Полный текст (369 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
مما سميناه في شيء.
ومن زعم أن صفاته قائمة بصفاته ـ ويشير في ذلك إلى غير الأيد والعصمة والتوفيق والهداية ـ وأشار إلى صفاته عز وجل
стр. 282
القديمة، فهو حلولي قائل باللاهوتية والالتحام، وذلك كفر لا محالة.
ونعتقد أن الأرواح كلها مخلوقة، ومن قال: إنها غير مخلوقة فقد
стр. 283
ضاهى قول النصارى ـ النسطورية ـ في المسيح، وذلك كفر بالله العظيم.
ومن قال: إن شيئًا من صفات الله حالٌّ في العبد، وقال بالتبعيض على الله فقد كفر؛ والقرآن كلام الله ليس بمخلوق ولا حالٍّ في مخلوق، وأنه كيف ما تُلي وقُرئ وحُفظ، فهو صفة الله ، وليس الدرس من المدروس، ولا التلاوة من المتلو، لأنه بجميع أسمائه وصفاته غير مخلوق، ومن قال بغير ذلك فهو كافر.
ونعتقد: أن القراءة الملحنة بدعة وضلالة.
стр. 284
وأن القصائد بدعة، ومجراها على قسمين: فالحسن من ذلك من ذكر آلاء الله ونعمائه، وإظهار نعت الصالحين وصفة المتقين، فذلك جائز، وتركه والاشتغال بذكر الله والقرآن والعلم أولى به، وما جرى على وصف المرئيات، ونعت المخلوقات، فاستماع ذلك على الله كفر واستماع الغناء والربعيات على الله كفر، والرقص بالإيقاع ونعت الرقاصين على أحكام الدين فسق، وعلى أحكام التواجد
стр. 285
والنغام لهو ولعب.
وحرام على كل من سمع القصائد والربعيات الملحنة الجاري بين أهل الأطباع على أحكام الذكر، إلا لمن تقدم له العلم بأحكام التوحيد، ومعرفة أسمائه وصفاته، وما يضاف إلى الله تعالى من ذلك مما لا يليق به ، مما هو منزه عنه، فيكون استماعه كما قال: ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ الآية [الزمر: ١٨] .
وكل من جهل ذلك، وقصد استماعه على الله على غير تفصيله، فهو كفر لا محالة، فكل من جمع القول وأصغى بالإضافة إلى الله، فغير جائز إلا لمن عرف ما وصفت من ذكر الله ونعمائه، وما هو موصوف به ما ليس للمخلوق فيه نعت ولا وصف، بل ترك ذلك أولى
стр. 286
وأحوط، والأصل في ذلك أنها بدعة، والفتنة بها غير مأمونة، إلى أن قال: واتخاذ المجالس على الاستماع والغناء والرقص بالرباعيات بدعة، وذلك مما أنكره المطلبي ومالك، والثوري، ويزيد بن هارون وأحمد بن حنبل، وإسحق والاقتداء بهم أولى من الاقتداء بمن لا يعرفون في الدين، ولا لهم قدم عند المخلصين.
وبلغني أنه قيل لبشر بن الحارث: إن أصحابك قد أحدثوا شيئًا يقال له القصائد. قال: مثل إيش؟ قال مثل قوله:
اصبري يا نفس حتى ... تسكني دار الجليل
فقال: حسن، وأين يكون هؤلاء الذين يستمعون ذلك؟
стр. 287
قال: قلت: ببغداد. فقال: كذبوا والذي لا إله غيره، لا يسكن ببغداد من يسمع ذلك.
стр. 288
قال أبو عبد الله: ومما نقول ـ وهو قول أئمتنا ـ أن الفقير إذا
стр. 289
احتاج وصبر لم يتكلف إلى وقت يفتح الله له كان أعلى، فمن عجز عن الصبر كان السؤال أولى به على قوله ﷺ : «لأن يأخذ أحدكم حَبْلَه ... » الحديث.
ونقول: إن ترك المكاسب غير جائز إلا بشرائط مرسومة من التعفف والاستغناء عما في أيدي الناس، ومن جعل السؤال حرفة وهو صحيح، فهو مذموم في الحقيقة خارج.
стр. 290
ونقول: إن المستمع إلى الغناء والملاهي، فإن ذلك كما قال ﵇: «الغناء ينبت النفاق في القلب» ، وإن لم يكفر، فهو فسق لا محالة.
стр. 291
والذي نختار: قول أئمتنا: ترك المراء في الدين، والكلام في الإيمان مخلوق أو غير مخلوق، ومن زعم أن الرسول ﷺ واسط يؤدي، وأن المرسل إليهم أفضل، فهو كافر بالله، ومن قال بإسقاط الوسائط على الجملة فقد كفر» . اهـ] .
стр. 292
[قول عبد القادر الجيلاني] :
ومن متأخريهم: الإمام أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلي، قال في كتاب «الغنية» : «أما معرفة الصانع بالآيات
стр. 293
والدلالات على وجه الاختصار فهو أن يعرف ويتيقن أن الله واحد أحد ـ إلى أن قال: وهو بجهة العلو، مستو على العرش، محتو على الملك، محيط علمه بالأشياء، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] ، ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥] ، ولا يجوز وصفه بأنه في مكل مكان؛ بل يقال: إنه في السماء على العرش، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] .
وذكر آيات وأحاديث، إلى أن قال: وينبغي إطلاق صفة الاستواء من
стр. 294
غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش. قال: وكونه على العرش مذكورٌ في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف. وذكر كلامًا طويلاً لا يحتمله هذا الموضع، وذكر في سائر الصفات نحو هذا» .
ولو ذكرت ما قال العلماء في هذا لطال [الكتاب] جدًا.
[قول الإمام ابن عبد البر]
وقال أبو عمر بن عبد البر: «روينا عن مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، والأوزاعي، ومعمر بن راشد في
стр. 295
أحاديث الصفات أنهم كلهم قالوا: أمِرُّوها كما جاءت. قال أبو عمر: «ما جاء عن النبي ﷺ من نقل الثقات، أو جاء عن الصحابة ﵃، فهو علم يُدَان به؛ وما حدث بعدهم ولم يكن له أصل فيما جاء عنهم، فهو بدعة وضلالة» .
وقال في «شرح الموطأ» : لما تكلم على حديث النزول قال: هذا حديث ثابت من جهة النقل، صحيح الإسناد، لا يختلف أهل الحديث في صحته، وهو منقول من طرق
стр. 296
سوى هذه، من أخبار العدول عن النبي ﷺ ، وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش من فوق سبع سماوات، كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة في قولهم: إن الله في كل مكان.
وقال: والدليل على صحة قول أهل الحق قول الله ـ وذكر بعض الآيات ـ إلى أن قال: وهذا أشهر وأعرف عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته، لأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد، ولا أنكره [عليهم] مسلم.
وقال أبو عمر بن عبد البر أيضًا: أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل، قالوا في تأويل قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِن
стр. 297
نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] هو على العرش وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك من يحتج بقوله.
وقال أبوعمر أيضًا: أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة؛ لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يَحُدُّون فيه صفة محصورة.
وأما أهل البدع ـ الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج: فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعم أن من أقر بها مشبِّه، وهم عند من أقر بها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون: بما نطق به كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ وهم أئمة الجماعة» .
[قول الإمام البيهقي] :
وفي عصره الحافظ أبو بكر البيهقي مع توليه للمتكلمين من أصحاب أبي الحسن الأشعري،
стр. 298
وذبه عنهم قال: في كتاب «الأسماء والصفات» «باب ما جاء في إثبات اليدين صفتين ـ لا من حيث الجارحة لورود [خبر] الصادق به» قال الله تعالى: ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ، وقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٤٦] .
وذكر الأحاديث الصحاح في هذا الباب، مثل قوله في غير حديث، في
стр. 299
حديث الشفاعة: «يا آدم أنت أبو البشر، خلقك [الله] بيده، ونفخ فيك من روحه» ومثل قوله في الحديث المتفق عليه: «أنت موسى اصطفاك الله بكلامه، وخطّ لك الألواح بيده» وفي لفظ: «وكتب لك التوراة بيده» ، ومثل ما في صحيح مسلم: «وغرس كرامة أوليائه في جنة عدن بيده» ، ومثل قوله ﷺ : «تكون الأرض يوم القيامة خُبْزَةً واحدة يتكفاها الجبار بيده، كما يتكفى أحدكم خُبْزَته في السفر، نُزُلًا لأهل الجنة» . وذكر أحاديث مثل قوله: «بيدي الأمر» ،
стр. 300
«والخير بيديك» «والذي نفس محمد بيده» ، و «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل» وقوله: «المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمي» ، وقوله: «يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي
стр. 301
الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟» .
وقوله: «يمين الله ملأى، لا يَغِيضُها نفقة، سَحَّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القبض يخفض ويرفع» . وكل هذه الأحاديث في الصحيح.
وذكر أيضًا قوله: «إن الله لما خلق آدم، قال له ويداه مقبوضتان: اختر أيهما شئت. قال: اخترت يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين مباركة» ،
стр. 302
وحديث: «إن الله لما خلق آدم مسح ظهره» إلى أحاديث أخر ذكرها من هذا النوع.
ثم قال «البيهقي» : أما المتقدمون من هذه الأمة، فإنهم لم يفسروا ما كتبنا من الآيات والأخبار في هذا الباب، وكذلك قال في الاستواء على العرش، وسائر الصفات الخبرية مع أنه يحكي قول بعض المتأخرين.
[قول القاضي أبي يعلى] :
وقال القاضي أبو يعلى في كتاب
стр. 303
«إبطال التأويل» : «لا يجوز رد هذه الأخبار ولا التشاغل بتأويلها،
стр. 304
والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات الله، لا تشبه بسائر الموصوفين بها من الخلق، ولا نعتقد التشبيه فيها، لكن على ما روي عن الإمام أحمد وسائر الأئمة.
وذكر بعض كلام الزهري ومكحول ومالك، والثوري والأوزاعي والليث وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن عيينة،
стр. 305
والفضيل بن عياض، ووَكِيع، وعبد الرحمن بن مهدي، وأسود بن سالم، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد، ومحمد بن جرير الطبري، وغيرهم في هذا الباب. وفي حكاية ألفاظهم طول.
إلى أن قال: «ويدل على إبطال التأويل: أن الصحابة ومن بعدهم من التابعين حملوها على ظاهرها، ولم يتعرضوا لتأويلها، ولا صرفها عن ظاهرها، فلو كان التأويل سائغًا لكانوا إليه أسبق، لما فيه من إزالة التشبيه ورفع الشبهة» .
стр. 306
[قول أبي الحسن الأشعري في كتابه المقالات] :
وقال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المتكلم، صاحب الطريقة المنسوبة إليه في الكلام، في كتابه الذي صنفه في «اختلاف المصلين، ومقالات الإسلاميين» وذكر فرق الروافض،
стр. 307
والخوارج، والمرجئة، والمعتزلة، وغيرهم.
ثم قال: «مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث جملة: قول
стр. 308
أصحاب الحديث وأهل السنة: الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبما جاء عن الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ ، لا يردون شيئًا من ذلك، وأن الله واحد أحد، فرد صمد، لا إله غيره، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النارحق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله على عرشه، كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، وأن له يدين بلا كيف كما قال تعالى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ، وكما قال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] ، وأن له عينين بلا كيف كما قال تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] ، وأن له وجهًا كما قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] .
وأن أسماء الله تعالى لا يقال: إنها غير الله كما قالت المعتزلة والخوارج وأقروا أن لله علمًا، كما قال تعالى: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء:١٦٦] ، وكما قال تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر:١١] ، وأثبتوا السمع والبصر، ولم ينفوا ذلك عن الله كما نفته المعتزلة،
стр. 309
وأثبتوا لله القوة كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥] وذكر مذهبهم في القدر. إلى أن قال: ويقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، والكلام في اللفظ والوقف، من قال
стр. 310
باللفظ وبالوقف فهو مبتدع عندهم، لا يقال: اللفظ بالقرآن مخلوق، ولا يقال: غير مخلوق.
ويقرون أن الله يرى بالأبصار يوم القيامة، كما يرى القمر ليلة البدر يراه المؤمنون، ولا يراه الكافرون؛ لأنهم عن الله محجوبون، قال ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] .
وذكر قولهم في الإسلام والإيمان والحوض والشفاعة وأشياء، إلى أن قال: ويقرون بأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ولا يقولون مخلوق، ولا يشهدون على أحد من أهل الكبائر بالنار. إلى أن قال: وينكرون الجدل والمراء في الدين والخصومة فيه والمناظرة فيما يتناظر فيه أهل الجدل، ويتنازعون فيه من دينهم، ويسلمون للروايات الصحيحة، ولما جاءت بها الآثار التي جاءت بها الثقات عدلاً عن
стр. 311
عدل حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ ، لا يقولون: كيف ولا لم؟ لأن ذلك بدعة.
إلى أن قال: ويقرون أن الله يجيء يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] ، وأن الله يقرب من خلقه كيف يشاء؛ كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] .
إلى أن قال: ويرون مجانبة كل داع إلى بدعة، والتشاغل بقراءة القرآن، وكتابة الآثار، والنظر في الفقه، مع الاستكانة والتواضع، وحسن الخلق، مع بذل المعروف، وكف الأذى، وترك الغيبة
والنميمة والسعاية، وتفقد المآكل والمشارب. قال: فهذه جملة ما يأمرون به، ويستسلمون إليه، ويرونه، وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله وهو المستعان» .
وقال الأشعري أيضًا في «اختلاف أهل القبلة في العرش» :
«قال أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم ولا يشبه الأشياء، وأنه
стр. 312
استوى على العرش كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، ولا نتقدم بين يدي الله ورسوله في القول؛ [بل] نقول: استوى بلا كيف، وأن له وجهًا، كما قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] ، وأن له يدين كما قال تعالى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ، وأن له عينين كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] ، وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] ، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا كما جاء في الحديث، ولم يقولوا شيئًا إلا ما وجدوه في الكتاب وجاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ .
وقالت المعتزلة: إن الله استوى على العرش بمعنى: استولى وذكر مقالات أخرى.
[قول الأشعري في كتابه الإبانة] :
وقال أيضًا أبو الحسن الأشعري في كتابه الذي سماه «الإبانة في
стр. 313
أصول الديانة» وقد ذكر أصحابه أنه آخر كتاب صنفه، وعليه يعتمدون في الذب عنه عند من يطعن عليه. فقال:
«فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة» .
فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة، والقدرية،
стр. 314
والجهمية، والحرورية، والرافضة، والمرجئة؛ فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون.
[تصريح الأشعري الالتزام بمذهب الإمام أحمد] :
قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكلام ربنا وسنة نبينا، وما رُوي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول أبو عبد الله أحمد بن حنبل ـ نضَّر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته ـ قائلون، ولما خالف قوله مخالفون، لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل؛ الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلالة، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكِّين؛ فرحمة الله عليه من [إمام مقدَّم] ،
стр. 315
[وجليل معظَّم، وكبير مفهّم] .
وجملة قولنا: أنّا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبما جاؤوا به من عند الله، وبما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ ، لا نرد من ذلك شيئًا؛ وأن الله واحد لا إله إلا هو، فرد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأن محمدًا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق؛ وأن الجنة حق، والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.
وأن الله مستوٍ على عرشه كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، وأن له وجهًا كما قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] ، وأن له يدين بلا كيف، كما قال تعالى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ، وكما قال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ [المائدة:٦٤] ، وأن له عينين بلا كيف، كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] .
стр. 316
وأن مَنْ زعم [أن] أسماء الله غيره كان ضالًا، وذكر نحوًا مما ذكر في الفرق، إلى أن قال:
ونقول: إن الإسلام أوسع من الإيمان، وليس كل إسلام إيمانًا، وندين بأن الله يقلب القلوب بين إصبعين من أصابع الله عز وجل
стр. 317
وأنه يضع السماوات على أصبع، والأرضين على أصبع، كما جاءت الرواية عن رسول الله ﷺ .
إلى أن قال: والإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ونسلم الروايات الصحيحة [عن رسول الله ﷺ ] التي رواها الثقات عدلاً عن عدل حتى ينتهي إلى رسول الله ﷺ .
إلى أن قال: ونصدق بجميع الروايات التي يثبتها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا، وأن الرب يقول: «هل من سائل؟ هل من مستغفر؟» وسائر ما نقلوه وأثبتوه، خلافًا لما قال أهل الزيغ والتضليل.
ونعوّل فيما اختلفنا فيه على كتاب ربنا وسنة نبينا، وإجماع المسلمين
стр. 318
وما كان في معناه، ولا نبتدع في دين الله ما لم يأذن لنا به، ولا نقول على الله ما لا نعلم، ونقول: إن الله يجيء يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] .
وأن الله يقرب من عباده كيف شاء كما قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] ، وكما قال: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى • فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:٨ـ٩] .
إلى أن قال: وسنحتج لما ذكرناه من قولنا وما بقي مما لم نذكره بابًا بابًا. ثم تكلم على أن الله يُرى، واستدل على ذلك، ثم تكلم على أن القرآن غير مخلوق، واستدل على ذلك، ثم تكلم على من وقف في القرآن وقال: لا أقول: إنه مخلوق، ولا غير مخلوق ورد عليه.
[قول الأشعري في الاستواء على العرش] :
ثم قال: «باب في ذكر الاستواء على العرش» .
فقال: إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: إن الله مستوٍ على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، وقد قال الله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] ، وقال: ﴿بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨] ، وقال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥] ، وقال تعالى حكاية عن فرعون: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ • أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٦ـ٣٧] كذّب موسى في
стр. 319
قوله: إن الله فوق السماوات، وقال: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك:١٦] ، فالسماوات فوقها العرش فلما كان العرش فوق السماوات قال: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ لأنه مستو على العرش الذي فوق السماوات، فكل ما علا فهو سماء، فالعرش أعلى السماوات، وليس إذا قال: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ يعني جميع السماء، وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السماوات، ألا ترى أن الله ذكر السماوات فقال: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح:١٦] فلم يرد أن القمر يملؤهن، وأنه فيهن جميعًا.
ورأينا المسلمين جميعًا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء، لأن الله على العرش الذي فوق السماوات، فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، كما لا يحطونها إذا دعوا إلى الأرض.
стр. 320
[رد أبي الحسن على من فسر الاستواء بالاستيلاء] :
ثم قال:
فصلٌ: وقد قال قائلون من المعتزلة، والجهمية، والحرورية: إن معنى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] أنه استولى وملك وقهر، وأن الله في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة، فلو كان كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة، لأن الله قادر على كل شيء. والأرض فالله قادر عليها وعلى الحشوش وعلى كل ما في العالم، فلو كان الله مستويًا على العرش بمعنى الاستيلاء ـ وهو مستول على الأشياء كلها ـ لكان مستويًا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش والأقذار، لأنه قادر على الأشياء مستول عليها، وإذا كان قادرًا على الأشياء كلها، ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول: إن الله مستوٍ على الحشوش والأخلية، لم يجز أن يكون الاستواء على العرش بمعنى: الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معنى
следующие страницы →