Полный текст (181 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
من المناكر تقديم العوام والجهال للإمامة بالمساجد
ومن ذلك تقديم العوام والجهال للإمامة بالمساجد فإنهم لا يعرفون شروط الإمامة ولا ما تصح به الصلاة ولا ما به تبطل. وقد لا يوجد فيهم إلا من يكثر اللحن ويحرف الكلم عن مواضعه بسوء مخارج الحروف فيجب منعهم من ذلك إلا أن يتعلموا ويكمل تعليمهم منع اللحان من التلاوة ولو في غير الصلاة لازم ويشدد عليه ويشدد النكير فيما واقع ويغلظ عليه في الاشتغال بتعلم الأداء والحفظ على وجه الصواب لأن تغيير ألفاظ القرآن باللحن والخطأ خطيئة ومنكر يجب تغييره ولا يحل تقريره وإن كان لا يحسن القراءة لعجمة في لسانه فليوقع المحاولة ما أمكنه في تجويد أم القرآن وسورة ليقتصر بذلك على إقامة صلواته وأكثر حظوظه في غالب أوقاته أن يصلي مأمومًا أولى به وأسعد وأفضل له وأسد.
من المناكر قراءة القرآن بالألحان المشبهة للغناء
ومن ذلك قراءة القرآن بالألحان المشاكلة في الترجيع وتقطيع الصوت بالحنك للغناء المطرب قلت إنما يكون ذلك من المناكر عند من لا يجيزها أو يكرهها والأكثر على تصحيح الإباحة. فأما إيراده على التجويد والصوت الحسن فمتفق على الترغيب فيه لما فيه من التشويق للخير. وتحسين الأصوات بما فيه تذكير بالله سبحانه أفضل جاذب للقلوب الخالصة. فقد قال عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري: ذكرنا ربنا لتحسين صوته بقراءة القرآن.
وفي الحديث: زينوا القرآن بأصواتكم. ووقع في جامع " العتبية" قال مالك: وكان عمر بن عبد العزيز حسن الصوت بالقرآن فصلى بهم يوما فأصابته العين حين قدم من الشام فقال الشيخ ابن رشد –رضه-حسن الصوت بالقرآن موهبة من الله وعطية لصاحبه لأن حسن الصوت به مما يوجب الخشوع ورقة القلب ويدعو إلى الخير. وقد قيل في قول الله ﴿يزيد في الخلق ما يشاء﴾ إنه حسن الصوت وما يصيب المعين بقول العائن إذا لم يبر أمر أجرى الله به العادة في العالم مع القدر السابق وقد قال رسول الله ﷺ : علام يقتل أحدكم أخاه ألا بر شر العين حق. يريد أن الله قد أجرى العادة به لا أن أقول العائن هو المحدث لما أصاب المعين هـ.
قلت ما يصيب المعين إلا ما تعجب النفوس من استحسانه وتستكبر قدره وتعظم شأنه.
стр. 37
كما قال قائلهم:
عين أصابتك إن العين صائبة ... والعين أسرع ما تجري إلى الحسن
ولو اجتلبنا ما في ذلك من القول وما للعلماء –رضهم- في ذلك من الترغيب أكثر مما لهم من الترهيب لما وسعنا دفتر مجلد لذلك وحده دون ما نحن بسبيله.
احترام المساجد
وقد آن لنا أن نذكر ما للمساجد من الاحترام وما وجب توقيه فيها لو ساغ استعماله وتعاطيه بها على وجه من الإجلال والإعظام. فمن ذلك منع شواب النساء الممتليات لحمًا للواتي تخشى منهن الفتنة من مساجد الجمع والجماعات لأن ذلك مؤد إلى منكر يعظم خطره ويهيج شره فيحب قطعه بما أمكن. فقد منعتهن عائشة –رضها- من دون هذا. فقيل لها: إن رسول الله صلعم ما منعهن من ذلك. فقالت: لو علم رسول الله صلعم ما أحدث النساء بعده لمنعهن. فأين زمانها رضها من هذا الزمان * وانتشار طوارى البدع وطوارق الحدثان *
وقع في سماع أشهب من المستخرجة. وسئل عن شهود النساء الصلوات في المساجد. فقال ذلك يختلف في المرأة المتجالة والشابة. فالمتجالة تخرج إلى المسجد ولا تكثر التردد. والمرأة الشابة تخرج إلى المسجد المرة بعد المرة ولا تكثر وهي كذلك في الجنائز وذلك مختلف من العجوز والشابة. وإنما تخرج الشابة في جنائز أهلها وقرابتها. قال الشيخ ابن رشد –رحه- أما النساء المتجالات فلا خلاف في جواز خروجهن إلى المساجد والجنائز والعيدين والاستسقاء وشبه ذلك. وأما النساء الثواب فلا يخرجن إلى الاستسقاء وللعيدين ولا إلى المساجد ولا في الفرض ولا في الجنائز ولا في جنائز أهلهن وقرابتهن. هذا الذي يأتي على هذه الرواية وعلى ما في المدونة.
فيجب على الإمام في مذهب مالك أن يمنع النساء الشواب من الخروج إلى العيدين والاستسقاء ولا يمنعهن من الخروج إلى المسجد لجواز خروجهن إليه في الفرض فهذا دليل قوله في المدونة وفي تفسير ابن مزيز أن المرأة الشابة إذا استأذنت على زوجها في الخروج
стр. 38
إلى المسجد لم يقض لها عليه بالخروج. وكان له أن يؤدبها ويمسكها وليس ذلك بخلاف لما في المدونة لأن معنى ما في المدونة إنما هو في المنع العام. وأما المرأة الشابة في خاصتها فيكره لها الإكثار من الخروج إلى السجد فتؤمر ألا تخرج إليه إلا في الفرض بإذن زوجها إن كان لها زوج. فقد كانت عاتكة بنت زيد بن عمر بن نفيل تستأذن عمر بن الخطاب –رضه- في الخروج إلى المسجد وهو زوجها فيسكت فتقول والله لأخرجن إلا أن تمنعني. فلا يمنعها ولا تخرج إلا ثفلة. فقد قال رسول الله –صلعم- إذا شهدت إحداكم العشاء فلا تمسن طيبًا. ووجه قول مالك –رحه- أن النساء الشواب لا يمنعن من الخروج إلى المساجد عموم قول النبي صلعم: لا تمنعوا إماء الله مساجد الله. وجه كراهيته لهذا الإكثار من الخروج ما خشي على الخروج للرجل من الفتنة بهن. فقد قال رسول الله صلعم: ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجل من النساء.
ووجه قوله إنهن يمنعن من الخروج إلى العيدين ما أحدثته من الخروج على غير الصفة التي أذن لهن في الخروج وهي أن يكن ثفلات غير متطيبات ولا يبدين لشيء من زينتهن وقد قالت عائشة رضها لو أدرك رسول الله صلعم ما أحدث النساء لمنعهن المساجد كما منعه نساء بني إسرائيل.
وتلخيص هذا الباب على تحقيق القول فيه: أن النساء أربع عجوز قد انقطعت حاجة الرجال منها وهي كالرجال في ذلك. ومتجالة لم تنقطع حاجة الرجال منها بالجملة فهذه تخرج إلى المسجد ولا تكثر التردد إليه كما قال في الرواية. وشابة من الشواب فهذه تخرج إلى المسجد في الفرض وفي الجنائز جنائز أهلها وقرابتها. وفاذة شابة في الشباب والثخانة فهذه الأخير لها أن لا تخرج أصلا هـ. فإن حضر المسجد منهن من يسوغ حضورها فلابد من ضرب حائط فاصل بينهن وبين الرجال. قلت: في قوله ولا تخرج إلا ثفلة قال عياض في أحكامه غير متزينة ولا متطيبة ولا مزاحمة للرجال. زاد محيي الدين النووي ولا يكون بالطريق ما تتقى مفسدته. قال بعض الشيوخ في معنى الطيب اشتمالهن الملاحق ومليح الأكسية. قال عياض: إذا منعن من المسجد فمن غيره أولى. قلت: ويعارضه ما نورد نقله في صفات المتصرفين والمتصرفات عن مالك في المجموعة: أن الرجل لا يمنع زوجه من الخروج للتجر وأفتى الشيخ ابن عرفة بمنع خروجهن لمجالس العلم والذكر والوعظ وإن كن منعزلات عن الرجال. قال وإنما جاز ذلك في الصلاة. وذكر الأبي في "إكمال الإكمال" أنه لا يختلف اليوم في منع خروجهن للصلاة لأنهن لا يخرجن لذلك
стр. 39
أصلًا ويتأكد على الرجل منع زوجته من الخروج لا يكون جرحة أو تركها لأنها لا تعرف عينها ويتأكد المنع إذا كانت الزوجة تسرع إليها العيون.
ورأى الماجمي قاضي الأنكحة بتونس امرأة بالشارع على هذه الصفة فأرسل إلى زوجها وقدم إليه أنه إن رآها بعد اليوم أدبه وأدبها. وهذه نهاية القول في خروجهن للمسجد وما في معناه وأما خروجهن لغيره فسنذكره بعد إن شاء الله في التكلم على منكرات الأسواق والشوارع.
لا يدخل المسجد من فيه رائحة ثوم
ولا يدخل المسجد من فيه رائحة ثوم. وقع في سماع ابن القاسم كراهة ذلك قيل له: والبصل والكراث. قال: ما سمعت. وما حب أن أوذي الناس. وفي سماع عيسى مثله. وعليه قول مالك لوجود علة النهي ولفظة لا أحب يحتمل أن تكون بمعنى الوجوب لأن الإذاية لا تجوز وفي كتاب ابن الحران وكذلك الفجل إن آذى.
لا ينشد بالمسجد شعر
ابن رشد ولا ينشد به شعر ولا ضالة لقوله –صلعم- فإن المساجد لم تبن لمثل هذا.
وذكر عياض في الإكمال عن ابن وهب لا بأس بإنشاد شعر به غير الهجاء والغناء به وكان ابن الماجشون ينشده فه ويذكر أيام العرب. قلت: وينبغي أن يكون ما فيه مدح النبي –صلعم- وأصحابه محل وفاق. وقد أنشد كعب بن زهير قصيدته البردة التي مطلعها:
بانت سعاد فقلبي اليوم ... متيم إثرها لم يفد مكبول
بين يدي رسول الله –صلعم- في المسجد وبأمره له بذلك وصحبه رضوان الله عليهم حاضرون.
وفي المدونة ومثله في سماع ابن القاسم لا يترك به صبي إن كان يعبث ولا يكف إذا نهي اللخمي ومثله المجنون. قلت: ويدخل منع السكير والخمير فه بالأحروية.
стр. 40
وفي "النوادر" عن ابن وهب لا يوقد به نار ولا ينادى به لجنازة وحكى ابن رشد في كراهة النداء بما فيه قولين عن ابن القاسم قلت وما وقع عن ابن وهب من منع إيقاد النار به يعني غير المصابيح والله أعلم لأن إيقادها في المساجد جائز.
نصب الشموع والقناديل في المساجد
فقد سئل عز الدين بن عبد السلام عن نصب الشموع والقناديل في المسجد للزينة لا لوقود وفي تعليق الستور فيها: هل هو جائز أم لا. وكذلك فعل مثله في مشاهد العلماء وأهل الصلاح وما حكم ما يهدى للمساجد من الزيت والشمع الزائد عن الحاجة؟ هل يجوز بيعه من الذي يتولى ذلك؟ أو لا يجوز بيعه؟ وهل يجوز إيقاد السراج ليلًا في المسجد مع خلوه من المصلين؟ وإذا جاز فهل يجوز نهارًا أو يمنع لما فيه من مشابهة النصارى في إيقاد الكنائس نهارا؟ وهل يجوز تعليق الستر في المسجد وإذا لم يعرف مالكها فهل يجوز الانتفاع بكتابة العلم فيها. كما نقل عن بعض المحدثين أنه كان يكتب فيها الحديث.
فأجاب بأن قال: أما تزين المساجد بالشمع والقناديل فلا بأس به لأنه نوع من الاحترام والإكرام. وكذلك الستور وإن كانت من غير الحرير وإن كانت من الحرير احتمل أن تلحق بالتزيين بقناديل الذهب والفضة. وكذلك يجوز استعمال النسوج من الحرير وغيره إذا كان الحرير مطلوبا ولا يجوز مثل ذلك في الذهب والفضة إلا أن الكعبة لم تزل تستر إكرامًا لها واحترامًا ولا يبعد إلحاق غيرها من المساجد بها وإن كانت الكعبة أشد حرمة من المساجد.
وأما ما يهدى إلى المساجد من شمع وزيت فله أحوال: الأولى أن يقول المهدي هو منذور فهذا لا يجوز بيعه ولا التصرف فيه ويجب صرفه في جهة النذر فإن أفرط في الكثرة لم يجز بيعه كما لا يجوز التصرف في ربع الوقف على الثغر إذا اتسعت خطط الإسلام وخرج عن كونه ثغرًا.
وإن ظهر من المهدي أنه تبرع وهي الحالة الثانية لم يجز التصرف فيه إلا على وفق إذنه وهو باق على ملكه إلا أن يعين الاستعمال في جهة النذر فإن طالت المدة وعلم أن باذله قد مات فقد بطل إذنه كما لو أباح طعاما وغيره ثم مات قبل تناوله ونفاده فيما أذن فيه فإن عرف ورثته وجهوا في ذلك وإن جهلوا بحيث يئس منهم فقد صار لمصالح المسلمين العامة يصرفه من هو بيده مبتديا بما تحب البداية به في مثله ويتنزل فيه منزلة الإمام العادل فيصرفه في أهم المصالح التي يصرفها الإمام في مثلها أهمها فأهمها لا يحل له غر ذلك إلا أن يكون متولي
стр. 41
أمور المؤمنين عادلًا عاملًا بكتاب الله وسنة رسوله فيلزمه أن يدفعه إليه ليقوم الإمام بما وضعه الله تعالى عليه فيه وإن توقع معرفة الوارث ومراجعته وجب حفظه إلى أن يظهر فيراجع فيه أو ييأس من ظهوره فيرجع إلى المصالح العامة إن دفع المهدي ذلك إلى متولي المسجد وهي الحالة الثالثة وهي من المشكلات إذ من الجائز أن يكون منذورًا وهو الغالب فيما يهدى فتجري عليه أحكام الحالة الثانية.
وأما إيقاد اليسير من المصابيح ليلًا مع خلو المساجد من الناس فهو جائز لما فيه من احترام المساجد وتزيينها عن وحشة الظلمة ولا يجوز ذلك نهارًا لما فيه من السرف وإضاعة المال فضلا عن التشبه بالنصارى.
وأما تعليق الستر في المساجد فإن علقت بحيث تشغل المصلي ويتشوش عليه فلا شك في كراهة ذلك لما فيه من تفويت الغرض الذي بنيت المساجد لأجله وإن علقت في جهة لا تشغل المصلي فلا بأس به ولا يحل الانتفاع بها إلا بإذن مالكها لأنها باقية على ملكه ولم يأذن في الانتفاع بها بلفظ ولا قرينة حال بل قرينة حاله تقتضي النهي عن التعرض لها.
وإذا لم تتحقق الإباحة بلفظ ولا عرف لم يجز الإقدام على مال محرم. اللهم إلا أن تبلى بحيث لا يعلق مثلها في المساجد فإن سقطت جاز لكل أحد أخذها كما يجوز التقاط التمرة والزبيبة لقضاء العرف بإباحة ذلك والمسامحة فيه. وأكثر المحدثين بعيدون عن قواعد الشرع ومعرفة الأحكام فلا عبرة بأفعالهم بل ينكر عليهم ذلك لأنهم ليسوا أهلًا للاجتهاد هـ.
وإنما استوفينا نقل هذا الجواب بطوله لما احتوى عليه من الفوائد. قال: الشيخ أبو القاسم البرزلي ظاهر كلام عز الدين لما خصص المصابيح بالقلة أن إيقاد الكثير منها ليلًا من البدع وعليه رأيت شيخنا الشيخ الفقيه الصالح أبا عبدالله البطريني –رحه- كان يعمر مسجده بالقناديل غير الموقودة إلا ما لا بد منه.
وشاهدنا اليوم في إفريقية وقود الثريات والقناديل الكثيرة في جامع الزيتونة وغيره وينفق في ذلك أموال ولا مغير ولا منكر فيحتمل أن يكونوا عثروا على شيء بالجواز.
وأقول لا يلزم من جواب عز الدين في تخصيصه المصابيح بالقلة أن يكون الكثير ممنوعًا على الإطلاق وإنما هو ممنوع في صورة السؤال والسائل إنما سأل عن إيقاد المصابيح ليلًا مع خلو المسجد عن المصلين فحسن جوابه بإجازة القليل منها دون الكثير لأن ذلك مع فقد
стр. 42
المستضيء بها من الناس محض سرف إذ لا فائدة له إلا إعظام المسجد وتزيينه كما قال من وحشة الظلمة وذلك يحصل بما لا سرف فيه من قليلها دون الكثير.
فلو وقع السؤال عن إيقادها مع وجود المصلين أو في وقت تنتظر فيه الصلاة كما بين العشائين لما كان يجيب إلا بالجواز لإيقاد الكثير. وقول هذا الشيخ إن ذلك من البدع نقول بموجبه ولكنها بدعة مستحسنة أو واجبة.
كما وقع استمرار العمل في جامع الزيتونة وفي جامعنا الأعظم بتلمسان الذي يه ثرية لم تشاهد أبصارنا مثلها في عظم الهيئة وشرف القيمة في كثير من الأمصار المشرقية ولم نسمع بمثلها هنالك ولا بالمغرب. وإنما قلنا بوجوب هذه البدعة على ما قرره العلماء في البدع إنما تجري فيها الأحكام الخمسة لما تبين في ذلك من المصلحة العظيمة في المسجد الأعظم لإنارة زواياه وأقطاره المتباعدة وأسافله المتباينة لما يخشى من حلول مفاسد أو إيقاع ضروريات هنالك بملاقاة الأحداث لأولى الفسق والخنا ومن شاكلهم هنالك لما تحصله الظلمة من الأمان لهم بفقد رؤية الراثي.
وكذلك العداء على مال يسلب من صاحبه بعدوان أو اختلاس ومع الإضاءة بالمصابيح تندفع الخشية من مثل هذه المفاسد. وما ذكر من فعل الشيخ الصالح أبي عبد الله البطريني في مسجده من تقليل الإيقاد لا حجة فيه لأنه ليس من المساجد العظام فالقليل يضيئها وتستنير فتأمله.
اتخاذ البوقات في رمضان بالمساجد
ثم قال وكذلك البوقات في رمضان في جوامع إفريقية حتى في جامع الزيتونة وعلى ظني إني وقفت عليه لابن الحاج المتأخر وأنه أنكرها في جملة ما أنكر وسألت عنها شيخنا المفتي أبا القاسم الغبريني فاحتج علي بما وقع في جامع الزيتونة فقلت له ليس بحجة لأن الفقهاء لم يجيزوها إلا في الأعراس خاصة أجازها ابن كنانة فسكت عني فسألت عنها شيخنا الإمام الفقيه يعني ابن عرفة فأجاب بالجواز.
وإن البوقات المذكورة في الأعراس بوقات تميل النفوس إليها كما هي في الأندلس وأما بوقات بلادنا فإنها مفزعة ولذا ينفر منها الحمار لهذا جرى عليها العمل إنها تستعمل في المساجد والجوامع في شهر رمضان ليستيقظ النائم للسحور وقد كان غيرها بعض من ينتمي إلى
стр. 43
الصلاح في القيروان وقال أول قبلة رسمت في المغرب في أفضل الأزمنة رمضان تستعمل فيها مثل هذه الآلات وأنكرها إنكارًا شديدًا لما ثبت فيها من نصوص المتقدمين فبعث قاضيها لقاضي الجماعة ابن عبد السلام فبعث إليه وقال: إن عاد إلى مثل هذا أدبه هـ.
من منكرات المسجد سؤال الضعفاء به
ومما يمتنع في المسجد وهو من منكراته سؤال الضعفاء به ورفع أصواتهم بالمسألة لأجل أن الناس يجتمعون فيها فيعطون فيها دون غيرها فوقع في رواية ابن القاسم النهي عن ذلك قال ابن عبد الحكم ولا يعطى فيه سائل. زاد اللخمى عن مالك لا يحرمون ويضامون من المساجد.
قال بعض الشيوخ المتأخرين ومن هذا ما يقع اليوم في المساجد يقع رفع الصوت في المساجد العظام لرفع الحوائج على السلاطين والأمراء والعمال ونحوهم من هذا المعنى ولا يتركون وليفرق مظالمهم خارج المسجد. والأصل في ذلك النهي عن إنشاد الضالة. وقوله لا ردها الله عليك "عياض" وقول ذلك للناشد عقوبة له على عصيانه لمخالفته النهي "القرطبي" ولذلك يدعى على كل من فعل فيه ما لا يليق بنقيض مقصوده.
قال الفقيه الأبي في "إكمال الإكمال" قيل النهي عن إنشاد الضالة نهي كراهة واختلف في قول ذلك له هل هو على الوجوب أو على الندب على الخلاف في حمل أوامره –صلعم-.
وقول بعض السلف في البيع إن هذا من أسواق الآخرة فمعناه أنه لا يشاب بشيء من الدنيا وهو من باب تنزيه المساجد.
ومن ذلك رفع الصوت في المسجد ولو بالعلم وقع في "النوادر" عن مالك لا ينبغي وكان الناس ينهون عنه وفي " الإكمال" عن ابن مسلمة جواز رفع الصوت فيه بالعلم.
ومن ذلك قص الشعر وتقليم الأظافر والفصد وغير ذلك. قال في "الرسالة" ولا يقص فيه شاربه ولا يقلم أظفاره وإن أخذه في ثوبه.
ومن ذلك إدخال الحيوان لرفع الأثقال غير ما فيه مصلحة له: أما ما كان لمصالحه فعن مالك " أكره إدخاله الخيل والبغال والحمير لنقل ما يحتاج لمصلحته ولينقل على الإبل والبقر":
ومن ذلك أكل الطعام به. فوقع في سماع ابن القاسم كراهة أكل الطعام فيه كما يفعل
стр. 44
في رمضان وخفف أكل الضيف يبيت به "ابن رشد" يريد مثل التمر وشبهه من خفيف الطعام كما قال في الرسالة ولا يأكل إلا مثل الشيء الخفيف كالسويق ونحوه. وما له نوى كالتمر يجب طرح نواه خارج المسجد. وكذلك القشور والعظام وفي سماع ابن القاسم لا أحب لصاحب منزل أن يبيت فيه وسهل فيه للضيف ولمن لا منزل له. قال عز الدين إنما يرخص في ذلك لمن لا ينتهك حرمته من الضعفاء فقد كان أصحاب الصفة يبيتون مع القيام بحرمته.
وفي "النوادر" وروى علي بن زياد: لا أحب به فراشا ... مجلوسًا أو وسادة ولا بأس أن يضطجع فيه للنوم وفي سماع ابن القاسم خفف مالك لصاحبه المنزل أن يبيت فيه وسهل طلب الحق فيه ما لم تطل المراجعة في الطلب وكذلك أجاز قضاء الحق واقتضاءه على غير وجه التجر.
وفي السماع المذكور ولا بأس بوضوء الطاهر بصحن المسجد وتركه أحب إلي. وعن سحنون لا يجوز وهو أحسن لما يسقط من غسالة الأعضاء وكرهه مالك وإن جعله في طست. وذكر أن هشامًا فعله فأنكر عليه الناس وجعل المازري الكراهة لأجل المضمضة قال: فإذا ابتلعها جاز على القولين وفي خروج من ظهر بثوبه دم كبير من المسجد ولو كان في صلاة وتركه بين يديه ساترًا نجاسته ببعضه قولان حكاهما اللخمي عن ابن شعبان وغيره.
ولا تسل فيه سيوف ولا أسلحة وما في الصحيح أن الحبشة كانوا يلعبون بها في المسجد فمنهم من قال إن ذلك نسخ ولا يبتذل بكثرة الاستطراق. وفي المدونة لا بأس أن يمر به ويقعد من كان على غير وضوء وكره زيد بن ثابت أن يمر به من لا يصلي ولم يره مالك إلا في "إكمال الإكمال" أفتى ابن عرفة بجواز اتخاذه طريقا إذا دعت إلى ذلك ضرورة.
الحكاية التونسية
وكان البرزلي من متأخري التونسيين وأحد شيوخ ابن عبد السلام مدرسًا بمدرسة التوفيق وكانت داره قبلي جامع الزيتونة بل جامع التوفيق فكان إذا أتى المدرسة دخل من باب الجامع القبلي ويخرج من الباب الجوفي فعيب عليه ذلك لما فيه من اتخاذ المسجد طريقًا فاحتج بأن مالكًا أجازه في المدونة بقوله: ولا بأس أن يمر به ويقعد من كان على
стр. 45
غير وضوء. قال الفقيه الأبي وحين ذكر لنا الشيخ ابن عرفة ذلك عنه قلت لا متمسك له فيه لأن الكلام إنما خرج مخرج بيان أنه ليس من شرط الكون في المسجد الطهارة إلا مخرج بيان حكم المرور.
وأما البصاق فقال في المدونة لا يبصق في حائط قبلة المسجد ولا على ظهر حصيره ويدلك وهو غير محصب فإن كان محصبًا فلا بأس أن يبصق تحت قدمه وأمامه أو يمينه وشماله ويدفنه. الباجي وفي سماع ابن القاسم لا بأس بالتنخم تحت الحصير.
وأما ما يدب عليه من القمل فقال في المدونة يخرج ويطرحها خارج المسجد ابن بشير واستشكله الأشياخ لما فيه من تعذيب الحيوان ولهذا تأوله عبد الوهاب بأنه يلقيها بعد قتلها فيزول.
فائدة: وذكر الشيخ أبو الحسن الزرويلي المشتهر بالصغير في تقييده الكبير على التهذيب عن بعضهم أن القملة إذا ألقيت حية تنقلب عقربًا قل من لدغته إلا مات فعلى هذا يحرم إلقاؤها حية من باب تحصيل أسباب المهالك مع القدرة على نفيه. واتفق هؤلاء على عدم إلقائها في المسجد لأنه إما تلويث أو إلقاء نجاسة وإذاية للغير وكلها لا تنبغي إلا على القول بعدم نجاستها ويكون المسجد محصبًا فتكون كالبصاق.
ابن رشد قتل البرغوث به أخف اللخمي لأنه من دواب الأرض قال واستخف مرة ما قتل من القمل والبراغيث به وتقتل به العقرب والفارة.
الفتوى بمنع قراءة المقامات
وأفتى جماعة من فقهاء الأندلس بعدم منع المتحلقين بالمساجد للخوض في العلم وضروبه. قال ابن سهل وإطلاقه غير صحيح إنما ذلك لمن يوثق بعلمه ودينه ويقتصر على ما يعلمه في غير أوقات الصلوات. حين لا يضر بالمصلين قلت وذكر الأبى في "إكمال الإكمال" إجازة الشيوخ قراء الحساب به إذا لم يلوث وإعراب الأشعار الستة بخلاف قراءة المقامات لما فيها من الكذب والفحش وكان ابن البراء إمام الجامع بتونس لا يرويها إلا بالدوبرة منه إذ ليس للدوبرة حكم الجامع.
وذكر عن بعض الشيوخ كراهة إدخال الأنعلة به غير مستورة وأفتى بعضهم فيمن أزال
стр. 46
نعلًا من موضعه ووضعه بموضع آخر أنه يضمنه لأنه إنما نقله وجب عليه حفظه وصوبت هذه الفتيا.
غرس الأشجار في المسجد
ابن هشام في "مفيده" خالف أهل الأندلس مذهب مالك بإجازتهم غرس الأشجار بالمسجد أخذ منهم بمذهب الأوزاعي قال بعضهم وعليها أفتى في أحكام الشعبي إذا نبتت شجرة في صحن المسجد والمقبرة أو طريق المسلمين فهي لله تؤكل ثمرتها فيحتمل أن تكون نبتت بنفسها أو مستنبتة وكذا من أراد قلعها فيغرسها في ملكه فعلى قول مالك يجوز له ذلك إذ لا يجوز له غرسه. وعلى فتوى الأندلس لا يجوز.
إرسال حدث الريح في المسجد
اللخمي ولا يطلق به حدث الريح. قال بعض الشيوخ أخبر بعضهم جواز خروج الريح في المسجد مما في الصحيح أن الملائكة تستغفر للمصلي ما دام في مصلاه ما لم يحدث.
وفسره أبو هريرة بأنه قساء أو ضراط وبوب البخاري عليه باب الحدث في المسجد. وذكر المازري في تعليقه على أحاديث الجور في فقال إن ما أدخله البخاري ردًا على من يقول إن المحدث حدثًا أصغر يجوز دخوله المسجد والأظهر عندي أنه كرائحة الثوم فتظهر الرخصة يريد اضطر إليه سكنى أو مبيتًا بمنزلة صلاة الآكل للثوم وإن كان لغير ضرورة فتنزه المساجد عنه بل إذا كثر ذلك منه يخرج لإذاية الناس كما لو آذى الناس بلسانه.
اعرف الفتوى بإخراج من يكثر إذاية الناس بلسانه من المسجد
وقد أفتى فقهاء الأندلس بذلك فيمن كثرت إذاية لسانه أنه يخرج من المسجد قياسًا على آكل الثوم قلت: فكيف بالإذاية الكبرى والداهية العظمى والمنكر الفظيع والعصيان الشنيع الذي استقبحته الشريعة ونافرته الطبيعة وقد اتخذ في جامع بلدنا الأعظم ديدنا ودأبا حتى عمي منتحلوه بينهم عن تحريمه عينًا وقلبًا وذلك منكر الغيبة التي هي أخبث الكبائر وأشر تباعات الدنيا والآخرة ولو يذكرهم الحق الظاهر قال مولانا ﷻ ﴿ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا﴾ وقال صلعم: الغيبة أشد من الزنى.
стр. 47
قلت في هذه الأشدية أن الزاني لم يجن إلا على نفسه بذنب بينه وبين ربه ومنتهب الأعراض جان على من آذاه في عرضه.
وأوحى الله تعالى إلى موسى ﵇ من مات تائبًا من الغيبة فهو آخر من يدخل الجنة ومن مات وهو مصر على الغيبة فهو أول من يدخل النار. وقال صلعم: إن الغيبة لتأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب اليابس وقال صلعم: مررت ليلة أسري بي على قوم يخمشون وجوههم بأظفارهم فقيل لي هؤلاء الذين يغتابون الناس. وهي على ما بين صلعم ورسم أن تذكر أخاك بما يكرهه. قال إن ذكرته بما فيه فقد اغتبته وإن ذكرته بما ليس فيه فقد بهته. وفي بعض الطرق فقيل له يا رسول الله وإن كان حقًا قال: إن قلت باطلًا فذك البهتان.
ثم المستمع أحد المغتابين كذلك قال رسول الله صلعم قال الإمام الغزالي –رضه- فكيف إذا حرك نشاطه بالتعجب وكذلك قد يقول دع غيبة الناس وهو بقلبه غير كاره إنما غرضه أن يعرف بالورع وذلك لا يخرجه عن إثم الغيبة ما لم يكرهها بقلبه وتورطه في إثم الرياء بل يخرج من الإثم بأن يكره ذلك ويكذب المغتاب ولا يصدقه بقلبه لأنه فاسق يستحق التكذيب والمسلم المذكور بالغيبة يستحق إحسان الظن به.
قال رسول الله صلعم إن الله حرم من المسلم دمه وعرضه وماله وأن يظن به السوء فالغيبة بالقلب حرام كما أنها باللسان حرام ثم قال –رضه- واعلم أن أخبث الغيبة غيبة الفراء يقول أحدهم مثلا الحمد لله الذي لم يبتلنا بالدخول على السلطان لطلب الدنيا ونعوذ بالله من قلة الحياء وهم يفهمون من المقصود بذلك ويقولون ما أحسن أحوال فلان لولا أنه ابتلي بما بلي به أمثالنا وهو قلة الصبر على الدنيا فنسأل الله أن يعاقبنا.
وغرضهم في ذلك الغيبة فيجمعون الغيبة والرياء وإظهار التشبه بأهل الصلاح في الحذر من الغيبة وهذه خبائث يغترون بها ويظنون أنهم تركوا الغيبة وكذلك يغتاب واحد فيشتغل عنه الحاضرون فيقول سبحان الله ما أعجب هذا حتى ينبه القوم للإصغاء فيستعمل ذكر الله في تحقيق غيبته أو يقول قلبي مشغول بفلان تاب الله علينا وعليه.
وليس غرضه الدعاء بل التعريف ولو قصد الدعاء لأخفاه ولو اغتم قلبه لأجله لكتم عيبه ومعصيته وكذلك قد يظهر تعجبًا من كلام المغتاب حتى يزيد في نشاطه في الغيبة. قلت: فإذا كانت هذه المعصية من أعظم الكبائر ومن أشنع المناكر التي يجب
стр. 48
الاحتساب في تغييرها ومحل تغييرها في أي محل ارتكبت وفي أي زمان ابتدعت ففي مساجد الله وأوقات دواعي أمره أحق وأولى بالتغيير وأجدر بالإغلاظ والتشديد بالنكير.
فقد قال العلماء ليس التلبس بمعصية الله في حرمة الذي بمكة مباركًا وهدى للعالمين في العشر الأواخر من رمضان أو عشر ذي الحجة أو يوم عرفة أو يوم عاشوراء كالتلبس بها في محل آخر في سائر الأوقات وليس مساجد الله من الحرمة ما للبيت العتيق بطريقة الإلحاق وإن كانت الكعبة أشد حرمة لكن على حكم أفضلية التابع متبوعه
فعلى من ولاه الله شيئا من أمر أمة محمد ﵇ السعي بما أمكنه في إزالة هذا المنكر الخبيث المستسمج الرثيث. والمسارعة لزواله على الفورية وترك الفتور لأن ذلك الواجب عليه شرعًا في مثل هذا المحذور فكل من أدركه أذى في عرضه طالب حق يستوفيه يوم الجزاء من القادر على إزالته فلم يفعل لأن الناس يسمحون في أمولاهم دون أعراضهم كما قال قائلهم:
أصون عرضي بمالي لا أدنسه ... لا بارك الله بعد العرض في المال
أحتال للمال أودى فأجمعه ... ولست للعرض إن أودى بمحتال
وقد اتفق العلماء على جواز أخذ العرض صلحا عما وجب من الحقوق البدنية جراحا كانت أو نفسا وكذلك المالية وشددوا الكراهة في أخذ العرض صلحًا عما واقع منتهب العرض في عرض الأخذ لعناية الشرع بحمايتها كل الحماية بما وقع من التشديد وكبر الوعيد في منكر الغيبة.
قال الشيخ شهاب الدين –رضه- قال العلماء: والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الفور إجماعًا فمن أمكنه أن يأمر بالمعروف وجب. وحظنا فيه من مراتب التغيير الثلاث إنكار أفئدتنا والتغيير بقلوبنا لا نستطيع أكثر من ذلك لما نخشى من تأديته لمنكر أعظم منه حسبما تقدم سقوط ذلك بهذه الخشية.
اللهم إنا نبرأ إليك مما فعلوه في محل مناجاتك وإيقاع صلواتك فأنت العليم بما تكنه الصدور وتخفيه الضمائر من سائر خلقك أجمعين. فلا تهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين.
стр. 49
المسائل الثمان المستثنيات من منع الغيبة
ثم اعلم أن للغيبة محالًا مستثنيات من المتع برخصة الجواز.
الأول- المتظلم يذكر ظلم ظالمه عند ذي سلطان ليدفع ظلمه فأما عند غير ذي سلطان وعند من لا يقدر على الدفع فلا: اغتيب الحجاج عند بعض السلف فقال إن الله ينتقم للحجاج ممن اغتابه كما ينتقم من الحجاج لمن ظلمه.
الثانية- الجرح والتعديل في الشهود عند الحكام فلا يحرم وكذلك رواة الحديث يجوز وضع الكتب في ذلك والإخبار به. قال الشيخ شهاب الدين القرافي ويشترط في ذلك أن تكون النية خالصة لله سبحانه في نصيحة المسلمين وعند حكامهم وفي ضبط شرائعهم وأما إذا كان ذلك للهوى فهو حرام وإن حصلت به المصالح عند الحكام والرواة ويشترط أيضًا في ذلك الاقتصار على القوادح المخلة بالشهادة أو الرواية.
الثالثة – المستفتي إذا افتقر إلى ذكر السؤال كما قالت هند إن أبا سفيان رجل شيخ لا يعطيني ما يكفيني ينهها رسول الله صلعم قال الغزالي: وهذا كله شكاية ولكن إنما تحل إذا كانت فيها فائدة.
الرابعة – الاستشارة في مصاهرة أو مشاركة أو معاملة يجب على المستشار أن يذكر ما يعلم من حال المستشار فيه لقوله ﵇: المستشار مؤتمر. قال بعض الشيوخ: فإن حصل الغرض بمجرد قول المشير على المستشير لا يصلح لك لم تجز الشهادة. قال شهاب الدين القرافي يشترط في ذلك الاقتصار على ما يخل بتلك المصلحة التي حصلت المشاورة من أجلها خاصة والزيادة على العيوب المخلة. بما وقعت المشاورة فيه حرام.
الخامسة – ذكر ما عليه ذي المنكر من المناكر متجاهرًا بها للقائم بتغييرها إذا ذلك مما يتم الواجب إلا به فهو واجب.
السادسة – أن يكون معروفا باسم فيه عيب كالأعمش والأعرج والأعمى والأصم وغير ذلك فإن كان كذلك جاز تعريفه بذلك على نية التعريف ويحرم إطلاقه على جهة التنغيص قال أبو حامد رضه والعدول إلى اسم آخر أولى.
стр. 50
السابعة- أن يكون مجاهرًا بذلك العيب كالمخنث وصاحب الماخور وكذلك الفاسق المعلن بالفسق فلا يضر أن يحكى ذلك عنه لأنه لا يتألم إذا سمعه وكذلك من أعلن بالمعاصي وهكذا كل من لا يتألم بمعصية قال الغزالي: والصحيح أن ذكر الفاسق بمعصية يخفيها لا يجوز من غير عذر. قال شهاب الدين القرافي: سألت جماعة من المحدثين والعلماء الراسخين عما يرى من قوله صعلم لا غيبة في فاسق فقالوا لم يصح فلا يجوز التفكه بعرض الفاسق فاعلم ذلك.
الثامنة- أرباب البدع والتصانيف المضلة فينبغي أن يشهر في الناس فسادها وعيبها وأنهم على غير الصواب ليحذرها الضعفاء وينهى عن تلك المفاسد التي فيها شرط ألا يتعدى فيها الصدق ولا يفتري على أهلها من الفسوق ما لم يفعلوه بل يقتصر على ما فيه من المنفرات خاصة.
قال الشيخ محي الدين النووي –رضه- فيجب على المغتاب التوبة وطلب العفو من صاحبها ولابد من استحلاله. قال: وهل يكفيه أن يقول قد اغتبتك فاجعلني في حل أم لابد له من ذكر ما اغتابه فيه؟ وجهان لأصحاب الشافعي: أحدهما يشترط بيانه فإن أبراه من غير بيانه لم يصح كما لو أبراه عن مال مجهول والثاني لا يشترط لأن هذا ما يتسامح به فلا يشترط علمه بخلاف المال قال رحه والأول أظهر لأن الإنسان قد يعفو عن عيب دون عيب.
ما يعالج به داء الغيبة
فإن قلت وما وجه العلاج لهذه النفس المسكينة التي واقعت هذه المعصية حتى تبرأ من عيب الانقياد لذلك فيما يرد من الزمان وتبرأ مما صدر منها من ماضيه من الغيبة والبهتان وتعلن بالتوبة من ذلك أي إعلان. قلت: قال الإمام أبو حامد الغزالي –رضه- هو أن يتفكر المغتاب في الوعيد الوارد فيها في قوله ﵇: إن الغيبة أسرع أكلًا في حسنات العبد من النار في اليبس. وورد أن حسنات المغتاب تنتقل إلى ديوان المظلوم بالغيبة فينظر إلى قلة حسناته وكثرة غيبته وأنه ينتهي إلى إفلاسه على الغرة ثم يتفكر في عيوب نفسه فإن كان فيه عيب فيشتغل بنفسه من غيره وإن كان قد ارتكب صغيرة فيعلم أن ضرره
стр. 51
من صغيرة نفسه أكثر من ضرره من كبيرة غيره وإن لم يكن فيه عيب فيعلم أن جهله بعيوب نفسه أعظم عيب ومتى يخلو الإنسان عن عيب ثم إن خلا عنه فليكثر الله تعالى بدلًا من الغيبة فإن القول في الأعراض كأكل لحوم الميتة وأكل لحوم الميتة من أعظم الذنوب فليحذر منه هـ.
شروط التوبة من الغيبة
ووقع للشيخ أبي محمد بن أبي زيد أن من شروط التوبة من الغيبة أن يعين لصاحبها ما قاله فيما كما تقدم للنووي في أحد الوجهين نقلا عن بعض الشافعية. زاد الإمام أبو حامد ويكذب نفسه بين يدي من قال ذلك عنه. لكنه استدرك قيدًا في إعلام المغتاب من اغتابه أن يكون آمنًا من زيادة غيظه أو تهييج وفتنة تصدر منه أو من أحد بسببه. فإن خشي من ذلك فعليه الركون إلى الله تعالى ليرضيه عنه وليكثر من الاستغفار لصاحبه. قال الشيخ محيي الدين النووي: فإن كان صاحب الغيبة ميتا أو غائبا فقد تعذر تحصيل البراءة منها. لكن قال العلماء رحمهم الله تعالى ينبغي أن يكثر الاستغفار له والدعاء ويكثر من الحسنات.
قال بعض الشيوخ أما إذا مات فقد تعذر الخلاص من البراءة كما قاله وأما مع غيبته فلا تعذر في استحلاله من ذلك لأنها ممكنة بالكتب إليه. وقد اقتصر الإمام أبو حامد الغزالي على الاكتفاء بالاستغفار له والثناء عليه. ونقل عن الحسن البصري أنه قال: يكفي في التوبة من الغيبة الاستغفار دون الاستحلال. قال بعض الشيوخ: وهذا المذهب مرجوح والحق ما عليه الجماعة من وجوب طلب الاستحلال والعفو من صاحبها. والدليل لهم ما خرجه البخاري عن أبي هريرة رضه عن النبي صلعم قال: من كانت له مظلمة لأخيه من غرض أو شيء فليتحللها منه اليوم قبل أن لا يكون دينار له ولا درهم. فإن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه.
اغتياب العلماء ليس كاغتياب الجهال
ثم اعلم أن اغتياب العلماء ليس كاغتياب الجهال لشرف وصف العلم القائم بالعلماء على الجهل القائم بالجهال لأن فضل العلم على الجهل من الضروري الذي لا يكابر فيه ذو عقل سليم. كما أن فضل المساجد على غيرها من سائر البقاع كذلك. ولذا قال الشيخ ابن
стр. 52
معلى في منسكه ويرحم الله الشيخ الإمام المحدث الراوي الحافظ أبا القاسم بن عساكر فلقد أحسن من أنشأ في كلماته في هذا المعنى ونصه: اعلم يا أخي أن لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك أستار منتقصهم مشهورة معلومة وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب. فإذا أتى المغتاب لمن اغتابه متحللًا منه وتائبًا مما وقع في عرضه فينبغي أن يحله. قال الشيخ محيي الدين النووي: يستحب لصاحب الغيبة أن يبرئه منها ولا يجب عليه لأنه تبرع وإسقاط حق فكان إلى خيرته ولكن يستحب له الإبراء استحبابًا مؤكدًا الله سبحانه قال مولانا ﷻ ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾ وقال تعالى: ﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾ وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلعم قال والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه.
حكم النميمة
والنميمة أخت الغيبة في التحرير وهي أن ينقل إليه من غير أن يتعرض لأذاه. قال ﵇: لا يدخل الجنة نمام قتات. وفي بعض الطرق قتات ولما فيها من إلقاء البغضة بين الناس.
فائدة- النميمة والغيبة تفارقان النصيحة كما تفرق المداهنة من المداراة. فالفرق بين النصيحة والأخريين أنهما يردان من قائلهما في غيبة المنقول عنه دون سؤال يسأل أو استعلام منه يستعلم بخلاف النصيحة فإنها لا ترد من الناصح إلا بعد استنصاح الناصح المستنصح فلم يقل رسول الله صلعم لفاطمة بنت قيس "أما أبو جهم فلا يضع عصاه عاتقه. وأما معاوية فصعلوك. انكحي أسامة" إلا بعد استنصاحها بنصحه.
ويحاشى سيد المرسلين أن يقول ذلك فيهما في غير جواب المستنصحة برءًا مما من عند نفسه لأن ذلك عين الغيبة. ومثله في طريق النميمة بطريق إفراغها في قالب النصيحة كما يرد من بعض أولى بعض المشتهرين بكراهة الشخص في إتيانهم له بإظهار النصح يقولون له أو أحدهم إني أنصحك سمعت فلانا يقول فيك كذا من خبائث القول فتوق لنفسك وارحم عرضك
стр. 53
أو يقول سمعت فيك كذا ولم يعين قائله وليس لقوله ذلك أصل في النصيحة وإنما يريد إدخال مكرب على المقول له بنميمة لا حقيقة لها وغيبة قلبية قد تخرصها فبهته بإعلامه بها.
وذلك لا يرد إلا من متفجر قبيح خبيث الباطن وهو محرم باتفاق وإنما هو رهين فيها قال إن لم يبين القول من زعم أنه قال هو مأخوذ بما يلزم عنه إن حدا فحدا وإن عقوبة فعقوبة.
قلت وقد وقع لي مثل ذلك ذات يوم حضر محاورة فاضل مع فاسق اتحقق أنا وغيره سوء باطنه في شأنه وأنه يريده بما يكافئه عليه الله الذي ينصر المظلوم ويرد بأس الغشوم وهو ممن ينتمي لطلب العلم وهو بطلب الشر أولى به من طلب الخير قال سمعت فيك قول كذا وكذا وأنا جئت ناصحًا. فقلت مجيبًا له: لم ينته لفؤادك والله أعلم حكم ما يلزم القائل مثل قولك على طريق الإخبار عن مقول الغر فأطلعته على ما في المدونة في كتاب الرجم وما حكى اللخمي عن ابن القاسم في تبصرته وابن أبي زيد في نوادره وابن رشد في بيانه. أنه إن لم يثبت المقالة على قائلها. فلا اختلاف أنه يحد حد الفرية. فإن أثبتها على وجه الرسالة بها فقل يحدان جميعا. وقيل لا يحد إلا المرسل وأعلمته بحقيقة النصيحة وخروجها عن خبث طريقته. فبهت الفاجر ولكن أمن مكر الله في نيل العقوبة ذلك الخاسر. قال الشيخ شهاب الدين القرافي: إلا أنه يستثني من ذلك سلامة الباطن ما كان تحذيرا من قتل أو أخذ مال تقوم قرائنه على المبلغ عنه فيكون سبيله سبيل النصيحة ولو لم يكن باسترشاد من أديت إليه النصيحة لأن حماية مال الإنسان ودمه بما أمكن واجب.
اعرف الفرق بين المداهنة والمداراة
ثم الفرق بين المداهنة والمداراة أن المداهنة حقيقتها بذل الدين بالدنيا والمداراة حقيقتها بذل الدنيا بالدنيا.
فالأولى كما يقع من إطراء الظلمة بمدحهم بوجوه المدح وتحسين أفعالهم وأقوالهم بالتماس المخارج الحسنة لهم والتأويلات البعيدة مع تحقيق المداهن لاستقباح ما لهم عليه. بواجب الإنصاف وطريق الحق وليس له ما يحمله على ذلك سوى ما يناله من دنياهم فقد باع دينه بتغريرهم على مسالك الباطل بدنياه السمحة الركيكة في سبيل المعارضة الردية مع ما ينضاف
стр. 54
لذلك من إثم إغرائهم على الازدياد ما انتحلوه في مساعي هواهم وسد باب تقواهم فهذا عين الادهان وما كان في معناه مداهنة واستعمال الناس له كثير.
وأما الثانية التي هي المداراة فإنما هي أن ينيل بالمداراة عرضًا من دنيا يجتلب به مودة ما يستكفي شره ويستدفع ضره أو يستحصل فائدة منه ألجأه الوقت إليها من غير أن يكون وراء ذلك شيء مما في طريق المداهنة من الاختلاف بقوله لهم ما يحبون وحقيقة الأمر على خلافه. قال عياض في إكماله فما فعله رسول الله صلعم من بسط ردائه للذي قال عند وروده وقبل اللحاق به بئس أخو العشيرة من المداراة لا من المداهنة لأنه لم يقع في دفع تقية ما يتقى منه إلا بسط الرداء والجلوس في محل القرب ولهذا أجاب صلعم عائشة عن تعجبها مما فعله ﵇ بعد أن قال ما قال بقوله إن أخبث الناس من يكرمه الناس اتقاء فحشه أي إكراما كإكرامي هذا. فالمدارة جائزة والمداهنة حرام.
يجب تطهير المساجد من المراء والمجادلة
ومما يجب تطهير المساجد منه كتطهيرها من الغيبة والنميمة ما يقع بين متكلمين في بحث من المراء والمجادلة. وحقيقة المراء الاعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه إما في اللفظ أو في المعنى. قال الإمام أبو حامد الغزالي رضه والباعث عليه إثارة الترفع بإظهار الفضل وسببه إما خبث الرعونة وإما إثارة الشمعية التي في الطبع المتشوفة إلى نغص الغير وقهره بالمراء والمجادلة بل الواجب أن يصدق ما سمعه من الحق ويسكت عما سمعه من الخطا إلا إذا كان في ذكره فائدة دينية وكان ممن يسمع منه فيذكره برفق لا بعنف هـ.
وفي الخبر النبوي عنه صلعم من ترك المراء وهو محق بني له بيت في أعلى الجنة ومن تركه وهو مبطل بني له بيت في رفض الجنة. قال أبو حامد لأن الترك للمحق أشد وقال لا يستكمل العبد حقيقة الإيمان حتى يدع المراء وهو محق. قلت: لأن تعاطي الجدال والمراء ذريعة للعجب والتشميع وكلها محرمة وما أدى إلى الحرام فهو حرام.
شكل بناء المساجد وطريق وضعها
تتميم بما بقي ذكره من أحكام المساجد. وذلك في شكل بنائها وطريق وضعها. قال اللخمي: بناء المساجد للجماعة والجمعة واجب في كل قرية وأما إقامة الجماعات فيندب في محلة بعيدة عن جامع بلدها. قال الأبي في "إكمال الإكمال" المخاطب بنصب المسجد
стр. 55
الإمام وعليه يدل الحديث وإلا فعلى الجماعة. وإقامة مسجد ثان مندوب إليه لأن فرض إقامة السنة سقط بالأول وهو في ذلك كالأذان فرض على أهل المصر سنة في مساجد الجماعات.
وفي سماع أشهب وابن نافع المسجد الذي أسس على التقوى مسجده ﵇ قال ابن رشد رضه هذا هو الصحيح لا قول بعضهم إنه مسجد (قبلة).
وفي السماع المذكور: لا خير في بناء مسجد قرب آخر ضرارً فأما لخير فلا بأس به. سحنون. لا بأس بإحداث مسجد ثان بقربة لكثرة أهلها وعمارتهم إياهما وإن قل أهلها وخيف تعطيل الأول منعوا لأنه ضرار. ابن رشد: إن كان الثاني يفرق جماعة الأول فإن ثبت قصد بانيه الضرار هدم وترك مزبلة وإن لم يثبت ترك خاليا ما لم يحتج إليه بكثرة الناس وانهدام الأول.
كراهة الكتب والتزويق بالذهب في قبلة المساجد
وفي المدونة: كراهة الكتب والتزويق في قبلة المسجد حين جعل بالذهب لأنه يشغل المصلين ابن رشد لابن نافع وابن وهب جواز تزويق المساجد والكتب في قبلتها. وحكى القرطبي في تفسير قوله تسع في بيوت أذن الله أن ترفع عن عثمان بن عفان رضه: أنه بني مسجد النبي صلعم بالساج وحسنه. وعن أبي حنيفة: لا بأس بنقش المساجد بماء الذهب. وعن عمر بن عبد العزيز: أنه نقش مسجد النبي صلعم وبالغ في عمارته وتزيينه ونقشه.
قلت: وذكر لي بعض ساكني المدينة المشرفة لما رأيت بها توشية كثيرة بالذهب مستجدة أن سلطان الوقت الظاهر جقمق هو الذي أحدثه وأكثر في زيادته. فلما وصلت القاهرة آتيًا من الحج واجتمعت به في قلعته التي بأعلى الرميلة ذكرت له ما أخبرت به بمدينة الرسول ﵇ من إعظامه وإكباره لمسجده صلعم بما رأيناه من التشييد والتوشية بكثير الذهب والأزورد الخراساني وأكثرنا في شكره والثناء عليه لذلك فطلب منا الدعاء بحسن الخاتمة ونيل شفاعته. فدعونا له ولأنفسنا.
وانصرفت حتى أتيت محل مسقط الرأس واستيطان السلف بلدنا تلمسان أجرى الله أحوالنا بها على ما عود ما ألطافه الجميلة ذكرت الحكاية لسيدنا الجد الأقرب وهو في مرضه الذي توفى منه فقال لو لكان بحضرته صلعم ما أناله شكرا ولم يرض بفعله قليلا ولا كثيرا فذكرت له ما سطرته من نقل ابن رشد الجواز عن ابن نافع وابن وهب
стр. 56
فقال لي قررنا على القول بالجواز فكم من مباح تركه صلعم ورعا واستقلالا من الدنيا في مأكله وملبسه ومسكنه ومصلاه الذي به يصلي. وقد ورد عليه مال البحرين الذي لم ير المسلمون حينئذ أكثر منه ورددت في بعض ذخائر كسرى وقيصر وحمل منه العباس رضه عدته التي وعده الله بها في قوله ﴿يؤتكم خيرا مما أخذ منكم﴾ فحمل من المال ما قويت طاقته على حمله وحمل من التوسع في الدنيا هذا الذي حصل ولم يجعل من ذلك صلعم من تزويق المسجد ولا توشيته فلو كان ذلك من القربة المرغب في فعلها تعظيما لما تركه حتى توفاه الله صلعم فأمسكت عن مراجعته خشية من تحريك داعية المرض وزيادته بإثارة البحث ومناولة الكلام. وإلا فالظاهر من فعل أمر المؤمنين عثمان بن عفان رضه وعمر بن عبد العزيز ذلك ولا نكير من الصحابة والتابعين أن ذلك جائز. ولو ادعى مدع أن ذلك إجماع سكوتي لم يفند. وثبت عن سليمان ﵇ أنه بنى بيت المقدس وبالغ في تزيينه ولم يزل كذلك حتى الآن وذكر بعض ساكنيه أن ما به من التزيين في هذه الملة من فعل عمر بن الخطاب رضه وعلى القول بالجواز اعتمد الناس في تزخرف المساجد وتزويقها.
الحصباء بالمسجد
وفي المدونة يكره له أن يحمل حصباء من موضع الظل لموضع الشمس يسجد عليها لأنه يحفر المسجد وأما لو خرج به ففي سماع أشهب وابن نافع من خرج منه بحصباء بيده نسيها أو تعلقت بنعله إن ردها فحسن وما ذاك عليه. ابن رشد لأنه أمر غالب لا ضرر فيه على المسجد فلم يلزم رده إليه كما أن ما يبقى بين أسنان الصائم من الطعام إذا ابتلعه بالنهار مع ريقه لم يجب عليه قضاء لأنه أمر غالب هـ.
وأما لو حملها قصدا فلا يجوز لأنه نقل الحبس عن محله. وفي شرح التهذيب للزناتي أن رجلا حمل حصباء من مكة وأتى بها للمغرب فكانت بالليل تصوت حتى منعت النوم فقيل له ردها إلى موضعها وحينئذ تنام فردها إلى موضعها أو بعثها فحينئذ نام. قلت وكان يتقدم لنا في مجلس شيخنا أن من حمل حصباء من الأماكن المشرفة ورد إلى محلها في الوقت أخرى فإنه لا حرج عليه في نقل التي حمل لوجود العوض كما أن من استهلك وقفا فإنما مثله ولو كان من المقومات كالبناء ونحوه ما لم يكن مما لا عوض له لتعلق الفضل بعينه كالحجر الأسود وكقواعد البيت فلا يسوغ ذلك.
стр. 57
ورأيت حكاية لابن سعدون القروي أن الركن الأسود أرسله اللعين الجبائي إلى عبيد الله الشيعي رأس الشيعة للمهدية فلم يلبث أياما حتى مات عبيد الله فلما دفن طرحته الأرض ثم دفن فطرحته ثلاثًا فقيل إن هذا لأجل هذا الحجر فردوه وعند ذلك استقر عبيد الله في الأرض لعن جميعهم وأما تعليق أستار الحرير فيه فظاهر كلام عز الدين المتقدم الجواز.
تجمير المسجد
وأما تجميره ففي المدونة ويتصدق بثمن ما يجمر به المسجد أو يخلق أحب إلي. عياض يعني أنه أعظم للأجر لأنه يكره تجمير المسجد وتخليقه بل هذا كله مما يندب إليه وفعله الصدر الأول ولكن رأى مالك أن الصدقة أفضل وتجميره هو تبخيره بالبخور وتخليقه جعل الخلوق في حيطانه وهو الطيب المعجون بالزعفران.
قال أبو عمران ومعنى قوله ويتصدق بثمن ما يجمر به المسجد أو يخلق أحب إلي يريد أفضل من تجميره وتخليقه وفي تجميره أجر كثير ولم يرد بقوله نفي الأجر في التجمير ولكن رأى غيره أفضل منه كما تقول كذا أفضل من كذا وإن كان لكل واحد منها فضل.
تنبيهان
الأول منهما إن قلت ما الذي يكون بناء شكل هذا المسجد الذي له هذه الحقوق في الاحترام والإعظام وقفًا وحبسًا وهل لظهره ولما تحته من الحرمة. مالك قلت يثبت التحبيس فيه بتنصيص المحبس دون إشكال أو بإباحته للناس الإباحة الدالة على التنصيص. قال في المدونة والمسجد حبس لا يورث إذا كان صاحبه قد أباحه للناس قلت: قوله إذا كان صاحبه قد أباحه للناس مفهومه أنه لو لم يبحه وكان محجورًا فإنه لا تكون له حرمة المسجد.
ووقع في العتبية عن ابن القاسم وسحنون لا بأس أن يجعل الرجل في بيته محرابًا يصلي فيه ابن رشد: ويحترم باحترام المسجد. قال الفقيه أبو عبد الله الأبي وكان الشيخ بن عرفة يقول إنه لا يحترم باحترام المسجد وما نقله ابن عرفة مخالف لما قال ابن رشد وموافق لمفهوم الكتاب قال أبو الطاهر بن بشير في تنبيهه أجمعت الأمة على جواز تحبيس السقايات والمساجد فمن بنى مسجدا فلا يخرج عن ملكه بنفس البناء إلا أن يظهر منه قول أو فعل
стр. 58
يدل أنه قصد إخراجه عن ملكه وتحبيسه ولهذا لا يحل أن يملك بعد الإباحة ما فوقه دون ما تحته.
ولا يبني فوق ظهر المسجد بيتًا ليسكن فيه لأنه يصير مسكنًا يجامع فيه ويأكل ويشرب.
وقد كان عمر بن عبد العزيز إمام هدى فكان يبيت فوق ظهر مسجد النبي ﵇ فلا تقربه فيه امرأة. قلت: ما ذكر عن عمر بن عبد العزيز ذكر مثله في جامع العتبية قال: قال مالك كان عمر بن عبد العزيز يفرش له على ظهر المسجد في الصيف فيبيت فيه. ولا تأتيه فيه إمرأته ولا تقربه وكان فقيهًا. قال ابن رشد رحه: لا اختلاف في أن لظهر المسجد من الحرمة ما للمسجد ألا ترى أنه لم يجز في المدونة للرجل أن يبني مسجدًا ويبني فوقه بيتًا يرتفق به: واحتج للمنع من ذلك بفعل عمر بن عبد العزيز هذا. وقال إنه لا يورث المسجد ولا البنيان الذي يكون على ظهره ويورث البنيان الذي تحته وإنما اختلف هل لما فوق المسجد من ظهره حكم المسجد في جواز صلاة الجمعة فيه على قولين: أحدهما قوله في المدونة أنه يعيد من يفعل ذلك ظهرًا أربعًا. وأشهب يكره ذلك ابتداء ولا يرى عليه إعادة إن فعل في وقت ولا غيره وهو اختيار أصبغ وفي كتاب السرقة من المدونة دليل على هذا القول وهو قوله في الذي ينشر ثيابه على ظهر بيته وهو محجور عن الناس فسرقها سارق أنه يقطع وفي المبسوطة لأنس بن مالك وعروة بن الزبير أنهما كانا يصليان الجمعة بصلاة الإمام في بيوت حميد بن عبد الرحمن وبينهما وبين المسجد الطريق وذلك خلاف مذهب مالك وأصحابه وبالله التوفيق.
الثاني إن قلت: ما وقع اختلاف نقله بما تنزه المساجد إيقاعه بها منه ما هو محرم ومنه ما هو مكروه وما للمكروهات والمناكر التي تغير. قلت: وإن كانت المناكر التي يجب تغييرها ويضرب المغير على أيدي فاعليها جبرا وقهرا هي المحرم فعلها لكن المكروهات والمندوبات يدخلها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على سبيل الإرشاد لما هو أولى من غير تعنيف ولا توبيخ بل يكون ذلك من باب التعاون على البر والتقوى قاله القرافي في قواعده.
стр. 59
من أعظم المناكر الحلف بغير أسماء الله تعالى وصفاته
وإذ قد أتينا على ما استطعنا نقله من حقوق المساجد وما يجب تغييره من مناكرها فلنرجع إلى التكلم في منكرات غير المساجد. فمن أعظمها ما يتكرر ترداده في الألسنة ويشيع التخاطب به إما في معذرة أو موجدة من الحلف بغير أسماء الله تعالى لأن الله سبحانه لم يأذن للحالف في الحلف إلا باسمه الكريم فقال: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم﴾ وقال: ﴿فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله﴾ وقال: ﴿فيقسمان بالله﴾ وقال لنبيه ﵇ على جهة التعليم والتشريع ﴿قل أي وربي إنه لحق﴾ وقال: ﴿قل بلى وربي لتأتينكم﴾ وفي الآية الأخرى: ﴿قل بلى وربي لتبعثن﴾ وكان ﷺ كثيرًا ما يقول: والذي نفسي بيده لا ومقلب القلوب.
فالحلف بالله وبأسمائه وصفاته ينحل بالمشيئة وبالكفارة بعد الحنث لكونه مأذونا فيه ما لم يكن غموسا وإن كان لغوا فلا شيء فيه والحلف بغير أسماء الله تعالى لا ينحل بكفارة ولا مشيئة بالله ما لم يحلف بمشيئة مخلوق لأنه غير مأذون فيه والوقوع فيه ابتداء محظور. قال صلعم: لا تحلفوا بالطلاق ولا بالعتاق فإنها من أيمان الفساق. وقال: من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت. فإن وقع ونزل لزم اتفاقًا لقوله سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾.
والحالف بالطلاق قد عقد على نفسه طلاقا بشرط فيلزم مع وجود ذلك الشرط لكنه محظور الإيقاع ابتداء لما ينشأ عنه من مفسدة الحنث نفسه فإنه قد يقع فيه من اعتاد الحلف بذلك من غير شعور به فيكون في سخط الله وشديد مقته في حل عصمة أهله وما ينشأ معها من ذريته ونسله ومن مفسدة لازم الحنث مع تحققه إذ قد تكون المرأة حينئذ حائضا أو نفساء فيقع في محذور آخر فكان أن حسم هذا الباب بتغيير منكرها بالأدب والزجر من اللازم للحكام على حسب ما يقع منه من الإكثار والإقلال أو ما يعرف منه من توق أو إجلال.
قال الشيخ في رسالته ويؤدب من حلف بطلاق أو عتاق ويلزمه ووقع في العتبية من سماع ابن القاسم قال وسئل مالك عن الأدب للناس في (حلفهم) بالطلاق فقال لقد سألني
стр. 60
زياد عن الذي سألتني عنه فقلت له إنه الناس عن ذلك فقال لي إنهم لم ينتهوا إلا أن أضربهم فقلت له فأفعل فضربهم.
قال الشيخ ابن رشد –رضه- الأدب في ذلك واجب لوجهين أحدهما ما ثبت من قول النبي صلعم: لا تحلفوا بالطلاق والعتاق لأنها من أيمان الفساق ذكره ابن حبيب في واضحته وما روي من قوله: من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت. الثاني أنه من اعتاد الحلف بالطلاق لم يكد يخلص من الحنث فتكون زوجته تحته مطلقة من حيث لا يشعر وقد قال مطرف وابن الماجشون: إن من لزم ذلك واعتاده فهو جرحة فيه وإن لم يعرف حنثة. وقد قيل لذلك لمالك إن هشام ابن عبد الملك كتب أن يضرب في ذلك عشرة أسواط وقال قد أحسن إذ أمره فيه بالضرب.
وروي أن عمر كتب أن يضرب في ذلك أربعين سوطا قلت وينبغي أن يقيد إطلاق المنع بما ورد من هذا النهي وما صدر من تحديد الأدب بأن يكون الحالف بذلك قد قام به وصف الطوع. أما إن كان مكرها على الحلف بذلك أو كالمكره كما لا يحصى كثرة من مثل سؤال الجباري لشخص على وقوعه في أمر يوجب قبل العقوبة منه أو التلف أن أقره فيسارع للحلف بالطلاق أو الأيمان اللازمة على عدم الوقوع لنجاة نفسه.
فهذه الصورة وإن كان لفظ تلك الأيمان فيها محرما بالأصالة لكنه مباح فيها أو واجب كإباحة الخمر للمغتص مع أنه لا خلاف في تحريمه على أهل هذه الملة.
من المناكر إيقاع الطلاق الثلاث في كلمة
ومن ذلك أن يوقع الرجل طلاق امرأته ثلاثا في كلمة واحدة لأن فيه مخالفة أمر مولانا ﷻ في كيفية إرسال الطلاق حيث يقول في كتابه ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ... ﴾ [الطلاق: ١]، إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] أي الرجعة فدلت الآية الكريمة على أن من خالف أمر الله في إيقاع أكثر من واحدة فقد تعدى حدوده وظلم نفسه.
ثم قوله لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا تنبيه على أن المتعدي أفسد على نفسه
стр. 61
طريق الارتجاع وسد بابه إن حدث له الإياب إليه ولا يقع الانسداد إلا بلزوم ما عقد على نفسه من الطلاق. الزائد على الواحد وإلا لم يقع إفساد ولا انسداد ولم يخالف في اللزوم أحد إلا من شد خلافه. ولأجل مخالفة السنة في إيقاع أكثر من واحدة كان من صدر عنه حقيقا بالأدب المؤلم.
فعن عمر بن الخطاب –رضه- أنه كان لا يؤتى برجل طلق امرأته ثلاثا إلا أوجعه ضربًا وأجاز ذلك عليه. وحكي مثله عن علي بن أبي طالب رضه وقد روي عن رسول الله صلعم أنه أخبر أن رجلا طلق امرأته ثلاثا وفي طريق آخر أوقع ذلك بين يديه فقال: أتلعبون بكتاب الله وأنا بين أظهركم وفي حديث ابن عمر أنه قال: يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثا فقال له إذا عصيت وبانت منك امرأتك.
قال في تنبيه الحكام وكثيرا ما يقع اليوم الناس في التساهل في ذلك وتطلب الفتوى بأن لا تلزمه إلا واحدة وهذا من أمرهم أنكر وأشد بلاء من الأول. فينبغي للحاكم حسم ذلك كله وقطعه بمنع الناس ابتداء من استعمال لفظ الثلاث والاشتداد عمن صدر منه بالأدب الرادع لأمثاله. كما قال الشيخ في رسالته ويؤدب من حلف بطلاق أو عتاق يلزمه ثم قال صاحب تنبيه الحكام وكذلك ينبغي عقوبة من أفتى في ذلك بأنها واحدة أشد وأبلغ في التنكيل والردع الزاجر لأمثاله لأن هؤلاء أهل الوسوسة والتشغيب على الضعفاء فواجب تفقد مثل هؤلاء وإزالته من نفوس العوام فهو اليوم فاش. قلت إنما يحسن هذا التغليظ والإرهاب بالوعيد على من أفتى بالواحدة. في حكاية ابن رشد الإجماع على أن الثلاث في كلمة واحدة لا ترد إلى الواحدة وأن من أفتى بأنها واحدة خالف إجماع فقهاء الأمصار فيجب نهيه وأدبه إن لم ينته وترد شهادته ولا تصح إمامته. هذا نص قوله في أجوبته ومثله نقل ابن عبد البر وغيره. وأما على إثبات الخلاف في ذلك وسند المخالف في احتجاجه فإكثار التشديد بالوعيد وضروب التهديد على من أفتى بذلك يوما ما أو لأفذاذ الرجال وخصوصا من تورط في يمين يؤديه الحنث بها إلى ما يشاكل التلف من إضاعة مال ومخصصة بنين من باب التعسف والإغراق والجموح في محل التقييد بالإطلاق.
فقد ذكر القرافي إباحة الفتيا بشذوذ القول لغير الجبابرة من المستضعفين لما يدركهم من التورط باليمين والذي حكى الخلاف صاحب المقنع عن الصحابة فنقل عن علي بن أبي طالب رضه وابن مسعود أنه لا تلزمه إلا واحدة فيكون لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضه قولان فقد تقدم عنه مثل قول الجماعة ونقل عن ابن عباس أنها واحدة
стр. 62
وقال قوله ثلاث لا معنى له لأنه لم يطلق ثلاث مرات وإنما يصح في قوله ثلاثا إذا كان مخبرا عما مضى فيقول طلقت ثلاثا يخبر عن ثلاثة أفعال كانت منه في ثلاثة أوقات كرجل قال قرأت أمس سورة كذا ثلاث مرات فذلك يصح ولو قرأها مرة واحدة فقال قرأتها ثلاثا كان كذبا وكذلك لو حلف بالله ثلاثا لم يكن حلف إلا يمينا واحدة والطلاق مثله.
قلت: ورأيت مثل هذا الاحتجاج المنقول عن ابن عباس لأثير الدين أبي حيان وعلى ظني أنه لم يعثر على ما تقدم ذلك لأحد قبله لأنه قال ما زال يختلج في خاطري أنه لو قال أنت طالق مرتين أو ثلاثا أنه لا يقع إلا واحدة لأنه مصدر لا طلاق ويقتضي العدد فلابد أن يكون الفعل الذي هو عامل فيه يتكرر وجودا كما تقول ضربت ضربتين أو ثلاث ضربات لأن المصدر مبين لعدد الفعل فمتى لم يتكرر وجودا استحال أن يتكرر مصدره دون تبيين رتب العدد.
فإذا قال أنت طالق ثلاثا فهنا اللفظ واحد والواحد يستحيل أن يكون ثلاثا أو اثنين ونظيره أن ينشئ الإنسان بيعا بينه وبين رجل في شيء ثم يقول له عند التخاطب بعتك هذا ثلاثا فقوله ثلاثا لغو غير مطابق لما قبله والإنشاءات يستحيل فيها التكرار حتى يصير المحل قابلا لذلك الإنشاء انتهى كلام أبي حيان.
ثم قال صاحب المقنع بعد نقل كلام ابن عباس وقال مثله الزبير بن العوام وعبد الرحمن ابن عوف روينا ذلك كله عن ابن وضاح وبه قال ن شيوخ قرطبة ابن زنباع شيخ هدى ومد بن بقي بن مخلد ومجد بن عبد السلام الخشني فقيه عصره وأصبغ بن الحباب وجماعة من فقهاء قرطبة سواهم. وكان من حجة ابن عباس أن الله تعالى قرن في كتابه العزيز لفظ الطلاق فقال عز وجهه ﴿الطلاق مرتان﴾ يريد أكثر الطلاق الذي يمكن بعده الإمساك بالمعروف وهو الرجعة في العدة ومعنى قوله: ﴿أو تسريح بإحسان﴾ يريد تركها بلا ارتجاع حتى تنقضي عدتها. وفي ذلك إحسان إليه وإليها إن وقع ندم منهما قال الله تعالى: ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ يريد الندم على الفرقة والرغبة في الرجعة. وموقع الثالثة غير محسن لأنه ترك المندوحة التي وسع الله بها ونبه عليها فذكر الله تعالى للطلاق معرفا يدل أنه إذا جمع أنه لفظ واحد فتدبره فتأمل بنظرك وأجد استعمال فكرك هل يحسن أو يجمل أن يكون من
стр. 63
نسبت إليه هذه المقالة من هؤلاء الأشياخ الأكابر أولى النظر والاستدلال والترجيح والقياس حقيقا بالعقاب والأدب المبرح على اختيارها والإفتاء بها. ولو كان لنقل الاحتساب عليهم في التغيير والتقريع بتشديد مع أنه قد نقلها ابن التلمساني في نقل خليل عنه في توضيحه قوله في المذهب عن الشيخ أبي محمد بن زيد رضه في نوادره لكن اللائق أن يقال لا يصح إطلاق الأعنة وخلع القيود لكل مفت مع كل مستفت لكن لمن علا قدره علما وورعا مع من يبدو له وجه المصلحة القائمة في إفتائه بذلك هيئة وصفة كما قدمناه ومولانا سبحانه هو الملهم لنا رشد أنفسنا بفضله.
منكرات الشوارع والطرقات
وأما منكرات الشوارع والطرقات فمن ذلك ما كان في الأبنية ومنه ما كان في الطرق والأبنية ومنه ما كان في صفة المتصرفين والمتصرفات. فأما ما كان في الأبنية فكل ضرر عام تنال ضرورته الكافة والدهماء كالحائط المائل فإنه إذا ترك على الإهمال ولم يقع في شأنه إنذار لمالكه ولا مسارعة بالزوال أدرك من وقوعه بغتة إتلاف الأنفس والأموال إلا أنه مقيد بضمان مالكه لما أتلف بمجرد إنذاره في المشهور. وقيل من زيادة حكم الحاكم بعد الإنذار وقيل به مطلقا مع عدمهما.
فأما الأول فهو نص ما في المدونة في كتاب الديات قال فيه والحائط المخوف إذا أشهد على ربه ثم عطب فيه أحد فربه ضامن وإن لم يشهد عليهم يضمن وإن كان مخوفا.
ومثل الحائط في الحكم الكلب العقور والجمل الصؤول. قال فيها قال مالك ومن اتخذ كلبا عقورا فهو ضامن لما أصاب إن تقدم إليه فيه. وأما القول الثاني والثالث فنقلهما ابن رشد في سماع يحي قال في المدونة وسألت ابن القاسم عن جدار رجل بين داره وغيره مال ميلًا شديدًا حتى خيف انهدامه أترى للسلطان إذا شكا ذلك من يخاف من أذاه وضرره أن يأمر صاحبه بهدمه. فقال نعم ذلك واجب عليه أون يأمره بهدمه. قيل فإن شكا إليه ما يخاف من انهدام الجدار فلم يهدمه حتى انهدم على إنسان أو دابة أو بيت فقتل أو هدم ما سقط عليه أيضمن ذلك صاحب الدار؟ قال نعم يضمن كل ما أصاب الجدار بعد الشكية إليه فقال يحيى وإن لم يكن ذلك بسلطان فإنه ضامن إذا انهدم بعد أن أشهد عليه. قال الشيخ ابن رشد رحه تع قول يحيى إنه ضامن لمن أفسد الحائط إن انهدم بعد التلوم إليه والإشهاد عليه وإن لم يكن ذلك بسلطان مفسر لقول ابن القاسم ومثل
стр. 64
ما في المدونة وقد قيل إنه لا ضمان عليه إلا ما أفسد بانهدامه بعد أن قضى عليه السلطان بهدمه ففرط في ذلك وهو قول عبد الملك وقد قيل إنه ضامن لما أصاب إذا تركه بعد أن بلغ حدا كان يجب عليه هدمه وإن لم يتقدم إليه ذلك ولا أشهد عليه وهو قول أشهب وسحنون.
وما أصاب الجمل الصوول والكلب العقور في الموضع الذي يجوز اتخاذه فيه يجري على هذا الاختلاف قلت ما ذكر في العقور والجمل الصؤول من تقييد ذلك بموضع يجوز اتخاذه فيه هو نص قوله في المدونة قال فيها قال ابن القاسم وذلك إذا اتخذه حيث يجوز له اتخاذه فلا يضمن ما أصاب حتى يتقدم إليه فيه وإن اتخذه بموضع لا يجوز له اتخاذه فيه كالدور وشبهها وقد علم أنه عقور ضمن ما أصاب قال ابن رشد في كتاب الديات من العتبية اتفاقا واختلف في الدية فقيل لا يكون على العاقلة شيء وهو قول ابن القاسم وقيل على العاقلة الثلث فأكثر وهو قول ابن وهب قال ابن رشد وقول ابن القاسم يلزم المحتسب أن يؤدب مقتني الكلب في غير محل اتخاذه أظهر لأن العاقلة لا تحمل إلا عمدا منها وفيها شبه من العمد لأنه متعمد في حبس هذا الحيوان المؤذي حيث لا يجوز له. قلت وكذلك يلزم المحتسب بتغيير المنكر أن يؤدب مقتني الكلب ومتخذه في غير محل اتخاذه كما قالوا لزرع أو ضرع قال الشيخ في رسالته ولا يتخذ كلب في الدور في الحضر ولا في دور البادية إلا لزرع أو ماشية يصحبها في الصحراء ثم يروح معها أو لصيد يصطاده لعيشه أو للهو.
ومن ذلك إخراج روشن وساباط لاتخاذه مسكنا فوق قضاء الطريق فيجعله صاحبه منخفضا بحيث يضر بركبان المارة فيتقدم إليه برفعه أو إزالته. قال في نوازل سحنون في الذي تكون له الدار على يمين الطريق ويساره فيريد أن يرفع على السكة غرفة أو يتخذ عليها مجلسا على جداري داره فقال ذلك له وهذا مما لا يمنع منه أحد أن يتخذه إنما يمنع من الإضرار في التضييق بالسكة إذا دخل عليها ما أضر بها أو يضيقها.
فأما ما لا ضرر فيه على السكة ولا على أحد من المسلمين فلا يمنع. قال ابن رشد رحه تع هذا كما قال إن ذلك له ولا يمنع منه إذ لا ضرر فيه من الركبان ذلك على الطريق ولا على المارين فيها إذا رفع البناء رفعا يتجاوز رؤوس المارة فيه من الركبان ونحو هذا في الزاهي لابن شعبان قال والأجنحة الشارعة ترفع على رؤوس الركبان رفعا بينا. وإذا اختلف البانيان المتقابلان في الفحص فيما يجعل للطريق أو تشاحا فأراد واحد منهما أن يرفع جداره من جدار صاحبه جعل الطريق سبع أذرع بذراع البنيان.
стр. 65
ميزاب المطر
فإن ابتنى كل واحد منهما ميزابا للمطر على الطريق لم يمنع. قلت هذا الذي ذكره من إباحة عمل الميزاب على الطريق تأباه نصوصهم في أن الضرر العام لا يمنع باتفاق. فمن ذلك ميزاب الطريق ونحوه إلا أن يقال إن كلامه في طريق الفحص فليس في الفرق بينه وبين طريق شوارع البلد وجه مناسبة إذ الضرر حاصل بذلك للمارة في كليهما.
وأما ما كان في الطريق والأفنية فمن ذلك اقتطاع شيء في محجة المسلمين وجادة طريقهم يزيدها المقتطع في ملكه جنانا أو دارا أو غيرهما فوقع في سماع ( .... ) المنع من ذلك وهدم ما بني في محل الاقتطاع والازدياد من الطريق واختلف المذهب هل ذلك على الإطلاق سواء أضر بالطريق وأحدث فيها ضيقا ينقص عن ثمانية أذرع أم لا وإنما ذلك مخصوص بما تبين الإضرار فيه بالنقص عن العدد المذكور فالقول الأول هو الذي عليه الأكثر والقول الثاني قال الشيخ ابن رشد أظهر.
قال رحه وكل مجتهد مصيب وقد نزلت بقرطبة قديما واختلف العلماء فيها فأفتى ابن لبابة وأبو صالح وأيوب بن سلمان ومجد بن وليد بالقول الثاني وهو أن يهدم المستزاد من الطريق إذا كان ذلك يضر بها وأفتى عبيد الله بن يحيى وأبوه يحيى ويحيى بن عبد العزيز وسعد ابن معاذ بالقول الأول وهو أن يهدم ما يزيده منها على كل حال. قلت فإذا الواجب على الناظر في مناكر الشارع تفقد مثل ذلك إما لهدمه مطلقا أو لهدم ما أضر بالتضييق.
الأبواب التي بأفواه السكك
ومن ذلك المنع من جعل باب على الرحبة والفناء الذي لأرباب الدور ملكه بل الانتفاع به لما للمسلمين في ذلك من الارتفاق إذا ضاق الطريق بهم ففي سماع ابن القاسم وسئل عن رجل له دوران وهما في رحبة وأهل الطريق ربما ارتفقوا بذلك الفناء إذا ضاق الطريق من الأحمال وما أشبهها يدخلون فيه فأراد أن يجعل عليه لحاقا وبابا حتى تكون الرحبة فناء له وحده ولم يكن على الرحبة باب ولا لحاف قال ليس ذلك له.
قال الشيخ ابن رشد رحه تع هذا كما قال ليس له أن يجعل على الرحبة لحاقا ولا بابا
стр. 66
ليختص بمنفعتها ويقطع ما للناس من الحق في الارتفاق بها لأن الأفنية لا تحجر وإنما لأربابها الانتفاع بها وكراؤها فيما لا يضيقها على المار فيها من الناس قلت ففي مقتضى هذا الفقه منع عمل هذه الأبواب التي بأفواه السكك لكن قد يقيد المنع بما لم تعلم له أصالة وضع باب فلا يترك لذلك يريد الإحداث يدل عليه آخر الكلام في الرواية حيث قال ولم يكن على الرحبة باب ولا لحاف أو يكون مقيدا بما جعلت الباب عليه للتحجير الذي يشبه تحجير الدور لأن الباب في الغالب إنما هي آلة للتحجير فمتى فقد كونها آلة لذلك ساغ عملها كما في أدراب بلدنا فإنها لا توجب حجرا بالنهار على مصالح العامة وسائر المارة وإنما مصلحة أبوابها لسدها ليلا.
وفائدة ذلك لدفع ضرر الاختلاس والتحبس للفسق والسرقة معلومة أو يقال إنما ذلك في الشارع المتسع النافذ وأما الضيق وما كان من السكك غير نافذ فلا فناء له فلا يتناوله المنع من التحجير باب ولا غيره لأنهم قالوا إن غير النافذة كالملك لأهلها.
إلقاء الأزبال بالأفنية والطرق
ومن ذلك إلقاء الأزبال بالأفنية والطريق فتتأذى المارة إما بالتضييق أو اللوث والتنجيس فما كان فيه بلل منها ورمي ذلك على ملقيه إن علم وإلا فعلى المجاورين للمكان كنسه ورميه يؤخذ به الأقرب فالأقرب وعلى هذا القول العمل.
ومن ذلك ما يجمع بالطرق من تكديس الرحاضات وطين المطر ونحوه قال في "تنبيه الحكام" لا يتخذ بعض الناس مما يؤدي إلى أذى المسلمين والتضييق في الشوارع عليهم كتكديس الرحاضات المستخرجة من سروب المحلة وقنوات تلك الحارة وتركها كذلك في المواضع الضيقة بحيث يتنجس المار وقد (يقع) فيها الصبيان والماشي ليلا وربما كان المطر وسال بعض ذلك مع الماء وخالط كثيرا من طرقات المسلمين فعظمت المضرة به واشتدت المصيبة.
قلت ولم يذكر على من كنسه وفي "أحكام السوق" للشيخ يحيى بن عمر قال في طين المطر يكثر بالأسواق وربما أضر بالمارة والحمولة ليس على أرباب الحوانيت كنسه لأنه ليس من فعلهم فلو جمعه أصحاب الحوانيب وسط السوق أكداسًا فأضر بالمارة والحمولة وجب عليهم كنسه قال بعض الشيوخ من المتأخرين وعلى الأول فهل هو على المكترين أو على أرباب الأملاك وعندي أنه يتخرج على كنس المراحيظ وما فيها من الخلاف
стр. 67
والتأويل من الفرق بين ما كان فيها أو ما يكون والفرق بين دور الفلاة المعدة لذلك كالفناديق وبين غيرها.
قال وأما لو اجتمع طين المطر من كناسات وأنقاض فلا خلاف عندي أنه على صاحب الكناسات أو الأنقاض إن كان ذلك باختياره وأما لو نقله السيل إلى محلة قوم أو وسط الطريق فيأتي على مسألة إذا نقل السيل ثمرات فدان أو زرعه إلى فدان آخر وهي في آخر كتاب الدور من المدونة. قلت ما ذكر هذا الشيخ في حكم ما نقله السيل من تراب أو أنقاض ونحوها مخرجا هو نص ما نقل ابن يونس عن سحنون في كتاب ابنه ومثله في النوادر.
قال إذا قلع السيل تراب أرض وأوصله إلى أرض أخرى فليس على رب الأول إزالته لأنه ليس من فعله ووقع في جامع " الأحكام" ما نزل بالمفتيين والحكام الجواب عن طين الأسواق والحارات وعن الماء النجس ينزع من الآبار فيضر بالمارة إذا كان زوال ذلك لمصلحة أجبروا على زواله ويزيل كل قوم ما يقابلهم ويمنع إجراء النجاسات في الطرق وفاعل ذلك مأثوم هـ.
إلقاء الجيف بالطرقات
ومن ذلك جيف الحيوان غير الآدمي إن كانت في الشوارع فحكمها في حملها على ما تقدم في الكناسات والرحاضات وإن كانت ميتتها في دار شخص وهي لغيره فقيل حملها على مالكها وقيل على رب الدار نقلهما صاحب الطرر ورجح الأول بأن مالكها لما كان من حقه أن يطعمها لكلابه إن شاء كان عليه طرحها دون من ماتت عنده.
الميازيب التي تقطر بالنجاسة واتخاذ مرابط الدواب على الطرق
ومن ذلك قال في " تنبيه الحكام" ما يكون من قطر الميازيب التي تجري بالغسالة والنجاسة في موضع لا يكاد المار يسلم من لوثها وكذلك اتخاذ مرابط الدواب على الطرق بحيث ينال المارين من ضيق المواضع بها وتعذر الجواز بروع كثير من الناس مضرة ظاهرة وربما أدركهم شيء من تلويث ثيابهم وتنجيسها بما يكون من أرواثها وأبوالها.
قلت ظاهر قصره هذا الحكم بالمنع على ما يقطر من الميازيب بالغسالة والنجاسة أن ما كان بالماء الطاهر فلا يمنع والحد أنه على أصل المنع كما قدمناه لحصول الضرر العام
стр. 68
للمارة لا سيما بما يحدث عنه من رطوبة التراب وبلته فتؤدي لزلق المار وسقوطه. وقد قالوا بمنع ما أدى لمثل ذلك في طريق الفدادين والفحوص فكيف بشوارع الحواضر وطرق المسلمين. ذكر في "جامع الأحكام" عن الإمام المازري لما سئل عن قصرين متجاورين وبينهما طريق واسعة فعمد قوم فبنوا ساقية في الطريق تخرج إلى فدان لهم فأضرت بالمارة فلا يقطعونها إلا تكلفا وإذا نزل الشتاء تزلق الطريق فقام محتسب في ذلك بعد أعوام كثيرة فهل لهم حق في ذلك أم لا؟ أجاب بأن قال صلعم لا ضرر ولا ضرار ولا يجوز لأحد أن يحدث في طريق المسلمين ما يضرهم في تصرفهم وممرهم وعليهم فيه حرج ومشقة وينتهي عنه أشد النهي.
ويجب على من بسط الله يده من حكام المسلمين زجره عن ذلك فإن لم ينته عاقبه عقوبة يرجع به عن فعله ولا يتسامح بمثل هذا لأنه يؤدي إلى تسامح الناس فيه ومن لا قائم له فالحاكم هو النائب عن المسلمين فيه وما ذكر من إحداث الضرر والحال بالطريق فلا خلاف في منعه ولم يزل الشيوخ يذكرون ضرر المساقي المحفورة في الطريق أو يجعل لها جسر ويضر بالمارة لا سيما زمن الشتاء أنه يتقدم في ذلك لصاحبها حتى يصلحها ويعاقب عليه إن لم يفعل وتكرر منه هـ.
وقد حكى الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن عرفة رحه أن بعض عدول تونس يعرف بابن عبد العظيم كان له موضع بالقبلة فجعل له مسقي في الطريق فبلغ ذلك قاضي الجماعة فأمر بالخروج إليه وأنه إن فعل فهو جرحة في حقه فأنهي إليه قبل خروج العرفاء هذا الكلام فقدم إليه من أصلحه وأعفى أثره فلم يجدوا شيئا فسلم من العزلة.
بسط الخرازين
قلت ومن أشد ما قامت به مظنة التزليق والعثار ما يفعله الخرازون عندنا من بسط جلود البقر بمحجة الطريق لتنالها أقدام المارة فيحصل فيها ذلك قريب مما يحصل بالدبغ.
إيقاف الدواب
ومن ذلك إيقاف الدواب بالخشب والحطب بحيث يقع التضييق بذلك على المارة وكذلك احتيازها بالشوك لما يؤدي إليه من تمزيق الثياب وكذلك ذبح الجزور بالطريق كل ذلك
стр. 69
من منكرات الشوارع الممنوعة قاله ابن الحاج في نوازله. وكذلك الميازيب الجارية من الدور على الطرق حسبما قدمنا ذكره ولم يقيد هنا بغسالة ولا غيرها.
تنبيه: قال في "تنبيه الحكام" وأما إن أمن الأذى وخف كما لو جمعت الرحاضة بقدر ما تنقل من غير تراخ يكثر أو وقف رجل دابته على الطريق بقدر ما يركب أو ينزل أو يشد عليها حمله أو الرحل يباح له اتخاذ الكلاب بكلب موثوق في يده أو وضع صاحب الحطب والشوك أطرافه وشدها بحيث لا تؤذي في الغالب أو مر بها في المواضع الواسعة التي يمكن التحرز منها: ولا يتعذر العدول عنها: فكل ذلك على هذه الصفة مباح لأن بالناس ضرورة إلى مثل ذلك فلا يصح منعه على الإطلاق إلا بشرط وجود الأذى وغلبة وقوعه بعرف العادة.
بناء الدكاكين بين أيدي الحوانيت
ومن ذلك بناء الدكاكين بين أيدي الحوانيت في بعض الأسواق وربما يضر بالمارين ويضيق عليهم عند اصطدام الأحمال وكثرة الناس فقال في "جامع الأحكام" لا خلاف في هدمه إذا أضر بالمارة وزواله إذا ضيق حتى لا يبقى له رسم وغلته مردودة لا تترك للمغتل وتصرف للفقراء ولا تنفع الحيازة في ذلك على العامة ومن ليس له ملك معلوم وما لا يضر والطريق واسعة فاختلف هل يمنع أو يباح.
وقد هدم عمر كير حداد وقال تضيقون على الناس الطريق وقال مطرف يمنع ولو كانت مثل البيداء وهو الصواب وإنما يكون ذلك سائغا بالفناء للقاعد للبيع مع قوة الحاجة وعن بعض أهل العلم إن طال جلوسه فيه للبيع أزيل والطريق كالمسجد من حبس فهو أحق ومن قام سقط حقه.
وفي النوادر الاختلاف في الطرق هل يملك منها شيء أم لا والصواب المنع ولو كان أوسع من البيداء.
باب السويقة بتونس
قال الشيخ أبو القاسم البرزلي قد نزلت هذه المسألة بباب السويقة وغيرها من أسواقها ولم يزل القضاة بتونس يوقفون ويحتسبون عليهم لكن العامة تغلب والصواب مراعاة الضرر
стр. 70
حيثما ثبت في حق العامة قطع لأنه أكبر وإذا لم يثبت في حق العامة روعي الضرر الأصغر كما اختاره المازري وأفتى به ونقله عن شيخه في فتح الأبواب وتحويلها وغير ذلك من الضرر إذ المفتي عنده أخف الضررين وإنه يفتي به منذ خمسين سنة.
ما للبهائم الحاملة
ومن ذلك ما للبهائم الحاملة للثقل على ظهرها من الحق في الترفق والتوسط في قدر المحمول فخير الأمور أوسطها قال في "تنبيه الحكام" وقد يستحق بعض الناس من أذى البهائم والعنف على بعض الدواب كإثقالها بالأحمال التي لا تستقل بها وإرهاقها في سرعة المشي بالضرب والزجر الشديد حتى يستخرج منها فوق وسعها مثل ما اعتيد فعله الآن من الحمالين للزرع والنقالين للحجارة والجص والخدمة من الرمالين ونحوهم فهذا من المناكير التي يجب الاحتساب فيها ومنعهم منها وصرفهم على كل حال عنها. وسواء كانت الدابة لمثقلها أو لغيره ولا حجة في كونها ملكه فإن تعذيب الحيوان محرم وحفظ النفوس واجب حتى لو اتفق أن يرى أحد وقد حمل نفسه فوق ما يطيق مثل لك وعنف عليه عنفا يظهر منه سوء نظره لها لمنع من ذلك وقهر على إزالته وجوهد عليه إن أباه.
قلت والأصل في ذلك ما وقع في جامع الموطأ أن عمر بن الخطاب رضه كان يذهب إلى العوالي كل يوم سبت فإذا وجد العبد في عمل ثقيل لا يطيقه وضع عند منه بقدر ما يظهر له فإذا كان التغيير في حق العاقل الذي يخبر عن مضرته ويعلم بشكيته فكيف بالعجماء الذي لا يعلم ضرره وما به غير ربه أو من ألهمه الله الاحتساب بمصلحته.
المناكر المتعلقة بصفات المتصرفين
وأما ما كان من صفات المتصرفين والمتصرفات فمن ذلك تحرك السكارى المتجاهرين بسكرهم وبما ينشأ عنه من العرابد وعبث القول وما أشبه ذلك من منكر أحوالهم فواجب على مغير المنكر كف أذيتهم المصاحبة للتظاهر منهم بهذا المنكر الذي هو على ما قال بعضهم أشر من غيره لقول الحكيم في حكمته جعلت المعاصي كلها في بيت وجعل الخمر مفتاحها. فيسارع بالسكران إلى السجن حتى يضيق ثم يجلد ثمانين سوطا حدا من حدود الله تع.
стр. 71
قلت ولولا أن القتل في حقه مع الإدمان شذوذ ولو قال العلماء بأن ما ورد فيه من الأحاديث منسوخ لكان حقيقا به ولكان الحكم به شرعا بادي المصلحة لأن صون العقل أفضل من صون المال إذ العقل الذي هو مناط التكليف به شرف الإنسان على سائر الحيوان.
وقد جعل الشرع حدا في سرقة ربع دينار قطع أسمى أعضائه التي بها يتصرف في حفظ حياته وإقامة نمائه إلا أن يقال إن السرقة محض عداء على مال الغير الذي لا شبهة للمعتدي فيه فكان متلفه على مالكه حقيقا بإتلاف عضوه الفاعل ذلك بخلاف السكر فإن مدخله على بطنه تعدى على إتلاف قتل نفسه الذي له فيه شبهة ما من التصرف لكن هو ممنوع من التصرف فيه بالنقص كما هو ممنوع من التصرف في المال بالسفه والإتلاف المحض وكانت عقوبة الحد كافية في السكر كما هو الضرب على اليد والمنع من التصرف للسفيه كاف في عقوبته لشبهة الملك في المال وما يقم مقامه في العقل وليس كذلك السارق لفقد وجه الشبهة فيه فتأمله فلعله فرق واضح إن شاء الله تع.
وما أشرنا إليه من هذا الفقه في حق السكران المدمن وقع في سماع أشهب وابن نافع قال وسألته عن المدمن على الخمر أيجلد الحد كلما أخذ قال نعم وأرى لو ألزم السجن إذا كان مؤمنا خليعا وقد سجن عامر بن عبد الله بن الزبير ابنا له ماجنا حتى جمع كتاب الله فأتي فقيل له قد جمع فيه كتاب الله فخله فقال ما من موضع خير له من موضع جمع فيه كتاب الله فأبى أن يخليه.
قال الشيخ ابن رشد رحه تع قوله في المدمن على الخمر إنه يجلد كلما أخذ هو أمر متفق عليه وعليه جماعة فقهاء الأمصار وما روي عن النبي صلعم من رواية معاوية بن أبي سفيان وعبدالله ابن عمرو بن العاص وأبي هريرة وجرير بن عبد الله البجلي أنه يقتل في الرابعة وقول عبد الله ابن عمرو بن العاص إيتوني برجل شرب الخمر أقيم عليه الحد ثلاث مرات فإن لم أقتله فأنا كذاب وما روي عن أبي سليمان مولى أم سلمة أن أبا الزبير البلوي أخبر أن رجلا منهم شرب الخمر فأتى به رسول الله صلعم فضربه فأتي به الثانية فضربه فما أدري قال في الثالثة أو في الرابعة فأمر به فضربت عنقه تعلق به من شذ من أهل العلم.
والذي عليه جماعة العلماء أن ذلك منسوخ بدليل ما روي عن جابر بن عبد الله أنه قال: قال رسول الله صلعم من شرب الخمر فاجلدوه ثم إن عاد فاجلدوه ثم إن عاد فاجلدوه ثم إن عاد فاجلدوه. فأمر في الرابعة بالحد ولم يأمر بالقتل. وروي عن محمد بن المنكر أنه حدث أنه بلغه أن رسول الله صلعم قال في شارب الخمر: إن شرب فاجلدوه ثم إن شرب فاجلدوه ثم إن شرب
стр. 72
فاجلدوه ثم إن شرب فاقتلوه. فأتي ثلاث مرات برجل قد شرب خمرا فجلده ثم أتي به الرابعة فجلده ووضع القتل عن الناس.
وقد دل على نسخه أيضًا قول رسول الله صلعم: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث أن يكفر بعد إيمانه أو يزني بعد إحصانه أو يقتل نفسا بغير نفس أو كما قال صلعم فقد روي هذا الحديث عن النبي صلعم بألفاظ مختلفة ومعان متفقة واستحسان مالك للخلع المدمن للخمر أن يلزم السجن كما فعل عامر بن عبد الله بن الزبير بابنه الماجن نظر صحيح. لأنه إذا كان لا يكف عن شرب الخمر ولا يقلع عنه بالحد كلما أخذ بإلزامه السجن أحوط لدينه وأبقى على جسمه.
إعلان النساء بالنوح ولطم الخدود
ومن ذلك ما كثرت المجاهرة به بإعلان النساء بالنوح ولطم الخدود وشق الجيوب والدعاء بالويل والثبور واجتماعهن لذلك قد يكون في مقر يستأذن بعضهن بعضًا إليه يسمينه بالزحف وربما ضربن عليه بالدف والمزمر ويخرجن في الأزقة عاليات الأصوات باديات الوجوه فذلك أعظم المناكر قال صلعم: النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقدم يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب. وقال صلعم ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية.
وفي " أحكام السوق" لابن عمر قال لا يجوز اجتماع النساء للبكاء بالصراخ العالي والنوح والنهي فيه قائم سواء ذلك عند الموت أو بعده وقبل الدفن أو بعده بقرب أو بعد وأما بكاء ليس فيه صراخ فظيع فلا ينهين عنه ولا للإجماع له وهو عندي ما روي عن عمر بن الخطاب حين قيل له في أمر خالد بن الوليد إن هنا نسوة اجتمعن للبكاء على خالد وقال دعهن يرقن من دموعهن على أبي سليمان. فإن اجتمع النساء للطم الخدود والصراخ عند موته فليأمرهن برفق وليزاول مدة فإن عدن فلينههن ويغلظ عليهن فإن أبين فليهجم عليهن بالضرب والطبع عليهن وخلع أبوابهن ويعاقبن ولا يبيح لهن أن يفعلن ما لا يحل لهن.
قال في "تنبيه الحكام" وربما اجتمع إليهن الرجال للتعرض بالنظر وما فوق النظر فواجب مهما عثر عليه القبض على فاعله وإبلاغ العقوبة فيه. إلا أنه ينبغي من جميل الأخذ فيما اعتاد الناس من ذلك أن يتقدم الحاكم إلى الناس في مثله بالإعلان والإعلام بالبدار أو إشعار العقوبة ليتسامع النساء ذلك فيتجنبنه ويكن على حذر من الوقوع بهن فيزعهن وازع الخوف.
فمثل هذا واجب قبل القبض عليهن لأن الناس قد اعتادوا ترك القيام فيه فإغفال الإنكار
стр. 73
داعٍ إلى أخذ النساء على غرة وقد يكون في ذلك بعض الفتنة وصدم كثير من الأماثل والمستترات اللاتي لو تخيلن ذلك ما قدم عليه أو لمنعهن منه أولياؤهن ولما تساهل فيه من عادته التساهل بحرمات الله تع ما لم يزعه قهر السلطان فينبغي تفقد مثل هذه الأنواع في الشوارع والمحلات وحيث يبدو أثر المجاهرة به تفقدًا كافًا لأهله ورادعًا عن مثله يعظم الله فيه الأجر ويدرأ به علائق الشر.
خروج النساء متزينات بأنواع الزينة
ومثله اجتماعهن للملاهي والرقص الذي ليس من طور العقلاء ومن ذلك تصرفهن بأنواع الزينة البادية وأسباب التجميل الظاهرة على اختيال في المشي وإعمال منتشر الطيب وإظهار ما يستدعي الفتنة فمثل هؤلاء ينبغي منعهن من التصرف على هذه الحالة. قلت لقوله صلعم: أيما امرأة استعطرت فمرت بقوم ليجدوا ريحها فهي زانية. نقله ابن رشد في شرح الجامع من المستخرجة ومن ذلك ما قال في "تنبيه الحكام" يجب منعهن فيما بينهن من المآتم والحمامات ونحوها من الاسترسال في إظهار ما يخفى من محاسنهن ومصون أجسامهن وما يدعو إلى إطلاع بعضهن على ما لا يحل لها من الأخرى فإن المرأة أكثر محاسنها وخفايا جسمها يحكم لها بحكم العورة فيجب ستره عن النساء كما يجب ستره عن الرجال.
ما يفعله شرار النساء من التفاعيل
قلت: لا سيما ما يدعو إليه إطلاع بعض الفاسقات على محاسن الأخرى من تحرك شهوة التفاعل الذي يختار بعضهن لذته عن مباضعة الرجل. والحكم في أدبهما على قول ابن القاسم راجع إلى اجتهاد الحاكم وهو المشهور وعلى من أنزلت منهن الاغتسال. قال بعض المتأخرين وكثر ذكر هذه المفسدة في هذا الزمان والذي يظهر من درئها في هذا الوقت أن من علم هذا من وليته أن يمنعها من المواضع الموهمة أن يخرج إليها وإن تمادت عليه جعل عليها أمينة ذات محرم منها وإن لم ينفع ذلك فيها قيدها في داره كما وقع لحمديس في الذي قال عثرت على مرد بطالين يفسدون بالدراهم وقيدتهم في أرجلهم فصوب فعله وقال احبسهم عند آبائهم لا في السجن. وعن أشهب أيضًا في المتهم الصغير يحبس على قدر جرمه يريد يحبس حيث لا يخاف عليه.
стр. 74
حديث من أشراط الساعة
وحكى الطرطوشي في " كتاب البدع" من طريق سلمان عنه صلعم: أن من أشراط الساعة أن يكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء وتركب ذات الفروج السروج فعليهم من أمتي لعنة الله وفيه ويغار على الغلام كما يغار على الجارية البكر ويخطب كما تخطب النساء فقال أويكون ذلك قال نعم يا سلمان.
دخول النساء الحمام
وأما دخولهن الحمام فأصله الإباحة لأنه من نعومات الأبدان غير أنه لا يقضى على الزوج به للزوجة إذا انتفعت موانع الدخول لأنه ليس من الضروري كالقوت واللباس والسكنى فإن وقع الاضطرار إليه قضى عليه به. قال ابن الحاج في "نوازله" ولا يقضى لها عليه بدخول الحمام إلا من سقم أو نفاس وقال في الرسالة ولا تدخله امرأة إلا من علة قال أبو إسحاق يريد مالك بالخروج إلى الحمام ولم يرد أجرة الحمام.
قلت يريد إذا أخلي لها أما حالة الاجتماع مع غيرها فلا. قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد إن خلالها فأرجو لها صحته. قيل له فإن سترت نفسها كما يفعل مع الرجال فما وجه الكراهة فقال لأن المرأة عورة ولا محل لها أن تبدي محاسنها للنساء. قال بعض الشيوخ. وهذا على أحد القولين أن المرأة مع مثلها ذات المحرم أو كمثل الرجل الأجنبي معها وهو قول عبد الوهاب في شرح الرسالة وأما على مذهب من يراها مع مثلها كالرجل فتجري على أحكامهم في الدخول وهو الذي صحح ابن رشد رحه تع وجعل القول الأول مقيد الصحة.
وقد شاع في هذا الوقت وذاع أن النساء لا يستترن بحال إلا القليل وذلك القليل يرى عورة غيره فأراه مجمعا على تحريمه إلا أن يخلو لها الحمام أو تكون مع من يجوز له الاطلاع عليها.
هل يجوز للنساء النظر إلى الأجانب من الرجال لغير ضرورة
ومن هذا المعنى ما سئل عنه عز الدين هل يجوز للنساء النظر إلى الرجال الأجانب من غير حاجة أو لا وإذا كان في البيت طاق ينظر منها إليهم فهل يجب على الزوج سد تلك الطاق أم يكفيه أن ينهى عن النظر؟ فأجاب بأنه لا يجوز للمرأة النظر إلى من يشتهيها وتخشى الافتتان
стр. 75
به. وإذا نهى الزوج عن ذلك امرأته ولم تنته لزمه سد الطاق لوجوب إزالة المنكر باليد والفعل إذا لم يفد القول. ومتى قدر على الحيلولة بين العاصي وعصيانه باليد لزم ذلك هـ. قلت وما قاله ظاهر إذا خشيت الفتنة. وأما إذا لم تخش ففيه المسألة خلاف فيما يجوز للمرأة أن تراه من الأجنبي وفيما تراه ذات المحرم من ذي رحمها والعكس.
قال في "جامع المستخرجة" وسمعت مالكا يحدث أن عائشة زوج النبي صعلم دخل عليها رجل أعمى وأنها استحيت منه فقيل يا أم المؤمنين إنه أعمى لا ينظر إليك قالت ولكني أنظر إليه. قال ابن رشد رحه تع قد روي عن أم سلمة أنها كانت عند رسول الله صعلم مع ميمونة فبينما نحن عنده أقبل ابن أم مهتوم فدخل عليه وذلك بعد أن أمر بالحجاب فقال رسول الله صلعم أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه. وهذا خاص بأزواج النبي صلعم بخلاف غيرهن من النساء والله أعلم. بدليل قول النبي صلعم لفاطمة بنت قيس اعتدي عند ابن أم كلثوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك حيث شئت فيصح للمرأة أن تنظر من الرجل الأجنبي إلى ما يصح للرجل أن ينظر إليه من ذوات محارمه. وقد قيل إنه لا يصح للمرأة أن تنظر من الرجل ما لا يصح للرجل أن ينظر منها على فعل عائشة رضها تع في احتجابها من الرجل الأعمى وعلى ظاهر قول الله تع لأنه قال: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم وقل للمؤمنات بغضضن من أبصارهن﴾ عما لا يحل لهن النظر إليه وقد بينت السنة في حديث فاطمة بنت قيس أن النساء في ذلك بخلاف الرجال فتنظر من الرجل الأجنبي إلى ما ينظر إليه الرجل من الرجل وكذلك تنظر المرأة من المرأة إلى ما ينظر إليه الرجل من الرجل.
إفتاء العقباني
قلت ولذلك أفتيت حين ورودي من سجلماسة في ربيع الثاني عام ثمانية وخمسين وثماني مائة بجواز ما استمر ببلدنا تلمسان قديما فعله من إجماع النساء صبيحة الثاني يوم من إقبار الميت على القراء العميان لتحصل مثوبة تلك القراءة لميتهم عملًا بقول من قال ذلك لما وجدت المنع قاطعا للعميان من ذلك في خلال غيبتي فعادوا لما كانوا عليه فباحثني بعض الفضلاء من الأصحاب في ذلك فأمليت عليه ما صححه ابن رشد ما ثبتت الصحة عنه وأن فتواي صادفت الصحة وعلى ما اقتضته درجة السلف والخلف من علماء بلدنا رضهم ولا نكير فقال لي إن منهم من يذكر بالفسق مع كف بصره وإنه يحضر مع المجان في مجالسهم: فقلت له: إن كان ماجنا
следующие страницы →