.. يقول الألوسى (١) : " ورواية أن ذلك وقع منهم مراراً" إن أريد بها رواية البيهقى فى شعب الإيمان (٢) عن مُقَاتِل بن حيان (٣) أنه قال: بلغنى والله أعلم أنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات، فمثل ذلك لا يلتفت إليه، ولا يعول عند المحدثين عليه، وإن أريد بها غيرها فليبين، ولتثبت صحته، وأنى بذلك؟
وبالجملة: الطعن فى الصحابة بهذه القصة التى كانت من بعضهم فى أوائل أمرهم، وقد أعقبها منهم عبادات لا تحصى، سفه ظاهر، وجهل وافر " (٤) .
ثانياً: أما نسبة النفاق إلى خيار هذه الأمة بدعوى أنه كان فى المدينة منافقين ، وأن النبى ﷺ أطلق لفظ الصحابة عليهم: "معاذ الله! أن يتحدث الناس أنى أقتل أصحابى ".
هذه الشبهة فى وهن بيت العنكبوت، وهى فرية واضحة لا تثبت لها قدم.
стр. 37
أولاً: لأن إطلاق لفظ الصحابة على المنافق كما جاء فى الحديث هذا الإطلاق لغوى، وليس اصطلاحى نظير قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ (٢) فإضافة صحبة النبى ﷺ إلى المشركين والكافرين إنما هى صحبة الزمان والمكان لا صحبة الإيمان، وذلك كقوله تعالى فى حق سيدنا يوسف ﵇: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِءَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (٣) .
فالصحبة فى الحديث الشريف، بمعناها اللغوى كما فى الآيات السابقة، وليست الصحبة الاصطلاحية، فتعريفها السابق يخرج المنافقين والمرتدين.
стр. 38
ثم كيف يكون المنافقون من الصحابة بالمعنى الإصطلاحى وقد نفاه عنهم رب العزة بقوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ (١) .
ثم إن المنافقين لم يكونوا مجهولين فى مجتمع الصحابة الكرام ﵃ ولم يكونوا هم السواد الأعظم، والجمهور الغالب فيهم، وإنما كانوا فئة معلومة آل أمرهم إلى الخزى والفضيحة، حيث علم بعضهم بعينه، والبعض الآخر منهم علم بأوصافه، فقد ذكر الله فى كتابه العزيز من أوصافهم، وخصوصاً فى سورة التوبة، ما جعل منهم طائفة متميزة منبوذة، لا يخفى أمرها على أحد، كما لا يخفى على أحد حالهم فى زماننا.
فأين هذه الفئة المنافقة ممن أثبت الله لهم فى كتابه نقيض صفات المنافقين، حيث أخبر عن رضاه عنهم، من فوق سبع سماوات، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس" (٢) .
ويدل على ما سبق من قلة المنافقين فى المجتمع الإسلامى، وأنهم فئة معلومة تكفل رب العزة بفضحهم فى الدنيا، ولهم فى الآخرة عذاب عظيم.
стр. 39
ما رواه حذيفة بن اليمان (١) ﵁ صاحب سر رسول الله ﷺ فى المنافقين. قال: قال النبى ﷺ فى أمتى - وفى رواية - فى أصحابى إثنا عشر منافقاً فيهم ثمانيةٌ لا يدخلون الجنة، ولا يجدون ريحها حتى يَلِجَ الجَمَلُ فى سم الخياط. ثَمانيةٌ منهم تَكْفِيكُهُمُ الدُّبِيْلَةُ، سِرَاجٌ من النارِ، يظهرُ فى أكتافِهِم حتى يَنْجُمَ من صُدَورِهِم" (٢) .
وعن ابن عباس (٣) - رضى الله عنهما- قال: كان رسول الله ﷺ فى ظل حجرةٍ من حجره، وعنده نفرٌ من المسلمين قد كان يقلصُ عنها الظل، قال: سيأتيكم رجل ينظر إليكم بعين شيطان فلا تكلموه، فدخل رجل أزرق، فقال رسول الله ﷺ على ما تسبُنى أنت وفلانٌ وفلان، لقوم دعا بأسمائهم، فانطلق إليهم فدعاهم فحلفوا واعتذروا فأنزل الله ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (٤) .
стр. 40
.. أما ما استدل به محمود أبو رية من قول "أُسَيْدُ بن حُضَيْر، لسعدُ بنُ عبادةُ إنك منافق تجادل عن المنافقين" وقوله فهؤلاء البدريون منهم من قال لآخر منهم: "إنك منافق ولم يكفر النبى لا هذا ولا ذاك" (١) .
هذا الذى يزعمه الرافضى محمود أبو ريه من فرط جهله، وتضليله وبتره لسبب ذلك القول.
وهو كما جاء فى الصحيحين فى قصة الإفك لما قال ﷺ وهوعلى المنبر: "يا معشر المسلمين من يعذرنى من رجل قد بلغ أذاه فى أهل بيتى فوالله ما علمت على أهلى إلا خيراً. ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً. وما كان يدخل على أهلى إلا معى" فقام سعد بن معاذ الأنصارى فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه. وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت عائشة - رضى الله عنها - فقام سعد بن عبادة (٢) ، وهو سيد الخزرج، وكان رجلاً صالحاً. ولكن احتملته الحمية فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله! لا تقتله، ولا تقدر على قتله فقام أسيد بن حضير (٣) ، وهو ابن عم
стр. 41
سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله! لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين ... " (١) .
فكما هو واضح من قصة الحديث أن قول أسيد بن حضير لسعد بن عبادة "فإنك منافق" وقع منه على جهة المبالغة، فى زجره عن القول الذى قاله حمية للخزرج، ومجادلته عن ابن أُبى، وغيره.
ولم يرد أُسيدُ بإطلاقه "فإنك منافق" لم يرد به نفاق الكفر، وإنما أراد أنه كان يظهر المودة للأوس، ثم ظهر منه فى هذه القصة، ضد ذلك فأشبه حال المنافق، لأن حقيقته إظهار شئ وإخفاء غيره.
ولعل هذا هو السبب فى ترك إنكار النبى ﷺ (٢) وهو أقوى دليل على الخصم.
... ومع كل هذا فقد تقرر أن العدالة لا تعنى العصمة من الذنوب، أو السهو، أو الخطأ، ومن فضل الله عليهم ﵃ أن وعدهم بالمغفرة، ولا سيما أهل بدر، وهم من أهلها.
стр. 42
فعن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب ﵁ كتب حاطب بن أبى بلتعه إلى أهل مكة فأطلع الله تعالى عليه نبيه ﷺ فبعث علياً والزبير فى أثر الكتاب فأدركا امراة على بعير فاستخرجاه من قرن من قرونها، فأتيا به نبى الله ﷺ فقرئ عليه، فأرسل إلى حاطب فقال "يا حاطب إنك كتبت هذا الكتاب؟ " قال نعم: يا رسول الله! قال: "فما حملك على ذلك"؟ قال: يا رسول الله! إنى والله لناصح لله ، ولرسوله ﷺ ، ولكنى كنت غريباً فى أهل مكة وكان أهلى بين ظهرانيهم، فخشيت عليهم، فكتبت كتاباً لا يضر الله ورسوله شيئاً، وعسى أن يكون فيه منفعة لأهلى. قال عمر: فاخترطت سيفى وقلت: يا رسول الله أمكنى منه فإنه قد كفر فأضرب عنقه. فقال رسول الله ﷺ : "يا ابن الخطاب وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل هذه العصابة من أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فإنى قد غفرت لكم " (١) أ. هـ.
ثالثاً: أما ما استدلوا به من فرار بعض الصحابة يوم الزحف فى غزوتى أحد وحنين، ما استدلوا به حجة عليهم.
ففى عتاب الفرار يوم أحد قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ ثم ختم العتاب بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (٢) .
ولا تعيير بعد عفو الله تعالى عن الجميع (٣) ".
стр. 43
وفى عتاب الفرار يوم حنين قال : ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ ثم يمتن رب العزة عليهم بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ (١) .
وهل تنزل السكينة إلا على قوم مؤمنين؟!! .
نعم تنزل السكينة على قوم مؤمنين ليزدادوا بها إيماناً مع إيمانه، وصدق رب العزة: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٢) ويقول : ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (٣) .
وهل بعد تلك الشهادات العلا لهم بالإيمان والتقوى من تعيير؟!!
اللهم إنى أعوذ بك من الخذلان وسوء العاقبة ... آمين.
стр. 44
المطلب الثانى: شبهاتهم من السنة النبوية والرد عليها
بعد أن تحايل أهل الزيغ من الرافضة وأذيالهم، على بعض آيات من القرآن الكريم، ليحوروا معانيها، ويستدلوا بهذا التحوير على عدم عدالة الصحابة، وتكفيرهم، نجدهم هنا باسم السنة النبوية، ونصوصها يستشهدون بها أيضًا على عدم عدالتهم، وهكذا عكس المشاغبون القضية، ونظروا في السنة النبوية المطهرة، فما وافق دعواهم منها قبلوه، واعترضوا به على منازعيهم، وما احتجوا به لا حجة لهم فيه؛ لأن ما استشهدوا به إما أحاديث مكذوبة، وضعيفة، وإما صحيحة مع ضعف دلالتها على ما احتجوا به.
وإليك ما استشهدوا به والجواب عنه .
١- استدلوا من السنة المطهرة: بقوله ﷺ : "... ألا وإنه سَيْجَاءُ برجالٍ من أمتى فيؤخذُ بِهمْ ذات الشمال، فأقول: يا ربِّ أُصيحَابى، فيقال: إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ (١) فيقال: إن هؤلاء لا يَزَالوا مُرْتَدِّينَ على أعقابِهِم منذ فَارَقْتَهُم" (٢) .
٣- واستدلوا بماروى عن بُرَيْدَة ﵁ (١) قال: جاء رجل إلى قوم فى جانب المدينة فقال: إن رسول الله ﷺ أمرنى أن أحكم برأيى فيكم، فى كذا وكذا. وقد كان خطب امرأة منهم فى الجاهلية، فأبوا أن يزوجوه، فبعث القوم إلى النبى ﷺ يسألونه، فقال: "كذب عدو الله". ثم أرسل رجلاً فقال: "إن أنت وجدته ميتاً فأحرقه" فوجده قد لدغ فمات، فحرقه، فعند ذلك قال النبى ﷺ : "من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" (٢)
стр. 47
.. واستدل آخرون بالطعن فى عدالة الصحابة بما تمليه عليهم عقولهم الضالة من فهم أعوج لسيرة الصحابة، وتاريخهم المجيد، كما فعل مفتى الماركسية خليل عبد الكريم (١) فى كتابه "مجتمع يثرب العلاقة بين الرجل والمرأة فى العهدين المحمدى والخليفى" فقد صور مجتمع المدينة المنورة بقيادة رسول الله ﷺ ، وخلفائه الراشدين، وصحابته الأطهار، تصويراً شائناً قبيحاً، وجعله أشبه بمجتمع الحيوانات التى لا هم لها إلا إشباع الغرائز الجنسية بأى شكل، وبغير ضابط من دين أو خلق، غير مكترثين بالنصوص الدينية التى تمنعهم من هذا الهبوط " ((٢) .
стр. 48
كما أصدر كتاباً آخر بعنوان " شدو الربابة بأحوال مجتمع الصحابة " وهو من ثلاثة أسفار، الأول بعنوان " محمد والصحابة " والثانى " الصحابة والصحابة " والثالث " الصحابة والمجتمع " تناول فيها المؤلف تاريخ الصحابة، وسيرتهم بأسلوب فج قبيح ينبئ عن سوء فهمه، وجهله، وحقده الدفين، ضد صحابة رسول الله ﷺ ، وكذلك فعل سعيد العشماوى (١) وغيرهم (٢) .
و يجاب عما سبق بما يلى:
أولاًً: أما استدلالهم بحديث الحوض، وما جاء فيه من وصف الصحابة بالردة . فهذا من زندقة الرافضة، ومن تلبيسهم، وتضليلهم.
فإن المراد بالأصحاب هنا ليس المعنى الإصطلاحى عند علماء المسلمين، بل المراد بهم مطلق المؤمنين بالنبى ﷺ المتبعين لشريعته، وهذا كما يقال لمقلدى أبى حنيفة أصحاب أبى حنيفة، ولمقلدى الشافعى أصحاب الشافعى وهكذا، وإن لم يكن هناك رؤية واجتماع.
وكذا يقول الرجل للماضين، الموافقين له فى المذهب: " أصحابنا " مع أن بينه وبينهم عدة من السنين، ومعرفته ﷺ لهم مع عدم رؤيتهم فى الدنيا؛ بسبب أمارات تلوح عليهم يعرفها النبى ﷺ .
стр. 49
فعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: " إن حوضى لأبعد من أَيَلَةَ مِن عَدَنٍ (١) ، والذى نفسى بيده! إنى لأزودُ عنه الرجال كما يَزُودُ الرجلُ الإبلَ الغريبةَ عن حوضه "، قالوا: يا رسول الله! أو تعرفنا؟ قال: " نعم تَرِدُون علىَّ غُرًّا مُحَجَّلينَ من آثار الوضوء. ليست لأَحدٍ غَيْرِكُم " (٢) .
...
ولو افترضنا أن المراد بالأصحاب فى الحديث، الأصحاب فى زمنه ﷺ .
فالمراد بهم: الذين صاحبوه صحبة الزمان والمكان مع نفاقهم، كما سبق من قوله تعالى: ﴿ما ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ (٣) .
وعلى هذا فالمراد بالمرتدين من أصحابه فى الحديث هم الذين ارتدوا من الأعراب على عهد الصديق ﵁.
وقد علمت أن التعريف الإصطلاحى للصحابة يخرج من ارتد ومات على ردته - والعياذ بالله -.
стр. 50
وفى الحديث ما يؤيد المعانى السابقة، كقوله ﷺ "أصيحابى" بالتصغير، كما جاء فى بعض الروايات، قال الخطابى: "فيه إشارة إلى قلة عدد من وقع لهم ذلك، وإنما وقع لبعض جفاة الأعراب، ولم يقع من أحد من الصحابة المشهورين " (١) . وفى قوله ﷺ : "فيقال": هل شعرت ما عملوا بعدك " "فيه إشارة إلى أنه لم يعرف أشخاصهم بأعيانها، وإن كان قد عرف إنهم من هذه الأمة " (٢) .
أما حمل الحديث على أصحاب رسول الله ﷺ بالمعنى الإصطلاحى- فهذا ما لا يقوله مسلم!! وهو ما يدحضه ما سبق ذكره من تعديل الله ، ورسوله ﷺ ، وإجماع الأمة على ذلك أ. هـ.
ثانياً: أما ما احتجوا به من حديث " لا ترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض " والزعم بأن الصحابة استحل بعضهم دماء بعض فى صفين والجمل.
... فالحق أن هذه الشبهة من أخطر الشبه؛ التى احتج بها الرافضة الزنادقة، وأذيالهم من دعاة العلمانية، الذين اتخذوا من تلك الفتن مادة دسمة، طعنوا بها فى عدالة الصحابة، وفتنوا بذلك عوام المسلمين، وممن لا علم له، بضربهم على (الوتر الحساس) وهو: دعوى ظلم الصحابة ﵃ لآل بيت رسول الله ﷺ فى تلك الفتن ".
وهذا ما فعله طه حسين فى كتابه " الفتنة الكبرى - عثمان بن عفان ﵁ " (٣) . وقال بقوله محمود أبو رية (٤) ، وغير واحد من دعاة الرافضة واللادينية (٥) .
стр. 51
حتى وجدنا من يجهر من الرافضة قائلاً: "معاوية بن أبى سفيان ﵁" - كافر ابن كافر - ولعنة الله على معاوية، فقد بغى على الحق، وخرج على طاعة الإمام علىّ، وشتت شمل المسلمين، وفرق كلمتهم، فأساس فرقة المسلمين إلى الآن هو معاوية الذى خرج عن طاعة الإمام على بن أبى طالب ﵁" (١) .
...
والجواب عن هذا الإفك يطول (٢) ، وهو بحاجة إلى تحقيق دقيق (٣) . أكتفى هنا بخلاصة القول.
وهو أنه لا حجة لهم فى الحديث، ولا فى الفتن التى وقعت بين سلفنا الصالح - رضوان الله عليهم أجمعين- والتى أشعلها سلفهم من الخوارج، والرافضة، والزنادقة.
فقوله: "لا ترجعوا بعدى". بصيغة النهى والتحذير من قتال المؤمن.
و إطلاق الكفر على قتال المؤمن محمول على معانى متعددة:
١- مبالغة فى التحذير من ذلك، لينزجر السامع عن الإقدام عليه وليس ظاهر اللفظ مراداً، أو أنه على سبيل التشبيه لأن ذلك فعل الكافر " (٤) .
والمعنى لا تفعلوا فعل الكفار فتشبهوهم فى حالة قتل بعضهم بعضاً (٥) .
٢- وقيل: المعنى كفاراً بحرمة الدماء، وحرمة المسلمين، وحقوق الدين.
٣- وقيل: كفاراً بنعمة الله .
٤- وقيل: المراد ستر الحق، والكفر لغة الستر، لأن حق المسلم على المسلم أن ينصره ويعينه، فلما قاتله كأنه غطى على حقه الثابت له عليه.
стр. 52
٥- وقيل: إن الفعل المذكور يفضى إلى الكفر، لأن من اعتاد الهجوم على كبار المعاصى جره شؤم ذلك إلى أشد منها؛ فيخشى أن لا يختم له بخاتمة الإسلام.
٦- وقيل: اللفظ على ظاهره للمستحل قتال أخيه المسلم.
وقيل غير ذلك (١) .
... و ما جرى بين الصحابة ﵃ من قتال لم يكن عن استحلال له حتى يحمل الحديث على ظاهره وأن قتالهم كفر، كما استدل الخوارج ومن شايعهم بقوله ﷺ : "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" (٢) .
كيف والقرآن الكريم يكذبهم فى هذا الفهم السطحى قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٣) .
فسماهم أخوة، ووصفهم بأنهم مؤمنون، مع وجود الاقتتال بينهم، والبغى من بعضهم على بعض.
стр. 53
يقول الحافظ ابن كثير (١) : " وبهذا استدل البخارى (٢) وغيره على أنه لا يخرج عن الإيمان بالمعصية وإن عظمت، لا كما يقوله الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة ونحوهم، وهكذا ثبت فى صحيح البخارى من حديث الحسن (٣) ، عن أبى بكرة (٤) ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر- والحسن بن علىّ إلى جنبه- وهو يقبل على الناس مرة، وعليه
стр. 54
أخرى ويقول: إن ابنى هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين (١) .
فكان كما قال ﷺ ، أصلح الله تعالى به بين أهل الشام، وأهل العراق، بعد الحروب الطويلة، والواقعات المهولة " (٢)
يقول الإمام ابن تيمية: "والذين قاتلوا الإمام على ﵁ لا يخلوا: إما أن يكونوا عصاة، أو مجتهدين مخطئين أو مصيبين، وعلى كل تقدير، فهذا لا يقدح فى إيمانهم، ولا فى عدالتهم، ولا يمنعهم الجنة، بما سبق من تصريح القرآن الكريم، من تسميتهم إخوة، ووصفهم بأنهم مؤمنون، وتأكيد النبى ﷺ ذلك بما سبق من رواية الحسن بن على عن أبى بكرة ﵁.
ولهذا اتفق أهل السنة على أنه لا تفسق واحدة من الطائفتين ، وإن قالوا فى إحداهما أنهم كانوا بغاة (٣) .
стр. 55
والبغى إذا كان بتأويل كان صاحبه مجتهدا ً، والمجتهد المخطئ لا يكفر، ولا يفسق وإن تعمد البغى فهو ذنب من الذنوب، والذنوب يرفع عقابها بأسباب متعددة كالتوبة، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، وشفاعة النبى ﷺ ودعاء المؤمنين، وغير ذلك (١) .
وعلى هذا القول إجماع الأمة من علمائها.
يقول الإمام الآمدى: " فالواجب أن يحمل كل ما جرى بينهم من الفتن على أحسن حال، وإن كان ذلك إنما لما أدى إليه اجتهاد كل فريق من اعتقاده أن الواجب ما صار إليه، وأنه أوفق للدين وأصلح للمسلمين.
وإلا فجمهور الصحابة وسادتهم تأخروا عن تلك الفتن والخوض فيها كما قال محمد بن سيرين (٢) : "هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ عشرة آلاف فما حضر منهم مائة بل لم يبلغوا ثلاثين "
وإسناد هذه الرواية كما قال ابن تيمية أصح إسناد على وجه الأرض (٣) .
وعلى هذا فالذى خاض فى تلك الفتن من الصحابة إما أن يكون كل مجتهد مصيباً، أو أن المصيب واحد، والآخر مخطئ فى اجتهاده مأجور عليه.
стр. 56
وعلى كلا التقديرين، فالشهادة والرواية من الفريقين لا تكون مردودة، إما بتقدير الإصابة فظاهر، وإما بتقدير الخطأ مع الاجتهاد فبالإجماع " (١) .
يقول الإمام الجوينى (٢) : "أما التوقف فى تعديل كل نفر من الذين لابسوا الفتن، وخاضوا المحن، ومتضمن هذا، الإنكفاف عن الرواية عنهم، فهذا باطل من دين الأمة، وإجماع العلماء على تحسين الظن بهم، وردهم إلى ما تمهد لهم من المآثر بالسبيل السابقة، وهذا من نفائس الكلام " (٣) أ. هـ.
وصدق عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: "تلك دماء طهر الله منها سيوفنا فلا تخضب بها السنتنا " (٤) أ. هـ.
والله ﵎
أعلى أعلم
стр. 57
ثالثاً: أما ما زعمه غلاة الشيعة، والمستشرقون، ودعاة اللادينية: أن بداية الوضع كانت فى زمن النبى ﷺ ووقعت من صحابته الكرام، واستدلالهم على ذلك بالروايات السابقة (١) . وغيرها مما جاء فيها تخطئة بعض الصحابة لبعضهم، واستشهادهم بذلك على أنهم كانوا يشكون فى صدق بعضهم بعضاً، وأنهم كانوا يكذِّب بعضهم بعضاً، وأنهم تسارعوا على الخلافة وانقسموا شيعاً وأحزاباً (وأخذ كل حزب يدعم موقفه بحديث يضعه على النبى ﷺ ، واشتد ذلك الأمر فى العصر الأموى، والعباسى حيث تحولت تلك الأكاذيب إلى أحاديث، وتم تدوينها فى العصر العباسى ضمن كتب الحديث الصحاح) (٢) .
فهذا لا يقوله إلا قوم امتلأت قلوبهم حقداً وبغضاً على من اختارهم واصطفاهم ربهم لصحبة نبيه ﷺ وتبليغ رسالته إلى الخلق كافة.
وهذا الكذب ترديد لما قاله قديماً جولد تسيهر (٣)
стр. 58
فى العقيدة والشريعة فى الإسلام قائلاً: " ولا نستطيع أن نعزو الأحاديث الموضوعة للأجيال المتأخرة وحدها، بل هناك أحاديث عليها
طابع القدم، وهذه إما قالها الرسول ﷺ أو هى من عمل رجال الإسلام القدامى ... " (١) .
وردد ذلك من غلاة الشيعة على الشهرستانى (٢) فى كتابه " منع تدوين الحديث أسباب ونتائج" قائلاً: "السنة المتداولة اليوم ليست سنة الرسول، بل هى سنة الرجال؛ فى كم ضخم من أبوابها ومفرداتها " (٣) وفى موضع آخر: يصف السنة المطهرة بأنها " فقه الرجال " (٤)
ويجاب عما سبق بما يلى:
بداية الوضع فى الحديث وبراءة الصحابة ﵃ منه:
اختلف العلماء فى بداية ظهور الوضع فى الحديث إلى قولين:
стр. 59
١- القول الأول: ذهب إلى أن بدايته فى عهد النبوة المباركة، وبه قال الدكتور صلاح الدين الأدلى (١) ، والدكتور فاروق حماده (٢) ، واستدلوا على ذلك بما روى عن بُرَيْدَة ﵁ قال: جاء رجل إلى قوم فى جانب المدينة فقال: إن رسول الله ﷺ أمرنى أن أحكم برأيى فيكم، فى كذا وكذا. وقد كان خطب امرأة منهم فى الجاهلية، فأبوا أن يزوجوه، فبعث القوم إلى النبى ﷺ يسألونه، فقال: "كذب عدو الله". ثم أرسل رجلاً فقال: "إن أنت وجدته ميتاً فأحرقه" فوجده قد لدغ فمات، فحرقه، فعند ذلك قال النبى ﷺ : "من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" (٣) .
٢- القول الثانى: ذهب إلى أن بداية الوضع فى الحديث، كانت باندلاع الفتنة التى أشعل فتيلها أقوام من الحاقدين على الإسلام، ويعتبر الدكتور السباعى سنة أربعين من الهجرة هى الحد الفاصل بين صفاء السنة وخلوصها من الكذب والوضع، وبين التزايد فيها واتخاذها وسيلة لخدمة الأغراض السياسية والإنقسامات الداخلية بعد أن اتخذ الخلاف بين علىّ ومعاوية - رضى الله عنهما- شكلاً حربياً سالت به دماء وأزهقت منه أرواح، وبعد أن انقسم المسلمون إلى طوائف متعددة (٤) . وربما بدأ قبل ذلك، فى الفتنة التى كانت زمن عثمان ﵁، هذا إذا اعتبرناها الفتنة المذكورة فى خبر ابن سيرين، والتى جعلها بداية لطلب الإسناد.
стр. 60
قلت: وأياً كانت بداية الوضع فى الحديث " زمن النبوة المباركة " أو " زمن الفتنة " فلا يمكن أن يكون الوضع فى الحديث وقع من صحابة رسول الله ﷺ العدول الثقات المعروفين بالخيرية، والتقى، والبر والصلاح، والذين يدور عليهم نقل الحديث.
وعلى فرض صحة الروايات التى تشير إلى أن بداية الوضع زمن النبوة المباركة. فليس فيها ما يشكك فى صدق الصحابة، ولا ما يطعن فى عدالتهم، إذ كان معهم منافقون، وهم الذين كانت تصدر منهم أعمال النفاق، فلا يبعد أن يكون الرجل الوارد فى تلك الروايات واحد من المنافقين؛ وبذلك قال الدكتور صلاح الدين الأدلبى (١) ، والدكتور فاروق حمادة (٢)
стр. 61
دفاعاً عن تهمة الصحابة بالكذب عليه ﷺ فى زمانه، وهما من أصحاب القول الأول أن بداية الوضع زمن النبوة المباركة.
... وصفوة القول: " لا يختلف منصفان فى أن العصر الأول للإسلام يُعَدُ أنظف العصور وأسلمها من حيث استقامة المجتمع، وتوفيق رجاله وصلاحهم ولا غرو، فإن جلّ القيادات كانت من الصحابة " (١) .
كما أن التربية القرآنية التى غرسها ﷺ فى صحبه، وتعهدها بالرعاية كانت عاملاً فعالاً فى تطهير نفوس الأصحاب مما يطرأ عادة على القلوب والنفوس من أهواء ورغائب تكون مدعاة للكذب والإفتراء، ولا سيما والقرآن الكريم يتوعد الكاذبين بأشد الوعيد، ويصف الكذب بأنه ظلم قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ (٢) .
وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ (٣) .
وكيف يكذبون! وقد اشتهر وأعلن فيهم وتواتر عنهم قوله ﷺ : "من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" (٤)
وكيف نتصور وصفهم بالكذب وعشرات من الآيات القرآنية، وعشرات أخرى من الأحاديث النبوية تزكيهم وتصفهم بالصدق، والإخلاص، والتقوى؟!! .
...
стр. 62
بل إنه كما يقول الدكتور السباعى - رحمه الله تعالى-: " ليس من السهل علينا أن نتصور صحابة رسول الله ﷺ الذين فدوا الرسول بأرواحهم وأموالهم وهجروا فى سبيل الإسلام أوطانهم وأقرباءهم، وامتزج حب الله وخوفه بدمائهم ولحومهم: ليس من السهل أن نتصور هؤلاء الأصحاب يقدمون على الكذب على رسول الله ﷺ مهما كانت الدواعى إلى ذلك (١) ... ولقد دلنا تاريخ الصحابة فى حياة الرسول وبعده، أنهم كانوا على خشية من الله وتقى يمنعهم من الإفتراء على الله ورسوله، وكانوا على حرص شديد على الشريعة وأحكامها، والذب عنها، وإبلاغها إلى الناس، كما تلقوها عن رسوله، يتحملون فى سبيل ذلك كل تضحية ويخاصمون كل أمير أو خليفة أو أى رجل يرون فيه انحرافاً عن دين الله لا يخشون لوماً، ولا موتاً، ولا أذى، ولا اضطهاداً، وإليك أمثلة على صدق ذلك.
стр. 63
نماذج من جراءة الصحابة فى حفظ الشريعة:
١- فهذا الفاروق عمر ﵁ الذى تهابه أعتى الإمبراطوريات ويخاف سطوته العادلة أشجع الرجال، تقف فى وجهه امرأة لتقول له: لا، وذلك حين دعا إلى أمر رأت فيه هذه المرأة مخالفة لتعاليم القرآن، فقد خطب الناس يوماً فقال: " أيها الناس لا تغالوا فى مهور النساء لو كان ذلك مكرمة عند الله لكان أولاكم بها رسول الله ﷺ . فتتصدى له امرأة على مسمع من الصحابة فتقول له: "يا أمير المؤمنين! كتاب الله أحق أن يتبع أو قولك؟ قال: بل كتاب الله ، فما ذلك؟ قالت نهيت الناس آنفاً أن يغالوا فى صدق النساء والله يقول فى كتابه العزيز: ﴿وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (١) فقال عمر: كل أحد أفقه من عمر، مرتين أو ثلاثاً، ثم رجع إلى المنبر فقال للناس: إنى نهيتكم أن تغالوا فى صدق النساء؛ ألا فليفعل كل رجل فى ماله ما بدا له (٢) .
стр. 64
٢- ويذهب أبو بكر ﵁ إلى محاربة الممتنعين عن أداء الزكاة فيعارضه عمر طالما أن نصاً نبوياً يمنع دماء من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وهو قوله ﷺ "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله، فقد عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله"، فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال والله لو منعونى عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ ، لقاتلتهم على منعه فقال عمر بن الخطاب: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبى بكر للقتال فعرفت أنه حق " (١) .
٣- وهذا على بن أبى طالب ﵁ يعارض عمر ﵁ فى همه برجم امرأة ولدت لستة أشهر، فقال له علىّ: ليس ذاك لك: إن الله يقول فى كتابه ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٢) فقد يكون فى البطن ستة أشهر، والرضاع أربعة وعشرين شهراً فذلك تمام ما قال الله: ثلاثون شهراً، فخلى عنها عم ر" ((٣) .
стр. 65
٤- وهذا أبو سعيد الخدرى ﵁ ينكر على مروان من الحكم والى المدينة تقديم الخطبة على صلاة العيد مبيناً أنه عمل مخالف للسنة النبوية (١) .
٥- وها هو ابن عمر- كما يروى لنا الذهبى فى "تذكرة الحفاظ" يقوم - والحجاج (٢) يخطب فيقول: أى ابن عمر متكلماً عن الحجاج: عدو الله استحل حرم الله، وخرب بيت الله وقتل أولياء الله ﷻ .
وروى الذهبى أن الحجاج خطب فقال: إن ابن الزبير بدل كلام الله، فقال ابن عمر: كذبت لم يكن ابن الزبير يستطيع أن يبدل كلام الله ولا أنت، قال الحجاج: إنك شيخ قد خرفت اقعد. قال ابن عمر: أما إنك لو عدت عدت) (٣) .
стр. 66
.. مثل هذه الأخبار، ومئات أمثالها قد استفاضت بها كتب التاريخ، وهى تدل دلالة قاطعة على ما كان عليه الصحابة من الشجاعة، والأمانة، والجرأة فى الحق، والتفانى فى الدفاع عنه، بحيث يستحيل أن يكذبوا على رسول الله ﷺ اتباعاً لهوى أو رغبة فى دنيا، إذ لا يكذب إلا الجبان، كما يستحيل عليهم أن يسكتوا عمن يكذب على رسول الله ﷺ وهم الذين لا يسكتون عن اجتهاد خاطئ؛ يذهب إليه بعضهم بعد فكر وإمعان نظر.
وهذا غاية ما يكون بينهم من خلاف فقهى لا يتعدى اختلاف وجهات النظر فى أمر دينى وكل منهم يطلب الحق وينشده (١) .
و ما يرد من ألفاظ التكذيب على ألسنة بعضهم، فإنما هو تخطئة بعضهم لبعض ، وبيان ما وقع فيه بعضهم من وَهَم الكلام.
... والكذب بهذا المعنى لا يعصم منه أحد، لا من الصحابة، ولا ممن دونهم، وقد جاءت كلمة "الكذب" فى أحاديث كثيرة بمعنى الخطأ، من ذلك مايلى:
قول النبى ﷺ : "كذب من قال ذلك" (٢) فى الرد على من ظن أن عامر بن الأكوع (٣) : "قتل نفسه فى غزوة خيبر حيث أصابه سيفه، وهو يبارز "مرحباً" ملك اليهود.
стр. 67
وقوله ﷺ : "كذب أبو السنابل (١) ، ليس كما قال، قد حللت فانكحى". وذلك فى الرد على أبى السنابل الذى قال لسبيعة بنت الحارث (٢) ، وقد وضعت حملها بعد وفاة زوجها
بأيام: إنك لا تحلين حتى تمكثى أربعة أشهر وعشراً. فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: " كذب أبو السنابل، ليس كما قال " (٣) .
...
وعلى نحو هذا الإستعمال لكلمة "كذب" جاء استعمال الصحابة لها.
١- كقول ابن عباس ﵄ عن نوف البكالى (٤) : "كذب نَوْف" عندما قال صاحب الخضر ليس موسى بنى إسرائيل، وإنما موسى آخر - ونوف من الصالحين العبا، ومقصود ابن عباس: اخطأ نوف (٥) .
٢- ومنه قول عبادة بن الصامت ﵁: "كذب أبو محمد" حيث قال: " الوتر واجب ".
стр. 68
٣- ومنه قول عائشة - رضى الله عنها - لما بلغها أن أبا هريرة يحدث بأنه "لا شؤم إلا فى ثلاث" قالت: "كذب - والذى أنزل على أبى القاسم - من يقول: " لا شؤم إلا فى ثلاث - ثم ذكرت الحديث " (١) .
٤- "واسْتَمَعَ الزبير بن العوام ﵁، إلى أبى هريرة يحدث، فجعل يقول كلما سمع حديثاً: كذب ... صدق ... كذب، فسأله عروة ابنه: يا أبت ما قولك: صدق ... كذب. قال: يا بنى: أما أن يكون سمع هذه الأحاديث من رسول الله ﷺ ، فلا شك فيه، ولكن منها ما يضعه على مواضعه، ومنها ما وضعه على غير مواضعه " (٢) .
فعائشة والزبيررضي الله عنهما لا يريدان بقولهما - كذب أى اختلق - حاشاهم من ذلك – وإنما المراد اخطأ فى فهم بعض الأحاديث؛ ووضعها فى غير محل الإستشهاد بها، كما صرح الزبير بن العوام ﵁، فعدالة أبى هريرة بين الصحابة أعظم من أن تمس بجرح، وما اتهم به كذباً من أعداء الإسلام تصدى للرد عليه رهط من علماء الإسلام (٣) .
стр. 69
فهذا كله من الكذب الخطأ، ومعناه "اخطأ قائل ذلك". وسمى كذباً؛ لأنه يشبهه، لأنه ضد الصواب، كما أن الكذب ضد الصدق، وإن افترقا من حيث النية والقصد (١) .
و ما استدرك به بعض الصحابة بعضاً فى الرواية لا يعد كذباً ، كيف لا! والصحابة يتفاوتون فى روايتهم عن النبى ﷺ بين مكثر ومقل، يحضر بعضهم مجلساً للرسول ﷺ يغيب عنه آخرون، فينفرد الحاضرون بما لم يسمعه المتخلفون، حتى يبلغوا به فيما بعد. ومن هذا القبيل كتاب " الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة " للإمام بدر الدين الزركشى. كما وقع لجماعة من الصحابة غيرها، استدركوا على مثيلهم، ونفوا ما رواه وخطؤوه فيه.
... ويدل على ما سبق ما رواه الحاكم عن البراء بن عازب ﵁: " ليس كلنا كان يسمع حديث النبى ﷺ ، كانت لنا ضيعة وأشغال، ولكن كان الناس لم يكونوا يكذبون فيحدث الشاهد الغائب " (٢) .
стр. 70
.. وعن القاسم بن محمد (١) قال: " لما بلغ عائشة قول عمر وابن عمر مرفوعاً: إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه قَالَتْ إِنَّكُم لَتُحَدِّثُونِّىٍ عَنْ غَيْرِ كَاذِبَيْنِ وَلاَ مُكَذَّبَيِنْ وَلِكَنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ (٢) ، وفى رواية قالت: "يغفر الله لأبى عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب، ولكنه نسى
أو اخطأ، إنما مر رسول الله ﷺ على يهودية يُبكى عليها فقال: إنهم ليبكون عليها، وإنها لتعذب فى قبرها" (٣) .
... كل ذلك وغيره الكثير، يدل على ثقة الصحابة بعضهم ببعض، ثقة لا يشوبها شك ولا ريبة، لما يؤمنون به من تدينهم بالصدق، وأنه عندهم رأس الفضائل، وبه قام الإسلام، وساد أولئك الصفوة المختارة من أهله الأولين.
стр. 71
وصدقت أم المؤمنين عائشة ﵄ ما كَانَ خُلُق أَبْغضَ إلى أصحاب رسول الله ﷺ من الكذب (١) .
... وعلى هذا: فإذا ورد على لسان أحد من الصحابة نفى ما رواه نظيره، أو قوله فى مثيله: كذب فلان ...، أو نحو هذا من العبارات، فالمراد به أنه أخطأ أو نسى؛ لأن الكذب عند أهل السنة هو الإخبار عن الشئ بخلاف ما هو عليه عمداً أو نسياناً أو خطأ، ولكن الإثم يختص بالعامد، كما جاء فى الحديث: " من كذب علىَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار " (٢) .
قال الإمام النووى (٣) : بعد تعريفه للكذب عند أهل السنة: "وقالت المعتزلة، شرطة العمدية ودليل خطاب هذه الأحاديث لنا، فإن قيده ﵇ بالعمد، لكونه قد يكون عمداً، وقد يكون سهواً، مع أن الإجماع والنصوص المشهورة فى الكتاب والسنة متوافقة متظاهرة على أنه لا إثم على الناسى والغالط، فلو أطلق ﷺ الكذب لتوهم أنه يأثم الناسى أيضاً فقيده وأما الروايات المطلقة، فمحمولة على المقيدة بالعمد (٤) . أ. هـ.
стр. 72
الرد على زعم أعداء السنة المطهرة بأن لفظة "متعمداً" فى حديث "من كذب علىّ" مختلقة:
زعم أعداء السنة بأن لفظة "متعمداً" مختلقة، وأدرجها العلماء ليسوغوا بها، وضع الحديث على رسول الله ﷺ حسبة من غير عمد، كما كان يفعل الصالحون من المؤمنين ويقولون "نحن نكذب له لا عليه " أو يتكئ عليها الرواة فيما يروونه عن غيرهم على سبيل الخطأ، أو الوهم أو سوء الفهم ... إلخ" (١) .
... الجواب: هذا زعم كله كذب لأن " لفظة متعمداً " أخرجها البخارى فى صحيحه فى أكثر رواياته (٢) ،واتفق معه الإمام مسلم فى تخريجها فى صحيحه (٣) .
وأفاض الحافظ ابن حجر فى بيان ثبوتها (٤) ، ورغم ذلك يكذب محمود أبو رية بذكره للبخارى وابن حجر ضمن من لا يثبتون هذه الزيادة (٥) .
стр. 73
يقول فضيلة الدكتور محمد أبو شهبة: ولا أحد يدرى - كيف يجتمع الوضع حسبة مع عدم التعمد؟ إن معنى الحسبة أن يقصد الواضع وجه الله، وثوابه، وخدمة الشريعة – على حسب زعمه – بالترغيب فى فعل الخير والفضائل، وهم قوم من جهلة الصوفية، والكرامية، جوزوا الوضع فى الترغيب والترهيب، وربما تمسكوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (١) .
وقوله ﷺ "من كذب علىَّ ليضل به الناس" (٢) . فكيف يجامع قصد الوضع، عدم التعمد؟!
وتفسير الحسبة بأنها عن غير عمد غير مقبول ولا مسلم.
ثم إن رفع إثم الخطأ أو السهو ليس بهذه الكلمة، وإنما ثبت بأدلة أخرى، وقد تقرر فى الشريعة أنه لا إثم على المخطئ والناسى، ما لم يكن بتقصير منه فذكر الكلمة لا يفيد هؤلاء الرواة شيئاً ما دام هذا أمراً مقرراً.
стр. 74
و السر فى ذكرها أن الحديث لما رتب وعيداً شديداً على الكاذب، والمخطئ، والساهى، والناسى، لا إثم عليهم، كان من الدقة والحيطة فى التعبير التقييد بالعمد، وذلك لرفع توهم الإثم على المخطئ والغالط والناسى، وهو ما نقله الإمام النووى عن مذهب أهل السنة والمعتزلة أيضاً.
على أن أئمة الحديث وإن قالوا برفع الإثم عن المخطئ، والناسى، والغالط، فقد جعلوا ما ألحق بالحديث غلطاً، أو سهوا ً، أو خطأً، من قبيل الشبيه بالموضوع فى كونه كذباً فى نسبته إلى الرسول ﷺ ، ولا تحل روايته إلا مقروناً ببيان أمره، وإلى هذا ذهب الأئمة، الخليلى، وابن الصلاح، والعراقى، وغيرهم، وقد اعتبره بعض أئمة الجرح - كابن معين، وابن أبى حاتم - من قبيل الموضوع المختلق، وذهب بعض الأئمة إلى أنه من قبيل المدرج، ومهما يكن من شئ فقد جعلوا هذا النوع من الغلط أو الوهم مما يطعن فى عدالة الراوى وضبطه (١) أ. هـ.
...
فأين هذا الذى يقرره الجهابذة من المحدثين مما يزعمه الأفاكون أمثال محمود أبو رية، فى قوله كلمة "متعمداً" "يتكئ عليها الرواة فيما يروونه عن غيرهم على سبيل الخطأ، أو الوهم أو سوء الفهم ... إلخ"؟!! .
стр. 75
يقول الشيخ المعلمى اليمانى: "ولا يتوهمن أحد أن كلمة "متعمداً" تخرج من حدث جازماً وهو شاك، كلا فإن هذا متعمد بالإجماع، ولا نعلم أحداً من الناس حتى من أهل الجهل والضلالة زعم أن كلمة "متعمداً" تخرج هذا، وإنما وجد من أهل الجهل والضلال من تشبث بكلمة " علىَّ " فقال: نحن نكذب له لا عليه. فلو شكك محمود أبو ريه، ومن قال بقوله، فى كلمة " علىَّ " لكان أقرب (١) .أهـ
والله ﵎
أعلى وأعلم
المبحث الخامس: سنة الصحابة ﵃ حجة شرعية
... إذا كان أعداء الإسلام يشككون فى عدالة الصحابة ﵃ فهم أيضاً يشككون فى سنتهم، وسنة الخلفاء الراشدين.
يقول محمد شحرور (٢) : "فإذا سألنى سائل الآن ألا يسعك ما وسع الصحابة فى فهم القرآن؟ فجوابى بكل جرأة ويقين هو: كلا لا يسعنى ما وسعهم، لأن أرضيتى العلمية تختلف عن أرضيتهم، ومناهج البحث العلمى عندى تختلف عنهم، وأعيش فى عصر مختلف تماماً عن عصرهم والتحديات التى أواجهها تختلف عن تحدياتهم " (٣) .