آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٣٣)
الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة
تأليف
الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية
(٦٩١ هـ - ٧٥١ هـ)
تحقيق
حسين بن عكاشة بن رمضان
تخريج
حسين بن حسن باقر - كريم محمد عيد
وفق المنهج المعتمد من الشيخ العلامة
بكر بن عبد الله أبو زيد (رحمه الله تعالى)
دار عطاءات العلم - دار ابن حزم
стр. 2
راجع هذا الجزء
محمد أجمل الإصلاحي
سعود بن عبد العزيز العريفي
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدِّين.
أمَّا بعد، فيعدّ الإمام شمس الدِّين ابن القيِّم (ت ٧٥١ هـ) ـ رحمه الله تعالى ـ أحد المصنِّفين الذين عمَّ النفع بكتبهم شرقًا وغربًا عجمًا وعربًا، ومصنَّفاته من أعظم الكتب التي انتفع بها المسلمون في العقائد والفقه والسِّيرة النبوية والزُّهد والرَّقائق والأذكار وفي الحديث والعلل والأصول والفرق والمذاهب.
وكتاب «الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة» أحد أنفس الكتب في الرد على الجهمية والمعطلة، وهو كتابٌ جليل الشأن، محكم البنيان، هدم فيه الإمام ابن القيِّم حصونهم من أساسها، وحشد لنقض مذاهبهم أدلة المنقول والمعقول، فلم يُبق لهم حجةً يتعلقون بها لا منقولًا صحيحًا ولا معقولًا صريحًا.
وهو من أكبر الكتب في الردِّ على الجهمية والمعطلة ونُصرة العقيدة السلفية، مع استطرادات كثيرة جدًّا، شحنه ابن القيِّم بفوائد: عقدية وتفسيرية وفقهية وحديثية ولغوية وغيرها، وطالع له كتبًا كثيرةً جدًّا.
ومن دواعي الأسى أننا لم نعثر إلَّا على نحو نصف الكتاب فقط، ولم نجد بقيته بعدُ، نسأل الله أن ييسر الحصول عليها بمنِّه وكرمه.
وهذا الكتاب حقيق أن تكثر به الطبعات ليعم النفع به، فإنه من أحسن الكتب في بابه وأقواها حجة.
стр. 4
وقد قدمت بين يدي التحقيق تعريفًا بالكتاب قسمته على مباحث، هذا مسردها:
(١) توثيق نسبة الكتاب إلى ابن القيِّم.
(٢) عنوان الكتاب.
(٣) حجم الكتاب.
(٤) عرض موجز لموضوعات الكتاب.
(٥) منهج الكتاب.
(٦) مصادر الكتاب.
(٧) مكانة الكتاب.
(٨) مختصرات الكتاب.
(٩) طبعات الكتاب السابقة.
(١٠) مخطوطات الكتاب.
(١١) منهج التحقيق.
وأتقدم بالشكر لكل من أعان على إتمام هذه الطبعة، وأسأل الله أن ينفع بها عموم المسلمين، إنه جواد كريم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
стр. 5
(١) توثيق نسبة الكتاب إلى ابن القيِّم
كتاب «الصواعق» ثابت النسبة للإمام ابن القيِّم ـ رحمه الله تعالى ـ وقد تضافرت على ذلك الأدلة، وقد قسمتها إلى أدلة داخلية من الكتاب، وأدلة خارجية:
أمَّا الأدلة الداخلية فمنها:
الأول: ما في ثنايا الكتاب من إحالة الإمام ابن القيِّم على كتبه المشهورة:
فقد أحال على ثلاثة من كتبه المشهورة، هي:
١ - «اجتماع الجيوش الإسلامية» في قوله (ص ٨٤٦): «وقد ذكرنا في كتاب «اجتماع العساكر الإسلامية على غزو الفرقة الجهمية» أضعاف أضعاف هذه النقول عن الصحابة والتابعين وتابعيهم والأئمة الأربعة نصًّا صريحًا عنهم، نقل أصحابهم وغيرهم، وأئمة التفسير، وأئمة اللغة، وأئمة النحو، وأئمة الفقه، وسادات الصوفية، وشعراء الجاهلية والإسلام، ممَّا في بعضه كفاية لمن أراد الله هدايته». وفي قوله (ص ٨٩٠): «وهذه النقول التي حكيناها قليلٌ من كثيرٍ، وقد ذكرنا أضعاف أضعافها في كتاب «اجتماع العساكر الإسلامية على غزو الفرقة الجهمية». وهذه الأقوال في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ١٦٢ - ٥١٠).
٢ - «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح» في قوله (ص ٩١٥): «وقد ذكرنا في كتاب «صفة الجنة» أربعين دليلًا على مسألة الرُّؤية من الكتاب والسُّنَّة». وهي في «حادي الأرواح» (٢/ ٦٠٥ - ٧١٤).
٣ - «مفتاح دار السعادة» في قوله (ص ١٠٢٥ - ١٠٢٦): «وعلى هذا
стр. 6
الأصل تنشأ مسألة التحسين والتقبيح، وقد ذكرناها مستوفاةً في كتاب «المفتاح» وذكرنا على صحتها فوق الخمسين دليلًا». وهي في «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٨٧٥ - ٨٩١).
الثاني: ما في ثنايا الكتاب من نقل الإمام ابن القيِّم عن شيوخه المعروفين:
فقد ذكر ابن القيِّم في كتابه هذا اثنين من شيوخه المشهورين، هما:
١ - شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ).
ذكره في غير موضع وكان به حفيًّا.
٢ - الشيخ عبد الله بن عبد الحليم ابن تيمية (ت ٧٢٧ هـ) (١).
ذكر ابن القيم (ص ١٣١) مناظرة وقال: «حدثني بمضمونها شيخُنا عبد الله ابن تيمية ﵀».
الثالث: اختيارات ابن القيِّم المشهورة وإحالاته على أبحاثه عنها، منها:
١ - مسألة دخول الكفّارة في الحلف بالطلاق وكون الثلاث في كلمةٍ واحدةٍ واحدةً، قال (ص ٣٣٥): «فالذي يَجزِم به أن دخول الكفارة في الحلف بالطلاق وكون الثلاث في كلمةٍ واحدةٍ واحدةً أحد الوجهين في مذهب أحمد، وهو مخرَّج على أصوله أصحَّ تخريج، والغرض نقض قول مَن ادعى الإجماع في ذلك، ولتقرير هذه المسألة موضع آخر». وينظر: «زاد المعاد» (٥/ ٣٤٤ - ٣٨٣) و «إغاثة اللهفان» (١/ ٤٩٩ - ٥٦٩) و «بدائع الفوائد» (٣/ ٣١ - ٣٨). ولقد نصر الإمام ابن القيم هذه المسألة وأُوذي بسببها كما
стр. 7
هو معلوم.
٢ - مسألة طلاق الحائض، لما ذكر حديث عبد الله بن عمر طلَّق امرأته وهي حائض، قال (ص ٣٤٠): «والكلام على هذا الحديث وعلى الحديث الآخر: «أَرَأَيْتَ إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ» وبيان عدم التعارض بينهما له موضعٌ آخَرُ». وقد تكلم الإمام ابن القيم ﵀ على هذه المسألة بتوسُّع في «تهذيب السنن» (١/ ٤٨٣ - ٥١٦) وختمها بقوله: «وقد أفردت لهذه المسألة مصنَّفًا مستقلًّا، ذَكَرتُ فيه مذاهب الناس ومآخذهم، وترجيح القول الراجح، والجواب عمَّا احتجَّ به أصحاب القول الآخر».
٣ - مسألة نكاح المحلل، قال (ص ٢٩٩): «وغير ذلك من الوجوه التي أَفهَمَتْ منها الآية بطلانَ نكاح المحلِّل، وهي عشرة، قد ذكرناها في موضع آخر». وينظر عن نكاح المحلل «زاد المعاد» (٥/ ١٥٤ - ١٥٧) و «إغاثة اللهفان» (١/ ٤٧٣ - ٤٩٥).
الرابع: أسلوب الإمام ابن القيِّم الذي لا يخطئه من يعرفه.
أسلوب يمتاز بعذوبة اللفظ، وسلاسة العبارة، وحُسن التقسيم، مع الإحاطة بأطراف المسائل وكثرة الاستشهاد بالكتاب والسُّنة وآثار السلف، فتأتي كتبه في غاية القوة مع الإنصاف وحُسن العبارة؛ قال الشوكاني في «البدر الطالع» (٢/ ١٤٤ - ١٤٥): «وله من حُسن التَّصرف مع العذوبة الزَّائدة، وحُسن السِّياق ما لا يقدر عليه غالب المصنِّفين، بحيث تعشق الأفهام كلامه، وتميل إليه الأذهان، وتحبُّه القلوب، وليس له على غير الدَّليل معوَّل في الغالب … وغالب أبحاثه الإنصاف والميل مع الدَّليل حيث مال، وعدم التَّعويل على القيل والقال، وإذا استوعب الكلام في بحثٍ وطوَّل ذيوله أتى
стр. 8
بما لم يأت به غيره، وساق ما ينشرح له صدور الرَّاغبين في أخذ مذاهبهم عن الدَّليل».
وأمَّا الأدلة الخارجية فكثيرة، منها:
الأول: أن الإمام ابن القيِّم نفسه أحال عليه في عدة كتبٍ من كتبه المشهورة:
منها: قوله في «مدارج السالكين» (٤/ ٣٠٦): «وكذلك كان تأويل آيات الصفات وأحاديثها بما يخرجها عن حقائقها من جنس تأويل آيات المعاد وأخباره، بل أبعد منه لوجوهٍ كثيرةٍ، ذكرتها في كتاب «الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة».
ومنها: قوله في «إغاثة اللهفان» (٢/ ٥٢٦): «وقد دل على هذا نسبة الله سبحانه ذلك الكيد إلى نفسه بقوله: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ اِلْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اَللَّهُ﴾ [يوسف: ٧٦] وهو سبحانه ينسب إلى نفسه أحسن هذه المعاني، وما هو منها حكمة وحق وصواب، وجزاء للمسيء، وذلك غاية العدل والحق … كما قد بسطنا هذا المعنى واستوفينا عليه الكلام في كتاب «الصواعق».
ومنها: قوله في «الكافية الشافية» (ص ٥١٧):
عشرون وجهًا تبطل التأويل باسـ … ـتولى ف لا تخرج عن القرآن
قد أفردت بمصنف هو عندنا … تصنيف حبر عالم رباني
ولقد ذكرنا أربعين طريقة … قد أبطلت هذا بحسن بيان
هي في «الصواعق» إن ترد تحقيقها … لا تختفي إ لا على العميان
стр. 9
الثاني: وجود «مختصر الصواعق» للإمام محمد الموصلي تلميذ مصنِّفه.
وهو مختصرٌ نافعٌ جدًّا، مشهور مطبوع عدة طبعات، وهو مختصر يحافظ على عبارة المصنِّف غالبًا، وسيأتي الكلام عليه.
وكذلك وجود «مختصر الصواعق» للشيخ محمد بن عبد الوهاب.
الثالث: نقل أهل العلم عن «الصواعق».
للأسف لم أقف على نقول كثيرة من «الصواعق»، وممَّن وقفت على نقله عنه: الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب في «فتح المجيد» (ص ٥٦ - ٥٧) وفي «كشف ما ألقاه إبليس من البهرج والتلبيس على قلب داود بن جرجيس» (ص ١٤٤ - ١٤٦، ١٤٩ - ١٥٢) والشيخ سليمان بن سحمان في «إقامة الحجة والدليل وإيضاح المحجة والسبيل» (ص ٤٨ - ٤٩).
الرابع: نسب «الصواعق» إلى الإمام ابن القيِّم جماعةٌ كثيرةٌ من أهل العلم.
منهم: شهاب الدِّين ابن رجب في «معجم شيوخه» -كما في «المنتقى من معجم شيوخ ابن رجب» (ص ١٠١) - وابنه زين الدِّين ابن رجب في «ذيل طبقات الحنابلة» (٥/ ١٧٥) وابن حجر في «الدُّرر الكامنة» (٣/ ٤٠٢) والعليمي في «الدُّر المنضد» (٢/ ٥٢٢) وفي «المنهج الأحمد» (٥/ ٩٤) والدَّاودي في «طبقات المفسرين» (٢/ ٩٦) وحاجي خليفة في «سلم الوصول» (٣/ ٦٢) وفي «كشف الظنون» (٢/ ١٠٨٣) وابن العماد في «شذرات الذهب» (٨/ ٢٩٠) والشَّوكاني في «البدر الطَّالع» (٢/ ١٤٤) وابن
стр. 10
بدران في «منادمة الأطلال» (ص ٢٤١) وصدِّيق حسن خان في «التَّاج المكلَّل» (ص ٤١١) وفي «أبجد العلوم» (٣/ ١٤٠) وإسماعيل البغدادي في «هدية العارفين» (٢/ ١٥٨ - ١٥٩) والشَّطي في «مختصر طبقات الحنابلة» (٦٩) والآلوسي في «جلاء العينينِ» (ص ٤٩ - ٥١) والزِّركلي في «الأعلام» (٦/ ٥٦) وكحالة في «معجم المؤلفين» (٣/ ١٦٥) وغيرهم.
كل هذا يجعلنا لا نرتاب في صحة نسبة «الصواعق المرسلة» إلى الإمام ابن القيِّم.
* * * * *
стр. 11
(٢) عنوان الكتاب
اختلف عنوان الكتاب في المخطوطات والمصادر اختلافًا يسيرًا، بيانه أن العنوان قد ذُكر على أوجه:
الأول: «الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة».
كذا سمَّاه الإمام ابن القيِّم نفسه في «مدارج السالكين» (٤/ ٣٠٦).
وكذا سمَّاه محمد بن الموصلي في أول «مختصره» (١/ ٣).
وكذا سمَّاه ابن حجر في «الدُّرر الكامنة» (٣/ ٤٠٣) وابن العماد في «شذرات الذهب» (٨/ ٢٩٠) وحاجي خليفة في «كشف الظنون» (٢/ ١٠٨٣) والشَّوكاني في «البدر الطَّالع» (٢/ ١٤٤) وصدِّيق حسن خان في «التَّاج المكلَّل» (ص ٤١١) والآلوسي في «جلاء العينينِ» (ص ٤٩ - ٥١) والزِّركلي في «الأعلام» (٦/ ٥٦) وغيرهم.
ووقع في «هدية العارفين» (٢/ ١٥٩): «الصَّواعق المرسلة على الجهميَّة المعطِّلة». بغير واو.
الثاني: «الصَّواعق المرسلة على المعطِّلة».
كذا سمَّاه شهاب الدِّين ابن رجب في «معجم شيوخه»، كما في «المنتقى منه (ص ١٠١).
الثالث: «الصَّواعق المنزلة على الجهمية والمعطِّلة».
كذا سمَّاه زين الدِّين ابن رجب في «ذيل طبقات الحنابلة» (٥/ ١٧٥): والعليمي في «الدُّر المنضد» (٢/ ٥٢٢) و «المنهج الأحمد» (٥/ ٩٤)
стр. 12
والدَّاودي في «طبقات المفسرين» (٢/ ٩٦) وابن بدران في «منادمة الأطلال» (ص ٢٤١) وصدِّيق حسن خان في «أبجد العلوم» (٣/ ١٤٠) والشَّطي في «مختصر طبقات الحنابلة» (٦٩) وكحالة في «معجم المؤلفين» (٣/ ١٦٥).
الرابع: «الصَّواعق المرسلة على فرق المعتزلة والجهميَّة المعطِّلة».
كذا جاء عنوان الكتاب في مخطوطة برلين، وكتب على حاشيته: ويقال: «الصواعق المرسلة على فرق البدع المتأولة».
الخامس: «الصَّواعق المنزلة على الطائفة الجهمية والمعطِّلة».
كذا جاء عنوان الكتاب في مخطوطة حلب، وكذا سمَّاه كحالة في «معجم المؤلفين» (٣/ ١٦٥).
وقد رأيت أن العنوان الأول أوثق وأشهر وأكثر ورودًا في المصادر؛ فأثبته.
* * * * *
стр. 13
(٣) حجم الكتاب
اختلفت المصادر في تحديد حجم الكتاب، وعدد مجلداته، على أوجهٍ:
الأول: أنه في مجلدات.
كذا قال كلٌّ من: شهاب الدِّين ابن رجب في «معجم شيوخه» ـ كما في «المنتقى منه» (ص ١٠١) ـ وابنه زين الدِّين ابن رجب في «ذيل طبقات الحنابلة» (٥/ ١٧٥)، والعليمي في «الدُّر المنضد» (٢/ ٥٢٢)، وفي «المنهج الأحمد» (٥/ ٩٤)، وصدِّيق حسن خان في «التَّاج المكلَّل» (ص ٤١١) و «أبجد العلوم» (٣/ ١٤٠)، والشَّطي في «مختصر طبقات الحنابلة» (٦٩).
الثاني: أنه في مجلدين.
كذا قال ابن العماد في «شذرات الذهب» (٨/ ٢٩٠)، وابن بدران في «منادمة الأطلال» (ص ٢٤١).
الثالث: أنه في مجلد.
كذا قال الدَّاودي في «طبقات المفسرين» (٢/ ٩٦).
وحجم المجلدات يختلف باختلاف عدد أوراقها وعدد الأسطر ومقاس الورق وحجم الخط وطريقة الكتابة، فمثلًا «صحيح البخاري» مخطوطاته لا تُحصى، فنجد نسخةً تامةً في مجلدٍ واحدٍ، ونسخة في مجلدين، وثلاثة، إلى ثلاثين مجلدًا.
ولا شك أن كتاب «الصواعق المرسلة» كبير الحجم، فهو أكبر من مجلدٍ بالحجم المعتاد، فربما يقع في مجلدين كبار أو في مجلدات، فالقدر الذي وقفنا عليه يقع في نسخة حلب في ١٣٧ ورقة مسطرتها ٣٥ سطرًا، وقد
стр. 14
تبين أن أصلها كان في مجلدين، فقد وجدت على حاشية الورقة ٩٢ من هذه النسخة: «مطلب أول الجزء الثاني».
ووجدت المؤرخ إبراهيم بن صالح بن عيسى النجدي يقول في رسالة للشيخ عبد الله بن خلف الدحيان: «ومن طرف المجلد الذي ذكرنا لجنابكم عنه أنه خرج من أيدينا، الذي هو من «الصواعق»، فهو مجلد قطع الربع لطيف، وخطه وسط، ولا عليه تصحيحات، وهو المجلد الأول، ولا بعد وقفت على «الصواعق» بكاملها، ولا رأيت غير المجلد المذكور منها، ولا أدري كم هي من مجلد؟ والتراجم التي عندي لابن القيم إذا ذُكرت فيها مصنَّفاته قالوا: وله كتاب «الصواعق» مجلدات» (١).
* * * * *
стр. 15
(٤) عرض موجز لموضوعات الكتاب
بدأه الإمام ابن القيِّم بمقدمةٍ رائقةٍ حمد الله تعالى فيها، وشهد لله تعالى بالوحدانية، وأنه موصوف بصفات الجلال، ومنعوت بنعوت الكمال، وشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه، وحُجته على عباده، بعثه اللهُ وأهلُ الأرض أحوجُ إلى رسالته من غيث السماء، ومن نور الشمس الذي يُذهِب عنهم حَنَادِسَ الظَّلماء، فحاجتهم إلى رسالته فوق جميع الحاجات، وضرورتهم إليها مقدَّمة على جميع الضرورات؛ فإنه لا حياةَ للقلوب ولا نعيم ولا لذة ولا سرور ولا أمان ولا طمأنينة إلَّا بأن تَعْرِفَ ربها ومعبودها وفاطرها بأسمائه وصفاته وأفعاله، ويكون أحبَّ إليها ممَّا سواه، ويكون سعيُها في ما يقرِّبها إليه ويُدنِيها من مرضاته، ومن المحال أن تستقل العقول البشرية بمعرفة ذلك وإدراكه على التفصيل؛ فأساسُ دعوة الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- معرفةُ الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله.
ثم ختمها بسؤال نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو: «كيف يكون هؤلاء المحجوبون المنقوصون الحيارى المتهوِّكون أعلمَ بالله وصفاته وأسمائه وآياته من السابقين الأوَّلِين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ورثةِ الأنبياء وخلفاءِ الرُّسل، ومصابيح الدُّجى وأعلام الهُدى، الذين بهم قام الكتابُ وبه قاموا، وبهم نطق الكتابُ وبه نطقوا، الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء، وأحاطوا من حقائق المعارف بما لو جُمعت حكمةُ مَن عداهم وعلومهم إليه لاستحى مَن يطلب المقابلة! ثم كيف يكون أفراخُ المتفلسفة وأتباع الهند واليونان
стр. 16
وورثة المجوس والمشركين وضُلَّال الصابئين وأشباههم وأشكالهم أعلمَ بالله من ورثة الأنبياء وأهل القرآن والإيمان!».
وجعل ابنُ القيِّم الكتابَ كلَّه جوابًا على هذا السؤال، فقال: «إنما يتبيَّنُ حقيقةُ الجواب بفصول».
ثم ذكر فصول الكتاب، وعددها أربعة وعشرون فصلًا، متفاوتة الحجم، فيقع بعضها في صفحتين أو صفحات قليلة، ويقع بعضها في عشرات الصفحات، ويقع الفصل الرابع والعشرون منها في مئات الصفحات.
وهذا عرضٌ موجزٌ لفصول الكتاب وموضوعاتها الرئيسة:
الفصل الأول: في معرفة حقيقة التأويل ومسمَّاه لغةً واصطلاحًا.
التأويل هو تفسيرُ ما يؤولُ إليه الشيءُ، ثم تُسمَّى العاقبة تأويلًا، وتُسمَّى حقيقة الشيء المخبَر به تأويلًا، ويُسمَّى تعبيرُ الرؤيا تأويلًا بالاعتبارين؛ فإنه تفسيرٌ لها، وهو عاقبتها وما تؤول إليه، وتُسمَّى العِلة الغائية والحكمة المطلوبة بالفعل تأويلًا؛ لأنها بيانٌ لمقصود الفاعل وغرضه من الفعل الذي لم يعرف الرائي له غرضَه به.
والتأويل في اصطلاح أهل التفسير والسلف من أهل الفقه والحديث مرادهم به معنى التفسير والبيان، وأمَّا المعتزلة والجهمية وغيرهم من فرق المتكلمين فمرادهم بالتأويل: صرف اللفظ عن ظاهره وحقيقته إلى مجازه وما يخالف ظاهرَه.
الفصل الثاني: وهو انقسام التأويل إلى صحيح وباطل.
التأويل الصحيح هو الذي يُوافق ما دلَّت عليه النصوص، وجاءت به
стр. 17
السُّنَّة ويطابقها. والتأويل الفاسد هو الذي يُخالف ما دلَّت عليه النصوصُ وجاءت به السُّنَّة، ولا فرقَ بين باب الخبر والأمر في ذلك. وكل تأويلٍ وافق ما جاء به الرسول فهو المقبول، وما خالفه فهو المردود.
ثم قسم التأويل الباطل إلى عشرة أنواعٍ، ثم قال: «فهذه بعض الوجوه التي يُفَرَّقُ بها بين التأويل الصحيح والباطل».
الفصل الثالث: في أنَّ التأويل إخبارٌ عن مراد المتكلم لا إنشاء.
المقصود فَهْمُ مراد المتكلم بكلامه، فإذا قيل معنى اللفظ كذا وكذا، كان إخبارًا بالذي عَنَاه المتكلم، فإن لم يكن هذا الخبرُ مطابقًا كان كذبًا على المتكلم، فالحملُ إمَّا إخبارٌ عن المتكلم بأنه أراد ذلك المعنى، فهذا الخبر إمَّا صادقٌ إن كان ذلك المعنى هو المفهوم من لفظ المتكلم، وإمَّا كاذبٌ إن كان لفظُه لم يدلَّ عليه، وإمَّا إنشاءٌ لاستعمال ذلك اللفظ في هذا المعنى، وهذا إنما يكون في كلام تُنشِئه أنت، لا في كلام الغير.
الفصل الرابع: في الفرق بين تأويل الخبر وتأويل الطلب.
المقصود من تأويل الخبر هو تصديق مُخبِره، ومن تأويل الطلب هو امتثاله، وكل تأويلٍ يعود على المخبر بالتعطيل وعلى الطلب بالمخالفة تأويل باطل.
الفصل الخامس: في الفرق بين تأويل التحريف وتأويل التفسير وأن الأول ممتنعٌ وقوعُه في الخبر والطلب والثاني يقع فيهما.
التفسير هو: إبانة المعنى وإيضاحه، والتحريف: العدول بالكلام عن وجهه وصوابِه إلى غيره. وهو نوعان: تحريفُ لفظه، وتحريفُ معناه.
стр. 18
والتأويل يتجاذبه أصلانِ: التفسير والتحريف، فتأويل التفسير هو الحق، وتأويل التحريف هو الباطل. فالتأويل الباطل هو إلحادٌ وتحريفٌ، وإن سمَّاه أصحابُه تحقيقًا وعرفانًا وتأويلًا.
الفصل السادس: في تعجيز المتأولين عن تحقيق الفرق بين ما يسوغ تأويلُه من آيات الصِّفات وأحاديثها وما لا يسوغ.
حقيقة الأمر أن كل طائفةٍ تتأوَّل ما يخالف نِحْلتَها ومذهبَها، فالعيارُ على ما يُتأوَّل وما لا يُتأوَّل هو المذهبُ الذي ذهبتْ إليه والقواعد التي أصَّلَتْها، فما وافقها أقرُّوه ولم يتأوَّلوه، وما خالفها فإن أمكنهم دفعُه، وإلَّا تأوَّلوه.
وكلٌّ مِن هؤلاء يتأول دليلًا سمعيًّا، ويُقِرُّ على ظاهره نظيرَه أو ما هو أشد قبولًا للتأويل منه؛ لأنه ليس عندهم في نفس الأمر ضابطٌ كُلي مطَّرِد منعكس، يُفرَّق به بين ما يُتأوَّل وما لا يُتأوَّل، إن هو إلَّا المذهب وقواعده وما قاله الشيوخ. وهؤلاء لا يمكن أحدًا منهم أن يحتج على مبطِلٍ بحُجةٍ سمعيةٍ؛ لأنه يسلك في تأويلها نظير ما سلكَه هو في تأويل ما خالف مذهبَه.
الفصل السابع: في إلزامهم في المعنى الذي جعلوه تأويلًا نظير ما فروا منه.
هذا فصلٌ بديعٌ لمن تأمله، يعلم به أن المتأوِّلين لم يستفيدوا بتأويلهم إلَّا تعطيلَ حقائق النصوص والتلاعب بها وانتهاك حرمتها، وأنهم لم يتخلصوا ممَّا ظنُّوه محذورًا، بل هو لازمٌ لهم فيما فرُّوا إليه كلزومه فيما فرُّوا منه. بل قد يقعون فيما هو أعظمُ محذورًا، والمقصود أن المتأول يفر من أمرٍ، فيقع في نظيره.
стр. 19
فهلَّا أقرَّ النصوص على ما هي عليه، ولم ينتهك حُرمتَها؛ إذ كان التأويل لا يُخرِجه ممَّا فرَّ منه، فإن المتأول إمَّا أن يذكر معنًى ثبوتيًّا، أو يتأوَّل اللفظ بما هو عدمٌ محضٌ، فإنْ تأوَّله بمعنى ثبوتي كائنًا ما كان لزمه فيه نظيرُ ما فرَّ منه. فهو في تأويله بين التعطيل والتشبيه مع جِنايته على النَّص وانتهاكه حُرمته، فهلَّا عظَّم قَدْره، وحفظ حرمتَه، وأقرّه وأمرّه مع نفي التشبيه والتخلص من التعطيل!
الفصل الثامن: في بيان خطئهم في فهمهم من النصوص المعانيَ الباطلةَ التي تأوَّلوها لأجلها فجمعوا بين التشبيه والتعطيل.
هذا الفصل في الكشف عن عجيب أمر المتأوِّلين، فإنهم فهموا من النصوص الباطلَ الذي لا يجوز إرادتُه، ثم أخرجوها عن معناها الحقِّ المراد منها، فأساؤوا الظنَّ بها وبالمتكلِّم بها، وعطَّلوها عن حقائقها التي هي عين كمال الموصوف بها.
فانظر إلى أقبح التشبيه والتمثيل الذي ادَّعوا أنه ظاهر النصوص، وإلى التعطيل الذي سطَوْا به عليها وسمَّوْه تأويلًا! فصحَّ أنهم جمعوا بين فَهْم التشبيه منها، واعتقاد التعطيل، ونسبة قائلها إلى قصد ما يضاد البيان والإرشاد.
الفصل التاسع: في الوظائف الواجبة على المتأوِّل التي لا يُقبل منه تأويله إلَّا بها.
عليه أربعة أمورٍ لا يتم له دعواه إلَّا بها:
الأمر الأول: بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي تأوَّله في ذلك التركيب الذي وقع فيه، وإلَّا كان كاذبًا على اللغة مُنشِئًا وضعًا مِن عنده.
стр. 20
الثاني: بيان تعيين ذلك المعنى؛ فإنه إذا أُخرج عن حقيقته قد يكون له معانٍ، فتعيين ذلك المعنى يحتاج إلى دليل.
الثالث: إقامة الدليل الصارِف للفظ عن حقيقته وظاهره، فلا يجوز العدول عنه إلَّا بدليلٍ صارفٍ يكون أقوى منه.
الرابع: الجواب عن المعارض، فإن مُدَّعي الحقيقة قد أقام الدليل العقلي والسمعي على إرادة الحقيقة.
الفصل العاشر في أن التأويل شرٌّ من التعطيل فإنه يتضمن التشبيه والتعطيل والتلاعب بالنصوص وإساءة الظن بها.
فإن المُعطِّل والمؤوِّل قد اشتركا في نفي حقائق الأسماء والصِّفات، وامتاز المُؤوِّل بتلاعبه بالنصوص وانتهاكه لحُرمتها وإساءة الظن بها، ونسبة قائلها إلى التكلم بما ظاهرُه الضلال والإضلال، فجمعوا بين أربعة محاذير:
المحذور الأول: اعتقادهم أن ظاهر كلام الله ورسوله المُحال الباطل، ففهموا التشبيه أولًا.
ثم انتقلوا عنه إلى المحذور الثاني وهو: التعطيل، فعطلوا حقائقها بناءً منهم على ذلك الفهم الذي يليق بهم، ولا يليق بالرَّبِّ ﷻ .
المحذور الثالث: نسبة المتكلِّم، الكاملِ العلمِ، الكاملِ البيانِ، التامِّ النصحِ إلى ضد البيان والهدى والإرشاد، وأن المتحيِّرين المتهوِّكين أجادوا العبارة في هذا الباب، وعبَّرُوا بعبارةٍ لا تُوهِم من الباطل ما أوهمتْه عبارة المتكلم بتلك النصوص. ولا ريب عند كل عاقلٍ أن ذلك يتضمن أنهم كانوا أعلمَ منه أو أفصحَ أو أنصحَ للناس.
стр. 21
المحذور الرابع: تلاعُبهم بالنصوص وانتهاك حرماتها.
الفصل الحادي عشر: في أن قصْدَ المتكلم من المخاطب حملَ كلامه على خلاف ظاهره وحقيقته ينافي قصدَ البيان والإرشاد والهدى، وأن القصدين يتنافيان، وأنَّ تركَه بدون ذلك الخطاب خيرٌ له وأقرب إلى الهدى.
لو أراد اللهُ ورسوله من كلامه خلافَ حقيقته وظاهره الذي يفهمه المخاطب لَكان قد كلَّفه أن يفهم مراده بما لا يدل عليه، بل بما يدل على نقيض مراده، وأراد منه فَهْمَ النفي بما يدل على غاية الإثبات، وفَهْمَ الشيء بما يدل على ضدِّه.
الفصل الثاني عشر: في بيان أنه مع كمال عِلم المتكلم وفصاحته وبيانه ونصحه يمتنع عليه أن يريد بكلامه خلافَ ظاهره وحقيقته وعدمُ البيان في أهم الأمور وما تشتد الحاجة إلى بيانه
اكتفى من هذا الفصل بذِكْر مناظرةٍ جرَتْ بين جهميٍّ معطِّلٍ وسُنِّيٍّ مُثبِتٍ.
الفصل الثالث عشر: في بيان أن تيسير القرآن للذكر يُنافي حملَه على التأويل المخالف لحقيقته
لا تجد كلامًا أحسن تفسيرًا ولا أتمَّ بيانًا من كلام الله سبحانه، ولهذا سمَّاه سبحانه بيانًا، وأخبر أنه يسَّره للذِّكر. وتيسيرُه للذكر يتضمن: تيسير ألفاظه للحفظ، وتيسير معانيه للفهم، وتيسير أوامره ونواهيه للامتثال.
ومعلوم أنه لو كان بألفاظٍ لا يفهمها المخاطب لم يكن مُيسَّرًا له، بل كان مُعسَّرًا عليه. فهكذا إذا أُريدَ مِن المخاطب أن يفهم من ألفاظه ما لا يدل
стр. 22
عليه من المعاني، أو يدل على خلافه، فهذا من أشد التعسير، وهو منافٍ للتيسير.
الفصل الرابع عشر في أن التأويل يعود على المقصود من وضع اللغات بالإبطال.
المقصود أن العبد لا يعلم ما في ضمير صاحبه إلَّا بالألفاظ الدالة على ذلك، فإذا حمل السامعُ كلامَ المتكلم على خلاف ما وُضع له وخلاف ما يُفهم منه عند التخاطب عاد على مقصود اللغات بالإبطال، ولم يحصل مقصود المتكلم، ولا مصلحة المخاطَب، وكان ذلك أقبحَ من تعطيل اللسان عن كلامه، ولهذا كان التأويل الباطل فتحًا لباب الزندقة والإلحاد، وتطريقًا لأعداء الدِّين على نقضه.
الفصل الخامس عشر: في جنايات التأويل على أديان الرُّسل وأن خراب العالم وفساد الدنيا والدِّين بسبب فتح باب التأويل.
الآفات التي جَنَتْها ويجنيها كل وقتٍ أصحابُها على الملة والأُمة من التأويلات الفاسدة أكثرُ من أن تُحصَى أو يبلغها وصفُ واصفٍ، أو يحيط بها ذِكْر ذاكرٍ، ولكنها في جملة القول أصل كل فسادٍ وفتنةٍ، وأساس كل ضلالٍ وبدعةٍ، والمولِّدة لكل اختلافٍ وفُرقةٍ، والناتِجة أسبابَ كلِّ تباينٍ وعداوةٍ وبغضة.
الفصل السادس عشر: في بيان ما يقبل التأويلَ من الكلام وما لا يقبله.
المقصود أن الكلام الذي هو عرضة التأويل أن يكون له عدة معانٍ، وليس معه ما يبيِّن مراد المتكلم، فهذا للتأويل فيه مجالٌ واسعٌ، وليس في كلام الله ورسوله من هذا النوع شيءٌ من الجُمَل المركبة، وإنْ وقَعَ في
стр. 23
الحروف المفتتَح بها السورُ.
الفصل السابع عشر: في أن التأويل يُفسِد العلوم كلها إنْ سُلِّط عليها ويرفع الثقة بالكلام ولا يمكن أُمةً من الأمم أن تعيش عليه.
معلومٌ أن العلوم إنما قصد بها مصنِّفوها بيانَها وإيضاحها للمتعلمين، وتفهيمهم إياها بأقربِ ما يَقْدِرون عليه من الطرق. فإن سُلِّط التأويل على ألفاظهم، وحملها على غير ظواهرها، لم يُنتفَع بها وفسدت، وعاد ذلك على موضوعها ومقصودها بالإبطال.
فكيف يُسلَّط التأويلُ على كلام مَن لا يجوز عليه الخطأ والغلط والتناقض وضد البيان والإرشاد؟! هذا مع كمال علمه، وكمال قدرته على أعلى أنواع البيان، وكمال نُصحِه وهُداه وإحسانه، وقصده الإفهامَ والبيانَ لا التعميةَ والإلغاز.
فصل: في بيان أنه إنْ سُلِّط على آيات التوحيد القولي العلمي وأخباره لزم تسليطُه على آيات التوحيد العملي وأخباره وفسد التوحيد معرفةً وقصدًا.
إنْ سُلِّط التأويل على التوحيد الخبري العلمي كان تسليطه على التوحيد العملي القصدي أسهلَ، وانمحت رسوم التوحيد، وقامت معالم التعطيل والشرك. ولهذا كان الشرك والتعطيل متلازمينِ، لا ينفك أحدهما عن صاحبه.
الفصل الثامن عشر: في انقسام الناس في نصوص الوحي إلى أصحاب تأويلٍ وأصحاب تخييلٍ وأصحاب تجهيلٍ وأصحاب تمثيلٍ وأصحاب سواء السبيل.
هذه خمسة أصناف انقسم الناس إليها في هذا الباب بحسب اعتقادهم ما
стр. 24
أُريدَ بالنصوص، ثم بيَّن الإمام ابن القيِّم هذه الأصناف، وختم الفصل بقوله: «فقاتَلَ اللهُ أصحابَ التحريف والتأويل، وأصحابَ التخييل، وأصحاب التجهيل، وأصحاب التشبيه والتمثيل. ماذا حُرِمُوه من الحقائق الإيمانية والمعارف الإلهية، وماذا تعوضوا به من زُبالة الأذهان ونُخالة الأفكار! فما أشبَهَهم بمن كان غذاؤهم المَنَّ والسَّلْوى بلا تعبٍ ولا كُلْفةٍ، فآثَروا عليه الفُومَ والعدس والبصل، وقد جرت عادةُ الله سبحانه أن يُذِلَّ مَن آثَرَ الأدنى على الأعلى، ويجعله عبرةً للعقلاء».
الفصل التاسع عشر: في الأسباب التي تسهل على النفوس الجاهلة قبول التأويل مع مخالفته للبيان الذي علَّمه الله الإنسان وفَطَره على قبوله.
التأويل يجري مَجرى مخالفة الطبيعة الإنسانية والفطرة التي فُطر عليها العبد، فإنه ردُّ الفهم من جريانه مع الأمر المعتاد المألوف إلى الأمر الذي لم يُعهَد ولم يُؤلف. وما كان هذا سبيلَه فإن الطباع السليمة لا تتقاضاه بل تنفر منه وتأباه، فلذلك وضع له أربابُه أصولًا ومهَّدوا له أسبابًا تدعو إلى قبوله، وهي أنواع. ثم ذكر منها ستة أنواع.
الفصل العشرون: في بيان أن أهل التأويل لا يمكنهم إقامة الدليل السمعي على مبطل أبدًا.
قال فيه: «من المعلوم أن كل مبطلٍ أنكر على خصمه شيئًا من الباطل قد شاركه في بعضه أو في نظيره، فإنه لا يتمكن مِن دحْضِ حُجته وكسرِ باطله؛ لأن خصمه تسلَّط عليه بمثل ما تسلط هو به عليه». ثم بيَّن ذلك، وذكر كثيرًا من حجج القرآن، وأشار أن مقصوده بيان أن القرآن متضمِّنٌ للأدلة العقلية والبراهين القطعية التي لا مطمعَ في التشكيك والأَسْوِلة عليها إلَّا لمعاندٍ مكابرٍ.
стр. 25
الفصل الحادي والعشرون: في الأسباب الجالبة للتأويل.
وهي أربعة أسباب: نقصان بيان المتكلم، وسوء قَصْده. وسوء فهم السامع، وسوء قَصْده. ودرجات الفهم متفاوتة في الناس أعظم تفاوتٍ، فإنَّ قُوى الأذهان كقوى الأبدان، والناس متفاوتون في هذا وهذا تفاوُتًا لا ينضبط.
الفصل الثاني والعشرون: في أنواع الاختلاف الناشئة عن التأويل وانقسام الاختلاف إلى محمود ومذموم.
تكلم فيه عن نوعي الاختلاف في كتاب الله.
الفصل الثالث والعشرون: في أسباب الخلاف الواقع بين الأئمة بعد اتفاقهم على أصلٍ واحدٍ وتحاكمهم إليه وهو كتاب الله وسُنَّة رسوله.
نقل فيه عن أبي محمد بن حزم، ثم نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية أسباب الاختلاف وهذَّبها وزادها إيضاحًا وبيانًا، وهذا الفصل حقيق أن يُفرد بالطباعة ليعم النفع به، وهو يتكلم عن أسباب الخلاف في الفروع لذلك يبدو لي أن الأنسب له كتاب «أعلام الموقعين» أو كتاب «بدائع الفوائد».
الفصل الرابع والعشرون: في ذكر الطواغيت الأربع التي هدم بها أصحابُ التأويل الباطل معاقلَ الدِّين، وانتهكوا بها حُرمة القرآن، ومحَوْا بها رُسومَ الإيمان، وهي:
قولهم: إنَّ كلام الله وكلام رسوله أدلةٌ لفظية لا تفيد علمًا ولا يحصل منها يقين.
وقولهم: إنَّ آيات الصِّفات وأحاديث الصِّفات مجازاتٌ لا حقيقة لها.
стр. 26
وقولهم: إنَّ أخبار رسول الله ﷺ الصحيحة لا تفيد العلم، وغايتها أن تفيد الظن.
وقولهم: إذا تعارَضَ العقلُ ونصوصُ الوحي أخذنا بالعقل ولم نلتفت إلى الوحي (١).
وهذا الفصل هو بيت القصيد وغاية المريد من الكتاب، وكل ما قبله تمهيد له.
قال المصنِّف: «فهذه الطَّواغيت الأربع هي التي فعلتْ بالإسلام ما فعلتْ، وهي التي مَحَتْ رُسُومَه، وأزالتْ مَعالِمَه، وهدمتْ قواعِدَه، وأسقطتْ حُرمةَ النُّصوص من القلوب، ونهجتْ طريق الطَّعن فيها لكل زنديقٍ ومُلحِدٍ، فلا يحتجُّ عليه المحتجُّ بحجَّة من كتاب الله أو سُنَّة رسوله إلَّا لجأ إلى طاغوتٍ من هذه الطَّواغيت واعتصم به، واتخذه جُنَّةً يصدُّ به عن سبيل الله.
والله تعالى بحوله وقُوَّته ومنِّه وفضله قد كسر هذه الطَّواغيت طاغوتًا طاغوتًا على أَلسنة خُلفاء رُسُله وورثة أنبيائه، فلم يَزَلْ أنصار الله ورسوله يَصيحون بأهلها من أقطار الأرض، ويرجمونهم بشُهُب الوحي، وأدلة المعقول، ونحن نُفرِد الكلام عليها طاغوتًا طاغوتًا».
أمَّا الطَّاغوت الأول: وهو قولهم: «نصوص الوحي أدلةٌ لفظيةٌ، وهي لا تُفيد اليقين». فقد أبطله من ثلاثةٍ وسبعين وجهًا، ولم يترك لهم حجةً ولاشبهةً.
стр. 27
وأمَّا الطَّاغوت الثَّاني: وهو قولهم: «إن تعارَضَ العقل والنقل وجب تقديم العقل». فقد انتفع في إبطاله بكتاب شيخه ابن تيمية «درء تعارض العقل والنقل» انتفاعًا كبيرًا، ولم يغفل الإشارة إلى ذلك، بل قال: «وقد أشفى شيخ الإسلام في هذا الباب بما لا مَزِيدَ عليه، وبَيَّنَ بطلانَ هذه الشُّبهة وكَسَّرَ هذا الطَّاغوت في كتابه الكبير، ونحن نشير إلى كلماتٍ يسيرةٍ هي قطرة من بحره، تتضمن كسره ودحضه، وذلك يظهر من وجوهٍ». فذكر مائتين واثنين وأربعين وجهًا حسب ما وُجد من الكتاب، واستغرق نحو ثلثي الموجود من الكتاب.
وينبغي التفطن لموضعين:
الأول: أن في المخطوط (ق ٥٤ ب) انتقل من الوجه السابع والأربعين إلى الوجه الخمسين مباشرة، ولم يذكر الوجهين الثَّامن والأربعين والتَّاسع والأربعين، فإمَّا أن يكون سقط الوجهان الثَّامن والأربعون والتَّاسع والأربعون، أو يكون ترقيم الوجوه خطأً.
والثاني: أن في المخطوط (ق ٦٩ ب) انتقل من الوجه الثاني والسبعين إلى الوجه التاسع والسبعين مباشرة، فلم يذكر من الثالث والسبعين إلى الثامن والسبعين. وكتب الناسخ بحاشية «ح»: «هكذا في الأصل».
فيكون الموجود من أوجه الرد على هذا الطاغوت مائتين وأربعة وثلاثين وجهًا فقط.
فهذا هو القدر الموجود من الكتاب، وبقي ما يتعلق بكسر الطاغوتين الثالث والرابع لم نعثر عليه بعد.
стр. 28
- مع التنبه إلى أن الإمام ابن القيِّم بدا له في ثنايا الكتاب أن يزيد فصلًا في آخره بعد هذه الفصول الأربعة والعشرين، فقد قال (ص ٤٧٢): «وسنفرد الكلام على هذا بفصلٍ مستقلٍّ بعد كسر الطواغيت الأربعة التي نصبوها لهدم معاقل الدِّين، ونبيِّن معنى المحكم بمعناه، ونبيِّن أن آيات الصِّفات محكمةٌ فإنها من أبين الكتاب إحكامًا، وأن ما تضمنته من الإحكام أعظم ممَّا تضمنه ما عداها، بعون الله وتوفيقه».
وهذا الفصل لم يُذكر في آخر «مختصر الصواعق» للموصلي، فالله أعلم هل كتبه ابن القيِّم أم لا.
* * * * *
стр. 29
(٥) منهج المؤلف في كتابه
هذه بعض معالم منهجه في الكتاب:
- بنى الكتاب بناءً محكمًا معتمدًا على النبعين الصافيين: القرآن والسُّنة، وقد عاش حياته ناصرًا لهما داعيًا إليهما، واستمع إليه وهو يقول (ص ٢٦٩): «إذا كان الأصل واحدًا والغاية المطلوبة واحدةً، والطريق المسلوكة واحدةً، لم يكد يقعُ اختلافٌ، وإن وقع كان اختلافًا لا يضر، كما تقدم من اختلاف الصحابة؛ فإن الأصلَ الذي بنوا عليه واحدٌ، وهو كتاب الله وسُنة رسوله، والقصدَ واحدٌ، وهو طاعة الله ورسوله، والطريقَ واحدٌ، وهو النظرُ في أدلة القرآن والسُّنَّة وتقديمها على كل قولٍ ورأيٍ وقياسٍ وذوقٍ وسياسةٍ».
أمَّا القرآن فقد كان يستحضر آياته وقت حاجته إليها كأنها بين عينيه، وقد شحن الكتاب بالآيات البينات، مع تأمله وتدبره في معانيها ومعرفته بالتفسير وعلومه؛ ويراجع فهرس الآيات وفهرس التفسير.
وأمَّا السُّنة فابن القيِّم حافظٌ كبيرٌ؛ ويكفي للدلالة على علو قدره في حفظ الحديث وفهم معانيه شهادة شيخه حافظ الدُّنيا جمال الدِّين المِزِّي؛ قال الحافظ أبو بكر محمد بن المحب: قلت أمام شيخنا المِزِّيِّ: ابن القيِّم في درجة ابن خُزيمة. فقال: «هو في هذا الزَّمان كابن خُزيمة في زمانه» (١). ويظهر حفظه في استحضاره للأحاديث وقت حاجته إليها، وعزوه غالب الأحاديث إلى مصادرها من كتب السُّنة، ومحافظته على لفظ الرواية غالبًا، وانتقائه
стр. 30
لأصح الروايات في الباب، فإن جُلَّ الأحاديث المذكورة في الكتاب للاستدلال أحاديث صحيحة مشهورة، والنزر اليسير المضعف منها هو مع قلته من النوع المتجاذب بين الحفاظ فمنهم من يقويه ومنهم من يضعفه، كحديث الأطيط (١)، وأما النادر الضعيف كحديث: «بَيْنَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ إِذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورٌ، فَرَفَعُوا رُؤُوسَهُمْ، فَإِذَا الْجَبَّارُ ﷻ قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ» فهو يذكره للاستشهاد مع الأدلة الأخرى، أو يذكره عرضًا في استطراداته.
وتمكن ابن القيِّم من الكتاب والسُّنة قوَّى حجته وأعانه على الجمع بين الروايات والترجيح بينها وبيان الصحيح منها والسقيم، ودحض شبهات الفرق ورد أباطيلهم، من ذلك:
قوله (ص ٥٠٠ - ٥٠١): «إن المسائل التي يُقال إنه قد تعارَض فيها العقل والسمع ليست من المسائل المعلومة بصريح العقل كمسائل الحساب والهندسة والطبيعيات اليقينية، فلم يجئ في القرآن ولا في السُّنَّة حرفٌ واحدٌ يخالف العقل في هذا الباب. وما جاء من ذلك فهو مكذوبٌ ومفترًى كحديث: «إن الله لمَّا أراد أن يخلق نفسه خَلَقَ خيلًا فأجراها فعَرِقت، فخلق نفسه من ذلك العرق»، وحديث: «نزوله عشية عرفة على جمل أورق يصافح الركبان، ويعانق المشاة».
وقوله (ص ١١٠٦ - ١٠٠٧): «ومن هذا معارضة بعضهم الأحاديث الصحيحة الصريحة التي تكلم فيها النبي ﷺ بأين الله؟ وسمع السؤال بأين الله؟ وأقرَّ السائل عليه ولم ينكره. كما كفره هؤلاء، فعارضوها كلها بحديثٍ
стр. 31
مكذوبٍ موضوعٍ في إسناده من لا يُدرى من أي الدوابِّ هو، كشيحة الذي لا ذكر له في شيءٍ من كتب الحديث، ولعل بعض الوضاعين نسبه إلى واحد الشِّيح. والحديث أن رسول الله ﷺ قال وقد سُئل أين الله؟ فقال: «لَا يُقَالُ أَيْنَ لِمَنْ أَيَّنَ الْأَيْنَ». فعارض هذا الأحاديث الصحيحة المستفيضة التي نطق فيها رسول الله ﷺ بالأين، وأقرَّ على إطلاقها بهذا الحديث الركيك الذي يستحيي من التكلُّم به آحاد الناس، فضلًا عن سيِّد ولد آدم».
وقوله (ص ٧٢٣): «ولهذا لمَّا علم هؤلاء أنه يستحيل كتمان ذلك عن خواصه وضعوا أحاديث بيَّنوا فيها أنه كان له خطابٌ مع خاصَّته غير الخطاب العامِّي، مثل الحديث المُختلق المُفترى عن عمر أنه قال: «كان رسول الله ﷺ يتحدث مع أبي بكر وكنت كالزنجي بينهما».
- وأكثر ابن القيِّم من الاستشهاد بأقوال السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، وقد نقل كثيرًا منها من كتاب «خلق أفعال العباد» للإمام البخاري.
- وكذلك استشهد بكثير من الأشعار، وذكر بعض الأشعار للرد عليها، وكان أحيانا يسمي منشدها، وأحيانًا يغفل ذكره، وقد ترجح لي أن بعض هذه الأشعار للإمام ابن القيِّم نفسه، كما في (ص ٣٧٢، ٦١٧ - ٦١٩).
- وجمع ابن القيِّم بين المنقول والمعقول، ممَّا أعانه على تمييز صحيح الأقوال والآراء والمذاهب من ضعيفها وحقها من باطلها، وهذا ظاهر في الكتاب.
- وحرَّر ابن القيم في كل مسألة موضع النزاع وبيَّن معاني المصطلحات المجملة؛ وأظهر ما حوته من المعاني الصحيحة والباطلة، وأعانه على ذلك
стр. 32
تمكنه من اللغة، وهو يقول (ص ٥٧٢ - ٥٧٣): «إن هؤلاء المعارضين للكتاب والسُّنَّة بعقلياتهم ـ التي هي في الحقيقة جهليات ـ إنما يبنون أمرهم في ذلك على أقوالٍ مشتبهةٍ مجملةٍ تحتمل معاني متعددة، ويكون ما فيها من الاشتباه في المعنى والإجمال في اللفظ يوجب تناولها بحقٍّ وباطلٍ، فبما فيها من الحقِّ يقبل من لم يُحِط بها علمًا ما فيها من الباطل لأجل الاشتباه والالتباس، ثم يُعارضون بما فيها من الباطل نصوص الأنبياء. وهذا منشأ ضلال من ضلَّ من الأمم قبلنا. وهو منشأ البدع كلها».
ومن أمثلة ذلك:
قوله (ص ٥٨٣ - ٥٨٤): «لفظ الجسم لم ينطق به الوحي إثباتًا، فتكون له حرمة الإثبات، ولا نفيًا، فيكون له إلغاء النفي، فمن أطلقه نفيًا أو إثباتًا سُئل عمَّا أراد به». ثم بين ما يحتمله لفظه من المعاني الصحيحة والباطلة.
وقوله (ص ٥٨٩): «إن التركيب يُطلق ويُراد به خمسة معانٍ». ثم بيَّنها.
وقوله (ص ٥٧٥): «التوحيد اسم لستة معانٍ: توحيد الفلاسفة، وتوحيد الجهمية، وتوحيد القدرية الجبرية، وتوحيد الاتحادية؛ فهذه الأربعة أنواعٍ من التوحيد جاءت الرسل بإبطالها، ودلَّ على بطلانها العقل والنقل». ثم أفاض في بيان بطلانها.
- وألزم ابن القيِّم المخالفين إلزامات في غاية القوة، منها:
قوله (ص ٦١٩): «أمَّا الفلاسفة فأثبتوا وجود الصَّانع بطريق التركيب، وهو أن الأجسام مركبة، والمركب يفتقر إلى أجزائه، وكل مفتقرٍ ممكنٌ، والممكن لا بد له من وجود واجبٍ، وتستحيل الكثرة في ذات الواجب بوجهٍ من الوجوه؛ إذ يلزم تركيبه وافتقاره، وذلك ينافي وجوبه. وهذا هو غاية
стр. 33
توحيدهم، وبه أثبتوا الخالق على زعمهم، ومعلومٌ أن هذا من أعظم الأدلة على نفي الخالق؛ فإنه ينفي قدرته ومشيئته وعلمه وحياته؛ إذ لو ثبتت له هذه الصِّفات ـ بزعمهم ـ لكان مركبًا، والمركب مفتقرٌ إلى غيره، فلا يكون واجبًا بنفسه».
وقوله (ص ٨٣٢): «إن اللوازم التي تلزم المعطلة النُّفاة شرٌّ من اللوازم التي تلزم المشبهة المحضة، دع المثبتة لحقائق الأسماء والصفات المنزهين الله عن شبه المخلوقات، فإنهم يلزمهم عشرة لوازم». ثم فصَّلها.
وينظر (ص ٦٤٦ - ٦٤٧، ٦٧٥، ٩١٣).
ثم قرر قاعدةً عامةً فيقول (ص ١٠٧٨): «هذا شأن جميع قضاياهم الكاذبة التي تتضمن تعطيل ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله، فإنها تستلزم إثبات الباطل وإبطال الحقِّ».
- وبيَّن مخالفتهم للعقل مع ادعائهم التمسك به، فيقول (ص ١١٠٩): «والعجب أن هؤلاء مع شدة تمسكهم بالعقليات واعتنائهم بها حين عارضوا بينها وبين الوحي يجمعون بين النقيضين، ويُثبتون الشيء وينفون لازمه، وينفون اللازم ويثبتون ملزومه، وذلك مخالفةٌ لصريح العقل».
- ودفع إلزامات المخالفين لأهل السنة اللوازم الباطلة، وبيَّن أنها غير لازمة لهم، ويبين أن لازم الحق حقٌّ.
- وأحال ابن القيِّم لاستيفاء الأدلة على كتبه الأخرى أحيانًا؛ كما في (ص ٨٤٦، ٨٩٠، ٩١٥، ١٠٢٥).
- وكرر ابن القيِّم بعض المعاني مرارًا بألفاظ مختلفة ليثبت المعنى ويرسخه في الأذهان.
стр. 34
- وفي الكتاب استطرادات كثيرة حافلة بالفوائد، وما أجمل استطراداته في تفسير آيات كريمات وتدبُّر معانيها، وكذلك استطرادته في التدبُّر في خلق الله تعالى.
- ومع الإسهاب الظاهر في مباحث الكتاب إلا أن ابن القيِّم أشار في عدَّة مواضع إلى أنه كَتَبه مختصرًا؛ وتمنى لو تيسر له بسطه، ومن هذه الإشارات:
قوله (ص ٤٧٣): «وهذا قطرةٌ من بحرٍ نبَّهنا به تنبيهًا يعلم به اللبيب ما وراءه، وإلا فلو أعطينا هذا الموضع حقَّه ـ وهيهات أن يصل إلى ذلك علمنا أو قدرتنا ـ لكتبنا فيه عدة أسفارٍ. وكذا كل وجهٍ من هذه الوجوه، فإنه لو بُسط وفُصِّل لاحتمل سفرًا أو أكثر، والله المستعان، وبه التوفيق».
وقوله (ص ٦٤٢): «إن كل شُبهةٍ من شُبه أرباب المعقولات عارضوا بها الوحي فعندنا ما يبطلها بأكثر من الوجوه التي أبطلنا بها معارضة شيخ القوم، وإن مدَّ الله في الأجل أفردنا في ذلك كتابًا كبيرًا».
وينظر (ص ٧٨٣، ٨٢٥).
- وظهر في الكتاب إنصاف الإمام ابن القيِّم، وكان يُوثق الأقوال بعزوها إلى مصادرها، ويقول (ص ٩٠٤): «ونحن لا نحيلك على عدمٍ، بل نحكي ألفاظهم بعينها معزوةً إلى مكانها». ويُفرق بين القول ولا زمه، فيقول (ص ٧٧٧): «أن هؤلاء المعارضين للوحي بآرائهم جعلوا كلام الله ورسوله من الطرق الضعيفة المزيفة التي لا يتمسك فيها في العلم واليقين. ولعلك تقول إنا حكينا ذلك عنهم بلازم قولهم، فاسمع حكاية ألفاظهم». ثم حكاها.
فمن إنصافه أنه عاب على من يحكي مذاهب الناس بما يعتقده لازمًا لأقوالهم؛ فقال (ص ٨٢٦): «ولعل جاهلًا أن يقول: إنَّا قلنا عليهم ما لم
стр. 35
يقولوا، أو استجزنا ما يستجيزونه هم من حكاية مذاهب الناس عنهم بما يعتقدونه هم لازمًا لأقوالهم، فيكذبون عليهم كذبًا صريحًا … فنحن لا نستجيز ذلك على أحدٍ من الناس، ولكن هذه كتب القوم فراجعها، ولا تُقلِّد الحاكي عنهم».
- وظهرت في الكتاب روح الإمام ابن القيِّم الناقدة، فكما انتقد المذاهب والآراء والأقوال، وبيَّن صحيحها من سقيمها، انتقد الأشخاص والكتب.
أمَّا انتقاده وتقويمه للأشخاص فمنه:
وصفه (ص ٨٨١) لسعيد بن عامر الضُّبَعي بأنه «إمام أهل البصرة علمًا ودينًا من طبقة شيوخ الشافعي وأحمد وإسحاق».
ووصفه (ص ٨٤٨) لعبد الوهاب الوراق بأنه «الرجل الصالح العالم، الذي سُئل الإمام أحمد من يُسأل بعدك؟ فقال: سلوا عبد الوهاب الوراق».
ووصفه (ص ١٠٠٩) للإمام محمد بن إسماعيل البخاري بأنه «حافظ الإسلام».
وقوله (ص ٣٣٠) عن أبي بكر بن المنذر: «هو من أعلم الناس بالإجماع والاختلاف».
ووصفه (ص ٨٧٢) لأبي عمر الطلمنكي المالكي بأنه «أحد أئمة وقته بالأندلس».
ووصفه (ص ٨٧٠) للإمام ابن عبد البر بأنه «إمام أهل السُّنَّة ببلاد الغرب».
стр. 36
ووصفه (ص ٨٦٧) لعبد القادر الكيلاني بأنه «الشيخ المتفق على كراماته وآياته وولايته، المقبول عند جميع الفرق».
ووصفه (ص ٨٧٧) لأبي محمد موفق الدِّين بن قدامة المقدسي بأنه «الشيخ الإمام المتفق على إمامته وعلمه وصلاحه وكراماته».
وقوله (ص ٥٠٨) عن أبي الوليد بن رشد: «هو من أعلم النَّاس بمذاهب الفلاسفة ومقالاتهم».
وقوله (ص ٥٠٨) عن أبي الحسن الآمدي: «أفضل المتأخرين في زمانه».
وقوله (ص ٣٣٥) عن شيخ الإسلام ابن تيمية: «حكاه شيخنا واختاره وأفتى به، وأقلُّ درجات اختياراته أن يكون وجهًا في المذهب. ومن الممتنع أن يكون اختيار ابن عقيل وأبي الخطاب والشيخ أبي محمد وجوهًا يُفتى بها، واختيارات شيخ الإسلام لا تصل إلى هذه المرتبة».
وينظر أيضًا (ص ٦٤٢).
وأمَّا نقده وتقويمه للكتب فمنه:
قوله (ص ١٠٠٩ - ١٠١٠) عن كتاب «خلق أفعال العباد» للبخاري: «هو من أجلِّ كُتبه الصغار».
وقوله (ص ٨٦٩) عن «الموجز» لأبي الحسن الأشعري: «أجلّ كتبه وأكبرها». وقوله عنه (ص ٨٣٩): «من أجلِّ كتبه المتوسطات».
ووصف (ص ٨٦٩ - ٨٧٠) «الإبانة» لأبي الحسن الأشعري أنها أشهر كتب الأشعري، وقال: «اعتمد عليها أنصر الناس له وأعظمهم ذبًّا عنه من
стр. 37
أهل الحديث أبو القاسم بن عساكر؛ فإنه اعتمد على هذا الكتاب وجعله من أعظم مناقبه في كتاب «تبيين كذب المفتري».
وقوله (ص ٣٣٧) عن «الأحاديث المختارة» للضياء المقدسي: «هي أصح من صحيح الحاكم».
ولما نقل عن الحميدي فصلًا من كلام أبي محمد بن حزم في أسباب اختلاف الأئمة قال (ص ٢٧٠): «وهو من أحسن كلامه».
وقوله (ص ٥٠٧) عن المِجَسْطي لبطليموس: «فيه قضايا كثيرة لا يقوم عليها دليلٌ صحيحٌ، وقضايا ينازعه فيها غيره، وقضايا مبنية على أرصاد منقولة عن غيره تقبل الغلط والكذب، وفيه قضايا برهانية صادقة».
- وقد ظهر في الكتاب جليًّا محبة الإمام ابن القيِّم للعلم وحرصه على تحصيله، حتى قال (ص ٦٤٢): «ولو نعلم أن في الأرض من يقول ذلك ويقوم به تبلغ إليه أكباد الإبل لاقتدينا بالمسير إليه بموسى في سفره إلى الخضر، وبجابر بن عبد الله في سفره إلى عبد الله بن أُنيسٍ لسماع حديثٍ واحدٍ، ولكن أزهد النَّاس في عالمٍ قومه».
- وقد انتفع ابن القيِّم في هذا الكتاب بشيخ الإسلام ابن تيمية وبكتبه عامةً وبكتابه «درء تعارض العقل والنقل» خاصةً.
والكتاب يُظهِر أن الإمام ابن القيِّم -رحمه الله تعالى- «تفنن في علوم الإسلام، وكان عارفًا بالتفسير لا يُجارى فيه، وبأصول الدِّين، وإليه فيهما المنتهى، والحديث ومعانيه وفقهه ودقائق الاستنباط منه، لا يُلحق في ذلك، وبالفقه وأصوله وبالعربية، وله فيها اليد الطُّولى، وتعلم الكلام والنَّحو وغير ذلك، وكان عالمًا بعلم السُّلوك وكلام أهل التَّصوف وإشاراتهم ودقائقهم، له
стр. 38
في كل فنٍّ من هذه الفنون اليد الطُّولى». كما وصفه تلميذه زين الدِّين ابن رجب في «الذيل على طبقات الحنابلة» (٥/ ١٧١ - ١٧٢).
وأمَّا الكلام على أسلوب الإمام ابن القيِّم الأدبي ومميزاته فقد سبقنا للكلام عليه جماعة من الباحثين جزاهم الله خيرًا (١).
* * * * *
стр. 39
(٦) مصادر الكتاب
تنقسم مصادر الإمام ابن القيِّم -رحمه الله تعالى- إلى ثلاثة أقسام:
الأول: مشاهدات ابن القيِّم:
قال (ص ١٣٥): «وقريبٌ من هذه المناظرة ما جرى لي مع بعض علماء أهل الكتاب (١)، فإنه جمعَني وإياه مجلسُ خلوةٍ، أفضى بنا الكلام إلى أن جرى ذِكر مسبَّة النصارى لربِّ العالمين مسبةً ما سبَّه إيَّاها أحدٌ من البشر، فقلت له: وأنتم بإنكاركم نبوةَ محمدٍ ﷺ قد سببتم الربَّ تعالى أعظمَ مسبةً».
وقال (ص ١٤١ - ١٤٢): «فطريقتهم ضدُّ طريقة القرآن من كل وجهٍ، إذ طريقة القرآن حقٌّ بأحسن تفسيرٍ وأبينِ عبارةٍ، وطريقتهم معانٍ باطلة بأعقدِ عبارةٍ وأطولها وأبعدها من الفهم، فيجهد الرجل الظمآن نفسَه وراءهم حتى تنفد قُواه، فإذا هو قد اطلع على سرابٍ بِقِيعَةٍ … والله يعلم أنَّا لم نَقُلْ ذلك تقليدًا لغيرنا، بل إخبارًا عمَّا شاهدناه ورأيناه».
وقال (ص ١٠٠٤): «وأمَّا إطلاقهم العبارات القبيحة الدالة على الاستهانة، فهم لا يتحاشون منها، بل يُصرِّحون بقولهم: أي شيءٍ في المصحف سوى المِداد والورق. ويقولون: ليس في المصحف كلام الله، ولم ينزل إلى الأرض لله كلام، وهذا الذي يقرؤُه المسلمون ليس بكلام الله حقيقةً. وقد رأينا نحن وغيرنا هؤلاء مشاهدةً، وسمعنا بعض أقوالهم التي حكيناها، وهذه الفروع واللوازم فروع ذلك الأصل الباطل».
стр. 40
الثاني: مشافهة شيوخه له.
وقد صرَّح بمشافهة اثنين من شيوخه:
فقال (ص ٥٠٨): «وحدثني شيخ الإسلام قال: حكى لي بعض الأذكياء وكان قد قرأ على أفضل أهل زمانه في الكلام والفلسفة، وهو ابن واصل الحموي … ».
وقال في الفصل الثاني عشر (ص ١٣١): «نكتفي من هذا الفصل بذِكْر مناظرةٍ جرَتْ بين جهميٍّ معطِّلٍ وسُنِّيٍّ مُثبِتٍ، حدثني بمضمونها شيخُنا عبد الله ابن تيمية ﵀».
الثالث: نقله عن أهل العلم.
كان الإمام ابن القيِّم محبًّا للكُتب جمَّاعًا لها، ومكتبته كانت غاية في الكبر والتنوع، قال ابن كثير في «البداية والنهاية» (١٨/ ٥٢٤): «اقتنى من الكتب ما لا يتهيَّأ لغيره تحصيل عُشره من كتب السَّلف والخلف». وقال الصفدي في «أعيان العصر» (٤/ ٣٦٨): «ما جمع أحدٌ من الكتب ما جمع، لأن عمره أنفقه في تحصيل ذلك، ولمَّا مات شيخنا فتح الدِّين (١) اشترى من كتبه أمهات وأصولًا كبارًا جيدة، وكان عنده من كل شيءٍ في غير ما فنٍّ ولا مذهب، بكل كتابٍ نسخ عديدة».
وقد جمعت ما وقفت عليه من أسماء الكتب التي نقل عنها الإمام ابن القيِّم في الجزء الموجود من الكتاب فبلغت مائة وخمسة وعشرين مصنَّفًا، وهي: