← Сияса и кади

Сияса и кади · id 18493

تحفة الناظر وغنية الذاكر في حفظ الشعائر وتغيير المناكر

محمد بن العقباني

Полный текст (181 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الحلية تبعا كالثلث فدون وإن كان بغير جنسه استخف قلت الحلية أو كثرت وكل ذلك نقدا ولا يصلح في شيء منه نسيئة فإن اجتمع في الحلية الصنفان لم يجز البيع بهما أو بأحدهما قلت أو كثرت ويباع كل ذلك بعرض سواء الذهب والفضة نقدا أو إلى أجل فلا يمكن انفصال الحلية من هذه كما كان كذلك في المنظوم. وفي استعمال الركب واللجم بتحلية الفضة والذهب نظر قبل كل شيء لأن الذي أبيح من ذلك ما كان في المصحف والخاتم والسيف من الفضة خاصة قلت وفي نظره نظر لأنه إن توقف نظره على الإباحة تبعا للمشهور فمسلم ولا تساعده عبارة النظر إن كان ذاكرا بالخلاف في المسألة ومن له أدنى مسكة في الفقه المالكي مطلع على الخلاف في ذلك فقد جمع ابن الحاجب على اصطلاحه في كتاب الزكاة ثلاثة أقال في آلة الحرب حيث قال "وفي حلية باقي آلة الحرب ثالثها يجوز فيما يطاعن به ويضارب لا فيما يتقى به ويتحزم. فالأول يقول بالجواز مطلقا في كل ما هو آلة للحرب سواء كان من آلة الراكب والمركوب وهذا القول هو قول ابن وهب في المذهب وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وصححه الشيوخ إلزاما للمشهور بطريق الإلحاق بالسيف لمناسبة وصف الإرهاب للعدو في الجميع وتخصيصه بالسيف تحكم مع انضباط العلة بالإرهاب فلا يكون فرق بين السلاح والمنطقة والسرج واللجام والمهامين. فتوى الجد الأعلى للمؤلف وقد وقع في فتوى الشيخ الإمام العلامة الحبر المحقق شيخ مولانا الجد الأعلى أبي عثمان سعيد القباني الذي أخذ عنه تحقيق المسائل الفقهية حفظا وتعليلا السيد المنعم المرحوم أبي عمران موسى ابن موسى المسترالي رضه جواز اتخاذ الركاب من خالص الذهب والفضة بما نصه بعد كلام طويل وتفريع حسن وتوجيه وتعليل وعلى تحلية آلة الحرب عموما بالفضة خاصة أو بها وبالذهب فلا فرق بين كون الركاب خالصا من أحد النوعين فيه إلى غيرهما فالركاب ونحوه مما لابد للسرج منه كالقبضة والرأس وما صيغ للسيف والنعال والأزناد للجفن فإذا جاز صوغ ما ذكر للسيف من خالص الذهب أو الفضة أو من خالص الفضة خاصة على اختلاف الرأيين جاز تفريعا على التعدية اتخاذ الركاب خالصا من أحد النوعين أو من خالص الفضة خاصة. ثم قال في أثناء كلامه قولا يترجح به قول ابن وهب وذويه ما نصه: وإباحة حلية السيوف أيضا لابد له من علة ظاهرة لما تقدم

стр. 142

وليست كونه سيفا لعدم ظهور مناسبته فتكون إما لما في تحليته من إرهاب العدو أو التهيئ للإرهاب غالبا وإما لأن ذلك مما يزيد في قوة نفس متقلدة غالبا فلا ينزل نفسه منزلة من لا يؤبه له فيكون ذلك سببا في الثبات والبعد من مذموم الجبن والفرار. ولما رأى ابن وهب وأبو حنيفة وبعض الشافعية استواء آلة الحرب في هذا المعنى إذ الإرهاب في السيف ليس بمجرد وضع الحلية فيه على ما لا يخفى بل لأن ذلك شعار أهل النجدة والشجاعة وعلامتهم فيظن كون ذي المحلى كذلك. وهذا أمر لا يختص بتحلية السيف بل كما تشعر تحلية السيف بذلك يشعر به تحلية غيره أيضا إذ الحلية في آلة الحرب أيضا سرجا أو غيره إنما يتخذها غالبا المبرزون في النجدة والجرأة الموهوب منهم صاروا إلى التسوية بين السيف وبين آلة الحرب في مشروعية التحلية لاشتراك الجميع فيما هو العلة. انتهى ما مست الحاجة لنقله من جواب هذا الشيخ رضه فيما يمسنا من المسألة. وقد أفاد فيه وأجاد حفظا ولفظا رضه وشكر في العلماء المحققين مسعاه. وقد ذكرني مولانا الجد الأقرب السيد أبو الفضل قاسم من مناقب علمه وسيرته ما أطيل بتقييده هنا طولا يثبطني عن استيفاء المقصود الأهم وكان ذلك يوم وجدته بورق في يده ينسخ فيه من ورق آخر الجواب المذكور بعد كبر سنه فأشفقت من تكلفه النسخ لما أعلم فيه من كبر المشقة فتناولته منه وقلت إني أحق بهذا منك فأخذ في الإملاء علي وأنا أكتب ثم يدرج في أثناء الإملاء قصدا للاستراحة بعض ما حفظ من والده من مناقب الشيخ وغزارة علمه ولما أكملته بالكتب تلقيته منه رواية ودراية رضهم وحشرنا في زمرتهم, فانظر أنت بسديد نظرك في المناصف في تنبيهه بقوله فيه نظر هل هو إلا من قلة الاطلاع على ما لا يخفى نقله نصا وتوجيها. إرباء التجار في أثمان السلع ثم قال ومن ذلك إرباء بعض التجار في أثمان السلع مثل أن يشتري بعشرة فيعرف بإحدى عشر وقد يكون من بعض ذلك ما يخفى على فاعله أو يغالط في معرفة وجه فساده مثل أن يشتري بعشرة نسيئة فيعرف بعشرة نقدا الشراء ويكتم النسيئة. ومعلوم أن بيع النسيئة مما يرفع في الثمن فهذا إن لم يعلم به البائع وتعيين له قدرا من النسيئة حرام ونوع من الربا والتدليس وللمشتري الرد إذا علم بذلك وهذه الوجوه من الإرباء وفساد المعارضة كثيرة جدًا فيجب على الحكام البحث عنها والاجتهاد على قدر الطاقة والاشتداد وأن يقدموا في

стр. 143

الأسواق التي يكثر ذلك فيها أمناء ثقات علماء ليردعوا عن مواقعته من يتعاطاه من أهل الشر والفساد ويعلموا جهلة الناس بقوة وعزيمة وجلاء وعلى فاعل الربا العقوبة الموجعة إن لم يغدر بجهل والله المؤيد للنصرة على الحق وإذعان الكافة له من الخلق. فصل "ما يمتنع من البيوعات وما لا يصح العقد عليه" ولما كان مغير المنكر يفارق القاضي كما قال العلماء ﵃ في كونه يتعرض للفحص عن المحرمات فيجد في إزالتها ويحذر من الوقوع فيها وإن لم ينه إليه والقاضي لا يحكم إلا فيما رفع إليه قالوا فموضوع الحسبة الرهبة وموضوع القضاء النصفة وتقدم من كلام شهاب الدين أنه لا يقتصر على المنع من المحظورات بل ويرشد لإتيان المندوبات والتحفظ من الوقوع في المكروهات حسن مني أن نلحق في هذا الفصل لختام الباب السابع تقييد ما يمتنع من البيوعات وما لا يصح العقد عليه في ضروب المعاوضات على حسب اختصار بعض الفضلاء وجمعه ليعم فائدة نفعه. فلا يجوز بيع الحز والخنزير والقردة والخمر والميتة والدم والنجاسات وما لا منفعة فيه كخشاش الأرض والحيات والكلاب التي لم يؤذن في اتخاذها وتزاد الصواغين والصور وآلات الملاهي والأحباس ولحوم الضحايا والمربد والمكاتب والحيوان المريض مرضا مخوفا والأمة الحامل بعد ستة أشهر والحيوان بشرط الحمل وما في بطون الحيوان واستثناؤه والطير في الهواء والسمك في الماء والعبد الآبق الذي لا يعرف موضعه والجمل الشارد والغايب على غير الصفة والبيع بغير تقليب وبدنانير غير مسماة في بلد نقده مختلف وملك غيره والمغصوب وكل ما فيه خصومة والدين على الميت والغائب وما لم يبد صلاحه من زرع أو ثمر على التبعية ولا الجارية على الرقيق بالبراءة من الحمل وسلعة بعينها على أن تقبض إلى أكثر من ثلاثة أيام والدار بشرط سكناه أكثر من سنة والدابة بشرط ركوبها أياما كثيرة والبيع بثمن مجهول ويكيل مجهول. وفي وقت الجمعة وبيع حاضر لباد وبيع الرجل على بيع أخيه. وقد ركن إليه وبيع التفرقة وعقارا لا مدخل له وبيع الفصيل والقصب على أن يزيد في نباته أو يطيب وسلعة بحكمه وبحكم غيره ونيل المعادن وغيرها. والبيع على شرط حميد بعد الغيبة وبيع سلعة بجزاف من العين وبيع حائط فيه أنواع ويستثني البائع شجرا يختارها وشراء ثمر شجرات يختارها وبيع شاة ويستثني عضوا منها كالفخذ والبطن أو يستثنى الكبد وأرطالا أكثر من الثلث وبيع لبن غنم معينة مدة معلومة وهي دون العشرة وبيع قمح أو زيتون على أن على البائع حصاده أو عصره وبيع لحم شاة وهي حبة وطعام الطعام إلى أجل

стр. 144

ونقد بنقد إلى أجل ولا شيء بجنسه إلى أجل متفاضلا إلا أن يختلف منافعهما وبيع الطعام بالطعام قبل قبضه إذا ابتيع على الكيل أو الوزن أو العدد. ولا يجوز التفاضل في الصنف الواحد من الطعام والنقد وكل جنس فيه الربا إذا بيع بمثله فلا يجوز أن يكون غيره مع أحد الجنسين أو معهما ولا يجوز بيع الجزاف فيما تقعد أعيانه وآحاد جماعاته كالحيوان والثياب والجواهر ولا يجوز بيع الثنيا كبيع سلعة على أن لا يبيعها أو لا يهبها وأن لا يخرجها من البلد وأن لا يجيزها البحر أو على أن يتخذها أم ولد أو على أن لا ينزل عنها أو على أن يدبرها أو يكاتبها أو يعتق إلى أجل أو على أنه إن باعها فبائعها أحق بها الثمن الذي يبيعها به أو على أنه بالخيار إلى أجل بعيد لا يجوز الخير له أو على أنه متى جاءه بالثمن فهو أحق بها. ولا يجوز بيع رطب بيابس من جنسه كالرطب بالتمر والعنب بالزبيب أو بعصيره والعجين بالدقيق أو بالحنطة واللحم التي بالقديد أو بالمشوي والسمن بالزبد أو باللبن والزبد بالجبن والتمر بربه والجلجلان بزيته والحنطة المبلولة باليابسة والشاة اللبون باللبن إلى أجل ويجوز ضده. ولا يجوز بيع الطعام جزافا مع العقار والعروض كما لا يجوز العقار والعروض بعضها جزافا وبعضها كيلا ولا يجمع الرجلان سلعتيهما في البيع في صفقة واحدة لأنه لا يدري بم باع ولا بم يرجع عليه إن استخفت إحداهما فهذه كلها وإن كان في بعضها خلاف لكن الجادة المنع وعليه يعتمد مغير المنكر إن وقع اطلاعه على شيء من ذلك. وهنا أناخت لي في هذا الباب ركاب الاطلاع وفيما ذكرته من ذلك إن شاء الله كفاية وإقناع والله سبحانه ولي التوفيق والمرشد للعثور على جادة الطريق. الباب الثامن فيما يختص به من ذلك أهل الذمة ومن كان في حكمهم من المعاهدين فأما ما يجب تغييره والاحتساب فيه على أهل الذمة فينقسم على قسمين: أحدهما ما إن أعلنوه قولا أو فعلا كان نقضا للعهد ووجب قتلهم إلا أن يسلموا أو فهم فيء والثاني ما إن أعلنوه لم يكن نقضا للعهد ووجب تأديبهم عليه وردعهم عن الوقوع فيه. فأما القسم الأول وهو ما إن أعلنوه قولا أو فعلا كان نقضا للعهد فمنه أن يخرجوا على

стр. 145

المسلمين متلصصين أو متعصبين من غير ظلم لحقهم ولا أذى في أنفسهم وكذلك إن فروا بأنفسهم على وجه النكت والخروج من ذمة الإسلام أو قاتلوا على شيء من ذلك أو منعوا أداء الجزية عنادا أو بعد الفرار على ذلك نقض للعهد يستباحون به كالحربيين. قال في المدونة وإذا خرج قوم من أهل الذمة محاربين أو متلصصين فأخافوا السبيل وقتلوا حكم فيهم بحكم الإسلام إذا حاربوا وإن خرجوا نقضا للعهد ومنعا للجزية وامتنعوا من أهل الإسلام من غير أن يظلموا والإمام عدل فهم فيء ومن هرب منه إلى بلاد الحرب نقضا للعهد فحارب ثم أسر فهو فيء لا يرد إلى ذمته إذا نقض العهد لغير ظلم ركبوا به وإن كان لظلم ردوا إلى ذمتهم ولا يكونون فيئا وقال غيره ولا يرد الحر إلى الرق أبدا ويردون إلى ذمتهم ولا يكونون فيئا. قلت المعبر عنه بالغير في هذه المسألة في الكتاب هو أشهب كذلك في كتاب ابن المواز قال قال ابن القاسم في قوم من أهل الذمة إذا قطعوا الطريق وقاتلوا على العصبية وظفر بهم فليحكم فيهم بحكم المحاربين من المسلمين وأما إن خرجوا نقضا للعهد ومنعا من الجزية من غير ظلم ظلموا به فإن كان الإمام عدلا قوتلوا أو يكونون فيئا. وقال أشهب لا يكونون فيئا ويردون إلى ذمتهم قال ابن الحاجب بناء على أن الذمة تقتضي الجزية بدوام العهد أو أبدا. قال ابن عبد السلام في شرحه لا يعني أن هذين القولين يجريان على أن الذمة المطلقة هل معناها الدوام بدوام العهد. أو أبدا يعني فإذا أنقضه الذمي عاد إلى ما كان عليه أولا واسترقاقه في الأول جائز وهذا رأي ابن القاسم، أو معناه الدوام الأبدي، والجزية ومن ثبتت له الجزية لم يرجع إلى الرق أبدًا، وهذا رأي أشهب هـ. ومن تمام ما في الموازية، قال أشهب ويقتل منهم من قتل ويخرج من خرج قال ابن المواز وقف ابن القاسم عن القتل فيما كانوا قتلوا أن يستفاد منهم، وقال فيهم لا أدري قال أحمد بن ميسر لا يؤخذ أحد منهم بما قتل في مصاف ولا في غيرها. قلت إنما لم يقل ابن القاسم بن قاله أشهب من قتلهم على وجه القود بمن قتلوا في هذه الصورة مرورا مع أصله في أنهم بنقضهم العهد عادوا حربا والحربي إذا قاتل المسلمين على دينه لا يقتل قودا بمن قتل. وأشهب الذي يقول إنهم لا يزالون على حكم الذمة بعدم إباحته لاسترقاقهم وأنهم أحرار لم يزالوا يقول بالقود منهم ضربة لازم كما إذا لم يقاتلوا عمدا عدوانا.

стр. 146

وفي سماع عيسى وسألته عن القوم من أهل الذمة يخرج رجالهم ويحاربون فيظفر بهم هل تستحل بذلك ذراريهم ونساؤهم، ومن يزعم من ضعفاء رجالهم أنه استكره ومن يرى أنه مغلوب على أمره، ولا يملك من أمره شيئا دخلوا أرض الحرب أو لم يدخلوا. قال ابن القاسم: إن كان الإمام عدلا قوتلوا وقتلوا واستحلت نساؤهم وذراريهم وأولادهم المراهقون والأبكار تبعا لهم يستحلون ويسبون وهم من النساء والذرية، (وأما من يرى) أنه مغلوب على أمره وأنه لم يغن شيئا مثل الضعيف والشيخ الكبير، الزمن فلا أرى أن يستحلوا ولا يقتلوا ولا يسترقوا على حال قال: وإن نقضوا وقاتلوا وظهر على الذرية قبل أن يظهر عليهم استحلوا أيضا وسبوا، وكانوا كسبيل ما فسرت. وذلك إذا كان الإمام عدلا لم ينقموا منه شيئا، وإن نقضوا وخرجوا إلى دار الحرب وبقيت الذرية بين أظهر المسلمين لم تستحل الذرية، ولم يكن إلى الذرية سبيل بوجه من الوجوه، وإن تحملوا الذرية معهم فظفر بهم قبل أن يصلوا إلى دار الحرب فهم كلهم فيء بحال ما فسرت لك إذا كانوا قد نقضوا وامتنعوا وكان الإمام عدلا كما أخبرتك، وإن كان الإمام غير عدل ويقيمون شيئا يعرف به ما قاموا به لم يقاتلوا ولم يقتلوا. قال: فإن ظهر عليهم في تلك الحال لم يستحلوا ولم يسترقوا ولا يسبى شيء من نسائهم ولا ذراريهم وتركوا على حالهم وذمتهم، وإن تحملوا إلى أرض الحرب بذريتهم ثم ظهر عليهم لم يستحل منهم شيء من الأشياء كما فسرت لك إذا كان الإمام غير عدل إلا أن يعينوا على المسلمين بعد دخولهم إلى العدو، ويقاتلوا مع العدو فيستحلون بفعلهم ذلك وليس بهم وبذراريهم عند ذلك سنة أهل الحرب لأنهم قد صاروا حينئذ حربا وعدوا. قال ابن رشد رحه تع اتفق أصحاب مالك على إتباع قول مالك في أن أهل الذمة إذا نقضوا العهد ومنعوا الجزية، وخرجوا من غير عذر أنهم يصيرون حربا وعدوا ويسبون ويقتلون، إلا أشهب في المدونة فإنه قال لا يعود الحر إلى الرق وما اتفق عليه مالك وأصحابه أصح في النظر من قول أشهب، لأن الجزية لم تثبت لهم بعتاقة من رق متقدم فلا ينتقض وإنما تركوا على حالهم من الحرية التي كانوا عليها آمنين على أنفسهم ودمائهم بين أظهر المسلمين بما بذلوه من الجزية عن يد وهم صاغرون لقول الله : ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ الآية: فإذا منعوا الجزية لم يصح لهم العوض وكان للمسلمين الرجوع فيه، وذلك أيضا كالصلح ينعقد بين أهل الحرب وبين المسلمين على شروط فإذا لم يوفوا

стр. 147

بها انتقض الصلح لقول الله : ﴿فإنما ينكث على نفسه﴾ وكمن اكترى دارا مشاهرة فإذا منع الكراء أخرج من الدار. وقد احتج لذلك ابن الماجشون في كتاب ابن المواز قال وكذلك فعل النبي صلعم في بني قريضة الكافرين وغيرهم من اليهود وإنما كانت مهادنة ومعاهدة وهم في بلادهم ولم يكونوا كأهل الذمة الذين غلبوا فأقروا تحت ملك المسلمين على أداء الجزية. ومما يدل على هذا أن ابن القاسم لم يحتج به في المدونة، وإنما قال فيها قد مضت في ذلك السنة من الماضين فذكر قتال عمرو بن العاص الإسكندرية فلو كانت عنده في ذلك سنة لذكرها والله أعلم، وفرق في الرواية بين النساء والذرية وبين الشيوخ وساوى بين ذلك ابن الماجشون وأصبغ وجعلا نقض كبارهم نقضا عليهم كما أن صلحهم صلح عليهم. واختاره ابن حبيب ولا ينبغي أن يختلف فيهم إذا علموا أنهم مكرهون غير راضين لقول الله : ﴿ولا تزروا وازرة وزر أخرى﴾ ويحمل الخلاف على أنه إنما هو إذا جهل أمرهم وادعوا الإكراه والغلبة على ما يحملون عليه فلا يستباحون على مذهب ابن القاسم إلا بيقين ولا يمتنع من سبهم وقتلهم على ما ذهب إليه ابن حبيب إلا بيقين. فإن قلت ما وقع في المدونة والعتيبة والموازية من تقييد حكم استرقاقهم وذريتهم إذا نقضوا العهد بما إذا لم يظلموا والإمام مع ذلك عدل غير جائز مقتضاه أنهم إذا نقضوا العهد من أجل ظلم لحقهم أو من تقية جور الإمام الموصوف بذلك أنهم يعودا إلى ذمتهم ولا يسترقون بذلك فهل ذلك متفق عليه أو مختلف فيه. قلت بل هو مختلف فيه على قولين حكاهما ابن الحاجب في مختصره وغيره. قال فيه فإن نقضوا لظلم لم يسترقوا على المشهور وهو الواقع في المدونة وغيرها عن ابن القاسم، وأما الشاذ فهو قول أحمد بن نصر الداودي وعلله بأنهم ناقضون للعهد ولو كانوا مظلومين لأنهم لم يعاهدوا على أنهم يظلمون المسلمين إذا ظلموهم وهو ضعيف لأن من فر ممن ظلمه لا يكون ظالما. وجعل الشيخ ابن عبد السلام التونسي شارح مختصر ابن الحاجب إطلاق هذا النقض للعهد في حق المسلمين إذا ظلموهم أولى بالحقيقة من إطلاقه في حق أهل الذمة إذا نابذوا ذمة

стр. 148

الإسلام لأجل ذلك التعيين إطلاق النقض عليهم إذ ذاك مجاز (وإنما صحح هذا التجوز في إطلاق النقض عليهم إذ ذاك مجازا) وإنما صحح هذا التجوز في إطلاق النقض عليهم خروجهم لبلاد الحرب ونحوها فصار في صورة النقض لأنه نقض لأنه لم يصدر ذلك منهم في حالة ظلمهم لكراهتهم ما أعطوا أولا من العهد ولا عدم رضى بدوامه بل المسلمون هم الذين لم يوفوا لهم بما عاهدوهم عليه فكانوا أولى بنقض العهد منهم. أضل ضرب الجزية وحكمة مشروعيتها تنبيه: هذه الجزية أصل ضربها وحكمة مشروعيتها إذلال الكفر وإعزاز الإيمان إذ لو شاء ربنا لجعل الناس أمة واحدة لكنه خلقهم فريقان فريق في الجنة وفريق في السعير، وإنما أعد الجنة لمن آمن به وصدق بما بعث به خاتم أنبيائه ورسله وأعد النار لمن كفر به وكذب بما جاء به رسوله وخيرة خلقه ببقاء الكفر ما دامت الدنيا تحت الإذلال به والهوان به يظهر إعزاز كلمة الإيمان. فأول ما بعث الله نبيه صلعم بالدعاء إلى الإسلام من غير قتال أمره به ولا قتل ولا أذن له في شيء من ذلك ولا أصل له ضرب جزية ولا أخذها فأقام ﵇ على ذلك عشر سنين وهي التي أقام بمكة أو ثلاث عشرة سنة وحينئذ أنزل عليه ﴿فأصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين﴾ وقوله: ﴿لا إكراه في الدين﴾ وقوله: ﴿فاعف عنهم واصفح﴾ وما أشبه ذلك من الآيات. فلما هاجر إلى المدينة أذن الله تع له والمؤمنين بقتال من قاتله وأمرهم بالكف عمن لم يقاتلهم، فقال تع ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير﴾ وقال تعالى: ﴿فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين﴾ وقال تع: ﴿فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا﴾. فأقام على ذلك صلعم والمسلمون حتى نزلت براءة لثمان سنين من الهجرة فأمره بقتال جميع من لم يسلم من العرب من قاتله أو من كف عن قتاله إلا من عاهد فقال: ﴿واقتلوهم حيث وجدتموهم إلى قوله فإن تابوا وأقاموا الصلاة﴾ الآية فلم يستثن على العرب إلا

стр. 149

الإسلام، ولم يقبل منهم غيره، وأمر بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية فقال: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعقلوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ يدخل في ذلك من تعلق من العرب بدين أهل الكتاب وألحق النبي صلعم بهم مجوس العجم بقوله في حديث عبد الرحمن ابن عوف سنوا بهم سنة أهل الكتاب. أصناف الكفار في أخذ الجزية فالكفار في أخذ الجزية على تحصيل الشيخ ابن رشد رحه أربعة أصناف: صنف تؤخذ منهم الجزية باتفاق وصنف لا تؤخذ منهم الجزية باتفاق، وصنف تؤخذ منهم الجزية على اختلاف، وصنف يختلفون فيما يؤخذ منهم. فأما الذين تؤخذ منهم الجزية باتفاق فأهل الكتاب والمجوس من العجم تؤخذ من أهل الكتاب بنص القرآن قال الله تع: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾. وتؤخذ من مجوس العجم وهم ما عدا العرب بالسنة والقياس أما السنة فقوله في الحديث سنوا بهم سنة أهل الكتاب يريد في الجزية وأخذه صلعم من مجوس البحرين، وأما القياس فهو أن الجزية إذا كانت تؤخذ من أهل الكتاب إذلالا وصغارا مع أنهم أقرب إلى الحق لإقرارهم بالنبوءة والشريعة المتقدمة فالمجوس أحرى بذلك منهم إذا لا يقرون بشيء من ذلك وقد قيل في أنهم أهل الكتاب روي ذلك عن الشافعي رضه وقول النبي ﵇: سنوا بهم سنة أهل الكتاب. معناه على قوله الذين يعلم كتابهم على ظهور واستفاضة. وأما الذين لا تؤخذ منهم الجزية باتفاق فكفار قريش والمرتدون، أما المرتدون، فلأنهم ليس هم على دين يقرون عليه لقول النبي صلعم: من بدل دينه فاضربوا عنقه. وأما كفار قريش فقيل إنه إنما لم تؤخذ الجزية منهم لأنه لا يجوز أن تجرى عليهم ذلة صغار لمكانهم من النبي صلعم فإن كانوا من أهل الكتاب تخصصوا من عموم الآية بالإجماع

стр. 150

ولم يجز في أمرهم إلا الإسلام أو السيف وهذا الإجماع حكاه ابن الجهم، وقال القزويني إنما لم تؤخذ الجزية من كفار قريش لأن جميعهم أسلم يوم الفتح فلا يكون قرشي كافرا إلا مرتد والمرتد لا تؤخذ منه الجزية لأنه ليس على دين يقر عليه ولا يسترق. وأما الذين تؤخذ منهم الجزية على اختلاف فمشركوا العرب ومن دان بغير الإسلام من العرب وليس من أهل الكتاب ولا المجوس. أما مشركوا العرب فذهب مالك إلى أن الجزية تؤخذ منهم وقال الشافعي وأبو حنيفة لاتؤخذ منهم الجزية وإلى هذا ذهب ابن حبيب وهو قول ابن وهب من أصحابنا. وقال ابن حبيب إكراما لهم فعلى قوله تؤخذ الجزية من غير المجوس إذا لم يكن من العرب ودان بغير الإسلام وقيل إن ذلك ليس من جهة الإكرام لهم وإنما ذلك من جهة التغليظ عليهم من الحق إذ ليسوا بأهل كتاب. وهذا يأتي على مذهب الشافعي لأن المجوس عنده أهل الكتاب ولا تؤخذ الجزية عنده إلا من أهل الكتاب فعلى قوله لا تؤخذ الجزية من غير المجوس وأهل الكتاب وإن لم يكونوا من العرب. وأما الذين يختلف فيما يؤخذ منهم في الجزية فنصارى العرب ذهب مالك إلى أن الجزية تؤخذ منهم وحجته قول الله تعالى: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ وروي عن عمر بن الخطاب رضه أنه كان يأخذ منهم في جزيتهم الصدقة مضاعفة إكراما لهم، وقيل بل كان يأخذ منهم باسم الجزية. فالذي يتحصل في الجزية ثلاثة أقوال: أحدها أن لجزية تؤخذ ممن دان بغير الإسلام بدين يقر عليه من جميع الأمم حاشا كفار قريش والثاني تؤخذ ممن دان بغير الإسلام يدين يقر عليه حاشا كفار قريش ومشركي العرب، والثالث أنها لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب والمجوس وهذا قول الشافعي والقولان الأولان في المذهب. قلت وقد ذكر الشيخ أبو عمرو بن الحاجب الإجماع على أخذ الجزية من أهل الكتاب خاصة وفي من سواهم أربعة أقوال غير أن شارح مختصره الشيخ بن عبد السلام تأول بعض تلك الأقوال. فقال ذكر المؤلف في الكفار من غير أهل الكتاب أربعة أقوال المشهور أخذها من كل كافر عموما ويعني به من عدا المرتد وهذا هو المنصوص في "المدونة" ومقابله أنها لا تؤخذ

стр. 151

منهم عموما ولا خصوصا وهو مذهب ابن الماجشون وهذا القول لا ينبغي أن يفهم على عمومه في الكفار لما يعطيه كلام المؤلف أنها لا تؤخذ من المجوس فما أظن ابن الماجشون ولا أحدا من أهل العلم يمنع أخذها من مجوس العجم. قلت فالذي نقل ابن رشد من الاتفاق على أخذها من مجوس العجم مثل الكتابين ليس بمدخول بنقل ابن الحاجب عن ابن الماجشون عموم منع الأخذ من سائر الكفار ولعدم صحة نقل ذلك عنه في شأن مجوس العرب وهذا ينسب إلى ابن وهب غير أن عبارة بعض المحققين في نقل هذا القول هكذا. وذهب ابن وهب إلى قبولها من سائر الأمم إلا العرب إلا أن يكفر العربي كفرا يدخل به في ملة من الملل ومثل هذا اللفظ لا يبعد إدخال المجوسي فيه، وإنما يمتنع إدخال الوثني والله أعلم. الجزية الصلحية وفائدة أخدها منهم الجزاء على تأمينهم مع إقرارهم على كفرهم وهي على وجهين عنوية وصلحية. فأما الصلحية فلا حد لها إذ لا يجبرون عليها ولأنهم منعوا أنفسهم وأموالهم حتى صالحوا عليه فإنما هي على ما يراضيهم عليه الإمام من قليل أو كثير وعلى أن يقروا في بلادهم على دينهم إذا كانوا بحيث تجري عليهم أحكام المسلمين وتؤخذ منهم الجزية عن يد وهم صاغرون. كذا نص ابن حبيب في الواضحة وغيره أن الجزية الصلحية لا حد لها إلا ما صالحوا عليه من قليل أو كثير. قال ابن رشد ﵀ وهو كلام فيه نظر والصحيح أنه لا حد لأقلها يلزم أهل الحرب الرضى به لأنهم مالكون لأمرهم وأن لأقلها حدا إذا بدلوه لزم الإمام قبوله وحرم عليه قتالهم لقول الله : ﴿حتى يعطوا الجزية عند يد وهم صاغرون﴾ ولم أر لأحد من أهل المذاهب في ذلك حدا. والذي يأتي على ذلك المذهب عندي أن أقلها ما فرض عمر على أهل العنوة فإذا بدل ذلك أهل الحرب في الصلح على أن يؤدوه عن يد وهم صاغرون لزم الإمام قبوله وحرم عليه قتالهم وله أن يقبل منهم في الصلح أقل وإن كانوا أغنياء. وقال الشافعي أقل

стр. 152

الجزية دينار ولا يقدر أكثرها لأنه إذا بذل الأغنياء دينارا حرم قتالهم وهذا نص منه على أن أقل الجزية دينار بقوله ولا بقدر أكثرها فقوله ولا يقدر أكثرها معناه أنه ليس لكثرة ما يبذلونه من الصلح حد لا يجوز للإمام أن يتجاوزوه بخلاف أهل الغنوة الذي لا يجوز للإمام أن يتجاوز فرض عمر فيهم. انقسام الجزية الصلحية إلى ثلاثة أوجه ثم هذه الجزية المصالح بها على ثلاثة أوجه: أحدها أن تكون الجزية مجملة عليهم. والثاني أن تكون مفرقة على رقابهم دون الأرض. والثالث أن تكون مفرقة على رقابهم وأرضهم أو على أراضيهم دون رقابهم مثل أن يقول على كل رأس كذا وكذا وعلى كل زيتونة كذا وكذا وعلى مبذر كل قفيز من الأرض كذا وكذا ولكل وجه من هذه الوجوه أحكام تختص به. فأما إذا كانت الجزية مجملة عليهم فذهب ابن حبيب إلى أن الأرض موقوفة للجزية لا تباع ولا تورث ولا تقسم ولا تكون لهم إن أسلموا عليها وأن مال من مات منهم لوارثه من أهل دينه إلا أن لا يكون له ورثة من أهل دينه فيكون للمسلمين. وذهب ابن القاسم إلى أن أرضهم بمنزلة مالهم يبيعونها ويرثونها ويقتسمونها وتكون لهم إن أسلموا عليها وإن مات منهم ميت ولا وارث له من أهل دينه فأرضه وماله لأهل مودته ولا يمنعون من الوصايا وإن أحاطت بأموالهم ولا ينقصون من الجزية شيئا لموت من مات منهم. وأما إن كانت الجزية مفرقة على رقابهم فلا اختلاف أن لهم أرضهم ومالهم يبيعون وتكون لهم إن أسلموا عليها ومن مات ولا وارث له من أهل دينه فأرضه وماله للمسلمين ولا تجوز وصيته إلا في ثلث ماله. وأما إن كانت الجزية مفرقة على الجماجم والأرض أو على الأرض دون الجماجم فاختلفوا في جواز بيع الأرض على ثلاثة أقوال. أحدها- أن البيع لا يجوز وهي رواية ابن نافع عن مالك في كتاب التجارة إلى أرض الحرب من المدونة والثاني- أن البيع جائز ويكون الخراج على المبتاع ما لم يسلم البائع وهو مذهب أشهب وقوله في المدونة ولا اختلاف أنها تكون لهم إن أسلموا عليها وأنهم يورثونها قرابتهم من أهل دينهم بمنزلة سائر أموالهم أو المسلمين إن لم تكن له قرابة من أهل دينهم.

стр. 153

فإن قلت هذا الذي ذكرته في أرض الصلح هل حكم أرض العنوة مثله أم لا وبماذا تفترق أرض العنوة من أرض الصلح قلت أرض الصلح قال في المدونة هي التي منع أهلها أنفسهم حتى صالحوا فهي لهم كما صالحوا عليه من جزية الجماجم وخراج الأرض وأرض الغنوة قال فيها: هي التي غلبهم المسلمون عليها فأقروها بأيديهم وضربت عليهم الجزية. وحكمهم الوقفية كما رسم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فيها فلا تباع ولا تقسم ولا تقطع إقطاع تمليك. قال في المدونة فليس لهم بيعها ولا لأحد أن يشتريها منهم، وذكر الشيخ أبو الحسن اللخمي أن إقطاعها إقطاع تمليك على مذهب مالك جائز قال ابن رشد في كتاب السداد والأنهار وفي كتاب كراء الدور والأرضين منه "العتبية" وليس قوله بصحيح على مذهب مالك. نظرية الجد الأقرب للمؤلف قلت: وكان يتقدم لنا عند شيخنا وسيدنا الجد الأقرب على ما جرى به عمل الأئمة اليوم من إقطاعها وبيعها أنه ليس فيه تعقب لمجرد استناده لاختيار اللخمي ومخالفة الجادة من أهل المذهب بل هو ماض اتفاقا لأن فعل الإمام ذلك ينزل منزلة الحكم به وحكم الحاكم يرفع الخلاف. ثم بعد أن تلقيت ذلك من لفظه اختيارا منه وجدته منصوصا كذلك في كتاب جامع الأحكام وأتيته به فلما قرأه قال: الحمد لله الذي صادف رأينا رأى العلماء وكان رضى الله عنه نظارا في الفقهيات مسدد النظر فيها. وقد حكى لي ذات يوم عن والده سيدنا الجد الأعلى رضهما أنه قال له إن لم تجد نصا في المسألة فابن على نظرك نفع الله ببركتهما وحشرنا في زمرتهما. تحصيل أصيل في حكم أرض الصلح والعنوة وقد حصل بعض الشيوخ في حكم أرض الصلح والعنوة تحصيلا مفيدا. فقال: الأرض على قسمين عنوية وصلحية. فالصلحية جزيتها على قسمين مجملة ومفصلة فالمجملة التي جعلت عليها الجزية وعلى الجماجم والمفصلة على كل إنسان جزية نفسه وخراج أرضه. وأما العنوية فلا تباع وإن مات لا يرثها ورثته إلا ما اكتسب بعد الفتح وإن أسلم لم

стр. 154

تكن له ويكون له ما اكتسب بعد الفتح والصلحية مجملة لا تباع ولا تورث إن مات ولا تقسم ولا يملكها إن أسلم وتكون لأهل جزيته. وأما المفضلة إن أسلم كان ذلك له وإن مات فهو لورثته الذين على دينه، وإن لم يكن له ورثة فذلك للمسلمين وفي بيعها قولان قيل يجوز بيعها وهو قول ابن القاس وأشهب في الكتاب وقيل لا يجوز وهو قول ابن نافع في الكتاب واختلف ابن القاسم وأشهب على من يكون خراجها بعد البيع فقال ابن القاسم على البائع وقال أشهب على المبتاع. قلت: وأما الأرض التي جلي عنها أهلها بغير قتال فهي للمسلمين يقطعها الإمام إقطاع تمليك إن ظهر له وجه للمصلحة في ذلك كذلك قال الداودي في كتاب الأموال قال فقد كان النبي صلعم والخلفاء بعده يقطعون الأراضي التي جلي عنها أهلها بغير قتال. وأما الأرض التي أسلم عليها أهلها بغير قتال ولا أخذ عنوة فهي لهم يبيعون ويتصرفون بما شاؤوا وليس لأئمة المسلمين عليهم نظر ولا تصرف. حكم أرض المغرب فالأرضون إذن أربع صلحية وعنوية والتي جلي عنها أهلها والتي أسلم عليها أهلها قلت ما حكم أرض المغرب التي نحن بها وتمس الحاجة لمعرفة حكمها الحكم أرض العنوة أو الصلح أو غيرهما قلت: ذكر الشيخ أبو الحسن الزرويلي في تقييده على المدونة في كتاب البيوع الفاسدة لما تكلم على قوله في الكتاب وما ظهر من المعادن في أرض المغرب التي أسلم عليها أهلها أو بأرض المغرب أنه اختلف في أرض المغرب. فقيل: إنها عنوية وقيل إنها صلحية وقيل إن فحوصها عنوية وجبالها صلحية لأن الجبال مظنة الامتناع وذكر الداودي في كتاب الأموال أنه ينظر إلى ما توالت عليه القرون من بيع الأرض وشرائها وتحديدها فتحمل تلك الأرض عليه. وحكي عن التادلي أنه قال إن أرض المغرب أسلم عليها أهلها واستقراه من هذا المحل من المدونة. وتوقف سحنون في أرض المغرب. قلت كان يتقدم لنا أن ما ذكره الداودي يتفق على تقييد الخلاف به فيرجع إلى وفاق لقيام شاهد الحوز ودليل الاستصحاب، وإنما يحسن الخلاف فيما أشكلت معرفة ما مضى عليه عمل أهله.

стр. 155

غير أن أرض مغربنا وخصوصا السهل منها استمرت القرون السالفة والأمم الغابرة على تصرف الأئمة منها لبيت المال وحده على استبدادهم بالخراج دون أن يكون لقبائل العمران فيها شبهة مالك يسندون إليها سوى التغلب وإظهار الفساد بحماية بعضهم لبعض بطريق التعصب جعل الله المسلمين عن أسباب ذلك فرجا ومن يتق الله يجعل له مخرجا. فقد كان بعض فضلاء الصحابة لما طلبوا أمير المؤمنين عمر في قسمة الأرض العنوة واشتدوا عليه في الطلب أتى من ذلك ودعا أن يكفيه الله إياهم فماتوا من عند آخرهم، وما ذلك إلا لحمايته بقاء الأرض لمصالح المسلمين وعدم سخائه بالسلوك بها سبيلا غير ذلك. وأقول ما تجد قوما قطعوا أراضيهم وبردوا خراجها عن جمعه لبيت المال إلا ضعفوا وبانت مقاتلهم وحماتهم وصاروا هدفا لسهام أهل الفساد وطاغية أولي البغي والعناد. ولنأت بما وقع في العتبية من حكاية عمر بن الخطاب رضه التي أشرنا إليه ونجتلب كلام الشيخ ابن رشد عليها إلى هنا لما حوى من الفوائد ولوامع الدرر الفرائد. قال في سماع ابن القاسم قال مالك وبلغني أن بلالا كلم عمر بن الخطاب في هذا المال بالشام في قسمه وكان من أشد الناس عليه كلاما فزعم من ذكر أن عمر دعا عليهم فقال اللهم اكفنيهم قال مالك فبلغني أن ما حال الحول وواحد منهم حي. قال ابن القاسم: وإنما كان بلال وأصحابه سألوا عمر أن يقسم الأرض التي أخذت عنوة بين الناس فأبى ذلك عليهم عمر قال ابن القاسم وبلغني عن مالك أنه قال: ليس من الشأن قسم الأرض التي أخذت عنوة بين الناس ولكن تترك بحالها وكل ما افتتح بعد عمر من العنوة فالشأن به أن يترك كما فعل عمر. قال سحنون وحدثني ابن القاسم عن ابن كنانة أنه كان يقول ذلك قال سحنون وأخبرني به ابن نافع عن مالك، قال ابن رشد رحه ثبت أن رسول الله صلعم خمس أرض خيبر وقسمها بين المرجفين عليها بالسواء وأن عمر بن الخطاب رضه أبقى سواد العراق ومصر وما ظهر عليه من الشام ليكون ذلك في أعطية المقاتلة وأرزاق المسلمين ومنافعهم وقيل إنه استطاب أنفس المفتتحين لها فمن شح وترك حقه منها أعطاه بقية الثمن فعلى هذا لا يخرج فعله عما فعله النبي صلعم في أرض خيبر.

стр. 156

وإلى هذا ذهب بعض أهل العراق وقال إن أقر فيها لعمارتها كانت ملكا بدليل ما روي أن عمر وضع الخراج على بياضها وسوادها إذا لو كانت للمسلمين لكان وضع الخراج على سوادها بيعا للثمن قبل أن يخلق. وقيل إنه أبقاها بغير شيء أعطي للموجفين عليها، وإنما تأول في ذلك قول الله تعالى: ﴿والذين جاؤوا من بعدهم﴾ الآية وإلى هذا ذهب مالك رحه، وجميع أصحابه خلافا للشافعي في قوله إنها تقسم كما فعل رسول الله صلعم في أرض خيبر. وقد اختلف على هذا في آية الفيء هذه وآية الغنيمة التي في سورة الأنفال فقيل إنهما محكمتان على سبيل التخيير في أرض العنوة بين أن تقسم على ما فعل رسول الله صلعم في أرض خيبر مبينا لآية الأنفال أنها على عمومها وبين أن تبقى كما أبقاها عمر بدليل آية الحشر وإلى هذا ذهب أبو عبيدة وهو قول أكثر الكوفيين إن الإمام مخير بين أن يقسمها كما فعل رسول الله صلعم في أرض خيبر وكما فعل عمر في سواد العراق. وقيل إن آية الحشر ناسخة لآية الأنفال لأن النبي صلعم بين فعله في أرض خيبر على عمومها في جميع الغنائم من الأرض وغيرها وإلى هذا ذهب إسماعيل القاضي. وقيل إن آية الحشر مخصصة لآية الأنفال ومفسرة لها ومبينة أن المراد بها ما عدا الأرض من الغنائم وأن رسول الله صلعم إنما قسم الأرض بخيبر لأن الله وعد بها أهل بيعة الرضوان فقال وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فجعل لكم هذه فهي مخصوصة بهذا الحكم دون سائر الأرضين المغنومة. وإذا أبقى الإمام أرض العنوة وأقر بها أهلها لعمارتها ضربت عليهم الجزية على ما فرض عمر وسوقوا في السواد ووضع عليهم الخراج في الأرض بقدر اجتهاد الإمام وهو وجه قول مالك في المدونة لا علم لي بجزية الأرض وأرى أن يجتهد الإمام في ذلك ومن حضره إن لم يجد علما يشفيه أي إن لم يثبت عنده مقدار ما وضع عمر ﵁ عليها من الخراج لأنه إنما توقف في مقدار ذلك وقيل إنه إنما توقف هل عليها خراج أو لا خراج عليها وتترك لهم يستعينون على أداء الجزية دون خراج وقيل إنما توقف فيما يوضع عليها من الخراج هل يسلك به مسلك الفيء. وهذا التأويل أبعد التأويلات عندي وذهب ابن لبابة إلى أن جزية الأرض توضع فيما أوقف الأرض له الإمام فقال إنما توقف مالك فيما يصنع بها إذا لم يدر لماذا أوقفها الإمام

стр. 157

ولا إن كانت افتتحت عنوة بقتال أو عنوة بغير قتال واختار هو إذا جهل ذلك أن يحمل على أنها افتتحت عنوة بقتال فيكون أربعة أخماس ذلك لورثة من افتتحه إن عرفوا وإلا كان سبيل ذلك سبيل الخمس هـ. والكلام في ذلك وفي تقاسيمه وتفاصيله أوسع مما نستطيع نقله إلى هنا وإنما ترامى بنا نسق القول لاجتناب ما قيل في حكم الأراضي على سبيل الاستطراد من جزية الصلح الموضوعة على الجماجم والأرض أو على أحدهما. الجزية العنوية وأما الجزية العنوية وهي التي توضع على المغلوبين على بلادهم المضررين فيها على عمارتها فإنها التي تمس مقصودنا بهذا الباب لكونها المضروبة على أهل الذمة والمستأمنين والمعاهدين ومن كان في معناهم من المعاهدين. فأول من فرض الجزية على أهل العنوة عمر حين فتح مصر إذ بعث عمرو بن العاص ثم أتبعه الزبير في اثني عشر ألفا فافتتحها عنوة وشاور عمر في قسم الأرض فكتب إليه أن أقسم ما سواها وتبقى الأرض وتأول قول الله تع: ﴿والذين جاؤوا من بعدهم﴾ فأبقى خراجها نفعا لمن يأتي من بعدهم وجعل عمر على علج منهم أربعة دنانير من خراج أرضهم. الجزية العنوية عند مالك فهي عن مالك رح تع على ما فرضها عمر رضه أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون درهما على أهل الورق أعني بالوزن الشرعي لا بوزن وقتنا ولا غيره مع ما فرض عليهم من أرزاق المسلمين وضياقة ثلاثة أيام والذي كان فرض عمر عليهم في أرزاق المسلمين على ما ذكر ابن أبي زيد في نوادره من كتاب ابن سحنون عن أبيه وكتاب ابن حبيب من الحنطة مدان على كل نفس في الشهر مع ثلاثة أقساط من زيت ممن كان من أهل الشام والجزيرة وأما أهل مصر فإردب من حنظة كل شهر.

стр. 158

قال ولا أدري كم من الودك والعسل وعليهم من الكسوة التي كان عمر يكسوها للناس قال ابن حبيب والخمسة عشر صاعا أكثر من قفيز قرطبة ومع ذلك على أهل كل أرض ضيافة ثلاثة أيام لمن مر بهم من المسلمين. قال وهي على قدر ما استيسر بالرجل منهم مما ينفق على نفسه وعياله على قدر وسعه وحاله ليس عليه ذبح الغنم أو الدجاج إن لم يستطع ذلك ولا يكلف إلا ما طاق عليه وتيسر له. ورأى مالك أن يوضع اليوم عنهم ما جعل عمر عليهم من الأرزاق والضيافة لما حدث عليهم من الجور وقاله النخعي وقال الثوري أوفوا لهم يوفوا لكم. في سماع عيسى قال ابن القاسم وبلغني عن مالك أنه قال تطرح الضيافة على أهل الذمة ضيافة الثلاثة الأيام إذا لم يوف لهم بشرط قال ابن رشد رحه قول مالك في طرح الضيافة عنهم هو ما فسر به عيسى بن دينار في تقسيم ابن مزيز قال يقول إذا تعدى عليهم الإمام وأخذ منهم أكثر من فرض عمر فلا يحل لأحد من المسلمين أن يستضيفهم ولا يأكل لهم شيئا وهو تفسير صحيح لأن عمر إنما أوجب عليهم من مر بهم من المسلمين ثلاثا على أن يؤدوا المقدار الذي فرضه عليهم فصار ذلك المقدار شرطا في وجوب الضيافة عليهم لمن مر بهم فإذا لم يوف لهم بالشرط وأخذ منهم أكثر من ذلك سقطت عنهم الضيافة فلا يحل لأحد أن يستضيفهم. فتوة الجد الأقرب للمؤلف في يهود البلاد التواتية قلت مفهومه أن الضيافة والأرزاق لازمتان لهم إن وقعت التوفية لهم. وكذا ذكر الشيخ ابن عبد السلام في شرحه ومثله فيه "كتاب جامع الأحكام" وهو مقتضي قول الثوري لهم حتى قاربوا الخروج عن إذلال الذميين بأنهم يعطون الأرزاق والضيافة الزائدتين عن الجزية ولمانعيهم من الظلم هنالك مؤاخذة عظيمة يوم الحشر والجزاء بمنعهم من أداء الحق الواجب عليهم لكافة الخلق فقد خالفوا أمر الله فيهم من أداء الجزية وهم صاغرون وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. ومثله ما عهدناه في مقرنا موطأة للعمال لبعض يهود الكبوس على اعتزازهم بأن لا يؤدوا الجزية استقباحا عندهم لمساواتهم الذين يؤدونها واستكبارا ومخادعة لخروج من دائرة من

стр. 159

رسم الله فيهم أداءها مذلة وصغارا وما سومحوا في ذلك إلا لخدمتهم العامل استخفاء من الإمام. وهذا والعياذ بالله شكل مروق من الدين ورضى بمساواة أهل الذمة لأهل الإسلام وخرقًا لحجاب هيبة الله على أهل الدين بإظهار عزمهم على من سواهم من الكافرين ففي بعض الآثار سموهم ولا تكنوهم وأذلوهم ولا تظلموهم وعنه صلعم لا تبدؤوهم بالسلام وإذا لقيتموهم في طريق فألجؤوهم إلى أضيقها. وسمعت من شيخنا ذات يوم في مجلسه ولم أحفظه إلا من لفظه نقلا عن أبي حنيفة أنه يرى من تأدية حق الصغار في قوله سبحانه وهم صاغرون أن الذمي إذا أخذت منه الجزية يصحب تناولها منه جزة في رقبته فالحق الذي لا تسوغ مخالفته أداء جميعهم الجزية كما قال ربنا عن يد وهم صاغرون. ولا يفترق في ذلك الكبوسي من غير الكبوسي ولا التاجر الرفيع القدر عندهم من الدني قال ابن رشد رحه ولا اختلاف أعلمه في أنه لا يزاد عيهم فيما فرضه عمر وإن أيسروا ولا ينقصون منه ما كان فيهم محتمل لحمل المفروض عليهم في الأرزاق مع الذهب والورق ولم يكن عليهم إلا الذهب والورق. واختلف إن ضعفوا عن حمل الأربعة دنانير أو الأربعين درهما فقيل إنه يسقط عنهم الجميع وهو الظاهر من مذهب ابن القاسم وقيل إنهم يلزمون في ذلك بقدر احتمالهم ولا حد في ذلك قاله القاضي أبو الحسن. وقيل إن حد أقل الجزية دينار أو عشرة دراهم. قلت هذا في الفقير لا من حكمه التخفيف وهو من دون الملي وهو القادر على أداء بعض الأربعة دون البعض فمن كان بصفة الفقر والإملاق ففيه قولان حكاهما ابن الحاجب في قوله: وفي أخذها من الفقير قولان كما حكى في التخفيف قولين مثل نقل ابن رشد السابق ولا يطلب بالجزية التي أسقطها الفقر عنه بعض غناه بخلاف من فر بها سنين وهو قادر على أدائها فإنها تؤخذ منه لما مضى وشروط أدائها خمسة العقل والحرية والذكورة والبلوغ والمخالطة. أما الجنون فلسقوط التكليف بوجوده وأما الحرية فقال ابن رشد لأن العبد مال من الأموال واختلف فيه إذا عتق على ثلاثة أقوال: أحدها أن عليه الجزية لأنه حر له

стр. 160

ذمة المسلمين فوجبت عليه الجزية. والثاني أنه لا جزية عليه لأنه كان مؤمنا محقون الدم والجزية إنما هي ثمن لحقن الدم. والثالث الفرق بين أن يعتقه مسلم أو كافر وهذا قول ابن القاسم وروايته عن مالك وهذا الاختلاف إنماهو إذا عتق في بلد الإسلام وأما إن عتق في دار الحرب فعليه الجزية على كل حال. قال ابن عبد السالم في قول ابن الحاجب ولا عبد ظاهر كلامه جواز بقاء العبيد منهم بين المسلمين وهو الأصل. وكان عمر رضه نهى أن يخلف في بلاد المسلمين شيء من أعلاجهم وأمر بإخراجهم من المدينة وإنما ترك أبو لؤلؤة قاتل عمر رضه ولعن قاتله لأن جماعة من أصحابه كلموه فيه لاحتياج الناس إلى صنعته قال مالك في المدونة ويقتل من الأسرى من لا يؤمن ألاترى ما كان من أبى لؤلؤة. وأما الذكورة والبلوغ فقال ابن رشد رحه لأن الجزية ثمن لتأمينهم وحقن دمائهم والصبي والمرأة لا يقتلان. وأما المخالطة فلأن من لم يخالط من الكفار كالحبر والراهب محقون الدم مثل الصبي والمرأة بالإصالة فلماذا تضرب عليه الجزية. قال ابن عبد السلام وهذا فيمن صادفه ضرب على حال الرهبانية. وأما من ترهب بعد ذلك فقال مطرف وابن الماجشون يستصحب في حقه وجوب الجزية ولا تسقط عنه بفعل يقع منه اختيارا وقال غيره بل تسقط لأن الحكم في الأصل دار مع الرهبانية وجودا وعدما. حكم رهبان الكنائس قلت زاد في النوادر بعد نقل كلام مطرف وابن الماجشون عنهما ناقلين عن مالك وأما رهبان الكنائس فلا ينهى عن قتلهم ولا توضع عنهم الجزية وهم الشمامسة وهم الذين قال فيهم الصديق وستجد قوما فحصوا عن أوساط رؤوسهم فاضربوا ما فحصوا عنه بالسيف. وفروع هذا التنبيه أوسع من أن يسعها هذا التأليف برمته بل وأكثر منه ولكنا نقتصر على ما كلت عنده الكتابة أسأله سبحانه ألا يردها عند البسط بالدعاء بمغفرته ورحمته خائبة.

стр. 161

اغتصاب الحرة المسلمة ومما يعد من فعلهم نقضا للعهد فيقتل فاعله إلا أن يسلم فيسقط عنه القتل اغتصاب الحرة المسلمة في نفسها. قال في النوادر من كتاب ابن حبيب روي عن عمر في ذمي اغتصب مسلمة إنه يقتل وهو كنقض العهد. قلت بخلاف لو طاوعته في الزنى بها فعند أهل المذهب لا يكون ذلك نقضا ما عدا أشهب فإنه قال إذا لم يوف لهم بالعهد فليس بنقض وإن وفي لهم بالعهد كان نقضا. وقال ربيعة بل هو نقض مطلقا غير أنه لا يثبت عليه ذلك إلا بالطريق الذي يثبت به على المسلم من شهادة أربعة على شرطها قال في سماع سحنون وسئل ابن القاسم عن النصراني يغتصب الحرة المسلمة فيطأها فيجب عليه بذلك القتل أيجزي في ذلك شهادة رجلين فقال ابن القاسم لا يقتل حتى يشهد عليه بذلك الفعل أربعة شهود أنهم رأواه كالمرود في المكحلة مثل الزنى سواء لأنه لا يستوجب القتل إلا بالوطء والوطء لا يثبت إلا بأربعة شهود. قال سحنون وقد كان ابن القاسم يقول يجزي في ذلك شهادة رجلين ثم رجع إلى هذا قال ابن رشد رحه وجه ما كان ابن القاسم يقوله من أنه يجزي في ذلك شهادة رجلين هو أنه كان يرى اغتصابه إياها وغيبته عليه نقضا لعهده يوجب عليه نقضا لما جاء من أن امرأة مرت تسير على بغل فنخس بها علج فوقعت من أعلى البغل فبدا بعض عورتها فكتب بذلك أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب رضه فكتب إليه عمر رضه أن أصلب العلج في ذلك المكان فإنا لم نعاهدهم على هذا وإنما عاهدناهم على أن يعطونا الجزية عن يد وهم صاغرون. ووجه القول الذي رجع إليه أنه لا يراه نقضا لعهده بغصبه إياها حتى يطأها على ما روي من أن عمر بن الخطاب رضه قال إذا اغتصب النصراني المسلمة نفسها فليقتل إن ذلك ليس مما صولح عليه فإنما يقتل إذا اغتصبها فوطئها لنقض العهد لا على حد الزنى ولا يلحق به الولد وهو على دينه فإن أسلم هدر عنه القتل وإن رأى أن ذلك كان خوفا من القتل إذا ثبتت صحة إسلامه وعليه صداق مثلها أسلم أو لم يسلم لأنه حق للمرأة قال ذلك ابن حبيب وحكاة عن أصبغ فلا خلاف إذا غصبها نفسها فوطئها أن ذلك نقض لعهده.

стр. 162

حكم الذمي إذا زنى بالمسلمة طائعة واختلف إذا زنى بها وهي طائعة فقال ربيعة هو نقض لعهده وقال في سماع عبد الملك بعد هذا إنه يضرب ضربا يموت منه وقال أشهب إنه يضرب الضرب الموجع لما لم يوف لهم بالعهد ولو وفى لهم بالعهد كان هذا منهم نقضا للعهد. وقال محمد بن عبد الحكم لا يكون نقضا للعهد وإن وفى لهم بالعهد وإذا كان على الطوع وأما جرح النصراني المسلم وقذفه إياه فلم يروه نقضا وللعهد فإن قلت هذا الحكم فيما إذا أتاها الكافر بمحض السفاح فلو أتاها بملك أو نكاح هل يكون الحكم واحدا أو لذلك حكم يخصه. قلت أما إن أتاها بملك فلا يكون نقضا وكذلك إن أتاها بنكاح عالمة بكفره. قال في المدونة ولا يطأ الكافر مسلمة بنكاح أو ملك ويتقدم في ذلك إلى أهل الذمة ويعاقب فاعله بعد التقدم ولا يحد ومن عذر بجهل فلا يعاقب هـ. وأما إن كانت غير عالمة بكفره وغرها بإسلامه فقال ابن نافع في كتاب المدنيين إن غرها بإسلامه كان نقضا وضربت عنقه. حكم إصابة النصراني المسلمة ولقد أحسن اللخمي في تبصرته جمع هذه المسائل فقال: إصابة النصراني المسلمة لا تخلو من سبعة أجه: إما أن تكون حرة أصابها على وجه الغصب أو زنى بها بطوعها أو تزوجها وهي عالمة أنه نصراني أو غرها وزعم أنه مسلم أو كانت أمة فوطأها بملك أو زنى أو اغتصاب. فإن كانت حرة فاغتصبها كان ناقضا للعهد واختلف إن طاوعته فقال مالك ليس بنقض وقال ربيعة ذلك نقض. وإن أصابها بنكاح وهي عالمة أنه نصراني لم يكن نقضا للعهد وقال ابن نافع في كتاب المدنيين إن غرها وزعم أنه مسلم كان نقضا وضربت عنقه. وإن كانت أمة ووطأها بملك اليمين أو بزنى طائعة لم يكن نقضا واختلف إذا اغتصبها

стр. 163

فقال محمد لا يقتل وفيه اختلاف قلت: نقل ابن رشد عن ابن عبد الحكم خلاف ما نقل اللخمي عن محمد. قال في سماع يحيى وسئل عن النصراني يغتصب الأمة المسلمة قال إذا أشهدوا على ذلك أربعة شهود وجب عليه القتل قال ابن رشد رحه هذا كما قال وهو قول الليث ومحمد بن عبد الحكم لأن لها حرمة الإسلام وإن كانت أمة ويكون في ماله ما نقض من ثمنها بكرا كانت أو ثيبا روى ذلك ابن وهب عن مالك رضه في أصل سماعه. فإن كانوا عهدوا أنه إن أتى شيئا من ذلك فلا عهد له كان كل ذلك نقضا وإن كان العهد أن يعاقب ويبقى في عهده فهو على ما عوهد عليه وإن كان على أن لا عهد له إن اغتصب فإن طاوعته فهو عهده كان على ما عوهد عليه ولا حد على الأمة ولا عقوبة إن وطئت بالملك لأنها مكرهة بالرق إلا أن تكون قادرة على الامتناع وتحد الحرة إن طاوعت بالزنى ولا تحد إذا تزوجته ولم تعلم بكفره أو علمت وجهلت تحريم ذلك ويختلف إذا لم تجهل هل تحد لأنه محرم بالقرآن. حكم من تطلع على عورات المسلمين وتمرد على أحكامهم من أهل الذمة ومن ذلك تطلعهم على عورات المسلمين وتمردهم على أحكامهم يقتلون به لأنه مصادم لما عوهدوا عليه ففي النوادر من كتاب ابن سحنون عن أبيه وإذا وجدنا بأرض الإسلام عينا لأهل الشرك وهو حربي دخل بغير أمان أو كان ذميا أو مسلما يتطلع عورات المسلمين ويكاتبهم بها. قال أما الحربي فللإمام قتله وله استحياؤه كمحارب ظفرنا به وللإمام أخذ ماله ولا خمس فيه وهو فيء فإن أسلم قبل أن يقتل فإنه لا يقتل ويبقى رقيقا كأسير أسلم. وأما المسلم فإنه يقتل ولا يستتاب وماله لورثته وهو كالمحارب والساعي في الأرض فسادا وأما إن كان ذميا قتل ليكون نكالا لغيره. وأام ما كان نقضا للعهد من أقوالهم فكوقوعهم في جانب الرسول ﵇ بالتنقيص أو في دين الإسلام بالمعائب والتخسيس فلا ينجي قائل ذلك منهم إن ثبت عليه من القتل إلا الإسلام أما قتله بذلك فلقوله سبحانه: ﴿وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم﴾ الآية وما نجاته بالإسلام فلقوله سبحانه: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم

стр. 164

ما قد سلف﴾ فمن ذلك ما وقع في رواية عيسى عن ابن القاسم في كتابي أو مجوسي قال في النبي عليه السلا إنه ليس بنبي أو إنه لم يرسل أو إنه لم ينزل عليه قرآن وإنما هو شيء تقوله ونحو هذا فهذا يقتل. قال فلو قال إنه لم يرسل إلنيا وإنما أرسل إليكم وإنما نبينا موسى أو عيسى أرسل إلينا ونحو هذا فلا شيء عليهم لأن الله أمرهم على مثل ذلك على أخذ الجزية قلت ولم يذكر تأديبه في هذا القول والظاهر أنه يؤدب عليه الأدب الوجيع إذا أعلنه ولم يستمر به وإن كان من دينه الذي يؤدي عليه الجزية لأن ما كان في دينهم إباحته مما هو محرم عندنا كالخمر والزنى فإنهم إن أعلنوه أدبوا عليه ولا أشد في الحرمة من إنكار بعثة النبي صلعم لهم وقد بعثه للأحمر والأسود فقال جل من قائل: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس﴾. ومن ذلك ما وقع في سماع عيسى قال وسئل عن رجل من النصارى يقول للمسلمين دنينا خير من دينكم وإنما دينكم دين الحمر أو نحو هذا من القول القبيح ومثل قول النصارى للمؤذنين حين قولهم أشهد أن محمدا رسول الله كذلك يعطيكم الله وإذا شتموا النبي ﵇ ماذا يجب عليهم في ذلك كله وكيف لو أن رجلا من المسلمين سمع بعض النصارى أو اليهود يشتمون النبي ﵇ بشتم يجب عليهم فيه القتل فغاظ ذلك المسلم فقتله ماذا عليه في ذلك. قال ابن القاسم أما إذا قال ديننا خير من دينكم وما قال للمؤذنين فأرى أن يعاقبوا عقوبة موجعة ولا يقصر فيها مع السجن الطويل وأما شتمه النبي ﵇ إذا شتمه شتما يعرف قال: قال مالك أرى أن تضرب عنقه قال ذلك لي غير مرة إلا أن يسلم ولم يقل لي يستتاب إلا أن محمل قوله عندي إن أسلم طائعا من غير تقية فإن الله تع يقول: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾. قال ابن القاسم ولقد سألنا مالكا عن نصراني كان بمصر فشهد عليه أنه قال مسكين محمد يخبركم أنه في الجنة هو الآن في الجنة ماله لم ينفع نفسه إذا كانت الكلاب تأكل ساقيه لو كانوا قتلوه استراح الناس منه. فسألناه عن ذلك وكتب إلينا به من مصر ونحن بالمدينة. فلما قرأته عليه صمت وقال حتى أنظر فيها فلما كان بعد ذلك المجلس قال لنا أين كتاب الرجل فقلنا له هو في المنزل ونحن نحفظ المسألة فقال لقد

стр. 165

كنت حين قرأتم علي المسألة هممت ألا أتكلم فيه بشيء ثم تفكرت في ذلك فإذا أنا لا يسعني الصمت عنه اكتبوا إليهم يضربوا عنقه. قال ابن القاسم قال مالك وإذا شتم المسلم النبي صلعم ضربت عنقه ولم يستتب قال وقال عيسى في الذي اغتاظ فقتل النصراني الذي شتم النبي أنه إن كان شتما يجب فيه القتل وثبت ذلك ببينة فلا شيء عليه وإن لم يثبت ذلك وشتم شتما لا يجب به عليه القتل فأرى عليه ديته ويضرب مائة ويسجن عاما. قال ابن رشد رحه هذا كله بين لا إشكال فيه إذ لا اختلاف في أن من سب النبي ﵇ أو عابه أو تنقصه بشيء من الأشياء يقتل ولا يستتاب مسلما كان أو ذميا إلا أن الذمي يسلم من قبل أن يقتل من غير أن يستتاب فلا يقتل لقول الله : ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾. وقد روى ابن وهب عن مالك أنه قال: من قال إن زر النبي صلعم وسخ أراد به عيبه قتل. وروي عنه فيمن غير رجلا بالفقر فقال تعيرني بالفقر وقد رعى النبي صلعم الغنم إنه يؤدب لأنه عرض بذكر النبي صلعم في غير موضعه وروي أن عمر بن عبد العزيز قال لرجل انظر لنا كاتبا يكون أبوه عربيا فقال كاتب له قد كان أبو النبي كافرا فقال له جعلت هذا مثلا فعزله وقال لا تكتب له أبدا. وهذا لأن الله أمر بتعزيزه وتوقيره فمن ضرب به المثل في مثل هذا فقد خالف حد الله فيما أمر به من تعزيزه فوجب عليه في ذلك الأدب. وكذلك حكم سائر الأنبياء فيمن شتم أحدا منهم أو تنقصه لقول الله : ﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾ وكذلك من شتم ملكا من الملائكة. وحكم ميراث من قتل من المسلمين على سب النبي صلعم أو أحد من النبيين أو الملائكة حكم ميراث الزنديق يكون لورثته على قول مالك في رواية ابن القاسم عنه. ومذهب ابن القاسم لجماعة المسلمين على قوله في رواية ابن نافع عنه وهو اختيار ابن عبد الحكم وكذلك من شتم الله من المعاهدين بغير ما تدين به وتؤخذ منه الجزية على أن يقر عليه فإنه يقتل ولا يستتاب لكنه إن أسلم قبل أن يقتل لم يقتل لقول الله : ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾.

стр. 166

من المناكر ما يعلنه أهل الذمة القسم الثاني وهو إن أعلنوه لم يكن نقضا للعهد ووجب تأديبهم عليه وردعهم عن الوقوع فيه فمن ذلك إعلانهم بما يزعمون حليه عندهم مما هو محرم عندنا كالزنى وشرب الخمر قال في كتاب الرجم من المدونة وإن أعلنوا الزنى وشرب الخمر فلينكلوا فأما إن وجدوا على ذلك ولم يعلنوه فلا. وقال في النوادر عن كتاب ابن حبب ويمنع أهل الذمة الذين يسكنون مع المسلمين من إظهار الخمر وحملها إليهم من قرية إلى قرية وتكسر إن ظهرنا عليها وإن قالوا لا نبيعها من مسلم وكذلك لا تدخل الخنازير إليهم من قرية إلى قرية وتكسر ويضرب من فعل ذلك منهم ومن أخذ سكرانا أدب. وكذلك لا تظهر صلبهم في أعيادهم واستسقائهم وتكسر إن فعلوا ويؤدبوا وقال مثله مطرف وأصبغ وغيره وكتب به عمر وفي سماع ابن القاسم قال سحنون وحدثنا ابن القاسم قال حدثنا مالك أن أبا أيوب الأنصاري رضه نزل منزلا من قرى الشام وكان فيه مواليه وكان ينهى عن الخمر فمرت به قطار تحمل خمرا فقام إليها برمحه فبعج تلك الزقاق التي فيها الخمر فذهب ما فيها فقال صاحب تلك الأرض يا أبا أيوب إن هذا يكسر خراجها فقال أبو أيوب لن أسكنها وخرج منها. قال ابن رشد رحه كانت القطار التي مرت بأبي أيوب لأهل ذمة تلك القرية والله أعلم. وإنما بعجها لإظهارهم الخمر في قرية يسكنها المسلمون معهم. وهذا هو الواجب ألا يباح لهم أن يحملوها من قرية من قراهم إلى قرية من قراهم إلا بعد أن يسلكوا بها على شيء من حواضر الإسلام وقراهم وما ظهر إلى الإمام من خمرهم فعليه أن يهريقها ويضرب حاملها كان منهم أو من غيرهم وإن خرج منهم رجل سكران في جماعة المسلمين كان عليه أن يضربه على ذلك. وكذلك يمنعون من إظهار صلبهم في أعيادهم وفي استسقائهم في جماعة المسلمين فإن فعلوا كسرها وضربهم قاله ابن حبيب وغيره وقول صاحب الأرض لأبي أيوب إن هذا يكسر خراجها يقول إذا فعل هذا بأهل ذمة القرية ضعفوا عن أداء ما يلزمهم من الخراج فأحفظه

стр. 167

قوله غضبا لله وحلف ألا يسكنها تنزها عن سكنى موضع يظهر فيه الخمر وتورعا عن ذلك رحمة الله عليه ورضوانه. وأما بيعهم إياها فلا يسمح لهم فيه ولو فيما بينهم إلا في قرى تخصهم وفي سماع أصبغ قال أصبغ سمعته يقول ألا يترك النصارى يبيعون الخمر بالجزيرة لأنها من الفسطاط. قلت ولا القنطرة قال ولا القنطرة قلت فيتركون في قراهم يبيعونها قال نعم قلت وإن كان فيها مسلمون قال نعم ومتى علم أنه يبعها منهم منع. أصبغ إنما هذا في غير المدن من القرى التي هي مساكنهم وهم غابون عليها وليس فيها من المسلمين إلا القليل فلا يعرض لهم. ابن رشد قول أصبغ تفسير لقول ابن القاسم وما بعد من قراهم من الفسطاط بنحو الميل من دن الفرسخ فلا يمنعون من أدخالها وبيعها وشراء بعضهم لبعض وشربها إن كان بقرب منهم أو بين أظهرهم مسلمون وهو قول أصبغ. وقال أيضًا لا يباح لهم ذلك إلا ألا يسكن معهم أحد من المسلمين قلت قوله فلا يمنعون من إدخالها إن لم يتأول على تسترهم بها أو على أنهم لا يمرون بها على مساكن المسلمين وإلا كان خلافا لما مضى نقله قريبا عن النوادر وسماع ابن القاسم وفعل أبي أيوب رضه ونفع به. وروي عن يحيى بن يحيى أنه قال أرى أن يحرق بيت الخمار قال وقد أخبرني بعض أصحابنا أن مالكًا كان يستحب أن يحرق بيت المسلم الذي يبيع الخمر قيل له فالنصراني يبيع الخمر من المسلمين قال إذا تقدم إليه فلم ينته فأرى أن يحرق عليه بيته بالنار قلت قد تقدم ذلك وأنه من العقوبة بالمال وما فيه من التأويل قد سلف تقريره بما فيه من الكفاية. وفي المدونة ولو باع منه الذمي خمرا وهو يعلم أنه مسلم أدب الذمي على ذلك ويتصدق بالثمن على المساكين أدبا للذمي وتكسر الخمر في يد المسلم. قال الشيخ أبو الحسن الزرويلي قوله أدب الذمي يعني بالضرب والسجن ولو لم يعلم لم يؤدب وانظر من باع حرا وهو عالم به والمشتري كذلك قالوا يؤخذ الثمن على كل حال من البائع واختلف هل يتصدق به أو يرد إلى المشتري وانظر من اشترى من غاصب يعلم بغصبه فقيل لا يرد عليه الثمن كالواهب للثمن وقيل يرد عليه لأنه لم يقصد الهبة ولا دخل عليها. وفي الحاوي لا تجوز معاملة النصارى البائعين للخمر من المسلمين قيل أو ليس بيع الخمر جائزا عندهم قال بين بعضهم لبعض وبيعه للمسلمين لم يوجد في كتاب ولا سنة وهو نقض

стр. 168

للعهد إذ لم نعاهدهم على بيع الخمر من المسلمين قلت قوله هو نقض للعهد إنما يتمشى على قول ربيعة الذي يقول إن زنى الذمي بالمسلمة الحرة طائعة فهو نقض للعهد وأما على قول مالك الذي لا يرى فيه إلا الأدب فلا. خبر استرقاق أهل فاس قديما بعض أهل الذمة وبيعهم إياهم في أسواق المزايدة ولعل هذا الذي وقع في الحاوي من أن بيعهم الخمر للمسلمين نقض للعهد هو الذي استند إليه أهل فاس فيما كنا سمعنا عنهم في القريب من السنين الماضية أنهم استرقوا بعض أهل الذمة وأدخلوهم أسواق المزايدة وعقدوا فيهم البيع والله أعلم على أي سبيل كان ذلك إلا أني لما عثرت على هذا النص خلته مساعدا لهم في التأويل الذي ملكوهم به إلا أن الأخذ به ضعيف لإقامته من قول ضعيف لكن قد تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور كما قال عمر بن عبد العزيز رضه تع. من المناكر تظاهر أهل الذمة بمشاكلة المسلمين في زي الملبس والمركوب ومن ذلك تظاهرهم بمشاكلة المسلمين في زي الملبس والمركوب كتركهم الزنار أو غيره من علامة في اللباس الذي يميزهم عن المسلمين أو ركوب الخيل المسرجة ونحو ذلك مما يؤدبون على فعله وينكلون على صنيعه ففي سماع ابن القاسم وسئل مالك عن الحزم للأنباط أترى أن يلزموا ذلك قال: إني لأحب لهم الذلة والصغار وقد كانوا يلزمون ذلك فيما مضى قيل له أفيكنون قال إني لأكره أن يرفع بهم وقد كان قبل ذلك يرخص فيه قال ابن القاسم وأنا أرجو أن يكون خفيفا. وحدثني مالك عن هشام بن حكم بن حزام مثل ما حدثني به أولا قال كان عمر بن الخطاب رضه إذا سئل الأمر الذي لا ينبغي يقول: أما ما بقيت أنا وهشام فلا يكون ذلك. وقال هشام لبعض أمراء الشام وأرى نبطا قد أقيموا في الشمس بخراجهم فقال لهم أشهد سمعت رسول الله صلعم يقول إن الله ليعذب في الآخرة الذين يعذبون الناس في الدنيا. وكان هشام قد تبتل وترك نكاح النساء وكان في حاله شبيها بالسياحة لا أهل له ولا مال. قال ابن رشد رحه ما رأى مالك رحه من أن يلزم الأنباط الحزم صحيح لوجهين: أحدهما ما ذكره من استحباب الذلة والصغار لهم لقول الله : ﴿قاتل الذين لا يؤمنون بالله ولا

стр. 169

باليوم الآخر﴾ إلى قوله: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ والثاني أن يعرفوا بذلك من المسلمين حتى لا يبدؤوا بالسلام لنهي النبي صلعم عن ذلك على ما جاء عنه ﵇ قال: إنا راكبون غدًا إلى يهود إن شاء الله فلا تبدؤوهم بالسلام وإذا سلموا عليكم فقولوا وعليكم وروي عن النبي صلعم أنه قال لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقها. وقال إبراهيم النخعي لا بأس إذا كانت لك حاجة إلى النصراني الكحال فأتيته أن تبدأه بالسلام قال عبد الملك فهو رخصة عند الاضطرار. وكذلك ينبغي في سائر أهل الذمة من اليهود والنصارى أن يلزم النصارى منهم واليهود علامة يعرفون بها إذلالًا لهم وحرزا للمسلمين أن يظنوهم من المسلمين فيبدؤوهم بالسلام. وروي أن عمر بن الخطاب رضه كتب إلى أمراء الأجناد يأمرهم أن يختموا في رقاب أهل الجزية بالرصاص ويظهروا مناطقهم ويحزوا نواصيهم ويركبوا على الآكاف عرضا ولا يدعونهم يتشبهوا بالمسلمين في لباسهم وكراهية تكنيهم صحيح أيضا لأن تكنيهم إكرام لهم وترفيع بهم وذلك خلاف ما يستحب من إذلالهم وصغارهم لمحادة الله ورسوله قال الله : ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾. وترخيصه قبل ذلك في ذلك قريب من كراهيته لذلك لأن الترخيص إنما يكون في المكروه لا في المباح وكذلك قول ابن القاسم وأنا أرجو أن يكون خفيفا. هو نحو قول مالك من أجل أن المكروه لا إثم في فعله ويزجر تاركه على تركه ولا حجة لأحد في إباحة ذلك دون كراهة لقول النبي ﵇ لصفوان بن أمية: أنزل أبا وهب لأنه إنما قال له ذلك استيلافًا له رجاء إسلامه وإسلام من وراءه بإسلامه. وإنما كون تكنية الكافر مباحة إذا لم يقصد بذلك ترفيعه وكانت كنيته كالاسم الذي يعرف به وقد قال الله تع في كتابه: ﴿تبت يد أبي لهب﴾ فذكره بكنيته ولم يكن ذلك ثناء من الله تعالى عليه بذلك ولا ترفيعا له بل مقته بذلك وواعده بما أوعد به. فإن قلت ما ذكر من أنه ينبغي أن يلزموا علامة يعرفون بها إذلالا لهم وتمييزا عن

стр. 170

المسلمين وأن عمر أمر أن تختم رقابهم بالرصاص هل عليهم حرج إن خالفوا في ذلك ولم يجعلوا من لباسهم ما يميزهم وهل ذلك مخصوص بذكورهم دون إناثهم أو هو شامل للإناث مع الذكور وهل في قوله إنهم لا يركبون على الآكاف إلا عرضا إباحة ذلك لهم في كل مركوب من الدواب أو مخصوص ببعض دون بعض. قلت أما إذا تركوا سمة تميزهم عن المسلمين وأبقوا أنفسهم على الاختلاط معهم والتشبه بزيهم فإنهم يؤدبون على ذلك الأدب الموجع قاله في الجواهر وفي أحكام السوق في يهودي تشبه بزي المسلمين وأسقط حليته التي يعرف بها وهو يحمل ما يعصى به المسكر فليعاقب بالضرب والحبس ويطاف به في مواضع اليهود والنصارى ردعا لأمثاله وتحذيرا لهم بسبب ما حل به. وكتب ابن طالب على بعض قضاته أن يلزم اليهود والنصارى أن تكون زنانيرهم عريضة في وجه الثوب ليعرف بها فمن ركب النهي بعده ضرب عشرين سوطا مجردا ثم صير للحبس فإن عاد ضرب ضربا موجعا وبولغ وأطيل حبسه وبه قال يحيى بن عمر وأما كون نسائهم يلزمن شكلا يظهر معه تمييزهن عن المسلمات فليس للمتقدمين فيه نص. وذكر في كتاب جامع الأحكام لزوم ذلك لهن أخذا مما وقع في العتبية عن عمر رضه أنه كان يضرب الإماء ويلزمهن كشف رؤوسهن لتمييزهن فإذا كان الأمر بالتأديب للإماء مع إسلامهن على عدم تمييزهن من الحرائر فكيف بالكوافر على المسلمات. وسئل الإمام المازري عن تغيير حال اليهود بما يظهرون به عن المسلمين وهل يلزمهم القاضي بصيغ أطرافهم ولو لم يفعله القاضي هل لمن قام به من المسلمين ممن هو ظاهر حاله التستر والتصدق القيام بذلك فأجاب بل كون اليهود يكلفون تغيير أطرافهم واتخاذ علم يتميزون به فهذا مما فعل قديما وحديثا وفعل قديما في الأمصار الكبار وفيه تفصيل يطيل القول فيه هـ. قال الشيخ البرزلي رحه فظاهر هذا أنه عام في الذكور والإناث والصواب إن كانت تكثر مخالطتهن لنساء المسلمين ويكثر خروجهن أن يلزمن ذلك وإلا فلا والعادة عندنا بتونس أن نساء النصارى يستترن كالمسلمات غالبا من غير علامة ومنهن من يلتزم زي النصارى. واليهوديات لهن علامة المشي بالقرق أو حافية. وعلامة الذكور من اليهود الشكلة الصفراء فوق الإحرام لا تحته لأنه قد يشكل إذا أعطا بظهره وأما النصارى فلهم زي على رؤوسهم يلزمونه وقد كان بعضهم تزي على رأسه بزي المسلمين فألزمهم السلطان زواله ويتزي بزيهم وزي النبط في البلاد المشرقية لبس العمائم السود الزرق والسامرية لبس العمائم الحمر.

стр. 171

وقوله في الأمصار الكبار معناه حيث يكثر اللبس وأما الصغار حيث تكون القرية لهم فظاهر كلامه أنه لا يحتاج إليه كما هو في قرية صغيرة من قرى طرابلس يقال لها صرمان فإن أكثر ما فيها اليهود وإنما زيهم زي قبائل ذلك القطر والصواب لابد من تمييزهم مطلقا إذ لابد من مخالطتهم المسلمين لأنهم بين أظهرههم. قلت وزي اليهود عندنا من كان أصله وأصل سلفه من البلد نفسه فالشكلة الصفراء فوق الأحرام كما ذكر في إفريقية وزي النساء منهم الالتحاف في الكساء الفيلالي دون نقاب من كتان ولا غيره وإنما يسترن وجوههن بطرف من الكساء نفسه بأيديهن. ومن كان أصله أو أصل سلفه من أرض النصارى فكبوس من ملف له ذوابة من وراء القفا وزنار من ملف أيضا في الغالب. وأما ركوب اليهود على الآكاف عرضا حسبما رسم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضه فمخصوص بركوب الحمير والإبل ويمتنع ركوبهم الخيل والبغال بآكاف وغيره قاله في الجواهر. قلت وما يفعلونه في الأسفار من ركوب الخيل بالسروج الثمينة وفاخر اللباس والتحلي بحلية المسلمين في لباس التماق والمهاميز والتعمم بعمائم العرب فحظور شنيع ومنكر فظيع يتقدم في إزالته بما أمكن وربما يجعلون لذلك محللا زعمهم أنهم يخافون على أنفسهم وأموالهم إن ظهر عليهم زيهم الذين يعرفون به وهم في ذلك كاذبون بما شاهدنا من حصول الأمن القوي لهم عند العرب والحظوة الكبيرة أعاذنا الله من ضعف اليقين وسهولة الدين لما يرجون منهم من حصول النفع أكثر مما يحصل من المسلمين فيرضى العربي أن يسلب ماله ويستأصل ولده وأهله في نجاة اليهودي الذي يحمل معه في سفره فلم يبق إلا أنهم لما وجدوا السعة عند من لا ينكر عليهم من حفاة العرب وطغاتهم تزيوا بأفخر زي المسلمين تلذذا به وتعنتا على ما مضى من وقت إذلالهم في الحواضر أخمد الله ظهورهم وأعز كلمة الإسلام بذلهم وصغارهم.

стр. 172

من المناكر بناء أهل الذمة الكنائس في بلاد المسلمين ومن ذلك بناؤهم الكنائس والبيع في بلاد المسلمين قال في المدونة ليس لأهل الذمة أن يحدثوا ببلد الإسلام كنائس إلا أن يكون لهم أمر أعطوه. قال ابن القاسم ولهم أن يحدثوها في بلد صالحوا عليها وليس لهم ذلك في بلد العنوة لأنها فيء وليست لهم ولا تورث عنهم ولو أسلموا لم يكن لهم فيها شيء وما اختطه المسلمون عند فتحهم كالبصرة والكوفة والفسطاط وإفريقية وشبهها من مدائن الشام. قال أبو إسحاق التونسي يريد بإفريقية القيروان فليس لهم إحداث شيء فيها إلا أن يكون لهم عهد فيوفى به لأن تلك المدائن صارت لأهل الإسلام دون أهل الصلح يبيعونها قال غيره كل بلدة افتتحت عنوة وأقروا فيها ووقعت الأرض لأعطيات المسلمين ونوائبهم فلا يمنعون من كنائسهم التي فيها ولا بأس أن يتخذوا فيها كنائس لأنهم أقروا فيها على ما يجوز لأهل الذمة ولا خراج عليهم في قراهم وإنما الخراج على الأرض. قلت قوله في الكتاب ليس لهم أن يحدثوا ببلد الإسلام كنيسة يريد بلد العنوة بدليل قوله متصلا به ولهم أن يحدثوا في بلد صالحوا عليه كذا فسره الشيوخ وقوله إلا أن يكون لهم أمر أعطوه قال الشيخ أبو الحسن الزرويلي في تقييده أنظر ما الذي أعطوه وهل يجوز ذلك للإمام قالوا يجوز إذا كان هذا الأمر مصلحته أعظم لهم من مفسدته. قال أبو حفص العطار معنى قوله إلا أن يكون لهم أمر أعطوه يريد أن يكون قيل لهم أول الفتح نعطيكم هذه الأرض على أن تسكنوها وتتخذوا فيها كنيسة فأما أن يقال لهم على أن تتخذوا ما شئتم من الكنائس متى شئتم فلا. وفي نوازل ابن الحاج ما طلبه النصارى الواصلون من العنوة من بناء بيع وكنائس في موضع استقرارهم وكيف إذا حبسوا شيئا عليها فأجاب هؤلاء النصارى وصفوا بالمعاهدين وذلك يتقضى ثبوتهم على ما سلب لهم من العهد والعقد من الذمة والولاء لهم واجب فيباح لكل طائفة بناء بيعة واحدة لإقامة شريعتهم ويمنعون من إظهار الصلب وضرب النواقيس ورأيت لبعص المالكيين نحوه وهو الصحيح عندي. قلت إن لم يؤخذ بمقتصى هذا التفسير الذي وقع لهم في قوله إلا أن يكون لهم أمر أعطوه وما أجاب به ابن الحاج وما وقع لأبي حفص في البيعة التي في مقر اليهود عندنا وإلا فظاهر المدونة إطلاق المنع في أرض العنوة في قول ابن القاسم وإنما يتم إطلاق القول بجواز اتخاذها فيها على قول الغير.

стр. 173

قال الشيخ أبو محمد صالح الأراضي ثلاث أرض إسلام فليس لهم إحداث كنائس فيها وأرض صلح لهم الإحداث فيها. وقال عبد الملك ليس لهم ذلك، وأرض عنوة إن شرطوا ذلك اتفق ابن القاسم والغير أن لهم ذلك وإن لم يكن هنالك شرط اختلف قول ابن القاسم والغير فابن القاسم حبذها الأرض الإسلام والغير لأرض الصلح. وقال الشيخ أبو الحسن اللخمي في تبصرته اختلف في الكنائس في بلاد المسلمين في العنوة إذا أقر فيها أهلها وفيما اختطه المسلمون فسكنه أهل الذمة على ثلاثة أقوال فقال ابن القاسم ليس لهم ذلك. وقال غيره لهم أن يحدثوا ذلك في أرض العنوة إذا أقروا فيها وظاهر قولهما أن القديم فيها يترك قال ابن القاسم وأما أهل الصلح فلا يمنعوا أن يحدثوا الكنائس لأنها بلادهم وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب أما أهل العنوة فلا يترك لهم عند ضرب الجزية عليهم كنيسة إلا هدمت ثم لا يحدثون كنيسة وإن كانوا معتزلين عن بلاد الإسلام. قال: وأما أهل الصلح فلا يحدثوا كنيسة في بلاد المسلمين وإن شرط لهم ذلك لم يجز ويمنعون من رم كنائسهم القديمة إلا أن يشترط لهم ذلك وإن كانوا منقطعين عن بلاد الإسلام وليس بينهم مسلمون كان لهم أن يحدثوا الكنائس. وقال الشيخ أبو حفص العطار يمنع النصارى من أن يرفعوا في بناء الكنائس أن يبدلوا بناءها إن كانت بالطوب فلا يبدلونها بالحجر ويمنعون من جمال ظاهرها على كل حال وذكر أن أبا الحسن القابسي كان تكلم على هذه المسألة حين أراد بعض اليهود أن يفعل ذلك بالقيروان لمكنته من السلطان فلما تكلم الشيخ امتنع اليهودي ولا يمنعون من إتقان الأسوس ومن رفع الباب إذا طلعت عليه الأرض ولا ما جملوها به من داخلها. بناء أهل الذمة دورهم مع المسلمين وحكاية البزرلي عن تونس وأما بناء دورهم مع المسلمين فلا خلاف أنهم لا يرفعون أكثر من المسلمين لقوله ﵇ الإسلام يعلو ولا يعلى عليه. وفي مساواتهم لهم قولان حكى ذلك الطرطوشي في سراج الملوك عن الشافعي قال الشيخ أبو القاسم البرزلي وقعت مسألتان بتونس إحداهما بناء النصارى

стр. 174

منزلها حتى علا على بعض أجزاء مدرسة التوفيق فكلمت في ذلك شيخنا الفقيه الإمام رحه تع يعني ابن عرفة وذكرت له ما وقع للطرطوشي فقال ذكره عن الشافعية فقلت له ليس في المذهب ما يخالفه فتغافل عن ذلك فيحتمل أنه رأى أنه لا يسعف بهدمه أو رآه محتملا فترك تغييره وأقر بهما الأول. ومنه أيضا أنهم زادوا في كنيسة وعلوها كثيرا وذلك محدث فأما أن يكون أيضا في عهودهم أو بنوها حصنا لاختلاف الدول خشية العامة أو وقع التغافل عنهم. والمسألة الأخرى جدد بعض النصارى كنيسة في فندقهم وعلى عليها شيئا يشبه الصومعة فطلبوا بذلك فأتوا بكتاب العهد فوجد فيه أنهم لا يحال بينهم وبين أن يبنوا فيه بيتا لمتعبداتهم واعتذروا عن رفع البناء الذي يشبه الصومعة أنه للضوء فبعث القاضي إليه من نظره فإن كان فيه ناقوس غره فوجده للضوء كما ذكروه لأن إظهاره كإظهار شرب الخمر والزنى فيؤدبون كما قال في المدونة. ومن هذا مسألة أخرى وهي إذا اكترى الذمي علويًا أو اشتراه والأسفل للمسلم فأجازه شيخنا الفقيه يعني ابن عرفة واحتج بسكنى أبي أيوب فوق والنبي صلعم أسفل وعورض بأنه ﵇ طلب ذلك لتيسره على أصحابه في غشيانهم مجلسه ولأن أبا أيوب من خيار الصحابة وفضلائهم وأقر له ذلك ﵇ بخلاف هذا إذ قد ورد فيه حين علت خيل على جبل أحد فقال: اللهم إنهم قد علونا ولا يبنغي أن يعلونا ثم نهض إليهم وقاتلهم حتى أنزلهم من الجبل وعموم الحديث السابق وهو قوله ﵇ الإسلام يعلو ولا يعلى عليه ولم يجب رحه عن هذا الاعتراض بشيء هـ. استهانة أهل الذمة بأحد من المسلمين ومن ذلك استهانتهم بأحد من المسلمين في استعمالهم إياه في شيء من مصالحهم المباحة عندنا فكيف بما هو محرم ولو باستيجار ومعارضة فكيف بغير استيجار قال في المدونة وأكره لمسلم أن يؤاجر نفسه من ذمي لحرث أو بناء أو حراسة أو غير ذلك ويأخذ منه قراضا ولا يجوز لمسلم أن يؤاجر نفسه أو عبده أو دابته في حمل الخمر أو داره أو حانوته أو شيئا مما يملكه في أمر الخمر ولا يعطى من الإجارة شيئا لا ما سميا ولا أجر مثله كمسلم باع خمرا فلا يعطى من ثمنها شيئا وإن أجر نفسه من ذمي يرعى له الخنازير أدب إلا أن يعذر بجهل وتؤخذ الإجارة من الذمي ولا تترك له مثل قول مالك في الخمر ويتصدق بها على المساكين ولا يحل أخذها أدبا له.

стр. 175

إجارة المسلم نفسه من كافر قال الشيخ أبو محمد عبد الحق الغروي: إجارة المسلم نفسه من نصراني على ثلاثة أوجه فإن استأجر نفسه في مثل رعاية الخنازير وحمل الخمر وشبه ذلك فهذا تفسخ إجارته متى عثر عليها وإن فات ذلك وقبض الأجرة تصدق به عليه فهذا وجه والوجه الثاني أن يستأجر نفسه يمتهنه النصراني فيه ويكون تحت يده من خدمة ونحوها فهذا يفسخ ما عثر عليه فإن فات ذلك لم يتصدق عليه بالأجرة وساغت له قال الشيخ أبو محمد صالح كالزمال والثالث إذا استأجره في شيء لا يكون فيه تحت يده وامتهانه مثل حراسة وقراض يأخذه منه يعمل به فهذا إن نزل مضى بالثمن وساغت له الأجرة. قال ابن رشد رحه إجارة المسلم نفسه من النصراني أو اليهودي على أربعة أقسام جائزة ومكروهة ومحظورة وحرام فالجائزة أن يعمل له عملا في بيت نفسه أو حانوته كالصانع يعمل للناس فلا بأس أن يعمل له كما يعمل للناس من غير أن يستبد بعمله والمكروهة أن يستبد بجميع عمله من غير أن يكون تحت يده مقارضا أو مساقيا. والمحظور أن يؤاجر نفسه منه في عمل يكون فيه تحت يده كأجير الخدمة في بيته وإجارة المرأة نفسها منه أن ترضع له ابنه في بيته وما أِشبه ذلك فهذه تفسخ وإن عثر عليها فإن فاتت مضت وكانت له الأجرة والحرام أن يؤاجر نفسه منه لما لا يحل من عمل الخمر أو رعي الخنازير وما أشبه ذلك فهذه تفسخ إن عثر عليها قبل العمل وإن فاتت بالعمل تصدق بالأجرة على المساكين. قلت فزاد ابن رشد المباح قسما رابعا على أقسام عبد الحق مثل خياطة الخياط له ثوبا في حانوته وكاتب الوثيقة له وثيقة بدكته كل ذلك وأشباهه من نوع ما لا يظهر في استعمال المسلم نفسه في عمل الكافر إذلال ولا قوة لحل إذ علة الكراهة في هذا الباب استعلاء يد الكافر على المسلم وعلة المنع الاستعلاء مضافا إلى الاستعمال في المحرمات كعصر الخمر ورعي الخنازير والنبي صلعم يقول: الإسلام يعلو ولا يعلى عليه. وسمى ابن رشد رحه الوجه الأول من تقسيم عبد الحق حراما وأنه لكذلك وسمى الوجه الثاني عنده محظورا وفي نسخة فاسدا وسمى الوجه الثالث مكروها.

стр. 176

حكم بيع الذمي خمرا من مسلم تنبيه: ما تقدم من تأديب الذمي على بيع الخمر من المسلم والتصدق بالثمن على المساكين أدبا له مثله في بيع المسلم إياها من مسلم أو كافر والمسلم في ذلك أشد نكالا لأنه أقوى جرأة ثم النظر فيما يرجع لفروع المسألة بالنسبة إلى القيام والفوات في المثمون والثمن كان الابتياع من المسلم أو من الكافر قد حققه الشيوخ على طريق تقاسيمه وتفاصيله كشيخ المحققين أبي الوليد بن رشد وذويه فقالوا إذا باع النصراني أو اليهودي خمرا من مسلم فذلك على ثلاثة أوجه إما أن تكون الخمر قائمة بيد البائع أو قائمة بيد المبتاع أو أفاتها. أما إن كانت قائمة بيد البائع الكافر فإنها تكسر على البائع ويفسخ البيع ويسقط الثمن عن المبتاع إن كان لم يدفعه إلى البائع وإن كان قد دفعه إليه فقيل إنه يرد إلى المبتاع وهو قول ابن حبيب وقيل إنه لا يريد إليه ويتصدق به عليه أدبا له وهو الذي يأتي على ما في المدونة. وأما إن كانت قائمة بيد المبتاع فقيل إنها تكسر على البائع ويرد الثمن إلى المبتاع إن قد دفعه ويسقط عنه إن كان لم يدفعه. وروى ذلك عن مالك إسماعيل ابن أبي أويس وغيره وقيل إنها تكسر على المبتاع ويتصدق بالثمن إن لم يقبضه البائع أدبا له وإن قبضه ترك له عند ابن القاسم وعند سحنون يتصدق به قبضه أو لم يقبضه أدبا له وقيل إنها تكسر على البائع ويفسخ البيع ويسقط الثمن على المبتاع إن كان لم ينقده وإن كان قدنقده كسرت على المبتاع ومضى الثمن للبائع ولم يؤخذ منه وهو قول ابن حبيب. وأما إن لم يعثر على ذلك حتى قبض المسلم الخمر وفاتت بيده فإنه يؤخذ منه الثمن ويتصدق به على المساكين إن لم يدفعه إلى الكافر أدبا له وإن كان قد دفعه إليه ترك له ولم يؤخذ منه عند ابن القاسم وابن حبيب وعند سحنون يتصدق به على كل حال أدبا له وإذا باع المسلم خمرا من مسلم أو من كافر فعثر عليه والخمر بيد البائع كسرت عليه وأنقض البيع وسقط الثمن عن المشتري إن كان لم يدفعه وإن كان قد دفعه رد إليه في قول وتصدق به في قول وإن لم يعثر على ذلك حتى قبضه المبتاع فقيل إنها تكسر على البائع ويكون الحكم في الثمن على ما تقدم من الاختلاف وقيل إنها تكسر على المبتاع ويمضي البيع ويتصدق بالثمن قبض أو لم يقبض إذ لا يحل للبائع ولا يصح تركه للمشتري.

стр. 177

وأما إن لم يعثر على ذلك حتى استهلك المبتاع الخمر فهاهنا يفترق الحكم بين أن يكون المبتاع مسلما أو نصرانيا فإن كان مسلما تصدق بالثمن على المساكين قبض أو لم يقبض قولا واحدا إذ لا سبيل إلى نقض البيع بإغرام المسلم مثل الخمر التي استهلك وكسرها على البائع وإن كان نصرانيا فقيل إنه يقدم مثل الخمر وتكسر فينتقض البيع ويسقط الثمن عنه إن كان لم يدفعه وإن كان قد دفعه رد إليه أو تصدق به على المساكين أدبا له على الاختلاف المذكور وقيل إنه يمضي البيع ويتصدق بالثمن على المساكين قبض أو لم يقبض. وهذا آخر ما استطعنا حفظه ونقله من مسائل هذا الباب * وإذ قد أتينا على تمام الأبواب الثمانية * أدخلنا الله من أحد الأبواب الثمانية * بجاه من أنزل عليه ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية * خاتمة الكتاب في أصل ولاية الحسبة وهي ولاية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما تفترق به من غيرها من الولايات اعلم أن ولاية الحسبة تنعقد بما ينعقد غيرها من الولايات الشرعية بتقديم الإمام من يرتضيه لذلك متوفرة فيه شروط الولاية إذ هي من أشرف الولايات في الإسلام قدرا وأعظمها في هذه الملة المحمدية مكانة وفخرا تقدم اعتياد الفضلاء لتوليها وصدر اختيار الصلحاء للتحلي بها منزلة بادية لتبيين حقوق الشريعة وتجليها فلا يصح أن يليها إلا من طالت يده في الكمالات وبرز في الخير وأحرز أوصافه المرضية ولا تنعقد لمن لم تتوفر فيه الشروط ولم يك بها في رسمه ووسمه المنوط المحوط فمن شرف منزلة من تولاها أن يحتسب على أئمة المساجد وعلى قضاة المسلمين في أكثر ما لهم من المواطن والمعاهد. من وظائف الحسبة منع أئمة المساجد من تطويل الصلاة قال الشيخ نور الدين الماوردي وإذا كان من أئمة المساجد السابلة والجوامع الحفلة من يطيل الصلاة حتى يعجز عنها الضعفاء وينقطع عنها ذو الحاجات أنكر ذلك عليه كما أنكر رسول الله صلعم على معاذ حين أطال الصلاة بقومه فقال: أفتان أنت يا معاذ. فإن أقام الإمام على الإطالة استبدل بمن يخففها قال ﵇ إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير وذا الحاجة وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء.

стр. 178

احتجاب القضاة على الخصوم وإذا كان في القضاة من يحتجب عن الخصوم إذا قصدوه ويمتنع من النظر بينهم إذا تحاكموا إليه فللمحتسب أن يأخذه مع ارتفاع الأعذار بما وجب عليه النظر بين المتحاكمين وفصل القضاء بين المتنازعين ولا يمنع علو رتبته من إنكار ما قصر فيه وقد مر إبراهيم بن بطحاء وإليه الحسبة بجانبي بغداد بباب أبيع مر بن حماد وهو يؤمئذ قاضي القضاة فرأى الخصوم جلوسا على بابه وقد أضرتهم الشمس فوقف واشتد على حاجبيه وقال له: تقول لقاضي القضاة الخصوم جلوس بالباب قد بلغتهم الشمس وتأذوا بالانتظار فإما جلست لهم أو عرفتهم عذرك ينصرفوا ويعودوا هـ. فكيف لا يكون صاحب هذه الخطة التي ينظر فيها على أئمة المساجد وقضاة المسلمين من أكمل الناس دينا ومروءة وعلما ودراية وبروزا في الخير وعدالة وإلا لم يكن له لولايته الحسبة على أمور الخلق سبيل إذ لا يصح أن يلي من شأنها الكثير ولا القليل. شروط والي الحسبة ثم قال الشيخ تقي الدين أبو الحسن علي ابن حبيب الماوردي فمن شرط والي الحسبة أن يكون حرا عدلا ذا رأي وصرامة وخشونة في الدين وعلم بالمنكرات الظاهرة فإن قلت أين اشتراط العدالة التي ذكر هذا الشيخ هنا مما أسلفت أول الكتاب من عدم اشتراطها وأن مغير المنكر يجب عليه التغيير على غيره ولو كان متلبسا بعين ذلك المنكر قلت إنما ذلك فيمن وجب عليه بعموم الأمر الشرعي في قوله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير﴾ الآية فكان ذلك من خطاب الوجوب الذي يلزم القيام به للصالح والطالح. أما هنا فسبيله سبيل عقد الولاية الشرعية التي لا يصح لمن قام بها وصف فسق وفقد عدالة إذ العدالة مشترطة في سائر الولايات الشرعية كالإمامة الكبرى فما دونها لأن من انعقدت له الولاية في القيام بحق من الحقوق المهمة في الدين صار مفوضا له فيما قدم إليه النيابة عن المسلمين فلابد أن يكون أمينا أي أمين ولا أمانة مع من لم يقم به وصف العدالة ولذلك كان الفرق بين والي الحسبة الذي انعقدت له الولاية وبين المتطوع بها على ما قال الماوردي من تسعة أوجه.

стр. 179

الفرق بين والي الحسبة وبين غيره ممن يتطوع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من تسعة أوجه الأول- أن قرضه بحكم الولاية صار متعينا في رقبته باختصاصه وبقي من سواه على حكم وجوب الأمر العام. الثاني- أن قيام المحتسب بالولاية صار من الحقوق التي لا يسوغ أن يشتغل عنها بغيرها وقيام المتطوع بها يجوز أن يشتغل عنها بغيرها. الثالث- أنه منصوب للاستعداد فيما يجب إنكاره وليس المتطوع منصوبا للاستعداد. الرابع- أن على المحتسب بالولاية إجابة من استعداه وليس على المتطوع إجابته. الخامس- أن عليه أن يبحث على المنكرات الظاهرة ليصل إلى إنكارها ويفحص عما ترك من المعروف الظاهر ليأمر بإقامته وليس على غيره من المتطوعة بحث ولا فحص. السادس- أن له أن يتخذ على الإنكار أعوانا لأنه عمل هو له منصوب وإليه مندوب ليكون له أقهر وعليه أقدر وليس للمتطوع أن يندب لذلك عونا. السابع- أن له أن يعذر في المنكرات الظاهرة وليس للمتطوع أن يعذر على المنكر. الثامن- أن يرتزق على حسبته من بيت المال ولا يجوز لمتطوع أن يرتزق على إنكار منكر. التاسع- أن له اجتهاد رأيه فيما تعلق به العرف دون الشرع كمثل ما في الأفنية. والطرق وليس هذا للمتطوع فيكون الفرق بين والي الحسبة وإن كانت أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر وبين غيره من المتطوعة وإن جاز أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من هذه الوجوه التسعة. فولاية الحسبة هذه واسطة بين أحكام القضاء وأحكام المظالم فأما ما بينها وبين القضاء فهي موافقة لأحكام القضاء من وجهين ومقصرة عنه من وجهين فأما الوجهان في موافقتها لأحكام القضاء فأحدهما جواز الاستعداء إليه وسماعه دعوى المستعدى عليه في حقوق الآدميين. وليس هذا على عموم الدعاوي وإنما يختص بثلاثة أنواع من الدعاوي. أحدها أن يكون فيما تعلق بجنس أو تطفيف في كيل ووزن. والثاني- فيما تعلق بغش أو تدليس في مبيع أو ثمن. والثالث- ما تعلق بمطل وتأخير لدين مستحق مع القدرة على أدائه وإنما جاز نظره في هذه الأنواع الثلاثة من الدعاوي دون ما عداها من سائر الدعاوي لتعلقها بمنكر ظاهر هو منصوب لإزالته واختصاصها بمعروف بين هو مندوب إلى إقامته لأن موضع الحسبة إلزام الحقوق والمعونة على استيفائها وليس للنظر فيها أن يتجاوز في الحكم الناجز والفصل البات. فهو أحد وجهي الموافقة.

стр. 180

والوجه الثاني أن له إلزام المدعى عليه الخروج منها ودفعها إلى مستحقيها لأن في تأخيره لها منكرا هو منصوب لإزالته. وأما الوجهان في قصورها عن سماع عموم الدعاوي الخارجة عن ظواهر المنكرات من الدعاوي في العقود والمعاملات وسائر الحقوق والمطالبات فلا يجوز أن يبتدي بسماع الدعوى لها ولا يتعارض للحكم فيها لا في كثير من الحقوق ولا في قليلها من درهم فما دونه إلا أن يرد إليه ذلك بنص صريح يزيد على إطلاق الحسبة فيجوز ويصير بهذه الزيادة جامعا بين قضاء وحسبة فيراعى فيه أن يكون من أهل الاجتهاد وإن اقتصر به على مطلق الحسبة فالقضاة والحكام بالنظر في قليل ذلك وكثيره أحق فهذا وجه. والوجه الثاني أنها مقصورة على الحقوق المعترف بها فأما ما يدخله التجاحد والتناكر فلا يجوز له النظر فيها لأن الحكم فيها يقف على سماع بينة وإحلاف يمين ولا يجوز للمحتسب أن يسمع بينة على إثبات حق ولا أن يحلف يمينا على نفي حق والقضاة والحكام في سماع البينات وإحلاف الخصوم أحق وأما الوجهان في زيادتها على أحكام القضاء فأحدهما أنه يجوز للناظر فيها أن يتعرض لتصفح ما يأمر به من المعروف وينهى عنه من المنكر وإن لم يحضره خصم مستعد وليس للقاضي أن يتعرض لذلك إلا بحضور خصم يجوز له سماع الدعوى منه فإن تعرض القاضي لذلك خرج عن منصب ولايته وصار متجوزا به في قاعدة نظره والثاني أن للناظر في الحسبة من سلاطة السلطنة واستلاطة الحماة فيما يتعلق بالمنكرات ما ليس للقضاة لأن الحسبة موضوعة على الرهبة فلا يكون خروج المحتسب إليها إلا بالسلاطة والغلظة تجوزا فيها ولا خرقا والقضاء موضوع للمناصفة فهو بالأناة والوقار أخص وخروجه عنها إلى سلاطة الحسبة تجوز وخرق ولأن موضوع كل واحد من المنصبين مختلف فالتجاوز فيه خروج عن حده. ما بين ولاية الحبسة والمظالم من الاجتماع والافتراق وأما ما بين الحسبة والمظالم فبينهما شبه مؤتلف وفرق مختلف فأما الجامع بينهما فمن وجهين أحدهما أن موضوعها مستقر على الرهبة بسلاطة السلطنة وقوة الصرامة والثاني جواز التعرض فيها لأسباب المصالح والتطلع على إنكرا العدوان الظاهر وأما الفرق بينهما فمن وجهين أحدهما أن النظر في المظالم موضوع لما عجز عنه القضاة والنظر في الحسبة موضوع لما رفه عنه القضاة ولذلك كانت رتبة المظالم أعلى ورتبة الحسبة أخفض وجاز
следующие страницы →