٦٢ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: تسمعون ويسمعُ منكم، ويُسمع ممن يَسْمَع منكم.
٦٣ - * روى البخاري عن محمود بن الربيع ﵁ قال: "عَقَلْتُ من رسول الله ﷺ مَجةً مَجَّها في وجهي من دَلْوٍ من بئر كانت في دارنا، وأنا ابنُ خمس سنين".
أقول: يفهم من هذا أن الطفل عنده قابلية للتلقي والحفظ فليبدأ بتعليمه منذ الصغر، ولذلك ترجم البخاري الحديث بقوله: (متى يصح سماع الصغير).
٦٤ - * روى البخاري ومسلم عن سمرة بن جُندُب ﵁ قال: "لقد كنتُ على عهد رسول الله صلى الله عليه وغلاماً، فكنتُ أحفظُ عنه، فما يمنعُني من القول إلا أن هاهنا رجالاً هم أسنُّ مني، وقد صليتُ خلف رسول الله ﷺ على امرأةٍ ماتت في نفاسها، فقام عليها رسول الله ﷺ في الصلاة وسطها".
أقول: في لحديث أدب ألا يتصدر الصغار للتعليم بحضرة كبار أهل العلم إلا إذا احتيج إليهم.
قال البخاري في صحيحه: (قال ربيعة: لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيِّعَ نفسه).
قال ابن حجر: ومراد ربيعة أن من كان فيه فهم وقابلية للعلم لا ينبغي له أن يهمل نفسه فيترك الاشتغال لئلا يؤدي ذلك إلى رفع العلم. أو مراده الحث على نشر العلم في أهله لئلا يموت العالم قبل ذلك فيؤدي إلى رفع العلم. أو مراده أن يشهر العالم نفسه ويتصدى للأخذ عنه لئلا يضيع علمه. وقيل مراده تعظيم العلم وتوقيره، فلا يهين نفسه بأن يجعله عرضاً للدنيا.
стр. 72
الفصل السادس
في: الترهيب من الدعوى في العلمِ والقرآنِ
٦٥ - * روى الشيخان عن أُبِّي بن كعبٍ ﵁ عن النبي ﷺ قال: "قامَ موسى ﷺ خطيباً في بني إسرائيل فسُئِلَ أيُّ الناس أعلمْ؟ فقال أنا أعْلَمُ فعَتَبَ الله عليه إذْ لمْ يرُدَّ العلم إليه، فأوحى الله إليه أن عبداً من عبادي بمجمع البحرين هو أعلمُ منك. قال يا ربِّ كيف به؟ فقيل له احمِلْ حُوتاً في مكتلٍ فإذا فقدتهُ فهو ثَمَّ. [فذكر الحديث في اجتماع بالخضر إلى أنْ قال]: فانطلقا يمشيان على ساحل البحر ليس لهما سفينةٌ، فمرتْ بهما سفينةٌ فكلمُوهمْ أن يحملوهما فعُرِفَ الخضرُ فحملُوهُما بغير نولٍ فجاء عصفورٌ فوقع على حرف السفينة فنقر نقرة أو نقرتين في البحر، فقال الخضر: يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كنقرة هذا العصفور في هذ البحر". فذكر الحديث بطوله.
وفي رواية (١): بينما موسى يمشي في ملإٍ من بني إسرائيل إذ جاءهُ رجلٌ، فقال له: هل تعلمُ أحداً أعلمُ منك؟ قال موسى: لا، فأوحى الله إلى موسى بل عبدنا الخضرُ، فسأل موسى السبيل إليه.
٦٦ - * روى البزار عن عُمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يظهرُ الإسلامُ حتى تختلفَ التُّجَّارُ في البحر، وحتى تخُوضَ الخَيْلُ في سبيل الله، ثم يظهرُ قومٌ يقرؤون القرآن يقولون من أقرأُ منَّا؟ منْ أعلمُ منا؟ من أفقه منا؟ " ثم قال لأصحابه: "هلْ في أولئك من خيرٍ؟ " قالوا: اللهُ
стр. 73
ورسوله أعلمُ. قال: "أولئك منكمُ من هذه الأمة وأولئك هم وقودُ النار".
٦٧ - * روى الطبراني عن عبد الله بن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قام ليلة بمكة من الليل فقال: "اللهم هل بلغتُ (ثلاث مرات) " فقام عمر بن الخطاب، وكان أواهاً، فقال: اللهم نعم، وحضت وجهدت ونصحت، فقال: "ليطهرن الإيمان حتى يُرد الكفر إلى مواطنه، ولتُخاضَّنَّ البحارُ بالإسلام، وليأتين على الناس زمان يتعلمون فيه القرآن يتعلمونه ويقرؤونه، ثم يقولون قد قرأنا وعلمنا، فمن ذا الذي هو خيرٌ منا، فهل في أولئك من خيرٍ؟ " قالوا يا رسول الله: من أولئك؟ قال: "أولئك منكمْ، وأولئك هم وقود النار".
стр. 74
الفصل السابع
في الترهيب من كتم العلم
٦٨ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "منْ سُئل عن علمٍ فكتمهُ أُلْجِمَ يوم القيامة بلجامٍ من نارٍ".
وفي رواية (١) لابن ماجه قال: "ما مِنْ رجلٍ يحفظُ علمنا فيكتمُهُ إلا أتى يوم القيامة ملجُوماً بلجامٍ من نارٍ".
٦٩ - * روى ابن حبان عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "من كتم علماً ألْجَمَهُ الله يوم القيامةِ بلجامٍ من نارٍ".
٧٠ - * روى الطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من سُئِلَ عن علمٍ فكتمهُ جاء يوْمَ القيامة مُلْجماً بلجامٍ منْ نارٍ".
قال ابن الأثير (بلجام من نار) المُمْسِك عن الكلام ممثَّل بمن ألجم نفسه بلجام، والمعنى: أن الملجم نفسه عن قول الحق والإخبار عن العلم يُعاقب في الآخرة بلجام من نار، وذلك في العلم الذي يلزمه تعليمه إياه، ويتعين عليه فَرْضه، كمن رأى كافراً يريد الإسلام،
стр. 75
فيقول: علَّموني ما الإسلام، وما الدين؟ وكمن يرى رجلاً حديث عهد بالإسلام، ولا يُحسن الصلاة وقد حضر وقتُها، يقول: علموني كيف أصلي؟ وكمن جاء مُستفتيا في حلال أو حرام يقول: أفتوني، أرشدوني، فإنه يلزم في مثل ذلك أن يُعَرَّف الجواب: فمن منعه استحق الوعيد، (أقول: وكذلك في كل ما يجب بيانه وتعين على إنسان بعينه) وليس الأمر كذلك في نوافل العلم التي لا يلزم تعليمها.
قال سفيان الثوري: ذاك إذا كتم سنة، وقال: لو لم يأتني أصحاب الحديث لأتيتهم في بيوتهم ولو أني أعلم أحداً يطلب الحديث بنية لأتيته في منزله حتى أحدثه.
ومنهم من يقول إنه علم الشهادة.
٧١ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: "إنكم تقولون: إن أبا هريرة يُكثِرُ الحديث عن رسول الله ﷺ ، وتقولون: ما بالُ المهاجرين والأنصار لا يحدثون عن رسول الله ﷺ بمثل حديث أبي هريرة، وإن إخواني من المهاجرين كان يشغَلُهم الصَّفْقُ بالأسواق، وكنتُ ألزم رسول الله ﷺ على ملء بطني، فأشهدُ إذا غابوا، وأحفظُ إذا نسُوا، وكان يشغل إخواني من الأنصار عملُ أموالهم، وكنت امرأ مسكيناً من مساكين الصُّفَّة، أعي حين ينسوْنَ، ولقد قال رسول الله ﷺ في حديث يُحدِّثه: "أنه لن يَبْسُط أحد ثوبه حتى أقضي مقالتي ثم يجمع إليه ثوبه، إلا وعي ما أقول"ن فبسطتُ نمرةً عليَّ، حتى إذا قضى رسول الله ﷺ مقالته جمعتُها إلى صدري، فما نسيتُ من مقالة رسول الله صلى الله عليه تلك من شيءٍ.
وفي رواية (١): قال أبو هريرة. وذكر نحوه، وفي آخره "ولولا آيتان أنزلهما الله في كتابه
стр. 76
ما حدثت شيئاً أبداً (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) (١).
وفي أخرى (٢) نحوه، مع ذكر الآيتين. وفي آخره "فما نسيتُ شيئاً سمعتُه منه".
٧٢ - * روى البخاري عن أبي هريرة قال: قلت لرسول الله: إني أسمع منك حديثاً كثيراً أنساهُ، قال: "ابسُطْ رداءك، فبسطتُه، فغرف بيده، ثم قال: ضُمَّه، فضممْته، فما نسيت شيئاً بعدُ".
وفي أخرى (٣) لهما قال: إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، والله الموعدُ، وما كنتُ لأكذب على رسول الله صلى الله علي وسلم كي تهتدُوا وأضِلَّ، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثتُ حديثاً، ثم يتلو: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى ...) إلى قوله (وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ).
٧٣ - * روى البخاري إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلُهم الصَّفقُ بالأسواق، والأناصر كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزمُ رسول الله ﷺ بشبَعِ بطنه، ويحضر مالا يحضُرون، ويحفظُ مالا يحفظون ... الحديث.
٧٤ - * روى الطبراني عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مثل
стр. 77
الذي يتعلم العلم ثم لا يحدث به كمثل الذي يكنز الكنز فلا ينفق منه".
يجب على العالم أن يُعَلَّمَ وأن يعمل فإذا قصر في التعليم والعمل كان مقصراً مرتين وإذا عمل أحدهما كان مقصراً مرة.
فإذا كان تقصيره في فريضة متعينة عليه استحق بذلك العذاب إلا أن يعفو الله أما العالم المنافق فيكفيه نفاقه يوبقه.
٧٥ - * روى البخار يعن أبي هريرة ﵁ قال: "حفظت من رسول الله ﷺ وعاءين، فأما أحدها: فبثثته فيكم، وأما الآخر: فلو بثثته قُطع هذا البُلْعُوم".
أقول: في الحديث إشارة إلى أن ما كل ما يُعلم يقال: فبعض العلم لا يجب الكلام فيه.
٧٦ - * روى البخار يعن أبي ذرٍّ الغِفاري ﵁ قال: "لو وضعتم الصَّمْصامَة على هذه - وأشار إلى قفاه - ثم ظننتُ أني أُنْفِذُ كلمةً سمعتُها من رسول الله ﷺ قبل أن تجيزوا عليَّ لأنفذْتُها".
قال الحافظ في "الفتح": هذا التعليق رويناه موصولاً في مسند الدارمي وغيره من طريق الأوزاعي، حدثني أبو كثير يعني مالك بن مرثد عن أبيه قال: أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى وقد اجتمع عليه الناس يستفتونه، فآتاه رجل فوقف عليه ثم قال: ألم تُنه عن الفتيا، فرفع رأسه إليه فقال: أرقيب أنت علي؟ ل وضعتم ... فذكر مثله، ورويناه في "الحلية" من هذا الوجه.
أقول: هذا دليل على أن نشر العلم الشرعي مأذون به من الشارع ولا يحتاج إلى إذن من أحد.
стр. 78
الفصل الثامن
في وجوب التعلّم والتعلم
٧٧ - * روى الطبراني عن علقمة بن سعيد بن عبد الرحمن بن أبْزَى عن أبيه عن جدهِ قال: خطب رسول الله ﷺ ذات يومٍ فأثنى على طوائف من المسلمين خيراً، ثم قال: "ما بالُ أقوامٍ لا يُفقِّهُون جيرانهُمْ، ولا يُعَلِّمُونهُم، ولا يعطونهُمْ، ولا يأمرونهم ولا ينهونهم، وما بال أقوامٍ لا يتعلمون من جيرانهم، ولا يتفقهون، ولا يتعظون. والله ليُعَلِّمَنَّ قومٌ جيرانهم، ويفقهونهم، ويعظونهم، ويأمرونهم، وينهونهم، وليتعلمن قومٌ من جيرانهِم، ويتفقهون، ويتعظون أو لأعاجلنهم العقوبة"، ثم نزل فقال: "قومٌ من ترونهُ عني بهؤلاءِ؟ " قال: "الأشعريين هم قومٌ فقهاء، ولهم جيرانٌ جٌفاةٌ من أهل المياه والأعرابِ". فبلغ ذلك الأشعريين، فأتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله ذكرت قوماً بخيرٍ، وذكرتنا بشرٌّ فما بالنا؟ فقال: "ليُعَلِّمَنَّ قومٌ جيرانهم، وليعظنهم، وليأمرنَّهُم، ولينهونهم، وليتعلمن قومٌ من جيرانهم، ويتعظون ويتفقهون أو لأعاجلنهم العقوبة في الدنيا"، فقالوا: يا رسول الله أنُفَطِّنُ غيرنا فأعاد قوله عليهم فأعادوا قولهم، أنفط غيرنا. فقال ذلك أيضاً، فقالوا أمهلنا سنة فأملهم سنة ليفقهوهم، ويعلموهم، ويعظوهم"، ثم قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: (ٹ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) (١) الآية.
أقول: هذا الحديث نص في فرضية التعلم، والتفقه، وهو أصل أصيل في إلزامية التعليم الشرعي وعلى هذا فالمسلمون مكلفون أن ينظموا عملية إيصال العلوم الشرعية المطلوبة إلى
стр. 79
كل رجل وامرأة وأن يهيئوا كل ما يلزم لذلك، وفي الحديث دليل على أن شر العلم وجلسات الوعظ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الخير واجبةً على المسلمين.
* * *
стр. 80
الفصل التاسع
في الترهيب من أن يَعْلم ولا يعمل بعلمه ويقول ولا يفعله
٧٨ - * روى مسلم عن زيد بن أرقم ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ كان يقول: "اللهُمَّ إني أعوذُ بك من علمٍ لا ينفع، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن نفسٍ لا تشبعُ، ومنْ دعوةٍ لا يُستجابُ لها".
٧٩ - *روى الشيخان عن أسامة بن زيدٍ ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "يُجاءُ بالرجل يوم القيامة فيُلْقى في النار فتندلقُ أقتابُهُ فيدور بها كما يدور الحمار برحاهُ، فتجتمعُ أهل النار عليه فيقولون: يا فلان ما شأنك، ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن الشر وآتيه. قال وإني سمعته يقول: "يعني النبي ﷺ "مررتُ ليلة أُسري بي بأقوام تُقْرَضُ شفاههم بمقاريض من نارٍ، قلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال خطباء أمتك الذين يقولون مالا يفعلون".
٨٠ - * روى الترمذي عن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزولُ قدما عبدٍ حتى يُسأل عن عمرهِ فيم أفناهُ، وعن علمِه فيم فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاهُ؟ ".
٨١ - * روى الترمذي عن ابن مسعودٍ ﵁ عن النبي ﷺ قال:
стр. 81
"لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يُسأل عن خمسٍ: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وما عمل فيما علمَ؟ ".
٨٢ - * روى الطبراني عن جُندب بن عبد الله الأزدي ﵁ صاحب النبي ﷺ ، عن رسول الله ﷺ قال: "مثلُ الذي يُعَلِّمُ الناس الخيرَ وينسى نفسه كمثل السراج يضيءُ للناس ويحرقُ نفسهُ".
٨٣ - * روى أحمد عن عمرا نبن حُصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ أخوَفَ ما أخافُ عليكم بعدي كل منافقٍ عليم اللسانِ".
ومما يستأنس به في هذا المقام.
عن مالك بن دينار عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ "ما مِنْ عبدٍ يخطبُ خطبةً إلا الله سائلهُ عنها" أظنه قال: ما أرادبها. قال جعفر: كان مالكُ بن دينارٍ إذا حدث بهذا الحديث بكى حتى ينقطع، ثم يقول: تحسبُونَ أن عيني تقرُّ بكلامي عليكمْ، وأنا أعلمُ أن الله سائلي عنه يوم القيامة ما أردت به؟. رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي مرسلاً بإسناد جيد [ترغيب].
وعن لقمان يعني ابْنَ عامرٍ قال: كان أبو الدرداء ﵁ يقول: إنما أخشى من ربي يوم القيامة أنْ يدعوني على رؤوس الخلائق فيقول لي يا عويمرُ فأقولُ لبيك ربِّ، فيقول ما عملت فيما علمت؟. رواه البيهقي (ترغيب، وعليه إشارة الحسن).
* * *
стр. 82
الفصل العاشر
في الترهيب من المراء والجدال والمخاصمة والمحاججة والقهر والغلبة
٨٤ - * روى أبو داود عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا زعيم ببيتٍ في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وببيتٍ في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً وببيتٍ في أعلى الجنة لمن حسن خلقه".
٨٥ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "منْ ترك الكذب وهو باطلٌ بُني له في ربض الجنة، ومن ترك المراء وهو محقٌّ بُني له في وسطها، ومن حسن خلقه بُني له في أعلاها".
٨٦ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما ضلَّ قومٌ بعد هُدىً كانوا عليه إلا أوُتوا الجدل" ثم قرأ: (ما ضربوه لك إلا جدلا) (١).
٨٧ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ أبغض الرجال إلى الله الألدُّ الخصمُ".
أقول: إن المسلم مطالب بإقامة الحجة وهو ما دام في حدود إقامة الحجة من أجل
стр. 83
الإسلام أو من أجل تأكيد حق أو دفع باطل أو شبهة أو بدعة فإنه مأجور، وقد تكون إقامة الحجة في حق بعض الناس فريضة عينية والمذموم هو ما تجاوز إقامة الحجة، فالله نهانا أن نجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن قال تعالى (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (١) فإذا كان هذا مطلوباً في مجادلة أهل الكتاب فمن باب أولى غيرهم، وكثيراً ما يغيب عن الجدال حسن النية، وأحياناً يرافقه غضب وحدة وشدة وإيذاء وتجاوز للحق إلى الباطل، وهذه كلها تنتفي إذا تأدب الإنسان بآداب الشرع فاكتفى بالقدر الذي يحتاجه إحقاق الحق وإبطال الباطل أما الجدال الدنيوي فمهما تساهل الإنسان في حقه الشخصي فيه فذلك من مكارم الأخلاق.
٨٨ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: هجرتُ إلى رسول الله ﷺ يوماً، فسمع أصوات رجلين اختلفا في آيةٍ فخرج رسول الله ﷺ يُعْرَفُ في وجهه الغضبُ، فقال: "إنما هلك منْ كان قبلكم باختلافهم في الكتاب".
٨٩ - * روى أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سمع رسول الله ﷺ قوماً يتدارؤون، قال الرمادي: يتماروْنَ، فقال: "إنما هلك من كان قبلكم بهذا ضربُوا كتاب الله بعضه ببعضٍ، وإنما نزل كتاب الله يُصَدِّقُ بعضه بعضاً، فلا تُكذبوا بعضه ببعضٍ، فما علمتم منه فقولوه، وما جهلتم فكْلِوهُ إلى عالمه".
стр. 84
٩٠ - * روى أحمد عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "المِرَاءُ في القرآن كُفْرٌ".
واختلفوا في تأويله، ف قيل: معنى المراء: الشك، كقوله : (فلا تكن في مرية) (١) أي: في شكٍّ، وقيل: المراء: هو الجدال المشكك، وذلك أنه إذا جادل فيه، أدّاه إلى أن يرتاب في الآي المتشابهة منه، فيؤديه ذلك إلى الجحود، فسماه كفراً باسم ما يُخشى من عاقبته إلا من عصمه الله.
وتأوَّله بعضهم على المراء في قراءته، وهو أن يُنكرَ بعض القراءات المروية، وقد أنزل الله القرآن على سبعة أحرُفٍ، فتوَّعدهم بالكفر لينتهوا عن المراء فيها، والتكذيب بها، إذ كلُّها قرآنٌ منزلٌ يجب الإيمان به. وكان أبو العالية الرِّياحي إذا قرأ عنده إنسانٌ لم يقل: ليس هو كذا، ولكن يقول: أما أنا فأقرأ هكذا قال: شُعيب بن أبي الحبحاب: فذكرتُ ذلك لإبراهيم، فقال: أرى صاحبك قد سمع أنه من كفر بحرفٍ، فقد كفر بكُلِّه. شرح السنة (١/ ٢٦١ - ٢٦٣).
стр. 85
الفصل الحادي عشر
في
بعض آداب التعليم والتعلم
١ - التَّخَوُّلُ بالموعظةِ:
٩١ - * روى الشيخان عن شقيق بن سلمة قال: كان عبدُ الله بن مسعود يُذكِّر الناس في كل خميس، فقال له رجلٌ: يا أبا عبد الرحمن، لوددْتُ أنك ذكرتَنا كل يوم، قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكْرَه أن أُمِلَّكم، وإني أتَخُوَّلُكم بالموعظة، كما كان رسول الله ﷺ يتخوَّلُنَا بها مخافة السآمةِ علينا".
واختصره الترمذي (١) والبخاري أيضاً قال: قال عبد الله. "كان رسولُ الله ﷺ يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا".
وفي رواية (٢) قال: "كنا نَنْتَظِرُ خُروج عبد الله، إذ جاءنا يزيدُ بن معاوية الكوفي النخعي، فقلنا: ألا تجلسُ؟ فقال: لا، ولكن أنا أدخُل، فأُخرجُ لكم صاحبكم، وإلا جئتُ فجلستُ، فدخل فخرج به وأخذ بيده، فقام عبد الله علينا، فقال: أما إني أخبرُ بمكانكم، ولكنه يمنعني من الخروج إليكم: أن رسول الله ﷺ كان يتخوَّلُنا بالموعظة في الأيام كراهية السآمة علينا".
أقول: هناك موعظة وهناك تعليم فمجالس الوعظ يلاحظ فيها حال الناس وإقبالهم وفراغهم واستعدادهم أما إعطاء العلم لأهله والراغبين فيه فهذا كان دائماً في حياة رسول الله ﷺ والعلماء الربانيين.
стр. 86
روى البخاري عن عكرمةُ أن ابن عباس ﵄ قال: حدِّثِ الناس مرةً في الجمعة، فإن أبَيْتَ فمرتين، فإن أكثرت فثلاثاً، ولا تُملَّ الناس هذا القرآن، ولا ألفيناك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم، فتقُصَّ عليهم، فتقْطَع عليهم حديثهم، فتُمِلَّهم، ولكن أنصبت، فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه، وانظر السجعَ من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله ﷺ وأصحابه لا يفعلون ذلك.
قال ابن مسعود: حدِّث القوم ما حدَجُوك بأبصارهم وأقبلت عليك قلوبهم فإذا انصرفت عنك قلوبهم فلا تحدثهم، قيل وما علامة ذلك؟ قال: إذا التفت بعضهم إلى بعض ورأيتهم يتثاءبون فلا تحدثهم. وقوله حدجُوك: أي رموك بأبصارهم، يشتهون حديثك. شرح السنة ١/ ٣١٣.
٢ - في أدب السؤال والاختبار:
٩٢ - * روى البخاري عن ابن عمر كنا عند الني ﷺ فقال "أخبروني بشجرة تشبه أو كالرجل المسلم لا يتحاتُّ ورقُا ولا ولا ولا ولله تؤتي أكلها كلَّ حينٍ" فوقع في نفسي أنها النخلةُ، ورأيتُ أبا بكرٍ وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم، فلما لم يقولوا شيئاً قال ﷺ : "هي النخلةُ". فلما قمنا، قلتُ لعمر: يا أبتاه والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلةُ فقال ما منعك أن تتكلم؟ قال: لم أركم تكَلَّمون فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئاً فقال عمر لئن كنت قُلتها أحبُّ إليَّ من كذا وكذا.
ومن روايته (١) فوقع الناس في شجر البوادي ووقع في نفسي أنها النخلة.
- ومنها (٢): بينا نحن عنده ﷺ إذا أُتِيَ بجُمَّار نخلة فقال: "إن من
стр. 87
الشجر شجرةً لها بركةٌ كبركة المسلمِ"، فظننت أنه يعني النخلة فأردتُ أن أقول هي الخلةُ، فنظرت فإذا أنا عاشر عشرة أنا أحدثُهم. فسكتُ فقال: "فقال: "هي النخلةُ".
في دليل على أنه يجوز للعالم أن يطرح على أصحابه ما يختبرُ به علمهم.
أما ما رُوي عن معاوية أن النبي ﷺ نهى عن الأغلُوطاتِ فقال الأوزاعي: هي شرار المسائل، فمعناه: أن يقابل العالِمُ بصعاب المسائل التي يكثُرُ فيها الغلطُ، ليُسْتَزَلَّ ويُستسْقط فيها رأيُه.
وروى عن عبد الله بن مسعود أنه قال: أنذرتكم صِعابَ المنطق. يريد المسائل الدقاق والغوامض. وإنما نهي عنها، لأنها غير نافعة في الدين، ولا يكاد يكون إلا فيما لا يقع أبداً.
ويُكره للرجل أن يتكلف بسؤال ما لا حاجة به إليه، فإن دعتِ الحاجة إليه، فلا بأس، كما روي أن عمر أراد إظهار فضل عبد الله بن عباس على القوم، فسألهم عن قول الله تعالى: (إذا جاء نصر الله والفتح) قال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نُصرنا وفُتح علينا، وقال بعضهم: لا ندري، ولم يقل بعضهم شيئاً، فقال لابن عباس ما تقول؟ قال: قلت: أجلُ رسول الله ﷺ أعلمَهُ الله تعالى له، قال عمر، ما أعلمُ منها إلا ما تعلم.
وروى أن رجلاً سأل أُبيَّ بن كعب عن مسألةٍ فيها غموضٌ، فقال: هل كان هذا؟ قال: لا، قال: فأمهلني إلى أن يكون.
شرح السنة ١/ ٣٠٨.
٩٣ - * روى الشيخان عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه ﵄ أنَّ
стр. 88
النبي ﷺ قال: "أعظمُ المسلمينَ في المسلمينَ جُرماً من سأل عن شيءٍ لم يكنُ حُرِّمَ، فحُرِّمَ من أجل مسألته".
قال البغوي: المسألة وجهان. أحدهما: ما كان على وجه التبيُّنِ والتعلم فيما يُحتاج إليه من أمر الدين، فهو جائز مأمور به، قال الله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) [النحل: ٤٣] وقال الله تعالى: (فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك) [يونس: ٩٤] وقد سألت الصحابة رسول الله ﷺ مسائل، فأنزل الله بيانها في كتابه، كما قال الله : (ے ےيسألونك عن الأهلة) [البقرة: ١٨٩] (ويسألونك عن المحيض) [البقرة: ٢٢٢] (يسألونك عن الأنفال) [الأنفال: ١].
والوجه الآخر: ما كان على وجه التكلُّفِ، فهو منكروه، فسكوت صاحب الشرع عن الجواب في مثل هذا زجرٌ وردع للسائل، فإذا وقع الجوابُ، كان عقوبة وتغليظاً.
والمراد من الحديث هذا النوعُ من السؤال، وقد شدد بنو إسرائيل على أنفسهم بالسؤال عن وصفِ البقرة مع وقوع الغُنيةِ عنه بالبيان المتقدم، فشدد الله عليهم.
قال سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عُبيد بن عمير، قال: إن الله أحل حلالاً، وحرم حراماً، فما أحل، فهو حلال، وما حرم، فهو حرام، وما سكت عنه، فهو عفوٌ. قال سفيان: يريد قوله : (لا تسألوا عن أشياء) [المائدة: ١٠١].
وروى عن ابن عمر أنه سُئل عن شيء، فقال: لا أدري، ثم قال: أتريدون أن تجعلوا ظهورنا جُسوراً لكم في نار جهنم أن تقولوا: أفتانا ابنُ عمر بهذا. شرح السنة ١/ ٣١٠.
أقول: كان هذا في زمن النبوة أما الآن فلم يعد هناك تشريع مستقل إلا أننا نأخذ من الحديث أدباً: أن الإنسان في حياته العملية لا يكثر من سؤال من تلزم طاعته ولا يثير من المسائل أمام الأمراء ما يترتب عليه مشقة لنفسه أو للناس.
стр. 89
٩٤ - * روى الحاكم عن شعبة عن زياد بن عِلاقةَ سَمع أسامة بن شيكٍ قال: أتيتُ رسول الله ﵌ وأصحابه عنده كأن على رؤوسهم الطير، فسلمتُ وقعدتُ فجاء أعراب يسألونه حتى قالوا: أنتداوى؟ قال: "تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواءً". فسألوه عن أشياء. فقال: "عباد الله، وضع الله الحرج إلا امرؤٌ افترض أمراً ظلماً فلك حرجٌ وهُلْكٌ" قالوا ما خيرُ ما أُعطي الناسُ؟ قال: "خُلُقٌ حسنٌ".
٩٥ - * روى الشيخان أن المغيرة بن شعبة ﵁ كتب إلى معاوية أن رسول الله ﷺ "كان ينهى عن قِيلَ وقال، وإضاعة المال. وكثرة السُّؤال".
أقول: كثرة السؤال فيما لا يعني هي المنهي عنها أما فيما يعني فهي مطلوبة. وكذلك يه مطلوبة من طالب العلم، فطالب العلم لا يصل إلى حقيقة العلم إلا بلسان سؤول وقلب عقول.
٩٦ - * روى الطبراني عن أبي فراس رجل من أسلم قال: قال رسول الله ﷺ ذات يوم "سلوني عما شئتُم". فقال رجل يا رسول الله: من أبي؟ قال: "أبوك فلان الذي تُدعى إليه". وسأله رجل: في الجنة أنا؟ قال: "في الجنة". وسأله رجل في الجنة أنا؟ قال: "في النار". فقال عمر: رضينا بالله ربا.
أٌول: من مجموع الروايات لهذا الحديث ومن قول عمر ي حديث آخر: رضينا بالله رباً نعرف أن رسول الله ﷺ قال: "سلوني عما شئتم في حالة غضب" فكان
стр. 90
إنكاراً على السائلين، يفهم من ذلك أن السائل عليه أن يتخير لسؤاله من الأحوال ما هو مناسب.
٩٧ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لن يبرح الناس يتساءلون: هذا الله خالقُ كل شيء، فمن خلق الله؟ " وفي رواية (١) قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله : إن أُمتك لا يزالون يقولون: ما كذا؟ ما كذا؟ حتى يقولوا: هذا الله خالقُ الخلق؛ فمن خلق الله ؟ ".
وفي رواية عن أبي هريرة (٢) رفعه: "لا يزال الناس يسألونكم عن العلم حتى يقولوا هذا الله خالق كل شيء فمن خلق الله"، قال أبو هريرة وهو آخذ بيد رجل صدق الله ورسوله سألني اثنان وهذا ثالث.
وفي رواية (٣) يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا من خلق كذا حتى يقول من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينتهِ.
٩٨ - * ولأبي داود نحوه وقال "فإذا قالوا ذلك فقولوا الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ثم ليتفل عن يساره ثلاثاً وليستعذ من الشيطان".
وفي أخرى (٤): "لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا خلقُ الله فمن خلقَ الله فمن وجد من ذلك شيئاً فليقل آمنت بالله ورسله".
стр. 91
قال العلماء: هذا إذا لم تغلب الشبهة على قلبه وتفلسف له وإلا وجب عليه سؤال أهل العلم لكشف تلك الشبهة وإزالتها ووجب على العالم الإجابة لأنه علم واجب. (وهبي).
٩٩ - * روى الدارمي عن سليمان بن يسار إن رجلاً قدم المدينة فجعل يسألُ عن متشابه القرآن فأرسل إليه عمرُ وقد أعدَّ له عُرجوناً، فقال من أنت! قال أنا عبدُ الله صَبيغ فأخذ عمر العرجون وقال أنا عبد الله عمر، فجعل يضربُه حتى دميَ رأسهُ فقال يا أمير المؤمنين حسبُك قد ذهب الذي كنت أجدُ في رأسي.
قال الشوكاني في فصل المحكم والمتشابه من القرآن:
اعلم أنه لا اختلاف في وقوع النوعين فيه لقوله سبحانه - منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات - واختلف في تعريفهما فقيل المحكم ما له دلالة واضحة والمتشابه ماله دلالة غير واضحة فيدخل في المتشابه المجمل والمشترك، وقيل في المحكم هو متضح المعنى وفي المتشابه هو غير المتضح المعنى وهو كالأول ويندرج في المتشابه ما تقدم. والفرق بينهما أنه جعل في التعريف الأول الاتضاح وعدمه للدلالة، وفي الثاني لنفس المعنى.
وقيل المحكم ما عرف المراد منه إما بالظهور وإما بالتأويل والمتشابه ما استأثر الله بعلمه، وقيل المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجهاً واحداً والمتشابه ما احتمل أوجها، وقيل المحكم الفرائض والوعد والعيد والمتشابه القصص والأمثال، وقيل المحكم الناسخ والمتشابه المنسوخ، وقيل المحكم هو معقول المعنى والمتشابه هو غير معقول المعنى، وقيل غير ذلك. اهـ إرشاد الفحول.
وقال بعضهم: المحكم: ما حمل على معناه الراجح بحسب وضعه في اللغة. والمتشابه: ما حمل على معناه المرجوح، لقيام الدليل العقلي على استحالة المراد بظاهره الراجح، حتى احتاج إلى تأويل. انظر متشابه القرآن لزرزور ص ١٥ فما بعدها.
واختلافهم في تعريف المتشابه يعود إلى اختلافهم في الآيات المتشابهة وما يدخل فيه وما لا يدخل. قال البغوي:
стр. 92
وقيل: المحكم: هو الذي يُعرف بظاهره معناه (١).
وأما المتشابه، ففيه أقاويل، أحدها ما قال الخطابيُّ وجماعةٌ: ما اشتبه منه، فلم يُتَلقَّ معناه من لفظه، وذلك عن ضربين. أحدهما: إذا رُدّ إلى المحكم عُرف معناه، والآخر: مالا سبيل إلى معرفة كُنهه، والوقوف على حقيقته، ولا يعلمه إلا الله، وهو الذي يتبعه أهل الزيغ يبتغون تأويله، كالإيمان بالقدر والمشيئة، وعلم الصفات ونحوها مما لا نُتَعبَّدْ به، ولم يُكشف لنا عن سره، فالمتبع لها مُبتَغٍ للفتنة، لأنه لا ينتهي منه إلى حدٍّ تسكن إليه نفسه، والفتنة: الغلوُّ في التأويل المظلم. شرح السنة ١/ ٢٢٢.
١٠٠ - * "روى الشيخان عن أبي هريرة رفعه: "دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرةُ سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه وإذا أمرتُكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم".
روى الحاكم عن الأعمش عن شقيقٍ عن عبد الله قال: لقد سألني رجلٌ عن شيء ما أدري ما أقول؟ قال: أرأيت رجلاً مؤدباً نشيطاً حريصاً على الجهاد يقولُ يعزِمُ علينا أمراؤنا أشياء لا نُحصيها فقلتُ والله ما أدري ما أقول لك إلا أنا كنا نكون مع رسول الله ﷺ فلعله لا يأمرنا بشيءٍ إلا فعلناه وما أشبهُ ما غَبرَ من الدنيا إلا كالثَّغْب شُربَ صفْوُه وبقي كدرُهُ وإن أحدكم لن يزال بخير ما اتقى الله، وإذا حاك في نفسه شيء أتى رجلاً فسأله فشفاه، وايمُ الله ليشوكن أن لا يجدوه.
روى الدارمي عن ابن مسعود وقد سُئل عن شيءٍ فقال ابن مسعود للسائل: "ما سألتمونا عن شيءٍ من كتاب الله أو سُنةِ نبيه أخبرناكم ولا طاقة لنا بما أحدثتم".
стр. 93
٣ - في حسن التلقي والإلقاء والمدارسة:
١٠١ - * روى البخار يعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبُّون أن يُكذبَ الله ورسوله؟ "
١٠٢ - * روى لبخاري عن عبد الله بن أبي مُليكة "أن عائشة ﵂ كانت لا تسمع شيئاً لا تفهمه إلا راجعتْ فيه حتى تفهمه".
١٠٣ - * روى الطبراني عن أبي أمامة أن النبي ﷺ كان إذا تكلم تكلم ثلاثاً لكي يُفهم عنه.
١٠٤ - * روى أحمد عن أبي أُمامة قال: قال فتى من قيش: يا رسول الله ائذنْ لي في الزنى فأقبل القوم عليه وزجروه فقال: "ادْنُه" فدنا. فقال: "أتحبه لأمِّك؟ " قال لا والله، جعلني الله فداك. قال: "ولا الناسُ يحبونه لأمهاتهم". ثم قال له مثل ذلك في ابنته وأخته وعمته وخالته في كل ذلك يقول: "أتحبُه لكذا؟ " فيقول لا والله، جعلني الله فداك. فيقول ﷺ "ولا الناسُ يحبونه، فوضع يده عليه وقال: اللهم اغفر ذنبه وطهِّرْ قلبه وحصِّنْ فرجه"، فلم يكن بعد ذلك يلتفتُ إلى شيء.
١٠٥ - * روى الطبراني في الوسط عن ابن عمر قال: لقد عشت برهة من دهري وإن أحدنا يُؤتي الإيمان قبل القرآن وتنزل السورةُ على محمد ﷺ فنتعلمُ حلالها وحرامها وما ينبغي أن نقف عنده منها كما تعلمون أنتم القرآن ثم لقد رأيت رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأُ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجرهُ وما ينبغي أن يقف عنده وينثره نَثْرَ الدَّقَلِ.
стр. 94
١٠٦ - * روى الطبراني عن فضالة بن عبيد كان إذا أتاه أصحابه قال: تدارسوا وانشروا وزيدوا زادكم الله خيراً وأحبّكم وأحبَّ منْ يحبُّكم، رُدوا علينا المسائل فن أجر آخرها كأجر أولها واخلطوا حديثكم بالاستغفار.
١٠٧ - * روى الطبراني عن أبي نضرة (١) كان أبو سعيد يقول: تحدثوا فإن الحديث يُذكر بعضه بعضاً.
١٠٨ - * روى الحاكم عن علي: "تذاكروا الحديث فإنكم إن لا تفعلوا يندَرِس".
١٠٩ - * روى الحاكم عن عبد الله: "تذاكروا الحديث فإن ذكر الحديث حياته".
١١٠ - * روى الدارمي عن كثير بن مُرة قال: "لا تحدث الباطل للحكماء فيمقتُوك ولا تحدث الحكمة للسفهاء فيكذبوك، ولا تمنع العلم أهله فتأثم، ولا تضعْه في غير أهله فتجهل، إن عليك في علمك حقاً كما أن عليك في مالك حقاً".
٤ - في مجال العلم والعلماء وأدبهما:
١١١ - * روى الحاكم عن أبي سعيد قال: كان أصحاب النبي ﵌ إذا جلسوا كان حديثهم يعني الفقه إلا أنْ يقرأ رجل سورة أو يأمر رجلاً بقراءة سورةٍ.
١١٢ - * روى الحاكم عن يزيد بن عميرة أن معاذ بن جبلٍ لما حضرته الوفاةُ قالوا يا أبا عبد الرحمن أوصنا، قال: أجلسوني ثم قال إن العلم والإيمان مكانهما من التمسهما وجدهما قال: ذلك ثلاث مرات فالتمسوا العلم عند أربعةِ رهط: عند عويمر، أبي الدرداء وعند سلمان الفارسي وعند ابن مسعود وعند عبد الله بن سلام فإني سمعتُ رسول الله صلى
стр. 95
الله عليه وآله وسلم يقول: "إنه عاشرُ عشرةٍ في الجنة".
أقول: في الأثر للبحث عمن هم مظنة الإيمان والعلم ليأخذ المسلم علمه منهم.
١١٣ - * روى الحاكم عن بريدة قال: كنا إذا قعدنا عد رسول الله صلى الله عليه سلم لم نرفعْ رؤوسنا إليه إعظاماً له.
١١٤ - * روى الحاكم عن عبد الرحمن بن قُرط قال: دخلتُ المسجد فإذا حلقة كأنما قطعتْ رؤوسُهم وإذا رجل يحدثهم فإذا هو حذيفة قال: كان الناسُ يسألون رسول الله ﵌ عن الخيرِ وكنتُ أسألهُ عن الشر ... الحديث. أردنا منه أوله.
١١٥ - * عن الحاكم أيضاً عن سلمان أنه كان في عصابةٍ يذكرون الله فمر بهم رسول الله ﵌ فجاء نحوهم قاصداً حتى دنا منهم، فكفوا عن الحديث إعظاماً لرسول الله ﵌ فقال: "ما كنتم تقولون؟ فإني رأيتُ الرحمة تنزلُ عليكم فأحببتُ أن أشارككم فيها".
١١٦ - * روى الحاكم عن جابر: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، قال أولي الفقه والخير".
وورد أيضاً عن ابن عباس ﵄ وأولي الأمر منكم، يعني أهل الفقه والدين أوجب الله طاعتهم.
٥ - من الأدب عدم التكلف:
١١٧ - * روى البخاري عن أنس بن مالكٍ ﵁ قال: "كنت عند عُمر،
стр. 96
فسمعته يقول: نُهينا عن التكلُّفِ".
ويدخل في ذلك عدم التقعر في الكلام، وعدم التكلف للوعظ ولا يعني ذلك عدم التحضير.
٦ - في الاقتداء:
١١٨ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: لا يُقلدنَّ أحدكم دينه رجلاً فإن آمن آمن وإن كفر كفر وإن كنتم لابد مقتدين فاقتدوا بالميت فإن الحيَّ لا يؤمنُ عليه الفتنةُ,
٧ - من آداب أهل العلم، التواضع والخوف من الله:
١١٩ - * روى الدارمي عن عاصم بن ضمرة أنه رأى أناساً يتبعون سعيد بن جبير قال: فأراه قال نهاهم، وقال: إن صُنْعَكُم هذا أو مشيكُم هذا مذلةٌ للتابع، وفتنةٌ للمتبوع.
١٢٠ - * روى الدارمي عن بسطام بن مسلم قال: كان محمد بن سيرين إذا مشى معه الرجل قام فقال: ألك حاجةٌ؟ فإن كنت له حاجة قضاها، وإن عاد يمشي معه قام فقال ألك حاجةً؟
١٢١ - * روى الدارمي عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون أن تُوطأ أعقابُهم.
١٢٢ - * روى الدارمي عن الحسن: أن ابن مسعودٍ كان يمشي والناس يطؤون عقبهُ فقال: لا تطؤوا عقبي فوالله لو تعلمون ما أغلقُ عليه بابي ما تبعني رجلٌ منكم.
стр. 97
١٢٣ - * روى الدارمي عن صالح قال سمعت الشعبي قال: وددْتُ أني نجوتُ من علمي كفافاً لا لي ولا علي (١).
١٢٤ - * روى الدارمي عن علي قال إن الفقيه حق الفقيه من لم يُقنط الناس من رحمة الله ولا يؤمنهم من عذاب الله ولا يُرخص لهم في معاصي الله أنه لا خير في عبادة لا علم فيها ولا خير في علمٍ لا فهم فيه ولا خير في قراءة لا تدبر فيها.
٨ - في العلم بالسنن وآداب الرواية:
١٢٥ - * روى الطبراني عن حُميدٍ قال كنا مع أنس بن مالك فقال: والله ما كل ما نحدِّثُكم عن رسول الله ﷺ سمعناه منه ولكن لم يكن يُكذب بعضنا بعضاً.
١٢٦ - * أخرج الحاكم عن البراء قال ليس كلنا سمع حديث رسول الله ﵌ كانت لنا ضيعة وأشغال ولكن الناس كانوا لا يكذبون يومئذ فيحدِّث الشاهد الغائب.
أقول: هذا أصل في أن الصحابة عدول لا تضر جهالتهم.
١٢٧ - * روى أحمد عن البراء قال ما كل الحديث سمعناه من رسول الله ﷺ كان يحدثنا أصحابُه عنه كانت تشغلنا عنه رِعْيةُ الإبل.
١٢٨ - * روى الطبراني عن ابن مسعود قال لا يزالُ الناسُ صالحين متماسكين ما أتاهم
стр. 98
العلمُ من أصحاب محمد ﷺ ومن أكابرهم فإذا أتاهم من أصاغرهم هلكوا.
أقول: هذا أصل في الحرص على الرواية عن الأكابر لأنهم يعرفون كيف يضعون الأمور في مواضعها والنصوص في محالها ويعرفون الدقائق والحقائق والأسباب المؤثرة في الفتوى.
١٢٩ - * روى أحمد عن أبي حُميد وأبي أُسيد رفعاه: "إذا سمعتم الحديث عني تعرفُه قلوبُكم وتلينُ له أشعاركم وأبشارُكم وترون أنه منكم قريبٌ فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم وتنفرُ أشعارُكم وأبشارُكم منه وترون أنه منكم بعيدٌ فأنا أبعدكم منه".
أقول: هذا الحديث أصل في التفتيش عن علل الحديث الذي أصبح علماً برأسه، ولكن هذا لا يستطيعه إلا الأئمة الذين أحاطوا بالسنة رواية ودراية، أو الأئمة المجتهدون الذين أحاطوا بالشريعة رواية ودراية، ولا يصح أن يدَّعي هذا المقام أحد إذا لم يكن من مثل ما ذكرناه، فإنه إن فعل فذلك باب من أبواب الضلال العريض، فقد قالوا إن منكرَ الحديث الصحيح فاسق ومنكِرَ المتواتر كافر، فلا يؤمن على أحد يتكلم بدون علم إثباتاً أو نفياً لصحة حديث أو لقبول حديث موضوع أن يدخل في دائرة الفسوق أو الضلال أو الكفر.
١٣٠ - * روى مسلم عن مجاهد ﵀ قال: جاء بُشير العدويُّ إلى ابن عباس ﵁، فجعل يُحدِّث ويقول: قال رسول الله ﷺ [قال رسول الله ﷺ ] وجعل ابنُ عباس لا يأذن لحديثه، ولا ينظر إليه، فقال بُشيرٌ: يا ابن عباس مالي لا أراك تسمعُ لحديثي، أحدثك عن رسول الله ﷺ ، ولا تسمع؟ فقال ابن عباس: إنا كنا مرةً إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله ﷺ ، ابتدرتْهُ أبصارُنا، وأصْغَيْنَا إليه بأسماعنا، فلما ركب الناس الصعبَةَ والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرفُ".
стр. 99
وفي رواية (١) "فأما إذْ ركبتم كل صعبةٍ وذلولٍ، فهيهات".
١٣١ - * روى مسلم عن عبد الله بن أبي مُليكة قال: "كتبتُ إلى ابن عباسٍ، أسأله أن يكتُب لي كتاباً، ولا يُخفي عليَّ، فقال: ولدٌ ناصحٌ، أنا أختارُ له الأمور اختياراً، وأخفي عنه؟ قال: فدعا بقضاء علي بن أبي طالب، فجعل يكتب منه أشياء، [ويمرُّ به الشيء، فيقول: والله ما قضى بهذا عليٌّ، إلا أن يكون ضلَّ] ".
وفي أخرى (٢) قال: "أتيتُ ابن عباسٍ أسأله أن يكتب لي كتاباً، ولا يخفي عليَّ، فأتى ابن عباس بكتابٍ، يزعُم الذي معه: أنه من قضاء عليٍّ، فأكذب ابن عباس الذي هو معه، ومحاهُ إلا قدر - وأشار سفيان بذراعه". زاد في رواية وقال: ما قضى بهذا عليٌّ قطُّ.
أقول: هذا الأثر والذي قبله أصلان في التحقيق والتدقيق والتثبت الذي ينبغي أن يكون عليه أهل العلم.
١٣٢ - * روى ابن ماجه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قلت لزيد بن أرقم حدثنا عن رسول الله ﷺ قال: "كَبُرْنا ونسينا" والحديث عن رسول الله ﷺ شديد.
١٣٣ - * روى ابن ماجه عن عمرو بن ميمون قال: ما أخطأني ابن مسعود عشية خميس إلا أتيته فيه فما سمعته يقول لشيء قط، قال رسول الله ﷺ ، فلما كان ذات عشية قال: قال رسول الله ﷺ فنكس فنظرت إليه وهو قائم محللة أزرار قميصه قد أغرورقت عيناه وانتفخت أوداجه، قال أوْ دون ذلك أو فوق ذلك أو قريباً من ذلك أو شبيهاً بذلك.
стр. 100
١٣٤ - * روى الطبراني عن أبي إدريس الخولاني قال رأيتُ أبا الدرداء إذا فرغ من الحديث عن رسول الله ﷺ قال هذا أو نحوه أو شكله.
أقول: هذه أصول في الاحتراس إذا حدث الإنسان عن رسول الله ﷺ .
١٣٥ - * روى أحمد عن عليّ إذا حدثتكم عن النبي ﷺ حديثاً فظنوا به الذي هو أهياه وأهداه وأتقاه.
١٣٦ - * روى الدارمي عن قرظة بن كعبٍ قال بعثنا عمر إلى الكوفة وشيعنا فمشى معنا إلى موضع يقال له صرار. فقال أتدرون لم مشيتُ معكم؟ قلنا: لحقّ صُحبة رسول الله ﷺ ولحق الأنصار، قال لكني مشيتُ معكم لحديث أردتُ أن أحدثكم به، فأردت أن تحفظوه لممشاي معكم: إنكم تقدمُون على قومٍ للقرآن في صدورهم هزيزٌ كهزيز المرجَلِ فإذا رأوكم مدوا إليكم أعناقهم وقالوا أصحاب محمد ﷺ فأقِلُّوا الرواية عن رسول الله ﷺ ثم أنا شيككم. رواه الحاكم ووافقه الذهبي وهذا لفظه: عن قرظة بن كعب قال خرجنا نُريد العراق فمشى معنا عمر إلى صرار فتوضأ ثم قال أتدرون لم مشيت معكم قالوا: نعم نحن أًحاب رسول الله ﵌ مشيت معنا. قال: إنكم تأتون أهل قرية لهم دَوِيّ بالقرآن كدويِّ النحل فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم جردوا القرآن وأقِلوّا الرواية عن رسول الله ﵌ وامضوا وأنا شريككم، فلما قدم قرظة قالوا حدثنا قال: نهانا ابن الخطاب. إلا أن الحاكم قال: (فلا تبدؤهم بالأحاديث فيشغلونكم) والتصحيح من تذكرة الحفاظ فلا تصدوهم.
أقول: هذا أصل في أن العالم ينبغي أن يكون حكيماً (١)، فإذا وجد الناس يشتغلون بالهم
стр. 101
فلا يشغلهم بمهم عن الأهم، كما أنه أصل في إعطاء القرآن أولوية في الحفظ والتلاوة والتدبر.
١٣٧ - * روى الشيخان عن أبي هريرة: قال: قال رسول الله ﷺ : "من كذبَ عليَّ مُتعمداً فليتبوأ مقعده من النار".
١٣٨ - * روى مسلم عن سَمُرة بن جُندب عن النبي ﷺ قال: "من حدث عني بحديث يرى أنه كذبٌ فهو أحدُ الكاذبين".
أقول: رُويت كلمة الكاذبين على الجمع وعلى التثنية.
١٣٩ - * روى مسلم عن المغيرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن كذباً عليَّ ليس ككذبٍ على أحدٍ، فمن كذب عليَّ فليتبوأْ مقعدهُ من النار".
قال أبو عيسى: سألت أبا محمد عبد الله بن عبد الرحمن، قلت: من روى حديثاً وهو يعلم أن إسناده خطأ يكون قد دخل في هذا الحديث؟ فقال: لا إنما معنى الحديث إذا روى حديثاً، ولا يعرف لذلك الحديث عن النبي ﷺ أصلاً، فأخاف أن يكون قد دخل في هذا الحديث.
قال مالك: لا يكون الرجل إماماً وهو يحدث بكل ما سمع. شرح السنة ١/ ٢٦٧.
قال البغوي: اعلم أن الكذب على النبي ﷺ أعظمُ أنواع الكذب بعد ذلك الكافر على الله، وقد قال النبي ﷺ : "إن كذباً عليَّ ليس ككذبٍ على أحدٍ، من كذب عليَّ مُتعمداً فليتبوأ مقعده من النار".
ولذلك كره قوم من الصحابة والتابعين إكثار الحديث عن النبي ﷺ خوفاً من الزيادة والنقصان، والغلط فيه، حتى إن من التابعين كان يهاب رفع المرفوع، فيوقفه على الصحابي، ويقول: الكذب عليه أهون من الكذب على رسول الله ﷺ (١)، ومنهم من يُسنِد
стр. 102
الحديث حتى إذا بلغ به النبي ﷺ قال: قال، ولم يقل: رسول الله ﷺ ، ومنهم من يقول: رفعه، ومنهم من يقول: رواية، ومنهم من يقول: يبلغ به النبي ﷺ ، وكل ذلك هيبتةً للحديث عن رسول الله ﷺ ، وخوفاً من الوعيد. شرح السنة ١/ ٢٥٥.
١٤٠ - * روى الطبراني عن أوس بن أوس رفعه: "من كذب على نبيه أو على عينيه أو على والديه لم يرِحْ رائحة الجنة".
١٤١ - * روى البخاري عن عبد الله بن الزبير ﵁ قال: قلت لأبي: ما لي لا أسمعك تُحدث عن رسول الله ﷺ كما يُحدِّث فلان وفلان؟ قال: أما إني لم أفارقه منذ أسلمت، ولكني سمعته يقول: "من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار".
وفي رواية (١): ما يمنعك أن تحدث عن رسول الله ﷺ كما يحدث عنه أًحابك؟ قال: أما والله، لقد كان لي منه وجهٌ ومنزلةٌ، ولكني سمعته يقول ... وذكر الحديث.
١٤٢ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: إني ليمنعُني أن أحدثكم حديثاً كثيراً: أن النبي ﷺ قال: "من تعمد عليَّ كذباً فليتبوأ مقعده من النار".
١٤٣ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "من كذب عليَّ - حسبتُ أنه قال: متعمداً - فليتبوأ مقعده من النار".
١٤٤ - * روى الشيخان عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله
стр. 103
صلى الله عليه وسلم: "لا تكذبوا عليَّ، فإنه من كذب عليَّ يلجُ النار".
٩ - في حفظ الحديث:
١٤٥ - * روى الطبراني في الأوسط عن أبي نضرة قال قلت لأبي سعيد أكْتِبْنا قال: لن نكتبكم ولن نجعله قرآنا، ولكن خذوا عنا كما أخذنا عن نبي الله ﷺ كان أبو سعيد يقول تحدثوا فإن الحديث يذكر بعضه بعضاً.
أقول: قوله ولن نجعله قرآنا: فيه إشارة إلى أن الصحابة كانوا يعطون للقرآن من الأهمية والأولوية والخصوصية ما لا يعطونه لغيره وليس في ذلك امتهان لما سوى القرآن من العلم ولكن إشارة إلى ما هو أفضل من الفاضل.
١٤٦ - *روى الطبراني عن أبي بُردة بن أبي موسى قال: كتبت عن أبي كتاباً فقال لولا أن فيه كتاب الله لأحرقتُه ثم دعا بمركنٍ أو بإجّانة فغسلها ثم قال عِ عني ما سمعت مني ولا تكتبْ عني فإني لم أكتب عن رسول الله ﷺ كتاباً، كدت أن تُهلك أباك.
فائدة: سنرى أن الآخِرَ من فعل رسول الله صلى الله لعيه وسلم الإذن بالكتابة للحديث الشريف والأمر به، فقد أمر بكتابة ما طلب أبو شاه فيه فقال: اكتبوا لأبي شاه وسيرد أمره ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص رض الله عنه بأن يكتب عنه فإنه لا يُخرج من فمه إلا حقاً، وتمام الكلام في شرح النووي عند حديث مسلم (لا تكتبوا عني غير القرآن ..) ويبقى الحفظ مستحباً ولكن مع وجود الكتابة.
وفي العصور المتأخرة أهمل الناس الحفظ ووجد من يروّج لذلك وهو خطأ كبير وشر مستطير يكادان يقضيان على العلم كما عُرف عن السلف وتوارثته الأمة.
стр. 104
١٤٧ - * روى الطبراني عن ثُمامة قال: قال لنا أنس: قيّدوا العلم بالكتابة.
١٠ - الترهيب من رد حديث رسول الله ﷺ :
١٤٨ - * روى الترمذي عن المقدام بن معدِ يكرب رفعه: ألا هل عسى رجلٌ يبلغُه الحديث عني وهو متكئ على أريكته فيقول بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه وما وجدنا فيه حراماً حرمناه وإن ما حرَّم رسولُ الله كما حرم الله.
ولأبي داود (١) ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجلٌ شبعان على أريكته بنحوه.
رواه أيضاً ابن ماجه (٢) والترمذي وحديث أبي داود من حديثهما.
أقول: الإيمان بالسنة والتسليم لها فريضتان وإنكار حديث صحيح مع الأدب فسوق أما إذا رافق الإنكار سوء أدب مع رسول الله صلى الله علي وسلم أو سنته فذلك كفر وإنكار سنة متواترة كفر، وتكذيب النقلة الصادقين فسوق والعلم بالسنة أصل من أصول العلم وشرط من شروط الاجتهاد.
١١ - في آداب الفتوى والتثبت والمشاورة فيها:
١٤٩ - * روى الطبراني عن زيد بن ثابتٍ قال كنتُ أكتبُ الوحيَّ لرسول الله ﷺ وكان إذا نزل عليه الوحيُ أخذتهُ برحاءُ شديدةٌ وعرقَ عرقاً شديداً مثل الجُمان، ثم سُرِّيَ عنه،
стр. 105
فكنت أدخل عليه بقطعة الكتفِ أو كسرةٍ فأكتبُ وهو يُملي عليَّ فما أفرغُ حتى تكاد رجلي تنكسرُ من ثقل القرآن حتى أقول لا أمشي على رجلي أبداً فإذا فرغتُ قال: اقرأ فأقرأه فإن كان فيه سقطٌ أقامهُ ثم أخرجُ به إلى الناس.
قال النووي في التقريب عن الحديث الذي يدخل في باب الوجادة: هو من باب المنقطع وفيه شوب اتصال وجازف بعضهم وقال: حدثنا وأخبرنا ...
أقول: في هذا الحديث أدب التثبت من الكتاب بعد إملائه.
١٥٠ - * روى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أن عيسى ﵇ قال: إنما الأمورُ ثلاثةٌ: أمر تبيَّنَ لك رُشدهُ فاتبعه، وأمرٌ تبين لك غيهُ فاجتنبه، وأمرٌ اختلف فيه فرُدَّهُ إلى عالمٍ.
أقول: هذا أصل في أن يرجع المسلم إلى أهل الاختصاص حيثما أشكل عليه أمر.
١٥١ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ أُفْتيَ بغير علمٍ، كان إثمه على من أفتاه".
زاد في رواية (١): "ومنْ أشار على أخيه بأمرٍ يعلم أن الرُّشد في غيره، فقد خانهُ".
١٥٢ - * روى الطبراني في الأوسط عن عليٍّ قال: قلتُ يا رسول الله إن نزل بنا أمرٌ ليس فيه بيان أمرٍ ولا نهي فما تأمرني؟ قال: "شاوروا فيه الفقهاء والعابدين ولا تُمضوا فيه رأي خاصةٍ".
стр. 106
هذا أصل في فكرة الاجتهاد الجماعي وأن يتذاكر أهل العلم والعبادة في المسائل الجديدة قال الكوثري في إحدى مقالاته عن أبي حنيفة وكان يرأس هناك مجمعاً فقهياً عظمياً كيانه من نحو أربعين عالماً من أفذاذ أصحابه، يتدارسون فيه الفقه ويحاكمون بين أدلة المسائل إلى أن يستبين الصواب ككوكب الصبح فتدون المسائل الممحصة في الكتاب، وهذه كانت طريقة بديعة جداً في التفقيه، وبها ارتفع شأن العراق في الفقه في جميع البيئات العلمية.
قال الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد ١٤ - ٢٤٧) بسنده إلى ابن كرامة قال: كنا عند وكيع يوماً فقال رجل: أخطأ أبو حنيفة، فقال وكيع كيف يقدر أبو حنيفة يخطئ ومعه مثل أبي يوسف وزفر في قياسهما ومثل يحيى بن أبي زائدة وحفص بن غياث وحبان ومندل في حفظهم الحديث، والقاسم بن معن في معرفته باللغة العربية، وداود الطائي وفضيل بن عياض في زهدهما وورعهما. ومن كان هؤلاء جلساءه لم يكد يخطئ لأنه إن أخطأ ردوه. ا. هـ.
ولقد كان شيخنا محمد الحامد ﵀ يكثر من الاستشارة إذا واجهته مسألة، وفي ذكر العُبَّاد مع العلماء إشارة إلى ضرورة اجتماع العلم مع الورع لتكون الفتوى أكثر انسجاماً مع الشريعة.
١٥٣ - * روى البغوي عن ابن سيرين قال: سئل حذيفة عن شيءٍ، فقال: إنما يُفتى أحدُ ثلاثةٍ: من عرف الناسخ والمنسوخ، قالوا: ومن يعرف ذلك؟ قال: عمر. أو رجلٌ ولي سلطاناً فلا يجد بُدا، أو مُتكلِّفٌ.
١٥٤ - * روى أحمد عن عوف بن مالك الأشجعي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقُصُّ إلا أميرٌ أو مأمورٌ أو مختالٌ".
حكى عن ابن شريح أنه قال هذا في الخطبة.
وكان الأمراء يلون الخطبة يعظون فيها الناس. والمأمور: من يقيمه الإمام خطيباً،
стр. 107
والمختال: من نصب نفسه لذلك اختيالاً وتكبراً، وطلباً للرياسة من غير أن يُؤمر به. شرح السنة ١/ ٣٠٣.
أقول: بعد أن زالت الخلافة الراشدة استبدل العلماء بأمر الأمير الإجازة من أهلها لأهلها.
١٢ - في فرضية تحصيل العلوم الضرورية:
١٥٥ - * روى البخار يعن زيد بن ثابت ﵁ قال: أمرني رسول الله ﷺ ، فتعلمتُ له كتاب يهود - وفي رواية: بالسريانية - وقال: إني والله، ما آمنُ يهود على كتابي، فما مر بي نصفُ شهرٍ حتى تعلمته وحذفته، فكنت أكتب له إليهم، وأقرأ له كتبهم.
أقول: هذا الحديث أصل في أن كل علم احتاجه المسلمون لإقامة دينهم ودنياهم أو احتاجته دولتهم أو تعاملهم مع الآخرين فإن عليهم أن يحصّلوه، وهذه القضية متجددة متوسعة على مدى العصور، فما يطالب به أهل الجيل اللاحق أكثر مما يطالب به الجيل السابق على حسب المستجدات والاحتياجات وضرورات الحياة وضرورات الصراع الإسلامي مع كل ما سوى الإسلام، وهو كذلك دليل من أدلة فكرة فروض الكفاية، وعلى العلماء والأمراء أن يلحظوا ذلك في التربية والتخطيط.
١٣ - الأدب في تغير اجتهاد العالم:
١٥٦ - * روى الدارمي عن الحكم بن مسعودٍ أتينا عمر في المشتركة فلم يُشرِّك ثم أتيناه العام المقبل فشرَّك فقلنا له فقال تلك على ما قضينا وهذه على ما قضيناه.
стр. 108
(المسألة المشتركة)، مثل: ماتت زوجة وتركت زوجاً وأماً وإخوة لأم وإخوة لأبوين، فالنصف للزوج والسدس للأم والثلث للإخوة لأمٍّ ولا يشاركهم الأخوة لأبوين به أخذ أبو بكر وأخذ عمر ﵄ به أولاً، ثم قال بقول عثمان، وهو إشراك الإخوة لأبوين مع الإخوة لأم وتسمى مشتركةٌ وعثمانية. عن مجمع الأنهر ٢/ ٧٥٦.
هذا الأثر أصل في أن الظروف من ناحية وتغير الأحوال قد يترتب عليه تغير الاجتهاد وقد يتغير الاجتهاد كأثر عن زيادة العلم، ومن ههنا تتغير الأحكام بتغير الأزمان وتتجدد أقضية لتجدد اجتهاد أو لتجدد حوادث. ومن ههنا فإن عملية التقنين في المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية علمية تحتاج إلى إعادة نظر مستمرة ولا يدخل في دائرة النظر ما فيه نص قطعي الدلالة قطعي الثبوت فلا اجتهاد في مورد النص ولا اجتهاد إلا من أهله في محله.
١٤ - في اجتناب أهل الهوى والابتداع:
١٥٧ - * روى الطبراني عن عوف بن مالك رفعه: "تفترقُ أُمتي على بضعٍ وسبعين فرقة أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام ويحرمون الحلال".
أقول: هذا نموذج على من يفتون بلا علم كأثر من تحكيم عقل أو هوى لا كما توهَّم بعضهم أنه في القياس الشرعي من أهله.
١٥٨ - * روى الحاكم عن أبي عامرٍ عبد الله بن يحيى قال حججنا مع معاوية بن أبي سفيان فلما قدمنا مكة أخبر بقاصٍّ يقصُّ على أهل مكة مولى لبني فروخ فأرسل إليه معاوية فقال أمرت بهذه القصص؟ قال: لا، قال (١): فما حملك على أن تقص بغير إذن: قال: ننشئ علماً علمناه الله فقال معاوية لو كنت تقدمت إليك لقطعت منك
стр. 109
طائفة، ثم قام حين صلى الظهر بمكة فقال: قال النبي ﵌: "إن أهل الكتاب تفرقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة وتفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة ويخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه فلا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله" والله يا معشر العرب لئن لم تقوموا بما جاء به محمد صلى الله ليه وآله وسلم لغير ذلك أحرى أن لا تقوموا به.
١٥٩ - * روى أبو داود عن يزيد بن عميرة وكان من أصحاب معاذ بن جبل ﵁ قال: كان لا يجلس مجلساً للذكر، إلا قال حين يجلس: الله حكمٌ قسطٌ، هلك المرتابون، فقال معاذ بن جبل يوماً: إن وراءكم فتناً يكثرُ فيها المال، ويُفتح فيها القرآن حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والعبد والحرُّ، والصغير والكبير، فيوشك قائلٌ أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآنظ؟ وما هم بمُتِّبِعيَّ حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع، فإنما ابتدع ضلالةً، وأحذركم زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان لحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق، قال: قلت لمعاذ: وما تدري رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق يقول كلمة الحق؟ قال: بلى، اجتنبْ من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال: ما هذه؟ ولا يثنينك ذلك عنه، فإنه لعله يُراجع، وتلقَّ الحق إذا سمعته، فإن على الحق نوراً.
وفي رواية (١): ولا يُنبئنك ذلك عنه وفيها "بالمشتبهات" عوض "المشتهرات".
وفي أخرى (٢) قال: بلى، ما تشابه عليك من قول الحكيم، حتى تقول: ما أراد بهذه الكلمة؟
стр. 110
أقول: هذا نموذج على صنفٍ من الناس يحمله حب الرئاسة على ركوب متن الابتداع والعياذ بالله تعالى.
١٥ - الاغتباط في العلم والحكمة من الأدب:
قال الله (وقل رب زدني علما) (١).
١٦٠ - * روى البخار يعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا حسد إلا في اثنين رجل آتاه الله مالاً، فسلطه على هلكته في حق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويُعلمها".
قال البغوي: المراد من الحسد المذكور في الحديث هو الغبطةُ، فإن الغبطة هي أن يتمنى أن يكون له مثل ما لأخيه من غير أن يتمنى زوالها عن أخيه.
والحسد المذموم أن يرى الرجل لأخيه نعمة يتمناها لنفسه وزوالها عن أخيه.
قال ابن الأعرابي: الحسد مأخوذ عن الحسدل، وهو القُراد، والحسد يقشِرُ القلب، كما يقشرُ القرادُ الجلد، فيمصُّ الدم.
ومعنى الحديث: التحريض والترغيب في التصدق بالمال، وتعلُّمِ العلم.
وقيل: إن فيه تخصيصاً لإباحة نوع من الحسد، وإن كانت جملتُه محظورةً، كقوله ﷺ : "لا يحل الكذب إلا في ثلاث: الرجل يكذبُ في الحرب، ويُصلحُ بين اثنين، ويُحدثُ أهلهُ".
وقيل: لا حسد إلا في اثنين، أي: لا يضر الحسد إلا في اثنين، وهو أن يتمنى زوالها عن أخيه، فيضره، والأول أولى. شرح السنة ١/ ٢٢٩.