← Книги сунны

Книги сунны · id 183

زوائد تاريخ بغداد على الكتب الستة

خلدون الأحدب

Полный текст (5 439 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

زوائد تاريخ بغداد على الكتب الستة تأليف الدكتور خلدون الأحدب أستاذ الحديث وعلومه في جامعة الملك عبد العزيز في جدة المجلد الأول الأحاديث [١ - ١٧٣]

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمد للَّه حَمْدًا يُوافي نعمه ويُكافيء مزيده. يا ربَّنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، لا نُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نَفْسِك. والصَّلاة والسَّلام على من بعثه ربُّنَا جَلَّ ثناؤه لمنهج الهداية رسولًا، فأنزل عليه الفُرْقَانَ ليكون للعالَمِينَ نذيرًا، وأوحى إليه بالسُّنَّةِ المُطَهَّرةِ لتكون على الأحكام دليلًا. صلوات ربِّي وسلامه عليه وعلى أبويه إبراهيم وإسماعيل، وعلى آله وصحبه وأتباعه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد: "فإنَّ شرفَ العلوم يتفاوتُ بشَرَفِ مَدْلُولِهَا، وقَدْرَهَا يَعْظُمُ بعِظَمِ محصولها، ولا خلافَ عند ذوي البصائرِ: أنَّ أجلَّها ما كانت الفائدةُ فيه أعمَّ، والنَّفْعُ به أتمَّ، والسَّعَادةُ باقتنائه أَدْوَمَ، والإِنسانُ بتحصيله ألزمَ، كعِلْمِ الشَّريعةِ الذي هو طريقُ السُّعَداءِ إلى دار البَقَاءِ. . . وعلوم الشَّريعة على اختلافها تنقسمُ إلى فَرْضٍ، ونَفْلٍ. والفَرْضُ ينقسمُ إلى: فَرْضِ عَيْنٍ، وفَرْضِ كِفَايَةٍ. ولكلِّ واحدٍ منهما أقسامٌ وأنواعٌ، بعضها أُصولٌ، وبعضها فُروعٌ، وبعضها مقدِّماتٌ، وبعضها مُتَمِّمَاتٌ. . . إلَّا أَنَّ من أصول فروض الكِفَايَات، عِلْمَ أحاديث

стр. 3

رسول اللَّه ﵌، وآثارَ أصحابه ﵃، التي هي ثاني أدلَّةِ الأحكام. ومعرفتها أمرٌ شريفٌ، وشأنٌ جليلٌ، لا يُحيطُ به إلَّا من هَذَّبَ نَفْسَهُ بمتابعةِ أوامر الشَّرْع ونَواهيهِ، وأزالَ الزَّيْغَ عن قَلْبِهِ ولِسَانِهِ" (١). وقد بَذَلَ السَّلَفُ والخَلَفُ في سبيل خدمة السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ، روايةً ودِرَايةً، حفظًا وصونًا، إعلاءً وتمكينًا، ما تنطق به رحلاتهم الواسعة، ومجالسهم العامرة، ومواقفهم العظيمة المسدَّدة، وتحققهم الصادق النيِّر، ومصنَّفاتهم الكثيرة المتنوعة. فقد استفرغوا الوسع وزادوا، وصدقوا اللَّه في نِيَّاتهم وأعمالهم، فصدقهم اللَّه تعالى، فنضَّر وجوههم، وخلَّد ذكرهم، وأعلى مقامهم، وبارك في آثارهم. وما عملي هنا في هذا الكتاب إلّا لَبِنَةً متواضعةً في بنائهم الراسخ الممتد في خدمة حديث النبيِّ ﵌، يمكن أن يُضَمَّ إلى ما صنَّفوا في فَنِّ الزوائد من موسوعات جليلة، أسهمت في حفظ السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ، وتقريبها وتيسيرها. وموضوع هذا الكتاب كنت أتلمس أهميته وضرورته كلَّما ازدادت صلتي بـ (تاريخ بغداد) استفادةً وتحصيلًا، مراجعةً وإحالةً؛ فكنت أقف متأملًا هذا العددَ الكبير من الحديث الشريف البالغ (٤٣٨٥) حديثًا على ما أحصيتُهُ، والمتفرقَ في ثنايا تراجم الكتاب البالغة (٧٨٣١) ترجمةً، ضمَّتها المجلَّدات الأربعة عشر منه، متسائلًا عن سبب عدم توجه علمائنا السابقينَ واللاحقينَ إلى هذا العدد الكبير من الحديث النبوي -الذي يزيد على عدد أحاديث بعض الكتب الستة: كسنن التِّرْمِذِيّ وابن مَاجَه-، بالعناية والدراسة: جمعًا وتصنيفًا، تصحيحًا وتضعيفًا. وكنت أرى أَنَّ مَرَدَّ هذا الإِغفالِ، في غالب الرأي، يعود إلى هذا الذي ذُكِرَ

стр. 4

وانتشَر بين أهل العلم وطُلَّابِه، وهو أنَّ مجرَّدَ عزو الحديث إلى الخطيب، مُعْلِمٌ بضَعْفِهِ، أو غَرَابَتِهِ، أو نَكَارَتِهِ، أو وَضْعِهِ، فلا يحتاج معه إلى بيان درجته من حيث القبولُ والردُّ. فلما تَقَرَّرَ هذا الاتجاهُ، أُغْمِضَتِ العيونُ عن أحاديثه وآثاره، فأُهملت وتُركت، وصُرفتِ الجهودُ إلى غيره بالعناية والدراسة. بيد أنَّه لما ظهر لي أنَّ هذا الذي تَقَرَّرَ، ليس على الصورة التي قَرِّرَ بها -كما بَيَّنْتُهُ وفَصَّلْتُهُ في الدراسة الآتية-، وجدت أنَّه من اللازم أن يُصارَ إلى العناية والاهتمام بما تضمنه (تاريخ بغداد) من حديث النبيِّ ﷺ : دراسةً وتصنيفًا، تصحيحًا وتضعيفًا. ووجدتُ أن أجدى الطرق وأَنْفَعَهَا في سبيل تحقيق ذلك، هو إفرادُ زوائد أحاديث (التاريخ) على الكتب الستة الأصول أولًا، فما كان منها فيها أو بَعْضَهَا، لم أُفْرِدْهُ، استغناءٌ بها، ولأنَّ العزو ساعتئذٍ لا يَصِحُّ للمصدر النازل، والمصدرُ الأعلى قائمٌ موجودٌ، فضلًا عن أنَّ هذه الأحاديثَ قد تكاملت العناية بها من كلِّ وجه، ومن ثَمَّ فإنَّا لا نحتاجُ إلى أن تنصرف الجهود بدايةً إلى ما لم يكن من الزوائد. وبعدَ إفراد هذه الزوائد تكون المرحلة الثانية من العناية والاهتمام، وذلك في التوجه صوب دراسة كُلِّ حديثٍ من تلك الأحاديث الزوائد، من جهة قبوله وردِّه، وبيانِ موجباتِ ذلكَ. ثم تخريجُهُ، وذكرُ متابعاته وشواهده، ومراتِبِهَا، خاصةً عند الاحتياج إليها في تعضيده إذا كان ضعيفًا، ثم بيانُ غريبه إنْ كان مشتملًا على غريب. أمَّا المرحلة الثالثة: فهي في تصنيف هذه الزوائد -من خلال الفهارس-، حَسْبَ المسانيدِ، والموضوعاتِ، والأطرافِ، لِيُنْتَفَعَ بها من أقرب طريقٍ، ويُستفادَ منها بأقل جهد ووقت.

стр. 5

وكانت مرحلةُ إفراد الزوائد من مجموع أحاديث (التاريخ) بعددها الكبير، من أَدَقِّ مراحل العمل، وأكثرها صعوبةً، لأنَّ هذا يتطلبُ عرض كلِّ حديث من أحاديث (التاريخ) البالغةِ (٤٣٨٥) حديثًا، على أحاديث الكتب الستة الأصول: "الصحيحين" للإمامين البُخَاريِّ ومُسْلِمٍ، و"السُّنَنِ" للأئمة: أبي داودَ والتِّرْمِذِيِّ والنَّسَائيِّ وابن مَاجَه، بآلافها المؤلَّفة، وكتبها وأبوابها الكثيرة، وفِقْهِهَا الدَّقيقِ والمتنوعِ، والذي يحتاج إلى تأملٍ عميقٍ، ونظرٍ واسعٍ، خاصةً مع تقسيم بعضهم للحديث الواحد إلى أجزاءٍ متعددةٍ بحَسْبِ ما يدلُّ عليه من فِقْهٍ، وما يُسْتَنْبَطُ منه من أحكامٍ، وإلحاقِ كُلِّ جزءٍ بالباب الذي يناسبُهُ. وهذا الأمر إذا كان متيسرًا إلى حَدٍّ كبيرٍ للأئمة السابقينَ، لواسِعِ حِفْظِهِمْ، وقُوَّةِ اسْتِحْضَارِهِمْ، وعظيم اطلاعهم، مع دِقَّةِ الأفهامِ، والفِقْهِ، وبالغ النِّيَّاتِ والصِّدْقِ؛ فإنَّ فيه بالنسبة للمعاصرينَ، مشقَّةً وعَنَتًا، وذلك لما للسابقينَ من الصفات المذكورة التي تَقَاصَرَ عنها المعاصرونَ، مما يجعل عملهم أكثرَ صعوبةً، وأجَلَّ خطورةً، ممّا يستتبعُ مزيدًا من الدِّقةِ والنظرِ، والحَيْطَةِ والحَذَرِ. هذا أمرٌ، والآخَرُ: أنَّه لا نجدُ بين أيدينا قواعدَ منظومةً محرَّرةً جامعةً في فَنِّ الزوائدِ، تُتَمَثَّلُ، ويُهْتَدَى بها في مثل هذا العمل، إلَّا بعضًا من الضوابط والشروطِ التي يقف عليها الباحث في مقدِّمات بعض مصنَّفات الزوائد للأئمةِ المتقدمينَ، أمثالِ: الهَيْثَمي وابنِ حَجَرٍ والبُوصِيري؛ مما جعل الأمر يحتاج إلى اهتداءٍ وتَلَمُّس لبعضها من واقع عمل الأئمة في مصنَّفاتهم تلك، وتقعيدِهَا؛ وإلى إنشاءِ قواعدَ جديدةٍ تتفقُ وحَدَّ هذا العلمِ وموضوعَهُ، حتى يكون العمل عِلْمِيًّا منهجيًا، ومُتَسَاوِقًا منضبطًا. وهذا ما قمت به ابتداءً وأتيت عليه في الدراسة التي تلي هذه المقدِّمة. وقد بلغ عدد الأحاديث الزوائد في (تاريخ بغداد)، بعد هذا العَرْضِ وتلك: المقابلة: (٢٢٢٣) حديثًا، أي ما يزيد على نصف مجموع أحاديثِ (التاريخ) بشيءٍ يسيرٍ، وهو عدد ليس بالقليل.

стр. 6

أمّا ما يتعلقُ بالحكم على تلك الأحاديث الزوائد قبولًا وردًّا، وَفْقَ قواعد علم أصول الحديث وتطبيقاته، وذِكْرِ من خَرَّجَهَا من الأئمة في مصنَّفاتهم، وطرقهم والكلامِ عليها، فإنَّ المنهج الذي اتبعتُهُ في ذلك هو التالي: أولًا: سوق الحديث بإسناده ومَتْنِهِ كما في (تاريخ بغداد)، وَوَفْق ترتيب تراجمه، والتي رُتِّبَتْ على حَسْبِ حروف المعجم، مع خللٍ في ذلك في نطاق تراجم الحرف الواحد، وكان ذلك مراعاةً ومحافظةً على منهج الحافظ الخطيب في كتابه، وللتيسير في الإِحالة والعزو والمراجعة. ثم ذكرُ الجُزْءِ والصفحة واسم صاحب الترجمة الذي ساق الخطيب الحديث في ترجمته. ثانيًا: ذكر مرتبة الحديث، ويُسَجَّلُ ابتداءً خلاصة الدراسة حول مرتبته، تقريبًا وتيسيرًا. ثم يُشْرَعُ ببيان حال إسناده، فإن كان مقبولًا، ذُكِرَتْ أسبابُ قبوله إجمالًا، مع ترجمة من يُحْتَاِجُ إلى ترجمتة، دون التزامٍ بذكر تراجم جميع رجال الإسناد، حيث إنَّهم مقبولونَ بعد النظر والتدقيق فيهم، فإثقالُ الكتاب بذكر أقوال النُّقَّادِ فيهم، ليس فيه كبير فائدة. أمَّا عندما يكون الإسناد مردودًا، فإنَّ أسبابَ ردِّهِ تُذْكَرُ تفصيلًا، مع الترجمة للرواة المجروحين وحدهم، إلّا إذا اقتضى البحث غير ذلك. وكان الاعتمادُ في التراجم على المصادر الأصلية والأُولى في علم الجرح والتعديل استيعابًا ما دامت الكفاية فيها قائمةً. مع مراعاة ذكر الأقدم تصنيفًا أولًا، لمعرفة التطور الاجتهادي في الحكم على الرواة. وكانت الغايةُ من هذا التقصِّي المقصودِ، الوقوفَ على جميع ما صدر بحقِّ الراوي المتكلَّم فيه من جَرْحٍ وتعديلٍ، ثم الموازنةَ بين تلك الأقوال وَفْقَ قواعد علم الجرح والتعديل وتطبيقات الأئمة النُّقَّاد لها، ليكون الحكم في المآل على الراوي حُكْمًا عادلًا منصفًا، وكاشفًا مُفسَّرًا. والحكمُ -وإنْ كان متجهًا صوبَ إسناد الخطيب أولًا، احتياطًا وحَذَرًا- إلّا

стр. 7

أنه إذا كان ضعيفًا ضعفًا مُحْتَمَلًا، وَوُجِدَ له من المتابعات أو الشواهد، أو كليهما، ما يعضِّدُهُ ويقوِّيهِ، ويرفعُهُ من مرتبة الضعف إلى مرتبة القبول، ذكرتُهُ، وبَيَّنْتُ حال تلك المتابعات والشواهد ومن خَرَّجَهَا. أمّا إذا كان ضَعْفُهُ غيرَ مُحْتَمَلٍ، ولا يَقْبَلُ تعضيدًا -بَيْدَ أَنَّ مَتْنَ الحديث قد رُوي من طُرقٍ مقبولةٍ أخرى، صحيحةٍ أو حسنةٍ، أو بمجموعها كانَ مقبولًا- بَيَّنْتُهُ أيضًا، أولًا: بذكره على سبيل الإِجمال مقترنًا مع درجة إسناد الحديث في أول البحث، وثانيًا: بتفصيله عند الكلام عن التخريج. وهذا المَسْلَكُ إنّما كان لرفع كُلِّ ظنٍ أو اشتباهٍ يمكن أَنْ يَحْصُلَ من جرَّاءِ ذِكْرِ الحُكْمِ على الإِسناد وحْدَهُ، كما يفعلُهُ الكثير من الدَّارِسينَ والمخرِّجينَ. ثالثًا: تخريجُ الحديث، بذكر من خَرَّجَهُ، من الأئمة في مصنَّفاتهم، وبيانُ طُرُقِهِمْ وحَصْرُها قَدْرَ الإِمكان والحاجة، ثم الكلامُ عنها، وبيانُ ما فيها من عللٍ إن وجدت، مستهديًا في ذلك كلِّه بقواعدِ أصولِ التخريج، وقواعدِ علومِ الحديثِ، وكلامِ أئمةِ هذا الفَنِّ، وأحكامهم، وتَنْقِيداتِهِمْ، وتحقيقاتهمْ، مُتَابِعًا لهم على بَصيرةٍ وعِلْمٍ، مُخَالِفًا لبعض ما صَدَرَ عنهم عند وجودِ ما يوجبُهُ، مقترنًا بالحجَّة والدليل. ومُنَبِّهًا على بعض ما يَلْزَمُ التنبيه عليه ممّا كان من بعض الباحثينَ والمشتغلينَ بهذا العلم من المُعَاصرين، مما له صلةٌ بالبحث، نُصْحًا وأَمَانَةً، دون تعسفٍ أو تجاوزٍ أو حَيْفٍ إن شاء اللَّه تعالى، سائلًا المولى جَلَّ شأنه أَنْ أُرْزَقَ من يَدُلُّنِي على عِثَارٍ لي، مأجورًا مشكورًا، فالخطأُ مُلازِمٌ للعمل البشري مهما بلغ من الجودة والإِتقان، لا يُعْصَمُ منه أحدٌ، إلّا من عصمه مولاه سبحانه. وعَقِبَ التخريج أذكرُ غريبَ الحديث إنْ كان فيه غريبٌ، حتى يُعْلَمَ معناهُ، ويوقفَ على فوائده وأحكامه. وقد قَدَّمْتُ لهذا العمل الذي ضمَّه ثالث أبواب الكتاب، وهو أُسُّها وقاعِدَتُهَا، بدراسةٍ لازمةٍ كاشفةٍ، ضمَّت بابين اثنين.

стр. 8

أولهما: يشتملُ على تعريف علم الزوائد، وثمرتِهِ، ومراتب الأحاديث الزوائد روايةً واستدلالًا، وذِكْرِ المصنَّفات في هذا الفَنِّ، وخصائِصِهَا، ومناهجِ أصحابِهَا فيها على سبيل الإِجمال، ثم بيانِ قواعد علم الزوائد، التي ارتُسِمَتْ في هذا العمل. ثانيهما: يتناول مبحثًا عن أهمية كتاب (تاريخ بغداد) باعتباره مصدرًا من مصادر الحديثِ الشريف، وآخرَ في ترجمة موجزةٍ للحافظ الخطيب البغدادي رحمه اللَّه تعالى. أمّا التعريف، فقد ذكرت في أول مبحثه أنه لم يُوقف على تعريفٍ مِنْ أَحَدِ المتقدِّمينَ له، وأنَّ ما ذَكَرَهُ بعض المعاصرين تَبَعًا للعلَّامة محمد بن جعفر الكَتَّاني ﵀، إنما هو تعريف لكتب الزوائد، وليس تعريفًا للزوائد بوصفه عِلْمًا. وأنَّ تعريفه بتلك الصفة هو: "علمٌ يتناولُ إفرادَ الأحاديثِ الزائدةِ في مصنَّفٍ، رُويت فيه الأحاديثُ بأسانيدِ مُؤلِّفِهِ، على أحادي كُتُبِ الأصولِ الستةِ أو بعضِهَا، مِنْ حديثٍ بتمامهِ لا يُوجَدُ في الكتب المَزِيدِ عليها، أو هو فيها عن صحابي آخرَ، أو من حديثٍ شاركَ فيه أصحاب الكتب المزيد عليها أو بعضهم، وفيه زيادة مؤثِّرة عنده". ثم شرحت التعريف شرحًا مُفَصَّلًا، أظهرتُ فيه كُلِّيَاتِهِ وأفرادَهُ وتطبيقاتِهِ، مبينًا فيه محترزاتِهِ وقيودَهُ. وبعد ذلك ذكرت غاية هذا العلم وثمرتَهُ، التي تتمثل في تقريب السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ وتيسيرها، مع ذكرِ أربعةِ أوجهٍ لهذا التقريب والتيسير تفصيلًا، وأتبعتها ببيانِ مراتبِ الأحاديثِ الزوائدِ روايةً واستدلالًا. ثم ذكرتُ المصنَّفات في فَنِّ الزوائد، وترتِيبَهَا وَفْقَ وفَيَاتِ أصحابِهَا، وخصائِصَهَا ومناهجَ أصحابها فيها على سبيل الإِجمال. وآخر مباحث الباب الأول هو: القواعدُ التي ارْتُسِمَتْ في إفرادِ زوائد (تاريخ

стр. 9

بغداد) على الكتب الستة الأصول، وقد بلغ مجموعها (إحدى عَشْرَةَ) قاعدةً ذُكرت مفصَّلةً مقترنةً بالتطبيقات اللازمة لها. أمَّا الباب الثاني: فاشتمل أولًا على بيان أهمية (تاريخ بغداد) باعتباره مصدرًا من مصادر الحديث الشريف، وذِكْرِ موضوعهِ، وأهميتِهِ المتعددةِ المظاهرِ والجوانبِ، وأنَّ الأهميةَ العُظْمَى له هي في نطاقِ الحديث الشريف، حيثُ اختصَّ رجالُ الحديث بخمسةِ آلافِ ترجمةٍ من مجموع تَرَاجِمِهِ البالغةِ (٧٨٣١) ترجمةً، وأنَّ عدد أحاديثه -كما أسلف- (٤٣٨٥) حديثًا. ثم بحثتُ فيما يتعلَّقُ بقيمة مروياته الكثيرةِ تلكَ مِنْ حيثُ القبولُ والرَّدُّ، ومناقشةِ أقوال العلماء في ذلك، والتعقيب عليها، وتوجيهها، والكشف عن أنَّ قُرَابَةَ نِصْفِ هذه الأحاديثِ، هو ممَّا خُرِّجَ في الكتب الستة الأصول، أو بعضها، وجلُّ هذا القسم من المقبول. وبيانُ أنَّ الزوائدَ عليها، تدورُ بين الصِّحَةِ والحُسْنِ والضَّعْفِ والنَّكَارةِ والوَضْعِ، وأنَّ التَالِفَ والغريبَ والمُنْكَر والموضوعَ، هو الأصلُ في الأحاديث التي تَفَرَّدَ الخطيب بروايتها، ولم يشاركْهُ أحدٌ في روايتها ممن سبقه، مع ذكري لأسباب ذلك مقترنًا بالإِشارة إلى أنَّ هذه الأحاديثَ التي تَفَرَّدَ بها، قليلةٌ بالنسبةِ لمجموع أحاديث الزوائد. وقد ذكرتُ النتيجة التي توصلت إليها في شأن قِيمَةِ مروياتِهِ، وهي أنَّ قِيمَةَ ما يرويه الخطيبُ قيمةُ سَنَدِهِ. أما آخر مباحث الدراسة، فكان ترجمةً موجزةً للحافظ الخطيب البغدادي، أنت على ذكر الدراسات التي كُتِبَتْ فيه: اسمِهِ وكُنْيَتِه ومَوْلِدِهِ، ونشأتِهِ وطَلَبِهِ ورحلتِهِ في طلب العلم، ثم ثقافتِهِ وعلومِهِ، ثم صفاتِهِ ومناقِبِهِ، وذِكْرِ أهمِّ شيوخِهِ وتلامذتِهِ، ثم توثيقِهِ وبيان مكانتِهِ وثَنَاءِ العلماءِ عليه، وأخيرًا ذِكْرِ عدد مصنَّفَاتِهِ وموضوعاتِهَا، وتسميةِ المطبوعِ منها.

стр. 10

ولا بد من الإِشارة هنا إلى أنَّ النسخة المطبوعة من (تاريخ بغداد) -كما هو معروفٌ عند أهل العلم والباحثينَ- فيها من أنواع التصحيف والتحريف والسَّقْطِ والقلب، ما يُوجب الرجوعَ إلى النُّسَخِ الخَطِّيَّةِ منه، لتقويمِ النصوصِ، واستدراك ما يكونُ فيها من سَقْطِ. وقد سافرتُ إلى كُلٍّ مَنْ تُونُسَ ومِصْرَ والمدينة المُنَوَّرَةِ، للوقوف على النُّسَخ الخَطِّيَّةِ من (تاريخ بغداد)، والاستفادةِ منها فيما قدَّمت، وتصويرِ ما يمكن تصويره منها. وفي تونس عثرت في المكتبة الأحمدية على نسخة غير كاملة من (التاريخ)، وهي بمقدار نصفه، وتقابلُ الأجزاءَ السبعة الأخيرة من النسخة المطبوعة، مع سَقْطٍ كبيرٍ في مواطن عدّة منها كما لاحظته أثناء الاستفادة منها، وهي برقم (٤٩٢٧)، وعدد أوراقها (٤٣٦) ورقة من القطع الكبير، وخَطُّهَا مَشْرِقِي جميل، وقد نَسَخَهَا محمد أمين التوني عام (١١٢٩) للهجرة في مدينة (استانبول). كما وجدت فيها مُجَلَّدًا واحدًا من نسخة أخرى، عدد أوراقه (١٢٥) ورقة، وخَطُّهُ مَشْرِقِي أيضًا، وهو برقم (١٦١١٩)، وهذا المجلَّد يقابلُ من المطبوع من (١/ ١٥٠) إلى (٢/ ١٥)، وتاريخ نَسْخِهِ سنة (٥٩٥) للهجرة. أمّا في مِصْر، فلم أُمَكَّن من الوقوف إلَّا على (ميكروفيلم) يحمل رقم (٣٤٤٢)، في دار الكتب المِصْرِية، وهو لنسخة ناقصة من (التاريخ) لم يبق منها إلّا أقلّها، وقد كُتبت عام (٦٠٧ هـ) في دمشق. وقد استفدت منها في مواضع، سيأتي ذكرها في محلِّه. وأَقْدَمُ النُّسَخِ التي تمكَّنتُ من الوقوف عليها، نسخة غير كاملة أيضًا، ضمَّتها خِزَانَةُ المكتبة المحمودية في المدينة المُنَوَّرَةِ. وهي مشتملة على أربعة مجلداتٍ ضِخَامٍ، عدد أوراقها (٩٤٧) ورقة، وخطوطها قديمة مختلفة، وفي الأول منها سماع تاريخه عام (٥٥٦) للهجرة في دمشق، وعلى الأجزاء سماعات كثيرة ـ

стр. 11

المشاهير المُحَدِّثين. وهي فيها بأرقام (٢٥٢٦ و ٢٥٢٧ و ٢٥٢٨ و ٢٥٢٩). ولم أقم بمقابلة جميع الأحاديث الزوائد على ما وقفت عليه من النُّسَخِ الخَطِّيَّةِ، وإنما راجعتُ فيها ما اشتبه، أو أَشْكَلَ، أو تَعَيَّنَ لي فيه سَقْطٌ أو قَلْبٌ، ونحو ذلك. وقد فاتتني مواضع قليلة، أبقيتها كما هي عليه في المطبوع، مع ما فيها من إشكال، لعدم عثوري عليها في النسخ المتقدِّم ذكرها. وبعد: فلئن استغرق هذا العمل مني سنين سَبْعًا، بذلتُ فيها من الجهد والعناية ما أعانَ اللَّهُ عليه وَوَفَّقَ ويَسَّرَ، حتى تمَّ مع اتساعه على الوَجْهِ الذي أرجو أن يكون مرضيًا إن شاء اللَّه، مع الاشتغال في الوقت نفسه بالتدريس الجامعي وما يحتاج ويتطلب؛ فإنها لمن أحبِّ وآثر ما مضى من العمر، لما كان فيها من خدمةٍ للسُّنَّة المشْرَّفة: تأصيلًا منهجيًا لعلم زوائد الحديث، ودراسةً علميةً لهذا العدد الكبير من الحديث الشريف: إفرادًا وتمييزًا، تصحيحًا وتضعيفًا، تبويبًا وفهرسةً. فله وحده المِنَّة والفضل. وهذا الكتاب في أصله، كان رسالةً علميةً، تقدَّمتُ بها لنيل درجة (الدكتوراه) في الحديث الشريف وعلومه، من جامعة أُمِّ دُرْمَان الإِسلامية. وقد أُجيزت بتقدير (الامتياز) من مرتبة الشرف الأولى. وقد تفضَّل بالإِشراف: عليها: أستاذنا فضيلة الدكتور أحمد نور سيف متَّع اللَّه به، وأجزل له المثوية في الدَّارَيْنِ. وإنِّي لأُسْدِي الشكر خالصًا إلى زوجتي الكريمة، التي كانت خير عَوْنٍ لي بعد اللَّه ، في إنجاز هذا العمل، فجزاها اللَّه تعالى خير الجزاء وأوفاه. وإنِّي لأسأل المولى سبحانه أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يتقبَّله بما هو أهله، وأن ينفعني به وذُرِّيني يوم العَرْضِ عليه.

стр. 12

﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة التحريم: الآية ٨]. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٨]. وصلَّى اللَّه وبارك على سيدنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه الأخيار الأبرار، وآخرُ دعوانا أن الحمد للَّه ربِّ العالمين. جُدَّة في ٨ رجب ١٤١٢ هـ ١٢ كانون الثاني ١٩٩٢ م وكتبه الدكتور خلدون الأحدب

стр. 13

الباب الأول في تعريف علم الزوائد، وثمرته، والمصنفات فيه، والقواعد التي يقوم عليها

стр. 14

تعريف علم الزوائد من نظر فيما قيل في تعريف علم الزوائد، يجد أَنَّ من عَرَّفَهُ من المعاصرين (١)، إنما اتجه صوب تعريف (كتب الزوائد) وليس (علم الزوائد)، وأَنَّ جميع من عرَّف (كتب الزوائد)، لم يخرج على ما ذكره المُحَدِّث محمد بن جعفر الكَتَّاني ﵀ في ذلك، حيث يقول في "الرسالة المُسْتَطْرَفَة" (٢): "ومنها -يعني كتب الحديث- كتب الزوائد: أي الأحاديث التي يزيد بها بعض كتب الحديث على بعض آخر معين". وهذا الاقتصار المتوجه صوب تعريف (كتب الزوائد) وحدها، جعل من اللازم التوجه صوب تعريف (علم الزوائد) ذاته. وقد راعيت عند وضع التعريف، ما ذكره المصنِّفون في هذا الفنّ من ضوابط وشروط، مع ملاحظة المسلك التطبيقي لهم. بعد تلك الملاحظة يمكن تعريف (علم الزوائد) بأنه: "علم يتناول إفراد الأحاديث الزائدة في مصنَّفٍ رُويت فيه الأحاديث بأسانيد

стр. 15

مُؤَلِّفِهِ، علي أحاديث كُتُبِ الأصول السنة أو بَعْضِهَا، مِنْ حديثٍ بتمامه لا يوجدُ في الكتبِ المزيدِ عليها، أو هو فيها عن صحابي آخرَ، أو من حديثٍ شاركَ فيه أصحاب الكتب المزيد عليها أو بعضهم، وفيه زيادة مؤثِّرة عنده". شرح التعريف: لا بد من شيء من التفصيل للتعريف المتقدِّم، حتى يوقف على حقيقة هذا العلم وموضوعه، ومن ثمَّ تتضح معالمه، وتعرف ضوابطه وقيوده. أولًا: القول في التعريف: "في مصنَّفٍ رُويت فيه الأحاديث بأسانيد مُؤَلِّفِهِ". فإنه يشتمل على نقطتين اثنتين: النقطة الأولى: أنَّه ليس شرطًا أن يكون الكتاب الذي تُفْرَدُ زوائده، من كتب الرواية، كالمسانيد، والسنن، والجوامع، والمعاجم، وكتب الفوائد. وإن كان جُلُّ المصنفات التي أفردت زوائدها، تناولت كتب الرواية، أمثال: (مسانيد) الأئمة: أحمد وأبي يَعْلَى والبزَّار والطَّيَالِسِي والحُمَيْدي والحارث بن أبي أُسامة وابن مَنِيع وسواهم، ومن مثل (معاجم) الطبراني الثلاثة، و (السنن الكبرى) للبيهقي. حيث إنَّ هناك الكثير من المصنَّفات من غير كتب الرواية المتخصصة، قد ضمت نِسبًا متفاوتة من الحديث النبوي، بلغ في بعضها آلافًا مؤلفةً، ولا يوجد كثير مما تضمنته من الحديث، في كتب الرواية، وهذه المصنَّفات جميعًا قد ساق أصحابها ما ذكروا من الحديث النبوي بأسانيدهم. ويمكن أن نُدْرِجَ هذه المصنَّفات تحت الأقسام الكلِّية التالية -ويمكن الزيادة عليها-، مقتصرين على ذكر بعض مصنَّفات كلِّ قسم من تلك الأقسام.

стр. 16

أولًا - كتب العقائد: ككتاب "السُّنَّة": للإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ)، وابن أبي عاصم أحمد بن عمرو النَّبِيل (ت ٢٨٧ هـ)، وأحمد بن محمد الخلَّال أبي بكر (ت ٣١١ هـ)، والطبراني سليمان بن أحمد (ت ٣٦٠ هـ). وكتاب "الإيمان": للإمام أبي عُبَيْد القاسم بن سلَّام (ت ٢٢٤ هـ)، وأبي عبد اللَّه محمد بن يحيى العَدَني (ت ٢٤٣ هـ)، وابن مَنْدَه محمد بن إسحاق (ت ٣٩٥ هـ). وكتاب "التوحيد وإثبات صفات الربّ " للإمام ابن خُزَيْمَة محمد بن إسحاق (ت ٣١١ هـ). و"الإبانة الكبرى" للإمام ابن بَطَّة العُكْبَري عبيد اللَّه بن محمد (ت ٣٨٧ هـ). و"شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجَماعة" للَّالِكَائي هِبَة اللَّه بن الحسن (ت ٤١٨ هـ). وكتاب "النزول" و"الصفات" و"الرؤية"، كلُّها للإمام الدَّارَقُطْنِيّ عليّ بن عمر (ت ٣٨٥ هـ). و"الرَّدّ على الجَهْمِية" و"أفعال العِبَاد" كلاهما للإمام البُخاري محمد بن إسماعيل (ت ٢٥٦ هـ). و"الرَّدّ على الجَهْمِية" لعثمان بن سعيد الدَّارمي (ت ٣٦٠ هـ). و"العَظَمَةُ" لأبي الشيخ بن حَيَّان الأَصْبَهَاني عبد اللَّه بن محمد (ت ٣٦٩ هـ). و"الشَّريعة" لأبي بكر الآجُرِّيّ محمد بن الحسين (ت ٣٦٠ هـ). و"الأسماء والصفات" و"البعث والنشور" كلاهما للإمام البيهقي أحمد بن

стр. 17

الحسين (ت ٤٥٨ هـ)، وغيرها كثير (١). ثانيًا - كتب التفسير والدراسات القرآنية: ك ــ "تفسير" الإمام عبد الرزاق الصَّنْعَاني (ت ٢١١ هـ)، ومحمد بن جَرِير الطبري (ت ٣١٠ هـ)، وابن المنذر النَّيْسَابوري محمد بن إبراهيم (ت ٣١٨ هـ)، وابن أبي حاتم الرَّازي عبد الرحمن (ت ٣٢٧ هـ). وتفسير الصنعاني والطبري قد طبعًا، كما طبع بعض أجزاء من تفسير ابن أبي حاتم. وكتاب "المصاحف" لابن أبي داود عبد اللَّه بن سليمان السِّجِسْتَاني: (ت ٣١٦ هـ)، وهو مطبوع و"أسباب نزول القرآن" للواحِدِيّ عليّ بن أحمد (ت: ٤٦٨ هـ)، وهو: مطبوع. و"فضائل القرآن" لابن الضُّرَيْس محمد بن أيوب (ت ٢٩٥ هـ)، والنَّسَائي أحمد بن شعيب (ت ٣٠٣ هـ)، وهما مطبوعان (٢). ثالثًا - كتب الفقه: ومن أهمها في هذا الباب بعض كتب الإمام ابن المُنْذِر النَّيْسَابُوري محمد بن إبراهيم (ت ٣١٨ هـ)، ككتاب: "الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف"، وقد طبع بعضه.

стр. 18

وكتاب "المُحَلّى" للإمام ابن حزم الأندلسي عليّ بن أحمد (ت ٤٥٦ هـ)، وهو مطبوع. و"الأموال" لأبي عبد القاسم بن سلَّام (ت ٢٢٤ هـ)، ومحمد بن زَنْجُوْيَه (ت ٢٥١ هـ)، وكلاهما مطبوع. و"أحكام العيدين" للفِرْيَابي جعفر بن محمد (ت ٣٠١ هـ)، وهو مطبوع (١). رابعًا - كتب السيرة النبوية والمغازي، والدلائل، والشمائل، ومعرفة الصحابة، وفضائلهم: ك تاب "السِّيَر والمَغَازي" لمحمد بن إسحاق المُطَّلِبِي (ت ١٥١ هـ)، وقد طبع على ما عثر عليه منه. و (السيرة النبوية) الموجودة في المجلدين الأولين من كتاب "الطبقات الكبرى" لمحمد بن سعد (ت ٢٣٠ هـ)، وهو مطبوع. وكتاب "الشمائل" للإمام التِّرْمِذِيّ محمد بن عيسى (ت ٢٧٩ هـ)، وهو مطبوع. و"أخلاق النبيِّ ﷺ وآدابه" لأبي الشيخ بن حَيَّان الأصبهاني عبد اللَّه بن محمد (ت ٣٦٩ هـ)، وهو مطبوع. و"دلائل النبوة" لأبي نُعَيْم الأصبهاني أحمد بن عبد اللَّه (ت ٤٣٠ هـ)، والبيهقي أحمد بن الحسين (ت ٤٥٨ هـ)، وكلاهما مطبوع. و"معرفة الصحابة" لأبي نُعَيْم الأصبهاني، وقد طبع بعضه. و"معجم الصحابة" للبَغَوي عبد اللَّه بن محمد (ت ٣١٧ هـ)، وهو مخطوط.

стр. 19

و"فضائل الصحابة" للإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ)، والنَّسَائي أحمد بن شُعَيْب (ت ٣٠٣ هـ)، وكلاهما مطبوع (١). خامسًا - كتب الأخلاق، والزهد والرقائق، والأذكار، والترغيب والترهيب، والفِتَن والمَلاحِم: ككتاب "الزهد والرقائق" للإمام عبد اللَّه بن المبارك (ت ١٨١ هـ)، وهو مطبوع. و"الزهد": للإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ)، ووكيع بن الجرَّاح (ت ١٩٧ هـ)، وهناد بن السري (ت ٢٤٣ هـ)، وثلاثتها قد طبع. وكتاب "مكارم الأخلاق" لابن أبي الدُّنيا عبد اللَّه بن محمد (ت ٢٨١ هـ)، والطبراني سليمان بن أحمد (ت ٣٦٠ هـ)، وكلاهما مطبوع. وكتب ابن أبي الدُّنيا، والخَرَائِطي محمد بن جعفر (ت ٣٢٧ هـ) تتعلق بجانب الآداب والأخلاق الإسلامية. وكتاب "الدُّعاء" للطبراني، وهو مطبوع. و"الدعوات الكبير" للبيهقي أحمد بن الحسين (ت ٤٥٨ هـ)، وقد طبع. و"الترغيب والترهيب" لإسماعيل بن محمد التَّمِيمي الأصبهاني (ت ٥٣٥ هـ)، وهو مطبوع. ولابن شاهين عمر بن أحمد (ت ٣٨٥ هـ) وهو مطبوع، والبيهقي، وهو مخطوط. وكتاب "الفِتَن والمَلاحِم" لنُعَيْم بن حمَّاد المَرْوَزي (ت ٣٢٨ هـ)، وهو مطبوع (٢).

стр. 20

سادسًا - كتب تواريخ الرجال والبُلْدَان: وهذا النوع من المصنَّفات تتنوع أسس تنظيمه، من تنظيم على الطبقات، وتنظيم على المدن، وتنظيم على حروف المعجم، وغير ذلك، وبعضها ضمّ رواة الحديث وحدهم، وبعضها ضمّ إليهم غيرهم من سائر الأعلام. ومن تلك المصنَّفات: "الطبقات الكبرى" للإمام محمد بن سعد (ت ٢٣٠ هـ)، وهو مطبوع. و"طبقات المحدِّثين بأصبهان" لأبي الشيخ بن حَيَّان الأصبهاني عبد اللَّه بن محمد (ت ٣٦٩ هـ)، وهو مطبوع. و"حِلْيَة الأولياء وطبقات الأصفياء" لأبي نُعَيْم الأصبهاني أحمد بن عبد اللَّه (ت ٤٣٠ هـ)، وهو مطبوع. و"التاريخ الكبير" للإمام البُخَاري محمد بن إسماعيل (ت ٢٥٦ هـ)، وهو مطبوع. و"المعرفة والتاريخ" ليعقوب بن سفيان الفَسَوي (ت ٢٧٧ هـ)، وهو مطبوع. و"الإرشاد في معرفة علماء الحديث" لأبي يَعْلَى الخَلِيلي خليل بن عبد اللَّه (ت ٤٤٦ هـ)، وهو مطبوع. و"تاريخ واسِط" لِبَحْشَل أسلم بن سهل (ت ٢٩٢ هـ)، وهو مطبوع. و"ذكر أخبار أصبهان" لأبي نُعَيْم الأصبهاني، وهو مطبوع. و"تاريخ جُرْجَان" للسَّهْمِيّ حمزة بن يوسف (ت ٤٢٧ هـ)، وهو مطبوع. و"تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي أحمد بن علي (ت ٤٦٣ هـ)، وهو مطبوع.

стр. 21

و"تاريخ نَيْسَابُور" للحاكم النَّيْسَابُوري محمد بن عبد اللَّه (ت ٤٠٥ هـ)، وهو مفقود. و"تاريخ دمشق" لابن عساكر علي بن الحسن (ت ٥٧١ هـ)، وقد طبع بعضه. وكتاب "الكامل في ضعفاء الرجال" لعبد اللَّه بن عدي الجُرْجَاني (ت ٣٦٥ هـ)، وهو مطبوع. و"الضعفاء الكبير" للعُقَيْلي محمد بن عمرو (ت ٣٢٢ هـ)، وهو مطبوع، وغيرها كثير. وهذا الَّذي تقدَّم من كون إفراد الزوائد ليس محصورًا في كتب الرواية، نراه عمليًا فيما قام به الإمام السيوطي، عندما أفرد زوائد "نوادر الأصول" للحَكِيم التِّرْمِذِيّ (١). ويجدر القول هنا، بأن إفراد الأحاديث الزوائد من هذه المصنفات الكثيرة من غير كتب الرِّواية، والمتنوعة في أغراضها، مما ذُكِرَ ومما لم يُذْكَرْ -وهو كثرة كاثرة-، على الكتب الستة الأصول، وتخريجها، وبيان مراتبها من حيث القبول والردّ، وضَمِّ النظير إلى نظيره، والشبيه إلى شبيهه، يحقق أغراضًا جليلة، ليس أولها تقريب السنة وتيسيرها عِلْمًا وعَمَلًا، ولا آخرها حصر مرويات الحديث الشريف، وتمييز المقبول منه من المردود. ولعل مراكز البحث العلمي، ومراكز السيرة والسُّنَّة النبوية -على وجه الخصوص- تتنبه إلى ذلك وتعمل على تحقيقه مشروعًا تلو مشروع. كأن تتوجه أولًا إلى مصنفات العقيدة، فتجمع منها جميعًا ما فيها من الأحاديث الزوائد على الكتب الستة، مع حسن التبويب، والتخريج، وبيان مراتبها

стр. 22

من الصحة والضعف، وشرح ما يحتاج إلى شرح من غريب لفظ، ودقيق معنى. وهكذا مصنفات الفقه بَعْدُ، حتَّى يُؤتى على الأحاديث الزوائد في المصنفات كلّها على مختلف موضوعاتها، ثم تجمع كلّها في موسوعة واحدة وفق منهج دقيق جامع. ثم تكون موسوعة أخرى، يتم التمهيد لها بإفراد زوائد كتب الرواية التي لم تُفْرَدْ بعد، ثم ضمها إلى الأحاديث الزوائد التي تم إفرادها من كتب الرواية قبل. فتنشأ موسوعة ثانية تضم الأحاديث الزوائد في كتب الرواية وحدها على الكتب الستة، ويتبع فيها ذات المنهج في الموسوعة المتقدمة. ولا شك أنَّ تقديم هذه الموسوعة على الموسوعة الأُولى، أَوْلَى. وبعد ذلك يتم الجمع بين الموسوعتين، لتكون موسوعة واحدة للزوائد على الكتب الستة، يصار بعدها إلى إصدار موسوعة جامعة للسُّنَّة النبوية كلّها، تضم أحاديث الكتب الستة الأصول، والأحاديث الزوائد عليها في الكتب الأخرى جميعًا. النقطة الثانية: هي أنه لا بد للمصنفات التي تُفرد زوائدها، من أن تكون أحاديثها قد رويت بأسانيد مُصَنِّفِيهَا، لأنَّ قيمة الخبر المروي قيمة سنده ابتداءً، فهي الأَزِمَّةُ والخُطُمُ، وإنَّ الحديث بلا إسناد ليس بشيء. وكما قال الإمام عبد اللَّه بن المبارك: "الإسنادُ مِنَ الدِّينِ، ولولا الإسنادُ لقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ" (١).

стр. 23

وقوله أيضًا: "بيننا وبينَ القَوْمِ، القوائمُ، يعني الإِسنادَ" (١). وقال الإمام شُعْبَة بن الحجَّاج: كلّ حديث ليس فيه حدَّثَنَا وحدَّثَنَا، فهو مثل الرجل بالفَلَاة معه البَعير ليس له خِطَام" (٢). فبالإسناد أولَّا يتميز صحيح الحديث من سقيمه، وعلى هذا التمييز يكون ما يكون من استنباطٍ للأحكام، وإحْكَامٍ للعمل، وتمثلٍ بالهدي النبوي في كل أمر وشأن. وهذا القيد في التعريف ضروري، لما قدَّمت أولًا، ولأنَّ علم الزوائد إنما يقوم في أساسه على اختلاف طرق الأحاديث ومخارجها، وما تؤدي إليه من زيادات في المتون أو بعضها، فضلًا عن عظيم الأثر لذلك من ناحية الصناعة الحديثية، مِنْ كشفٍ لعلل المتون والأسانيد، ووقوفٍ على متابعات وشواهد، يتغير معها الحكم على الأحاديث قبولًا وردًّا. ثانيًا - القول في التعريف: "على أحاديث كتب الأصول الستة أو بعضها ": من المعلوم أنَّ الأصول الستة والتي هي: ١ - "الصحيح"، للإمام أبي عبد اللَّه محمد بن إسماعيل الجُعْفِيّ البُخَارِيّ (ت ٢٥٦ هـ). ٢ - "الصحيح"، للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجَّاج النَّيْسَابُورِيّ (ت ٢٦١ هـ). ٣ - "السنن"، للإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السِّجِسْتَانيّ (ت ٢٧٥ هـ).

стр. 24

٤ - "السنن"، للإمام أبي عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرَة التِّرْمِذِيّ (ت ٢٧٩ هـ). ٥ - "السنن" (١)، للإمام أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النَّسَائيّ (ت ٣٠٣ هـ). ٦ - "السنن"، للإمام أبي عبد اللَّه محمد بن يزيد الرَّبَعِيّ القَزْوينيّ -المعروف بابن مَاجَه- (ت ٢٧٣ هـ). "من أحسن كتب الحديث تصنيفًا، وأجودها تأليفًا، وأكثرها صوابًا، وأقلها غلطًا، وأعمها نفعًا، وأعودها فائدة. ولم يحظ غيرها من دواوين كتب السُّنَّة -على سعة وأهمية ما خُدِمَتْ به-، بما حظيت به هذه الأصول الستة من عناية واحتفال وخدمة لم تنقطع إلى يومنا هذا، حيث صُنِّفَت فيها تصانيف، وعُلِّقت عليها تعاليق، تناولت تاريخًا لرجال أسانيدها وما صدر فيهم من جرح أو تعديل، وكشفًا لعلل متونها وأسانيدها، وإزالة لمشكلها، وتحقيقًا لصحيحها مِنْ سقيمها، وبيانًا لمعانيها ومقاصدها، واستنباطًا لفقهها وفوائدها، إلى غير ذلك" (٢). وكما قال الإمام ابن الأثير الجَزَري (٣): "هي أُمُّ كتب الحديث، وأشهرها في أيدي الناس، وبأحاديثها أخذ العلماء، واستدل الفقهاء، وأثبتوا الأحكام، وشادوا مباني الإسلام، ومصنِّفوها أشهر علماء الحديث، وأكثرهم حفظًا، وأعرفهم بمواضع الخطأ والصَّواب، وإليهم المنتهى، وعندهم الموقف".

стр. 25

وإذا كانت دواوين السُّنَّة من غيرها قد اشتملت على حديث كثير مما هو ليس فيها، إلَّا أنَّه ممَّا لا شكَّ فيه أَنَّ أصول كثير من هذه الزوائد التي فيها -وعلى وجه الخصوص مقبولها-، قد خُرِّجَ في الكتب الستة أو بعضها. ولهذه الأسباب المتقدِّمة مجتمعة، انصرف العلماء في إفراد زوائد غيرها، عليها، لأنها هي الأصول، وغيرها (١) تابع لها. وجُلُّ الكتب التي أُفردت زوائدها، إنما أُفردت على تلك الأصول الستة المذكورة وحدها -كما سيأتي بيانه عند ذكر كتب الزوائد-، إلَّا ما كان من الحافظ ابن حَجَر العَسْقَلَاني ﵀، حيث ضمَّ إليها "المسند" للإمام أحمد بن حنبل، وذلك في كتبه: "المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية" (٢) و"زوائد مسند البزَّار" (٣)، و"زوائد مسند الحارث بن أبي أُسامة" (٤). وقد صرَّح الحافظ ابن حجر نفسه ﵀ بسبب ضَمِّ "مسند الإمام أحمد" إلى الكتب الستة الأصول، فقال (٥): "لأنَّ الحديث إذا كان في المُسْنَد الحَنْبَلِيّ، لم يحتج إلى عزوه إلى مصنف غيره لجلالته". وهذا الَّذي قاله الحافظ عن جلالة (المسند)، وإن كان صحيحًا غير منازع فيه، إلَّا أنه لا يجعل (المسند) من حيث الجملة مقدَّمًا على الأصول الستة باستثناء "سنن ابن ماجه" منها، فإنَّه دونه. وفي ذلك يقول الإمام ابن الصلاح (٦): "كتب المسانيد غير ملتحقة بالكتب الخمسة التي هي: الصحيحان، وسنن

стр. 26

أبي داود، وسنن النَّسائي، وجامع التِّرْمِذِيّ، وما جرى مجراها في الاحتجاج بها والركون إلى ما ورد فيها مطلقًا! ! ، كمسند أبي داود الطَّيالِسِي، ومسند عبيد اللَّه بن موسى، ومسند أحمد بن حنبل، ومسند إسحاق بن رَاهُوْيَه، ومسند عَبْد بن حُمَيد، ومسند الدَّارِمي، ومسند أبي يَعْلَى المَوْصِلي، ومسند الحسن بن سفيان، ومسند البزَّار أبي بكر وأشباهها، فهذه عادتهم فيها أن يُخَرِّجوا في مسند كُلِّ صحابي ما رووه مِنْ حديثه، غير متقيدين بأن يكون حديثًا محتجًا به. فلهذا تأخرت مرتبتها -وإن جلَّت لجلالة مؤلفيها- عن مرتبة الكتب الخمسة وما التحق بها من الكتب المصنفة على الأبواب واللَّه أعلم". وقال الإمام المحقق شاه ولي اللَّه الدِّهْلَوي في كتابه "حجَّة اللَّه البالغة" (١) عند ذكره لطبقات كتب الحديث: "الطبقة الثانية: كتب لم تبلغ مبلغ "الموطأ" و"الصحيحين"، ولكنها تتلوها، كان مصنفوها معروفين بالوثوق، والعدالة، والحفظ، والتبحر في فنون الحديث، ولم يرضوا في كتبهم هذه بالتساهل فيما اشترطوا على أنفسهم، فتلقاها من بعدهم بالقبول، واعتنى بها المحدِّثون والفقهاء طبقة بعد طبقة، واشتهرت فيما بين الناس، وتعلَّق بها القوم شرحًا لغريبها، وفحصًا عن رجالها، واستنباطًا لفقهها، وعلى تلك الأحاديث بناء عامة العلوم، كـ "سنن" أبي داود، و"جامع" التِّرْمِذِيّ، و"مُجتَبَى" النَّسَائي. . . وكاد "مسند أحمد" يكون من جملة هذه الطبقة". ولذا كان الاقتصار على الأصول الستة هو الأصل عند من أفرد الزوائد، ولم أقف على إضافة "المسند" إلى الكتب الستة إلا عند الحافظ ابن حَجَر. وليس هذا عنده في جميع الكتب التي أفرد زوائدها، حيث إنه أفرد زوائد "الأدب المفرد" للإمام البخاري على الأصول الستة وحدها (٢).

стр. 27

وثمة نقطة أخرى هي: أنَّ جُلَّ الكتب التي أُفردت زوائدها إنما أُفردت على تلك الأصول الستة مجتمعة، إلّا أَنَّ بعضها تَمَّ إفراد زوائده على بعضها كـ "الصحيحين"، كما فعله الإمام نور الدين الهيثمي ﵀ في كتابه "موارد الظمآن إلى زوائد ابن حِبَّان". وقد قال في "مقدمته" (١): "رأيتُ أَنْ أُفْرِدَ زوائد "صحيح" أبي حاتم محمد بن حِبَّان البُستِي ﵁ على "صحيح البخاري ومسلم" ﵄. . . فإنه لا فائدة في عزو الحديث إلى "صحيح ابن حِبَّان" مع كونه في شيء منهما". وهذا الذي قاله يمكن أن يستشف منه سبب اقتصاره على "الصحيحين" فحسب دون "السنن الأربعة"، حيث إنَّ شرط هذه الكتب الثلاثة، هو ذكر ما صَحَّ من الحديث وحده، فناسب أَنْ تفرد زوائده عليهما دون ضَمِّ "السنن" إليهما، وذلك لاشتمالها على الصحيح وغيره، واللَّه أعلم. كما تجدر الإشارة هنا إلى أن الإمام شهاب الدين أحمد بن أبي بكر البُوصيري (ت ٨٤٠ هـ) قد أفرد "زوائد سنن ابن ماجه" على الكتب الخمسة: "الصحيحين"، و"السنن" لأبي داود والتِّرمِذِيّ والنَّسَائي، مع أن "سنن ابن ماجه" أحد الأصول الستة المتقدمة كما استقر عليه الحال عند المتأخرين (٢)، ومنهم البُوصيري نفسه. ولم يذكر البُوصيري سبب إفراده لزوائد ابن ماجه بخصوصه، إلا أنَّه يمكن أن يعزى لكثرة زوائده التي تفرَّد بها على الكتب الخمسة، فإنها بلغت (١٣٣٩) حديثًا (٣) من أصل (٤٣٤١) حديثًا هي مجموع ما وقع

стр. 28

فيه (١). وقد قام الحافظ ابن حَجَر ﵀ بعمل متميز في صَنْعَةِ الزوائد، لا يدخل تحت ما عرف واشتهر في هذا الفن، وهو تصنيفه لـ "زيادات بعض الموطآت على بعض" (٢). وفي آخر الكلام على الفقرة الثانية من التعريف لا بد من التنبيه على أمر يتصل بالأحاديث (المعلَّقة) عند الإمام البخاري في "صحيحه"، حيث إنَّ الحديث المروي في مُصَنَّفٍ تُفرَدُ زوائده، إذا كان مرويًا تعليقًا عند البخاري، فإنه يعتبر من الزوائد، ولا عبرة لروايته معلَّقًا. قال الإمام الهيثمي في مقدمة كتابه "المقصد العلي في زوائد أبي يَعْلَى المَوصِلي" (٣): "وما كان من ذلك رواه البخاري تعليقًا. . ذكرته". وقال الإمام البُوصيري في مقدمة كتابه "إتحاف الخِيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة" (٤): "وقد أوردت ما رواه البخاري تعليقًا". ثالثًا - القول في التعريف: "من حديث بتمامه لا يوجد في الكتب المزيد عليها، أو هو فيها عن صحابي آخر، أو من حديث شارك فيه أصحاب الكتب المزيد عليها أو بعضهم، وفيه زيادة مؤثِّرة عنده ": هذا الجزء من التعريف يتضمن شروط الزوائد، وما يدخل تحتها وما لا يدخل.

стр. 29

ومن خلال التتبع لكلام وصنيع الأئمة الذين صنَّفوا في فن الزوائد، وجدتهم قد اتفقوا على ثلاثة شروط في اعتبار الحديث من الزوائد. الأول: أن يكون متن هذا الحديث بلفظه أو بمعناه، لم يُخَرَّج في الكتب الستة أو بعضها، لا من حديث الصحابي الذي رواه، ولا من حديث غيره. الثاني: أن يكون متن هذا الحديث بلفظه أو بمعناه، قد خُرِّجَ في الكتب الستة أو بعضها، ولكن ليس من حديث الصحابي الراوي له عند صاحب الكتاب الذي تُفرَدُ زوائده، بل هو عن صحابي آخر. الثالث: أن يكون متن هذا الحديث بلفظه أو بمعناه، قد خَرَّجَهُ أصحاب الكتب الستة أو بعضهم، والصحابي الراوي له واحدٌ، إلّا أَنَّ السياق مختلف، أو فيه زيادة مؤثِّرة، كأن تضيف حُكمًا جديدًا، أو تقييدًا، أو تخصيصًا، أو تفصيلًا وبيانًا مختلفًا في كلّية أو جزئية. ويلتحق به أن يكون عندهم أو عند بعضهم مختصرًا، وهو عند من تُفْرَدُ زوائده، مطوّلًا. وهذه بعض نصوصهم التي ضمنوها بعض هذه الشروط إجمالًا: قال الإمام الهيثمي ﵀ في كتابه "المقصد العلي في زوائد أبي يَعْلَى المَوْصِلي" (١) عند عرضه لمنهجه في إفراد زوائد "مسند أبي يعلى": "فذكرت فيه ما تفرَّد به عن أهل الكتب الستة من حديث بتمامه، ومن حديث شاركهم فيه أو بعضهم وفيه زيادة". وقال الحافظ ابن حَجَر في كتابه "المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية" (٢): "وشرطي فيه ذكر كُلِّ حديث ورد عن صحابي لم يخرجه -[أصحاب]-

стр. 30

الأصول السبعة (١) من حديثه، ولو أخرجوه أو بعضهم من حديث غيره". وقال الإمام البُوصيري في "إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة" (٢): فإن كان الحديث في الكتب الستة أو أحدها من طريق صحابي واحد، لم أخرِّجه، إلّا أن يكون الحديث فيه زيادة عند أحد المسانيد المذكورة تدل على حكم، فأخرجه بتمامه. . . وإن كان الحديث من طريق صحابيين فأكثر، وانفرد أحد المسانيد. بإخراج طريق منه، أخرجته وإن كان المتن واحدًا". هذه مسألة، وأخرى: أنَّ إفراد الزوائد إنما كان يتجه صوب المتصل المرفوع (٣) من الحديث، لأنَّ الحجِّية الشرعية إنما تقع فيه وحده اتفاقًا، أمَّا الأحاديث المُرْسَلَة (٤)، والموقوفة (٥)، والمقطوعة (٦)، فحجِّية بعضها كالمراسيل والموقوفات، ليست محلَّ اتفاق (٧)، ومن احتجَّ بها احتجَّ بها

стр. 31

بشروط وضوابط ليس محلُّ تفصيلها هنا. أمَّا المقطوعات فهي ليست محلًا للحجِّية عندهم. ومن المعلوم أنَّ كتب الرواية وغيرها، تتضمن الحديث المرفوع وغيره من المراسيل والموقوفات والمقطوعات، فهل الزوائد تشملها كما تشمل المرفوع؟ ؟ لم أقف فيما رجعت إليه على كلام لأحد الأئمة تناول هذه المسألة أو أشار إليها، ولذا وجب تلمسها من واقع صنيعهم في كتب الزوائد. وقد تبين لي من خلال النظر في جل كتب الزوائد أنهم أدرجوا فيها الزوائد من: المراسيل والموقوفات والمقطوعات، مما لم يُخَرَّج في الكتب المزيد عليها. ففي مثل كتاب "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" للإمام نور الدين الهيثمي ﵀، والذي جمع فيه زوائد "مسانيد": أحمد، وأبي يَعْلَى، والبزَّار، و"المعاجم الثلاثة" للطبراني، نجده قد ذكر الزوائد من المراسيل ممّا لم يُخَرَّج في الكتب الستة أو أحدها. انظر فيه على سبيل المثال: مرسلًا لعطاء (٣/ ٢٦١)، وللبهي (٦/ ٨٣)، وبلال بن بُقْطُر (٥/ ٢٢٧)، وعَبَايَة بن رِفَاعَة (٤/ ٩٣)، والحسن البصري (٢/ ٨٥). ولهذا نظائر عنده، إلّا أنَّ المراسيل فيه قليلة جدًّا، ومردُّه واللَّه أعلم، لقلتها أساسًا في الكتب التي أَفْرَدَ زوائدها. أمَّا الزوائد من الموقوفات عنده، فهي كثيرة فيه بالنسبة للمراسيل التي ذكرها، وهذه الموقوفات، منها ما يمكن أن يكون فيه مجال للاجتهاد والرأي، أو يمكن نقله عن أهل الكتاب، وهي لا تأخذ حكم الرفع؛ ومنها ما لا مجال فيه للرأي والاجتهاد، ولا يمكن أن تكون منقولة عن أهل الكتاب، فهذه تأخذ حكم الرفع، والحجِّيَّة تقع فيها.

стр. 32

ومن أمثلة النوع الأول من الموقوفات التي لا تأخذ حكم الرفع: ما ذكره في "مجمع الزوائد" (٢/ ٢) عن ابن مسعود أنَّه قال: "ما أُحِبُّ أن يكون مؤذنوكم عميانكم. قال: وأحسبه قال: ولا قراؤكم". وانظر فيه أمثلة من هذا النوع في (٢/ ٩٢) من قول ابن عباس، و (١/ ١٢٨ - ١٢٩) من قول ابن مسعود، و (٩/ ٤٦) من قول عليّ بن أبي طالب، و (٣/ ١٨٢) من قول ابن عمر. ونظائر هذا كثيرة لمن شاء أن يتتبعها. أمَّا الموقوفات التي تأخذ حكم الرفع: فقد ذكر في (١٠/ ٤٠٩) عن أبي أُمَامَة البَاهِلِي أنه قال: "تخرج يوم القيامة ثُلَّة غرّ محجَّلُون، فتسد الأفق، نورهم مثل نور الشمس، فينادي مناد النبيِّ الأُميِّ. . . " وانظر فيه أمثلة من هذا النوع في (١٠/ ٣٧١) من قول سلمان، و (٣/ ٢٥٠) من قول ابن عمر، و (١٠/ ٣٣٦) من قول ابن مسعود، و (٢/ ٣٢٩) من قول ابن عمر أيضًا. ولهذا نظائر أيضًا. أمَّا ذكر الهيثمي للمقطوعات في كتابه "مجمع الزوائد" ممَّا ليس في الكتب الستة أو بعضها؛ فانظر فيه على سبيل المثال: (١/ ٢١٥) من قول عِكْرِمَة، و (٣/ ٢٥٣) من قول عبد الرحمن بن يزيد، و (٩/ ٢٧٧) من قول عبد الملك بن مَيسَرَة، و (٩/ ٣٨١) من قول هلال بن يِسَاف، و (١٠/ ٢١٤) من قول عروة. ولذلك نظائر كثيرة. بل إن الهيثمي ﵀ ذكر أخبارًا موقوفةً على مثل الزُّبَيْر بن بَكَّار المتوفي (٢٥٦ هـ)، انظر (٩/ ٢١٧ و ٢٥٤) من "مجمع الزوائد". ولذلك نظائر قليلة.

стр. 33

بل إنَّه ذكر بعض البلاغات، انظر (٩/ ١٠٠) و (١٠/ ١١) في بلاغين عن الإمام أحمد بن حنبل، و (١/ ١٨٤) في بلاغ عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي حسين. وهذا الذي قَدَّمْتُ من وجود المراسيل والموقوفات والمقطوعات عند الهيثمي في "مجمع الزوائد"، تجده كذلك عند الحافظ ابن حَجَر في كتابه "المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية"، وهي "مسانيد": أبي داود الطَّيَالِسِي، والحُمَيْدي، وابن أبي عمر، ومسدَّد، وأحمد بن مَنِيع، وأبي بكر بن أبي شَيْبَة، وعبد بن حُمَيْد، والحارث بن أبي أُسامة. فبالنسبة للمراسيل، انظر فيه الأحاديث التي تحمل رقم: (٤١) و (١٥٣٣) و (٥٩٥) و (٤٣٠٩) و (٢٧٩٨). أمَّا الموقوفات التي ليس لها حكم الرفع، فانظر فيه رقم: (١٠٦٧) و (١١١٤) و (١٤٨٥) و (١٤٨٨) و (٢٨٩١). وأمَّا الموقوفات التي لها حكم الرفع، فانظر رقم: (١٠٤٦) و (٢٨٤٦) و (٢٨٥٥) و (٢٩٦٤) و (٢٩٩٣). وأمَّا المقطوعات، فانظر الأرقام التالية: (١٧٤) و (١٠٦٩) و (٣٠٤٤) و (٣٢٢٨) و (٣٣٥٩). وَلِكُلِّ ذلك نظائر كثيرة. وممَّا لا شك فيه أنَّ نسبة غير المرفوع المتصل من الحديث، مرسلًا كان أو موقوفًا أو مقطوعًا، في كتاب "المطالب العالية" أكثر منها في كتاب "مجمع الزوائد" بالنسبة لمجموع عدد ما فيهما من الحديث جملة. وسبب هذه الزيادة عنده، أنّ المسانيد التي أَفْرَدَ زوائدها على الكتب الستة ومسند الإِمام أحمد، مليئة بهذه الأنواع من الحديث، على عكس الكتب التي أَفْرَدَ زوائدها الهيثمي في "مجمع الزوائد"، واللَّه أعلم.

стр. 34

أمَّا ما اشترط في التعريف من كون الزيادة مؤثِّرة، حتى يعتبر الحديث بها من الزوائد، فإني أذكر بعض الأمثلة من كتب الزوائد على ذلك بيانًا وإيضاحًا. المثال الأول: روى البزَّار في "مسنده" عن أبي هريرة وحذيفة مرفوعًا: "أَضَلَّ اللَّه ﵎ عن الجمعة من كان قبلنا، فلليهود السبت، وللنصارى الأحد، نحن الآخرون في الدنيا، الأولون يوم القيامة، المغفور لهم قبل الخلائق". قال الإمام الهيثمي في "كشف الأستار عن زوائد البزَّار" (١) بعد أن ذكره: "قلت هو في "الصحيح"، خلا قوله: "المغفور لهم قبل الخلائق"": المثال الثاني: روى أبو يَعْلَى في "مسنده" عن أنس مرفوعًا: "ألا إنَّ الدُّعاء لا يُرَدُّ بين الأذان والإقامة فادعوا". قال الهيثمي في "المقصد العلي في زوائد أبي يعلى المَوْصِلِي" (٢): "رواه أبو داود وغيره خلا قوله: فادعوا". المثال الثالث: روى أحمد في مسنده عن عبد اللَّه بن زيد: "أنَّ النبيَّ ﷺ توضأ فغسل يديه مرتين، ووجهه ثلاثًا، ومسح برأسه مرتين". قال الإمام الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٣): "هو في "الصحيح"، خلا قوله: مسح برأسه مرتين. رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح". المثال الرابع: روى ابن ماجه في "سننه" عن أبي هريرة: "أنَّ النبيَّ ﷺ نام عن ركعتي الفجر فقضاهما بعدما طَلَعَتِ الشمسُ".

стр. 35

قال الإمام البُوصيري في "مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه" (١): "هذا إسنادٌ رجاله ثقات، رواه الترمذي أيضًا من حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "من لم يصلِّ ركعتي الفجر، فليصلهما بعدما تطلع الشمس". وقال: حديث لا نعرفه إلّا من هذا الوجه". فما عند ابن ماجه حكاية فعل، وما عند التِّرْمِذِيّ حكاية قول، ومن ثم اعتبره البُوصيري من الزوائد. المثال الخامس: روى ابن أبي شَيْبَة في "مصنَّفه" عن عثمان بن أبي العاص أنَّه قال: "آخر كلام كلَّمني به رسول اللَّه ﷺ حين استعملني على الطائف قال: خَفِّفِ الصلاة على النّاس، حتى وقَّت لي: اقرأ بسبح اسم ربك الأعلى الذي خلق، وأشباهها من القرآن". قال الإمام البوصيري في "إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة" (٢): رواه مسلم في "صحيحه". . . دون قوله: "حتى وقَّتَ لي" إلى آخره". * * *

стр. 36

علم الزوائد: غايته وثمرته إذا أردنا الوقوف على غاية هذا العلم وفائدته، فخير وسيلة لذلك، أن نتلمس حقيقة تلك المصنفات التي أُفردت زوائدها، ومناهج أصحابها فيها. وقد لخصَّ الإِمام الدِّهْلَويّ ﵀ القول في ذلك عند ذكره للطبقة الثالثة من طبقات كتب الحديث في كتابه "حجّة اللَّه البالغة" (١) فقال: "والطبقة الثالثة: مسانيد وجوامع ومصنَّفات، صُنِّفَتْ قبل البخاري ومسلم، وفي زمانهما وبعدهما، جمعت بين الصحيح والحسن والضعيف والمعروف والغريب والشاذ والمنكر والخطأ والصواب والثابت والمقلوب، ولم تشتهر في العلماء ذلك الاشتهار، وإن زال عنها اسم النكارة المطلقة، ولم يتداول ما تفردت به الفقهاء كثير تداول، ولم يَفْحَصْ عن صحتها وسَقَمِها المحدِّثُونَ كثير فحص، ومنه ما لم يخدمه لغوي لشرح غريب، ولا فقيه بتطبيقه بمذاهب السلف، ولا محدِّث ببيان مشكله، ولا مؤرِّخ بذكر أسماء رجاله. ولا أريد المتأخرين المتعمقين، وإنما كلامي في الأئمة المتقدمين من أهل الحديث، فهي باقية على استتارها واختفائها وخمولها، كـ "مسند أبي يَعْلَى"، و"مصنف عبد الرزاق"، و"مصنف أبي بكر بن أبي شَيْبَة"، و"مسند عبد بن حُمَيْد"، والطَّيَالِسِيّ، وكتب البيهقي، والطَّحَاوي، والطبراني.

стр. 37

وكان قصدهم جمع ما وجدوه، لا تلخيصَهُ وتهذيبَهُ وتقريبَهُ من العمل" (١) انتهى. فمثل هذه الحال لتلك المصنفات هو الذي دفع بعض الأئمة المتأخرين للتوجه إليها بالخدمة والعناية. وأي خدمة ابتداءً أجدر بالتقديم من إفراد زوائدها على الكتب الستة، حيث إنَّ ما فيها مما هو في الكتب الستة، فائدته محصورة على الغالب -من حيث الصناعة الحديثية- في التعضيد والتقوية لطريق ضعيف في "السنن الأربعة" أو بعضها، أمّا "الصحيحان" فقد اتفقت الأُمَّة على صحة ما فيهما. فالعناية أولًا لا بد من أن تتوجه صوب هذه الزوائد، لأنَّ القيمة التشريعية والتفسيرية والتوجيهية، وغيرها، إنما تحصل بها بعد حصولها بأحاديث الأصول الستة، فهي متممة مكملة لها. بعد هذا الذي تقدَّم يمكن القول: إنَّ غاية علم الزوائد وفائدته هي: تقريب السُّنَّة النبوية وتيسيرها للمسلمين بعامّة، ولعلمائهم بمختلف تخصصاتهم بخاصّة. حيث إنَّها مع القرآن الكريم -كما هو مقرر معلوم- المصدران الأوليان لهذا الدين في مجموع بنيته: عقيدةً وشريعةً وأخلاقًا. وأنت إذا قرأت كلام بعض من صنِّف في الزوائد وجدته ينصُّ أو يشير صوب هذه الغاية. فهذا الإِمام الهيثمي -وهو رائد علم الزوائد- يقول في مقدمة كتابه "كشف الأستار عن زوائد البزَّار" (٢): "فقد رأيت مسند الإِمام أبي بكر البزَّار، المسمى بـ "البحر الزخَّار" قد حوى جملة من الفوائد الغزار، يصعب التوصل إليها على من التمسها، ويطول ذلك عليه

стр. 38

قبل أن يخرجها، فأردت أن أتتبع ما زاد فيه على الكتب الستة. . . ". ويقول ﵀ في مقدمة "المقصد العلي في زوائد أبي يعلى المَوْصِلي" (١): "فقد نظرت مسند الإِمام أبي يَعْلَى أحمد بن عليّ بن المثنَّى ﵁، فرأيت فيه فوائد غزيرة لا يفطن لها كثير من الناس، فعزمت على جمعها على أبواب الفقه لكي يسهل الكشف عنها لنفسي ولمن أراد ذلك". ويقول في مقدمة كتابه "مجمع البحرين في زوائد المُعْجَمَيْن" (٢): "فقد رأيت "المعجم الأوسط"، و"المعجم الصغير"، لأبي القاسم الطبراني ذي العلم الغزير، قد حويا من العلم ما لا يحصل الطالبه إلا بعد كشف كبير، فأردت أن أجمع منهما كل شاردة إلى باب من الفقه يحسن أن تكون فيه واردة". وهذا الحافظ ابن حَجَر ﵀ يقول في مقدمة كتابه "المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية" (٣): "إنَّ الاشتغال بالعلم خصوصًا بالحديث النبوي، من أفضل القربات. وقد جمع أئمتنا منه الشتات على المسانيد والأبواب المرتبات، فرأيت جَمْعَ جميع ما وقفت عليه من ذلك في كتاب واحد، ليسهل الكشف منه على أولي الرغبات، ثم عدلت إلى جمع الأحاديث الزائدة على الكتب المشهورات في الكتب المسندات. وعنيت بالمشهورات: الأصول الستة، ومسند أحمد. وبالمسندات: ما رتب على مسانيد الصحابة. . . ورتبته على أبواب الأحكام الفقهية. . . ". وهذا التقريب والتيسير أخذ وجوهًا متعددة يمكن حصرها بالأوجه الرئيسة التالية:

стр. 39

الوجه الأول: حصر زوائد هذه المصنَّفات، وجعلها في متناول يد عامّة المسلمين وخاصتهم من العلماء والباحثين، والاستفادة منها كلّ في مجاله وتخصصه، حيث أَثْرَتْ اجتهاداتهم ودراساتهم وأعمالهم أيما إثراء، وكانت الاستفادة من تلك الدواوين التي أُفردت زوائدها، قبل أن تُفْرَدَ وتخدم، إِمّا معدومةً أو متعذرةً عسرةً، لقلة نسخ كثير من تلك الدواوين التي أُفردت زوائدها، وعدم شهرتها وتداولها، ولصعوبة الوقوف على ما يراد منها. الوجه الثاني: ترتيب الأحاديث الزوائد تلك على الكتب الفقهية، مزيدًا عليها غيرها مما تتطلبه موضوعات الأحاديث المدرجة في الكتاب، وتفريعها بعد ذلك إلى أبواب معنونة بدقة وبصيرة، بعد أن كانت في معظم أصولها مرتبة على حسب المسانيد. وهذا له من عظيم الأهمية: استدلالًا واجتهادًا واستنباطًا، وتوفيرًا للجهود، واختصارًا للأوقات، وتيسيرًا للبحث، ما لا يدركه إلّا من عاناه واشتغل به. وحسبك في ذلك أن تعلم أن عدد الكتب في مثل كتاب الإِمام البُوصيري "إتحاف الخِيرة المَهَرة بزوائد المسانيد العشرة"، قد بلغ مائة وأربعة كتاب، أتى على ذكرها كلها في مقدمته (١)، وكل كتاب أدرج تحته أبوابًا مختلفة. وحسبك في ذلك أيضًا أنْ تعلم أنَّ عدد أبواب كتاب العلم وحده في كتاب "مجمع الزوائد" للهيثمي، قد بلغ مائة باب، بمائة ترجمة، تنم عن دقة في فهم النصوص، وحسن تقسيم لها وعرض. ولتلمس هذا الذي قدَّمت، أذكر بعض عناوين أبواب كتاب العلم مما أورده الحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد":

стр. 40

١ - باب في طلب العلم. ٢ - باب فضل العلم. ٣ - باب حثِّ الشباب على طلب العلم. ٤ - باب في فضل العلماء ومجالستهم. ٥ - باب في أدب العالم. ٦ - باب في أدب الطالب. ٧ - باب في البكور في طلب العلم. ٨ - باب في الرحلة في طلب العلم. ٩ - باب أخذ كُلِّ عِلْمٍ من أهله. ١٠ - باب النصح في العلم، وهكذا. الوجه الثالث: بيان مراتب أسانيد تلك الأحاديث الزوائد في أهم موسوعات هذا الفن. وهذا الوجه يكاد أن يكون أهم أوجه التقريب والتيسير، إن لم يكن أهمها فعلًا. والحكم على أسانيد تلك الأحاديث أو رجالها، وفي أحايين نادرة على الأحاديث نفسها، ليس مما يستسهل، وخاصة في مثل تلك المصنفات التي أُفردت زوائدها، بل هو أمر خطير جليل، ومسؤوليته غير منفكة. مع ملاحظة أن هذه الأحكام قد طالت آلافًا مؤلَّفةً من الحديث النبوي. وممن تكلَّم على مراتب أسانيد الأحاديث الزوائد، أو رجالها فحسب، الإِمام الهيثمي في "مجمع الزوائد"، والإِمام البُوصيري في "إتحاف الخِيرة المَهَرة بزوائد المسانيد العشرة" وفي "مختصره", وفي "مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه". كما تكلَّم الحافظ ابن حَجَر على الأسانيد في "المطالب العالية"، لكن في مواضع قليلة منه، وكان كلامه يتجه في بعض الأحايين نحو مرتبة الحديث ككل، وهذا لا تجده إلّا نادرًا جدًّا في كلام الهيثمي والبُوصيري.
следующие страницы →