← Общие книги

Общие книги · id 1837

عقوبتا الزاني والمرتد ودفع الشبهات

عماد السيد محمد إسماعيل الشربينى

Полный текст (161 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وتأمل أيضاً ما قاله عبد العزيز الخولى: "وأما ما ورد فى السنة من أحكام، فإن كان مخالفاً لظاهر القرآن، فالقرآن مقدم عليه، ويعتبر ذلك طعناً فى الحديث من جهة متنه ولفظه، وإن صح سنده، فإن الحديث لا يكون حجة إلا إذا سلم سنده ومتنه من الطعن، ولذلك أجاز بعض المسلمين (١) نكاح المرأة على عمتها أو خالتها... إلى أن قال: "وإن كل ما فى السنة لا يخالف ظاهر القرآن، فهو اجتهاد من الرسول، يرجع إلى أصل قرآنى عرفه الرسول، وجهلناه نحن أو عرفناه" (٢) . فتأمل قوله فى البيان النبوى: "وجهلناه نحن أو عرفناه" إذ العبرة عنده فى أول الأمر وآخره، هى: ظاهر القرآن، سواء عرف السنة البيانية أم جهلها، فهى فى حالة معرفته بها، لم تضف جديداً، وفى هذه الحالة العبرة بالقرآن، وفى حالة استقلالها بتشريع أحكام جديدة، تكون السنة مخالفة لظاهر القرآن؛ فلا حجة فيها. هكذا حال لسانه! ولا أدرى من أين فهموا قيمة هذا البيان النبوى للقرآن الكريم؟ حيث أن آيات القرآن الكريم السابق ذكرها، والتى تسند مهمة البيان، تصرح بأن هذا البيان وحى من الله : ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ (٣) ﴿إن أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ (٤) وغير ذلك من الآيات (٥) . ... فهل فى الإسلام، وحى واجب الإتباع؛ ووحى الآخذ به، فعله مقبول والرافض له، فعله مقبول أيضاً؟!! . ...

стр. 37

وإذا كان هذا البيان النبوى يحل مشاكل الإختلاف التى يمكن أن تحدث بين العباد، فى فهم وتطبيق، المراد من مجمل القرآن، وعامة، ومطلقة، ومشكلة... الخ كما صرح بذلك القرآن الكريم فى قوله تعالى: ﴿وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذى اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾ (١) . ... فهل يعقل أو يقبل بعد ذلك أن يكون هذا البيان النبوى غير ملزم؛ ولا واجب الإتباع؟! وما فائدة تنويه القرآن إلى هذا البيان النبوى حينئذ؟! وما قيمة المبين (القرآن) مع عدم حجية البيان (السنة) ؟ ! . إن البيان النبوى (السنة المطهرة) متى صح تكون منزلته، ومنزلة القرآن، سواء بسواء فى حجيته، ووجوب العمل به؛ وعلى هذا انعقد إجماع من يعتد به من علماء الأمة قديماً وحديثاً (٢) . خامساً: زعم بعضهم أن ما استقلت به السنة المطهرة من أحكام، مرفوض بحجة مخالفته للقرآن الكريم، وفيه تشويه لسيرة رسول الله ﷺ بجعله مشرعاً (٣) ويضربون أمثلة بحد المحصن "الرجم" وحد الردة "القتل". ... وهذه المزاعم يجاب عنها بما يلي: يتفق العلماء أجمع على وجود أحكام، لم ترد فى القرآن، لا نصاً ولا صراحة، ولكنهم يختلفون خلافاً لفظيا ً، حول تسمية تلك الأحكام الواردة فى السنة. فالجمهور من العلماء يقولون: إن هذا هو الاستقلال فى التشريع بعينه؛ لأنه إثبات لأحكام لم ترد فى القرآن، وأن هذه الأحكام واجبة الإتباع، عملاً بعشرات الآيات التى تأمر بطاعة رسول الله ﷺ ، واتباعه، وتحذر من مخالفته.

стр. 38

وهذه الآيات جميعها (١) تستلزم أن تكون هناك أمور من الدين تأتى بها السنة، وهى حجة، وإلا فلا معنى للأمر بطاعته ﷺ . أما الإمام الشاطبى (٢) ومن نحا نحوه: فإنهم مع إقرارهم بوجود أحكام لم ترد فى القرآن إلا أنهم يقولون: إنها ليست زيادة على شئ ليس فى القرآن، وإنما هى زيادة الشرح، المستنبط من المشروح بإلهام إلهي، ووحي رباني، وتأييد سماوي. وبعبارة أخري: هي داخلة تحت أي نوع من أنواع السنة البيانية، أوداخلة تحت قاعدة من قواعد القرآن الكريم. وأنت ترى هنا أن الخلاف بين العلماء فى الأحكام الجديدة الواردة فى السنة المطهرة، الخلاف بينهم لفظى، فالكل يعترف بوجود أحكام فى السنة المطهرة، لم تثبت فى القرآن الكريم، ولكن بعضهم لا يسمى ذلك استقلالاً، والبعض الآخر يسميه. والنتيجة واحدة؛ وهى حجية تلك الأحكام الزائدة، ووجوب العمل بها. ليس فى الأحكام الزائدة على كتاب الله ، ما يشوه سيرة رسول الله ﷺ ، بجعله مشرعاً؛ كما يزعم أعداء السنة المطهرة! لأن الله تعالى قد جعل من جملة صفات رسوله ﷺ ، ومن مهامه الكبار، أنه يحلل ويحرم، وهكذا جاء وصفه ﷺ فى الكتب السماوية السابقة، وهو ﵊، لا يشرع

стр. 39

من عند نفسه، إنما يشرع حسب ما يريه الله تعالى ويوحيه إليه، لأنه لا ينطق عن الهوى. وتأمل قوله تعالى: ﴿الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوباً عندهم فى التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذى أنزل معه أولئك هم المفلحون﴾ (١) . ... فقوله تعالى: "يحل، يحرم، يضع" هذه من خصائص المشرع الحقيقى، ولكنه ﷺ ، لا يفعل من عند نفسه كما قلت، إنما يوحى الله تعالى إليه. فأطايب اللحم، كان محرماً على بنى إسرائيل: ﴿إلا ما حرم إسرائيل على نفسه﴾ (٢) فقد أباحه النبى ﷺ ، كلحم الإبل، وشحم البقر، والغنم، على التفصيل المذكور فى قوله تعالى: ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون﴾ (٣) . ... وقوله تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ كالميتة، والخنزير، والخمر، والربا... الخ وقوله تعالى: ﴿ويضع عنهم إصرهم﴾ أى ثقلهم ﴿والأغلال﴾ أى القيود التى كانت عليهم، كوجوب قتل النفس فى التوبة، بينما فى ديننا هو الاستغفار والندم، وغسل النجاسة بالماء، بينما كانت تقرض بالمقراض، فهذا كله تخفيف من الله تعالى ورحمة، أوحى به إلى نبيه ﷺ ، وعلينا السمع والطاعة والامتثال. ... وبالجملة: إذا قيل إن رسول الله ﷺ ، له حق التشريع، فمرد هذا التشريع عند من يقول بذلك إلى الله .

стр. 40

لأن ما يصدر عن رسول الله ﷺ فى تبيانه لكتاب الله، لا يخلو عن أن يكون هذا البيان النبوى - حتى ولو كان بأحكام زائدة - أوحى الله تعالى بمعناه إلى رسوله ﷺ ، وعبر عنه رسول الله، بألفاظ من عنده، وهذا هو الأعم الأغلب فى السنة النبوية، فيجب قبوله، لما تقرر من عصمته ﷺ فى بلاغه لوحى الله تعالى - قرآناً وسنة -. وإما أن يقول رسول الله تبياناً أو حكماً باجتهاده مما يعلم أنه من شرع الله تعالى، فإن وافق قوله أو فعله أو حكمه مراد الله ، فالأمر كما أخبر به ﵊. وإن كان الأمر يحتاج إلى تصحيح أو توضيح؛ أوحى الله تعالى إلى نبيه بالتصحيح. وهذا هو الأقل النادر فى السنة النبوية. ... وبهذا التصحيح تصبح السنة فى هذه الحالة؛ حكم الله فى النهاية، حجة على العباد إلى يوم الدين، وتجب طاعة رسول الله ﷺ . فى هذه السنة، بيانية كانت، أو زائدة على كتاب الله . يدل على ذلك عشرات الآيات القرآنية التى تحض على طاعته ﷺ وتحذر من مخالفته. ... وإذا كان أعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة، ينكرون ذلك. ويزعمون أن طاعته ﷺ تنحصر في القرآن فقط. فإلى بيان شبهتهم في المبحث التالي والرد عليها

стр. 41

المبحث الثالث: في بيان وجوب طاعة رسول الله ﷺ في القرآن والسنة معاً ... في الوقت الذي يتمسح فيه من يسمون أنفسهم (القرآنيون) بظاهر القرآن ويستدلون به على أن مهمة الرسول الوحيدة في رسالته هي تبليغ القرآن فقط؛ إذ بهم يجدون أنفسهم في مأزق من كتاب الله الذي يصرح بأن لرسول الله ﷺ ، بياناً للقرآن الكريم، وهو بيان حجة، وواجب الإتباع، بنص عشرات الآيات القرآنية، التي تحض على طاعة رسول الله ﷺ ، طاعة مطلقة؛ في كل ما يأمر به، وينهى عنه، وتحذر من مخالفته. ... ولأن هذه الآيات تفضح إفكهم وتبطل شبهاتهم من جذورها، فقد تعسفوا في تأويل تلك الآيات، بما يتفق وإنكارهم لأن يكون لرسول الله ﷺ ، سنة مطهرة، واجبة الإتباع. ف زعموا: أن كلمة (الرسول) في القرآن تعنى القرآن ، وأن طاعة الرسول الواردة في القرآن إنما تعنى: طاعة القرآن فقط، أو بعبارة أخرى طاعة رسول الله ﷺ فيما بلغه من القرآن فقط. ... يقول أحمد صبحى منصور: "كلمة الرسول فى بعض الآيات القرآنية تعنى القرآن بوضوح شديد كقوله تعالى: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله﴾ (١) . ... يقول أحمد صبحى: فالآية تقرر حكماً عاماً مستمراً إلى قيام الساعة بعد وفاة محمد. فالهجرة فى سبيل الله، وفى سبيل رسوله أى القرآن، قائمة ومستمرة بعد وفاة النبى محمد وبقاء القرآن أو الرسالة. وأحياناً - ولازال الكلام له - تعنى كلمة "الرسول" القرآن فقط، وبالتحديد دون معنى آخر كقوله تعالى: ﴿لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً﴾ (٢) فكلمة "ورسوله" هنا: تدل على كلام الله فقط، ولا تدل مطلقاً على معنى الرسول محمد.

стр. 42

والدليل أن الضمير فى كلمة "ورسوله" جاء مفرداً، فقال تعالى: ﴿وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً﴾ . والضمير المفرد يعنى: أن الله ورسوله أو كلامه، ليسا اثنين، وإنما واحد، فلم يقل: "وتعزروهما وتوقروهما وتسبحوهما بكرة وأصيلا". ويقول تعالى: ﴿يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾ (١) ولو كان الرسول فى الآية يعنى: شخص النبى محمد لقال تعالى: "أحق أن يرضوهما" ولكن الرسول هنا يعنى فقط كلام الله، لذا جاء التعبير بالمفرد، الذى يدل على الله تعالى وكلامه. ويقول فى موضع آخر: "أما أقوال الرسول، فهى القرآن دين الله، وقد أبلغه الرسول دون زيادة ولا نقصان، وفيه الكفاية، وفيه التفصيل، وفيه البيان، إن طاعة الرسول هى طاعة القرآن الذي أنزله الله على الرسول، ولا يزال الرسول أو القرآن بيننا" (٢) . وقال قاسم أحمد (٣) : "يبدو جلياً أن طاعة الرسول تعنى طاعة الله، لأن الرسول ليس سلطة مستقلة، فهو كرسول له حق التبليغ، تبليغ الرسالة، وطاعته من طاعة الله، وكما ذكر فى القرآن فى مرات عديدة ﴿ما على الرسول إلا البلاغ﴾ (٤) يعنى: ملاحظة أن القرآن استخدم كلمة الرسول، ولم يقل "محمد" إذن فالطاعة للرسول أى الرسالة التى أرسل بها من قبل الله ...

стр. 43

فمثل هذه الآيات التى تتضمن أن طاعة الله مقترن بها طاعة الرسول، تفسرها آيات أخرى تتضمن أن الطاعة واجبة فقط لله" (١) . و يجاب عن ما سبق بما يلي: أولاً: تعسف أعداء رسول الله، فى تأويل كلمة "الرسول " فى كتاب الله بأنها القرآن الكريم، دون شخص النبى محمد ﷺ ، أمر برفضه القرآن الكريم. وتأمل معى الآيات التالية: ١- قال تعالى: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾ ((٢)) . فهل يصح من عاقل أن يفسر كلمة الرسول فى الآية بأنها القرآن؟! . ويكون المعنى: وما محمد إلا قرآن قد خلت من قبله القرآن أو الرسل؟! . ٢- وقال ﴿ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفوراً رحيماً﴾ (٣) . فهل يصح من أعداء الإسلام تأويل "ورسوله" بمعنى "وقرآنه" وبالتالى ينكرون ما هو ثابت بالتواتر من هجرة رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة؟! . تلك الهجرة التى كانت واجبة قبل فتح مكة، حتى أن الله نهى عن اتخاذ من لم يهاجر ولياً حتى يهاجر، كما قال : ﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا﴾ (٤) فهل حديث القرآن عن الهجرة فى هذه الاية وغيرها، يعنى: الهجرة إلى القرآن؟! . ...

стр. 44

كيف وقوله تعالى: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجراً﴾ صريح فى أنها هجرة حقيقية، من مكان إلى مكان، وهو الثابت تاريخيا ً؛ من هجرة رسول الله من مكة إلى المدينة، وهجرة الصحابة بعد ذلك إليه ﷺ وهو ما يؤكد أن قوله "ورسوله" تعنى شخص النبى محمد ﷺ . ٣- وقال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذى نزل على رسوله والكتاب الذى أنزل من قبل﴾ (١) . فهل يصح أو يعقل أن يكون المراد بالآية: آمنوا بالله وكتابه – والكتاب الذى نزل على قرآنه؟! . ٤- وقال تعالى: ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم فى التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون. قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيى ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ (٢) . ... إن هاتين الآيتين تفيدان مع سابقتهما، أن كلمة "الرسول" مراداً بها شخص رسول الله ﷺ ، ولا يصح بحال أن تفسر كلمة "الرسول، بأنها القرآن، كما يزعم الأدعياء. فتكون الآية هكذا: "الذين يتبعون القرآن النبي الأمي" و"قل يا أيها الناس إني قرآن الله إليكم جميعاً" و"فآمنوا بالله وقرآنه النبي الأمي" (٣) .

стр. 45

إن الآيات السابقة كلها تصرح فى وضوح وجلاء لمن عنده عقل، أن كلمة "الرسول" إنما تعنى شخص النبى محمد ﷺ . وفى الآيات أيضاً الدلالة الواضحة على وجوب إتباعه وطاعته ﷺ طاعة مطلقة فى كل ما يأمر به، وينهى عنه، حتى ولو كان خارجاً عن القرآن الكريم بدلالة (ويحل، ويحرم، ويضع) فى قوله: ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم﴾ . وتصرح الآيات بأن فى هذا الإتباع والطاعة له ﷺ الفلاح والهداية إلى طريق مستقيم: ﴿واتبعوا النور الذى أنزل معه أولئك هم المفلحون﴾ ﴿واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ . كما تصرح الآيات بأن الإيمان بشخص النبى محمد ﷺ وبرسالته، جزء لا يتجزأ من الإيمان بوجود الله تعالى، وبإفراده بالعبودية والألوهية ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى﴾ وبدلالة هذا الإيمان كانت طاعته ﷺ ، طاعة لله ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (١) . وتأمل إفراد الضمير فى قوله: "واتبعوه" بعد أن فرق وغاير بواو العطف بين الإيمان به تعالى، والإيمان به ﷺ ، ليدل على أن إتباعه وطاعته ﷺ ، اتباع وطاعة له . لأن المشكاة واحدة – فى القرآن والسنة – وهى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى﴾ (٢) . وبالتالى: فإفراد الضمير فى قوله: "واتبعوه" لا يعنى كما يزعم أعداء عصمة رسول الله ﷺ ، بأنه اتباع وطاعة للقرآن فقط. لأن زعمهم هذا بنوه على تفسير كلمة "الرسول" فى الآيات بمعنى القرآن، وقد تبين لك فساد وبطلان هذا التفسير.

стр. 46

ثانياً: زعم أدعياء العلم والفتنة؛ بأنه لا طاعة لرسول الله ﷺ إلا فى القرآن فقط ، أمر يرفضه ويبطله القرآن الكريم الذى بين فى مواضع عدة أن لرسول الله ﷺ ، أوامر ونواهى، وأحكام، خارج القرآن الكريم، وهى واجبة الإتباع مثل القرآن الكريم سواء بسواء. من ذلك ما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ (١) فهذه الآية الكريمة تدلنا على أن التوجه إلى بيت المقدس، كان مشروعاً من قبل، وكان ذلك التوجه حقاً وصواباً واجباً عليهم قبل التحول إلى الكعبة. فأين ذلك كله فى القرآن الكريم؟ ألا يدلك ذلك على أن النبى ﷺ ، وأصحابه كانوا عاملين بحكم وأمر، لم ينزل بوحى القرآن، وأن عملهم هذا كان حقاً وواجباً عليهم الطاعة فيه لرسول الله ﷺ ؟! . ولا يصح أن يقال: إن عملهم هذا كان بمحض عقولهم واجتهادهم. إذ العقل لا يهتدى إلى وجوب التوجه إلى قبلة "ما" فى الصلاة، فضلاً عن التوجه إلى قبلة معينة، وفضلاً عن أن النبى ﷺ ، كان أثناء صلاته إلى بيت المقدس راغباً كل الرغبة فى التوجه إلى الكعبة المشرفة: ﴿قد نرى تقلب وجهك فى السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ (٢) إذن: كان التوجه إلى بيت المقدس بوحى غير القرآن وهو وحى السنة المطهرة، وكان رسول الله ﷺ مطاعاً فى ذلك الوحى. بل: ﴿وما جعلنا القبلة التى كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾ (٣) فتدبر.

стр. 47

٢- وقال تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ (١) . أفادت هذه الآية أن أمر النبى هو أمر الله، ولو كان خارج القرآن، لأن النبى ﷺ ، رأى أن يزوج زينب لزيد، على ما رواه الطبرانى بسند صحيح عن بن عباس أن النبى ﷺ ، خطب زينب وهو يريدها لزيد، فظنت أنه يريدها لنفس هـ، فلما علمت أنه يريدها لزيد أبت، واستنكفت، وقالت: أنا خير منه حسباً. فأنزل الله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ فرضيت وسلمت" (٢) . ... فتأمل: كيف أن المولى ، جعل أمر رسول الله ﷺ هو أمره تعالى وأتى بصيغة عامة تشمل جمع أوامره ﷺ . فالآية تصفع أولئك المبتدعة الذين يقصرون طاعة النبى ﷺ على ما كان فى القرآن، ومتعلقاً بالدين! وزواج زينب بزيد لم يأمر به القرآن، ولا علاقة له بالدين. فإن تمسكوا بقول النبى ﷺ فى مسألة تأبير النخل! "أنتم أعلم بأمور دنياكم" (٣) فلا حجة لهم فيه؛

стр. 48

لأن النبى ﷺ لم يأمر بترك التأبير، وإنما قال: "لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً" فأبدى رأياً مجرداً وليس كلامنا فيه، إنما كلامنا فيما أفادته الآية من وجوب اتباع أمره ﷺ دينياً كان أو دنيوياً، مع تذييلها بقوله تعالى: ﴿ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً﴾ (١) . وقال تعالى: ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم فى الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم﴾ (٢) . أفادت هذه الآية أن أمر النبى ﷺ ، هو أمر الله ، ولو كان خارج القرآن. لأن النبى ﷺ يوم أحد، أخبر أصحابه بنصر الله لهم فى المعركة، وأمر الرماة يومئذ بألا يتحركوا من مكانهم بأى حال من الأحوال سواء هزموا أو انتصروا، وذلك فى قوله ﷺ : "لا تبرحوا، إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا" (٣) وفى رواية: "احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا" (٤) ولكن الرماة ما إن رأوا هزيمة أهل الشرك وجمع المسلمين الغنائم إلا تركوا مكانهم، وخالفوا أمر رسول الله ﷺ طلباً للغنيمة، فكانت نتيجة مخالفة الأمر الهزيمة بعد النصر.

стр. 49

وتأمل قوله تعالى: ﴿حتى إذا فشلتم وتنازعتم فى الأمر وعصيتم﴾ يتبين لك أن عدم طاعة رسول الله ﷺ فى سنته المطهرة، ومخالفته فى أوامره ونواهيه، عصيان، عاقبته الفشل فى الدنيا، والعذاب الأليم فى الآخرة. وقال تعالى: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزى الفاسقين﴾ (١) . فالآية الكريمة تصرح بأن أمر رسول الله ﷺ بقطع نخيل بنى النضير وتحريقها، إنما هو بإذن الله تعالى. فأين هذا الإذن والأمر فى كتاب الله ؟! . أليس فى سنة رسول الله ﷺ ؟! وأن تلك السنة يجب طاعته ﷺ فيها، حيث وصفت بأنها بإذن الله تعالى؟. على ما روى فى سبب نزول هذه الآية عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: "حرق رسول الله ﷺ ، نخل بنى النضير وقطع، وهى: البويرة (٢) فنزلت: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله﴾ (٣) فهل بقى للمتنطعين القاصرين طاعته ﷺ على القرآن فقط من حجة؟! .

стр. 50

وقال : ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم﴾ (١) فتأمل كاف الخطاب المراد بها شخص رسول الله ﷺ ، هل يفسرها الأدعياء هنا بالقرآن؟ وتأمل كيف أن بيعة الرضوان، وكل ما حدث فيها من أوامر ونواهى، من رسول الله ﷺ ، خارج القرآن، وطاعة الصحابة رضى الله عنهم لتلك الأوامر والنواهى! (٢) . وكيف وصفت تلك البيعة البيعة بأنها مبايعة لله تعالى، وأن يده فوق أيدي أصحاب البيعة! مما يفيد أن مبايعة رسول الله، مبايعة لله، وطاعته طاعته، وأن كل ما يصدر عن النبى ﷺ ، خارج القرآن، هو بإذن الله؛ بوحى غير متلو فى السنة المطهرة، مما يجب الإمتثال له، حيث يرضاه الله تعالى. وتأمل: ﴿لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ (٣) فإنها تؤيد ما سبق، حيث أن رضاه عم الأشخاص الذين أطاعوا رسول الله ﷺ فى البيعة، كما عم رضاه سبحانه مكان مبايعتهم. وقال تعالى: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما آراك الله﴾ (٤) فالآية صريحة فى توجيه الخطاب إلى شخص النبى محمد ﷺ ، "إليك" "لتحكم" "أراك" فهل يزعم أعداء رسول الله ﷺ ، أن الخطاب فى الآية للقرآن وليس لشخصه الكريم؟! . ثم تأمل ما فى الآية من التصريح بأن لرسول الله ﷺ حكماً بين الناس، والحكم أمر

стр. 51

زائد على مجرد القانون الذى يحكم به! وهذا الحكم النبوى وصف بأنه وحى إلهى ﴿بما أراك الله﴾ . أليس فى الآية تصريح بأن لهذا النبى الكريم طاعة واجبة خارج القرآن، فيما يحكم به مما جاء فى سنته؟! . وقال سبحانه: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم﴾ (١) فهذه الآية الكريمة تصرح فى وضوح وجلاء، بوجوب الإيمان بكل ما نزل على محمد ﷺ وما أنزل عليه شيئان (الكتاب والحكمة) كما صرح رب العزة بقوله: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به﴾ (٢) . وقال تعالى: ﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما﴾ (٣) وقد سبق قريباً تفسير الكتاب والحكمة، وتفصيل الأدلة على أن الحكمة فى الآيتين وغيرهما بأنها السنة النبوية. إذن بصريح الآية الثانية من سورة محمد فإن له ﷺ طاعة خارج القرآن، وذلك فيما أنزل عليه من السنة المطهرة. وتأمل: ذكر اسمه (محمد) مجرداً وصريحاً ليكون أبلغ رد على المتنطعين المتأولين كلمة "الرسول" بمعنى القرآن! . وقال تعالى: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ (٤) وقال: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ (٥) . فهاتان الآيتان تصرحان بأن لرسول الله ﷺ ، تبياناً لكتاب الله ، وهو تبيان إلهى بنص آية القيامة، وهذا البيان إنما جاء على لسانه ﷺ فتجب طاعته فيه، لأنه أمر زائد على مجرد بلاغ المبين وهو القرآن الكريم على ما سبق تفصيله فى المبحث السابق.

стр. 52

وبعد: فإذا ثبت لك بصريح القرآن الكريم، أن لرسول الله ﷺ ، أوامر ونواهى وأحكام، خارج كتاب الله ، وأن هذه الأوامر والنواهى والأحكام هى بيانه للقرآن، وهو بيان منزل من عند الله دل ذلك على أن لرسول الله ﷺ ، طاعة واجبة لهذا البيان مع طاعته لكتاب الله تعالى. كما دل ذلك على أن عشرات الآيات القرآنية التى تتحدث عن طاعته ﷺ إنما تعنى إطاعة شخصه الكريم فيما يبلغ من وحى الله تعالى قرآناً وسنة؛ وليس كما يزعم أعداء عصمته ﷺ ، طاعته فى القرآن فقط. وإليك نماذج من تلك الآيات. ثالثاً: الأدلة من القرآن الكريم على وجوب طاعته ﷺ : ... اشتدت عناية القرآن الكريم بتلك المسألة، فوجه إليها آيات كثيرة، تنوعت بين آيات تأمر فى وضوح بوجوب الإيمان به ﷺ ، وبين آيات أخرى تأمر بوجوب طاعته ﷺ ، طاعة مطلقة، فيما يأمر به وينهى عنه، وبين آيات أخرى، تنهى عن مخالفته ﷺ ، وتحذر من ذلك. ... واستعراض تلك الآيات أمر يطول، ولذا سوف أكتفى ببعض هذه الآيات فقط، مع بيان دلالتها على وجوب طاعته ﷺ . قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذى نزل على رسوله والكتاب الذى أنزل من قبل﴾ (١) . وقال سبحانه: ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ (٢) . قال الإمام الشافعى: "فجعل كمال ابتداء الإيمان، الذى ما سواه تبع له، الإيمان بالله ثم برسوله، فلو آمن عبد به تعالى ولم يؤمن برسوله ﷺ : لم يقع عليه اسم كمال الإيمان أبداً،

стр. 53

حتى يؤمن برسوله معه (١) ، وبمقتضى هذا الإيمان وجبت طاعته ﷺ ، فى كل ما يبلغه عن ربه، سواء ورد ذكره فى القرآن أم لا. وتأمل كيف جاء الأمر بإتباعه ﴿واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ عقب الأمر بالإيمان به ﷺ ، تأكيداً على وجوب إتباع. وإلا فإن الإتباع داخل في الإيمان، ولكن أفرد بالذكر هنا: تنبيهاً على أهميته وعظم منزلته؛ وإذا كانت المتابعة بالإتيان بمثل فعل الغير، ثبت أن الانقياد لرسول الله ﷺ في جميع أقواله وأفعاله إلا ما خصه الدليل، طاعة له وانقياد لحكم الله تعالى (٢) . ومن أهم الآيات دلالة على وجوب طاعته ﷺ ، قوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ (٣) . يقول ابن قيم الجوزية: " أقسم سبحانه بنفسه، وأكده بالنفى قبله على نفى الإيمان عن العباد، حتى يحكموا رسوله فى كل ما شجر بينهم، من الدقيق والجليل، ولم يكتف فى إيمانهم بهذا لتحكيم بمجرده، حتى ينتفى عن صدورهم الحرج والضيق عن قضائه وحكمه، ولم يكتف منهم أيضاً بذلك حتى يسلموا تسليماً، وينقادوا انقياداً " (٤) . ويقول أيضاً: "وفرض تحكيمه، لم يسقط بموته، بل ثابت بعد موته، كما كان ثابتاً فى حياته، وليس تحكيمه مختصاً بالعمليات دون العلميات كما يقوله أهل الزيغ والإلحاد" (٥) . وقال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم فى شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً﴾ (٦) .

стр. 54

ودلالة الآية على وجوب طاعته ﷺ من عدة وجوه: الوجه الأول: النداء بوصف الإيمان في مستهل الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ ومعنى ذلك: أن المؤمنين لا يستحقون أن ينادوا بصفة الإيمان، إلا إذا نفذوا ما بعد النداء، وهو طاعة الله تعالى، وطاعة رسول الله ﷺ ، وأولى الأمر. الوجه الثانى: تكرار الفعل "أطيعوا" مع الله تعالى، ومع رسوله ﷺ ، وتكرار ذلك فى آيات كثيرة كقوله: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا﴾ (١) وقوله: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون﴾ (٢) . ... يقول الإمام الشاطبى: "تكراره الفعل "وأطيعوا" يدل على عموم الطاعة بما أتى به مما فى الكتاب، ومما ليس فيه مما هو من سنته" (٣) . وقال العلامة الألوسى: "وأعاد الفعل: و"أطيعوا" وإن كان طاعة الرسول مقرونة بطاعة الله تعالى، اعتناءَ بشأنه ﷺ ، وقطعاً لتوهم أنه لا يجب امتثال ما ليس في القرآن، وإيذاناً بأن له ﷺ ، استقلالاً بالطاعة لم يثبت لغيره، ومن ثم لم يعد في قوله: ﴿وأولى الأمر منكم﴾ إيذاناً بأنهم لا استقلال لهم فيها استقلال الرسول ﷺ (٤) . بل طاعتنا لهم مرتبطة بطاعتهم هم لله ورسوله، فإن هم أطاعوا الله ورسوله فلهم علينا حق السمع والطاعة، وإلا فلا. لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" (٥) . ...

стр. 55

ومما هو جدير بالذكر هنا: أن فرض الله تعالى، طاعة رسول الله ﷺ ، ليست له وحده، بل هى حق الأنبياء جميعاً. قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾ (١) فرب العزة يقرر هنا قاعدة: أن كل رسول جاء من عنده تعالى يجب أن يطاع. ... وأخبر سبحانه على لسان كثير من رسله أنهم طلبوا من أممهم أن يطيعوهم: فقال سبحانه على لسان نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وعيسى، أن كل واحد منهم قال لقومه: ﴿فاتقوا الله وأطيعون﴾ (٢) . إنهم رسل الله إلى خلقه، كلفهم بالتبليغ وعصمهم فيه، فوجب على الخلق أن يطيعوهم؛ ولماذا لا يطاع هذا الرسول، الذى جاء بالمنهج الذى يصلح الخلل فى تلك البيئة التى أرسل إليها؟ ! . إن عدم الطاعة حينئذ؛ هو نوع من العناد والجحود والتكبر! . ... كما أن فى عدم الطاعة اتهاماً للرسالة بالقصور، واتهاماً للرسول فى عصمته من الكذب فى كل ما يبلغه عن ربه من كتاب وسنة. الوجه الثالث: فى آية النساء؛ دلالة على وجوب طاعته ﷺ ، قوله تعالى: ﴿فإن تنازعتم فى شئ فردوه إلى الله والرسول﴾ فالرد إلى الله تعالى، هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ ، هو الرد إليه نفسه فى حياته، وإلى سنته بعد وفاته (٣)

стр. 56

وعلى هذا المعنى إجماع الناس كما قال بن قيم الجوزية (١) . وتعليق الرد إلى الله ورسوله على الإيمان ﴿إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ يعنى: أن الذين يردون التنازع في مسائل دينهم وحياتهم، دقها وجلها، جليها وخفيها؛ إلى كتاب الله ، وإلى سنة رسوله ﷺ ، هم فقط المؤمنون حقاً؛ كما وصفتهم بذلك الآية الكريمة، أما غيرهم فلا ينطبق هذا الوصف عليهم. ... ثم يحدثنا الله تعالى بعد هذه الآية مباشرة، عن أناس يزعمون أنهم يؤمنون بالله ورسوله، ومقتضى هذا الإيمان أن يحكموا كتاب الله، وسنة رسوله فى كل شئون حياتهم، ولكنهم لا يفعلون ذلك، وإنما يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، مع أنهم قد أمورا أن يكفروا به. ... قال تعالى: ﴿وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا﴾ (٢) ففى نهاية الأمر، حكم الله تعالى على من يعرض عن حكمه، وحكم رسوله، ويتحاكم إلى الطواغيت بأنهم منافقون.

стр. 57

قال تعالى: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً﴾ (١) فقد عبر بالمضارع "يطع" وهو الذى يقتضى الحال والمستقبل، وعبر بالماضى "أطاع" الذى يدل على الوقوع والتحقق، فمن أطاع رسوله ﷺ حالاً، فقد وقعت طاعته قبل ذلك طاعة لله تعالى، لأن الله تعالى هو الذى أرسله، وأمر بطاعته، لذا فمن أطاعه ﷺ ، كان فى الحقيقة مطيعاً لمرسله قبل أن يطيعه ﷺ ، ومن عصاه ﷺ ، كان فى الحقيقة عاصياً لمرسله قبل أن يعصيه ﷺ ، لأنه مرسله، وأوجب طاعته، وحرم معصيته (٢) . وهذه الآية من أقوى الأدلة على أن الرسول معصوم في جميع الأوامر والنواهى، وفى كل ما يبلغه عن الله تعالى، لأنه لو أخطأ في شئ منها لم تكن طاعته طاعة لله (٣) . وأختم المطاف من الآيات الدالة على وجوب طاعة الرسول ﷺ طاعة مطلقة فيما يأمر به، وينهى عنه، بقوله : ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (٤) وهناك آيات كثيرة لم أتعرض لذكرها خشية الإطالة.

стр. 58

فإذا انتقلنا بعد ذلك إلى الآيات التى تحذر من معصية الرسول ﷺ ، وتنهى عن مخالفته تجدها كثيرة، وأشير إلى بعضها فيما يلي: قال سبحانه: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين﴾ (١) . فهذا التحذير الشديد من رب العزة: "واحذروا" "فإن توليتم" يدل على خطورة الإعراض والمخالفة، وأن النبى ﷺ ، لن يتضرر هو نفسه بإعراض من أعرض، لأنه ﷺ ما عليه إلا البلاغ المبين، وقد أبلغ، وقد بين، وأشهدعلى ذلك، وإنما الذى يتضرر هو المعرض المخالف العاصى! . وإذا عرف العاقل المدرك، أن الذى يتوعد ويحذر هو ربه ، فكيف يكون تمسكه بطاعة رسوله ﷺ ؟! . وقال سبحانه: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ (٢) وفى تفسير هذه الآية يسوق بن العربى بإسناده عن سفيان بن عيينة قال: سمعت مالك بن أنس ﵁– وأتاه رجل – فقال: يا أبا عبد الله، من أين أحرم؟ قال: من ذى الحليفة (٣) من حيث أحرم رسول الله ﷺ . فقال: إنى أريد أن أحرم من المسجد. فقال: لا تفعل! قال: إنى أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر. قال: لا تفعل! فإنى أخشى عليك الفتنة. قال: وأى فتنة فى هذا؟ إنما هى أميال أزيدها. قال: وأى فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله ﷺ ! إنى سمعت الله يقول: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ (٤) .

стр. 59

هذا وفى الآية دلالتها الصريحة على وجود طاعة استقلالية لرسول الله ﷺ فيما سنه، مما لم يرد فى القرآن الكريم؛ لأنه لو كان الأمر قاصراً على ما جاء به من القرآن فقط، كما يزعم أعداء عصمته ﷺ ، لما كان للتحذير من مخالفته فى أمره أى جديد! . وقال تعالى: ﴿ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين﴾ (١) . ١٠- وقال سبحانه: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا. يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا﴾ (٢) . ١١- وقال : ﴿إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئاً وسيحبط أعمالهم﴾ (٣) . ١٢- وقال تعالى: ﴿إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين﴾ (٤) . ١٣- وقال سبحانه: ﴿إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين﴾ (٥) . إن الآيات السابقة تصرح بأن مخالفة كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ، وعدم طاعته، والطعن والتشكيك في تلك الطاعة، يدخل النار، ويورث الذل، والخزي، والفتنة، والكبت، ويحبط العمل! . فليختر المرء لنفسه ما يشاء. وبعد: فهذه نماذج من الآيات القرآنية التي تأمر فى وضوح وجلاء بوجوب طاعة رسول الله ﷺ فى سنته المطهرة، وتحذر من مخالفته.

стр. 60

وهناك آيات أخرى كثيرة تنوعت فى أسلوبها فى الحض على إتباعه وطاعته ﷺ ، لم أتعرض لها خشية الإطالة (١) فما ذكر فيه الكفاية لكل عاقل أهـ. رابعاً: الأدلة من السنة المطهرة على وجوب طاعته ﷺ : ... حث النبي ﷺ أمته على طاعته، وامتثال أمره، وإتباع ما جاء به، والسير على سنته المطهرة، والإقتداء به في كل ما جاء به عن ربه . ... وأحاديثه ﷺ فى هذا المجال أعطت للأمة توجيهات عظيمة متى ساروا عليها وامتثلوا ما فيها، واستناروا بها، تحققت لهم سعادة الدارين وفازوا وأفلحوا بإذن الله تعالى. ... وقد امتازت الأحاديث فى هذا الشأن بكثرتها وتنوع عبارتها، وتعدد أساليبها، واشتمال بعضها على الأمثلة التى ضربها رسول الله ﷺ لأمته فى هذا الشأن، ومما لا شك فيه أن هذه المميزات زادت الأمر توكيداً وتوضيحاً وبيانا ً، بحيث أنها لم تدع مجالاً لمتأول يأولها، أو محرف يغير معناها بهواه، ورأيه الفاسد. ... وهذه الأحاديث على تنوع عبارتها وتعدد أساليبها، اتحدت جميعها فى مضمون واحد: هو التأكيد على وجوب طاعته ﷺ وإتباع ما جاء به، والترغيب فى ذلك، إضافة إلى التحذير من مخالفته، وتحريم معصيته، وبيان الوعيد الشديد فى ذلك. ... والخطاب فى تلك الأحاديث شامل لكل من كان فى عصره ﷺ ، ومن سيأتى بعده إلى يوم القيامة.

стр. 61

.. وسأشير هنا إلى طرف من تلك الأحاديث مع بيان ما فيها من توجيهات وإرشادات تنير الطريق للسالكين الراغبين بالفوز برضى الله وجنات النعيم (١) . قوله ﷺ : "ألا إنى أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان، متكئ على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلى، ولا كل ذى ناب من السباع، ولا كل ذى مخلب من الطير، ولا لقطة معاهد، إلا أن يستغنى عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله ان يعقبهم بمثل قراه" وفى رواية: "ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عنى وهو متكئ على أريكته، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حراماً حرمناه، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله" (٢) . فقوله: "يوشك رجل شبعان... الخ" يحذر بهذا القول من عدم طاعته ﷺ ، مما جاء به وليس له فى القرآن ذكر، وهو مما يؤكد ما سبق ذكره من الآيات، من أن له ﷺ ، طاعة استقلالية. وفى الحديث: معجزة ظاهرة للنبى ﷺ ، فقد ظهرت فئة فى القديم والحديث، تدعوا إلى هذه الدعوة الخبيثة، وهى الإكتفاء بما جاء فى القرآن الكريم، دون ما جاء به رسول الله ﷺ فى سنته المطهرة، وعدم طاعته فيه. وهدفهم من ذلك هدم نصف الدين، وإن شئت فقل هدم الدين كله. حاسبهم الله بما يستحقون.

стр. 62

وعن عبد الله بن عمر ﵃، أنه كان ذات يوم عند رسول الله ﷺ ، مع نفر من أصحابه، فأقبل عليهم رسول الله ﷺ ، فقال: "يا هؤلاء ألستم تعلمون أنى رسول الله إليكم؟ " قالوا: بلى، نشهد أنك رسول الله. قال: "ألستم تعلمون أن الله أنزل فى كتابه: من أطاعنى فقد أطاع الله؟ " قالوا: بلى، نشهد أن من أطاعك فقد أطاع الله، وأن من طاعة الله طاعتك، قال: "فإن من طاعة الله أن تطيعونى، وإن من طاعتى أن تطيعوا أئمتكم، أطيعوا أئمتكم، فإن صلوا قعوداً فصلوا قعوداً" (١) . وعن أبى هريرة رضى الله عنه، أن النبى ﷺ ، قال: "من أطاعنى فقد أطاع الله، ومن عصانى فقد عصى الله، ومن أطاع أميرى فقد أطاعنى، ومن عصى أميرى فقد عصانى" (٢) .

стр. 63

وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: جاءت ملائكة إلى النبى ﷺ وهو نائم، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلاً، قال: فاضربوا له مثلاً. فقال: بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: مثله كمثل رجل بنى داراً وجعل فيها مأدبة، وبعث داعياً، فمن أجاب الداعى دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعى لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة. فقالوا: أولوها له يفقهها، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: فالدار الجنة، والداعى محمد ﷺ ، فمن أطاع محمد ﷺ فقد أطاع الله، ومن عصى محمد ﷺ فقد عصى الله، ومحمد فرق بين الناس" (١) . وعن أبى موسى الأشعرى ﵁ عن النبى ﷺ قال: "إنما مثلى ومثل ما بعثنى الله به كمثل رجل أتى قوماً فقال: يا قوم إنى رأيت الجيش بعينى، وإنى أن النذير العريان، فالنجاء. فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا (٢) فانطلقوا على مهلهم فنجوا. وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم. فذلك مثل من أطاعنى فاتبع ما جئت به، ومثل من عصانى وكذب بما جئت به من الحق" (٣) .

стр. 64

وعن أبى سعيد الخدرى ﵁ عن النبى ﷺ قال: "والذى نفسى بيده لتدخلن الجنة كلكم إلا من أبى وشرد على الله كشراد (١) البعير" قال: يا رسول الله ومن يأبى أن يدخل الجنة؟ قال: من أطاعنى دخل الجنة، ومن عصانى فقد أبى" (٢) . إن هذه الأحاديث السابقة تؤكد وجوب طاعة رسول الله ﷺ ، وامتثال كل ما جاء به فى سنته المطهرة. إنها تؤكد ما ورد فى كتاب الله ، من أن طاعة رسول الله ﷺ من طاعة ربه ، وصرح بذلك رسول الله ﷺ ، على ما جاء فى حديث ابن عمر وغيره، وأشهد على ذلك أصحابه الكرام فأقروا! . كما تؤكد هذه الأحاديث أن هذه الطاعة هى مفتاح الجنة، وسبيل النجاة الوحيد التى متى سلكها الإنسان، فاز برضى الله، وجنته، ونجى من سخطه وعذابه.

стр. 65

أما من أبى إتباعه وطاعته ﷺ فى سنته المطهرة فهو الذى شرد شرود الجمل على أهله، وهو الذى ضيع نفسه، وأوقعها فى جهنم؛ بل هو بعدم امتثاله لهدى النبى ﷺ فى سنته كأنه يقتحم بنفسه نار جهنم، كما قال ﵊: "مثلى كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حولها، جعل الفراش وهذه الدواب التى تقع فى النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيتقحمن فيها" قال: "فذلكم مثلى ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار، هلم عن النار، هلم عن النار، فتغلبوني، تقحمون فيها" (١) . فعلى المسلم أن يسلك طريق طاعة نبيه ﷺ فى سنته المطهرة، وألا يحيد عنها يميناً أو شمالاً، فهذه الطاعة هى صراط الله المستقيم الذى أمر الله بإتباعه لقوله تعالى: ﴿وأن هذا صراطى مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون﴾ (٢) . وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما من نبى بعثه الله فى أمة قبلى إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون، ويفعلون مالا يؤمرون، ومن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" (٣) .

стр. 66

فهذا الحديث يؤكد قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾ (١) فطاعة رسل الله جميعاً واجبة على أقوامهم على مر الزمان والمكان. وهذا الحديث يبين صفة إتباع الأنبياء؛ فهم يطيعون أنبيائهم، ويأخذون بسنتهم، ويأتمرون بأمرهم، ولا يحيدون عن ذلك ولا يخالفونه إلى ما سواه. وأما المخالفون لهم: فهم الذين يتحدثون عن الطاعة والإتباع، ولكن بالقول دون العمل، فهم الذين يقولون مالا يفعلون، وهذا الوصف ينطبق تماماً على أهل البدع المحاربين لطاعة رسول الله ﷺ فى سنته المطهرة. ومن هنا فهم أكثر الناس بعداً عن هدى المصطفى وما جاء به عن ربه، ومع ذلك كله فهم كثيراً ما يتمسحون بظاهر القرآن، وكلامهم عنه لا يضبطونه ببيان رسول الله ﷺ لذا فكلامهم لا يتجاوز ألسنتهم، فهم أبعد الناس عن القرآن الكريم، فصدق عليهم قوله ﷺ : "يقولون مالا يفعلون، ويفعلون مالا يأمرون".

стр. 67

وعن العرباض بن سارية ﵁ قال: صلي بنا رسول الله ﷺ الصبح ذات يوم، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يارسول! كأن هذه موعظة مودع. فماذا تعهد إلينا؟ فقال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن كان عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافاً كثيراً؛ فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" (١) . وواضح من هذا الحديث أنه ﷺ ، يأمرنا بطاعته واتباع سنته، ويؤكد ويشدد على اتباعها، ويحذر من البعد عنها بالإبتداع فى الدين، لما فى ذلك من الضلال والإنحراف عن الطريق المستقيم الذى رسمه رسول الله ﷺ . ... وفى الحديث بيان واضح أن من واظب على سنته ﷺ وقال بها، ولم يعرج على غيرها من الآراء هو من الفرقة الناجية يوم القيامة؛ جعلنا الله منهم بمنه (٢) .

стр. 68

وعن أبى هريرة ﵁ عن النبى ﷺ قال: "دعونى ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم" (١) . والشاهد من الحديث قوله ﷺ : "فإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم" لقد أضاف الأمر والنهى إلى نفسه ﷺ : "نهيتكم" و"أمرتكم". وهو موافق لكتاب الله فى قوله: ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم﴾ (٢) . وقوله: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (٣) . وفى ذلك دليل على وجوب طاعته وامتثال أوامره ونواهيه فى سنته المطهرة؛ حتى ولو كانت أمراً زائداً على كتاب الله ، لأن ما يحله ويحرمه، ويأمر به وينهى عنه، هو بوحى الله على ما سبق تفصيله. ١٠- وعن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "ستة لعنتهم، ولعنهم الله، وكل نبى مجاب: المكذب بقدر الله، والزائد فى كتاب الله، والمتسلط بالجبروت يذل من أعز الله، ويعز من أذل الله، والمستحيل لحرم الله، والمستحيل من عترتى

стр. 69

ماحرم الله، والتارك لسنتى" (١) . أنه ﷺ ، يبين فى هذا الحديث أن التارك لطاعته فى سنته المطهرة المنكر لتلك الطاعة ملعون. أى: مطرود من رحمة الله تعالى، وفى ذلك من الزجر ما فيه. إنه ﷺ ، جعل تارك طاعته فى سنته، مع المكذب بالقدر، وهو كافر، ومع خصال هى فى الكفر موغلة، مما يرهب كل الترهيب؛ من ترك سنته ﷺ ، والتحذير من عدم طاعته فيها. وبعد: فهذه نماذج من الأحاديث النبوية، التى تأمر فى وضوح وجلاء بوجوب طاعة رسول الله ﷺ ، فى سنته المطهرة، وتحذر أشد التحذير من مخالفته. وهناك أحاديث أخرى كثيرة، تنوعت فى أسلوبها فى الحض على إتباعه وطاعته ﷺ ، لم أتعرض لها خشية الإطالة (٢) . فما ذكر فيه الكفاية عند من له سمع يسمع وعقل يدرك! .

стр. 70

وإذا كانت طاعته ﷺ ، الإستقلالية، ثابتة له بنص كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وإجماع الأمة (١) فتلك الطاعة لرسول الله ﷺ هى عين الطاعة والتوحيد الخالص لله ، إلا أن أعداء عصمته ﷺ يرون أن فى تلك الطاعة تأليه لرسول الله وشرك بربه. فإلى بيان شبهتهم فى ذلك والرد عليها صدق الله العظيم صدق الله العظيم صدق الله العظيم صدق الله العظيم صدق الله العظيم المبحث الرابع: في بيان أن طاعة رسول الله ﷺ في سنته المطهرة هي عين التوحيد لله بلغت جراءة أعداء السنة النبوية على القرآن الكريم، وعلى نبى الإسلام سيدنا محمد ﷺ ، ب إفكهم أن الآيات والأحاديث التى تربط بين طاعة الله، وطاعة رسوله، هى صورة من صور تأليه الرسول ، وهذا هو الكفر بعينه فى نظرهم. ... يقول صالح الوردانى: "ومن أقوى الأدلة التى يستند عليها الفقهاء فى ربط الكتاب بالسنة، وربط السنة بالكتاب، قوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (٢) . وقوله: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (٣) . وقوله: ﴿ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً بعيدا﴾ (٤) .

стр. 71

ثم يقول معقباً: "إن مثل هذه النصوص وغيرها إن كانت تؤكد شراكة الرسول لله فى أمر الحكم والأمر والنهى، وهو ما يريد تأكيده الفقهاء، فهذا هو الكفر بعينه، إذ معنى هذا الكلام أن الرسول يشارك الله فى خاصية الألوهية. وهذا يعنى: أن الرسول قد منح صفة من صفات الله، وأخذ خاصية من خصائصه سبحانه، وهذا ما قالته اليهود فى عزير، والنصارى فى عيسى" (١) . ... ولم يقف إفكهم عند هذا الحد، إذ زعموا أن الإيمان بشخص رسول الله ﷺ يعنى البداية لتأليهه . ... يقول أحمد صبحى منصور: "أولى حقائق الإسلام، أنه ليس فيه إيمان بشخص وإنما الإيمان بالوحى الذى نزل على شخص النبى، وليس بشخص النبى البشرى. يقول تعالى: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد﴾ (٢) لم يقل آمنوا بمحمد، وإنما آمنوا بما نزل على محمد، أى: الإيمان بالوحى أى: بالقرآن الذى يكون فيه محمد نفسه أول المؤمنين به، أما الإيمان بشخص محمد فذلك يعنى البداية لتأليهه" (٣) .

стр. 72

.. ولأن أعداء النبوة ينكرون الإيمان بشخصه الكريم ﷺ ، زعموا أن تكرار شهادة أن محمداً رسول الله، بجانب شهادة أن لا إله إلا الله، يعد شركاً صارخاً على حد زعم رشاد خليفة فى قوله: "لقد أغوى الشيطان المسلمين بترديد بدعة "التشهد" حيث يمطرون محمداً وإبراهيم بالحمد والتمجيد. أليس هذا شركاً صارخاً" (١) . ويذهب محمد نجيب إلى أن فى تكرار الشهادة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) فيه تفريق بين رسل الله (٢) ولو قلنا بهذا على ما حدثنى بذلك بعضهم: لوجب علينا أن نشهد أيضاً بأن إبراهيم رسول الله، وموسى رسول الله، وعيسى رسول الله... وهكذا وهو أمر يطول أهـ. و يجاب عن ما سبق بما يلي: إجمالاً أقول: زعمهم أن طاعة رسول الله ﷺ فى أوامره ونواهيه، وما يحله وما يحرمه فى سنته، تأليه له، بمنحه صفة من صفات الله ، وهى التشريع. هذا الزعم رد على رب العزة كلامه. ... فالله : ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ (٣) . فإذا أمرنا ربنا فى كتابه بطاعة واتباع نبيه ﷺ ، وربط بين طاعته وطاعة نبيه تارة، وأفردها أخرى، وجعل طاعته ﷺ من طاعته ، وإذا أقامه مقام نفسه المقدسة فى بيعة المسلمين وإذا أمرنا باتباعه فى كل ما آتانا به، ونهانا عنه، من حلال وحرام. فلا يصح من مخلوق أن يرد كلامه ! أو أن يقول: هذا إشراك لرسول الله مع ربه فى التشريع! . ...

стр. 73

وكذلك إذا أمرنا المولى بالإيمان بشخص نبيه ﷺ وتعظيمه وتوقيره ونصرته، والإيمان بما أنزل عليه من وحى الله تعالى كتاباً وسنة. فلا يصح أن نرد على الله كلامه ونقول هذا شرك! ... وهذا إجمال وإليك التفصيل: أولاً: أمر رب العزة عباده بطاعة نبيه ﷺ طاعة مطلقة مستقلة ، بمقتضى عصمته له، وربط تلك الطاعة بطاعته تارة، وأفردها تارة أخرى، ليدل على أن طاعته ﷺ طاعة له سبحانه فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ (١) . وقال : ﴿وإن تطيعوه تهتدوا﴾ (٢) . وقال ﷻ : ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (٣) . وطاعته ﷺ فى الآيات السابقة طاعة مطلقة فى سنته المطهرة، حتى ولو كانت السنة زائدة على ما فى كتاب الله ، لأنه ﵊ له حق التشريع بدلالة الآيات السابقة، وبقوله تعالى: ﴿الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوباً عندهم فى التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم﴾ (٤) . فقوله: "يحل، ويحرم، ويضع" من خصائص المشرع الحقيقى الواجب طاعته؛ ولكن مرد هذا التشريع فى حقيقة الأمر إلى الله . ... فرسول الله لا يشرع من عند نفسه، وإنما يشرع حسب ما يريه الله تعالى ويوحيه إليه على ما سبق تفصيله فى نهاية المبحث الثانى (٥) . فهل نسلم بكلام الله تعالى؛ أم نرده ونقول هذا شرك؟. ...

стр. 74

وإذا كانت طاعته ﷺ مستقلة عن طاعة الله ، كما فى الآيات السابقة وغيرها من الآيات التى تكرر فيها الفعل "أطيعوا" مع الرسول فمن الذى أعطاه هذه المنزلة والمكانة؛ أليس ربه ؟. فهل نرد هذه المكانة والمنزلة ونقول هذا شرك؟ ! . ... وإذا قال ربنا مراراً ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ . فهل يصح من مخلوق بعد ذلك أن يزعم أن الربط بين طاعته ، وطاعة رسوله ﷺ تأليه له ﵊، فيرد على رب العزة كلامه؟!! . وإذا قال ربنا : ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم﴾ (١) وإذا قال سبحانه: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم﴾ (٢) . ... فهل يصح من مخلوق بعد ذلك أن يزعم أن الربط بين مبايعته ، ومبايعة رسوله ﷺ شرك؟. أو أن الربط بين محبته سبحانه ومحبة نبيه ومصطفاه شرك؟! . ... إن قائل الآيات السابقة فى وجوب محبته ﷺ هو القائل: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حباً لله﴾ (٣) . فهل جعل محبة نبيه ﷺ ومتابعته نداً؟. أم جعلها شرطاً لمحبة الله، وعلامة على صدق من يزعم محبته ؟. ... قال الحسن البصرى وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله﴾ . فتأمل كيف أوقع طاعته ومتابعته ﷺ بين قطرى محبة العباد، ومحبة الله للعباد، وجعل تلك المتابعة شرطاً لمحبة الله لهم، مما يستحيل حينئذ ثبوت محبتهم لله، وثبوت محبة الله لهم، بدون طاعتهم ومتابعتهم لرسول الله ﷺ .

стр. 75

فهذه الآية الكريمة: حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس على الطريقة النبوية، فإنه كاذب فى دعواه فى نفس الأمر، حتى يتبع شرع الله ، وسنة نبيه ﷺ فى جميع أقواله وأفعاله وأحواله، ويعلم أن هذا الإتباع عين التوحيد الخالص لله ، كما دل على ذلك ما روى أنه لما نزلت هذه الآية قال بعض الكفار: "إن محمداً يريد أن نتخذه حناناً (١) كما اتخذت النصارى عيسى" فأنزل الله تعالى: ﴿قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين﴾ (٢) فقرن طاعته بطاعته ﷺ رغماً لهم (٣) .
следующие страницы →