ثم يقول معقباً: "إن مثل هذه النصوص وغيرها إن كانت تؤكد شراكة الرسول لله فى أمر الحكم والأمر والنهى، وهو ما يريد تأكيده الفقهاء، فهذا هو الكفر بعينه، إذ معنى هذا الكلام أن الرسول يشارك الله فى خاصية الألوهية. وهذا يعنى: أن الرسول قد منح صفة من صفات الله، وأخذ خاصية من خصائصه سبحانه، وهذا ما قالته اليهود فى عزير، والنصارى فى عيسى" (١) .
...
ولم يقف إفكهم عند هذا الحد، إذ زعموا أن الإيمان بشخص رسول الله ﷺ يعنى البداية لتأليهه .
... يقول أحمد صبحى منصور: "أولى حقائق الإسلام، أنه ليس فيه إيمان بشخص وإنما الإيمان بالوحى الذى نزل على شخص النبى، وليس بشخص النبى البشرى.
يقول تعالى: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد﴾ (٢) لم يقل آمنوا بمحمد، وإنما آمنوا بما نزل على محمد، أى: الإيمان بالوحى أى: بالقرآن الذى يكون فيه محمد نفسه أول المؤمنين به، أما الإيمان بشخص محمد فذلك يعنى البداية لتأليهه" (٣) .
стр. 72
.. ولأن أعداء النبوة ينكرون الإيمان بشخصه الكريم ﷺ ، زعموا أن تكرار شهادة أن محمداً رسول الله، بجانب شهادة أن لا إله إلا الله، يعد شركاً صارخاً على حد زعم رشاد خليفة فى قوله: "لقد أغوى الشيطان المسلمين بترديد بدعة "التشهد" حيث يمطرون محمداً وإبراهيم بالحمد والتمجيد. أليس هذا شركاً صارخاً" (١) .
ويذهب محمد نجيب إلى أن فى تكرار الشهادة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) فيه تفريق بين رسل الله (٢) ولو قلنا بهذا على ما حدثنى بذلك بعضهم: لوجب علينا أن نشهد أيضاً بأن إبراهيم رسول الله، وموسى رسول الله، وعيسى رسول الله... وهكذا وهو أمر يطول أهـ.
و يجاب عن ما سبق بما يلي:
إجمالاً أقول: زعمهم أن طاعة رسول الله ﷺ فى أوامره ونواهيه، وما يحله وما يحرمه فى سنته، تأليه له، بمنحه صفة من صفات الله ، وهى التشريع. هذا الزعم رد على رب العزة كلامه.
...
فالله : ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ (٣) .
فإذا أمرنا ربنا فى كتابه بطاعة واتباع نبيه ﷺ ، وربط بين طاعته وطاعة نبيه تارة، وأفردها أخرى، وجعل طاعته ﷺ من طاعته ، وإذا أقامه مقام نفسه المقدسة فى بيعة المسلمين وإذا أمرنا باتباعه فى كل ما آتانا به، ونهانا عنه، من حلال وحرام.
فلا يصح من مخلوق أن يرد كلامه ! أو أن يقول: هذا إشراك لرسول الله مع ربه فى التشريع! .
...
стр. 73
وكذلك إذا أمرنا المولى بالإيمان بشخص نبيه ﷺ وتعظيمه وتوقيره ونصرته، والإيمان بما أنزل عليه من وحى الله تعالى كتاباً وسنة. فلا يصح أن نرد على الله كلامه ونقول هذا شرك!
... وهذا إجمال وإليك التفصيل:
أولاً: أمر رب العزة عباده بطاعة نبيه ﷺ طاعة مطلقة مستقلة ، بمقتضى عصمته له، وربط تلك الطاعة بطاعته تارة، وأفردها تارة أخرى، ليدل على أن طاعته ﷺ طاعة له سبحانه فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ (١) .
وقال : ﴿وإن تطيعوه تهتدوا﴾ (٢) .
وقال ﷻ : ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (٣) .
وطاعته ﷺ فى الآيات السابقة طاعة مطلقة فى سنته المطهرة، حتى ولو كانت السنة زائدة على ما فى كتاب الله ، لأنه ﵊ له حق التشريع بدلالة الآيات السابقة، وبقوله تعالى: ﴿الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوباً عندهم فى التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم
الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم﴾ (٤) .
فقوله: "يحل، ويحرم، ويضع" من خصائص المشرع الحقيقى الواجب طاعته؛ ولكن مرد هذا التشريع فى حقيقة الأمر إلى الله .
... فرسول الله لا يشرع من عند نفسه، وإنما يشرع حسب ما يريه الله تعالى ويوحيه إليه على ما سبق تفصيله فى نهاية المبحث الثانى (٥) .
فهل نسلم بكلام الله تعالى؛ أم نرده ونقول هذا شرك؟.
...
стр. 74
وإذا كانت طاعته ﷺ مستقلة عن طاعة الله ، كما فى الآيات السابقة وغيرها من الآيات التى تكرر فيها الفعل "أطيعوا" مع الرسول فمن الذى أعطاه هذه المنزلة والمكانة؛ أليس ربه ؟.
فهل نرد هذه المكانة والمنزلة ونقول هذا شرك؟ ! .
...
وإذا قال ربنا مراراً ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ .
فهل يصح من مخلوق بعد ذلك أن يزعم أن الربط بين طاعته ، وطاعة رسوله ﷺ تأليه له ﵊، فيرد على رب العزة كلامه؟!! .
وإذا قال ربنا : ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم﴾ (١)
وإذا قال سبحانه: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم﴾ (٢) .
... فهل يصح من مخلوق بعد ذلك أن يزعم أن الربط بين مبايعته ، ومبايعة رسوله ﷺ شرك؟.
أو أن الربط بين محبته سبحانه ومحبة نبيه ومصطفاه شرك؟! .
...
إن قائل الآيات السابقة فى وجوب محبته ﷺ هو القائل: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حباً لله﴾ (٣) .
فهل جعل محبة نبيه ﷺ ومتابعته نداً؟.
أم جعلها شرطاً لمحبة الله، وعلامة على صدق من يزعم محبته ؟.
...
قال الحسن البصرى وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله﴾ .
فتأمل كيف أوقع طاعته ومتابعته ﷺ بين قطرى محبة العباد، ومحبة الله للعباد، وجعل تلك المتابعة شرطاً لمحبة الله لهم، مما يستحيل حينئذ ثبوت محبتهم لله، وثبوت محبة الله لهم، بدون طاعتهم ومتابعتهم لرسول الله ﷺ .
стр. 75
فهذه الآية الكريمة: حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس على الطريقة النبوية، فإنه كاذب فى دعواه فى نفس الأمر، حتى يتبع شرع الله ، وسنة نبيه ﷺ فى جميع أقواله
وأفعاله وأحواله، ويعلم أن هذا الإتباع عين التوحيد الخالص لله ، كما دل على ذلك ما روى أنه لما نزلت هذه الآية قال بعض الكفار: "إن محمداً يريد أن نتخذه حناناً (١) كما اتخذت النصارى عيسى" فأنزل الله تعالى: ﴿قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين﴾ (٢) فقرن طاعته بطاعته ﷺ رغماً لهم (٣) .
стр. 76
والمعنى إلصاقاً لأنوفهم بالتراب جزاءاً لأنفتهم من متابعته ﷺ ، وجزاءاً لإفكهم بأن طاعته ﷺ شرك ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً﴾ (١) .
وأقول لهم: الربط بين طاعة الله وطاعة رسوله هو عين التوحيد الخالص: ﴿فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين﴾ (٢) .
ثانياً: إنكار أعداء النبوة الإيمان بشخص النبى ﷺ واستدلالهم على ذلك بقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم﴾ (٣) هذه الآية الكريمة حجة عليهم، وتفضحهم فى كل ما يأفكون. لأن مما أنزل على سيدنا محمد وهو الحق من ربنا قوله: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ (٤) وقوله سبحانه: ﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة﴾ (٥) .
وقوله : ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ (٦) .
...
وهم بهذه الآيات يكفرون؛ إذ ينكرون على ما سبق أن يكون لرسول الله ﷺ تبياناً للقرآن، وهو الحكمة، وهى السنة كما قال علماء الأمة، وينكرون أن يكون له ﷺ طاعة فى هذه السنة.
- الأدلة من القرآن الكريم علي وجوب الإيمان بشخص رسول الله ﷺ .
وإذا كانوا هنا يزعمون بأنه لا يوجد فى الإسلام إيمان بشخص النبى محمد ﷺ فالآية التى استدلوا بها على زعمهم ترد عليهم حيث أطلقت ﴿وآمنوا بما نزل على محمد﴾ وما أنزل على محمد آيات كريمات تصرح بالإيمان بشخصه الكريم، منها ما يلي:
стр. 77
قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذى نزل على رسوله﴾ (١) .
وقوله سبحانه: ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته﴾ (٢) .
وقوله : ﴿ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا﴾ (٣) .
ومعلوم أن الإيمان بالله يعنى: الإيمان بذاته المقدسة، وبكتابه العزيز، وطاعته فى كل ما أمرنا به فى كتابه العزيز.
وكذلك الإيمان برسول الله ﷺ : يعنى: الإيمان بشخصه الكريم، وبكل ما جاء به من عند ربه من كتاب وسنة، وطاعته فى ذلك.
ويؤيد أن الإيمان فى الآيات السابقة مراداً به شخصه ﷺ ما جاء فى القرآن الكريم من الأمر بتعظيمه وتوقيره ﷺ نحو قوله تعالى: ﴿فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه﴾ (٤) وقوله سبحانه: ﴿لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه﴾ (٥) .
стр. 78
فقوله: "وتعزروه" أى: تعظموه وتجلوه (١) والتعظيم والإجلال والتوقير والنصرة، تشمل فى المقدمة شخصه الكريم. بدليل ما جاء فى القرآن الكريم أيضاً من تعظيم رب العزة لنبيه بنداءه وخطابه باللقب المشعر بالتعظيم بالنبوة والرسالة دون غيره من الأنبياء (٢) . وكذلك أمره عباده بالأدب مع رسوله بعدم التقديم بين يديه أو رفع صوتهم على صوته (٣) وتحذيرهم من الانصراف من مجلسه قبل استئذانه، أو ندائه باسمه (محمد) كما ينادى بعضهم بعضاً (٤) وتحريم إيذائه (٥)
стр. 79
أليس فى كل هذه الآداب الربانية دليل على أن الإيمان بشخص رسول الله ﷺ ، وتعظيمه وتوقيره من حقائق الإسلام؟.
أليس فى هذه الآداب الربانية ما يصفع المتنبئ الكذاب رشاد خليفة فى زعمه إن تعظيمه وتوقيره... ﷺ شركاً صارخا ً؟ (١) .
الأدلة من السنة المطهرة علي وجوب الإيمان بشخص رسول الله ﷺ وتعظيمه وتوقيره:
إن الإيمان بشخص رسول الله ﷺ وتعظيمه وإجلاله، والتأدب معه بالآداب الربانية السابقة، كان عليه سلفنا الصالح، وقد شهد بذلك عروة بن مسعود الثقفى (٢) وهو يومئذ لم يسلم بعد، وكان مندوب قريش للتفاوض فى شأن دخول النبى ﷺ مكة فى غزوة الحديبية، فرأى من تعظيم وتوقير للنبى ﷺ فى قلوب الصحابة وجوارحهم ما أذهله، حتى عاد إلى قريش وقال لهم: "أى قوم، والله لقد وفدت على الملوك، وفدت على قيصر وكسرى والنجاشى، والله إن رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد ﷺ محمداً، والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت فى كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيماً له..." (٣) .
стр. 80
فهكذا صور هذا الرجل تعظيم الصحابة الكرام رضى الله عنهم لنبيهم المصطفى ﷺ بهذه الألفاظ الجزلة النابعة من بالغ تأثره بذلك المظهر العظيم من مظاهر التعظيم والتبرك بآثاره ﷺ
وقد برهن على مدلول هذا الخبر أيضاً، ما قاله عمرو بن العاص ﵁ (١) قال:
"ما كان أحد أحب إلى من رسول الله ﷺ ، ولا أجل فى عينى منه، وما كنت أطيق أن أملأ عينى منه إجلالاً له، ولو شئت أن أصفه ما أطقت؛ لأنى لم أكن أملأ عينى منه" (٢) .
وهكذا كان الصحابة الكرام ﵃، يعبرون عن تعظيمهم وإجلالهم وتوقيرهم لرسول الله ﷺ ، بأعمالهم وأقوالهم.
ثالثاً: وأخيراَ: زعمهم أن تكرار شهادة أن محمداً رسول الله ، بجانب شهادة أن لا إله إلا الله، فيه تفريق بين رسل الله ، ولو قلنا بهذه الشهادة لوجب علينا أن نشهد أيضاً بأن إبراهيم رسول الله، وموسى رسول الله... الخ وهو أمر يطول.
...
فهذا من جهلهم بكتاب الله الذي يتسترون نفاقاً بعباءته.
فالقرآن الكريم يصرح بأن الله عز وجلأخذ العهد والميثاق على الأنبياء السابقين بأن يؤمنوا بشخص رسول الله ﷺ ويؤمنوا بنبوته وينصروه إن خرج وهم أحياء، فلما أقروا بذلك أشهدهم عليه، والله خير الشاهدين.
стр. 81
قال تعالى: ﴿وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به. ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين﴾ (١) .
قال على بن أبى طالب، وابن عمه عبد الله بن عباس رضى الله عنهما: "ما بعث الله نبياً من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق، لئن بعث محمداً وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته: لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه" (٢) .
وهذا يعنى أنه ﷺ نبى الأنبياء، ولو قدر لواحد من هؤلاء الأنبياء جميعاً من لدن آدم إلى عيسى عليهم جميعاً الصلاة والسلام، الحياة، وبعث المصطفى ﷺ ، لما وسعه إلا إتباعه.
стр. 82
يدل على ذلك حديث جابر بن عبد الله ﵁، أن عمر بن الخطاب عنه أتى رسول الله بنسخة من التوراة، فقال يا رسول الله، هذه نسخة من التوراة، فسكت فجعل يقرأ ووجه رسول الله ﷺ يتغير فقال: أبو بكر: ثكلتك الثواكل، ما ترى بوجه رسول الله ﷺ : فنظر عمر إلى وجه رسول الله ﷺ فقال: أعوذ بالله، من غضب الله، ومن غضب رسوله، رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، فقال رسول الله ﷺ : "والذى نفس محمد بيده، لو بدا لكم موسى فاتبعتموه وتركتمونى لضللتم عن سواء السبيل، ولو كان حياً وأدرك نبوتى لاتبعنى" (١) .
стр. 83
ومن هنا كان سلام الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ليلة الإسراء والمعراج، بقولهم: مرحباً بالنبى الصالح، والأخ الصالح (١) وهو اعتراف منهم بنبوته ﷺ ، ولذا كان إمامهم فى الصلاة ببيت المقدس كما قال ﷺ : "ثم دخلت بيت المقدس، فجمع لي الأنبياء ﵈ فقدمنى جبريل حتى أممتهم" (٢) .
وكل هذا يوضح أن إعلان وتكرار شهادة أن محمداً رسول الله، بجانب شهادة أن لا إله إلا الله، هو إيمان بكل الأنبياء، وأنه لو وجد واحد من الأنبياء السابقين لوجب عليه أن يشهد
بتلك الشهادة (أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) وذلك تنفيذا للعهد والميثاق الذي أخذه الله على سائر أنبياءه ورسله، وهذا يعنى أن ذكر اسمه ﷺ فى الشهادة هو ذكر لكل الأنبياء، وشهادة فى نفس الوقت بأنهم رسل الله تعالى، بما يغنى عن تكرار ذكرهم أهـ.
والله تعالى أعلى وأعلم
صدق الله العظيم صدق الله العظيم صدق الله العظيم صدق الله العظيم صدق الله العظيم
صدق الله العظيم صدق الله العظيم
стр. 84
المبحث الخامس: في بيان السنة لعقوبة الزاني الواردة في القرآن الكريم
ودفع الشبهات
تمهيد:
جاءت أحكام الشريعة الغراء لحفظ مصالح الناس الدينية والدنيوية، وتضم تلك المصالح حفظ الدين والنفس، والمال، والنسل، والعقل، وقد سماها الفقهاء والأصوليون بالضروريات أو الكليات الخمس ((١)) .
وقد شرع الإسلام لكل واحد من هذه الضروريات الخمس أحكاماً تكفل إيجاده وإقامته، وأحكاماً تكفل حفظه وصيانته.فكل حكم يكفل إقامة هذه الأمور الخمسة أو حفظها هو حكم ضروري (٢)(٢) .
الحدود في الإسلام لحماية المجتمع، وهي حق لله تعالى:
والحدود في الإسلام أحكاماً ضرورية شرعت لحفظ هذه الضروريات، ومع أنها شرعت لحماية المجتمع، إلا أن العلماء من الأصوليين وغيرهم اعتبروها حق لله تعالى.
ومعني هذا الاصطلاح أنها شرعت لحماية الجماعة ولكنهم يجعلون العقوبة حقاً لله تعالى إشارة إلي عدم جواز العفو عنها، أو تخفيفها، أو إيقاف تنفيذها لا من الأفراد أو من الجماعة (٣) ..... (٣)
وهذا يجعل البشرية من شأنها أن تعيش في طهر ديني، وفي فضيلة سائدة، فإن الفضيلة كما هي حماية للمجتمع من جراثيم الانحلال التي تحل عراه، فإنها كذلك أمر مصون تجب المحافظة عليه، وتشريع العقاب لكل من هتك حماها.
ورغم أن هذه الحدود الكبرى قليلة العدد، إلا أنها كثيرة الوقوع، وهذا ما غفل عنه البعض في عدم اعتبار القرآن كتاب محكم، لأنه لم يذكر إلا بضع جرائم، في حين أن قانون العقوبات الذي صاغه البشر احتوي على ما يزيد على مائتي جريمة.
стр. 85
ونقول لهؤلاء إن القرآن وإن تعرض لقليل من الجرائم، فإن هذه الجرائم تقع بنسبة ثمانين في المائة فالعبرة إذا ليست بتعداد الجرائم، وإنما بكثرة وقوعها وخطورتها على المجتمع.
وكل جماعة إنسانية تشترك لا محالة في أمور لا بد منها كي تعيش في حياة كريمة يسودها النظام والاستقرار، وهذه الأمور أربعة:
(١) ... الأسرة ... ... ... ... (٢) ... الملكية
(٣) ... النظام الاجتماعي ... ... ... (٤) ... الحكم
وهذه الأمور الأربعة تحرص الجماعات البشرية عليها، حرصاً يكاد أن يكون فطرياً، وتثور وتغضب من أجلها، وربما تضحي بنفسها عندما تقع اعتداء على واحد منها، وللحفاظ على هذه الأمور شرعت الحدود ـ فحد الزنا حماية للأسرة، وحد السرقة للنظام الاجتماعي، وحد البغي حماية للحكم.
وترجع باقي الحدود للحفاظ على هذه الأمور ـ فحد القذف حفاظ على الفرد الذي هو من صميم الأسرة والمجتمع، وحد الشرب كذلك حفاظ على الفرد، وعلى النظام الإجتماعي، وحد الردة حفاظ النظام العام الذي هو الدين.
مميزات الحدود في الإسلام:
تمتاز الحدود الشرعية في الإسلام بما يلي: ـ
١- أنها لا قسوة فيها على ما يزعم أعداء الإسلام من المستشرقين ومن تابعهم من أدعياء العلم من أمتنا الإسلامية، بل هي رحمة للجاني وللجني عليه، لأن عقوبات الحدود الغرض منها تأديب الجاني وزجر غيره، ولا تهتم بالنظر لشخصية المجرم ـ فجريمته أخطر من أن يلتمس لصاحبها عذر أو ظروف محيطة به.
فمتي ثبتت بشروطها المحدودة، وتوافرت أركانها، فقد أغنت عن النظر لما ورائها.
وعلى أنه يجب التنبيه إلى أن الإسلام وضع في الحدود قاعدة مهمة وهي (درئها بالشبهات) ففي الحديث ((ادرؤوا الحدود بالشبهات، وادفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم)) (١)
стр. 86
وفي رواية ((ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله؛ فإن الإمام إن يخطئ في العفو، خير من أن يخطئ في العقوبة)) (٢)(١) .
وهذا الحديث وإن لم يصح مرفوعاً، وفيه المقال المعروف، إلا أن الفقهاء اتفقوا على العمل به، إلا الظاهريين، إذ لا يسلمون بصحة ما روي عن الرسول والصحابة.
والصحيح صحة وقف الحديث عن جماعة من الصحابة ﵃، ومنهم عمر بن الخطاب ﵁ قال:
((لأن أخطئ في الحدود بالشبهات، أحب إليَّ من أقيمها بالشبهات)) (٣)(٢) .
ويؤيد صحة هذه القاعدة ما قاله النبي ﷺ لماعز لما جاء معترفَََاَ بالزنا، وسيأتي الحديث وتخريجه قريباً.
стр. 87
والشبهات عديدة موضوعها كتب الفقه (٤)(١) ، ومن تتبعها أدرك كأن عقوباتالحدود شرعت للتخويف أكثر مما شرعت لأن توقع ! .
((فمثلاً: عقوبة الزنا ﴿الرجم﴾ نجدها صعبة التنفيذ، لأن المجيء بأربعة شهداء يرون وقوعها يكاد
يستحيل، إلا إذا كان المجرمان في طريق عام، عاريين مفضوحين لا يباليان بأحد وعندما يتحول
امرؤ إلي حيوان متجرد على هذا النحو الخسيس، فلا مكان للدفاع عنه أو احترام إنسانيته)) (١)(٢)
وكفي بقاعدة ((درء الحدود بالشبهات)) رداً على زعم أعداء الإسلام أن شريعة الإسلام متعطشة لتعذيب الناس.
٢- إن الحدود في الإسلام وضعت على أساس محاربة الدوافع النفسية في داخل مرتكبها بحيث تقلع
جذور الجريمة من ذهنه، لأنها وضعت على أساس متين من علم النفس (٢)(٣) لأن واضعها هو
القائل: ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه﴾ (٣) .
(٤) وقوله سبحانه ﴿: ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ (٤) . (٥)
وكأن الله تعالى يقول لنا: أنا خالق هذا الإنسان، وأنا أعلم بما يصلحه ويردعه، ففرضت هذه
الحدود التي لا مجال للرأي ي فيها.
فكم كان يتهور البشر ويضعون للسرقة عقوبة القتل، وكم انحل البشر فأباحوا الزنا بالرضا، وعدوا شرب الخمر مخالفة.
وهكذا تضاربت أهوائهم، وسيطرت على عقولهم وشهواتهم قال تعالى: ﴿ومن أضل مما اتبع هواه بغير هدي من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ (٥) ، (٦)
стр. 88
والحدود كما وردت في القرآن الكريم، وردت في السنة النبوية، والسيرة العطرة تأكيداً وبياناًُ لها بالقول والعمل.
مما لا يدع مجالاً للشك في أن الإسلام قرآن وسنة قانوناً قد عمل به، ونجحت أصوله الإدارية، والسياسية، والمدنية، والأخلاقية................ إلخ.
وليس هو مجرد نظريات محتاجة للإثبات بالتجربة والتطبيق.
وإليك نماذج من تلك الحدود كما وردت في القرآن الكريم، والسنة النبوية، وسوف أقتصر على تفصيل حدي الزنا والردة حيث أنهما من أكثر الحدود إنكاراً من أعداء السنة النبوية، والسيرة العطرة.
... ...
أولاً: حد الزنا:
أ - التعريف به: هو حد الجناية على الفرج، وهو حد حاربته الشرائع السماوية كافة وحرمت الوسائل المؤدية إليه تحريماً قاطعاً باتاً، وشددت العقوبة على مرتكبيه.
قال تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً﴾ (١)(١)
والنهي عن قربان الزنا أبلغ من مجرد فعله، وهو نهي يشمل كل مقدماته، ودواعيه ووسائله الموصلة إليه، وهي في عالم اليوم أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر!
قال تعالى في عقوبة الزاني في الآخرة: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلقي أثاماَ يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناَ﴾ (٢) .
وإذا كانت عقوبته في الآخرة مضاعفة، فهي في الدنيا مضاعفة أيضاً قال تعالى: ﴿والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ (٣) .
حكمة الجلد للزاني:
وعقوبة الجلد هنا في الآية الكريمة على ما فصلته السنة النبوية، هي لمن زنا وهو غير محصن، وهي عقوبة تتجلى فيها حكمة الخالق .
стр. 89
لأنه إذا كان الباعث على الزنا هو اللذة وإشباعها، كان الصارف لهذا الباعث في تشريع القرآن العادل إنما هو الألم الحسي بالجلد، والألم المعنوي بمشاهدته وهو يجلد، ليشعر المذنب أنه لا قيمة للذة يعقبها ذلك الألم الشديد الحسي والمعنوي.
ومن المعلوم أن في الإنسان غريزتين:
غريزة حافزة دافعة، وغريزة مانعة كافة والغلبة لأقواهما سلطاناً لذا فقد عني الشارع الحكيم بتقوية سلطان المانع بما شرعه من عقوبة حاسمة لو تصورها الإنسان على حقيقتها لانكمش الدافع للجريمة المعاقب عليها بتلك العقوبة. (١)
ب -بيان السنة لحد الزنا:
جاءت السنة النبوية مؤكدة ومبينة لما جاء في القرآن الكريم من حد الزنا فبين النبي ﷺ أن جلد الزاني في الآية الكريمة إنما هو لمن زنا وهو غير متزوج، ويضاعف على عذابه بالجلد، نفيه سنة، كما بين النبي ﷺ حد من زنا وهو متزوج، بأنه ضعف غير المتزوج بالرجم.
وما يزعمه أعداء السنة النبوية من مخالفة البيان النبوي في حد الزاني للقرآن الكريم زعم لا أساس له من الصحة، فذلك البيان النبوي صح متواتراً في سنته المطهرة وسيرته العطرة.
وهو بيان إلهي لقوله تعالى: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ (٢) . (٢) وقوله : ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرءانه ثم إن علينا بيانه﴾ (٣) . (٣)
وهذا البيان الإلهي واجب على النبي ﷺ تبليغه، كما أنه واجب على الأمة إتباعه لقوله تعالى: ﴿وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه﴾ (٤)(٤) .
стр. 90
وقوله سبحانه: ﴿فلا وربك ليؤمنون حتى يحكٍّموكً فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ (٥) . (١)
وعلى ما سبق فهذا البيان النبوي هو حكم الله عز وجلفي كتابه العزيز لقوله ﷺ لوالد الزاني لامرأة الرجل الذي صالحه على الغنم والخادم: والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رد. وعلى ابنك الجلد مائة، وتغريب عام، واغد يا أنيس! (١)(٢) إلي امرأة هذا. فإن اعترفت فارجمها)) قال: فغدا عليها، فاعترفت ن فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت (٣) .
قال الحافظ بن حجر (٣)(٤) : المراد بكتاب الله ما حكم به، وكتب على عباده وقيل المراد القرآن وهو المتبادر.
قال أبو دقيق العيد (٤) . (٥)
стр. 91
: الأول أولي، لأن الرجم والتغريب ليسا مذكورين في القرآن إلا بواسطة أمر الله باتباع رسوله.
قيل: وفيما قال نظر؛ لاحتمال أن يكون المراد متضمناً قوله تعالى: ﴿أو يجعل الله لهن
سبيلاً﴾ ﴾ ) .. ..
فبين النبي ﷺ : أن السبيل جلد البكر ونفيه، ورجم الثيب (٥) . (١)
قال ابن حجر: وهذا أيضاً بواسطة التبيين، ويحتمل أن يراد بكتاب الله الآية التي نسخت تلاوتها وهي: ((الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم)) (١)(٢) .
стр. 92
وهذه الآية المنسوخة تلاوة، الباقية حكماً هي التي قال فيها عمر بن الخطاب ﵁ وهو جالس على منبر رسول الله ﷺ : ((إن الله قد بعث محمداً ﷺ بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، قرأناها، ووعيناها، وعقلناها، فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى أن طال بالناس زمان، أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنا إذا أحصن؛ من الرجال والنساء إذا قامت البينة، أو كان الحَبَلْ، أو الإعتراف)) (٢)(١) .
تواتر حد الرجم:
وفي إعلان عمر بالرجم، وهو على المنبر، وسكوت الصحابة وغيرهم من الحاضرين عن مخالفته بالإنكار، دليل على ثبوت الرجم وتواتره (٣)(٢) .
فرق قديمة أنكرت الرجم:
وما خشيه عمر ﵁ قد وقع، فانكر الرجم طائفة من الخوارج أو معظمهم، وبعض المعتزلة، ويحتمل أن يكون استند في ذلك إلي توفيق (٤)(٣) .
ويؤيده رواية أحمد عن ابن عباس قال: خطب عمر بن الخطاب، فحمد الله، وأثني عليه فقال ((ألا وإنه سيكون من بعدكم قوم يكذبون بالرجم، وبالدجال، وبالشفاعة، وبعذاب القبر، وبقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا)) (٥)(٤)
стр. 93
الرد علي دعوي مخالفة السنة للقرآن في حد الزنا:
يقول الإمام الشاطبي (١) : رداَ على دعوى مخالفة الرجم والتغريب للقرآن الكريم، قال: ((هذا اتباع للمتشابه، لأن الكتاب في كلام العرب، وفي الشرع يتصرف على وجوه منها الحكم، والفرض
في قوله تعالى: ﴿كتاب الله عليكم﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿وقالوا ربنا لما كتبت علينا القتال﴾ (٤) .
فكان المعني: لأقضين بينكما بكتاب الله، أي بحكم الله الذي شرع لنا، ولا يلزم أن يوجد هذا الحكم في القرآن، كما أن الكتاب يطلق على القرآن، فتخصيصهم الكتاب بأحد المحامل من غير دليل إتباع لما تشابه من الأدلة)) (٥)
ثم قال الإمام الشاطبي: ((وقوله من زعم (٦)
стр. 94
أن قوله تعالى في الإماء: ﴿فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ (١) .لا يعقل على ما جاء في الحديث أن النبي ﷺ رجم، ورجمت الأئمة بعده. (٢)
لأنه يقتضي أن الرجم ينتصف، وهذا غير معقول، فكيف يكون نصفه على الإماء؟
هذا ذهاباً منهم إلي أن المحصنات هن ذوات الأزواج، وليس كذلك بل المحصنات هنا المراد بهن الحرائر، بدليل قوله تعالى: - ﴿ومن لم يستطع منكم طولاًُ أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ . (٣)
وليس المراد هنا إلا الحرائر؛ لأن ذوات الأزواج لا تنكح. (٤)
وتأكيداً على أن حد الأمة نصف حد الحرة ((بالجلد دون الرجم)) سواء كانت محصنة بالتزويج أم!
جاء التقييد في الآية الكريمة في حق الإماء ﴿فإذا أحصن﴾ قال تعالى: ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ . (٥)
أي على الإماء وإن كن محصنات بالتزويج، وجوب نصف حد المحصنات ((وهن الحرائر غير المتزوجات)) كما قال الإمام الشاطبي.
فلئلا يتوهم أن الأمة المزوجة ترجم جاء التقييد في الآية الكريمة.
وقد أجمع العلماء على أنها لا ترجم (٦) وهذا الإجماع قائم على الآية السابقة، وما ورد في صحيح السنة النبوية الشريفة في تأكيدها وبيانها، من أحاديث مطلقه في حكم الأمة إذا زنت بالجلد.
стр. 95
فعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ((إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها، فيجلدها الحد. ولا يثرب عليها. ثم إن زنت، فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها. ثم إن زنت الثالثة، فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر)) (١) .
قلت: إن الرجم والنفي في البيان النبوي يوافق القرآن الكريم فيما ذكره من مضاعفة العذاب؛ قال تعالى: ﴿ ... ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا يضاعف له العذاب يوم القيامة﴾ (٢) فكان الرجم عقاب مضاعف، وأشد لمن زنا وهو متزوج، مقارنة بمن زني وهو غير متزوج، حيث أخف عقوبة بجلده، ومضاعفته بنفيه عام.
وتبدو حكمة التغريب للزاني غير المحصن في أنه " تمهيد لنسيان جريمته، وإبعاد له عن المضايقات التي قد يتعرض لها، فهي عقوبة لصالحه أولاً، ولصالح الجماعة ثانياً.
والمشاهد حتى في عصرنا الحالي الذي إنعدم فيه الحياء، أن كثيريين ممن تصيبهم معرة الزنا يهجرون موطن الجريمة مختارين لينأوا بأنفسهم عن الذلة والمهانة التي تصيبهم في هذا المكان.
الرجم من كرهه نظرياَ فسوف يرضي به عملياَ اللهم إلا أن يكون.!
(٣) وكذلك الرجم: يستهدف إصلاح المجتمع، وقد استفظعه قوم يرضون به لو كان الزاني قد زنا بمن هي من أهله. فهو وإن كرهه نظرياً، فسوف يرضي به عملياً، اللهم إلا أن يكون ديوساً لا غِيرةَ له على أهله، وإباحياً لا دين له، ومثل هذا لا وزن له عند العقلاء!
стр. 96
وفيما نشاهده أن الناس الأحرار يأبون أي شئ إلا القتل عقوبة للزاني في طرق ملتوية، وكثيراً ما تكون وسائلها المكر والخديعة والخيانة أو دس السم وغير ذلك، دون أن يفرقوا في حالة الزاني متزوج أم غير متزوج! فإذا أراح القرآن الكريم الناس، وأمر برجم الزاني المحصن فقد رحم الناس من حيث يشعرون أو لا يشعرون (٢) . (١)) .
الرجم هو القتل لا غير، وقوانين العالم كله تبيحه:
وأخيراً: (٢) فإن الرجم هو القتل لا غير، وإن قوانين العالم كله تبيح القتل عقوبة لبعض الجرائم، ولا فرق بين من يقتل شنقاً، أو ضرباً بالرصاص، أو رجماً بالحجارة، فكل هؤلاء يقتل، ولكن وسائل القتل هي التي فيها الإختلاف.
ثم إن التفكير في الرجم بالحجارة لا يتفق مع طبيعة العقاب، فالموت إذا تجرد من الألم والعذاب كان من أتفه العقوبات، فالناس لا يخافون الموت في ذاته، وإنما يخافون العذاب الذي يصحب الموت.
وقد بلغت آية الزنا الغاية في إبراز هذا المعني حيث جاء فيه ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ (١)(٣) .
جـ - الرجم من أقدم العقوبات التي عرفتها البشرية:
لو رجعنا إلي القرآن الكريم لوجدنا أنه يثبت بأن الرجم من أقدم العقوبات التي عرفتها
البشرية.
стр. 97
وأول ما يمكن التوقف عنده قصة سيدنا نوح ﵇ الذي يمكن أن يعد الأب الثاني للبشرية بعد آدم ﵇ وفي قصته التي يذكر فيها القرآن الكريم جانبَا منها تأتي كلمة ((الرجم)) في قوله تعالى ﴿قاالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين﴾ (١) ومما ينبغي أن نلحظه في قوله تعالى (من المرجومين) أن حرف الجر ((من)) للتبعيض أي من بعض المرجومين ... . ... ... ... ... ... ... وفي ذلك دلالة دلالة واضحة على أن قومه كانوا يمارسون رجم من يخالفهم، وأن الرجم عادة اتخذها قومه في العقوبات.
وفي قصة سيدنا لإبراهيم ﵇، وفي حواره مع أبيه قال له أبوه ﴿قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك﴾ (٢) وفي قصة سيدنا موسى ﵇ تستوقفنا الآية الكريمة ﴿وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون﴾ (٣) أي تقتلوني رجماً (٤) .
وفي قصة سيدنا شعيب ﵇، وفي دعوته مع قومه وحواره معهم قالوا له ﴿ولولا رهطك لرجمناك﴾ (٥) أي لقتلناك بالرجم وهو شر قتله (٦) ..
وهذا ما نجده مع رسل سيدنا عيسي ﵇ الثلاثة الذين بعث بهم إلي القرية (إنطاكية) (٧) لهداية أهلها، ولكنهم رفضوا الهداية، وهددوهم بالقتل، قال تعالى على لسانهم: ﴿لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم﴾ (٨) .
стр. 98
وفي قصة أهل الكهف التي قيل إن أحداثها جرت بعد الميلاد، وردت كلمة الرجم في قوله تعالى: ﴿إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدَا﴾ (١) .
من كل ما تقدم يمكن استخلاص أن عقوبة الرجم بالحجارة عرفتها البشرية منذ أقدم العصور، وقد ترسخت عند كثير من الشعوب القديمة على اختلاف أزمانها، وأماكنها، وارتضتها ضمن تشريعاتها وقوانينها.
الرجم عقوبة ثابتة في الشريعة اليهودية والنصرانية:
كما أن هناك استخلاصاً مهماً في كل ما سبق وهو أن الرجم عقوبة ثابتة في حق الزناة في الشريعة اليهودية والمسيحية.
يدل على ما روي في الصحيح عن البراء بن عازب ﵁ (٢) قال: ُمرَّ على رسول الله ﷺ بيهوديِّ مُحَمَّمًا (٣) مجلوداً. فدعاهم ﷺ فقال (هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟) قالوا نعم، فدعا رجلاً من علمائهم. فقال ((أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى! أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟)) قال: لا. ولولا أنك نشدتي بهذا لم أخبرك. نجده الرجم. ولكنه كثر في أشرافنا. فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه. وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد. قلنا تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع. فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم. فقال رسول الله ﷺ : ((اللهم! إني أولُ من أحيا أمرك إذا أماتوه)) .
стр. 99
فأمر به فرجم. فأنزل الله : ﴿يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرون يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تأتوه فاحذروا....﴾ (١) .
يقولُ: ائتوا محمداً ﷺ . فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه. وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا.
فأنزل الله تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ (٢)
﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾ (٣)
﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾ (٤) في الكفار كلها. (٥)
من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن:
وعن ابن عباس ﵁ قال: ((من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب، قال تعالى: ﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب﴾ . (٦)
فكان الرجم مما أخفوا)) . (٧)
شبهة أعداء السنة حول آية الرجم المنسوخة تلاوة، والجواب عنها:
ويبقي ما أورده البعض من خصوم السنة النبوية حول الآية المنسوخة التلاوة، الباقية الحكم ((الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم)) (٨)
стр. 100
أنكروا حكم الآية لاختلاف نظمها مع نظم القرآن الكريم وروعته (١) .
وهذا الإنكار مردود عليهم بالقرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأتي بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير﴾ (٢) .
والمنسوخ تلاوة في الآية التي أنكروا حكمها لا يحتمل إلا ((إنساؤُه وهو حذف ذكرها عن القلوب بقوة إلهية)) (٣)
والمراد أن نص الآية المنسية يزول من الوجود، ولا يبقي في الذهن منها إلا آثار، وإنساء النص الذي يدل على الحكم لا يستلزم نسيان الحكم كما هو معلوم. (٤)
فإذا طبق الرسول ﷺ الحكم بعد ذلك دل على أن الحكم باق غير منسوخ.
وا لحكمة من رفع التلاوة مع بقاء الحكم ((ليظهر بذلك مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلي بذل النفوس بطريق الظن، من غير استفصال لطلب طريق مقطوع به، فيسرعون بأيسر شئ، كما سارع الخليل بذبح ولده بمنام، والمنام أدني طريق الوحي، وأمثلة هذا الضرب كثيرة)) (٥)
زد على ما سبق أن الأمر في القرآن وأحكامه إلي الله ينسخ ما يشاء مع بقاء النص الذي يستند إليه، ويبقي ما يشاء مع نسخ أو إنساء النص الذي كان دليلا عليه.
فعن أنس بن مالك ﵁ قال: أنزل الله في الذين قتلوا ببئر معونة (٦)
стр. 101
قرآناً قرأناه حتى نسخ بعد: (أن بلغ قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا، ورضينا عنه) . (١)
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ (٢) قال: ((وإنا كنا نقرأ سورة. كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة. فأنسيتها غير أني قد حفظت منها: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغي وادياً ثالثاً. ولا يملأ جوف بن آدم إلا التراب. وكنا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها. غير أني حفظت منها: يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون. فكتبت شهادة في أعناقكم. فتسألون عنها يوم القيامة)) (٣) .
فهذه الروايات المعتمدة وغيرها، تؤكد ما قلناه: وهو أن ما نسخت تلاوته أُنسِيَ فلم يبقي منه إلا ذكريات.
فمن قارن بينه وبين القرآن، قارن بين ما هو غير موجود، وما هو موجود.
ومن أنكره أنكر ما أثبتت الروايات وقوعه، وكابر في التاريخ الثابت الموجود!
стр. 102
ومن اعتبر ما بقي منه قرأناً بنصه خالف القرآن بنسخه وإنسائه، وأتي بما ليس بقرآن موجود، مدعياً أنه قرآن!
وعلى ما ذكرناه تحمل كل الروايات في هذا المجال.. فإذا قال الصحابي، قرأنا كذا، أو توفي الرسول ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن، أو قال كنا نقرأ كذا فحفظت منه كذا، أو قال: فلا أدري من القرآن هو أم لا.
كل ذلك محمول في قرآن نسي أو نسخ، ولم يبقي منه إلا بعض المعاني أو بعض الذكريات عبر عنها الصحابي بأسلوبه أو بالمعني، والرواية بالمعني ليست من القرآن الكريم!
والدليل على ذلك: أن القرآن المجموع حفظاً وكتابةً في عهد النبي ﷺ ثم في عهد أبي بكر، ثم في عهد عثمان بن عفان، لم يختلف فيه حرف عن حرف أو كلمة عن كلمة، ولا يوجد فيه شئ مما ذكر الصحابة أنه مما كان من القرآن.
ومما يدل على ذلك أنه ما بقي من آثار القرآن المنسوخ لم يشتهر بين الصحابة، بل حكي كل واحد ما بقي من ذهنه مما كان...........
وما دام النص المنسوخ قد أُنسِيَ، أو ليس موجوداً، فمجال البحث والدراسة والتفسير والتأويل بالنسبة إليه غير ذي موضوع.
لكن المهم هنا أن كل ما ذكرناه يؤكد أن الآية في قوله تعلي: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ (١) يراد بها الآية من القرآن التي تنزل على الرسول ﷺ ، وتنسخ تلاوتها، أو تُنسَي من القرآن، وهو ما تؤكده الروايات الواردة في ذلك، ومنها آية ((الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما)) . (٢)
الحكمة من كراهة النبي ﷺ كتابة آية الرجم المنسوخة تلاوة:
وهذا الذي قلناه يفسر لنا لماذا كره النبي ﷺ كتابة آية الرجم السابقة.
стр. 103
إذ كيف يسمح ﷺ بكتابة شئ منسوخ تلاوة بجوار القرآن الكريم، وقد نهي ﷺ عن كتابة أي شئ بجوار كلام الله (١) في صحيفة واحدة لئلا يلتبس على من بعده، هل هو من القرآن أم لا! . (٢)
وليس أدل على ذلك في مسألتنا هذه من قول الصحابي الجليل بن عباس ﵁ بعدما سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لو أن لابن آدم ملء واد مالاً لأحب أن له إليه مثله؛ ولا يملأ عين بن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب))
قال: ابن عباس فلا أدري أهو من القرآن أم لا! (٣) .
فخشية هذا الإلتباس تحمل كراهته ﷺ كتابة آية الرجم، ولو كانت آية الرجم بنص تلاوتها، كما أنزلت أولاً، ولم تُنْسَيَ، ولو كان ﷺ مأموراً بكتابتها، لأمر بكتابتها شأنها شأن آيات الحدود الأخرى.
стр. 104
ومنها ما هو أفظع وأشد من حد الرجم كحد المحاربين الذين يسعون في الأرض فساداً والوارد في قوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ . (١)
الجواب عن إشكال كراهة النبي ﷺ كتابة آية الرجم ، وهم عمر ﵁ بكتابتها:
وكراهية النبي ﷺ كتابة آية الرجم لا يشكل مع قول عمر بن الخطاب ﵁ ((إياكم أن تَهْلِكُوا عن آية الرجم! لا يقول قائل لا نجد حديث في كتاب الله فقد رجم رسول الله ﷺ ، ورجم أبو بكر ورجمت، فوالذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها ((الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة)) فإنا قد قرأناهد (٢) .
فليس الظاهر من كلام عمر مراداً، وأن كتابة آية الرجم جائز، وأن المانع له من ذلك قول الناس! كلا!
بل مراده المبالغة والحث على العمل بالرجم ~ إذ لا يسع مثل عمر مع مزيد فقهه تجويز كتابتها مع نسخ لفظها (٣) .
стр. 105
ويؤيد هذا المراد رواية الترمذي عن عمر قال رجم رسول الله ﷺ ، ورجم أبو بكر، ورجمت، ولولا أني أكره أن أزيد في كتاب الله تعالى، لكتبته في المصحف، فإني خشيت أن تجئ أقوامٌ فلا يجدونه في كتاب الله تعالى، فيكفرون به)) . (١)
ويؤكد ما سبق من علة كراهة كتابة آية الرجم، التباس آخر لو كتبت في المصحف، وهو أن العمل بها على غير الظاهر من عمومها. (٢)
كما جاء في رواية عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما أنزلت أتيت النبي ﷺ فقلت: أكتبها؟! فكأنه كره ذلك، فقال عمر: ... ألا تري أن الشيخ إذا لم يحصن جلد، وأن الشاب إذا زني وقد أحص)) (٣)
الجواب عمن أنكر آية الرجم تلاوة وحكماَ:
أما زعم البعض أن الآية (تلاوة وحكماً) لم تكن في القرآن! ولو كانت لطبق الحد على كثيرين من الصحابة، اعتماداً على أن عمر بن الخطاب خطب الناس فقال ((لا تشكوا في الرجم، فإنه حق ولقد هممت أن أكتبه في المصحف، فسألت أُبَّيّ بن كعب فقال: أليس أتيتني وأنا أستقرئها رسول الله ﷺ ، فدفعت في صدري، وقلت: تستقرئه آية الرجم وهم يتسافدون تسافد الحمر)) . (٤)
стр. 106
يقول أحدهم: وهو ما يعني في حال تدوين الآية، وتطبيق الحد، وقوع الرجم على أعداد غفيرة من المسلمين زمن الدعوة. (١)
مما يحمل تشكيكاً في ثبوت الحد، وتشكيكاً في الوقت نفسه بمجتمع الصحابة وتوهيناً للثقة فيهم.
فهذا لا حجة فيه للطاعن في حد الرجم، لأن عدم التدوين في المصحف لا يعني عدم تطبيق الحد، لما تواتر في السنة العملية من تطبيق حد الرجم من رسول ﷺ ، وأصحابه الكرام ﵃ من بعد.
كما أنه ليس في كلام عمر، ما يدل على زعم الزاعم أنه في حالة تطبيق الحد يقع على أعداد غفيرة من الصحابة زمن الدعوة!
لأن كلمة عمر ((تستقرئه آية الرجم وهم يتسافدون تسافد الحمر)) لا تعني صحابة رسول الله ﷺ الأطهار، وإنما تعني غيرهم ممن كان معهم زمن الدعوة من المنافقين، والمشركين، واليهود.
ويحتمل أنها تعني من سيأتي فيما بعد من شرار الناس الذين تقوم عليهم الساعة وهم يتهارجون تهارج الحمر. (٢)
وهذا من حسن الظن بعمر ﵁ وإلا فهل يظن بمثله أن يطعن في صحابة رسول الله ﷺ ؟ !
стр. 107
إن كلمة سيدنا عمر تعني على فرض التسليم بظاهرها أن التهارج فيما بعد سيكون شائعاً وجزاؤه الرجم، ولكن إن كان هذا التهارج لا بينة عليه بأربعة شهود يرون جريمة الزنا على نحو صريح لا شبهة فيه، فلا حد حينئذاَ إلا بالإقرار أو الحَبَلْ.
فالمقصود من كلمة عمر درء الحد مهما أمكن، فالحدود تسقط بالشبهات، كما سبق من قوله ﵁ ((لأن أخطئ في الحدود بالشبهات، أَحَبُ إليَّ من أن أقيمها بالشبهات)) (١) .
وكأن عمر يقول لأُبَّيّ بن كعب: كيف تستقرئه آية الرجم أو كيف نكتبها، وفي ظاهرها التباس في عمومها؛ وهو عموم ينافي درء الحد بالشبهة؟ !
وفي ذلك إشارة إلي: ((التخفيف على الأمة بعدم اشتهار تلاوتها وكتابتها في المصحف وإن كان حكمها باقياً، لأنه أثقل الأحكام وأغلظ الحدود، وفيه الإشارة إلي ندب الستر)) (٢) .
ثم إن تشكيك خصوم السنة النبوية، ودعاة التنوير الزائف، في حجية المصدر الذي أقيم على أساسه حد الرجم، بناء على هذه الآية المنسوخة تلاوة، الباقية حكماً.
هذا التشكيك والإنكار لا يفيد في شئ! .
لأن الرجم ثابت بالقرآن كما سبق (٣) . وثابت بالسنة القولية، والعملية المتواترة عنه ﷺ ، وعن أصحابه ﵃ من بعده.
فقد اشتهر وتواتر الرجم عن النبي ﷺ قولاً وعملاً في قصة ماعز والغامدية واليهوديين، وعلى ذلك جري الخلفاء بعده، فبلغ حد التواتر. (٤)
стр. 108
فعن بريدة بن الحصيب الأسلمى ﵁ (١) أن ماعز بن مالك الأسلمى أتي رسول الله فقال: يا رسول! إني قد ظلمت نفسي، وزينت، وإني أريدك أن تطهرني. فَردَّهُ.فلما كان من الغد أتاه فقال: يا رسول الله إني قد زنيت؛ فرده الثانية. فأرسل رسول الله ﷺ إلي قومه فقال: ((أتعلمون بعقله بأساً تنكرون منه شيئاً؟ فقالوا: ما نعلمه إلاَّ وفيَّ العقل. من صالحينَا فيما نُري. فأتاه الثالثة فأرسل إليهم أيضاً فسأل عنه فأخبروه: أنه لا بأس به، ولا بعقله، فلما كان الرابعة حُفِرَ له حفرة ثم أمر به فرجم.)) . (٢)
стр. 109
قال: فجاءت الغامدية فقالت: يا رسول الله إني قد زنيت فطهرني. وإنه ردها فلما كان الغد قالت يا رسول الله لم تَرُدَنِي؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزاً. فو الله إني لحُبْلَي. قال: ((إمَّا لا، فاذهبي حتى تلدي)) فلما ولدت أتته بالصبي في خرقهِ قالت:هذا قد ولدته. قال: ((اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه)) . فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز. فقالت: هذا يا نبي الله قد فطمته، وقد أكل الطعام. فدفع الصبي إلي رجل من المسلمين. ثم أمر بها فحفر لها إلي صدرها، وأمر الناس فرجموها. فيقبل خالد بن الوليد بحجر. فرمي رأسها. فتنطح الدم على وجه خالد فسبها. فسمع رسول الله ﷺ سبَّه إياها. فقال: ((مهلاً يا خالد! فوالذي نفسي بيده، لقد تابت توبة، لو تابها صاحب مَكْسٍ (١) لغفر له)) ثم أمر بها فصلي عليها ودفنت (٢) .
الجواب عمن زعم أن الرجم حكم ثابت بالسنة، ولكنه حكم مؤقت:
بقي الرد على من زعم أن الرجم حكم ثابت بالسنة النبوية، ولكنه حكم مؤقت!
إذ يقول بعضهم بعد أن أقر بثبوت الرجم في السنة النبوية القولية والعملية المتواترة قال: ((ونحن نقول إنه مع ثبوت وقوع حالات الرجم في عهد الرسول، فإن استقصاء هذه الحالات ينتهي إلى أن من الممكن إيقاف هذه العقوبة دون مخالفة للسنة، ومع هذا فإذا أصر دعاة الرجم على أقوالهم فهناك مخرج يقوم على عدم تأبيد بعض أحكام السنة)) (٣) .
стр. 110
وهذا الزعم مبني على مذهبه ((بأن الرسول والخلفاء الراشدون والصحابة أرادوا عدم تأبيد ما جاءت به السنن من أحكام)) (١) .
ويجاب عن ذلك: بأن تلك الدعوى لا دليل عليها، ويبطلها كلام رسول الله (وسيرة أصحابه الأطهار من بعده.
فإذا كان رسول الله (أراد عدم تأبيد ما جاءت به السنة النبوية من أحكام، فعلام إذاً يقرنها مع كتاب الله مبيناً أن الإعتصام بها عصمة من الضلال في قوله: ((إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدَا كتاب الله، وسنة نبيه)) (٢) .
وعلام يأمر بتبليغ سنته المطهرة في قوله (: ((ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض من أن يبلغه يكون أوعى له من بعض مَن سمعه.)) . (٣)