← Сияса и кади

Сияса и кади · id 18493

تحفة الناظر وغنية الذاكر في حفظ الشعائر وتغيير المناكر

محمد بن العقباني

Полный текст (181 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

تحفة الناظر وغنية الذاكر في حفظ الشعائر وتغيير المناكر تأليف أبي عبد الله محمد بن أحمد بن قاسم بن سعيد العقباني التلمساني (فقيه توفي بتلمسان عام ٨٧١ هـ - ١٤٦٧ م) تحقيق علي الشنوفي (أستاذ مُبرِّز)

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وسلم يقول العبد المفتقر إلى عفو ربه بتقصيره وعيبه راجي رحمته عبيده سبحانه محمد بن الحسن بن قاسم بن سعيد العقباني غفر الله له ورحمه بمنه وكرمه آمين: الحمد لله الذي قمع بزاجر عقابه وحده من ارتكب مخالفة نهيه وأمره * وصدع بأليم عذابه وصده * قلب من نازع الحق في ملموس سره أو وضوح جهره * وردع الكآبة بحماية الخاصة لبيضة الإسلام وما احتوت عليه من مصالح الأنام في طي الإبلاغ ونشره حلوه ومره * وشرع في خلقه الاستنان بتغيير المناكر وجوبًا مؤكدًا وفرضًا مؤبدًا ما تعاقبت الملوان في أزمنته ودهره * وجعلهم في هذه الملة السمحاء * والشرعة الغراء * بهذا السبب المكين * والحبل المتين * من خير أمة وأكمل لهم دينهم الذي ارتضى لهم وأئمة فسطع نوره على الأديان بعناية الملك الديان تكريمًا لشأنه وتعظيما لقدره نحمده على ما أسدى عليا من نعمه المتظافرة * ونشكره على ما أبدى لدينا من آلائه المتواترة * ونصلي على سيدنا ومولانا محمد خير من أطلعه الله على مكنونات غيبه * وألقي عليه من نباه الكريم قولا ثقيلا فتلقاه بسامي جأشه * وحاضر ذكره وأمره * أن يصدع بما أتاه * ويعرض عمن ناداه * ببادي جحده وعناد كفره * فلم يزل دينه القويم وهديه المستقيم يظهر ويبدو * ويسمو ويعلو * حتى دخل الناس في دين الله أفواجًا * وأولج المكذبون له أنفسهم إيلاجًا * بمرهقات هذا النبي الكريم * وأسنة قهره صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وعثرته الكرام وحزبه ما دام المسبح لله من حي ونبات وصلد وجماد ويسبحه في بره أو بحره. أما بعد فإنك سألتني أن أقيد لك ما حضرني إملاؤه * وأنهى للمسترجي والناظر والقارى ما وسعني إنهاؤه * في شأن الواجب من تغير المنكر وعلى من وجوبه * وفي أي وقت يجب وما يسقط وجوبه * بحدوث ما يتقى أو يحذر وما يفترق به المنكر من غيره مما لا يسوغ أن يبدو في وقت من الأوقات أو يظهر وهل التغيير مخصوص بأهل هذا الدين من المسلمين طوائف أو يشمل من آمن ومن كفر فاعلم وفقنا الله وإياك لجادة الصواب * ومن علينا بالعصمة من زلة القدم وعبث القول في الخطاب أو الكتاب * أن علماء الأمة ﵃ بسطوا القول فيما سألت عنه من تغيير المناكر * وإقامة الحدود والزواجر الشرعية لحفظ الشعائر * في كتبهم المبسوطة المشهورة *

стр. 3

وأقاويلهم المنثورة المأثورة * بحيث تكون مراجعتها مغنية عن السؤال وتلخيص ما طلبته مني في ذلك من جامع الجواب وتهذيب المقال * إذ لم نستحصل من فايض بحورهم العذبة الرايقة * ومعاني أوصافهم وتهذيب المقال * إذ لم نستحصل من فايض بحورهم العذبة الرايقة * ومعاني أوصافهم الجمة الفائقة * إلا اشتمام الرائحة بالأنوف المغلقة * وإعمال الفكرة المشوشة * بالصوارف المحدقة * بما لا يصل إلا وصولًا ضعيفًا لهذه الأفئدة المعلقة * ولكني أستمد من قهر كلامهم ما أضعه لك في هذا الكتاب على شكل التذكرة فلعلك إن راجعت في كتبهم المسطورة * ورواياتهم المشهورة * حصلت على طايل من الاستفادة والتبصرة فقيدت لذلك فيه لك ما حضرني تقييدًا يتبين معه قصوري أو قلة شعوري ولكن الذي سهل علي طريق الأخذ فيه ما زكنته من سماحة الفضلاء وتجاوز السادة النبلاء * فإن تجد عيبًا فسد الخللا * فجل من لا عيب فيه وعلا * وسميته بتحفة الناظر وغنية الذاكر في حفظ الشعائر وتغيير المناكر * فإن نظره الناظر فيه بعين الصفح بعد التصفح فأقول قطني وحسبي * وإن نظره بعين القدح ولو مع التلمح فلا أزل قائلًا إن ذلك من لازم عيبي وسجية النقص التي هي دائمًا من دأبي * والله يغفر لي من هفوت تعلق بها لساني * أو جفوة خطتها أناملي وبناني * فقلما يخلو من ذلك مؤلف * أو يسلم منه مصنف * ومنه سبحانه أرتجى التوفيق للظفر بمسالك الصواب * وأسأله السداد والعون لما يرضاه ويحبه في البداية وحسن المئاب وقسمته على ثمانية أبواب وخاتمة الكتاب. الباب الأول في دليل مشروعيته الباب الثاني في محال فرضه وندبه وحرمته الباب الثالث في المغير وشروحه الباب الرابع في كيفية التغيير ووجه تناوله الباب الخامس في وجوه مراتبه الباب السادس في معرفة طريق الكشف عنه الباب السابع في أعيان صوره واختلاف محاله الباب الثامن فيما يختص به من ذلك من سألت عنه من أهل الأمة ومن كان في شكلهم من المعاهدين الخاتمة في الأصل في ولاية المتولي لذلك بم تفترق من غيرها من الولايات الشرعية.

стр. 4

الباب الأول في دليل مشروعيته قال مولانا ﷻ في محكم تنزيله * ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن النكر أولئك هم المفلحون﴾ * وقال تعالى * ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾ فقرن تعالى بالمعروف والنهي عن المنكر بالإيمان بالله الذي هو أصل السعادة وسبب النجاة والسلامة لعظيم خطره وجلاله قدره وسبب ذلك كانوا خير أمة أخرجت للناس واستحقوا مدحة الله التي هي أكبر نعمة وقال تعالى * ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهو عن المنكر﴾ * فقرنه أيضا مع الصلاة والزكاة التي هي عماد الدين وشعار المسلمين وبترك ذلك عاب على بني إسرائيل وأوجب عليهم اللعنة وقال تعالى * ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى بن مريم ذلك بما عصو وكانوا معتدين كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾ * وقال تعالى * ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين﴾ * وقال ﷺ : والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه ولتطرنه على الحق أطرا أو ليصرفن قلوب بعضكم على بعض ويلعنكم كما لعن بني إسرائيل كان إذا عمل العامل منهم بالخطيئة نهاهم الناهي فإذا كان من الغد جالسه وواكله وشاربه وكأنه لم يره على خطيئة بالأمس فلما رأى الله منهم ذلك صرف قلوب بعضهم على بعض ولعنهم على لسان نبيهم داوود وعيسى صلى الله عليهما ذلك بما عصوا وكانوا معتدين. وقال رسول الله ﷺ : " إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة ولكن إذا عملوا المنكر جهارًا استحقوا العقوبة كلهم وقالت عائشة رضها: قال رسول الله ﷺ : عذب الله أهل قرية فيها ثمانية عشر ألفا أعمالهم كأعمال الأنبياء. قالوا يا رسول الله: كيف ذلك. قال: لم يكونوا يغضبون لله ولا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر.

стр. 5

الباب الثاني في محال فرصة وندبة وحرمته أما حكمه ففرض متأكد وواجب متعين فلا أحد من المخاطبين إلا وقد تعين عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولو في نفسه وأهله وعياله: قال رسول الله ﷺ : ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. الحديث في هذا عام الأعيان وكذلك فيما حضر أحد مواقعة أحد المنكر أو علمه فأمكنه القيام مع وجود الشروط وانتفاء الموانع وجب ذلك عليه. قال ﷺ : من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده * فإن لم يستطع فبلسانه * فإن لم يستطع فبقلبه * وذلك أضعف الإيمان. فلا يسقط جرحه من رأى منكرًا وعلمه ولا القيام بتغييره على الفورية بحيث لا يمر عليه زمن تفريط لأن كون القيام بذلك من الإيمان يدل على أن تركه من الضلال والخسران وإذا كان ذلك واجبًا متأكدًا على كل من علمه بحسب وسعه فهو على الأئمة والولاة والقضاة وسائر الحكام أوجب وآكد إنهم متمكنون من التغيير بعلو اليد وامتثال الأمر ووجوب الطاعة وانبساط الولاية. يدل عليه قله سبحانه * ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا لزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر﴾ * فإن من أنواع القيام بذلك ما يدعو إلى الاستيلاء وإقامة الحدود والعقوبات مما لا يفعله إلا الولاة والحكام. فلا عذر لمن قصر منهم عند الله تعالى لأنه إذا أهمل هؤلاء القيام بذلك فجدير ألا يقدر عليه من هو دونهم من رعيتهم فيشك أن تضيع حرمات الدين ويستباح حمى الشرع والمسلمين. فحكمه على الجمة الفرض المتأكد لكن قد ينقلب إلى الامتناع والحرمة وذلك في حق شخصين أحدهما الجاهل بالمعروف وبالمنكر بحيث لا يميز موضوع أحدهما من الآخر فهذا ايحرم في حقه فإذا كان عالمًا بالمعروف والمنكر وأمن من التسبب بمنكر أعظم وعلم أو غلب على ظنه أن إنكاره المنكر مزيل له وأن أمره بالمعروف مؤثر فيه ونافع وجب عليه التغيير وإذا لم يعلم ذلك ولا غلب على ظنه لم يجب عليه أمر ولا نهي ولهذا قال الشيخ ابن رشد "في مقدماته" وفي بيانه فالشرطان الأولان مشروطان في الجواز والشرط الثالث مشترط في الوجوب فإذا عدم الشرط الأول والثاني

стр. 6

لم يجز أن يأمر ولا ينهى وإذا عدم الشرط الثالث ووجد الشرطان الأولان جاز له أن يأمر وينهى ولم يجب ذلك إلا أنه يستحب له وإن غلب على ظنه أنه لا يطيعه إذ لعله سيطيعه. تنبيه: قال الإمام أبو حامد الغزالي رضه في كتابه الذي سماه " بالأربعين" كل من شاهد منكرا ولم ينكر" وسكت عنه فهو شريكه: فالمستمع شريك المغتاب: ويجري هذا في جميع العاصي حتى في مجالسة من يلبس الحرير والديباج ويتختم بالذهب ويجلس على الحرير والجلوس في دار أو حمام على حيطانها صور أو فيها صور أو أوان من ذهب أو فضة أو الجلوس في مجلس وعظ يجري فيه ذكر البدعة أو في مجلس مناظرة أو مجادلة يجري فيها الإيذاء والإفحاش بالسفه والشتم. وبالجملة من خالط الناس كثرت معاصيه وإن كان تقيًا في نفسه إلا أن يترك المداهنة ولا يخاف في الله لومة لائم. وإنما يسقط عنه الوجوب في أمرين: أحدهما أن يعلم أنه إذا أنكر لم يلتفت إليه ولم يترك المنكر ونظر إليه بعين الاستهزاء. قال الغزالي: وهذا هو الغالب في منكرات يرتكبها الفقهاء ومن يزعم أنه من أهل العلم والصلاح فها هنا يجوز السكوت ولكن يستحب الزجر باللسان إظهارا لشعائر الدين مهما لم يصدر على الزجر باللسان ويجب أن يفارق ذلك الموضع فليس يجوز مشاهدة المعصية بالاختيار فمن جلس مجلس الشراب فهو فاسق وإن لم يشرب وإن جالس مغتابًا أو لابس حرير أو آكل ربا أو حرام فهو فاسق إن لم يقم من موضعه وقوله سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ معناه في الزمان الذي لا ينتفع فيه بالأمر بالمعروف ولا بالنهي عن المنكر ولا يقوم من ينكره على القيام بالواجب في ذلك فيسقط الفرض فيه ويرجع أمره إلى خاصة نفسه ولا يكون عليه سوى الإنكار ولا يضره مع ذلك من ضل. يبين هذا ما روي عن أنس بن مالك رضه قال: قيل يا رسول الله متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل، قيل: وما إلى ذلك يا رسول الله؟ قال: إذا ظهر الإدمان في خياركم والفاحشة في صغاركم وتحول الملك والفقه في أرذالكم وشراركم. وما روي عن أبي أمية قال: سألت أبا ثعلبة الخشنى: قلت كيف نصنع في هذه الآية؟ قال أية آية؟ قلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ فقال لي: أما والله لقد سألت عنها خبيرًا سألت رسول الله ﷺ عنها فقال لي ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحًا مطاعًا وهوى متبعًا ودنيا مؤثرةً وإعجاب كل ذي رأي برأيه ورأيت أمرًا لا بد لك منه فعليك بنفسك وإياك وأمر العوام فإن من ورائكم أيامًا

стр. 7

الصبر فيهن صبر على مثل قبس على الجمر للعامل الواحد منهم كأجر خمسين رجلًا يعملون مثل عمله. قال الشيخ بن رشد رحه ورضه: وما أشبه زماننا بهذا الزمان تغمدنا الله منه بعفو وغفران وأقول إذا حقق الشبه في زمانه بما أنار به ﵇ الذي كان زمانه المائة الخامسة وهي من خير الأزمنة التي تكاملت فيها مواد العلم ولاحت أنواره بوجود وذويه كالإمام أبي عبد الله محمد المازري وأبي حامد الغزالي ونظرائهما فكيف بزماننا هذا الذي هو على ما هو عليه! قال ابن رشد: ولكن مهما كان الزمان زمانًا يوجد على الحق فيه معين لله فلا يسع أحدًا فيه السكوت على المنكر وترك تغييره. قال عمر بن الخطاب رضه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمهم بعقاب من عنده. الثاني من الأمرين اللذين يسقط بهما الوجوب أن يعلم أنه يقدر على المنع من المنكر بأن يرى زجاجة فيها خمر فيكسرها أو يسلب آلة الملهى من يد صاحبها ويضربها على الأرض ولكن يعلم أنه يضرب أو يصاب بمكروه فهاهنا يستحب له التغيير لقول الله ﴿واصبر على أصابك﴾ ولا يجب تركه لأجل ذلك. قلت: والظاهر ممن كلام ابن رشد وجوب الترك مع تيقن الإذاية لا سقوط الوجوب خاصة وبقاء الاستحباب. فتلك طريقة عز الدين بن عبد السلام. وعين ما قاله الإمام أبو حامد الطوسي رضه ولكن ما قاله ابن رشد أظهر من جانب النظر وأرجح من طريق المعنى بعموم قوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ ويكون قوله سبحانه: ﴿واصبر على ما أصابك﴾ مخصوصًا بشأن المخاطب هذا وهو ابن لقمان الحكم بوصية أبيه له بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا وعلى نفسه فلا عموم ولا خصوص هذا إن كانت الوصية منه تقرير شريعة وإنك انت مجرد وصية بالورع فليس مما نحن فيه. ثم كمل الغزالي هذا الفصل بفائدة قوله: " وعلى الجملة فلا يسقط الوجوب إلا بمكروه في بدنه بالضرب أو في ماله بالاستهلاك أو في جاهه بالاستخفاف به بوجه يقدح في مروءته. فأما خوف استيحاش المنكر عليه وخوف تعرضه له باللسان وعداوته أو توهم سعيه في المستقبل بالسوء أو يحول بينه وبين زيادة في الخيرات بتوقعها فكل ذلك موهومات وأمور ضعيفة لا يسقط بها الوجوب".

стр. 8

الباب الثالث في المغير وشروطه يعتبر في مغير المنكر أربعة شروط: أن يكون مسلمًا مكلفًا عالمًا بذلك المنكر. وصفة التغيير والقدرة على القيام به. فأما الإسلام والعلم فهما شرطان في صحة القيام فلا يتوجه مع عدمهما إذ لا يصح تغيير الكافر إذ التغيير انتصار لدين الله سبحانه وجحد الكافر يأتي انتصاره لما جحد وكابد عليه لأنه استخفاف بالإسلام فلعله لا يقصد بذلك إلا الوصول إلى احتقارهم والشين بالاستطالة عليهم فلا يسوغ تمكينه منه لقول الله سبحانه: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا﴾ وقال ﷺ لن أستعين بمشرك ومثله في الحكم الجاهل بموجب القيام لأنه يحرم في حقه كما تقدم في الباب الثاني قبل إذ لا يحل قياه فيما جهل حقيقته من المنكرات أو طريق الإنكار فيها فإن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال فلا يستوي إنكار الولد على أبيه والعبد على سيده والرعية على أميرها ومن شاكلهم من سواهم ونحو ذلك مما يؤول أمره إلى ما هو أنكر منه فمن كان يجهل شيئًا من هذه الأمور فلا يباح قيامه فيما لم يعلم منها ويباح فيما علم لوجود الشرط فيه. وأما الشرطان الباقيان وهما التكليف والقدرة على التغيير فهما شرطًا وجوب على من حصلا فيه مع شرطي الصحة المتقدمين لأن غير المكلف لصباه أو جنونه غير مخاطب فلا يلزمه قيام إلا أن الصبي إذا عقل القربة وعرف المناكر وطريق التغيير فتبرع به كان منه صحيحًا سائغًا وأثيب عليه في القيامة ولا إثم عليه في الترك بخلاف المكلف ومثله من لا يقدر على التغيير حسبما تقدم إما لعلمه عدم الجدوى في قيامه وإما لتقيته على نفسه. فوجوب القيام عنه ساقط وإنما يجب عليه الإنكار بقلبه ولكن يستحب له على ما تقدم نقله عن الإمام الغزالي وعلل بعض الشيوخ هذا الاستحباب مع وجود التقية بتحصيل فائدة أخرى غير تغيير المنكر وهي التنبيه على حدود الله والإظهار لشعائره وحرماته فإنها كما قال مولانا الكريم من تقوى القلوب إذ التمالك في مثلها على السكوت قد يوهم الرضى أو التساهل فيوقع اعتقادًا عند ضعيف الإيمان أن ذلك من قبيل الجائز فإذا تبرع أحد بذلك مع قيام مانع التقية عظمت مثوبته عند الله وهو في سعة من الترك بخلاف انخرام شرطي الصحة المتقدمين فإن القيام مع عدمهما أو عدم أحدهما باطل. وتقدير ما في هذا اباب من المعنى قريب من معنى ما في الباب الذي قبله. لكن افترقا في ذلك فالأول في حكم التغيير

стр. 9

وهذا في حكم المغير وإن كان بينهما تداخل بحسب ما اجتنباه من نقل الأئمة ﵃. واختلف في العدالة هل هي شرط في صفة المغير أو لا. فاعتبر قوم شرطيتها ورأوا أن الفاسق لا يغير وأبى من اعتبارها آخرون. وذلك الصحيح المشهور عند أهل العلم لأن ذلك من الشروط الواجبة على الشخص في رقبته كالصلاة فلا يسقطه الفسق كما لا يسقط وجوب الصلاة التعلق التكليف بأمر الشرع قال ﵇: من رأى منكرًا فلغيره وليس كونه فاسقًا أو ممن يفعل ذلك المنكر بعينه يخرجه عن خطاب التغيير لأن طريق الفرضية متغاير. قال أنس بن مال رضه: قلت يا رسول الله لا تأمر بالمعروف حتى نعمل به كله ولا ننهى عن المنكر حتى نعمل به كله. قال بلى مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به كله وانهوا عن المنكر وإن لم تجتنبوه كله. وقال الحسن البصري رضه: يريد أن لا يظفر الشيطان منكم بهذه الخصلة وهي لا تأمروا بالمعروف حتى تأتوا به كله. قال الغزالي رضه: يعني أن هذا يؤدي إلى حسم باب الحسبة فمن ذلك يعصم عن المعاصي. ويروى عن سعيد ابن جبير رضه أنه قال: إن لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر إلا من لم يكن فيه شيء لم يأمر أحد بشيء. وأعجب ذلك مالكًا من قول سعيد وإنما ينبغي لمن يغير منكرا على غيره أن يفتتح أولا بنفسه ويكون أمرها في ذلك من أهم أموره وبداية نظره. وكذلك جميع من لزم تعلقه به من أهله ورفيقه وحاشيته. فإن أوجب الناس حقًا على المكلف العاقل نفسه ثم حاشيته لتنبيهه ﷺ ذلك بقوله: إبدأ بنفسك ثم بمن تقول وكذلك أمره تعالى له ﵇ في قراءته خصوصا وتوكيدا بقوله: ﴿وانظر عشيرتك الأقربين﴾ فالعاقل من ابتدأ بالنظر لنفسه وعم أهل حبه وأنسه فلا يأمر يمعروف إلا أتاه ولايته عن منكر إلا تجنبه ووقاه وليتنح عن أن يكون طالبا في صلاح غيره باخلا بالخير على نفسه فتلك تجارة خاسرة * وقدم في محل الحق عاثرة * فحيثما نكد عن حساب قلبه واشتغل بالأخذ على غيره فقد استحق وصف المقت عند الله إذ يقول جل من قائل ﴿كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ وقال سبحانه ﴿أتأمرن الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾ وقال أسامة بن زيد: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق فيها أقتاب بطنه فيدور فيها كما يدرو الحمار برحاه فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان ما لك لم تكن تأمر بالمعروف وتنهى المنكر فيقول كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه فناهيك بهذا تبابا وإبعادا حتى أظهر قباحة هذا النوع شاعر القوم حيث يقول:

стр. 10

لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم فالكيس من اقتص من جوده لحفظ وجوده وأفرغ من اهتمامه وقيامه في استحصال مصلحته وقوامه فكما لا يليق به الاشتغال عن نفسه والاقتصار على فائدة غيره فكذلك لا ينبغي له أيضا الاقتصار على صالحة نفسه والاعتراض عما باشر من أحوال غيره فإنهما فرضان متغايران لا ينوب أحدهما عن الآخر صدع بوجوبه الكتاب والسنة كما قدمنا نصوص أدلته في الباب الأول. فمن لم يفعل ذلك على حقيقته وأتى الأمر فيه من غير بابه وطريقته استحق الرمي بمهام الوعيد الوارد في قوله ﷺ لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر وليسلطن الله عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم فأي أمر أكبر شرا وأعظم مصابا مما تتعدى إلى الغير تبعته وتتجاوز الفاعل عقوبته كما قال ﷺ : إن الله لا يعذب العامة بذنوب الخاصة حتى يرى المنكر بين أظهرهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه. وكما روي: أن زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ قالت: يا رسول الله الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث. فكل شخص لزمه خطاب التكليف لا يسعه في الأمرين شيء ما في التسويف وذلك استقامة في نفسه والضرب على يد غيره بالتغيير فأيهما امتثل أمر الله فيه سقط إثمه وأثيب على فعله وإن تركهما كليهما فقد تعاظم عليه الوزر وتضاعف الفساد والشر فلا ينبغي لمن ترك أحد الجانبين وعليه شيطانه على إهماله أن ينسى حق الله وخطاب أمره في الجانب الآخر فيكون من الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أعاذنا الله من شدد البلاء بحصول الأمل. قال مالك: في جامع المستخرجة: أنهم يحسنون صنعا أعاذنا الله من شديد البلاء بحصول الأمل. قال مالك في جامع المستخرجة: كان يقال من أشد البلاء الإملاء في المعاصي. قال ابن رشد رحه: وهذا بين يشهد له قول الله ﴿إنما نملي لهم ليزدادوا إثما﴾ ولا شيء في الإملاء أكبر من كون الإنسان يفعل المعصية في نفسه ولا ينكرها على غيره. واختلف أيضًا: هل من شرط مغير المنكر أن يكون مأذونًا من الإمام أو أحد من الحكام فرآه بعضهم ومنع آحاد الناس من ذلك ومنعه آخرون. وذلك الصحيح المشهور الذي عليه الكافة والجمهور لوضوح فساد الأول بمصادقة عموم أي القرآن وصحيح الآثار قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ .... ﴾. وقال ﷺ : من رأى منكرًا فليغيره: إلا أنه يتأكد على الإمام الأعظم جعل الله نصره بالتأييد على إقامة الحق داعيا وبأعباء معالم الشرع في كل

стр. 11

مواطنه وأحيانه قائمًا. لأنه الناظر في دثار الدين وشعاره أمد له نظر العموم والشمول. وكل من سواه لا يقوى قوته في الاستيلاء. لما يتخلل كلمته من القواطع والفلول لاسيما في نوع يؤدي إلى كثر أعوان وتحصيل لما يخشى من مكابدة وقال فظهور رادع الإمام العدل في ذلك واجب * وسعيه في ذلك بكله وبعضه لازب * ما لم تدع الضرورة لترك النصرة به * لما يخشى من قوات التغيير برعايته * كالقوم يكونون في البادية أو في محجة المسلمين يحدث بينهم ألقتك والغضب أو القتل وما أشبه ذلك من كل ما لا يحل إهماله فواجب القيام به ودفعه بما أمكن ودعت الحاجة إليه في كل حال. الباب الرابع في كيفية التغيير ووجه تناوله أما كيفية التغيير في شروعيته على الجملة تحسين المأخذ والبداية بالترفق والتلطف حتى يستوي من زل * ويهتدي من ضل * قال الله : ﴿فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى﴾ وقال جل وعلا: "ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ وقال ﷺ : من كان آمرًا بمعروف فليكن أمره ذلك بمعروف. وقال ﵇: إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف. وكذلك كان فعله ﷺ في مواطن عديدة. فمنها ما وقع في حكاية الأعرابي إذ جاءه فقام ليبول في المسجد. فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مه! مه! فأصابهم ﵇ بقوله لهم: دعوه! فتركوه حتى بال. ثم إن رسول الله ﷺ دعاه. فقال: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر وإنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن. ثم أمر رجلًا من القوم فجاء بدلو من ماء فصبه عليه. وروى أبو إمامة الباهلي (الباهيلي) أن غلامًا شابًا أتى النبي ﷺ فقال: أتأذن لي في الزاج الزنى؟ فصاح الناس به. فقال ﷺ : أقروه أقروه أدن مني. فدنا منه. فقال ﷺ : أتحبه لأمك؟ قال: لا! جعلني الله فداءك قال: كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم. فقال ﷺ أتحبه لاينتك؟ قال: لا! قال: فكذلك الناس لا يحبونه لبناتهم ثم ذكر الأخت والعمة والخالة وكذلك الناس لا يحبونه

стр. 12

لبناتهم ثم ضع يده على صدره وقال: اللهم طهر قلبه واغفر ذنبه وحصن فرجه. فلم يكن بعد ذلك شيء أبغض إليه من الزنى. ووعظ المأمون واعظ فعنف عليه. فقال يا رجل ارفق. قد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني فأمره بالرفق فقال جل من قائل: ﴿فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى﴾ وحكى حماد بن سلمة أن صلة بن أشيم مر عليه رجل قد أسبل عليه إزاره فهم أصحابه أن يأخذوه بشدة فقال: دعوني أنا أكفيكم إياه. فقال: يا ابن أخي إن لي إليك حاجة. فقال لأصحابه لو أخذتموه بشدة لقال لا ولا كرامة ولشتمكم. هذا إذا لم يخف مع سلوك الترفق فوات التغيير أو طهور الإهانة والإزدراء بالمقدم على ذلك ويكون رفقه غير مانع لذلك فهذا يلزم المغير تغييره بما أمكن من العنف المقيد للإزالة أما إن كان غير مقيد لإثارة منكر أعظم من المنكر المغير فحكمه على ما سلف في الباب الثاني. الباب الخامس في مراتب التغيير وأما مراتب التغيير فعلى خمسة أنواع: النوع الأول: مجرد التنبيه والتذكير وذلك فيمن يعلم أنه يزيل فساد ما وقع لصدور ذلك على غرة وجهالة كما قع من العاصي الجاهل بدقائق الفساد في البيوع ومسالك الربى التي يعلم خفاؤها عنه وكذلك ما يصدر منه من عدم القيام بأركان الصلوات وشروط العبادات فهذا ومن شاكله ممن له معذرة في الغفلة والجهالة ينبهون بطريق التلطف ويعلمون بمسالك الرفق والاستمالة ليتم قبولهم لذلك بنشاط واستبشار فيلقونه بألفهم الحلي عن الكلفة المسرع بحصول الفائدة كما ذكر في "كتاب تنبيه الحكام" على مئاخذ الأحكام حكاية في المعنى. قال: أخبرني شيخنا الفقيه القاضي أبو عبد الله المشتهر بابن أبي درقة ﵀ قال: كنت مرة في غرة الشباب ومبادي الطلب تشاغلت عن إحدى صلاتي النهار إلى أن شارفت الفوات فأتيت عجلًا إلى بعض المساجد واعتمدت بعض زواياه فصليتها مبادرًا ومتجاوزًا في بعض أركانها وإذا بعض الشيوخ الفضلاء يسارقني النظر بحيث لم أشعر به فلما أتممت صلاتي وهممت بالانصراف استدعاني فأتيته

стр. 13

فقال يا بني رجلًا تسلف دراهم إلى وقت فلما حل الأجل والغريم موسر قادر على الأداء تهاون بذلك واستخف ولم يزل يتراخى به حتى استحق ذم التأخير ثم أتاه بعد ذلك بها ناقصة زيوفًا فجميع جنسي الإساءة في القضاء فهل يكون لهذا حظ في القبول قال فما أتم كلامه حتى فهمت مقصده وتعريضه بما فعلت في صلاتي. فخجلت ثم قلت له: نعم فما زاد على أن قال يا بني قم بارك الله فيك فعدت لإتمام صلاتي وأثر ذلك عندي خير تأثير. فهذا النوع من الرفق والتلطف في التعليم بحسب فهم صاحب النازلة وما يليق به أوقع في النفوس وأقرب للإجابة من كثير من العنف والشدة النوع الثاني الوعظ بما يهز النفوس ويمليها لتصفيه الباطن والبعد من الإثم ومواقع الجرائم بالتخويف من عقاب الله والتحذير من أليم عذابه واستحقاق وعيده. وذلك في سائر من علم أن وقوعه في المناكر على علم منه بها كمدمن شرب الخمر والمواظب على الغيبة والنميمة وأمثال ذلك من أنواع المعاصي التي لا يجوز على مسلم مكلف أن يجهل تحريمها. فاللازم في شأن هذا أن يتعاهد المتصف به بالعظة والإخافة من ربه جل وعلا ويتلطف معه في إيصال ذلك لجأشه وليه فلعل مصرف القلوب سيجعل ذل صارفا قلبه عن مواقعه الزلل ويلهمه رشده في محو آثار كل خلل. قال مولانا في حكم تنزيله المبين ﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾. النوع الثالث الزجر والتأنيب والإغلاظ بالقول والتقريع باللسان والشدة في التهديد وهجن الخطاب في الإنكار. وذلك فيمن لا ينفع فيه وعظ ولا ينجع في شأنه تحذير برفق ولا تكره لطف فردعه إنما يكون بالتخويف الصارف له والمرهب القامع لأمثاله كقوله: لئن لم تنته لأقعن بك كذا وما أشبه هذا من التقريع والوعيد الذي هو أهله. ولا ينبغي أن يتعدى إلى السب الفاحش والذم الذي ليس من صفة ذلك المخاطب فإن فعل ذلك في غير محله ومع من ليس من أهله فذلك منكر واقعه مغير المنكر يجب الاحتساب فيه عليه. النوع الرابع التغيير بملاقاة اليد بإزالة ذلك المنكر وإذهاب وجوده وذلك فيمن كان حاملًا الخمر أو لابسًا ثوب حرير أو خاتم ذهب أو ماسكًا لمال مغصوب وعينه قائمة بيده وربه متظلم من بقاء ذلك بيده طالب رفع المنكر في بقائه تحت حوزه وتصرفه فأمثال هذا لابد فيه مع الرجز والإغلاظ من المباشرة للإزالة باليد أو ما يقوم مقام اليد كأمر الأعوان الممتثلين أم المغير في إزالتهم له بوازع الطاعة وأعمال المسارعة فيريقون الخمر وينزعون ثوب الحرير وخاتم الذهب ويختطفون المغصوب من يد الغاصب ويردونه لمالكه وما شاكل ذلك من أساب البيع في زوال ذلك المنكر ومحو آثاره. قال رسول الله ﷺ : من رأى منكم منكرا فليغيره بيده. تنبيه إذا لم يقع التمكن من إراقة الخمر ولا بكسر أنابيبها

стр. 14

وتحريق عائها فلا ضمان على من فعل ذلك على الوجه المتقدم في هذا النوع وإن أمكن زوال عينها مع بقاء الوعاء سليما ولم يخف الفاعل مضايقة في الزمان ولا في المكان بثغلب أو أبنيات فأتلفه مع انتفاء هذه الموانع ضمن قيمته إن كان لأمثاله قيمة وإلا وهو مما ينتفع به في غير الخمر النوع الخامس إيقاع العقوبة بالنكال والضرب بالأيدي والجلد بالسوط وذلك فيمن تجاهر بالمنكر وتلبس بإظهاره وإبداء صفحة خده في استلذاذه وعدم إفادة العدل واللوم على مواقعته ولم يقدر على دفعه إلا بذلك فإن كابد وعائد ودعت الضرورة إلى مقاتلته بالسلاح ومكافحته بالتناصر والتعاون وجب على كل من حضر وباشر إذا لم يقلع عن ذلك المنكر ولا بمثل ذلك لكن قد تقدم من الأولوية في هذا النوع عند آخر الباب الثالث أو يدفع إلى الإمام أو إلى أحد من الحكام القائمين به عن إذنه لأن ذلك ادعى إلى النجح وأقرب لتسهيل المأخذ ونيل المقصد وأرفع لما يخشى من أثارة الفتنة مع من ليس معه رائحة من الأمر السلطان لما جعل الله في السلطان من الحكمة النيرة والسير الإلاهي فقد وقع في بعض الآثار: السلطان ظل الله في أرضه يأوي إليه كل مظلوم. هذا إن لم يكن استيذانه يؤدي إلى فوات المطلوب من إزالة المنكر أو ما تحصل فائدة استيذانه إلا وقد وقع ذلك المنكر فيجب المبادرة إليه بما أمكن ولو مع قيام هرج أو غيره. فصل ومما يجب الأخذ بمقتضاه * والعمل على ما يضمنه هذا الفصل المخصوص وحواه * أن يكون المباشر لتغيير المناكر * مع ما يجب في وصفه عند الباري جل وعلا من صلاح البواطن والظواهر * بعيدًا بكليته * منافرًا بطبعه وسليقته * لإعمال شيء من العقوبة بالأموال * ولو بدانق واحد يزداد على النكال * فقد أرعد العلماء في ذلك وأبرقوا على من أباحة ببنت شفة * وجعلوا ذلك من شبه الضلال * وتأولوا ما وقع في مسائل المذهب مما ينجح

стр. 15

لذلك بوجوه من التأويلات للانفصال * واجتلاب ذلك لهذا الإملاء المقصود به إعمال الاختصار ما أمكن يوسع دائرة النطاق * ويكثر بتعديده تعداد أشخاص الأوراق * ولكن نكتفي من ذلك بأهم المنقول * وعلى مولانا سبحانه الاعتماد والتكلان في التوفيق لصلاح المقول. قال الشيخ أبو الوليد بن رشد ﵁ في كتاب السلطان من العتبية لما تكلم على مسأل غش الزغفران واللبن: إن العقوبة بالمال أمر كان في أول الإسلام. من ذلك ما روي عن النبي ﷺ في مانع الزكاة أن خذوها منه وشطر ماله غرومة عن غرمات ربنا. وما روي عنه ﵇ في حرميته الجبل فيها غرامة مثليها وجلدات نكالًا. وما روي عنه ﵇ إن من أخذ يصيد في حرم المدينة شيئا فلمن أخذه سلبه. ومن مثل هذا كثير. قال: ثم نسخ ذلك كله بالإجماع على أن ذلك لا يسوغ وعادت العقوبة في الأبدان خاصة * ومن ذلك ما وقع في كتاب الجامع من العتبية أيضًا في حكاية عن مروان بن الحكم في شدته في الحدود قال: قال مالك حدثنا يحيى بن سعيد. أن امرأة خرجت إلى بعض الحرار فلما نزلت قرقرة عرض لها رجل من أصحاب الحمر فنزل إليها ثم أرادها عن نفسها فكشف ثيابها فامتنعت منه بحجر فشجته ثم صاحب فذهب فأتت مروان بن الحكم. وكانت فيه شدة في الحدود. فذكرت ذلك له فسألها عن اسمه فلم يعرفه (تعرفه) وقال: أتعرفينه إذا رأيته؟ قالت: نعم فأدخلت بيتًا ثم قال: إيتوني بالمكارين الذين يكرون الحمر. وقال: لا يبقى أحد أكريتموه إلا جئتموني به. فأتوه بهم. فجعل يدخل عليها رجلًا رجلًا. فتقول: ليس هو حتى دخل عليها به مشجوجًا فقالت هو هذا. فأمر به مروان فحبس في السجن فأتى أبوه فكلمه فيه فقال مروان جانيك من يجني عليك وقد * تعدي الصحاح مبارك الجرب فلرب مأخوذ بذنب عشيره * ونجا المقارف صاحب الذنب قال أبوه ليس كذلك إنما قال الله : ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ فقال مروان: لا. ها الله إذا لا يخرج منها حتى ينقدها أف درهم بما كشف عليها. فقال أبو هي علي فأمر به مروان فأخرج فقيل لمالك: أترى هذا من القضاء الذي يؤخذ به؟ فقال: ليس من القضاء ولكنه على غلطة من مروان ولقد كان مروان يؤتى إليه بالرجل وقد قبل المرأة فينزع ثنيته. قال الشيخ ابن رشد رضه: ما تضمنته الحكاية عن مروان بأنه قضى المرأة بدعواها على المكاري الذي ادعت عليه من كشفه إياها مع الشبهة التي ألحقت التهمة

стр. 16

به وحققته الظنة عله لا يأخذ به مالك ولا يرى القضاء به إذ لا يرى العقوبات بالأموال وإنما ذلك أمر كان في أول الإسلام ثم انعقد الإجماع بأن ذلك لا يجب على سبيل الإنكار عليه إن كان يؤتى بالرجل يقبل المرأة فينزع ثنيته. وهذه نهاية في الإنكار والعقوبات على الجرائم عند مالك على قدر اجتهاد الوالي وعظم جرم الجاني وإن تجاوز الحدود. وقد أمر صاحب الشرطة في الذي وجد مع صبي في سطح وقد جرده وضمه إلى صدره وغلق على نفسه معه فلم يشكوا في المكروه بعينه أن يضربه ضربًا مبرحًا ويسجنه سجنًا طويلًا حتى تظهر توبته فسجنه أيامًا فكان أبوه يختلف إلى مالك ويتردد إليه ويقول: اتق الله فما خلقت النار باطلا فيقول له مالك: أجل إن الذ ألفي عليه ابنك لمن الباطل ثم ضربه صاحب الشرطة أربع مائة سوط فانتفخ فمات. فما أكبر ذلك مالك ولا بالى به فقيل له: يا أبا عبد الله إن مثل هذا من الأدب والعقوبة لكثير. فقال: هذا بما اجترم وما رأيت أنه أمتسه من العقوبة إلا بما اجترم. وقال مطرف بن عبد الله في المبسوط: الأدب إلى الحاكم موكول إلى نظره يؤدب في ذلك باجتهاده وإن أتى الأدب على النفس وإخراج الروح وله في "الواضحة" أن أقصى ما يبلغ في الأدب المعروف بالجرم ثلاثمائة سوط فما دون ذلك. وروى عن أصبغ: أن أقصى الأدب المعروف في جرم الفاسد البين الفساد مائتان. وروي عنه: أن ذلك إلى اجتهاد الإمام وإن أتى على النفس. وقد روي عن النبي ﷺ من رواية ابن عباس أنه قال: م بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين. وذهب إلى هذا محمد بن مسلمة. فقال: قد انتهى غضب الله في الزانية والزاني إلى مائة جلدة وقال: ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾ فلم يجعل عليهما أكثر من ذلك فلا يتجاوز في العقوبة ثمانون سوطًا. وقد روى عبد الله بن مسلمة بن قعنب عن مالك: أنه لا يتجاوز فيها خمسة وسبعين وإن كان يقول: الأدب عندي دون الحدود. والمشهور عنه المعلوم من مذهبه أن ذلك إلى اجتهاد الإمام وهو مذهب ابن القاسم. وقال أبو حنيفة: لا يبلغ بالضرب أكثر من ثلاثة أسواط في الأدب ولا يزاد على الثلاثة إلا في حد من حدود الله. وروي ذلك عن الليث بن سعد. وقال أبو يوسف: لا يبلغ في الأدب ثمانين. وقال ابن أبي ليلى وابن شبرمة لا يبلغ مائة ومن أهل العلم من رأى أنه يضرب في الأدب أكثر من عشرة أسواط. وروي مثله عن أشهب. قال لا يزيد السلطان في الأدب على عشرة أسواط ولا المكتب على ثلاثة فإن زاد على ثلاثة اقتص منه وما اجتلبنا الحكاية بطولها وكلام ابن رشد عليها بكماله إلا لما احتوت عليه من الفوائد في شأن ما نحن فيه من الزواجر والعقوبات الشرعية.

стр. 17

والمقصود نقل ابن رشد الإجماع على منع العقوبة بالمال كما تقدم في كتاب السلطان وأن ذلك نسخ بالإجماع. وفي سماع أشهب وابن نافع من كتاب الحدود. وسئل مالك أيحرق بيت الخمار الذي يوجد فيه الخمر؟ قال: لا. قال ابن رشد هذا صحيح على المعلوم من مذهبه أنه لا يرى العقوبات على الجرائم في الأموال إنما يراها في الأبدان. وفي كتاب الأحكام لابن العربي: لا عقوبة في المال ولكن يؤدب لجنايته بالإجماع. هذا نصه في سورة آل عمران وفي سورة الأنفال من الكتاب المذكور لا تجوز العقوبة بالمال بحال. وفي كتاب النهاية والتمام إن ما ورد من العقوبات بالأموال منسوخ كله وفي كتاب الطحاوي والعقوبة بالمال منسوخة. فهذه نصوص كلها متضافرة على نسخ ما ورد من العقوبة بالمال وأن بالإجماع انعقد على ذلك فلا يلتفت إلى قول من يريد إقامة الإباحة من مسائل وظواهر ينجح مقتضاها لذلك لاتساع مجال التأويل وفسحة القول بمنع ذلك بأدلة التوجيه والتعليل. وقول ابن قيم الجوزية الحنبلي فيما نقل عنه برهان الدين بن فرحون في "تبصرته" ومن قال إن العقوبة المالية منسوخة فقد غلا على مذهب الأئمة نقلًا واستدلالًا وليس يسهل عنه دعوى نسخها والمدعون النسخ ليس معهم كتاب ولا سنة ولا إجماع يصحح دعواهم محجوج بنقل هؤلاء الأئمة الأعلام في كتبهم المبسوطة المشهورة في الإجماع الذي نفاه هو. فمن حفظ حج على من لم يحفظ. وما ذكر من فعل الصحابة أشار به لفظًا عمر. قال ابن رشد وحكم بن عمر بن الخطاب رضه ثم انعقد الإجماع بعده على أن ذلك لا يسوغ والقضية التي قضى فيها عمر رضه هي التي ذكر في كتاب لابن عبد البر والله أعلم. قال خرج قاسم عن أصبغ أن عمر بلغه أن امرأة من قريش تزوجها رجل من ثقيف في عدتها فأرسل إليهما يفرق بينهما وقال لا ينكحهما أبدًا. وجعل صداقها في بيت المال. وفشا ذلك في الناس. فلما بلغ ذلك عليا رضه قال: رحم الله أمير المؤمنين ما بال الصداق وبيت المال إذا جهلا ينبغي للإمام أن يردهما إلى السنة قيل فما تقول أتت فيهما قال لها الصداق بما استحل من فرجها ويفرق بينهما ولا جلد عليهما وتكمل عدتها من الأول ثم تعتد من الثاني عدة كاملة ثلاثة أقراء ثم يخطبها إن شاء فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فخطب فقال: يا أيها الناس ردوا الجهلات إلى السنة وروى الثوري أن عمر جعل لها مهرها وجعلهما يجتمعان. ملخص ذلك مما قصدنا التنبيه عليه أن يجعل القائم بتغيير المنكر حرمه العقوبة بالمال بين عينيه فلا يستبيحها ولا يبيحها لأحد من أعوانه بين يديه وسبيل أرزاقهم سبيل أرزاق الأعوان الذين يوجههم الحاكم في مصالح الناس تكون لهم من بيت المال كأرزاق القضاة

стр. 18

وسائر العمال والولاة فقد وقع في " جامع العتبية" في الشرط يبعثون في الأمر يكون بين الناس يجعل في أموالهم. قال مالك: كان زيادة بن عبد الله يبعث شرطًا في الأمر يكون بين الناس في المناهل ويجعل لهم في أموالهم جعلًا فنهيته عن ذلك وقلت له إنما هذا على السلطان يرزقهم فقيل له إن أمير المؤمنين جعل لمن ولي عليهم شركًا معهم فيما اشتروا. قال شعرت به ولا أمرته بذلك. ثم قال إن هذه الأمور يخاف فيها ما يخاف ثم فسر فيها تفسيرًا. قال ابن رشد رحه هذا أن الواجب أن يجعل للشرطة المتصرفين بين أيدي القضاة في أمور الأحكام رزقًا من بيت المال لأن ذلك من المنافع التي تعم الناس فإن لم يفعل كان جعل الغلام المتصرف بين الخصمين على الطالب في إحضار خصمه المطلوب ويخفي ويعنت بالطالب إعناتًا فيكون الجعل في إحضاره عليه وأما أن يجعل من ولي على السوق شركًا معهم فيما اشتروا فالمكروه فيه بين. وذلك أنه إذا كان له معهم شرك فيما اشتروا سامحهم في الفساد بما له معهم فيه من النصيب ومثل ما في الجامع بنصه في كتاب السلطان. قلت إلا أن ما قال من إعطاه المدعى عليه الملدد أيجعل الذي أعطى في إحضاره المدعي لا يحسن ولا يجعل في أعوان القيم بتغيير المنكر لأنه ليس هنالك مدع ولا مدعى عليه ولا ذو حق متشخص يطلبه بعينه وإنما هو أمر مطلوب بطريق الفرض المتعين على عامة الناس ومتأكد على الولاة والحكام فقصاراه أن تكون أجرة الأعوان فيه في بيت المال كغيرهم من أعوان سائر الحكام وإن كان الأعوان في هذا كغيرهم من سائر الناس في توجه خطاب الوجوب والفرضية نحوهم لكن لما كان اشتغالهم بذلك يضيع عليهم الزمان في شأنه عن القيام بمعايشهم وطلب أقواتهم وجب أن يكون لهم ذلك في بيت المال رزقا وإعانة كما هو المشهور عند العلماء في مرتب طلبة العلم الذي يأخذونه من الأوقاف الموضوعة لذلك أنه من باب الإعانة والرزق لا من باب الأجرة لأن طلب العلم فريضة متعينة في حقه وتحصيل منفعة خدمته وحمله مقصورة عليه لا على الواقف فباين مسلك الاستيجار. فإن قلت: أليس الذي أوجبوه على الملدد المتغيب على الحضور مع خصمه من أداء جعل العون الذي أداه الطالب هو عين العقوبة بالمال على عصيانه وعدم إجابته ولو كانت العقوبة قاصرة على إيلام البدن لوقع الاكتفاء بضربه أو سجنه أو نحو ذلك. قلت إلزامه أداء الجعل ليس من باب العقوبة بذلك وإنما هو من ناحية أنه سبب في غرم المدعي ما لم يجب عليه إجابته دعواه للحاكم وقد أوجبها الله بنص الوحي في

стр. 19

قوله: ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم﴾ الآية. فكأنه باشر ظلمه بأداء ما لم يجب عليه المتسبب كالمباشر لمن أمسك وثيقة بحق حتى فات اقتضاؤه والتوصل إليه بما وقع من إمساك الماسك لها وغير ذلك من مسائل الصيد المشهورة. والاقتصار على فهم المسألة على ما فيف السؤال هو الذي أوجب منع أبي عبد الله الفخار من القضاء بذلك في شأن الخصمين. وقال: لا تعلم ذنبًا يوجب استباحة مال الإنسان ولا الكفر وحده. يعني كفر الردة والله أعلم. وهذا تشنيع منه على ابن العطار وغيره ن الجماهير والجم الغفير في أن ذلك لازم عن حكمهم على الملك طوق عنق وليس بلازم لما تقرر في الجواب. وأيضًا لقوله: لا تعلم ذنبًا نكرة في سياق نفي فتعم كل الذنوب. والغاضب في عدائه على الشيء من المثليات والمقومات فأتلف عينها وجب من رد المغصوبات والمتلفات إنما نشأ عن ذنب العداء فيجب أداؤه لذلك وتحرم الزيادة. ولم يقل بهذه الزيادة التي هي لمجرد العقوبة والنكال أحد فقد تعسف في إطلاق نفي إباحة المال بالذنب في محل التقييد بما هو مخصوص بالعقوبة لا بما عمرت به الذمة بطريق الضمان وذلك عين ما قالوه في الملدد الغاصب وإن كانت هذه مناقشة لفظية لا طائل تحتها مع ابن الفخار لكنها في صورة النقض عيه بدعواه العموم فيما نفى عن علمنا بقوله لا نعلم ذنبًا والحق أن هذا ليس من العقوبة بالمال فيلزم ما قاله لأن العقوبة بالمال قد وقع الإجماع على إسقاط حكمها وإلقاء طريقها كما قدمناه. ولولا الإطالة التي لسنا بسبيلها والسآمة التي نخشى وقوعها بما يثقل على الأصمخة من مديد الكلام لأوردنا كثيرًا من المسائل المذهبية التي يبدو من ظاهرها الحكم بالعقوبة المالية وباطنها على خلاف ذلك على أن الذي وقع من ذلك إنما هو فيما كان إتلافا لمحل المعصية كما في إراقة اللبن وقطع الملاحم وغير ذلك لا إغراما على عصيان أجنبي عن المال بنقد يؤديه الجاني من ذمته فينتفع به الحاكم والشرطي في شؤونه فهذه صورة لم يقل بها أحد من المسلمين فضلًا عن العلماء والمتفقهين ولذلك ترى أكثر عباراتهم بالعقوبة بالمال لا بالمال وما وقع من ذلك بالباء الموحدة فيحمل على الغالب من عباراتهم وتكون الباء ظرفية ويرجع المعنى لما سبق ويقولون أيضًا يتصدق به ولا يقولون باستنفاق الحاكم إياه كما يفعله ولاة الجور في كثير من الأقطار والأمصار لأن في إباحة ذلك مذنب أعظم الذنب وما يؤديه في غرم قيمة ما أتلف عين ماله لا مال المغصوب لأن عين مال المغصوب قد تلف وغاب وليس من استرجاعه لكن الشرع حكم بأداء العوض حياطة للأموال التي جعلها الله لنا قيما ورفعا لمادة الظلم الذي حرمه الله على نفسه وجعله بين خلقه حرامًا فها هو ذنب

стр. 20

الغصب أباح عين مال الغاصب كما تدعي أن الملدد في مسألتنا شكل غاصب لمال طلبه المدعى عليه بإيجابه لأداء ما لم يجب. وقد لاح لي على كلا الدعوتين تركيب قياس. وذلك أن تقول: كل اللداد فهو ذنب ولا شيء من الذنب بمبيح لمال الإنسان الملد. فلا شيء من الإلداد بمبيح لال الإنسان الملد كما نقول: كل غصب فهو ذنب ولا شيء من الذنب بمبيح لمال الإنسان الغاصب فلا شيء من الغصب بمبيح لمال الإنسان الغاصب. أما الصغرى فمسلمة وأما الكبرى فقد ادعى صحتها في شأن الملد ويلزمه صحتها في شأن الغاصب بجامع أن كلًا منهما ذنب وهو عين ما تضمنته الصغرى المسلمة لكنا نستفسر مراده بما تضمنته الكبرى من سلب إباحة الذنب للمال إن كان على وجه العقوبة بمال أجنبي كما ضمن الشرع ذمته بما أتلف بذنب جناية الغصب والإلداد فمسلم وإن كان لا على وجه العقوبة بمال آخر سوى المال الذي أتلفه بذنب الإلداد والغصب فغير مسلم إذ نصوص الشرع تأباه بقولهم: لك غاصب فهو ضامن لما غصب وكذلك قولهم كل ملدد بما أتلف بإلداده ضامن فلو قال الجمهور في اللد إنه يؤدي ما أتلف بإلداده وزيادة مال آخر في مقابلة العقوبة والنكال لكان هذا المزاد مما لا يستباح بالذنب إذ هو عين العقوبة بالمال كما كان في أول الإسلام في مانع الزكاة تؤخذ منه وزيادة شطر ماله فالعقوبة إنما هي بالزيادة وأما ما وجب أداؤه من الزكاة فلا. كما أن هد ركن عظيم من الشريعة بتبديل وضعها في طريق الزواجر والعقوبات وبمصادمة ما نهى ربنا عنه فيها من أكل المال بالباطل فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم وفيما ذكرناه لم يتبع نفسه هواها وعض بالنواجذ على تزكيتها وتقواها غاية الكفاية ومنه سبحانه نرتجي التوفيق والعون والهداية. فائدة: إذا لم يطلع على المنكر حتى انقضى فعله وفات محله فسبيل النظر فيه للقضاة والحكام لأن بابه الأحكام لا التغيير لفوات دفع المنكر بفوات محله لكن على الحاكم أو السلطان القيام بموجب ما ثبت عنده من ذلك فما كان فيه حد من الحدود المقدرة في الشرع كالشرب والسرقة والزنا وما أشبه ذلك من القصاص والديات أمضى الحاكم فيه حكمه على طريقه وموجبه المستوفى وما لم يكن فيه حد من الشرع متقرر كالغصوبات وإتيان الربويات والتعرض لكشف العورات وما لا يحصى عدة من المنكرات فإنما عليه إقامة العقوبات فيه على قدر اجتهاده ونظره بحسب كل نوع وكل شخص إذ المشهور عن مالك رضه أن ذلك موكول إلى اجتهاد الحاكم حسبما أسلفناه نقلًا من كلام ابن رشد رضه في الفصل الذي أوردناه متصلًا بهذه الفائدة غير أن الحاكم أيضًا في نفسه لا يهمل طريق الترتيب الذي تقدم في الأنواع الخمسة التي سطرنا قبل الفصل في الباب الخامس فرب رجل من ذي الهيئات لم

стр. 21

تقع منه إلا فلتة أو فلتات يكون مختصًا بخفة العقاب عمن لا يردعه إلا شدته كالمتجاهر بكبائر المعاصي والمنكرات وعلى ذلك وقع التنبيه بقوله ﷺ : أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم الباب السادس في معرفة وجوه الكشف عنه وتعرف وجوه الكشف عما يقع من المناكر يتبقى إلى استدلال ونظر سيأتي على وجه ما يبدو من القرائن القائمة والظواهر اللائحة بعد نبذ القائم بذلك طريق التجسس المحظور وابتداء المباحثة التي ليس لها سبب يبدو ولا تكرر ريبة تظهر كما يقع من بعض من يتطلع العورات بطبعه الردي وشهواته الخبيثة من استراق السمع وطلب التعرف لما عليه الناس وخصوصًا ألوا الستر والتخفي ولو أوصله تعرف لدليل من أدل السوء كنغمات الملاهي وأصوات السكارى وانتشار رائحة الخمر فما كان من ذلك على وجه التجسس فهو في نفسه يجب تغييره لأنه منكر في نفسه قال الله سبحانه ﴿ولا تجسسوا﴾. وقع محاشاة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضه عن مسلك التجسس في مسالك تغييره ومراد ذلك لا يسوغ من فعل نفسه مع أهل السر والتخفي مما روى ابن حبيب عنه: أنه كان ماشيًا ذات ليلة في ظلمتها فإذا به قد رأى نارًا فأتى إليها فإّذا بقوم يشربون وبشيخ يغنيهم فاقتحم عليهم وقال: " يا أعداء الله قد أمكن الله منكم. فقال الشيخ: ما نحن بأعظم منك ذنبا تعديت ودخلت بغير إذن والله تعالى يقول: ﴿لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم﴾ فاحتشم عمر وقال: ذروا هذه بهذه ومن ذلك استخراج ما أخفاه المختفى ولو كان معلنًا بالفسق فلا يجوز كشفه لتعرف حقيقة ما هو هل آلة لهو أو خمر لمجرد ظن ذلك به لفسقه لأن تلك إذاية للظنون به. ومولانا يقول في كتابه: ﴿إن بعض الظن إثم﴾ وكذلك طلب تقرير المأخوذ في عمل ذنب بأكثر مما وجد عليه لا ينبغي أيضا قال في "كتاب الحدود" لأحمد بن هارون بن عات: إذا مشت المرأة في الشهر مع أهل الفساد ثم تأتي أو

стр. 22

تساق لم ينبغ للإمام أن يكشفها عما كانت فيه هل زنت أو خرجت عن طوع منها أو إكراه ولكن يؤدبها ولا يكشفها عن شيء لأن قصد الشريعة الستر في هذا لقوله ﵇: هل سترته بردائك؟ قلت ويشهد لمقول هذا الشيخ ما ذكر عياض في " أماليه" في حديث ماعز والقادمية حين قال كل واحد منهما للنبي ﵇: يا رسول الله طهرني. فأجاب النبي ﵇ بقوله: ارجع فاستغفر الله. وذلك دليل على وجوب الستر على المسلم وإن السؤال والاستفسار عن اللفظ المبهم في مثل هذا غير واجب بل وقال بعضهم إنه لا يحل لأنه من باب التجسس وكشف المسلم والنبي ﵇ قد ردهما ولم يستفسرهما حتى ألحا وصرحت القادمية. وأما ما كان على وجه التجسس وتطلع العورات بل بما قامت أدلته لنفسها ولاحت ظواهره بقرائنها كما لو وقع المرور على دار فسمع المارة آلة الملاهي ونغمات السكارى ونحو ذلك مما يقع الاطلاع عليه عن غير قصد فالقيام بذلك واجب غير أنه يختلف بحسب صفات الأشخاص فمن كان من أهل الستر فلا ينبغي تعريف الحكام بما سمع عنه ولا بما رئي منه. نقل ابن زيد في نوادره عن مالك بن أنس رضه قال: قيل له فيمن له جار سوء يفعل ما لا ينبغي فعله في الإسلام هل أدل عليه أقدم إليه وانهه فإن لم ينته دل عليه وسئل ابن أبي زيد أيضًا في بعض أسئلته عمن يرى أخاه على بعض معصيته زنى أو لواط أو غيرهما هل ينكر ذلك عليه من أول مرة وكيف إن كانت ثانية أو ثالثة منه ما حكمه؟ فأجاب: من عمل المعاصي فلا ينبغي هتك ستره وإن رجا موعظته يرفق قال ﵇ لبعض أصحابه هل سترته بردائك. وقال من أصاب شيئًا من هذه القاذورات فليستتر عنا بستر الله فإنه إن أبدى لنا صفحة وجهه أقمنا عليه كتاب الله ولهذا أعظم الله الشهادة في الزنى حيث لا يقبل فيه إلا أربعة عدول في موضع واحد ورؤية واحدة فمتى اختل شرطها وجب الحد ولم يثبت في الإسلام زنى بشهادة ولم يقع إلا قضية المغيرة ولم تتم انتهى جواب الشيخ رضه. إذا رفع للحاكم أن في بيت فلان خمرا فليكف عنه ولا يهتك بذلك ستره فإذا رفع هذا الرائي أو المستمع لحقيقة المنكر ما رآه أو سمعه دون تقدم نهي ولا موعظة فسئل الحاكم الذي وقع الدفع إليه في الكشف عن المتجاهر دون المستتر نقل في "مفيد الأحكام" عن عيسى بن دينار في الحاكم يرفع إليه بأن في بيت فلان خمرًا أو أخبره بذلك واحد أو من لا تجوز شهادته فليكف عن ذلك ولا يهتك بهذا ستر المسلم وإن شهد شهود على البيوت كشف عن ذلك فأراقها وضرب ضربًا دون الحد وإن قالوا للحاكم بلغنا

стр. 23

ذلك فإن لم يكن مشهورًا وله حرمة تركه ويعلمه بما قيل عنه ويحذره أن يبلغ عنه مثل ذلك وإن كان متهمًا كشف عنه فإن وجد ذلك كما قيل أدبه وإن لم يوجد كذلك زجره وتوعده وفي نوادر ابن زيد" نقلا عن " كتاب ابن حبيب" قلت لمطرف: فإذا رفع للإمام أن في بيت فلان خمرًا أيكشف عن ذلك؟ قال: أما المشهور بذلك فأرى له تعاهده وليكشف عن بيته ذكر له عنه شيء أو لم يذكر وأما غير المعروف فلا يكشفه وإن شهدوا على البيت. وقاله أصبغ. وعن مالك: وأرى السلطان والشرطيين إذا دعي إلى بيت فيه فسق أو على شراب فأما البيت الذي لا يعرف بذلك فيه فلا أرى أن يتبعه. وأما المعلن بالفسق وقد تقدم إليه فليتبعه. ومن "كتاب ابن المواز" قبل فإن انتهى إلى الإمام أن فلانًا سكران أو على حد أيرسل في أخذه؟ قال أما ما لم يكن يصح عنده أو يحضره فلا إلا المعلن بالفسق بالشراب أو غيره. قال برهان الدين بن فرحون في " تبصرته" تنبيه. وهل للقاضي أن يتعاطى هذا الكشف وظاهر كلامهم أن ذلك للوالي والشرطي دون القاضي. وقد تقدم أن للمحتسب أن يفعل ذلك لأن أصل ولايته الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هـ. فقف على ما تضمنه هذا التنبيه فإنه مفيد حسن. ومسلك فعل مغير المنكر مع من هو متجاهر بالمعاصي مرتكب أنواع الفسوق إعلانًا ما قال في " تنبيه الحكام" على مآخذ الأحكام ينبغي البحث والكشف عما اشتهر ذكره من المناكر وعرف بالجملة ظهوره وانتشاره وأنس الناس به كاتخاذ المناكر والملاهي في الديار والمحلات وبعض الشوارع والحمامات وكذلك الفحص عمن شهر بالفساد من بيع الخمر واتخاذ الديار المعدة لذلك ومن هو كالآلة لوقوع المنكر على يديه. ففي مثل هؤلاء يجب اجتهاد الإمام وولاته بالبحث عنهم وتفقد مكان ذلك منهم واستعمال الجد في ردعهم واستيلاء القهر والإخافة عليهم. فإذا ظهر من ذلك ما يوجب العقوبة والتنكيل فعلوه بهم على أعين الناس ففي ذلك إن شاء الله ردع لظهور المنكر وتطهير لموانع الفساد وإظهار لشعائر الإسلام فواجب على الحكام الابتداء بالكشف والبحث في هؤلاء لأن الشر والفساد قد كثر جدًا وانتشر وظهر وتحقق كون ذلك منتشرًا في المواضع فلا ينبغي للحاكم التهاون به وترك القيام فيه. وليس ابتداء البحث في مثل هذا حتى يدفع إليه إذ قد لا يكاد أحد ينكره. فإهمال البحث عن ذلك مؤد إلى استمراره واستدامته مع قلة القيام به. وليس ابتداء البحث في مثل هذا محظورًا من جهة أنه من قبيل التجسس بل هذا هو الواجب إن شاء الله تعالى ها هنا لأن

стр. 24

البحث والكشف إنما يكون تجسسًا محظورًا فيمن استتر ولم يشتهر عنه ذلك المنكر كسبًا ودأبًا حتى أصبح أمره بذلك معلومًا. فالإغضاء عن مشهرات المناكر وترك البحث عن قطع مرادها مؤد إلى قوله صلعم. لما سألته زينب: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث هـ. قلت: وظاهر كلامه هذا بل دلالته نص وصيته على ابتداء كشف الوالي والمغير عن المشتهر بالفسق والفجور قبل أن يرفع إليه أمره وذلك مخالف لما نقله من روايات أصحاب مالك عنه. فلعله يرى ذلك من رأيه أو من نظر المحققين من علماء وقته أو من تقدمهم لدفع دواعي المنكرات بحسب فساد الأزمنة والأوقات أو لعله يؤخذ من قول مطرف المتقدم فيما حكى ابن حبيب عنه. أما المشهور بذلك فأرى له تعاهده وليكشف عن بيته ذكر له عنه شيء أو لم يذكر ولم يذكر الحكم في الدار المعدة لذلك. حكم الفاسق الذي يأوي إليه أهل الفساد وقد وقع في سماع أبي زيد من ابن القاسم قال: سئل مالك عن فاسق يأوي إليه أهل الفسق والخمر ما يصنع به؟ قال: يخرج من منزله ويحاز عنه الدار والبيوت. فقال: قلت لا تباع عليه؟ قال: لا لعله يتوب فيرجع إلى منزله. قال ابن القاسم: يتقدم إليه مرة أو مرتين أو ثلاثًا فإن لم ينته أخرج وأكري عليه. قال ابن رشد رحه "قد قال مالك: "في الواضحة" إنها تباع عليه خلاف قوله في هذه الرواية. وقوله فيها أصح لما ذكره من أنه قد يتوب فيرجع إلى منزله. ولو لم تكن الدار له وكان فيها بكراء أخرج منها وأكريت ولم يفسخ كراؤه فيها. قاله في كراء الدور من "المدونة" وقد روى يحيى بن يحيى أنه قال: أرى أنه يحرق بيت الخمار. قال وقد أخبرني بعض أصحابنا أن مالكا كان يستحب أن يحرق بيت المسلم الذي يبيع الخمر. قيل له فالنصراني يبيع الخمر من المسلمين قال: إذا تقدم إليه فلم ينته فأرى أن يحرق عليه بيته بالنار. قال وحدثني الليث أن عمر بن الخطاب رضه: أحرق بيت رويشد الثقفي لأنه كان يبيع فيه الخمر. وقال له أتت فويسق ولست رويشد هـ. قلت: وقد وقع في سماع الشريف وابن نافع سؤال مالك أيحرق بيت الخمار؟ قال: لا. وقال ابن رشد: إنما قال ذك مالك لأجل ما وقع لعمر بن الخطاب مع رويشد الثقفي ومذهبه المعلوم منه أن لا يقع ذلك في عقوبة لأنه من العقوبة في المال وإنما يرى العقوبة في الأبدان، قال وما ذكر ابن لبابه عن يحيى بن يحيى من إحراق بيته وأنه أخبره بذلك بعض أصحابه عن

стр. 25

مالك رواية شاذة لا عمل عليها لأن العقوبة في الأموال أمر كان في أول الإسلام ثم نسخ بالإجماع. لا يجوز للولاة أن يختلوا بالمحبوس في تهمه ويقولون له أخبرنا ولك الأمان ولا يسوغ للحاكم أو الوالي أو المغير للمناكر في محبوس بتهمة المواقعة لجناية حد أو عقوبة إذا لم تقم عليه بينة بمعاينة أو بإقرار أن يقول له في خلوته به أخبرني ولك الأمان فيخبره. فقد سئل مالك عن ذلك فقال: والله إني أكره أن يقول ذلك لهم ويغرهم وهو وجه الخديعة. قال ابن رشد رحه وجه الكراهة في ذلك لأنه إذا قال له لك الأمان فأخبرني فقد حصل مكرهًا له على الإخبار فلعله يخبره بالباطل لينجو منه ومن عقابه. فإذا فعل ذلك الحاكم كان فيما أخبره وأقر له على نفسه كمن أقر تحت الوعيد والتهديد لم يلزمه إقراره. فصل: مسألة ما إذا انقضى زمن المنكر ولم يبق إلا ما لزم فاعله فما الحكم الشرعي وما فيه من التفصيل فإن كان صدور المنكر قد انقضى زمانه وقات وقوعه ولم يبق إلا ما لزم فاعله فما الحكم الشرعي من حد أو عقوبة؟ فأما فيما لا يستدام فيه التحريم فإن كان الذي واقع ذلك من المتسترين فلا إثم على تارك الشهادة عليه. بما علم من فعله بل الستر عليه وعدم أداء الشهادة بما شاهد من فعله أولى وأحق بالندب والقربة. لكن ينبغي له أن يتقدم له بالحكمة والموعظة الحسنة لعله يقوده بذلك إلى سبيل التوبة وعدم العودة. وإن كان الذي واقع ذلك من المتجاهرين المنتهكين الحرم بعدم المبالاة بالافتضاح وسقوط مائية الوجه بفقد الاحتشام والاستخفاف بالاطلاع عليه والازدراء بمن شاهده فأداء الشهادة وإقامتها لله في حقه أولى وآكد علينا له من حدود الله وزواجره ما يوقظه لحفظ شعائره وتعظيم نواهيه وأوامره فيرتدع عن الاستهانة بمحارمه وينصرف عن الاستظهار بما لابس من فسقه وجرائمه. والفرق بين هذا والأول أن من استخف باطلاع الناس على جنايته وفواحشه قد خرق حجاب الهيبة بينة وبين ربه وهدم حمى الشريعة القائم بينه وبين خلقه وذلك أعظم تتكرًا

стр. 26

ممن واقع خطيئةً وأفحش مما لابس فلزم فيه حكم قوله صلعم: من أصاب من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر الله فإنه من يبد لنا صفحة وجهه تقم عليه كتاب الله. فدل أمره ﵇ بالاستخفاء والاستتار. على أن التظاهر بالفجور والتجاهر بالمعاصي معصية أخرى ودل قوله "من يبد لنا صفحة وجهه تقم عليه كتاب الله" أنه لا ينبغي تركه عن إقامة الحد أو العقاب لما لابس من الانتهاك والاستظهار بمسالك الارتياب من عدم المبالاة بوعيد الخطاب. فيخشى أن يكون تركه رضى بأفعاله واستهانةً بما غضب له ربنا في كثير من آي قرآنه وتنزيله فيكون التارك شريكًا في الإثم وتنزل منزلته في الفعل لأن الرضى فعل وقد قال صلعم: فإذا عملوا النمكر جهارًا استحقوا العقوبة كلهم. من حضر مواضع المجان والفساد ثم اعلم أن من حضر مواطن المجان ومواضع الشراب والفساق ولم يفعل فعلهم لا يسلم من العقوبة إن ظهر عليه معهم إذ هو كالآلة لهم. ومن كثر سواد قوم فهو منهم. فقد وقع في سماع أبي زيد من ابن القاسم: وسئل عن الرجل يوجد مع المرأة في بيت واحد وهما يتهمان قال يضربان ضربًا رجيمًا: قيل: أبثيابهما؟ قال: بل على حل ما تضرب الحدود. قال ابن رشد -رحه تع- هذا بين على ما قاله. وكذلك قال مالك في الذي يؤخذ في بيت مع قوم يشربون الخمر وهو لا يشرب إنه يؤدب وإن قال إني صائم. ولا يلتفت إلى قوله فإنه لا غناء بأنه يؤدب وإن ادعى الصيام في قول مالك رضه هل هو إلا نفس ما أعلمناك به. تنبيه: قال في "تنبيه الحكام" وكل ما تقدم تقريره في أولوية الرفع في شأن المتجاهر وعدمها في شأن المستتر إنما هو فيمن يبلغ أمره للحكام بطريق الثبوت عنده لا سيما فيما لزم فيه حد من حدود الله. فلا يسوغ تركه بوجه ولا يجوز العفو عنه بحال ولو كان الذي واقع ذلك أفضل الناس وأعلاهم قدرًا ولم يرد منه إلا مورد الفلتة والفترة وأعقبه بالتوبة والإنابة. كل ذلك لا ينجيه من إقامة حد الله فيما بعد ثبوته بما لا يدفع له فيه لدى الحاكم إذ الشاهد يفارق الحاكم في ذلك بقوله ﵇: من يبد لنا صفحة وجهه نقم عليه كتاب الله. وقوله ﵇ في أمر المخزومية التي سرقت في غزوة الفتح "والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها. ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها" كان ذلك منه ﵇ تشريعًا لمنح العفو بعد الوصول للإمام فيما وجب فيه حد من حدود الله.

стр. 27

قلت قوله لا يسوغ ترك المستتر بوجه إذا بلغ أمره الحاكم خلاف ما تقدم من نقل ابن أبي زيد في "نوادره" عن أصبغ أن غير المعروف بذلك لا يكشفه وإن شهدوا على البيت فانظره وقوله يمتنع العفو بعد الوصول إلى الإمام فيما وجب فيه حد من حدود الله أقول بل قال العلماء تجب المسارعة من الحاكم لإقامتها بتشره واشتداد دون ترحم وإشفاق. قال مولانا ﷻ ﴿لا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ وفي الحديث: يؤتى بوال نقص من الحد سوطًا فيقول رحمة لعبادك فيقال له أنت أرحم به مني؟ فيؤمر به إلى النار. لحد يقام بأرض خير له من مطر أربعين صباحًا ووقع في نوادر ابن أبي زيد قال ابن حبيب: كان مالك إذا سئل في شيء من الحدود أسرع الجرب وأظهر السرور بإقامته الحد. وقال: بلغني أنه يقال لحد يقام بأرض خير لها من مطر أربعين صباحا هـ. قلت ونقه الزمخشري في كشافه موقوفًا عن أبي هريرة –رضه- ولعله يكون مسندًا عند حفاظ الحديث. فكثيرًا ما يقول مالك بلغني بما يسنده غيره حدثنا عن رسول صلعم. وقد شاهدت من شيخنا وسيدنا الجد الأقرب –رضه- وأسكنه فسبح الجنان من تصلب النفس وغلظة القلب ما لم نعهد منه عن الترحم والشفقة لعامة الناس وخاصتهم لما ثبتت زندقة إنسان بسبه من وجب تعزيزه وتوقيره. أنا لنا الله يوم الجزاء شفاعته بأن قال لي: "لا سبيل إلا التعجيل به إلى سقر" أعاذنا الله في قائم حياتنا من زلة القدم * وعصمنا من الزيغ بأقوى العصم * وجاد علينا بتوقيفه وهدايته * ومن علينا بعفوه وكرامته * وغير الحاكم ممن شاهد منكرًا أو علمه يقينا يفارق الحاكم في فسحة مجال العفو والستر بدليل قوله صلعم لهزال "لو سترته بردائك لكان خيرا لك" فالستر على السلم حيث يكون مستترًا غير مجاهر أولى من فضيحته. هذا كله في المناكر التي لا يستدام فيها التحريم وأما ما يستدام فيه التحريم بتكرر ذلك المنكر ما دام لم يرفع به من علمه إلى الإمام كمن طلق زوجه طلاقا بابنا ثم بقي معها وأعتق عبده ثم يتصدق برقه. فالمبادرة لأداء الشهادة بذلك لدى لحاكم واجبة كان فاعل ذلك مستترا أو متجاهرا لأن في ترك ذلك

стр. 28

وإهماله معونة على الازدياد من الحضور فترك الشاهد له الرفع إلى الحاكم وإيقاع الأداء لديه مع القدرة جرمة تسقط بها عدالته فتطرح شهادته. الشهادة في الحقوق على خمسة أقسام فلو كان ما تخلد في ذمة الشاهد من الشهادة حقًا (لا دينا) فترك إعلامه به حتى ضاع ذلك الحق فهل يكون جرحه فيه كتركه الرفع فيما يستدام فيه التحريم أو لا؟ وقع اختلاف بين العلماء في مثل ذك وقد أجاد الشيخ ابن رشد –رضه- تحصيلًا في المسألة بقوله الشهادة في الحقوق تنقسم على خمسة أقسام: - شهادة لا يصح القيام بها إلا بعد الدعاء إليها وهي الشهادة بالمال الحاضر. فهذه الشهادة تبطل شهادة الشاهد فيها على ما في الرواية بترك الإعلام المشهود له لا يترك رفعه شهادته إلى السلطان. - وشهادة يلزم الشاهد القيام بها وإن لم يدع إليها وهي الشهادة بما يستدام في التحريم من الطلاق والعتق وشبهه. فهذه تبطل شهادة الشاهد فيها بترك الرفع بشهادته إلى السلطان إلا على ظاهر قول أشهب. - وشهادة يختلف في وجوب القيام بها وفي صحتها إذا لم يدع إليها وهي الشهادة بالمال الغائب فهذه الشهادة في بطلان شهادة فيها بترك الرفع إلى السلطان على القول بوجوب الرفع وصحته قولان. - وشهادة لا يلزم القيام بها إذا لم يدع إليها وهي الشهادة على ما مضى من الحدود التي لا يتعلق بها حق لمخلوق كالزنى وشرب الخمر وما أشبه ذلك فهذا لا يلزم القيام فيه ويسحب الستر فيه إلا في المشتهر فلا تبطل شهادة الشاهد في ذلك بترك رفع شهادته إلى السلطان وإن كان المشهور عليه مشتهرًا. - وشهادة لا يجوز للشاهد القيام بها وإن دعي إليها وهي الشهادة التي يعلم الشاهد من باطنها خلاف ما يوجب ظاهرها وذلك مثل أن يأتي الرجل إلى الحاكم فيقول حلفت بالطلاق ألا أكلم فلانًا فكلمته بعد ذلك بشهر إلا أني كنت نويت في يميني ألا أكلمه شهرا. فهذا إن دعته امرأته إلى أن يشهد لها فيما أخر به عنده في أنه حلف بالطلاق وأنه كلمه بعد شهر لم يجز له أن يشهد عله بذلك.

стр. 29

فرعان الأول: إنما يكون ترك الشاهد الرفع للحاكم بما يستدام فيه التحريم جرحة فيه إذا لم يبد عذرًا لسكوته يحسن قبوله كتقية ممن يخشى أو فقد من يرفع إليه في مسكنه ومقره من ولاة المسلمين وحكامهم. فلو لم يبد من العذر إلا جهله بحكم الوجوب والفرضية عليه في الرفع فحكى الشيخ ابن رشد في "مقدماته" وفي "كتاب الشفعة منها" الاتفاق على أنه لا يعذر في ذلك بالجهل وحكى في كتاب الشهادات من المقدمات نفسها قولين في قبول عذره بالجهل وعدم قبوله. ولعله اختلاف طريقة بالنسبة إلى نقليه في ذلك الكتاب. الثاني: إذا رفع الشهود بالزنى أو غيره مما فيه حد أو عقوبة المشهود عليه للحاكم متعلقين به لم تجز شهادتهم عليه قال في " التعيبية" وأراهم قذفة. قال الشيخ ابن رشد -رضه تع- إنه لم تجز شهادتهم عليه لأن ما يؤخذ في ما فعلوا من أخذه وتعلقهم به ورفعهم إياه إلى السلطان لا يلزمهم ولا يجب عليهم بل هو مكروه لهم لأن الإنسان مأمور بالستر على نفسه وعلى غيره قال ﵇ من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله. وقال لهزال: يا هزال لو سترته بردائك لكان خيرا لك. فلما فعلوا ذلك صاروا طالبين له ومدعين عليه وقذفة فوجب عليهم الحد له إلا أن يأتوا بشهود آخرين غيرهم. ولو كانوا أصحاب شرط موكلين بتغيير المنكر ورفعوه أو أحدهم فأخذوه أو أخذه فجاءوا به وشهدوا عليه لقبلت شهادتهم لأنهم فعلوا في أخذه ورفعه ما يلزمهم. وفي " الواضحة" لمطرف وابن الماجشون وأصبغ: أنه إذا شهد أربعة بالزنى على رجل جازت شهادتهم وإن كانوا هم القائمين بذلك مجتمعين جاءوا أو مفترقين إذا كان افتراقهم قريبا بعضهم من بعض وما في الواضحة مخالف لقول ابن القاسم في " العتبية" فلو كانت الشهادة مما يستدام فيها التحريم من حقوق الله كالطلاق والعتق لجازت شهادتهما وإن كانا هما القائمين بذلك لأن القيام بذلك متعين. وقد قال بعض المتأخرين إن ذلك لا يجوز على مذهب ابن القاسم. ووجد ذلك فإن من قام في حق يريد تمامه فهو متهم أن يزيد في شهادته ليم ما قام فيه وهو عنده بعيد هـ.

стр. 30

تكملة في هذا الباب تمس الحاجة إليهما قال في "تنبيه الحكام" ينبغي للحاكم إذا خاف أن تتعذر عليه الإحاطة بحفظ الحوائم والأسواق وشوارع المسلمين ومجتمعاتهم من وقوع المناكر وتعرف ما يعرض في ذلك من النوازل أو خشي أن يتشاغل عن البحث والكشف والنظر في ذلك بما يشغله من أمور المسلمين والنظر في مصالحهم أن يختار أمينًا عدلًا أو أمناء عدولًا عارفين بذلك يتفقدون ما حمل إليهم من حفظ الحوائم ويرفعون إليه ما يتعذر عليه النظر فيه من ذلك وأن أفرد لكل سوق وحومة أمينا ينظر في ذلك فعل بحسب اجتهاده وحاجة الناس إلى ذلك بوجود القائم به فإن ذلك من التعاون على الخير الواجب على كل مسلم لقوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾. الباب السابع في أعيان صوره واختلاف محاله وكان هذا الباب هو المقصود بالذات وكل ما تقدمه من الأبواب كالوسيلة إليه * والطليعة بين يديه * لما تكفل من تفصيل ما وقع إجماله * فيما سلف من ذكر المنكر وتفسير ما تقدم إبهامه * فيما يعامل به من تجاهر أو تستر وإن كانت مناكر الوجود لا يستطاع حصرها بعد * ولا يمكن تعريفها برسم ولا حد * ولكنا نذكر من ذلك ما تكلفه الوسع على قدر الطاقة * ومنه سبحانه أسأل التوفيق والعون على حمل هذه العلاقة * فنقول لما كان المقصود برفع المناكر إزالة ما تنكره النفوس السليمة وتتأذى به مما حرمه الشرع ونافره الطبع لقوله صلعم: الإثم ما حاك في صدرك. تعاظم استكباره وقبح غاية القبح استظهاره في محل الملإ فكان السعي في إزالته ومحق أثره من كل القرب أحق وأولى لأن المواطن الاجتماعية لإقامة حدود الله على عباده وحقوق خلقه فيما بينهم على الأوضاع الشرعية والنصوص ثم تكون الأحقية بالقيام بذلك على الإمام ثم على من دونه من سائر الحكام ليدين بذلك في طهارة باطنه وظاهره جميع الخاص والعام. فمن ذلك ما ينكر اعتياده في معاهد الصلوات ومساجد الجمع والجماعات إذ الصلاة عماد

стр. 31

الدين وشعار المسلمين وفصل بين الكفرة والمؤمنين. قال صلعم: بين الرجل وبين الشرك والكفر الصلاة. وقال عمر الفاروق: الصلاة! الصلاة! ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة. وإذا كانت الصلاة كما قال ربنا ﴿تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ * فلا شيء أوجب على مغير المنكر من البداية بالنظر في إيقاعها وتطهير محل الإيقاع لأن تكلفها بالدين عن المنكر يكفيه وظيفة ذلك فيكون اهتمامه بها وبأركانها أهم أموره في مدة البحث والإطلاع بل وعلى سائر الحكام وآحاد المسلمين ومن له مسكة علاقة بالدين ولذلك كتب عمر بن الخطاب رضه إلى عماله: إن أهم أموركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع حكاية لطيفة واذكر هنا حكاية ظريفة المعنى مؤنسة للمقصد: أخبرني شيخنا وسيدنا الجد الأقرب عن والده سيدنا الإمام الجد الأعلى قال: "قد حضرت ذات يوم مجلس قضاء القاضي الفشتالي وكان مع غزارة علمه وحسن سمته فيه رقة نفس وفكاهة طبع فتداعى إليه إثنان. فقال المدعي: تركت عند المدعى عليه حمارًا يرقبه لي ويحفظه عن الانفلات والضياع حتى أقضي أربي من السوق فأهمل النظر في صيانته وأضاعه بتفريطه. فقال المدعى عليه: لم أضيع ولم أفرط. فقال القاضي: القول قول المدعى عليه الأمين إنه لم يفرط ولم يضيع مع يمينه إن كان متهما وإلا فلا يمين عليه. فقال المدعي: بل هو أقوى الناس اتهاما. فقال له المدعى عليه: إني لحقيق أن تقول في أكثر من ذلك لما تركت صلاة العصر حتى فات وقتها في رفقة حمارك. فقال القاضي: قم أد له قيمة حماره فإنك مضيع له لما ذكرت تضييعك الصلاة. قال عمر بن الخطاب رضه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع. انتهت. والحكاية من سيدنا الشيخ. وقد رأيتها بنصها محكية عن القاضي أبي زيد عبيد الرحمان بن علي الدكالي في " كتاب النور البدري في التعريف بالفقه المغربي" شيخنا وسيدنا أبي عبد الله محمد بن مرزوق ولعل أحد القاضين في ذلك متأس بالآخر أو اتفق النظر منهما في وقوع النازلة عند كل واحد من غير شعور أحدهما بالآخر فإن نازلة الدكالي في تأمين شاة ونازلة الفشتالي في تأمين حمار.

стр. 32

وقد شدد الشرع في شأن الصلاة بقتل الممتنع من إيقاعها إن مضى عليه وقت صلاة واحدة ولم يزل على الإيباء والامتناع حدا في المشهور وقال ابن حبيب كفرًا ولذلك خرج سند على قوله عدم لزوم الإعادة والقضاء على تاركها عمدًا. قال لأنه كمرتد تاب. ونسبة ذلك لمالك قول شاذة أنكرها عياض وقال: لا يصح عنه. وكذلك نسبة ذلك لابن المواز أنكره اللخمي في أجوبته قال الشيخ ابن أبي زيد رضه: ولا يصح هذا القول ولا يدخل في حشو دائرة السنة لأن غاية ترك الصلاة أن تكون كبيرة ومن واقع الكبيرة فهو عاص لا كافر بدليل قوله صلعم في متعمد تركها: ليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة. فلو كان كافرا ما كان في المشيئة إذ أهل السنة قائلون بأن من لم يتب من الكبائر في المشيئة خلافًا للمعتزلة. ثم لابد للحكم فيمن علم منه الجفاء والبداوة وتفرس فيه ترك الصلاة والجهل بإقامتها أن يباحثه ويتنزل معه في السؤال عنها بالترفق والاستكانة حتى يحصل على طائل من معرفته منه ما لابد منه أم لا ولا يتعمق معه في السؤال عن غوامض الصور في السهو والإعادة والبناء والقضاء ونحو ذلك مما تردد أشكاله بين زعماء الفقهاء بل يقتصر على مساءلته على ما اشتملت عليه من عدد الركعات وما حوته كل ركعة من قول أو فعل وما وقع به الافتتاح والاختتام من إحرام وتسليم. فإن خلص له منه علم ذلك على إقامته الصلوات وإن حقق منه عند اختباره وجهله بها فإن تحقق عذره في ذلك بكونه حديث عهد بالبلوغ وهو من جفاة البادية المظنون بهم عدم التعلم في الصغر علمه أو أمر بتعليمه فإن الحاضر يفوق البادي في هذا الفصل وغيره. وقع في جامع المستخرجة قال وحدثني أنه بلغه أن ابن مسعود كان يقول إذا لم يحكم أحدكم الفرائض وسنة الحج والطلاق فما فضله على أهل البادية قال ابن رشد رحه المعنى المعنى في هذا كله بين لأن أهل البادية أهل جهالة فإنما فضلهم أهل الحاضرة بمعرفتهم بأمور الدين قال الله ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ وقال ﴿وقل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ هـ. وإن تحقق أن جهله في الحاضرة ومقر العلم وتصدير العلماء إنما هو لتركه الصلاة وتشاغله عنها في أوقاتها بسواها أدبه وأحسن تأديبه وأجهد في تعليمه وكذلك يجب تعليم من رأى صلاته غير مؤداة حق الأداء في إقامة أركانها من ركوع وسجود كل ذلك يتأكد النظر فيه على الحكام وولاة الأمور.

стр. 33

وكذلك ما يخص الرجل في عياله وبنيه الأصاغر قرب السبع سنين فما فوق وسائر أهل منزله ومحلته يتوجه نحوه الخطاب الشرعي في ذلك كما توجه إلى الحكام في سائر الناس عموما بتعليمهم ما يجهلونه من كل لازم في خاصة أنفسهم من وضوء وغسل وما يوجبهما ودخول الوقت وإثم الفوات وما يتعلق به صحة الصلاة وفسادها وما يتجبر مما (لا) ينجبر قال صلعم: كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته. الحديث. قال في "تنبيه الحكام" فينبغي الآن للقضاة والحكام والولاة تنبيه الناس على ذلك ووعظهم فيه وتذكيرهم به فإنه قد علم وتحقق إغفال الجمهور بل الكافة تفقد هذا من أحوال أهلهم وعامة عيالهم وصار أعلى رتبة أهل الدين والفضل مراعاة أنفسهم وحفظ ذواتهم فضاع الأهل والعيال. فقلما توجد اليوم امرأة أو عبد أو وليد فوق السبع يصلي إلا نادرًا فإنا لله وإنا إليه راجعون. ومن ذلك إهمال كثير من الناس وأهل الأسواق والحرف والأجراء شهود صلاة الجمعة. وهي من فروض الأعيان على كل رجل مكلف غير مريض ولا مسافر لا يسع أحد من أهلها التخلف عنها من غير عذر وقد تمادى كثير من أهل الصنائع على تركها واطراح حضورها. وقد ساعدهم على ذلك كثير من الخاصة والأعيان الذين يستعملونهم استكثارا لعملهم في الوقت المستحق لحضور الصلاة وربما كان في هذا النوع من لا يصلي أصلًا جمعة ولا غيرها ما دام على شغله. فيجب على الولاة البحث عن هؤلاء والتنقيب عمن عرف منه ذلك والاشتداد على فاعله والمساعد عليه واضطرار الكافة إلى شهود الجمعة بما يؤديه الاجتهاد ويقتضيه الحال. قلت: إنما تصح الحسبة بالتأديب والتقريع والتأنيب على تارك الجمعة إذا قام الثبوت على تركه إياها ثلاث مرات تهاونا أما المرة والمرتين فلا على قول سحنون واختبار ابن رشد له قال سحنون في "نوازله" في تارك الجمعة في قرية يجمع فيها من غير مرض ولا علة قال: أرى أن تقبل شهادته. قال سحنون: إذا تركها ثلاثا متواليات. للحديث الذي جاء قال أصبغ: قال ابن القاسم في الذي يترك الجمعة: نرى أن ترد شهادته إلا أن يعرف له عذر

стр. 34

وسئل عن ذلك ويكشف. فإن علم له عذر من وجع أو أمر أو اختفى من دين أو ما أشبه ذلك فأرى لا ترد شهادته فإن كان على غير ذلك أرى أن ترد شهادته إلا أن يكون ممن لا يتهم على الدين ولا على الجمعة لبروزه في الصلاح والعلم فهو أعلم بنفسه. قال أصبغ والمرة الواحدة في ذلك إذا تركها متعمدًا من غير عذر تهاونًا بها ترد بها شهادته ولا ينتظر بها ثلاثا لأن تركه الفريضة مرة وثلاثا وأقل وأكثر سواء. وهي فريضة مفترض إتيانها التارك أصلا (للصلاة) لأنه عاص لله قليل فعله دون كثيره ومتعمد لحدوده وقد قال الله تعالى: ﴿ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده ندخله نارا خالدا فيها﴾ والذي قيل فيمن ترك الجمعة ثلاثًا طبع الله على قلبه إنما هو في الإثم والنفاق وينتظر به في الثلاثة التوبة فإن فعل وإلا طبع على قلبه إنما هو في الإثم والنفاق وينتظر به في الثلاثة التوبة فإن فعل وإلا طبع على قلبه. وليس ذلك في الترك له هملا ولا في الإبطال لشهادته لا بل تطرح شهادته ويوقف ويعاقب إن شاء الله. وقد بلغني عن بعض الأمراء ممن قضى من أئمة الدين أنه كان يأمر إذا فرغ من الجمعة أن من وجد لم يشهد الجمعة ربط في عمود وعوقب إن شاء الله. وأراه عمر بن عبد العزيز وقد قال الله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ قال الشيخ ابن رشد –رحه- قول سحنون: إن شهادة التارك للجمعة بقرية تجمع فيها الجمعة لا ترد إلا أن يفعل ذلك ثلاث مرات متواليات أظهر مما ذهب إليه أصبغ من أنها ترد بالمرة الواحدة. ومعنى ما ذهب إليه سحنون في ذلك أنه لم يعلم له عذر. ولم يكن معلومًا بالصلاح والفضل على ما قال ما قاله ابن القاسم لأن من لم يعلم بالصلاح والفضل إذا ترك الجمعة ثلاثًا متواليات لا يصدق فيما يدعيه من العذر بخلاف من علم بالصلاح والفضل فليس قول ابن القاسم وسحنون بخلاف لقول ابن وهب والله أعلم. وإنما قلنا إن قول سحنون أظهر من قول أصبغ من أجل أن المسلم لا يسلم من مواقعة الذنوب فإذا ثبت هذا وجب ألا يجرح الشاهد العدل بما دون الكبائر من الذنوب التي يقال فيها إنها صغائر بإضافتها إلى الكبائر إلا أن يكثر منها فيعلم أنه متهاون بها وغير متوق منها لأن من كانت هذه صفته فهو خارج عن حد العدالة. ومما قال صلعم: من ترك الجمعة ثلاثا من غير عذر ولا علة طبع الله على قلبه بطابع النفاق. ودل على أن ما

стр. 35

دون الثلاث بخلاف ذلك في عظم الإثم وشدة الوعيد. فوجب أن يلحق ذلك بالصغائر ولا ترد شهادة من ترك الجمعة مرة واحدة اشتغالًا بما سواه من أمور الدنيا حتى يفعل ذلك ثلاثًا متواليات فيتبين بذلك أنه متهاون بدينه غير متوق فيه وكذلك القول في تارك الصلاة من الصلوات حتى يخرج وقته بغير عذر ولا يجب أن ترد بذلك شهادته حتى يكثر ذلك من فعله. واحتجاج أصبغ لرد شهادته بذلك بقول الله : ﴿ومن يعص الله ورسوله ويتحد حدوده ندخله نارا خالد فيها وله عذاب مهين﴾ غير صحيح لأن المعنى في ذلك إنما هو فيمن عصى الله ورسوله بترك الإيمان وترك حدود الإسلام لأن الخلود في النار إنما هو من صفة الكفار هـ. قلت: ولقائل أن يقول ليس تأويل المعصية بمعصية الكفر لما وقع من وعيد الخلود المخصوص بالكفار بأولى من تأويل الخلود على غير التأبيد كما ذكر في وعيد قاتل النفس مع القطع بإيمانه حالة القتل والخلود ليس من وعيد المؤمن فتعين أن يكون المراد به خلودًا غير مؤبد. ومثله يتعين هنا. وتكون المعصية على وجهها من إتيان الكبائر غير الكفر فيكون احتجاج أصبغ بالآية صحيحا لعدم لزوم تأويل ابن رشد فيها الذي نفى الصحة من أجله عن احتجاج أصبغ. ثم قال في هذه الرواية مما كان يأمر به عمر بن عبد العزيز إذا فرغ من الجمعة بربط من لم يشهدها في عمود ويعاقبه لم يقل فيها هل هو صحيح متبع أم لا وقد ذكر في الجامع من المستخرجة إنكار ذلك قال: وسئل مالك عن إمام بلد يأمر إذا فرغ من صلاة الجمعة من يخرج فمن وجد ممن لم يحضر الجمعة ربطه بعمد المسجد فأنكر ذلك مالك. قال ابن رشد رحه إمام البلد الذي سئل مالك فعله خطأ وأنكره لوجهين: أحدهما أن يكون لم ير أن يعاقب من وجد لم يشهد الجمعة إذ لعله قد كان له عذر منعه من شهودها حتى يتوالى ذلك من فعله ويتكرر فيتبين أنه قصد إلى ترك شهودها بدليل قول النبي صلعم "من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير عذر ولا علة طبع الله على قلبه بطابع النفاق". والثاني معاقبته على ذلك بربطه إلى سارية المسجد إذ لم يتخذ المسجد لذلك وإنما ينبغي أن يؤدب بالضرب والسجن هـ.

стр. 36

من المناكر تقديم العوام والجهال للإمامة بالمساجد ومن ذلك تقديم العوام والجهال للإمامة بالمساجد فإنهم لا يعرفون شروط الإمامة ولا ما تصح به الصلاة ولا ما به تبطل. وقد لا يوجد فيهم إلا من يكثر اللحن ويحرف الكلم عن مواضعه بسوء مخارج الحروف فيجب منعهم من ذلك إلا أن يتعلموا ويكمل تعليمهم منع اللحان من التلاوة ولو في غير الصلاة لازم ويشدد عليه ويشدد النكير فيما واقع ويغلظ عليه في الاشتغال بتعلم الأداء والحفظ على وجه الصواب لأن تغيير ألفاظ القرآن باللحن والخطأ خطيئة ومنكر يجب تغييره ولا يحل تقريره وإن كان لا يحسن القراءة لعجمة في لسانه فليوقع المحاولة ما أمكنه في تجويد أم القرآن وسورة ليقتصر بذلك على إقامة صلواته وأكثر حظوظه في غالب أوقاته أن يصلي مأمومًا أولى به وأسعد وأفضل له وأسد. من المناكر قراءة القرآن بالألحان المشبهة للغناء ومن ذلك قراءة القرآن بالألحان المشاكلة في الترجيع وتقطيع الصوت بالحنك للغناء المطرب قلت إنما يكون ذلك من المناكر عند من لا يجيزها أو يكرهها والأكثر على تصحيح الإباحة. فأما إيراده على التجويد والصوت الحسن فمتفق على الترغيب فيه لما فيه من التشويق للخير. وتحسين الأصوات بما فيه تذكير بالله سبحانه أفضل جاذب للقلوب الخالصة. فقد قال عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري: ذكرنا ربنا لتحسين صوته بقراءة القرآن. وفي الحديث: زينوا القرآن بأصواتكم. ووقع في جامع " العتبية" قال مالك: وكان عمر بن عبد العزيز حسن الصوت بالقرآن فصلى بهم يوما فأصابته العين حين قدم من الشام فقال الشيخ ابن رشد –رضه-حسن الصوت بالقرآن موهبة من الله وعطية لصاحبه لأن حسن الصوت به مما يوجب الخشوع ورقة القلب ويدعو إلى الخير. وقد قيل في قول الله ﴿يزيد في الخلق ما يشاء﴾ إنه حسن الصوت وما يصيب المعين بقول العائن إذا لم يبر أمر أجرى الله به العادة في العالم مع القدر السابق وقد قال رسول الله ﷺ : علام يقتل أحدكم أخاه ألا بر شر العين حق. يريد أن الله قد أجرى العادة به لا أن أقول العائن هو المحدث لما أصاب المعين هـ. قلت ما يصيب المعين إلا ما تعجب النفوس من استحسانه وتستكبر قدره وتعظم شأنه.

стр. 37

كما قال قائلهم: عين أصابتك إن العين صائبة ... والعين أسرع ما تجري إلى الحسن ولو اجتلبنا ما في ذلك من القول وما للعلماء –رضهم- في ذلك من الترغيب أكثر مما لهم من الترهيب لما وسعنا دفتر مجلد لذلك وحده دون ما نحن بسبيله. احترام المساجد وقد آن لنا أن نذكر ما للمساجد من الاحترام وما وجب توقيه فيها لو ساغ استعماله وتعاطيه بها على وجه من الإجلال والإعظام. فمن ذلك منع شواب النساء الممتليات لحمًا للواتي تخشى منهن الفتنة من مساجد الجمع والجماعات لأن ذلك مؤد إلى منكر يعظم خطره ويهيج شره فيحب قطعه بما أمكن. فقد منعتهن عائشة –رضها- من دون هذا. فقيل لها: إن رسول الله صلعم ما منعهن من ذلك. فقالت: لو علم رسول الله صلعم ما أحدث النساء بعده لمنعهن. فأين زمانها رضها من هذا الزمان * وانتشار طوارى البدع وطوارق الحدثان * وقع في سماع أشهب من المستخرجة. وسئل عن شهود النساء الصلوات في المساجد. فقال ذلك يختلف في المرأة المتجالة والشابة. فالمتجالة تخرج إلى المسجد ولا تكثر التردد. والمرأة الشابة تخرج إلى المسجد المرة بعد المرة ولا تكثر وهي كذلك في الجنائز وذلك مختلف من العجوز والشابة. وإنما تخرج الشابة في جنائز أهلها وقرابتها. قال الشيخ ابن رشد –رحه- أما النساء المتجالات فلا خلاف في جواز خروجهن إلى المساجد والجنائز والعيدين والاستسقاء وشبه ذلك. وأما النساء الثواب فلا يخرجن إلى الاستسقاء وللعيدين ولا إلى المساجد ولا في الفرض ولا في الجنائز ولا في جنائز أهلهن وقرابتهن. هذا الذي يأتي على هذه الرواية وعلى ما في المدونة. فيجب على الإمام في مذهب مالك أن يمنع النساء الشواب من الخروج إلى العيدين والاستسقاء ولا يمنعهن من الخروج إلى المسجد لجواز خروجهن إليه في الفرض فهذا دليل قوله في المدونة وفي تفسير ابن مزيز أن المرأة الشابة إذا استأذنت على زوجها في الخروج

стр. 38

إلى المسجد لم يقض لها عليه بالخروج. وكان له أن يؤدبها ويمسكها وليس ذلك بخلاف لما في المدونة لأن معنى ما في المدونة إنما هو في المنع العام. وأما المرأة الشابة في خاصتها فيكره لها الإكثار من الخروج إلى السجد فتؤمر ألا تخرج إليه إلا في الفرض بإذن زوجها إن كان لها زوج. فقد كانت عاتكة بنت زيد بن عمر بن نفيل تستأذن عمر بن الخطاب –رضه- في الخروج إلى المسجد وهو زوجها فيسكت فتقول والله لأخرجن إلا أن تمنعني. فلا يمنعها ولا تخرج إلا ثفلة. فقد قال رسول الله –صلعم- إذا شهدت إحداكم العشاء فلا تمسن طيبًا. ووجه قول مالك –رحه- أن النساء الشواب لا يمنعن من الخروج إلى المساجد عموم قول النبي صلعم: لا تمنعوا إماء الله مساجد الله. وجه كراهيته لهذا الإكثار من الخروج ما خشي على الخروج للرجل من الفتنة بهن. فقد قال رسول الله صلعم: ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجل من النساء. ووجه قوله إنهن يمنعن من الخروج إلى العيدين ما أحدثته من الخروج على غير الصفة التي أذن لهن في الخروج وهي أن يكن ثفلات غير متطيبات ولا يبدين لشيء من زينتهن وقد قالت عائشة رضها لو أدرك رسول الله صلعم ما أحدث النساء لمنعهن المساجد كما منعه نساء بني إسرائيل. وتلخيص هذا الباب على تحقيق القول فيه: أن النساء أربع عجوز قد انقطعت حاجة الرجال منها وهي كالرجال في ذلك. ومتجالة لم تنقطع حاجة الرجال منها بالجملة فهذه تخرج إلى المسجد ولا تكثر التردد إليه كما قال في الرواية. وشابة من الشواب فهذه تخرج إلى المسجد في الفرض وفي الجنائز جنائز أهلها وقرابتها. وفاذة شابة في الشباب والثخانة فهذه الأخير لها أن لا تخرج أصلا هـ. فإن حضر المسجد منهن من يسوغ حضورها فلابد من ضرب حائط فاصل بينهن وبين الرجال. قلت: في قوله ولا تخرج إلا ثفلة قال عياض في أحكامه غير متزينة ولا متطيبة ولا مزاحمة للرجال. زاد محيي الدين النووي ولا يكون بالطريق ما تتقى مفسدته. قال بعض الشيوخ في معنى الطيب اشتمالهن الملاحق ومليح الأكسية. قال عياض: إذا منعن من المسجد فمن غيره أولى. قلت: ويعارضه ما نورد نقله في صفات المتصرفين والمتصرفات عن مالك في المجموعة: أن الرجل لا يمنع زوجه من الخروج للتجر وأفتى الشيخ ابن عرفة بمنع خروجهن لمجالس العلم والذكر والوعظ وإن كن منعزلات عن الرجال. قال وإنما جاز ذلك في الصلاة. وذكر الأبي في "إكمال الإكمال" أنه لا يختلف اليوم في منع خروجهن للصلاة لأنهن لا يخرجن لذلك

стр. 39

أصلًا ويتأكد على الرجل منع زوجته من الخروج لا يكون جرحة أو تركها لأنها لا تعرف عينها ويتأكد المنع إذا كانت الزوجة تسرع إليها العيون. ورأى الماجمي قاضي الأنكحة بتونس امرأة بالشارع على هذه الصفة فأرسل إلى زوجها وقدم إليه أنه إن رآها بعد اليوم أدبه وأدبها. وهذه نهاية القول في خروجهن للمسجد وما في معناه وأما خروجهن لغيره فسنذكره بعد إن شاء الله في التكلم على منكرات الأسواق والشوارع. لا يدخل المسجد من فيه رائحة ثوم ولا يدخل المسجد من فيه رائحة ثوم. وقع في سماع ابن القاسم كراهة ذلك قيل له: والبصل والكراث. قال: ما سمعت. وما حب أن أوذي الناس. وفي سماع عيسى مثله. وعليه قول مالك لوجود علة النهي ولفظة لا أحب يحتمل أن تكون بمعنى الوجوب لأن الإذاية لا تجوز وفي كتاب ابن الحران وكذلك الفجل إن آذى. لا ينشد بالمسجد شعر ابن رشد ولا ينشد به شعر ولا ضالة لقوله –صلعم- فإن المساجد لم تبن لمثل هذا. وذكر عياض في الإكمال عن ابن وهب لا بأس بإنشاد شعر به غير الهجاء والغناء به وكان ابن الماجشون ينشده فه ويذكر أيام العرب. قلت: وينبغي أن يكون ما فيه مدح النبي –صلعم- وأصحابه محل وفاق. وقد أنشد كعب بن زهير قصيدته البردة التي مطلعها: بانت سعاد فقلبي اليوم ... متيم إثرها لم يفد مكبول بين يدي رسول الله –صلعم- في المسجد وبأمره له بذلك وصحبه رضوان الله عليهم حاضرون. وفي المدونة ومثله في سماع ابن القاسم لا يترك به صبي إن كان يعبث ولا يكف إذا نهي اللخمي ومثله المجنون. قلت: ويدخل منع السكير والخمير فه بالأحروية.

стр. 40

وفي "النوادر" عن ابن وهب لا يوقد به نار ولا ينادى به لجنازة وحكى ابن رشد في كراهة النداء بما فيه قولين عن ابن القاسم قلت وما وقع عن ابن وهب من منع إيقاد النار به يعني غير المصابيح والله أعلم لأن إيقادها في المساجد جائز. نصب الشموع والقناديل في المساجد فقد سئل عز الدين بن عبد السلام عن نصب الشموع والقناديل في المسجد للزينة لا لوقود وفي تعليق الستور فيها: هل هو جائز أم لا. وكذلك فعل مثله في مشاهد العلماء وأهل الصلاح وما حكم ما يهدى للمساجد من الزيت والشمع الزائد عن الحاجة؟ هل يجوز بيعه من الذي يتولى ذلك؟ أو لا يجوز بيعه؟ وهل يجوز إيقاد السراج ليلًا في المسجد مع خلوه من المصلين؟ وإذا جاز فهل يجوز نهارًا أو يمنع لما فيه من مشابهة النصارى في إيقاد الكنائس نهارا؟ وهل يجوز تعليق الستر في المسجد وإذا لم يعرف مالكها فهل يجوز الانتفاع بكتابة العلم فيها. كما نقل عن بعض المحدثين أنه كان يكتب فيها الحديث. فأجاب بأن قال: أما تزين المساجد بالشمع والقناديل فلا بأس به لأنه نوع من الاحترام والإكرام. وكذلك الستور وإن كانت من غير الحرير وإن كانت من الحرير احتمل أن تلحق بالتزيين بقناديل الذهب والفضة. وكذلك يجوز استعمال النسوج من الحرير وغيره إذا كان الحرير مطلوبا ولا يجوز مثل ذلك في الذهب والفضة إلا أن الكعبة لم تزل تستر إكرامًا لها واحترامًا ولا يبعد إلحاق غيرها من المساجد بها وإن كانت الكعبة أشد حرمة من المساجد. وأما ما يهدى إلى المساجد من شمع وزيت فله أحوال: الأولى أن يقول المهدي هو منذور فهذا لا يجوز بيعه ولا التصرف فيه ويجب صرفه في جهة النذر فإن أفرط في الكثرة لم يجز بيعه كما لا يجوز التصرف في ربع الوقف على الثغر إذا اتسعت خطط الإسلام وخرج عن كونه ثغرًا. وإن ظهر من المهدي أنه تبرع وهي الحالة الثانية لم يجز التصرف فيه إلا على وفق إذنه وهو باق على ملكه إلا أن يعين الاستعمال في جهة النذر فإن طالت المدة وعلم أن باذله قد مات فقد بطل إذنه كما لو أباح طعاما وغيره ثم مات قبل تناوله ونفاده فيما أذن فيه فإن عرف ورثته وجهوا في ذلك وإن جهلوا بحيث يئس منهم فقد صار لمصالح المسلمين العامة يصرفه من هو بيده مبتديا بما تحب البداية به في مثله ويتنزل فيه منزلة الإمام العادل فيصرفه في أهم المصالح التي يصرفها الإمام في مثلها أهمها فأهمها لا يحل له غر ذلك إلا أن يكون متولي
следующие страницы →