلك طريقاً يطلبُ فيه علماً: سلك الله به طريقاً من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضيً لطالب العلم، وإنَّ العَالِم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض، والحيتانُ في جوف الماء، وإنَّ فضل العالِمِ على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإنَّ العلماءَ ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهما، ورثُوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافرٍ".
وفي رواية (١) عن عثمان بن أبي سَودة عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ بمعناه.
стр. 49
١٦ - * روى البخاري عن أبي واقد الليثي ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ جالسٌ في المسجد والناسُ معه، إذْ أقبل ثلاثةُ نفرٍ، فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ ، وذهب واحدٌ، فوقفا على رسول الله ﷺ ، فأما أحدهما: فرأى فُرْجَة في الحلْقَةِ، فجلس فيها، وأما الآخر: فجلس خلفهم، وأما الثالث: فأدبر ذاهباً، فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: "ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم: فأوى إلى الله ، فآواه الله، وأما الآخرُ، فاستحيا، فاستحيا الله منه، وأما الآخر: فأعْرَضَن فأعرضَ الله عنه".
١٧ - * روى الطبراني عن أبي هريرة ﵁ أنه مَرَّ بسوقِ المدينة فوقف عليها، فقال يا أهل السوق ما أعجزكم!. قالوا: وما ذاك يا أبا هريرة؟ قال ذاك ميراثُ رسول الله ﷺ ، يُقسَمُ وأنتمْ هاهنا، ألا تذهبون فتأخذون نصيبكمْ منه قالوا وأين هو؟ قال في المسجد فخرجوا سراعاً، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا فقال لهم: مالكمْ؟ فقالوا يا أبا هريرة قد أتينا المسجد فدخلنا فيه فلم نر فيه شيئاً يُقسمُ فقال لهم أبو هريرة: وما رأيتمْ في المسجد أحداً؟ قالوا بلى رأينا قوماً يُصلُّون، وقوماً يقرءون القرآن، وقوماً يتذاكرون الحلال والحرام، فقال لهم أبو هريرة: ويحكمْ فذاك ميراُ محمدٍ ﷺ .
١٨ - * روى البخار يعن أبي موسى عن النبي ﷺ قال "مثلُ ما بعثني الله به مِنَ
стр. 50
الهُدى والعلم كمثَل الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكان منها نقيةٌ قَبِلَتِ الماء فأنبتتِ الكلأ والعُشب الكثير، وكانت منها أجادِبُ أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفةً أخرى إنما هي قيعانٌ لا تُمسِك ماءً ولا تنبت كلأً. فذلك مثل من فقِه في دين الله ونفعهُ ما بعثني الله به فعلم وعلَّم، ومثلُ من لم يرفعْ بذلك رأساً ولم يقبلْ هدى الله الذي أُرسلْتُ به".
قال البغوي بعد إيراد هذا الحديث:
العلوم الشرعية قسمان: علم الأصول، وعلم الفروع، أما علم الأصول، فهو معرفة الله بالوحدانية، والصِّفَات، وتصديق الرسل، فعلى كل مكلفٍ معرفته، ولا ينفع فيه التقليدُ لظهور آياته، ووضوح دلائله، قال الله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) [فصلت: ٥٣].
وأما علمُ الفروع، فهو علم الفقه، ومعرفةُ أحكام الدِّين، فينقسم إلى فرض عينٍ،
стр. 51
وفرض كفاية، أما فرض العين، فمثلُ علم الطهارة والصلاة والصوم، فعلى كل مكلف معرفته.
١٩ - * روى ابن ماجة قول النبي ﷺ : "طلبُ العلم فريضةٌ على كل مسلمٍ".
وكذلك كلُّ عبادة أوجبها الشرع على كل واحدٍ، فعليه معرفة علمها، مثلُ علم الزكاة إن كان له مالٌ، وعلمِ الحجِّ إنْ وجب عليه.
وأما فرض الكفاية، فهو أن يتعلم ما يبلُغُ به رُتبة الاجتهاد، ودرجة الفُتيا. فإذا قعدَ أهلُ بلدٍ عن تعلمه، عصوْا جميعاً، وإذا قام واحدٌ منهم بتعلمه فتعلمَهُ، سقط الفرضُ عن الآخرين، وعليهم تقليدُه فيما يعِنُّ لهم من الحوادث، قال الله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (١).
قال سفيان الثوريُّ: إنما العِلم عندنا الرُّخَصُ عن الثقات، أما التشديد، فكل إنسان يُحسنه. ا. هـ.
روى ابن ماجه عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أبا ذر لأنْ تغدُوَ فتعلمَ آيةً من كتاب الله خيرٌ لك من أن تُصلِّيَ مائة ركعةٍ، ولأنْ تغدو فتعلَّمَ باباً من العلم عُمِلَ به أو لمْ يُعملْ به خيرٌ لك من أن تُصلِّي ألف ركعةٍ".
٢٠ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "الدنيا ملعونةٌ ملعونٌ ما فيها إلا ذكر الله، ما والاه، وعالماً ومُتعلِّماً".
стр. 52
٢١ - * روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا حسد إلا في اثنتين: رجلٌ آتاهُ الله مالاً فسلطهُ على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكة فهو يقضي بها ويُعلِّمُها".
٢٢ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا مات ابنُ آدم انقطع عملهُ إلا مِنْ ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، أوْ علمٍ يُنتفعْ به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له".
٢٣ - * روى ابن ماجه عن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خيرُ ما يخلُفُ الرجل من بعده ثلاثٌ: ولدٌ صالحٌ يدعو له، وصدقةٌ تجري يبلغُهُ أجرها، وعلمٌ يُعملُ به من بعده".
٢٤ - * روى الترمذي عن أبي أمامة قال: ذُكِرَ لرسول الله ﷺ رجلان: أحدهما عابدٌ، والآخر عالمٌ، فقال عليه أفضل الصلاة والسلام: "فضلُ العالِمِ على العابد كفضلي على أدناكُمْ"، ثم قال رسول الله ﷺ : "إن الله وملائكته، وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جُحْرِهَا، وحتى الحُوتَ ليُصلُّون على مُعَلِّم الناس الخيرَ". قال: مُعلِّمُ الخير يستغفرُ له كل شيءٍ حتى الحيتانُ في البحرِ.
٢٥ - * روى الطبراني عن حُذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله صلى
стр. 53
الله عليه وسلم: "فضلُ العلمِ أحبُّ إليّ من فضل العبادة، وخيرُ دينكم الورعُ".
٢٦ - * روى أحمد عن صفوان بن عسالٍ المرادي ﵁ قال: أتيتُ النبي ﷺ وهو في المسجد متكيءٌ على بُرْدٍ له أحمر، فقلتُ له: يا رسول الله إني جئتُ أطلبُ العلم، فقال: "مرحباً بطالب العلم إن طالب العلم تحفُّهُ الملائكة بأجنحتها يركبُ بعضهم بعضاً حتى يبلغوا السماء الدنيا من محبتهم لما يطلُبُ".
٢٧ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من نفَّسَ عن مؤمن كُربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربةً من كربِ يوم القيامة ومن سترَ مسلماً سترهُ الله في الدنيا والآخرة، ومن يسَّرَ على معسرٍ يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمسُ فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قومٌ في بيت من بيوت الله يتلُون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا
стр. 54
حفتهم الملائكة، ونزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمةُ، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن أبطأ به عمله لم يسرعْ به نسبهُ".
٢٨ - * روى ابن ماجه عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخيرٍ يتعلمه أو يُعلمه فهو بمنزلة المُجاهد في سبيل الله، ومن جاء لغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظرُ إلى متاع غيره".
٢٩ - * روى البخار يعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "الناسُ معادنُ، خيارُهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فَقُهوا، الناس تبعٌ لقريش في هذا الشأن، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبعٌ لكافرهم، تجدون من يخر الناس أشد الناس كراهية لهذا الشأن؛ حتى يقع فيه".
وفي رواية (١) الناس تبع لقريش في الخير والشر.
٣٠ - * روى الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: "الناسُ معادنُ فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقُهوا".
٣١ - * روى الترمذي عن أنسٍ بن مالكٍ ﵁ قال: كان أخوانِ على عهد
стр. 55
النبي ﷺ ، وكان أحدهما يحترفُ، وكان الآخرُ يلزم النبي ﷺ ويتعلمُ منه، فشكا المحترفُ أخاه إلى النبي ﷺ ، فقال "لعلكَ به تُرْزَقُ".
٣٢ - * روى الترمذي عن الفضيل بن عياضٍ ﵀ قال: عالمٌ عاملٌ معلمٌ يدعى عظيماً في ملكوت السماء.
٣٣ - * روى البخاري عن مجاهد بن جبير قال: كان ابنُ عباس يُوثِق مولاه عكرمة بقيدٍ على تعليم الفرائض والعلم فقال: قيد ابنُ عباس عكرمة على تعليم القرآن والسنن والفرائض.
وإليك هذه النصوص والآثار استئناساً:
روى ابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أفضل الصدقة أن يتعلم المرء المسلمُ علماً ثم يعلمه أخاهُ المسلم".
روى ابن عبد البر عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "العلْمُ علمان: علمٌ في القلب فذاك العلمُ النافع، وعلمٌ على اللسان فذاك حجة الله على ابن آدم".
روى الطبراني في الكبير عن ابن مسعود قال: نعم المجلس الذي تذكر فيه الحكمة.
روى الطبراني عن أبي العبيد بن العامري وكان ضرير البصر وكان عبد الله بن مسعودٍ يُدنيه، فقال لعبد الله بن مسعود من نسأل إذا لم نسألك؟، فرق له فقال: (١) ما
стр. 56
الأواه؟ قال: الرحيم. قال: فما الأمة؟: قال: الذي يعلمُ الناس الخير. قال: فما القانتُ؟: قال: المطيع. قال فما الماعونُ؟: قال: ما يتعاون الناسُ بينهم. قال فما التبذيرُ؟: قال: إنفاق المال في غير حقه، وفي رواية: في غير حله، وفي رواية (١): كان عبد الله بن مسعود يحدث الناس كل يوم فإذا كان يوم الخميس انتابه الناس من الرساتيق والقرى فجاءه رجلٌ أعمى فذكر نحوه.
أقول: سؤاله عن الأمَّة إشارة إلى قوله تعالى: (? ٹ ٹ ٹ ...) (٢) وأبو العبيدين هو معاوية بن سبرة بن حصين السُّوائي.
وقوله: "فمنْ أخذَ به أخذَ بحظٍ وافرٍ" يعني: من ميراث النبوة.
قال ابن عباس: تدارُسُ العلم ساعةً من الليل خيرٌ من إحيائها، وفي رواية: تذاكرُ العلم بعض ليلةٍ أحبُّ إليَّ من إحيائها.
وقال قتادة: بابٌ من العلم يحفظه الرجل لصلاح نفسه وصلاح من بعده، أفضلُ من عبادة حولٍ.
وقال الثوري: ليس عملٌ بعد الفرائض أفضل من طلب العلم. وعنه أيضاً: ما أعلم اليوم شيئاً أفضل من طلب العلم، قيل له: ليس لهم نيَّةٌ! قال: طلبُهم له نيّةٌ.
وقال الحسن: من طلب العلم يُريدُ به ما عند الله، كان خيراً له مما طلعتْ عليه الشمسُ.
وقال ابن وهب: كنت عند مالكٍ قاعداً أسأله، فرآني أجمع كتبي لأقومَ، قال مالكٌ: أين تُريد؟ قال: قلت: أبادِرُ إلى الصلاة، قال: ليس هذا الذي أنت فيه دون ما تذهب إليه إذا صحّ فيه النية، أو ما أشبه ذلك.
وقال الزهري: ما عُبِدَ الله بمثلِ الفقه.
стр. 57
وقال سفيان الثوري: ما أعلم عملاً أفضل من طلب العلم وحفظه لمن أراد الله به.
وقال سفيان في تفسير الجماعة: لو أن فقيهاً على رأس جبل لكان هو الجماعة.
وقال الحسن بن صالح: إن الناس يحتاجون إلى هذا في دينهم، كما يحتاجون إلى الطعام والشراب في دنياهم.
قال مطرِّفُ بن عبد الله بن الشِّخِّير: حظّ من علم أحبُّ إليَّ من حظٍ من عبادة.
وقال الشافعي: طلبُ العلم أفضلُ من صلاة النافلة.
انظر شرح السنة ١/ ٢٧٩ - ٢٨٠.
стр. 58
فائدة:
إن العلوم الإسلامية التي ينبغي أن يركز عليها يمكن حصرها في عشرة:
أولاً: القرآن وعلومه ويدخل فيه علم التفسير وعلم التلاوة والقراءات.
ثانياً: السنة النبوية وعلومها.
ثالثاً: الأصول.
رابعاً: علوم اللغة العربية.
خامساً: العقائد.
سادساً: الفقه.
سابعاً: الأخلاق والتزكية.
ثامناً: علم الأصول الثلاثة وأنظمة الإسلام.
تاسعاً: التاريخ الإسلامي وحاضر العالم الإسلامي ويدخل فيه دراسة التآمر على الإسلام والمسلمين.
عاشراً: فقه الدعوة في عصرنا.
والملاحظ أن بعض هذه العلوم يحظى بالاهتمام وبعضها لا يحظى بذلك وبعض العلوم تعطي بعض حيثياتها حجماً أكبر مما تحتاجه وبعض العلوم لا يحسن اختيار الزاد المناسب فيه.
ومما ورد في متن حاشية ابن عابدين في فقه الحنفية ص ٣٤ ج ١ (العلوم ثلاثة: علم نضج وما احترق وهو علم النحو والأصول وعلم لا نضج ولا احترق وهو علم البيان والتفسير وعلم نضج واحترق وهو علم الحديث والفقه).
ومن الملاحظات على هذه العبارة أنه اعتبر الفقه قد احترق أي من كثرة ما اشتغل به واستجمعت مسائله والأمر ليس كذلك فلا زال هناك جديد وكل جديد يحتاج إلى فقه.
стр. 59
والنقطة المهمة في العبارة وهي صادقة: أن علم الحديث نضج واحترق فلقد تكلم سلف الأمة في التصحيح والتضعيف وتقعيد أصوله بما لا مزيد عليه ونحن نشهد في عصرنا ضجيجاً ضارياً حول هذه الحقيقة ونشهد محاولات وكأنها تريد استئناف النظر في السنة النبوية وتعطي لهذا الموضوع حجماً يغطي على كل العلوم وهذا نوع من الشغب وإثارة الفوضى واستفراغ جهود في غير محلها وصرف للأمة عما ينبغي.
إن وجود المحدثين في الأمة فرض كفاية ولا يمكن أن تكون الأمة كلها من طبقة المحدثين.
* * *
стр. 60
الفصل الثاني
في: الترغيب في إكرام العلماء وإجلالهم وتوقيرهم
والترهيب من إضاعتهم وعدم المبالاة بهم
٣٤ - * روى البخاري عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ كان يجمعُ بين الرجلين من قتْلَى أُحُدٍ (يعني في القبر) ثم يقول: "أيهما أكثرُ أخذاً للقرآنِ؟ فإذا أُشير إلى أحدهما قدمهُ في اللحْدِ".
٣٥ - * روى أبو داود عن أبي موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ مِنْ إجلال الله إكرامه ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه، ولا الجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المُقْسِطِ".
٣٦ - * روى أحمد عن عبد الله بن بُسْرٍ ﵁ قال: لقد سمعتُ حديثاً منذ زمانٍ: إذا كنت في قومٍ عشرينَ رجلاً أو أقل أو أكثر فتصفحت وجوههُمْ فلم ترَ فيهمْ رجلاً يُهابُ في الله فاعلمْ أن الأمر قد رقَّ.
٣٧ - * روى الطبراني عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "البركةُ مع أكابرِكُمْ".
٣٨ - * روى أحمد عن ابن عباس ﵁ عن النبي صلى الله عليه سلم قال: "ليس منَّا منْ لم يوقِّرِ الكبيرَ، ويرحمِ الصغير، ويأمر بالمعروف وينه عن المنكر".
стр. 61
٣٩ - * روى الحاكم عن عبد الله بن عمر ﵄ يبلغُ به النبي ﷺ قال: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف حق كبيرنا".
وفي رواية (١) للترمذي: ويوقر شرف كبيرنا.
٤٠ - * روى أحمد عن عبادة ابن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: "ليس من أمتي من لم يُجِلَّ كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعَالِمنا حقه". رواه الطبراني والحاكم (٢) إلا أنه قال: ليس منَّا.
* * *
стр. 62
الفصل الثالث
في: الترهيب من تعلم العلم لغير وجه الله تعالى
٤١ - * روى أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ تعلَّمَ علماً مما يُبتغى به وجهُ الله تعالى لا يتعلمه إلا ليُصيبَ به عرضاً من الدنيا لم يجدْ عرْفَ الجنَّةِ يوم القيامةِ يعني ريحَها".
٤٢ - * روى ابن ماجه عن جابرٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تعلَّمُوا العِلْمَ لتُبَاهُوا به العلماء، ولا تُمارُوا به السُّفهاء، ولا تخيَّرُوا به المجالس، فمنْ فعل ذلك فالنارُ النارُ".
وفي رواية (١) بدل (ولا تخيروا به المجالس) قال (ولا لتحدثوا به في المجالس).
٤٣ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن أوَّلَ الناس يُقْضَى يوم القيامةِ عليه رجلٌ استشهِدَ فأُتي به فعرفَهُ نعمهُ فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلتُ فيك حتى استشهدْتُ. قال: كذبت ولكنك قاتلت لأن يُقال جرئٌ فقد قيل، ثم أُمر به فسُحب على وجهه حتى أُلْقِيَ في النار، ورجلٌ تعلَّم العلم وعلمهُ، وقرأ القرآن، فأُتيَ به فعرفَهُ نعمهُ فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمتُ العلم وعلمته، وقرأتُ فيك القرآن. قال: كبت ولكنك تعلمت ليُقال عالمٌ، وقرأت القرآن ليُقال
стр. 63
قارئٌ فقد قيل، ثم أُمر به فسُحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجلٌ وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأتى به فعرفهُ نعمهُ فعرفها، قال، فما عملت فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيلٍ تُحبُّ أنْ يُنفق فيها إلا أنفقتُ فيها لك. قال: كذبتَ ولكنك فعلت ليُقال هو جوادٌ فقدْ قيلَ، ثم أُمر به فسُحب على وجهه ثم ألقى في النار".
٤٤ - * روى الترمذي عن أبي هريرة رفعه: يكونُ في آخر الزمان رجالٌ يخْتِلون الدنيا بالدين، يلبسَون للناس جلودَ الضأن من اللين، ألسنتهُم أحلى من العسل وقلوبهم قلوبُ الذئاب يقولُ اللهُ تعالى أبي تغترون أم علي تجترئون! فبي حلفتُ لأبعثنَّ على أولئك منهم فتنةً تدعُ الحليم منهم حَيرانَ.
٤٥ - * روى الحاكم عن ابن بريدة أن معاوية خرج من حمام حمص فقال لغلامه ائتني لبْستيَّ فلبسهما ثم دخل مسجد حمص فركع ركعتين فلما فرغ إذا هو بناس جلوس فقال لهم ما يجلسكم؟ قالوا صلينا صلاة المكتوبة ثم قص القاص فلما فرغ قعدنا نتذاكر سنة رسول الله ﵌ فقال معاوية: ما من رجل أدرك النبيَّ ﵌ أقل حديثاً عنه مني إني سأحدثكم بخصلتين حفظتهما من رسول الله ﵌ ما من رجل يكون على الناس فيقوم على رأسه الراجل يحب أن تكثر الخصوم عنده فيدخل الجنة قال وكنت مع النبي ﵌ يوماً فدخل المسجد فإذا هو بقوم في المسجد قعود فقال النبي ﵌ "ما يقعدكم؟ " قالوا صلينا الصلاة المكتوبة ثم قعدنا نتذاكر كتاب الله وسنة نبيه ﵌ فقال رسول الله ﵌: "إنَّ الله إذا ذكر شيئاً تعاظم ذكره".
* * *
стр. 64
الفصل الرابع
في: الترغيب في نشر العلم والدلالة على الخير
٤٦ - * روى ابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ مما يلحَقُ المؤمنَ منْ عملِهِ وحسناتِهِ بعدَ موْتِهِ علماً علمَهُ ونشرَهُ، وولداً صالحاً تركهُ، أو مصحفاً ورثَهُ، أو مسجداً بناهُ، أو بيتاً لابن السبيل بناهُ، أو نهراً أجراهُ، أوْ صدقةً أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقُهُ من بعدِ موتهِ".
٤٧ - * روى مسلم عن أبي مسعودٍ البدريِّ أنَّ رجلاً أتى النبي ﷺ ليستحمِلَهُ فقال: إنهُ قد أُبْدعَ بي، فقال رسول الله ﷺ : "ائْتِ فُلاناً فأتاهُ فحملَهُ. قال رسول الله ﷺ : "مَنْ دلَّ على خيرٍ فلهُ مثلُ أجرِ فاعله، أو قال عاملهِ".
٤٨ - * روى ابن حبان عن ابن مسعود ﵁ قال: أتى رجلٌ النبي ﷺ فسأله فقال: "ما عندي ما أُعْطيكَهُ، ولكن ائتِ فلاناً" فأتى الرجُلَ فأعطاهُ، فقال رسول الله ﷺ : "مَنْ دلَّ على خير فلهُ مثلُ أجرِ فاعلِهِ، أو عَاملِه". الدالُّ على
стр. 65
الخير كفاعله.
٤٩ - * روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "منْ دعا إلى هُدى كان له من الأجر مثل أجُور منْ تبعهُ لا ينقصُ ذلك من أجورهمْ شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقصُ ذلك من آثامهم شيئاً".
٥٠ - * روى الحاكم عن علي ﵁ في قوله تعالى: (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) (١) قال: علمُوا أهليكُمْ الخيرَ.
٥١ - * روى أبو داود عن سهل بن سعدٍ الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "والله، لأن يُهْدَى بُهداك رجلٌ واحدٌ خيرٌ لك من حُمْر النَّعَم".
стр. 66
الفصل الخامس
في: الترغيب في سماع الحديث وتبليغه
٥٢ - * روى أبو داود عن ابن مسعود ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقولُ: "نضَّر الله أمرأ سمع منا شيئاً فبلغهُ كما سمعهُ فرُبَّ مُبلَّغٍ أوعى من سامعٍ".
٥٣ - * روى ابن حبان عن زيدٍ بن ثابتٍ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقولُ: "نضر الله أمرأ سمع منا حديثاً فبلغَهُ غيرهُ فرُبَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقهُ منه، ورُبَّ حاملِ فقهٍ ليس بفقيهٍ ثلاثٌ: لا يغُلُّ عليهنَّ قلبُ مسلمٍ: إخلاصُ العمل لله، ومناصحةُ وُلاةِ الأمر ولزومُ الجماعةِ، فإن دعوتهُمْ تحُوطُ من وراءهمْ ومنْ كانت الدنيا نيتهُ فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدُّنيا إلا ما كُتب له، ومنْ كانت الآخرةُ نيتهُ جمع الله أمرهُ
стр. 67
وجعل غناه في قلبه، وأتتهُ الدُّنْيا وهي راغمةٌ".
قوله: (ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم تحوط من وراءهم): أول ما يدخل في كلمة لزوم الجماعة هنا حضور صلاة الجماعة فإن دعاء المسلمين ينفعهم وينفع غيرهم. ومما يدخل في لزوم الجماعة التزام أهل السنة والجماعة وعقائدهم وفقههم والبعد عن الشذوذ العقدي والفقهي.
أقول: لزوم جماعة المسلمين هنا تفيد لزوم الإمام الراشد ذي العقيدة السليمة والأعمال المستقيمة، فدعوة هؤلاء تحفظ المسلمين من الضياع والضلال.
٥٤ - * روى أحمد عن جُبير بن مُطعِمٍ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ بالخيف (خيف مني) يقول: "نضَّرَ الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وبلغها من لَمْ يسمعها فرُبَّ حاملِ فقهٍ غيرُ فقيه، ورُبَّ حامِ لفقهٍ إلى من هو أفقهُ منهُ. ثلاثٌ لا يُغِلُّ عليهنَّ قلبُ مؤمنٍ، إخلاصُ العمل لله، والنصيحة لأئمةِ المسلمين، ولزومِ جماعتهم، فإنَّ دعوتهُمْ تحفظُ من وراءهُمْ".
٥٥ - * روى أحمد عن أبان بن عثمان ﵀ قال: خرج زيدُ بن ثابت من عند مروان نصف النهار، قلنا: ما بعث إليه في هذه الساعة إلا لشيء سأله عنه، فقُمْنَا فسألناه؟ فقال: نعم، سألنا عن أشياء سمعناها من رسول الله ﷺ : سمعتُ رسول الله ﷺ قول: "نَضَّر اللهُ أمرأً سمع منَّا حديثاً فحفظه حتى يُبلِّغَه غيره، فرُبَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقه منه، ورُب حامل فقه ليس بفقيه".
стр. 68
٥٦ - * روى الطبراني عن مكحولٍ قال دخلتُ أنا وابنُ أبي زكريا وسليمان بن حبيبٍ على أبي أمامة بحمص فسلمنا عليه فقال: إنَّ مجلسكم هذا من بلاغ الله لكم واحتجاجه عليكم وإنَّ رسول الله ﷺ قد بلغَ فبلَّغُوا. وفي رواية (١) عن سُليم بن عامر قال: عن سُليم بن عامر قال: كنا نجلس إلى أبي أمامة فيحدثنا حديثاً كثيراً عن رسول الله ﷺ فإذا سكت قال: أعَقَلْتُمَ بلغُوا كما بُلِّغْتُم.
٥٧ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "بلِّغُو عني ولو آيةً، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ مُتعمداً فليتبوَّأْ مقعده من النار".
فائدة: قال الطيبي، ولا منافاة بين إذنِه هنا، ونهيه في خبرٍ آخر عن التحديث، وفي آخر عن النظر في كتبهم لأنه أراد هنا: التحديث بقصصهم نحو قتل أنفسهم لتوبتهم، وأراد بالنهي: العمل بالأحكام لنسخها بشرعه أو النهي في صدر الإسلام قبل استقرار الأحكام الدينية، والقواعد الإسلامية، فلما استقرت أُذن لأمن المحذور. ا. هـ.
وقال ابن حجر:
قوله (وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) أي لا ضيق عليكم في الحديث عنهم لأنه كان تقدم منه ﷺ الزجر عن الأخذ عنهم والنظر في كتبهم ثم حصل التوسع في ذلك، وكأن النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية والقواعد الدينية خشية الفتنة، ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار، وقيل معنى قوله "لا حرج": لا تضيق صدوركم بما تسمعونه عنهم من الأعاجيب فإن ذلك وقع
стр. 69
لهم كثيراً، وقيل لا حرج في أن لا تحدثوا عنهم لأن قوله أولا "حدثوا" صيغة أمر تقتضي الوجوب فأشار إلى عدم الوجوب وأن الأمر فيه للإباحة بقوله "ولا حرج أي في ترك التحديث عنهم. وقيل المراد رفع الحرج عن حاكي ذلك لما في أخبارهم من الألفاظ الشنيعة نحو قولهم (اذهب أنت وربك فقاتلا) وقال مالك المراد جواز التحدث عنهم بما كان من أمر حسن، أما ما عُلِم كذبه فلا. وقيل المعنى حدثوا عنهم بمثل ما ورد في القرآن والحديث الصحيح. وقيل المراد جواز التحدث عنهم بأي صورة وقعت من انقطاع أو بلاغ لتعذر الاتصال في التحدث عنهم، بخلاف الأحكام الإسلامية فإن الأصل في التحدث بها الاتصال، ولا يتعذر ذلك لقرب العهد. وقال الشافعي: من المعلوم أن النبي ﷺ لا يجيز التحدث بالكذب، فالمعنى حدثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كذبه، وأما ما تجوزونه فلا حرج عليكم في التحدث به عنهم وهو نظير قوله "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم" ولم يرد الإذن ولا المنع من التحدث مما يقطع بصدقه" ا. هـ ابن حجر.
٥٨ - * روى أحمد قول النبي ﷺ "ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان باطلاً لم تصدقوهم وإن كان حقاً لم تكذبوه" ويؤيده ما أخرجه البخاري (١). عن أبي هريرة ﵁ قال "كان أهلُ الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسّرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : لا تصدِّقوا أهل الكتاب ولا تكذِّبوهم وقولوا (آمنا بالله وما أنزل ...) ".
قال البغوي: وهذا أصل في وجوب التوقف عماي شكل من الأمور والعلوم، فلا يُقضى فيه بجواز ولا بُطلان، وعلى هذا كان السلف، وقد سئل عثمان عن الجمع بين الأختين من ملك اليمين؟ قال: أحلتهما آية، وحرمتهما آية، ولم يقضِ فيه بشيء، وقطع علي بتحريمه، وإليه ذهب عامة الفقهاء.
стр. 70
ولو حدثت عن رسول الله ﷺ من هو متَّهَم في حديثه، فلا يُصدق، ولا يُعمل به، لأنه دين، ولو حدثه ثقة وفي إسناده رجل مجهول لا يجب العملُ به، ولا يكذبه صريحاً، لأن المجهول قد يكون صالحاً لحديث أهل الكتاب، بل يقول: هو ضعيف ليس بقوي وما أشبهه. شرح السنة ١/ ٢٦٩.
٥٩ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵁: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزل على رسول الله ﷺ أحدث تقرؤونه محضاً لم يشب وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) (١) ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم، لا والله ما رأينا منهم رجلاً يسألكم عن الذي أنزل عليكم.
٦٠ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "حدِّثُوا عن بني إسرائيل ولا حرج".
٦١ - * روى أحمد عن عمران بن حصين قال: كان رسول الله ﷺ يحدثنا عامة ليله عن بني إسرائيل لا يقوم إلا إلى عُظْمِ صلاة، وفي رواية (٢) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: كان نبي الله ﷺ يحدثنا عن بني إسرائيل حتى يصبح ما يقوم إلا إلى عُظْم صلاة.
стр. 71
٦٢ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: تسمعون ويسمعُ منكم، ويُسمع ممن يَسْمَع منكم.
٦٣ - * روى البخاري عن محمود بن الربيع ﵁ قال: "عَقَلْتُ من رسول الله ﷺ مَجةً مَجَّها في وجهي من دَلْوٍ من بئر كانت في دارنا، وأنا ابنُ خمس سنين".
أقول: يفهم من هذا أن الطفل عنده قابلية للتلقي والحفظ فليبدأ بتعليمه منذ الصغر، ولذلك ترجم البخاري الحديث بقوله: (متى يصح سماع الصغير).
٦٤ - * روى البخاري ومسلم عن سمرة بن جُندُب ﵁ قال: "لقد كنتُ على عهد رسول الله صلى الله عليه وغلاماً، فكنتُ أحفظُ عنه، فما يمنعُني من القول إلا أن هاهنا رجالاً هم أسنُّ مني، وقد صليتُ خلف رسول الله ﷺ على امرأةٍ ماتت في نفاسها، فقام عليها رسول الله ﷺ في الصلاة وسطها".
أقول: في لحديث أدب ألا يتصدر الصغار للتعليم بحضرة كبار أهل العلم إلا إذا احتيج إليهم.
قال البخاري في صحيحه: (قال ربيعة: لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيِّعَ نفسه).
قال ابن حجر: ومراد ربيعة أن من كان فيه فهم وقابلية للعلم لا ينبغي له أن يهمل نفسه فيترك الاشتغال لئلا يؤدي ذلك إلى رفع العلم. أو مراده الحث على نشر العلم في أهله لئلا يموت العالم قبل ذلك فيؤدي إلى رفع العلم. أو مراده أن يشهر العالم نفسه ويتصدى للأخذ عنه لئلا يضيع علمه. وقيل مراده تعظيم العلم وتوقيره، فلا يهين نفسه بأن يجعله عرضاً للدنيا.
стр. 72
الفصل السادس
في: الترهيب من الدعوى في العلمِ والقرآنِ
٦٥ - * روى الشيخان عن أُبِّي بن كعبٍ ﵁ عن النبي ﷺ قال: "قامَ موسى ﷺ خطيباً في بني إسرائيل فسُئِلَ أيُّ الناس أعلمْ؟ فقال أنا أعْلَمُ فعَتَبَ الله عليه إذْ لمْ يرُدَّ العلم إليه، فأوحى الله إليه أن عبداً من عبادي بمجمع البحرين هو أعلمُ منك. قال يا ربِّ كيف به؟ فقيل له احمِلْ حُوتاً في مكتلٍ فإذا فقدتهُ فهو ثَمَّ. [فذكر الحديث في اجتماع بالخضر إلى أنْ قال]: فانطلقا يمشيان على ساحل البحر ليس لهما سفينةٌ، فمرتْ بهما سفينةٌ فكلمُوهمْ أن يحملوهما فعُرِفَ الخضرُ فحملُوهُما بغير نولٍ فجاء عصفورٌ فوقع على حرف السفينة فنقر نقرة أو نقرتين في البحر، فقال الخضر: يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كنقرة هذا العصفور في هذ البحر". فذكر الحديث بطوله.
وفي رواية (١): بينما موسى يمشي في ملإٍ من بني إسرائيل إذ جاءهُ رجلٌ، فقال له: هل تعلمُ أحداً أعلمُ منك؟ قال موسى: لا، فأوحى الله إلى موسى بل عبدنا الخضرُ، فسأل موسى السبيل إليه.
٦٦ - * روى البزار عن عُمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يظهرُ الإسلامُ حتى تختلفَ التُّجَّارُ في البحر، وحتى تخُوضَ الخَيْلُ في سبيل الله، ثم يظهرُ قومٌ يقرؤون القرآن يقولون من أقرأُ منَّا؟ منْ أعلمُ منا؟ من أفقه منا؟ " ثم قال لأصحابه: "هلْ في أولئك من خيرٍ؟ " قالوا: اللهُ
стр. 73
ورسوله أعلمُ. قال: "أولئك منكمُ من هذه الأمة وأولئك هم وقودُ النار".
٦٧ - * روى الطبراني عن عبد الله بن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قام ليلة بمكة من الليل فقال: "اللهم هل بلغتُ (ثلاث مرات) " فقام عمر بن الخطاب، وكان أواهاً، فقال: اللهم نعم، وحضت وجهدت ونصحت، فقال: "ليطهرن الإيمان حتى يُرد الكفر إلى مواطنه، ولتُخاضَّنَّ البحارُ بالإسلام، وليأتين على الناس زمان يتعلمون فيه القرآن يتعلمونه ويقرؤونه، ثم يقولون قد قرأنا وعلمنا، فمن ذا الذي هو خيرٌ منا، فهل في أولئك من خيرٍ؟ " قالوا يا رسول الله: من أولئك؟ قال: "أولئك منكمْ، وأولئك هم وقود النار".
стр. 74
الفصل السابع
في الترهيب من كتم العلم
٦٨ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "منْ سُئل عن علمٍ فكتمهُ أُلْجِمَ يوم القيامة بلجامٍ من نارٍ".
وفي رواية (١) لابن ماجه قال: "ما مِنْ رجلٍ يحفظُ علمنا فيكتمُهُ إلا أتى يوم القيامة ملجُوماً بلجامٍ من نارٍ".
٦٩ - * روى ابن حبان عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "من كتم علماً ألْجَمَهُ الله يوم القيامةِ بلجامٍ من نارٍ".
٧٠ - * روى الطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من سُئِلَ عن علمٍ فكتمهُ جاء يوْمَ القيامة مُلْجماً بلجامٍ منْ نارٍ".
قال ابن الأثير (بلجام من نار) المُمْسِك عن الكلام ممثَّل بمن ألجم نفسه بلجام، والمعنى: أن الملجم نفسه عن قول الحق والإخبار عن العلم يُعاقب في الآخرة بلجام من نار، وذلك في العلم الذي يلزمه تعليمه إياه، ويتعين عليه فَرْضه، كمن رأى كافراً يريد الإسلام،
стр. 75
فيقول: علَّموني ما الإسلام، وما الدين؟ وكمن يرى رجلاً حديث عهد بالإسلام، ولا يُحسن الصلاة وقد حضر وقتُها، يقول: علموني كيف أصلي؟ وكمن جاء مُستفتيا في حلال أو حرام يقول: أفتوني، أرشدوني، فإنه يلزم في مثل ذلك أن يُعَرَّف الجواب: فمن منعه استحق الوعيد، (أقول: وكذلك في كل ما يجب بيانه وتعين على إنسان بعينه) وليس الأمر كذلك في نوافل العلم التي لا يلزم تعليمها.
قال سفيان الثوري: ذاك إذا كتم سنة، وقال: لو لم يأتني أصحاب الحديث لأتيتهم في بيوتهم ولو أني أعلم أحداً يطلب الحديث بنية لأتيته في منزله حتى أحدثه.
ومنهم من يقول إنه علم الشهادة.
٧١ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: "إنكم تقولون: إن أبا هريرة يُكثِرُ الحديث عن رسول الله ﷺ ، وتقولون: ما بالُ المهاجرين والأنصار لا يحدثون عن رسول الله ﷺ بمثل حديث أبي هريرة، وإن إخواني من المهاجرين كان يشغَلُهم الصَّفْقُ بالأسواق، وكنتُ ألزم رسول الله ﷺ على ملء بطني، فأشهدُ إذا غابوا، وأحفظُ إذا نسُوا، وكان يشغل إخواني من الأنصار عملُ أموالهم، وكنت امرأ مسكيناً من مساكين الصُّفَّة، أعي حين ينسوْنَ، ولقد قال رسول الله ﷺ في حديث يُحدِّثه: "أنه لن يَبْسُط أحد ثوبه حتى أقضي مقالتي ثم يجمع إليه ثوبه، إلا وعي ما أقول"ن فبسطتُ نمرةً عليَّ، حتى إذا قضى رسول الله ﷺ مقالته جمعتُها إلى صدري، فما نسيتُ من مقالة رسول الله صلى الله عليه تلك من شيءٍ.
وفي رواية (١): قال أبو هريرة. وذكر نحوه، وفي آخره "ولولا آيتان أنزلهما الله في كتابه