Полный текст (181 стр.). Показаны 176–181 · переход к 181.
стр. 176
حكم بيع الذمي خمرا من مسلم
تنبيه: ما تقدم من تأديب الذمي على بيع الخمر من المسلم والتصدق بالثمن على المساكين أدبا له مثله في بيع المسلم إياها من مسلم أو كافر والمسلم في ذلك أشد نكالا لأنه أقوى جرأة ثم النظر فيما يرجع لفروع المسألة بالنسبة إلى القيام والفوات في المثمون والثمن كان الابتياع من المسلم أو من الكافر قد حققه الشيوخ على طريق تقاسيمه وتفاصيله كشيخ المحققين أبي الوليد بن رشد وذويه فقالوا إذا باع النصراني أو اليهودي خمرا من مسلم فذلك على ثلاثة أوجه إما أن تكون الخمر قائمة بيد البائع أو قائمة بيد المبتاع أو أفاتها.
أما إن كانت قائمة بيد البائع الكافر فإنها تكسر على البائع ويفسخ البيع ويسقط الثمن عن المبتاع إن كان لم يدفعه إلى البائع وإن كان قد دفعه إليه فقيل إنه يرد إلى المبتاع وهو قول ابن حبيب وقيل إنه لا يريد إليه ويتصدق به عليه أدبا له وهو الذي يأتي على ما في المدونة.
وأما إن كانت قائمة بيد المبتاع فقيل إنها تكسر على البائع ويرد الثمن إلى المبتاع إن قد دفعه ويسقط عنه إن كان لم يدفعه. وروى ذلك عن مالك إسماعيل ابن أبي أويس وغيره وقيل إنها تكسر على المبتاع ويتصدق بالثمن إن لم يقبضه البائع أدبا له وإن قبضه ترك له عند ابن القاسم وعند سحنون يتصدق به قبضه أو لم يقبضه أدبا له وقيل إنها تكسر على البائع ويفسخ البيع ويسقط الثمن على المبتاع إن كان لم ينقده وإن كان قدنقده كسرت على المبتاع ومضى الثمن للبائع ولم يؤخذ منه وهو قول ابن حبيب.
وأما إن لم يعثر على ذلك حتى قبض المسلم الخمر وفاتت بيده فإنه يؤخذ منه الثمن ويتصدق به على المساكين إن لم يدفعه إلى الكافر أدبا له وإن كان قد دفعه إليه ترك له ولم يؤخذ منه عند ابن القاسم وابن حبيب وعند سحنون يتصدق به على كل حال أدبا له وإذا باع المسلم خمرا من مسلم أو من كافر فعثر عليه والخمر بيد البائع كسرت عليه وأنقض البيع وسقط الثمن عن المشتري إن كان لم يدفعه وإن كان قد دفعه رد إليه في قول وتصدق به في قول وإن لم يعثر على ذلك حتى قبضه المبتاع فقيل إنها تكسر على البائع ويكون الحكم في الثمن على ما تقدم من الاختلاف وقيل إنها تكسر على المبتاع ويمضي البيع ويتصدق بالثمن قبض أو لم يقبض إذ لا يحل للبائع ولا يصح تركه للمشتري.
стр. 177
وأما إن لم يعثر على ذلك حتى استهلك المبتاع الخمر فهاهنا يفترق الحكم بين أن يكون المبتاع مسلما أو نصرانيا فإن كان مسلما تصدق بالثمن على المساكين قبض أو لم يقبض قولا واحدا إذ لا سبيل إلى نقض البيع بإغرام المسلم مثل الخمر التي استهلك وكسرها على البائع وإن كان نصرانيا فقيل إنه يقدم مثل الخمر وتكسر فينتقض البيع ويسقط الثمن عنه إن كان لم يدفعه وإن كان قد دفعه رد إليه أو تصدق به على المساكين أدبا له على الاختلاف المذكور وقيل إنه يمضي البيع ويتصدق بالثمن على المساكين قبض أو لم يقبض.
وهذا آخر ما استطعنا حفظه ونقله من مسائل هذا الباب * وإذ قد أتينا على تمام الأبواب الثمانية * أدخلنا الله من أحد الأبواب الثمانية * بجاه من أنزل عليه ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية *
خاتمة الكتاب في أصل ولاية الحسبة وهي ولاية الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر وما تفترق به من غيرها من الولايات
اعلم أن ولاية الحسبة تنعقد بما ينعقد غيرها من الولايات الشرعية بتقديم الإمام من يرتضيه لذلك متوفرة فيه شروط الولاية إذ هي من أشرف الولايات في الإسلام قدرا وأعظمها في هذه الملة المحمدية مكانة وفخرا تقدم اعتياد الفضلاء لتوليها وصدر اختيار الصلحاء للتحلي بها منزلة بادية لتبيين حقوق الشريعة وتجليها فلا يصح أن يليها إلا من طالت يده في الكمالات وبرز في الخير وأحرز أوصافه المرضية ولا تنعقد لمن لم تتوفر فيه الشروط ولم يك بها في رسمه ووسمه المنوط المحوط فمن شرف منزلة من تولاها أن يحتسب على أئمة المساجد وعلى قضاة المسلمين في أكثر ما لهم من المواطن والمعاهد.
من وظائف الحسبة منع أئمة المساجد من تطويل الصلاة
قال الشيخ نور الدين الماوردي وإذا كان من أئمة المساجد السابلة والجوامع الحفلة من يطيل الصلاة حتى يعجز عنها الضعفاء وينقطع عنها ذو الحاجات أنكر ذلك عليه كما أنكر رسول الله صلعم على معاذ حين أطال الصلاة بقومه فقال: أفتان أنت يا معاذ. فإن أقام الإمام على الإطالة استبدل بمن يخففها قال ﵇ إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير وذا الحاجة وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء.
стр. 178
احتجاب القضاة على الخصوم
وإذا كان في القضاة من يحتجب عن الخصوم إذا قصدوه ويمتنع من النظر بينهم إذا تحاكموا إليه فللمحتسب أن يأخذه مع ارتفاع الأعذار بما وجب عليه النظر بين المتحاكمين وفصل القضاء بين المتنازعين ولا يمنع علو رتبته من إنكار ما قصر فيه وقد مر إبراهيم بن بطحاء وإليه الحسبة بجانبي بغداد بباب أبيع مر بن حماد وهو يؤمئذ قاضي القضاة فرأى الخصوم جلوسا على بابه وقد أضرتهم الشمس فوقف واشتد على حاجبيه وقال له: تقول لقاضي القضاة الخصوم جلوس بالباب قد بلغتهم الشمس وتأذوا بالانتظار فإما جلست لهم أو عرفتهم عذرك ينصرفوا ويعودوا هـ. فكيف لا يكون صاحب هذه الخطة التي ينظر فيها على أئمة المساجد وقضاة المسلمين من أكمل الناس دينا ومروءة وعلما ودراية وبروزا في الخير وعدالة وإلا لم يكن له لولايته الحسبة على أمور الخلق سبيل إذ لا يصح أن يلي من شأنها الكثير ولا القليل.
شروط والي الحسبة
ثم قال الشيخ تقي الدين أبو الحسن علي ابن حبيب الماوردي فمن شرط والي الحسبة أن يكون حرا عدلا ذا رأي وصرامة وخشونة في الدين وعلم بالمنكرات الظاهرة فإن قلت أين اشتراط العدالة التي ذكر هذا الشيخ هنا مما أسلفت أول الكتاب من عدم اشتراطها وأن مغير المنكر يجب عليه التغيير على غيره ولو كان متلبسا بعين ذلك المنكر قلت إنما ذلك فيمن وجب عليه بعموم الأمر الشرعي في قوله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير﴾ الآية فكان ذلك من خطاب الوجوب الذي يلزم القيام به للصالح والطالح. أما هنا فسبيله سبيل عقد الولاية الشرعية التي لا يصح لمن قام بها وصف فسق وفقد عدالة إذ العدالة مشترطة في سائر الولايات الشرعية كالإمامة الكبرى فما دونها لأن من انعقدت له الولاية في القيام بحق من الحقوق المهمة في الدين صار مفوضا له فيما قدم إليه النيابة عن المسلمين فلابد أن يكون أمينا أي أمين ولا أمانة مع من لم يقم به وصف العدالة ولذلك كان الفرق بين والي الحسبة الذي انعقدت له الولاية وبين المتطوع بها على ما قال الماوردي من تسعة أوجه.
стр. 179
الفرق بين والي الحسبة وبين غيره ممن يتطوع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من تسعة أوجه
الأول- أن قرضه بحكم الولاية صار متعينا في رقبته باختصاصه وبقي من سواه على حكم وجوب الأمر العام. الثاني- أن قيام المحتسب بالولاية صار من الحقوق التي لا يسوغ أن يشتغل عنها بغيرها وقيام المتطوع بها يجوز أن يشتغل عنها بغيرها. الثالث- أنه منصوب للاستعداد فيما يجب إنكاره وليس المتطوع منصوبا للاستعداد. الرابع- أن على المحتسب بالولاية إجابة من استعداه وليس على المتطوع إجابته. الخامس- أن عليه أن يبحث على المنكرات الظاهرة ليصل إلى إنكارها ويفحص عما ترك من المعروف الظاهر ليأمر بإقامته وليس على غيره من المتطوعة بحث ولا فحص. السادس- أن له أن يتخذ على الإنكار أعوانا لأنه عمل هو له منصوب وإليه مندوب ليكون له أقهر وعليه أقدر وليس للمتطوع أن يندب لذلك عونا. السابع- أن له أن يعذر في المنكرات الظاهرة وليس للمتطوع أن يعذر على المنكر. الثامن- أن يرتزق على حسبته من بيت المال ولا يجوز لمتطوع أن يرتزق على إنكار منكر. التاسع- أن له اجتهاد رأيه فيما تعلق به العرف دون الشرع كمثل ما في الأفنية. والطرق وليس هذا للمتطوع فيكون الفرق بين والي الحسبة وإن كانت أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر وبين غيره من المتطوعة وإن جاز أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من هذه الوجوه التسعة.
فولاية الحسبة هذه واسطة بين أحكام القضاء وأحكام المظالم فأما ما بينها وبين القضاء فهي موافقة لأحكام القضاء من وجهين ومقصرة عنه من وجهين فأما الوجهان في موافقتها لأحكام القضاء فأحدهما جواز الاستعداء إليه وسماعه دعوى المستعدى عليه في حقوق الآدميين.
وليس هذا على عموم الدعاوي وإنما يختص بثلاثة أنواع من الدعاوي. أحدها أن يكون فيما تعلق بجنس أو تطفيف في كيل ووزن. والثاني- فيما تعلق بغش أو تدليس في مبيع أو ثمن. والثالث- ما تعلق بمطل وتأخير لدين مستحق مع القدرة على أدائه وإنما جاز نظره في هذه الأنواع الثلاثة من الدعاوي دون ما عداها من سائر الدعاوي لتعلقها بمنكر ظاهر هو منصوب لإزالته واختصاصها بمعروف بين هو مندوب إلى إقامته لأن موضع الحسبة إلزام الحقوق والمعونة على استيفائها وليس للنظر فيها أن يتجاوز في الحكم الناجز والفصل البات. فهو أحد وجهي الموافقة.
стр. 180
والوجه الثاني أن له إلزام المدعى عليه الخروج منها ودفعها إلى مستحقيها لأن في تأخيره لها منكرا هو منصوب لإزالته.
وأما الوجهان في قصورها عن سماع عموم الدعاوي الخارجة عن ظواهر المنكرات من الدعاوي في العقود والمعاملات وسائر الحقوق والمطالبات فلا يجوز أن يبتدي بسماع الدعوى لها ولا يتعارض للحكم فيها لا في كثير من الحقوق ولا في قليلها من درهم فما دونه إلا أن يرد إليه ذلك بنص صريح يزيد على إطلاق الحسبة فيجوز ويصير بهذه الزيادة جامعا بين قضاء وحسبة فيراعى فيه أن يكون من أهل الاجتهاد وإن اقتصر به على مطلق الحسبة فالقضاة والحكام بالنظر في قليل ذلك وكثيره أحق فهذا وجه.
والوجه الثاني أنها مقصورة على الحقوق المعترف بها فأما ما يدخله التجاحد والتناكر فلا يجوز له النظر فيها لأن الحكم فيها يقف على سماع بينة وإحلاف يمين ولا يجوز للمحتسب أن يسمع بينة على إثبات حق ولا أن يحلف يمينا على نفي حق والقضاة والحكام في سماع البينات وإحلاف الخصوم أحق وأما الوجهان في زيادتها على أحكام القضاء فأحدهما أنه يجوز للناظر فيها أن يتعرض لتصفح ما يأمر به من المعروف وينهى عنه من المنكر وإن لم يحضره خصم مستعد وليس للقاضي أن يتعرض لذلك إلا بحضور خصم يجوز له سماع الدعوى منه فإن تعرض القاضي لذلك خرج عن منصب ولايته وصار متجوزا به في قاعدة نظره والثاني أن للناظر في الحسبة من سلاطة السلطنة واستلاطة الحماة فيما يتعلق بالمنكرات ما ليس للقضاة لأن الحسبة موضوعة على الرهبة فلا يكون خروج المحتسب إليها إلا بالسلاطة والغلظة تجوزا فيها ولا خرقا والقضاء موضوع للمناصفة فهو بالأناة والوقار أخص وخروجه عنها إلى سلاطة الحسبة تجوز وخرق ولأن موضوع كل واحد من المنصبين مختلف فالتجاوز فيه خروج عن حده.
ما بين ولاية الحبسة والمظالم من الاجتماع والافتراق
وأما ما بين الحسبة والمظالم فبينهما شبه مؤتلف وفرق مختلف فأما الجامع بينهما فمن وجهين أحدهما أن موضوعها مستقر على الرهبة بسلاطة السلطنة وقوة الصرامة والثاني جواز التعرض فيها لأسباب المصالح والتطلع على إنكرا العدوان الظاهر وأما الفرق بينهما فمن وجهين أحدهما أن النظر في المظالم موضوع لما عجز عنه القضاة والنظر في الحسبة موضوع لما رفه عنه القضاة ولذلك كانت رتبة المظالم أعلى ورتبة الحسبة أخفض وجاز
стр. 181
لوالي المظالم أن يوقع إلى القضاة والمحتسبة ولم يجز للقاضي أن يوقع إلى والي المظالم وجاز له أن يوقع إلى المحتسب ولم يجز للمحتسب أن يوقع إلى واحد منهما فهذا فرق والثاني أنه يجوز لوالي المظالم أن يحكم ولا يجوز لوالي الحسبة أن يحكم.
وقد تم تأليفنا المبارك هذا بنجاح هذه الخاتمة ختم الله لنا بحسن الخاتمة بجاه من لم تزل صلاتنا عليه دائمة وحسبنا الله وكفى والصلاة على سيدنا ومولانا محمد النبي المختار المصطفى وعلى آله وصحبه الخلفاء والحمد لله وسلام عباده الذين اصطفى اللهم اجعله خالصا لوجهك الكريم وانفع به القارئ والناظر والمستعين بجاه مولانا محمد النبي الصادق الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.
انتهى كتاب "تحفة الناظر وغنية الذاكر في حفظ الشعائر وتغيير المناكر" تأليف الإمام الشهير العلامة النحرير خاتمة المحققين وسند المدققين القدوة البركة الهمام الرباني أبي عبد الله سيدي محمد بن أحمد بن قاسم بن سعيد العقباني التلمساني تغمد الله جميعم برحمته وأسكنهم فسيح جنته وصلى الله على مولانا محمد نبيه الكريم وصفوته وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته وسلم تسليما كثيرا. ووافق الفراغ منه عشية الخميس ٢٠ من شعبان المكرم ١١٩٨.