← Общие книги

Общие книги · id 1833

عدالة الصحابة رضى الله عنهم ودفع الشبهات

عماد السيد محمد إسماعيل الشربينى

Полный текст (143 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

هذا الكتاب يتناول فيه المؤلف الرد علي الطاعنين في عدالة صحابة سيدنا رسول الله ﷺ ، من أعداء الإسلام من المستشرقين، وأذيالهم ممن يسمون أنفسهم (القرآنيون) وذلك من خلال عدة قضايا أهمها مايلى: - بيان أن الصحابة ﵃ هم حجر الزاوية فى بناء الأمة المسلمة، عنهم قبل غيرهم تلقت الأمة كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ، فالغض من شأنهم والتحقير لهم، بل النظر إليهم بالعين المجردة من الإعتبار، لا يتفق والمركز السامى الذي تبوءوه، ولا يوائم المهمة لكبرى التى انتدبوا لها ونهضوا بها. كما أن الطعن فيهم والتجريح لهم، يقوض دعائم الشريعة، ويشكك فى صحة القرآن، ويضيع الثقة بسنة سيدالأنام ﷺ ! ؛ فضلاَ عن أنه تجريح وقدح فيمن بوأهم تلك المكانة، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس!!! - بيان أن المنافقين الذين كشف الله ورسوله - سترهم، ووقف المسلمون على حقيقة أمرهم، والمرتدين الذين ارتدوا فى حياة النبى ﷺ وبعد وفاته، ولم يتوبوا ويرجعوا إلى الإسلام، وماتوا على ردتهم، هم بمعزل من شرف الصحبة، وبالتالى بمعزل عن أن يكونوا من المرادين بقول جمهور العلماء والأئمة إنهم عدول، وفى تعريف العلماء للصحبة ما ينفى عنها هؤلاء؛ وأولئك. - إن الآيات القرآنية، التى جاء فيها عتاب للصحابة أو لبعضهم لارتكابهم بعض المعاصى لخير دليل شاهد على أن المراد بعدالتهم جميعاً؛ عصمتهم من الكذب فى حديث سيدنا رسول الله ﷺ ، وليس معنى عدالتهم عصمتهم من المعاصى أو من السهو أو الغلط، فهذا لم يقل به أحد من أهل العلم، وحتى مع ارتكاب بعضهم لبعض الذنوب، فقد امتن الله عليهم بالتوبة والمغفرة لذنوبهم؛ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

стр. 2

- أن الصورة الحقيقية لسيدنا معاوية ﵁، تخالف الصورة الكاذبة التى يصورها الزنادقة من الرافضة؛ ومن تابعهم من أعداء الإسلام، والسنة المطهرة، تلك الصورة التى تنكر ما جاء فى السنة المطهرة عن رسول الله ﷺ ، وعن الصحابة، والتابعين، من الشهادة له بالصحبة، والفقه، والملك العادل، وحسن السيرة، حتى شهد له من أدركه كمجاهد؛ والأعمش بأنه المهدى. - ما اتهم به سيدنا أبو هريرة ﵁، من أكاذيب وافتراءات من قبل أرباب الأهواء قديماً وحديثاً، سندهم فيه إما روايات مكذوبة أو ضعيفة، وإما روايات صحيحة لم يفهموها على وجهها، بل تأولوها تأويلاً باطلاً يتفق وأهواءهم. ونسأل الله التوفيق والسداد ...

стр. 3

عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات الدكتور عماد السيد الشربيني مدرس الحديث وعلومه بجامعة الأزهر ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٥ م

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال الله ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١) . وقال رسول الله ﷺ " إن الله اختار أصحابي على العالمين، سوى النبيين والمرسلين، واختار لي من أصحابي أربعة: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلياً ﵃ فجعلهم أصحابي قال في أصحابي كلهم خير، وأختار أمتي على الأمم وأختار من أمتي أربعة قرون القرن الأول، والثاني، والثالث، والرابع " (٢) .

стр. 5

تقديم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام علي المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلي آله، وصحبه البررة الأوفياء، أئمة الدين، وصفوة الخلق بعد الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عمن تبع سنتهم، وسلك طريقتهم، واقتفى أثرهم، ونصرهم إلى يوم الدين. ثم أما بعد فإن الطعن فى عدالة رواة السنة النبوية من صحابة رسول الله ﷺ ، والتابعين فمن بعدهم إلى الأئمة أصحاب المصنفات الحديثية، من وسائل غلاة المبتدعة الرافضة، والخوارج، والمعتزلة، والزنادقة (١) - فى الطعن فى السنة النبوية. وغرضهم من ذلك تحطيم الوسيلة التى وصلت السنة النبوية بها إلينا، وإذا تحطمت الوسيلة يصبح الأصل معتمداً على لا شئ فيصبح لا شئ. وقديماً صرح بذلك أحد الزنادقة فيما رواه الخطيب البغدادي فى تاريخه عن أبى داود السجستانى قال: "لماء جاء الرشيد بشاكر - رأس الزنادقة ليضرب عنقه - قال: أخبرنى، لم تعلِّمون المتعلم منكم أول ما تعلمونه الرفض - أى الطعن فى الصحابة -؟ قال: إنا نريد الطعن على الناقلة، فإذا بطلت الناقلة؛ أوشك أن نبطل المنقول" (٢) . وبذلك صرح ذيل (شاكر) محمود أبو ريه فى كتابه أضواء على السنة قائلاً: "إن عدالة الصحابة تستلزم ولا ريب الثقة بما يروون، وما رووه قد حملته كتب الحديث بما فيه من غثاء، وهذا الغثاء هو مبعث الضرر وأصل الداء" (٣) . نعم: إن الصحابة ﵃ "هم حجر الزاوية فى بناء الأمة المسلمة، عنهم قبل غيرهم تلقت الأمة كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ، فالغض من شأنهم والتحقير لهم، بل النظر إليهم بالعين المجردة من الإعتبار، لا يتفق والمركز السامى الذي تبوءوه، ولا يوائم المهمة الكبرى التى انتدبوا لها ونهضوا بها.

стр. 6

كما أن الطعن فيهم، والتجريح لهم؛ يغال فى الباطل! ، وتهجم على الأكابر، وجرح لشعور المسلمين، وهو مرفوض بادئ ذى بدء، كما أنه يقوض دعائم الشريعة، ويشكك فى صحة القرآن، ويضيع الثقة بسنة سيد الأنام ﷺ ! ؛ فضلاَ عن أنه تجريح وقدح، فيمن بوأهم تلك المكانة، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس!!! . ولا يقبل عاقل مثل هذا القول!!. لذلك عنى علماء الإسلام قديماً وحديثاً، بالدفاع عن عدالة الصحابة، لأنه - كما رأيت - دفاع عن الإسلام، ولم يكن ذلك الدفاع نزوة هوى، ولا عصبية؛ بل كان نتيجة لدراسات تحليلية وأبحاث تاريخية، وتحقيقات بارعة واسعة، عرضتهم على أدق موازين الرجال؛ مما تباهى به الأمة الإسلامية كافة الأمم والأجيال. وبعد هذا التحقيق والتدقيق، خرج الصحابة ﵃ من بوتقة هذا البحث، وإذا هم خير أمة أخرجت للناس، وأسمى طائفة عرفها التاريخ، وأنبل أصحاب لنبي ظهر على وجه الأرض، وأوعى وأضبط جماعة لما استحفظوا عليه من كتاب الله ، وهدى رسول الله ﷺ ، وقد اضطر أهل السنة والجماعة، أن يعلنوا رأيهم هذا كعقيدة، فقرروا أن الصحابة كلهم عدول. ولم يشذ عن هذا الرأى إلا المبتدعة والزنادقة قبحهم الله" (١) . وطعون المبتدعة والزنادقة قديماً وحديثاً فى صحابة سيدنا رسول الله ﷺ كثيرة. وسوف أتناول هنا بمشيئة الله تعالى نماذج من تلك الطعون والشبهات؛ التي طعنوا بها في عدالة الصحابة، استعرضها وأفندها. على أن أًفرد أيضاً ترجمة لراوية الإسلام الأول أبو هريرة ﵁ لنتعرف على مكانته فى الإسلام. وهذا البحث يقع في ثمانية مباحث: المبحث الأول: التعريف بالصحابة لغة واصطلاحاً. المبحث الثاني: التعريف بالعدالة لغة واصطلاحاً.

стр. 7

المبحث الثالث: أدلة عدالة الصحابةرضي الله عنهم. المبحث الرابع: شبهات حول عدالة الصحابة والرد عليها. المبحث الخامس: سنة الصحابة ﵃ حجة شرعية. المبحث السادس: من أراد معاوية ﵁ فإنما أراد الصحابة جميعاً ﵃. المبحث السابع: شبهات حول راوية السنة الأول (أبو هريرةرضي الله عنه) والرد عليها. المبحث الثامن: حكم الطاعن فى عدالة الصحابة ﵃. الخاتمة: في نتائج هذا البحث، وفهرس الموضوعات. منهجي في البحث: ١ـ استعرضت شبه ومطاعن أهل الزيغ والهوي، قديمَا وحديثَا، المتضمنة الطعن في عدالة صحابة سيدنا رسول الله ﷺ ، وقرنت ذلك بالرد الحاسم الذي يبين بطلان وزيف تلك الشبه والمطاعن معتمدَا في ذلك علي القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، وكلام أهل السنة قديمَا وحديثَا. ٢ ـ بينت مواضع الآيات التي وردت في البحث بذكر اسم السورة، ورقم الآية في الهامش، مع وضع الآية بين قوسين. ٣ ـ عزوت الأحاديث التي أوردتها في البحث إلي مصادرها الأصلية، من كتب السنة المعتمدة فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بالعزو إليهما، بذكر اسم الكتاب، واسم الباب، وذكر الجزء والصفحة ورقم الحديث، وأقدم في التخريج من ذكرت لفظه، مع البيان غالباً لدرجة الحديث، من خلال أقوال أهل العلم بالحديث، أو دراستي للسند، إن كان الحديث في غير الصحيحين، وفيما عدا ذلك اقتصر على ما يفيد ثبوت الحديث أورده. ٤ ـ اعتمدت في التخريج من الصحيحين على طبعتى البخارى "بشرح فتح البارى" لابن حجر، والمنهاج "شرح صحيح مسلم" للنووي، لصحة متون الأحاديث في الشرحين، ولصحة عرضهما على أصول الصحيحين، وتسهيلاً للقارئ لكثرة تداول تلك الشروح، وإتماماً للفائدة بالإطلاع على فقه الحديث المخرَّج.

стр. 8

٥ ـ التزمت عند النقل من أي مرجع، أوالإستفادة منه الإشارة إلى رقم جزئه وصفحته بالإضافة إلى ذكر طبعات المراجع في الفهرست. ٦ـ عند النقل من فتح البارى، أو المنهاج شرح مسلم للنووي، أذكر رقم الجزء والصفحة ورقم الحديث الوارد فيه الكلام المنقول، تيسيراً للوصول إلى الكلام المنقول، نظراً لاختلاف رقم الصفحات تبعاً للطبعات المتعددة. ٧ـ اكتفيت في تراجم الأعلام من الصحابة بذكر مصادر تراجمهم بذكر رقم الجزء والصفحة ورقم الترجمة، ولم أترجم لهم لعدالتهم جميعا، ولم أخالف في ذلك إلا في القليل عندما تقتضى الترجمة الدفاع عن شبهة. ٨ ـ ترجمت لكثير من الأعلام الذين جرى نقل شئ من كلامهم، مع ذكر مصادر تراجمهم، بذكر رقم الجزء والصفحة ورقم الترجمة. ٩- شرحت المفردات الغريبة التي وردت في بعض الأحاديث مستعيناً في ذلك بكتب غريب الحديث، ومعاجم اللغة، وشروح الحديث. والله أسال أن ينفع بما كتبت، وأن يتقبله خالصَا لوجهه الكريم. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الراجي عفو ربه الكريم أبو نور الدين د/ عماد السيد محمد الشربيني مدرس الحديث وعلومه بكلية أصول الدين جامعة الأزهر

стр. 9

المبحث الأول: التعريف بالصحابة لغةً واصطلاحاً ... الصحابة فى اللغة: يقال صحب أى دعاه إلى الصحبة ولازمه، وكل شئ لازم شيئاً فقد استصحبه (١) . ... وقال أبو بكر الباقلانى (٢) : "لا خلاف بين أهل اللغة فى أن القول "صحابى" مشتق من الصحبة، وأنه ليس بمشتق من قدر منها مخصوص، بل هو جار على كل من صحب غيره قليلاً كان أو كثيراً ... يقال صحبت فلاناً حولاً، ودهراً، وسنة، وشهراً، ويوماً، وساعة، فيوقع اسم المصاحبة بقليل ما يقع منها وكثيرة. وذلك يوجب فى حكم اللغة: إجراء هذا على من صحب سيدنا رسول الله ﷺ أى قدر من الوقت. (٣) . ... وقال الإمام ابن تيمية (٤)

стр. 10

: "والأصحاب جمع صاحب، والصاحب اسم فاعل من صحبه يصحبه، وذلك يقع على قليل الصحبه وكثيرها" (١) . وعلى هذا التعريف اللغوى جرى أصحاب الحديث فى تعريفهم بالصحابى اصطلاحاً: فذهبوا إلى إطلاق (الصحابى) على كل من صحب سيدنا رسول الله ﷺ ، ولو ساعة واحدة فما فوقها. الصحابة فى الاصطلاح: قال الإمام بدر الدين الزركشى (٢) : "ذهب الأكثرون إلى أن الصحابى من اجتمع - مؤمناً - بسيدنا محمد ﷺ وصحبه ولو ساعة، روى عنه أو لا، لأن اللغة تقتضى ذلك، وإن كان العرف يقتضى طول الصحبة وكثرتها ... وهو ما ذهب إليه جمهور الأصوليين، أما عند أصحاب الحديث فيتوسعون فى تعريفهم لشرف منزلة النبى ﷺ (٣) . ... يقول الإمام ابن حزم (٤)

стр. 11

: " فأما الصحابة ﵃ فهم كل من جالس النبى ﷺ ولو ساعة، وسمع منه ولو كلمة فما فوقها، أو شاهد منه ﵇ أمراً يعيه " (١) . والتعريفات التى وضعها العلماء للصحابة (اصطلاحاً) كثيرة، ولكن التعريف الصحيح المعتمد هو ما قرره الحافظ ابن حجر (٢) بقوله: "وأصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابى هو من لقى النبى ﷺ مؤمناً به، ومات على الإسلام، ولو تخللت ردة على الأصح. ثم شرح التعريف فقال: "فيدخل فيمن لقيه" من طالت مجالسته له، أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه رؤية، ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى. ومن هنا كان التعبير بالًّلقِىِّ أولى من قول بعضهم: "الصحابى من رأى النبى ﷺ " لأنه يخرج حينئذ ابن أم مكتوم ونحوه من العميان وهم صحابة بلا تردد. ويخرج "بقيد الإيمان" من لقيه كافراً ولو أسلم بعد ذلك إذا لم يجتمع به مرة أخرى. وقولنا"به"يخرج من لقيه مؤمناً بغيره كمن لقيه مؤمناً من مؤمنى أهل الكتاب قبل البعثة. ويدخل فى قولنا "مؤمناً به" كل مكلف من الجن والإنس ...٠

стр. 12

وخرج بقولنا "ومات على الإسلام" من لقيه مؤمناً به ثم ارتد ومات على ردته والعياذ بالله - كعبيد الله بن جحش، وابن خطل، ويدخل فيه من ارتد وعاد إلى الإسلام قبل أن يموت سواء اجتمع به ﷺ مرة أخرى أم لا، كالأشعث بن قيس فإنه كان ممن ارتد ثم أسلم فى حياة رسول الله ﷺ ، لكنه لم يلقه. وأتى به إلى أبى بكر الصديق أسيرا ً، فعاد إلى الإسلام فقبل منه، وزوجه أخته، ولم يتخلف أحد عن ذكره فى الصحابة، ولا عن تخريج أحاديثه فى المسانيد وغيرها. ... وهذا هو الصحيح المعتمد، ووراء ذلك أقوال شاذة أخرى كقول من قال لا يعد صحابياً إلا من وصف بأحد أوصاف أربعة: من طالت مجالسته، أو حفظت روايته، أو ضبط أنه غزا معه، أو استشهد بين يديه، وكذا من اشترط فى صحة الصحبة بلوغ الحلم، أو المجالسة ولو قصرت" (١) . قال الحافظ السيوطى (٢) مؤيداً الحافظ ابن حجر- رحمهما الله تعالى-: "وهو المعتبر " (٣) .

стр. 13

وذهب إليه الجمهور من الأصوليين، منهم الآمدى فى الإحكام (١) ، وابن عبد الشكور فى فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت (٢) ، والزركشى فى البحر المحيط (٣) ، والشوكانى فى إرشاد الفحول (٤) وغيرهم. ويقول الحافظ السخاوى (٥) مؤيداً رأى شيخه ابن حجر "والعمل عليه عند المحدثين والأصوليين" (٦) .

стр. 14

السر فى التعميم فى تعريف الصحابى: ... التعميم فى تعريف الصحابى نظراً إلى أصل فضل الصحبة، ولشرف منزلة النبى ﷺ ، ولأن لرؤية نور النبوة قوة سريان فى قلب المؤمن، فتظهر آثارها على جوارح الرائى فى الطاعة والاستقامة مدى الحياة، ببركته ﷺ ويشهد لهذا قوله ﷺ : " طوبى لمن رآنى وآمن بى، وطوبى لمن رأى من رآنى، ولمن رأى من رأى من رآنى وآمن بى " (١) . وفى ذلك يقول الإمام السبكى (٢) : "والصحابى هو كل من رأى النبى ﷺ مسلماً، وقيل: من طالت مجالسته، والصحيح الأول، وذلك لشرف الصحبة، وعظم رؤية النبى ﷺ ، وذلك أن رؤية الصالحين لها أثر عظيم، فكيف رؤية سيد الصالحين؟! فإذا رآه مسلم ولو لحظة، انطبع قلبه على الاستقامة، لأنه بإسلامه متهيئ للقبول، فإذا قابل ذلك النور العظيم، أشرق عليه وظهر أثره فى قلبه وعلى جوارحه" (٣) .

стр. 15

يقول الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة ﵀: "فالتعميم فى تعريف (الصحابى) نظراً إلى أصل فضل الصحبة، وأما تفاوت من يشملهم هذا اللقب فى الفضل والدين وسائر خصال الخير ... فهذا أمر وراء ذلك" (١) أ. هـ. طريق معرفة الصحبة: ... تثبت الصحبة بأمور متعددة منها: التواتر كأبى بكر الصديق المعنى بقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٢) وسائر العشرة المبشرين بالجنة وغيرهم. أو باشتهار قاصر عن التواتر؛ وهو الاستفاضة، كعكاشة بن محصن، وضمام بن ثعلبة وغيرهما. أو بقول صاحب آخر معلوم الصحبة، إما بتصريح بها كأن يجئ عنه أن فلاناً له صحبة مثلاً أو نحوه، كقوله: كنت أنا وفلان عند النبى ﷺ ، أو دخلنا على النبى ﷺ . بشرط أن يعرف إسلام المذكور فى تلك الحالة. ٤- وكذا تعرف بقول آحاد ثقات التابعين؛ على الراجح من قبول التزكية من عدل واحد" (٣) . انتهى.

стр. 16

المبحث الثانى: التعريف ب العدالة لغة واصطلاحاً ... العدالة لغة: العدل ضد الجور، يقال عدل عليه فى القضية فهو عادل، وبسط الوالى عدله ومَعْدِلَتَه - بكسر الدال وفتحها -، وفلان من أهل المَعْدَلَة - بفتح الدال -، أى: من أهل العدل، ورجل عدل، أى: رضا ومقنع فى الشهادة. والعدالة: وصف بالمصدر معناه ذو عدل، قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١) ويقال: رجل عدل ورجلان عدل، ورجال عدل، وامرأة عدل، ونسوة عدل، كل ذلك على معنى رجال ذوو عدل، ونسوة ذوات عدل، فهو لا يثنى، ولا يجمع، ولا يؤنث، فإن رأيته مجموعاً، أو مثنى أو مؤنثاً، فعلى أنه قد أجرى مجرى الوصف الذى ليس بمصدر، وتعديل الشئ تقويمه، يقال عدلته فاعتدل، أى قومته فاستقام (٢) أ. هـ فمن هذه التعاريف اللغوية يتبين أن معنى العدالة فى اللغة الاستقامة، والعدل هو المتوسط فى الأمور من غير إفراط فى طرفى الزيادة والنقصان، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (٣) أى عدلاً فالوسط والعدل بمعنى واحد (٤) . والعدالة اصطلاحاً: تنوعت فيها عبارات العلماء من محدثين وأصوليين وفقهاء، إلا أنها ترجع إلى معنى واحد وهو أنها: ملكة أى صفة راسخة فى النفس تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة. ... والتقوى ضابطها: امتثال المأمورات، واجتناب المنهيات من الكبائر ظاهراً، وباطناً من شرك أو فسق أو بدعة. ... والمروءة ضابطها: آداب نفسية تحمل صاحبها على التحلى بالفضائل، والتخلى عن الرذائل، وترجع معرفتها إلى العرف. وليس المراد بالعرف هنا سيرة مطلق الناس بل الذين نقتدى بهم.

стр. 17

.. ولا تتحقق العدالة فى الراوى إلا إذا اتصف بصفات خمسة: الإسلام، والبلوغ والعقل، والسلامة من أسباب الفسق، وخوارم المروءة (١) . و ليس المقصود من العدل أن يكون بريئاً من كل ذنب ، وإنما المراد أن يكون الغالب عليه التدين، والتحرى فى فعل الطاعات. وفى ذلك يقول الإمام الشافعى: " لو كان العدل من لا ذنب له لم نجد عدلاً، ولو كان كل مذنب عدلاً لم نجد مجروحاً، ولكن العدل من اجتنب الكبائر؛ وكانت محاسنه أكثر من مساويه " (٢) . ويعبر أبو يوسف عن هذا الإتجاه حين يقول: "من سلم أن تكون منه كبيرة من الكبائر التى أوعد الله تعالى عليها النار، وكانت محاسنه أكثر من مساوئه فهو عدل " (٣) . ونخلص مما سبق فيما يخص بتعريف الصحابة ﵃ أن المنافقين الذين كشف الله ورسوله - سترهم، ووقف المسلمون على حقيقة أمرهم، والمرتدين الذين ارتدوا فى حياة النبى وبعد وفاته، ولم يتوبوا ويرجعوا إلى الإسلام، وماتوا على ردتهم، هم بمعزل من شرف هذه الصحبة، وبالتالى بمعزل عن أن يكونوا من المرادين بقول جمهور العلماء والأئمة إنهم عدول، وفى تعريف العلماء للصحبة ما ينفى عنها؛ هؤلاء وأولئك. و معنى عدالة الصحابة: " أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله ﷺ ، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. و ليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم.

стр. 18

ومما ينبغى أن يعلم أن الذين قارفوا إثماً ثم حدوا - كان ذلك كفارة لهم - وتابوا وحسنت توبتهم، وهم فى نفس الوقت قلة نادرة جداً؛ لا ينبغى أن يغلب شأنهم وحالهم على حال الألوف المؤلفة من الصحابة الذين ثبتوا على الجادة والصراط المستقيم، وجانبوا المآثم، والمعاصى ما كبر منها وما صغر، وما ظهر منها وما بطن، والتاريخ الصادق أكبر شاهد على هذا " (١) أ. هـ. ويؤكد ما سبق الإمام الأبيارى (٢) بقوله: "وليس المراد بعدالتهم ثبوت العصمة لهم، واستحالة المعصية عليهم، وإنما المراد: قبول روايتهم من غير تكلف بحث عن أسباب العدالة وطلب التزكية، إلا أن يثبت ارتكاب قادح، ولم يثبت ذلك ولله الحمد! فنحن على استصحاب ما كانوا عليه فى زمن رسول الله ﷺ ، حتى يثبت خلافه، ولا التفات إلى ما يذكره أهل السير، فإنه لا يصح، وما صح فله تأويل صحيح " (٣) أهـ.

стр. 19

المبحث الثالث: أدلة عدالة الصحابة ﵃ ... إن العدالة التى نثبتها لصحابة سيدنا رسول الله ﷺ لم نعطها هبة لهم من عند أنفسنا - فنحن أقل من ذلك فضلاً عن أننا لا نملك ذلك، وإنما العدالة ثابتة لهم جميعاً بنص الكتاب العزيز، والسنة الشريفة - سواء منهم من تقدم إسلامه ومن تأخر، ومن هاجر ومن لم يهاجر، ومن اشترك فى الغزوات ومن لم يشترك، ومن لابس الفتنة ومن لم يلابسها (١) . فهذه العدالة لهم جميعاً تضافرت عليها الأدلة من الكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة. أولاً: دلالة القرآن الكريم على عدالة الصحابة ﵃: لقد وصف رب العزة صحابة رسول الله ﷺ بالعدالة وأثنى عليهم فى آيات يطول ذكرها منها مايلى:

стр. 20

١- قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (١) ووجه الاستدلال بهذه الآية على عدالة الصحابة ﵃ أن وسطاً بمعنى "عدولاً خياراً" (٢) ، ولأنهم المخاطبون بهذه الآية مباشرة (٣) . وقد ذكر بعض أهل العلم أن اللفظ وإن كان عاماً إلا أن المراد به الخصوص، وقيل: "إنه وارد فى الصحابة دون غيرهم (٤) . ٢- وقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٥) ووجه دلالة هذه الآية على عدالة الصحابة ﵃ أنها أثبتت الخيرية المطلقة لهذه الأمة على سائر الأمم قبلها، وأول من يدخل فى هذه الخيرية المخاطبون بهذه الآية مباشرة عند النزول، وهم الصحابة الكرام ﵃، وذلك يقتضى استقامتهم فى كل حال، وجريان أحوالهم على الموافقة دون المخالفة، ومن البعيد أن يصفهم الله بأنهم خير أمة ولا يكونوا أهل عدل واستقامة، وهل الخيرية إلا ذلك؟

стр. 21

.. كما أنه لا يجوز أن يخبر الله تعالى بأنه جعلهم أمة وسطاً – أى عدولاً – وهم على غير ذلك، فيصح أن يطلق على الصحابة أنهم خير أمة بإطلاق، وأنهم وسط أى عدول بإطلاق" (١) . وهكذا سائر الآيات التى جاءت بمدحهم قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) فالصادقون هم المهاجرون، والمفلحون هم الأنصار، بهذا فسر أبو بكر الصديق، هاتين الكلمتين، من الآيتين، حيث قال فى خطبته يوم السقيفة مخاطباً الأنصار:"إن الله سمانا (الصادقين) وسماكم (المفلحين) ،وقد أمركم أن تكونوا حيثما كنا، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣) . فهذه الصفات الحميدة فى هاتين الآيتين كلها حققها المهاجرون والأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ ، واتصفوا بها، ولذلك ختم الله صفات المهاجرين بالحكم بأنهم صادقون، وختم صفات الذين آزروهم ونصروهم وآثروهم على أنفسهم بالحكم لهم بأنهم مفلحون.

стр. 22

وهذه الصفات العالية لا يمكن أن يحققها قوم ليسوا بعدول " (١) . وحتى الآيات التى جاء فيها عتاب لهم أو لبعضهم شاهدة بعدالتهم حيث غفر الله لهم ما عاتبهم فيه وتاب عليهم قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) وتأمل ختام العتاب "إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" وهل بعد مغفرة الله من شئ؟!. وقال تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ وتأمل ختام الآية "إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" (٣) . ... وغير ذلك من الآيات الشاهدة بمغفرة الله لهم لما ارتكبوا من بعض المعاصى - وسيأتى ذكر بعضها فى الرد على الشبهات حول عدالة الصحابة. إن تلك الآيات التى جاء فيها عتاب للصحابة أو لبعضهم لارتكابهم بعض المعاصى لخير دليل شاهد على ما سبق ذكره، من أن المراد بعدالتهم جميعاً عصمتهم من الكذب فى حديث رسول الله ﷺ وليس معنى عدالتهم عصمتهم من المعاصى أو من السهو أو الغلط، فهذا لم يقل به أحد من أهل العلم. وحتى مع ارتكاب بعضهم لبعض الذنوب، فقد امتن الله عليهم بالتوبة والمغفرة لذنوبهم.

стр. 23

وما هذه المنة من ربهم إلا بيان لعباده مؤمنهم وكافرهم إلى قيام الساعة؛ بعظم مكانة من اختارهم لصحبة سيد أنبيائه ورسله ﷺ ، وأن التجريح والقدح فى تلك المكانة والعدالة إنما هو تجريح وقدح فيمن بوأهم تلك المكانة، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس!!! نعوذ بالله من الخذلان. ثانياً: دلالة السنة المطهرة على عدالة الصحابة ﵃: لقد وصف النبى ﷺ أصحابه بالعدالة، وأثنى عليهم فى أحاديث يطول تعدادها منها: ١- قوله ﷺ :"ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب" (١) "ففى هذا الحديث أعظم دليل على أن الصحابة كلهم عدول ليس فيهم مجروح، ولا ضعيف إذ لو كان فيهم أحد غير عدل، لاستثنى فى قوله ﷺ وقال: "ألا ليبلغ فلان منكم الغائب" فلما أجملهم فى الذكر بالأمر بالتبليغ لمن بعدهم، دل ذلك على أنهم كلهم عدول، وكفى بمن عدله رسول الله ﷺ شرفاً " (٢) .

стр. 24

٢- وقال ﷺ : "خير الناس قرنى ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجئ قوم تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِم يَمِيَنهُ ويَميِنُهُ شَهَادَتَهُ" (١) وهذه الشهادة بالخيرية مؤكدة لشهادة رب العزة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٢) . ٣- وقوله ﷺ : "النجومُ أَمنةٌ للسماءِ، فإذا ذهبتِ النجوُمِ، أَتى السماءَ ما تُوعدُ، وأَنا أَمَنةٌ لأَصْحَابى. فإذا ذهبتُ أَتَى أَصْحَابِى ما يُوعدونَ، وأَصْحَابى أَمنةٌ لأُمَّتِى، فإِذا ذهب أصحابى أتى أُمِتى ما يُوعَدُون" (٣) . ٤- وقال ﷺ : "إن الله اختار أصحابى على العالمين، سوى النبيين والمرسلين، واختار لى من أصحابى أربعة أبا بكر، وعمر وعثمان، وعلياً ﵃ فجعلهم أصحابى قال فى أصحابى كلهم خير، وأختار أمتى على الأمم، وأختار من أمتى أربعة قرون، القرن الأول والثانى والثالث، والرابع" (٤) .

стр. 25

وهذا الحديث مؤكد لقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١) . ويؤكد ابن مسعود ﵁ ما سبق من الآية والحديث قائلاً: "إن الله نظر فى قلوب العباد، فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه وابتعثه برسالته، ثم نظر فى قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه ﷺ يقاتلون عن دينه " (٢) . يقول الإمام الآمدى (٣) : " واختيار الله لا يكون لمن ليس بعدل " (٤) .

стр. 26

٥- وقال ﷺ : "لا تسبوا أصحابى. لا تَسُبُّوا أصحابى: فوالذى نفسى بيده! لو أن أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مثلَ أُحُدٍ ذهباً، ما أَدركَ مُدَّ أَحَدِهِم، ولا نَصِيَفهُ" (١) . يقول الصحابى الجليل سعيد بن زيد بن عمرو (٢) ، أحد العشرة المبشرين بالجنة ﵃ لما سمع رجلاً من أهل الكوفة يسب رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ قال: "... والله لمشهد شهده رجل يغبر فيه وجهه مع رسول الله ﷺ : أفضل من عمل أحدكم، ولو عمر عمر نوح ﵇ " (٣) . يقول فضيلة الشيخ محمد الزرقانى ﵀ "فأنت ترى من هذه الشهادات العالية فى الكتاب والسنة، ما يرفع مقام الصحابة إلى الذروة، وما لا يترك لطاعن فيهم دليلاً، ولا شبهة دليل. والواقع أن العقل المجرد من الهوى والتعصب، يحيل على الله فى حكمته ورحمته، أن يختار لحمل شريعته الختامية، أمة مغموزة، أو طائفة ملموزة، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

стр. 27

ومن هنا كان توثيق هذه الطبقة الكريمة طبقة الصحابة، يعتبر دفاعاً عن الكتاب، والسنة، وأصول الإسلام من ناحية، ويعتبر إنصافاً أدبياً لمن يستحقونه من ناحية ثانية، ويعتبر تقديراً لحكمة الله البالغة فى اختيارهم لهذه المهمة العظمى من ناحية ثالثة. كما أن تَوْهِينهم والنيل منهم، يعد غمزاً فى هذا الاختيار الحكيم، ولمزاً فى ذلك الاصطفاء والتكريم، فوق ما فيه من هدم الكتاب، والسنة، والدين" (١) أ. هـ. ثالثاً: دلالة إجماع الأمة على عدالة الصحابة ﵃: ... أجمعت الأمة - إلا من شذ ممن لا يعتد بخلافهم (٢) . على ما سبق من تعديل الله ورسوله ﷺ للصحابة أجمع، والنقول فى هذا الإجماع كثيرة عن علماء الأمة، من المحدثين، والفقهاء، والأصوليين. ... يقول الخطيب البغدادى: "إنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شئ مما ذكرناه، لأوجبت الحال التى كانوا عليها من الهجرة، والجهاد، والنصرة، وبذل المهج، والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة فى الدين، وقوة الإيمان واليقين: القطع على عدالتهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين، الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين. هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء" (٣) . ... وقال ابن الصلاح: " للصحابة بأسرهم خصيصة، وهى أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم، بل ذلك أمر مفروغ منه لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب، والسنة، وإجماع من يعتد به فى الإجماع من الأمة" (٤) .

стр. 28

.. وقال العراقى: "إن جميع الأمة مجمعة على تعديل من لم يلابس الفتن منهم وأما من لابس الفتن منهم وذلك حين مقتل عثمان ﵁ فأجمع من يعتد به أيضاً فى الإجماع على تعديلهم إحساناً للظن بهم، وحملاً لهم فى ذلك على الاجتهاد " (١) . ... وقال الإمام الغزالى: "والذى عليه سلف الأمة، وجماهير الخلق، أن عدالتهم معلومة بتعديل الله إياهم وثنائه عليهم فى كتابه، فهو معتقدنا فيهم، إلا أن يثبت بطريق قاطع ارتكاب واحد لفسق مع علمه به، وذلك مما لا يثبت فلا حاجة لهم إلى التعديل – ثم ذكر بعض ما دل على عدالتهم من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ثم قال: فأى تعديل أصح من تعديل علام الغيوب – سبحانه - وتعديل رسوله ﷺ كيف ولو لم يرد الثناء لكان فيما اشتهر وتواتر من حالهم فى الهجرة، والجهاد، وبذل المهج، والأموال، وقتل الآباء والأهل، فى موالاة رسول الله ﷺ ، ونصرته، كفاية فى القطع بعدالتهم" (٢) . ... فهذه النقول المباركة للإجماع من هؤلاء الأئمة وغيرها كثير. كلها فيها بيان واضح، ودليل قاطع على أن ثبوت عدالة الصحابة عموماً بلا استثناء، أمر مفروغ منه، ومسلم به. فلا يبقى لأحد شك،ولا ارتياب بعد تعديل الله ورسوله ﷺ وإجماع الأمة على ذلك (٣) . ...

стр. 29

"وإذا تقرر لك عدالة جميع من ثبتت له الصحبة، علمت أنه إذا قال الراوى عن رجل من الصحابة، ولم يسمه كان ذلك حجة، ولا يضر الجهالة، لثبوت عدالتهم على العموم" (١) . ... قال الإمام الجوينى: "ولعل السبب فى قبولهم من غير بحث عن أحوالهم ، والسبب الذى أتاح الله الإجماع لأجله، أن الصحابة هم نقلة الشريعة، ولو ثبت توقف فى رواياتهم، لانحصرت الشريعة على عصر رسول الله ﷺ ، ولما استرسلت على سائر الأعصار" (٢) . أولئك آبائى فجئنى بمثلهم *** إذا جمعتنا يا جرير المجامع غمرهم الله برحمته ورضوانه ... آمين.

стр. 30

المبحث الرابع: شبهات حول عدالة الصحابة والرد عليها ويشتمل على مطلبين: المطلب الأول: شبهاتهم من القرآن الكريم والرد عليها . المطلب الثانى: شبهاتهم من السنة النبوية والرد عليها. المطلب الأول: شبهاتهم من القرآن الكريم والرد عليها إن لأهل الزيغ والإلحاد قديماً وحديثاً؛ شبهات كثيرة، يطعنون بها فى عدالة الصحابة، وأساس تلك الشبهات الرافضة؛ الذين فاقوا اليهود والنصارى فى خصلتين كما قال الشعبى (١) - رحمه الله تعالى - فيما رواه عنه ابن الجوزى فى الموضوعات قال: "... فضلت الرافضة على اليهود والنصارى بخصلتين. سئلت اليهود من خير أهل ملتكم؟ قالوا أصحاب موسى-﵇ وسئلت النصارى فقالوا أصحاب عيسى- ﵇، وسئلت الرافضة من شر أهل ملتكم؟ فقالوا حوارى محمد، وأمروا بالإستغفار لهم فسبوهم " (٢) . ... ف من مطاعنهم فى عدالة الصحابة: ما استدلوا به من:

стр. 31

١- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (١) وقالوا نزلت فى أكثر الصحابة الذين انفضوا عن رسول الله ﷺ إلى العير التى جاءت من الشام، وتركوه وحده فى خطبة الجمعة، وتوجهوا إلى اللهو، واشتغلوا بالتجارة، وذلك دليل على عدم الديانة (٢) . ٢- واستدلوا أيضاً بما ورد فى القرآن الكريم من آيات تتحدث عن النفاق والمنافقين، وحملوها على أتقى خلق الله، وأطهرهم (رضوان الله عليهم أجمعين) كقوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ (٣) . وأيدوا ذلك بما جاء فى السنة المطهرة من أحاديث يطلق فيها لفظ الصحابة على المنافقين.

стр. 32

مثل حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: "أتى رَجُلٌ رسول الله ﷺ بِالجِعْرَانَة مُنْصَرَفَهُ من حُنين. وفى ثوب بلال ﵁ فِضَةٌ ورسول الله ﷺ يقبض منها. يعطى الناس. فقال: يا محمد ُ! اعْدِلْ ٠ قال: " ويلك ومن يَعْدِلُ إذا لم أَكُنْ اَعْدِلُ؟ لقد خِبْتُ وَخَسِرْتُ إن لم أكن أعدِل ُ" فقال عمر بن الخطابرضي الله عنه دعنى يا رسول الله فأقُتل هذا المنافق. فقال: "مَعَاذ الله! أَنْ يتحدث الناس أَنى أَقْتُلُ أَصْحَاِبى. إِنَّ هذا وأصحابَهُ يقرأون القرآنّ لا يُجاوزُ حَنَاجِرَهُم. يَمرُقُونَ منه كما يَمْرُقُ السَّهْمُ من الرَّمِيِة " (١) .

стр. 33

٣- واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ (٢) وقالوا: الفرار من الزحف من أكبر الكبائر (٣) . و يجاب عما سبق بما يلى: أولاً: قصة انفضاض أكثر الصحابة عن رسول الله ﷺ إلى العير القادمة من الشام، وتركهم خطبة الجمعة، إنما وقع ذلك فى بدء زمن الهجرة، ولم يكونوا إذ ذاك واقفين على الآداب الشرعية كما ينبغى، كما أن كبار الصحابة كأبى بكر وعمر كانوا قائمين عنده، كما ثبت ذلك فى الأحاديث الصحيحة.

стр. 34

فعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: بينما النبى ﷺ يخطب يوم الجمعة قائماً إذ قدمت عير المدينة، فابتدرها (١) أصحاب رسول الله ﷺ حتى لم يبق منهم إلا اثنى عشر رجلاً فيهم أبو بكر وعمر ﵃ ونزلت الآية: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (٢) ، ولذا لم يشنع عليهم، ولم يتوعدهم بعذاب ولم يعاتبم الرسول ﷺ أيضاً " (٣) . ورد آخر على هذه القصة وهو: أنه ورد فى بعض الأخبار أنها وقعت لما كان النبى ﷺ يقدم الصلاة على الخطبة يوم الجمعة، وانفضاضهم وقع فى الخطبة، وليس فى الصلاة كما هو الظاهر من بعض الروايات، والتى ركز عليها بعض الرافضة، كمحمود أبو رية (٤) ،

стр. 35

ومروان خليفات (١) ، وغيرهم. ... ويدل على أن الإنفضاض كان فى الخطبة ما جاء فى رواية مسلم السابقة: بينما النبى ﷺ يخطب يوم الجمعة قائماً. يقول الحافظ ابن حجر: "ترجيح كون الإنفضاض وقع فى الخطبة لا فى الصلاة، هو اللائق بالصحابة تحسيناً للظن بهم، وعلى تقدير أن يكون فى الصلاة حمل على أن ذلك وقع قبل النهى كآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٢) وقبل النهى عن الفعل الكثير فى الصلاة ونزول قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٣) . ويؤيد ذلك: ما رواه أبو داود فى المراسيل أن هذه القصة كانت لما كان رسول الله ﷺ يصلى الجمعة قبل الخطبة، مثل العيدين، فخرج الناس فلم يظنوا إلا أنه ليس فى ترك الجمعة شئ، فأنزل الله : ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ فقدم النبى ﷺ الخطبة يوم الجمعة، وأخر الصلاة. (٤) . وهو ما رجحه أيضاً النووى فى شرحه على مسلم (٥) . وعلى كل تقدير أنه فى الصلاة، فلم يكن تقدم لهم نهى عن ذلك، فلما نزلت آية الجمعة، وفهموا منها ذم ذلك، اجتنبوه " (٦) .

стр. 36

.. يقول الألوسى (١) : " ورواية أن ذلك وقع منهم مراراً" إن أريد بها رواية البيهقى فى شعب الإيمان (٢) عن مُقَاتِل بن حيان (٣) أنه قال: بلغنى والله أعلم أنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات، فمثل ذلك لا يلتفت إليه، ولا يعول عند المحدثين عليه، وإن أريد بها غيرها فليبين، ولتثبت صحته، وأنى بذلك؟ وبالجملة: الطعن فى الصحابة بهذه القصة التى كانت من بعضهم فى أوائل أمرهم، وقد أعقبها منهم عبادات لا تحصى، سفه ظاهر، وجهل وافر " (٤) . ثانياً: أما نسبة النفاق إلى خيار هذه الأمة بدعوى أنه كان فى المدينة منافقين ، وأن النبى ﷺ أطلق لفظ الصحابة عليهم: "معاذ الله! أن يتحدث الناس أنى أقتل أصحابى ". هذه الشبهة فى وهن بيت العنكبوت، وهى فرية واضحة لا تثبت لها قدم.

стр. 37

أولاً: لأن إطلاق لفظ الصحابة على المنافق كما جاء فى الحديث هذا الإطلاق لغوى، وليس اصطلاحى نظير قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ (٢) فإضافة صحبة النبى ﷺ إلى المشركين والكافرين إنما هى صحبة الزمان والمكان لا صحبة الإيمان، وذلك كقوله تعالى فى حق سيدنا يوسف ﵇: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِءَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (٣) . فالصحبة فى الحديث الشريف، بمعناها اللغوى كما فى الآيات السابقة، وليست الصحبة الاصطلاحية، فتعريفها السابق يخرج المنافقين والمرتدين.

стр. 38

ثم كيف يكون المنافقون من الصحابة بالمعنى الإصطلاحى وقد نفاه عنهم رب العزة بقوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ (١) . ثم إن المنافقين لم يكونوا مجهولين فى مجتمع الصحابة الكرام ﵃ ولم يكونوا هم السواد الأعظم، والجمهور الغالب فيهم، وإنما كانوا فئة معلومة آل أمرهم إلى الخزى والفضيحة، حيث علم بعضهم بعينه، والبعض الآخر منهم علم بأوصافه، فقد ذكر الله فى كتابه العزيز من أوصافهم، وخصوصاً فى سورة التوبة، ما جعل منهم طائفة متميزة منبوذة، لا يخفى أمرها على أحد، كما لا يخفى على أحد حالهم فى زماننا. فأين هذه الفئة المنافقة ممن أثبت الله لهم فى كتابه نقيض صفات المنافقين، حيث أخبر عن رضاه عنهم، من فوق سبع سماوات، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس" (٢) . ويدل على ما سبق من قلة المنافقين فى المجتمع الإسلامى، وأنهم فئة معلومة تكفل رب العزة بفضحهم فى الدنيا، ولهم فى الآخرة عذاب عظيم.

стр. 39

ما رواه حذيفة بن اليمان (١) ﵁ صاحب سر رسول الله ﷺ فى المنافقين. قال: قال النبى ﷺ فى أمتى - وفى رواية - فى أصحابى إثنا عشر منافقاً فيهم ثمانيةٌ لا يدخلون الجنة، ولا يجدون ريحها حتى يَلِجَ الجَمَلُ فى سم الخياط. ثَمانيةٌ منهم تَكْفِيكُهُمُ الدُّبِيْلَةُ، سِرَاجٌ من النارِ، يظهرُ فى أكتافِهِم حتى يَنْجُمَ من صُدَورِهِم" (٢) . وعن ابن عباس (٣) - رضى الله عنهما- قال: كان رسول الله ﷺ فى ظل حجرةٍ من حجره، وعنده نفرٌ من المسلمين قد كان يقلصُ عنها الظل، قال: سيأتيكم رجل ينظر إليكم بعين شيطان فلا تكلموه، فدخل رجل أزرق، فقال رسول الله ﷺ على ما تسبُنى أنت وفلانٌ وفلان، لقوم دعا بأسمائهم، فانطلق إليهم فدعاهم فحلفوا واعتذروا فأنزل الله ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (٤) .

стр. 40

.. أما ما استدل به محمود أبو رية من قول "أُسَيْدُ بن حُضَيْر، لسعدُ بنُ عبادةُ إنك منافق تجادل عن المنافقين" وقوله فهؤلاء البدريون منهم من قال لآخر منهم: "إنك منافق ولم يكفر النبى لا هذا ولا ذاك" (١) . هذا الذى يزعمه الرافضى محمود أبو ريه من فرط جهله، وتضليله وبتره لسبب ذلك القول. وهو كما جاء فى الصحيحين فى قصة الإفك لما قال ﷺ وهوعلى المنبر: "يا معشر المسلمين من يعذرنى من رجل قد بلغ أذاه فى أهل بيتى فوالله ما علمت على أهلى إلا خيراً. ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً. وما كان يدخل على أهلى إلا معى" فقام سعد بن معاذ الأنصارى فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه. وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت عائشة - رضى الله عنها - فقام سعد بن عبادة (٢) ، وهو سيد الخزرج، وكان رجلاً صالحاً. ولكن احتملته الحمية فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله! لا تقتله، ولا تقدر على قتله فقام أسيد بن حضير (٣) ، وهو ابن عم
следующие страницы →