← Сияса и кади

Сияса и кади · id 18493

تحفة الناظر وغنية الذاكر في حفظ الشعائر وتغيير المناكر

محمد بن العقباني

Полный текст (181 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قلت ولولا أن القتل في حقه مع الإدمان شذوذ ولو قال العلماء بأن ما ورد فيه من الأحاديث منسوخ لكان حقيقا به ولكان الحكم به شرعا بادي المصلحة لأن صون العقل أفضل من صون المال إذ العقل الذي هو مناط التكليف به شرف الإنسان على سائر الحيوان. وقد جعل الشرع حدا في سرقة ربع دينار قطع أسمى أعضائه التي بها يتصرف في حفظ حياته وإقامة نمائه إلا أن يقال إن السرقة محض عداء على مال الغير الذي لا شبهة للمعتدي فيه فكان متلفه على مالكه حقيقا بإتلاف عضوه الفاعل ذلك بخلاف السكر فإن مدخله على بطنه تعدى على إتلاف قتل نفسه الذي له فيه شبهة ما من التصرف لكن هو ممنوع من التصرف فيه بالنقص كما هو ممنوع من التصرف في المال بالسفه والإتلاف المحض وكانت عقوبة الحد كافية في السكر كما هو الضرب على اليد والمنع من التصرف للسفيه كاف في عقوبته لشبهة الملك في المال وما يقم مقامه في العقل وليس كذلك السارق لفقد وجه الشبهة فيه فتأمله فلعله فرق واضح إن شاء الله تع. وما أشرنا إليه من هذا الفقه في حق السكران المدمن وقع في سماع أشهب وابن نافع قال وسألته عن المدمن على الخمر أيجلد الحد كلما أخذ قال نعم وأرى لو ألزم السجن إذا كان مؤمنا خليعا وقد سجن عامر بن عبد الله بن الزبير ابنا له ماجنا حتى جمع كتاب الله فأتي فقيل له قد جمع فيه كتاب الله فخله فقال ما من موضع خير له من موضع جمع فيه كتاب الله فأبى أن يخليه. قال الشيخ ابن رشد رحه تع قوله في المدمن على الخمر إنه يجلد كلما أخذ هو أمر متفق عليه وعليه جماعة فقهاء الأمصار وما روي عن النبي صلعم من رواية معاوية بن أبي سفيان وعبدالله ابن عمرو بن العاص وأبي هريرة وجرير بن عبد الله البجلي أنه يقتل في الرابعة وقول عبد الله ابن عمرو بن العاص إيتوني برجل شرب الخمر أقيم عليه الحد ثلاث مرات فإن لم أقتله فأنا كذاب وما روي عن أبي سليمان مولى أم سلمة أن أبا الزبير البلوي أخبر أن رجلا منهم شرب الخمر فأتى به رسول الله صلعم فضربه فأتي به الثانية فضربه فما أدري قال في الثالثة أو في الرابعة فأمر به فضربت عنقه تعلق به من شذ من أهل العلم. والذي عليه جماعة العلماء أن ذلك منسوخ بدليل ما روي عن جابر بن عبد الله أنه قال: قال رسول الله صلعم من شرب الخمر فاجلدوه ثم إن عاد فاجلدوه ثم إن عاد فاجلدوه ثم إن عاد فاجلدوه. فأمر في الرابعة بالحد ولم يأمر بالقتل. وروي عن محمد بن المنكر أنه حدث أنه بلغه أن رسول الله صلعم قال في شارب الخمر: إن شرب فاجلدوه ثم إن شرب فاجلدوه ثم إن شرب

стр. 72

فاجلدوه ثم إن شرب فاقتلوه. فأتي ثلاث مرات برجل قد شرب خمرا فجلده ثم أتي به الرابعة فجلده ووضع القتل عن الناس. وقد دل على نسخه أيضًا قول رسول الله صلعم: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث أن يكفر بعد إيمانه أو يزني بعد إحصانه أو يقتل نفسا بغير نفس أو كما قال صلعم فقد روي هذا الحديث عن النبي صلعم بألفاظ مختلفة ومعان متفقة واستحسان مالك للخلع المدمن للخمر أن يلزم السجن كما فعل عامر بن عبد الله بن الزبير بابنه الماجن نظر صحيح. لأنه إذا كان لا يكف عن شرب الخمر ولا يقلع عنه بالحد كلما أخذ بإلزامه السجن أحوط لدينه وأبقى على جسمه. إعلان النساء بالنوح ولطم الخدود ومن ذلك ما كثرت المجاهرة به بإعلان النساء بالنوح ولطم الخدود وشق الجيوب والدعاء بالويل والثبور واجتماعهن لذلك قد يكون في مقر يستأذن بعضهن بعضًا إليه يسمينه بالزحف وربما ضربن عليه بالدف والمزمر ويخرجن في الأزقة عاليات الأصوات باديات الوجوه فذلك أعظم المناكر قال صلعم: النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقدم يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب. وقال صلعم ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية. وفي " أحكام السوق" لابن عمر قال لا يجوز اجتماع النساء للبكاء بالصراخ العالي والنوح والنهي فيه قائم سواء ذلك عند الموت أو بعده وقبل الدفن أو بعده بقرب أو بعد وأما بكاء ليس فيه صراخ فظيع فلا ينهين عنه ولا للإجماع له وهو عندي ما روي عن عمر بن الخطاب حين قيل له في أمر خالد بن الوليد إن هنا نسوة اجتمعن للبكاء على خالد وقال دعهن يرقن من دموعهن على أبي سليمان. فإن اجتمع النساء للطم الخدود والصراخ عند موته فليأمرهن برفق وليزاول مدة فإن عدن فلينههن ويغلظ عليهن فإن أبين فليهجم عليهن بالضرب والطبع عليهن وخلع أبوابهن ويعاقبن ولا يبيح لهن أن يفعلن ما لا يحل لهن. قال في "تنبيه الحكام" وربما اجتمع إليهن الرجال للتعرض بالنظر وما فوق النظر فواجب مهما عثر عليه القبض على فاعله وإبلاغ العقوبة فيه. إلا أنه ينبغي من جميل الأخذ فيما اعتاد الناس من ذلك أن يتقدم الحاكم إلى الناس في مثله بالإعلان والإعلام بالبدار أو إشعار العقوبة ليتسامع النساء ذلك فيتجنبنه ويكن على حذر من الوقوع بهن فيزعهن وازع الخوف. فمثل هذا واجب قبل القبض عليهن لأن الناس قد اعتادوا ترك القيام فيه فإغفال الإنكار

стр. 73

داعٍ إلى أخذ النساء على غرة وقد يكون في ذلك بعض الفتنة وصدم كثير من الأماثل والمستترات اللاتي لو تخيلن ذلك ما قدم عليه أو لمنعهن منه أولياؤهن ولما تساهل فيه من عادته التساهل بحرمات الله تع ما لم يزعه قهر السلطان فينبغي تفقد مثل هذه الأنواع في الشوارع والمحلات وحيث يبدو أثر المجاهرة به تفقدًا كافًا لأهله ورادعًا عن مثله يعظم الله فيه الأجر ويدرأ به علائق الشر. خروج النساء متزينات بأنواع الزينة ومثله اجتماعهن للملاهي والرقص الذي ليس من طور العقلاء ومن ذلك تصرفهن بأنواع الزينة البادية وأسباب التجميل الظاهرة على اختيال في المشي وإعمال منتشر الطيب وإظهار ما يستدعي الفتنة فمثل هؤلاء ينبغي منعهن من التصرف على هذه الحالة. قلت لقوله صلعم: أيما امرأة استعطرت فمرت بقوم ليجدوا ريحها فهي زانية. نقله ابن رشد في شرح الجامع من المستخرجة ومن ذلك ما قال في "تنبيه الحكام" يجب منعهن فيما بينهن من المآتم والحمامات ونحوها من الاسترسال في إظهار ما يخفى من محاسنهن ومصون أجسامهن وما يدعو إلى إطلاع بعضهن على ما لا يحل لها من الأخرى فإن المرأة أكثر محاسنها وخفايا جسمها يحكم لها بحكم العورة فيجب ستره عن النساء كما يجب ستره عن الرجال. ما يفعله شرار النساء من التفاعيل قلت: لا سيما ما يدعو إليه إطلاع بعض الفاسقات على محاسن الأخرى من تحرك شهوة التفاعل الذي يختار بعضهن لذته عن مباضعة الرجل. والحكم في أدبهما على قول ابن القاسم راجع إلى اجتهاد الحاكم وهو المشهور وعلى من أنزلت منهن الاغتسال. قال بعض المتأخرين وكثر ذكر هذه المفسدة في هذا الزمان والذي يظهر من درئها في هذا الوقت أن من علم هذا من وليته أن يمنعها من المواضع الموهمة أن يخرج إليها وإن تمادت عليه جعل عليها أمينة ذات محرم منها وإن لم ينفع ذلك فيها قيدها في داره كما وقع لحمديس في الذي قال عثرت على مرد بطالين يفسدون بالدراهم وقيدتهم في أرجلهم فصوب فعله وقال احبسهم عند آبائهم لا في السجن. وعن أشهب أيضًا في المتهم الصغير يحبس على قدر جرمه يريد يحبس حيث لا يخاف عليه.

стр. 74

حديث من أشراط الساعة وحكى الطرطوشي في " كتاب البدع" من طريق سلمان عنه صلعم: أن من أشراط الساعة أن يكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء وتركب ذات الفروج السروج فعليهم من أمتي لعنة الله وفيه ويغار على الغلام كما يغار على الجارية البكر ويخطب كما تخطب النساء فقال أويكون ذلك قال نعم يا سلمان. دخول النساء الحمام وأما دخولهن الحمام فأصله الإباحة لأنه من نعومات الأبدان غير أنه لا يقضى على الزوج به للزوجة إذا انتفعت موانع الدخول لأنه ليس من الضروري كالقوت واللباس والسكنى فإن وقع الاضطرار إليه قضى عليه به. قال ابن الحاج في "نوازله" ولا يقضى لها عليه بدخول الحمام إلا من سقم أو نفاس وقال في الرسالة ولا تدخله امرأة إلا من علة قال أبو إسحاق يريد مالك بالخروج إلى الحمام ولم يرد أجرة الحمام. قلت يريد إذا أخلي لها أما حالة الاجتماع مع غيرها فلا. قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد إن خلالها فأرجو لها صحته. قيل له فإن سترت نفسها كما يفعل مع الرجال فما وجه الكراهة فقال لأن المرأة عورة ولا محل لها أن تبدي محاسنها للنساء. قال بعض الشيوخ. وهذا على أحد القولين أن المرأة مع مثلها ذات المحرم أو كمثل الرجل الأجنبي معها وهو قول عبد الوهاب في شرح الرسالة وأما على مذهب من يراها مع مثلها كالرجل فتجري على أحكامهم في الدخول وهو الذي صحح ابن رشد رحه تع وجعل القول الأول مقيد الصحة. وقد شاع في هذا الوقت وذاع أن النساء لا يستترن بحال إلا القليل وذلك القليل يرى عورة غيره فأراه مجمعا على تحريمه إلا أن يخلو لها الحمام أو تكون مع من يجوز له الاطلاع عليها. هل يجوز للنساء النظر إلى الأجانب من الرجال لغير ضرورة ومن هذا المعنى ما سئل عنه عز الدين هل يجوز للنساء النظر إلى الرجال الأجانب من غير حاجة أو لا وإذا كان في البيت طاق ينظر منها إليهم فهل يجب على الزوج سد تلك الطاق أم يكفيه أن ينهى عن النظر؟ فأجاب بأنه لا يجوز للمرأة النظر إلى من يشتهيها وتخشى الافتتان

стр. 75

به. وإذا نهى الزوج عن ذلك امرأته ولم تنته لزمه سد الطاق لوجوب إزالة المنكر باليد والفعل إذا لم يفد القول. ومتى قدر على الحيلولة بين العاصي وعصيانه باليد لزم ذلك هـ. قلت وما قاله ظاهر إذا خشيت الفتنة. وأما إذا لم تخش ففيه المسألة خلاف فيما يجوز للمرأة أن تراه من الأجنبي وفيما تراه ذات المحرم من ذي رحمها والعكس. قال في "جامع المستخرجة" وسمعت مالكا يحدث أن عائشة زوج النبي صعلم دخل عليها رجل أعمى وأنها استحيت منه فقيل يا أم المؤمنين إنه أعمى لا ينظر إليك قالت ولكني أنظر إليه. قال ابن رشد رحه تع قد روي عن أم سلمة أنها كانت عند رسول الله صعلم مع ميمونة فبينما نحن عنده أقبل ابن أم مهتوم فدخل عليه وذلك بعد أن أمر بالحجاب فقال رسول الله صلعم أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه. وهذا خاص بأزواج النبي صلعم بخلاف غيرهن من النساء والله أعلم. بدليل قول النبي صلعم لفاطمة بنت قيس اعتدي عند ابن أم كلثوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك حيث شئت فيصح للمرأة أن تنظر من الرجل الأجنبي إلى ما يصح للرجل أن ينظر إليه من ذوات محارمه. وقد قيل إنه لا يصح للمرأة أن تنظر من الرجل ما لا يصح للرجل أن ينظر منها على فعل عائشة رضها تع في احتجابها من الرجل الأعمى وعلى ظاهر قول الله تع لأنه قال: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم وقل للمؤمنات بغضضن من أبصارهن﴾ عما لا يحل لهن النظر إليه وقد بينت السنة في حديث فاطمة بنت قيس أن النساء في ذلك بخلاف الرجال فتنظر من الرجل الأجنبي إلى ما ينظر إليه الرجل من الرجل وكذلك تنظر المرأة من المرأة إلى ما ينظر إليه الرجل من الرجل. إفتاء العقباني قلت ولذلك أفتيت حين ورودي من سجلماسة في ربيع الثاني عام ثمانية وخمسين وثماني مائة بجواز ما استمر ببلدنا تلمسان قديما فعله من إجماع النساء صبيحة الثاني يوم من إقبار الميت على القراء العميان لتحصل مثوبة تلك القراءة لميتهم عملًا بقول من قال ذلك لما وجدت المنع قاطعا للعميان من ذلك في خلال غيبتي فعادوا لما كانوا عليه فباحثني بعض الفضلاء من الأصحاب في ذلك فأمليت عليه ما صححه ابن رشد ما ثبتت الصحة عنه وأن فتواي صادفت الصحة وعلى ما اقتضته درجة السلف والخلف من علماء بلدنا رضهم ولا نكير فقال لي إن منهم من يذكر بالفسق مع كف بصره وإنه يحضر مع المجان في مجالسهم: فقلت له: إن كان ماجنا

стр. 76

فلا يتهم بالسوء إلا في مواضع التهمة أما محل اجتماع الكافة من النساء على تحزن وتفجع عند حفرة من حفر الآخرة فمقطوع بسلامته من الريب ولم يبق إلا مجرد نظر النساء إليه مع كونه لا ينظر إليهن لما قدم به من وصف العمى فقد تقررت إباحته وصحة القول بها. فإن قلت أليس قد قدمت أن أصالة الحكم في دخول الحمام الإباحة وأين ذلك من قول مالك في العتبية والله ما دخول الحمام بصواب فكيف يغتسل من ذلك الماء هل هذا الصادر من قوله ينفي الإباحة أقل محتملاته الدلالة على الكراهة. قلت أما أصل الإباحة فلا معارضة فيه إلا بتكلف المباهتة كسائر المباحات التي يربو بها بدن الإنسان وينمو وإنما جاء عارض الكراهة لأوصاف تلازمه، في الغالب ومهما عري عنها بقي على أصله من الإباحة وذلك أمران أحدهما تسخينه بالأقذار والنجاسات والثاني أنه تختلف أيدي الناس فيه لأخذ الماء فقد يكون يتناوله بيده من لا يحتفظ بدينه فينماع فيه شيء مما تعلق بيده من الأذى. وبذلك تأول في البيان ما وقع في العتبية من الكراهة وجامع القول في تفصيل ما يحل ويحرم وما يكره للرجال والنساء من دخوله فقد أحاط به قولا وتعليلا كلام الشيخ بن رشد في سماع أصبغ من جامع كلامه في فصل يخص ذلك آخر المقدمات في الجامع منها ومثل ذلك في تبصرة اللخمي فمن أراد شفاء غليله طلبه هنالك لما في جلبه إلى هنا من الإطالة التي لسنا بسبيلها في هذا المختصر. وفي كلامه هنالك مع كلام عز الدين في بعض أجوبته شكل تخالف في بعض الصور وذلك أن ابن رشد قال إن دخول المستتر الحمام عند ابن القاسم مع المستترين مكروه مخافة أن يطلع على عورة أحد بغير ظن إذ لا يكاد يسلم من ذلك من دخله مع عامة الناس وأما دخوله غير مستتر أو مع من لا يستتر فلا يحل ذلك لأن ستر العور فرض ومن فعل ذلك كان جرحة فيه وقدحا في شهادته وظاهر كلام عز الدين أنه إن ستر نفسه فلا حرج عليه من عدم ستر غيره فقد سئل عمن يدخل الحمام فيجلس بمعزل عن الناس إلا أنه يعرف بالعادة أنه يكون معه في الحمام من هو كاشف عورته هل يجوز له حضوره على هذا الحال. فأجاب بأنه يجوز حضور الحمام فإن قدر على الإنكار أنكر ويكون مأجورًا على إنكاره وإن عجز عن الإنكار كره بقلبه فيكون مأجورا على كراهيته ويحفظ بصره عن العورات ما استطاع ولا يلزمه الإنكار إلا في السوءتين خاصة لأن العلماء اختلفوا في قدر العورة فقال بعضهم

стр. 77

لا عورة إلا السوءتين ولا يجوز الإنكار على من قلد بعض أقوال العلماء وما زال الناس يقلدون العلماء في مسائل الخلاف فلا ينكر عليهم فلا يجوز للشافعي أن ينكر على المالكي فيما يعتقد الشافعي تحريمه والمالكي تحليله وكذا سائر مذاهب العلماء هـ. فقد قال ابن رشد لا يحل دخوله مستترًا مع غير مستتر وذلك جرحة فيه إن فعله. وقال عز الدين يجوز له الحضور إلا أنه ينكر بلسانه أو بقلبه ويكف بصره ما استطاع. وبين القولين تبيان لم يتضح معه فيهما جمع بتأويل فتأمله. ما يفعل بمن دخل الحمام غير مستتر قلت كل هذا القول وتسطير الفقه المنقول إنما هو في حكم الداخل للحمام في حق نفسه فما حكم ما يفعله مغير منكره وعلى فاعل ما لا يحل به من كشف العورة ونحوه فذلك الذي أنت بسبيله قلت حكم ما يفعله فيمن وجده مكشوف العورة فيه الأدب والإيلام بالقول والفعل وعلى قاعدة الآداب في تفاوتها فليس فعله ذلك مع ذي الهيئة وصاحب الفلتة كفعله مع المتكرر منه ذلك لعدم مبالاته بفضيحة نفسه وكذلك يجب تأديب المتقبل للحمام على إيقاع المنكر لديه كبيت الخمار ودور أهل الفسق إذ كشف العورة مثل ذلك وأشد. ففي "أحكام السوق" كتب بعض قضاة ابن طالب إليه في حمام ابن الراسود ضاق أهل المرسى منه ورأوا فيه منكرا عظيما فكتب أحضر المتقبل للحمام ومره ألا يدخل إلا مريضة أو نفسا ولا يدخل الرجل إلا بمئزر فإن ركب النهي بعد هذا فاعقل الحمام وأدخل المتقبل السجن. قال يحي بن عمر ويعاقب من يدخل الحمام بغير مئزر عقوبة موجعة وتطرح شهادته حتى تعرف توبته. قال الشيخ في رسالته ولا يدخل الرجل الحمام إلا بمئزر. قلت قوله يعقل عليه الحمام يعد ارتكابه ما نهي عنه هو مثل ما سلف من قول ابن القاسم في دار الفاسق الذي كان يأوي إليه الفساق. قال يخرج من منزله وتحاز عنه البيوت بعد التقدم إليه مرة أو مرتين فإن عاد أكري عليه.

стр. 78

اجتماع النساء للتويزة ومن ذلك خروج النساء لمجالس تجمعهن كما يفعل عندنا في مجتمع يسمونه التويزة يغزلن عند امرأة واحدة في منزلها ما تدعوهن لغزله من كتاب أو صوف إعانة ورفقا. قال في "جامع الأحكام" وكذا خروجهن اليوم لمجالس النساء واجتماعهن بعضهن ببعض لما ينتج عن ذلك من التعرض لأخذ مال الزوج أو فتنة الصغار منهن بهروبهن عن أزواجهن وكثرة خروجهن في الأزقة وتعرضهن للفتن. وقد كان يقال لا شيء عليهن أضر من كثرة الخروج ومن انتصبت منهن لهذه المجالس فإنما هو لجمعهن الدنيا وتخليق النساء عن أزواجهن وذكرهن في مجالس ما يخالف طرق الشريعة ويجب على من ولاه الله النظر في أمور المسلمين أن ينظر في ذلك بقطع مادة مفسدتهن. قلت وأما ما يقع في بلدنا ووطننا من اجتماعهن على احتفال أو تزين فيحلقن دائرة على رجل غير محرم يغنيهن ويطربهن فمحرم اتفاقا أعاذنا الله مما يردي فاعله في النار ويحق عليه عقاب المنتقم الجبار. قال في "جامع الأحكام" وتعليمهن من القراءة ما يصلين به حسن ويمتنع تعليمهن الشعر والرسائل وترك تعليمهن الخط أصون ومن خروجهن إلى المقابر ولا حاجة لأكثرهن في الزيادة ولا قصد إلا مجرد التعرض بأنفسهن لما لا يحل هـ. خروج النساء إلى المقابر قال في "تنبيه الحكام" ومن ذلك اجتماعهن في الجبانات والمواضع التي يتخذ منها مجالس للتنزه على من يمر منهن من شبان الرجال وقد يعارضهن بتلك الحالة كثير من الفساق وربما جلبهم إلى المرور عليهن ما اعتبر من اجتماعهن وعرف من أغراضهن. وقد يعمدن إلى نصب الأخبية على الجبانات تباهيا وزعما أن يستتر من يطيل الجلوس منهن وهذا أدعى إلى الشهرة والشر وأشد لصرف أعين الفساق وقلوبهم إلى من فيها مع ما يتوقع من جرأة من لا يتقى الله تع على مواقعة المعاصي بها لاستتار الكائن بها عن كثير من الإطلاع فهذا كله من المناكر التي يجب الاشتداد عليها والمنع منها بحول الله هـ.

стр. 79

جلوس النساء إلى الصناع ومن ذلك جلوسهن إلى الصناع يستصنعن عندهم شيئا من المصنوعات وكذلك الإطالة بالوقوف على حوانيب البياعين وخصوصا ذوي العطر وطيب الروائح لأن ذلك كله داعية إلى الفتنة التي تتقى قال مالك في سماع ابن القاسم أرى أن يتقدم إلى الصناع في قعود النساء إليهم وأرى ألا تترك المرأة الشابة تجلس إلى الصناع فأما المرأة المتجالة والخادم التي تتهم على القعود ولا يتهم من تقعد عنده فإني لا أرى بذلك بأسا. قال ابن رشد رحه وهذا كما قال لأنه يجب على السلطان تفقد مثل هذا والنظر فيه لأنه مسؤول عنه قال رسول الله صلعم: الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية وهي مسؤولة عن رعيتها والعبد راع في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته وقد قال رسول الله صلعم: ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء. وقال: باعدوا بين أنفاس الرجال والنساء. وقال في "تنبيه الحكام" وكذا اجتماعهن في بعض الأسواق التي قد يضطررن إليها كسوق الغزل ونحوه وربما خالطهن الرجال وسفلة السماسرة وحادثوهن وتمازحوا بما لا يحل وذلك منكر ظاهر ومدعاة إلى الشر وارتكاب لمحارم الله تع فينبغي لاضطرارهن إلى ذلك أن يقدم هنالك أمناء ويختار ثقات السماسرة ومسنوهم ويمنع من كان متهما من التصرف لهن ويعين للنساء موضع مستتر يحضرن للجلوس في قضاة ما يحتجن إليه من ذلك بحيث لا يخالطهن من يجتاز أو يتصرف من الرجال. فإن قلت إذا كان هذا الإقصاء والإبعاد فيما بينهن وبين السماسرة والصناع إنما حكمته استصناع ما يخشى من الفتنة لقوله ﵇: باعدوا بين أنفاس الرجال والنساء. فما بالهم قالوا بإباحة التجر للمرأة وأن الزوج له منعها من الخروج لذلك وليس التجر وتعاطي أسبابه بمقصور على المأمون عليها دون المتهم إذ لها أقشاص الربح من أي رجل كان وإلا لما كان تجر أو لقيدوه بمبايعة المأمون إذ الإطلاق في محل التقييد لا يلح مع أنهم أطلقوا. قلت لا يلزم من إباحة التجر لها أن تليه بنفسها ولعلها توكل من يقوم لها بذلك من الأمناء محرما كان أو غيره كما قال في السماسرة بسوق الغزل وإلا لكان تدافعا مع قولهم لا يسوغ لها الجلوس لدى الصناع إذ الباب واحد والاستصناع داخل في عموم التجر وعلة المنع متحدة وما ذكرناه في السؤال من أنه لا يمنعها من الخروج للتجارة نقله في الحاوي

стр. 80

عن "المجموعة" قال في "جامع الأحكام" ولا له أن يقفل عليها إلا برضاها كذا أخذ من المدونة". قلت: محل الأخذ منها من قوله فيها: وليس له منع زوجته من التجارة. قال بعض الشيوخ: يقوم من قوله ليس له منعها من التجارة أنه لا يغلق عليها وهو منصوص في الوثائق المجموعة في كتاب الوصايا في وثيقة وصية بقطيع. ثم قال في الكتاب بعد قوله وليس له منع زوجته من التجارة وله منعها من الخروج قال هذا الشيخ يعني للتجارة وشبهها فتكون عناية هذا الشيخ التي فسر بها مراده في المدونة خلافا لما نص عليه في المجموعة من قوله ليس له منعها من الخروج للتجارة وإن حملنا ما في الكتاب على الخروج المخصوص لا على مطلق الخروج فيكون ما في المجموعة وفاقا لما في الكتاب لا خلافا كما اقتضاه تفسير الشيخ فتأمله. تنبيه: قال في "العتبية" في سماع عيسى وسئل عن المرأة العزبة تلجأ إلى الرجل فيقوم لها بحوائجها ويناولها الحاجة هل ترى ذلك حسنا قال لا بأس به وليدخل معه غيره أحب إلي ولو تركها الناس لضاعت. قال الشيخ ابن رشد رحه وهذا كما قال إنه جائز للرجل أن يتقدم للمرأة الأجنبية ويناولها إذا غض بصره عما لا يحل له النظر إليه مما لا يظهر من زينتها لقول الله : ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ وذلك الوجه والكفان على ما قاله أهل التأويل فجائز للرجل النظر إلى ذلك من المرأة عند الحاجة والضرورة فإن اضطر إلى الدخول عليها أدخل معه غيره ليبعد سوء الظن عن نفسه. فقد روي أن رجلين من أصحاب النبي صلعم لقيا النبي صلعم ومعه زوجته صفية رضها فقال إنها صفية فقالا: سبحان الله يا رسول الله. فقال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما أو كما قال صلعم. خروج الوخش من الإماء ملتحفات كالحرائر ومن ذلك خروج الإماء الوخش في الأزقة والطرقات ملتحفات كالحرائر أو مكشوفات بما لا يحل كشفه منهم كالظهر والبطن لأن كلا الأمرين في حقهن محضور وكذلك

стр. 81

خروج الرابعات في هذا الزمان منكشفات كالوخش فإن ذلك من دواعي الفتنة فلا يصح شيء منه. قال في سماع أشهب من نكاح "العتبية" ومثله في الجامع منها وسئل مالك أيكره للجارية المملوكة أن تخرج متجردة. قال نعم وأضربها على ذلك. قال ابن رشد رحه يريد متجردة مكشوفة الظهر والبطن وأما خروجها مكشوفة الرأس فهو سنتها لئلا تشبه الحرائر اللاتي أمرهن الله بالحجاب وأن يدنين عليهن من جلابيبهن وقد رأى عمر بن الخطاب رضه أمة لابنه عبيد الله قد تهيأت بهيئة الحرائر فدخل على حفصة ابنته فقال لها: ألم أر جارية أخيك تجوس الناس وقد تهيأت بهيئة الحرائر وأنكر ذلك إنكارا شديدا. قال عبد الملك في الواضحة وما رأيت في المدينة أمة تخرج وإن كانت راعبة إلا وهي مكشوفة الرأس في صغائرها أو في شعر محجم لا تلقي على رأسها جلبابا لتعرف الأمة من الحرة: إلا أن ذلك لا ينبغي اليوم لعموم الفساد في أكثر الناس فإن خرجت اليوم جارية رابعة مكشوفة الرأس في الأزقة والأسواق لوجب على الإمام أن يمنع من ذلك ولا يلزم الإماء من الهيئة في لباسهن ما يعرفن به عن الحرائر. قلت هذا كله في شكل ما يتزين به في أشخاصهن فيغير عليهن ما خالف ذلك الشكل وأما حلولهن بمواضع التهم والريبة فيجب تغيير المنكر عليهن فيه كما يجب على الحرائر سواء. كما هو مألوف التكرر في بلدنا من اجتماع الجم الغفير والملأ الكثير نهن على السقايات والأفران لسقي الماء أو لطبخ الخبز فيطلق الوقوف هنالك لغير ما أتين له بل لاستدعاء الحديث مع فسقه العبيد وبعض الأحرار على ما ظهرت آثاره في كثير من الدور بولادة الخدم فيهن أبناء الزنى فيجب على من ولاه الله شيئا من أمر هذه الأمة تفريق مجتمعهن وتشريدهن عن محال التهم بإنالة الأدب إن لم ينفع فيهن التقريع باللسان والزجر. ما عمت به البلوى من تعاطي الجهال للعلم ومن ذلك ما قال في "تنبيه الحكام" ولفظه في ذلك أوفى بالمقصود وأجمع وأبرع في تحصيل الفوائد وأبدع قال تعاطي الجهال للعلم وانتصابهم فيه للفتوى والطب هذا أمر

стр. 82

قد كثرت البلوى فيه وعمت المصيبة وهلك بسببه الأديان والأبدان وذلك لما ضاع العلم وقل القائم به والمناضل عنه وذهب أهل التمرين والتحقيق فانهمك الناس وتعاطى العلم جهالهم فأفضوا إلى ما حذر منه صلعم في قوله الحق حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوساء جهالا سئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا أعاذنا الله أن نكون منهم ووقانا التباعات اللاحقة عنهم. فقد آلت الحال اليوم إلى أن ينظر أحد العوام في أوراق من الفقه والكلام ويقوم على الخوض فيما يهلكه والمستمع منه أن يقف على مسائل من الخلاف فيختار منها بحسب ما يوافقه من شتى المذاهب أو يعثر به سوء نظره وظنه الكاذب ثم يتصدى للقول وتطلب الفتوى فيقول فيما ليس له به علم هذا حلال وهذا حرام ليفتري على الله الكذب. فلقد أخبرني غير واحد عن رجل من العامة أعرفه الآن ممن وقف على كلام بعض أهل الظاهر من غير تفهم لمعانيه ولا ملاقاة شيخ فيه أنه يفتي الناس مجاهرا غير مستتر ولا مستح من الله تع وغير مراقب لمن يقيم حدودها عليه بأشياء من الفواحش منكرة منها أن يمين الرجل بالطلاق والعتاق وما أشبه ذلك من متعلقات الشروط في مثل هذا والتزام العقود لا يوجب الحنث عليه فيها شيئا ويحملهم على ذلك ويريهم تسهيل سبيله بأن يحلف لهم بالطلاق على شيء وضده في مقام واحد يجرئهم بذلك على حدود الله تع. مناظرة المؤلف ﵀ لبعض الشافعية في لزوم الحنث في الحلف بالطلاق قلت وكنا نسمع من أخبار عوام الركوبات أن أهل الديار المصرية يكثرون الحلف بالطلاق في ترداد مخاطباتهم كما يجري لفظ الجلالة بصيغة القسم في تخاطب أهل بلادنا وأنهم يزعمون عدم انعقاد اليمين على الحالف بها حتى يضع يده على رأس امرأته زعما منهم أن الشافعي يقول بذلك فنقول لقائل ذلك حاشا الله أن يقول الإمام محمد بن إدريس الشافعي هذه القولة المباينة لما عليه علماء هذه الملة حتى حللت بالبلاد الشرقية وأنا صاعد للحج كنت ذات يوم أساير قاضيًا من قضاة الحواري بمصر في طريق درب الحجاز ونحن نتفاوض المسائل ورأيت معه وقود ذهن ولوذعية نظر فإذا به ينصر مباحثته بالحلف بالطلاق المتكرر

стр. 83

السرمدي. فقلت له: الأصل في هذا اليمين الحضر فاستعمالها طوعا محرما يتقدم فيه بالزجر ثم بالأدب. وقال لي: ولم ذلك ألم ينشأ عنه من الحنث. قلت له: نعم. قال: نحن لم تنعقد علينا فكيف بالحنث. قلت: وما ذاك قال تكرر عندنا فقها وعرفا أن الرجل إذا بنى بأهله فلساعة رؤيتها يضع يده على رأسها ويقول لها إن حلفت بك صادقا فتكوني علي طالقا ثم لا يلزمه بعد ذلك إلا الطلاق الإنشائي أو اليمين التي تصدر عن عزيمة صدق وهو فقيه نفسه في ذلك فقلت له هذا شكل استرعاء في الطلاق فقال لي: قلت له: وإن كان نافعا لكن في اليمين التي يتبرع بها الحالف في غير دفاع طلب أو جريان حق على سبب إذ الاسترعاءات إنما هي نافعة في التبرعات فما كان لأجل شخص ولو في إرضائه فالظاهر اللزوم إذ المشهور في اليمين أنها على نية المستحلف فقال بلى يتعاكس المشهور في مذهب الشافعي مع المالكي هو على نية الحالف عندنا على المشهور. قلت له: فيلزم عليه ألا تندفع دعوى بيمين وتبطل حكمة الشرع في توجيه اليمين على المنكر إذ هي عوض عن المال فإذا ورد الحالف في يمينه وقلتم إن نيته نافعة لم يكن لليمين موقع في دفع الدعوى. وطال بيننا الكلام حتى زكنت أني أفحمته وفي الحقيقة أن هذا كما قال في "تنبيه الحكام" من التبهرج في دين الله بما يأباه الحق. جرأة الجهال على الفتوى وقال في هذا الفصل: جرأة هؤلاء الجهلة على الفتوى في عظيم النوازل على حسب أغراضهم بما قد نقلوه فلم يفهموه أو قاسوه فجربوه من رخصة قائل أو نظر ناظر في مذهب المذاهب الشاذة والأقوال الفاذة وربما مر بنظره الفاسد في أشباه هذه الأقوال إلى انبساط أشياء لا رأس لها ولا ذنب يخرق في بعضها الإجماع فبينما هو يفتي بأن المطلقة ثلاثا ترد إلى الواحدة وبجواز أم الولد إذ به يفتي بإباحة التيمم للصلاة والفطر في رمضان للصحيح القادر المقيم إذا شنف استعمال الماء وسئم الصير عن الغذاء وما أشبه هذا من الفواحش القاصمة للظهر مما يمنعنا الحياء من تعدادها ويزعنا وازع الدين عن ذكرها وتردادها. ولشد ما أولع ضعفاء العامة بالأخذ عنهم والاقتداء بهم واعتقاد المعرفة فيهم فإن النفوس الخبيثة تنزع إلى الشر الذي هو من جنسها وهذا النوع من أعظم المناكر التي

стр. 84

تؤدي لاستحقاق عموم العذاب الموجب من سخط الله تع ومقته أشد مراتب العقاب فواجب على كل من ملكه الله تع القبض على مثل هؤلاء وإرهاقهم العقوبة الشديدة والتنكيل المبرح لا يتعاطى أحد فوق قدره ولا يتعدى حدود طوره فإن فتنة هؤلاء في الأمة أشد من فتنة الجوع والخوف في تخريب البلاد ونهب النفوس والأمول وذلك أن من هلك منا فإلى رحمة الله تع وكريم عفوه ومن هلك دينه فإلى لعنة الله وعظيم سخطه ومقته أعاذنا الله تع والمسلمين أجمعين. قلت: قال الإمام المازري في "كتاب الأقضية" الذي يفتي في هذا الزمان أقل مراتبه فيما ينقل عن المذهب أن يكون مطلعا على الروايات قاصدا لمحالها وتأويل الشيوخ عليها وتوجيههم لما وقع فيها من اختلاف ظواهر واختلاف مذاهب وتشبيههم مسائل بمسائل قد يسبق إلى النفس تباعدها وتفريقهم بين مسائل ومسائل قد يقع في النفس تقاربها فهذا يقتصر على نقله عن المذهب ألحقنا الله بأقل مراتب هذه الدرجة. وذكر ابن رشد في أجوبته تقسيم جماعة أولي الإفتاء على أربعة طوائف فلا نطيل بجلبه لشهرة محله فاطلبه هنالك إن شئت والكلام في شروط المفتي والمستفتي وما يستفتى فيه تكفله علم الأصول. من يدعي علم الطب قال في "تنبيه الحكام" وكذلك ما يتعاطاه كثير ممن يدعي علم الطب ومعرفة الأدواء وصناعة اليد على جهل منهم لحقائقه إلا لمحة وقفوا عليها أو إشارة نظروا إليها وهذا الشأن من الطب مما تبطن خفاياه وتعظم زواياه فيسرعون في أجسام المسلمين بالإذاية القتالة والقطع والكي والعلاج المهلك على غير علم. فلقد سمعت أن بعضهم ركب دواء لرجل ثم سأله بعد ذلك عن فعله فلما أخبره ذلك الرجل وثب مسرورا وقال: ما كنت أظن أنه يفعل ذلك الفعل وكان هذا الطبيب المستخفي قد جربه في هذا المسكين مختبرا لصحة عمله ومبلغ فعله. وبهذا يأتون على كثير من النفوس وإتلاف الأعضاء والسمع والبصر بحسب اجتهاد الطبيب وقوة جرأته. قلت: قال الشيخ محمد بن زكريا الرازي رئيس المتطببين وفلاسفة المسلمين في مختصره المسمى بالمنصوري وفي الباب التي أفردها بذكر محنة الطبيب ينظر فيما أفنى

стр. 85

المتطبب ماضي زمانه وما همته إذا انفرد وخلا. فإن كان أفنى دهره في تصفح كتب الأطباء والطبيعيين وكانت همته إذا خلا النظر فيها فليحسن الظن به وإن كان إنما أفنى ماضي عمره في شيء غير ما ذكرت وإنما همته إذا خلا اللهو والشراب ونحو ذلك فليسيء الظن به. ومن كان يدمن النظر في الكتب فينبغي أن ينظر في مقدار عقله وفطنته وهل جالس المتكلمين والمتناظرين وهل له قوة في البحث والنظر أم لا فإن كان قد أطال صحبتهم واكتسب منهم حظا من القوة على البحث والنظر فينبغي أن ينظر هل شاهد المرضى وقلبهم وهل كان ذلك منهم في المواضع المشهورة بكثرة الأطباء والمرضى أم لا فمن اجتمعت له هاتان الخلتان فهو فاضل عالم. وأما من لم تكن حالته هذه الحالة لكنه صحب من حالته هذه صحبة طويلة وكان تعلمه في المواضع المشهورة بكثرة الأطباء والمرضى فليوثق أيضا به إذا كان له سمت ودين فأما إن كان متعاطيا هذه الصنعة أميا أو عاميا لا يفهم الكلام ولم يجالس أهله فلا ينبغي أن يوثق بمعرفته بل لا يبنغي أن يظن به أن عنده خيرا لأن هذه الصناعة لا يمكن الإنسان الواحد إذا لم يحتذ فيها أثر من تقدمه أن يلحق منها كبير شيء ولو أفنى جميع عمره فيها لأن مقدارها أطول من عمر الإنسان بكثير وليس هذه الصناعة فقط بل جل الصناعات كذلك. وإنما أدرك من أدرك من هذه الصناعة إلى هذه الغاية ألوف من الرجال في ألوف من السنين فإذا اقتفى المقتفي أثرها صار كأنه قد أدركهم كلهم في زمان قصير وكان كمن عمر تلك السنين وعنى تلك العنايات وإن لم ينظر في كتبهم فكم عسى تراه أن يشاهد في عمره وكم مقدار ما تبلغ تجربته واستخراجه ولو كان أذكى الناس على أن من لم ينظر في الكتب ولم يفهم صور العلل في نفسه قبل مشاهدتها فهو وإن شاهدها مرات كثيرة أغفلها ومرت به صفحا ولم يعرفها البتنة هـ. قلت: وما ذكر في قوله وليس هذه الصناعة فقط بل جل الصناعات قد رأيناه عيانا في صناعة القضاء يقوم بها قيام المعرفة والتحقيق من له فيها مزاولة وتكرار نوازل دون من لم يحصل له ذلك ولو حصل من حفظ الفقه أكثر بكثير من الآخر ولهذا تجد الشاهد (بصحة) الوثيقة العالم بفقهها يصلح للقضاء دون من دأبه الدرس والتحصيل ونصوصهم متظافرة على ذلك قال في" المدونة" قال مالك وليس علم القضاء

стр. 86

كغيره من العلوم ولم يكن بهذه البلد أعلم بالقضاء من أبي بكر بن عبد الرحمن وكان قد أخذ شيئا من علم القضاء عن أبان بن عثمان وأخذ ذلك أبان عن أبيه عثمان رضه عن جميعهم هـ. الفتوى في نوازل الأمصار وكذلك مزاولة الفتوى في نوازل الأعصار والأمصار تسهل مسالك القضاء على من لا سلف له فيه قال في "جامع الأحكام" أخبرنا بعض شيوخنا في تدريسه عن الشيخ أبي عبد الله ابن شعيب أنه كان ولي القضاء بالقيروان ومحل تحصيله في الفقه وأصوله شهير. فلما جلس الخصوم إليه وفصل بينهم دخل منزله مقبوضا فقالت له زوجته ما شأنك؟ فقال لها عسر علي حكم القضاء فقالت له: شاهدت سهولة أمر الفتيا عليك فاجعل الخصمين كمستفتيين فيسألاك. قال فاعتبرت ذلك فسهل علي أمر القضاء. لا تنفذ عزلة العالم بتقديم الجاهل عليه فيجب على من ولاه الله عموم النظر في أصناف الولايات وضروبها أن يتبرأ من درك المسلمين بل وبني آدم أجمعين في تقديمه عليهم واليًا لا تنعقد ولايته لجهله بكل ما قدم إليه وجريمته وكذلك إن قدم الجاهل بعزل العالم فلا ينفذ عزلته قاله الإمام المازري في شرح التلقين وعز الدين في أقوال عدة وعللا ذلك بأن إمام المسلمين الذي يعقد الولايات ويحلها بالعزل منها وظيفته النيابة عن المسلمين الموسعة الشاملة فلا يمضي إلا ما كان نظرا وولاية المفضول بعزل الفاضل لا نظر فيه للمسلمين وهو أيضا في نفسه معزول عن فعل ما لم يكن سداد المسلمين كالوكيل المفوض إليه إذا فعل بتفويض ما كان غير نظر فيه للمسلمين فلا تنفذ العزلة فيه. فمن أشراط الساعة أن يوسر الأمر غير أهله ثم لا يسلم من تباعة المطالبة بذلك في القيامة يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بنيها وبينه أمدا بعيدا فأول ما يقضي مولانا ﷻ يوم الحساب في الدماء ثم في غيرها من مظالم العباد وذلك عين المظلم بإخبار الصادق المصدوق في قوله لا تضع الحكمة في غير أهلها فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم.

стр. 87

افتيات الأطباء ومن معنى افتيات الأطباء ما ذكر في "تنبيه الحكام" عن الصرف للمعروفين بالغرباء وقد شاهدناهم في كثير من الأمصار والأقطار. وقال وهي عندهم صناعة معلومة لها مراتب من الحيل والتحيل والمدكات وإيهام العقول تنقسم على وجوه كثيرة من بعضها الطب وأنواع العلاج وبيع الحروز وادعاء القيام بالسحر وأشياء من نحو ذلك كثيرة يتوصلون بها إلى أكل الأموال وارتكاب الفواحش ويبهرجون بكثير من ذلك على الخواص والعوام ويدخلون الوهم والعلل على صحاح الأجسام. ولا حاجة بنا إلى التطويل بشرح نوازلهم وتعديد ما بلغنا من رذائلهم فيجب على كل حاكم تفقد مثل هؤلاء وقمعهم ومنع من يتعاطى علم الطب أو نحوه من الجلوس للناس حتى يحضر مع من يوثق به من الأطباء العلماء ويختبرونه بحضرته ويصح عنده أنه أهل للجلوس في ذلك الشأن فإن من اقتحم على شيء من ذلك بغير استحقاق فقتل أحدا أو أتلف له عضوا على غير منهاج الطب فهو متعد يجب ضربه وسجنه ولزوم الدية قيل في ماله وقيل على عاقلته. هذا إذا لم يؤد نظر إلى أن يقاد منه وما أظن أحدا من الحكام القادرين على إزالة هؤلاء وصرف ضررهم عن المسلمين في سعة من دم قتيلهم أو جريحهم قلت: قوله هذا إن لم يؤد نظر إلى أن يقاد منه يعني إن تبين أنه أراد قتله بما أدخل جوفه فكان عنه الموت السريع كما قال العلماء فيمن سقى رجلا شيئا أو أطعمه طعاما فتقيأ إمعاؤه ومات من حينه إذ لا يكون القود إلا مع العمد المحض ومن زعم معرفة الطب وهو جاهل به فتكون الضرر عن علاجه غايته أن يلزم الدية لأن فعله من باب الخطأ لا من باب العمد إذ لم تظهر عنه آثار لقصد القتل العمد للعدوان وإنما قيل بالدية في ماله على أحد القولين لأن ذلك وإن يكن عمدا فهو شبه العمد. طبيب عالج رجلا فأتى على يديه قال في سماع ابن القاسم وسئل مالك عن طبيب عالج رجلا فأتى على يديه فيه قال إن كان الطبيب ليس له علم ووجد بينة أنه دخل في ذلك ظلما وجرأة وأنه ليس ممن يعمل مثل هذا وليست له معرفة فأرى أن يستأذن عليه وإني لا أحب للإمام أن لو تقدم إلى هؤلاء

стр. 88

الأطباء في قطع العروق وما أشبه ذلك ألا يقدم أحد على عمله إلا بإذنه فإني لا أزال أسمع بطبيب عالج رجلا فقطع أو صنع به شيئا (فأعنته) فمات منه ثم إني أتى على يدي ولم أره يجعل على الذي عرف بالعلاج فيعالج بما يعرف شيئا ولكنه يستحب أن ينهوا عن الأشياء التي فيها هلاك الناس إلا بإذن الإمام قال عيسى غر من نفسه أو لم يغر ذلك خطأ وديته على عاقلته. قال ابن رشد رحه تحصيل القول في هذه المسألة أن الطبيب إذا عالج الرجل فسقاه فمات من سقيه أو كواه فمات من كيه أو قطع مه شيئا فمات من قطعه أو الحجام إذا ختن الصبي فمات من ذلك أو قلع ضرس الرجل فمات من ذلك فلا ضمان على واحد منهما في ماله ولا على عاقلته إذا لم يخطئا في فعلهما إلا أن يكون قد تقدم السلطان إلى الأطباء والحجامين ألا يقدموا على شيء مما فيه غرر إلا بإذنه فعلوا ذلك بغير إذنه فأتى على أيديهم فيه بموت أو ذهاب حاسة أو عضو فيكون عليهم الضمان في أموالهم. هذا ظاهر ما في رسم العقود من سماع وقال ابن دحون إن ذلك يكون على العاقلة إلا فيما دون الثلث وذلك خلاف الرواية المذكورة. خطأ الطبيب وأما إذا أخطئوا في فعلهم مثل أن يسقي الطبيب المريض ما لا يوافق فيموت من ذلك أو تزل يد الخاتن فيتجاوز في القطع أو يد الكاوي فيتجاوز في الكي أو يكون مما لا يوافقه الكي فيموت منه أو يقلع الحجام غير الضرس التي أمر بها وما أشبه ذلك فإن كان من أهل المعرفة ولم يغر من نفسه فذلك خطأ يكون على العاقة إلا أن يكون أقل من الثلث فيكون ذلك في ماله. وأما إن كان لا يحسن وغر من نفسه فعليه العقوبة من الإمام بالضرب والسجن. واختلف في الدية فقيل: إنها تكون عليه في ماله ولا يكون على العاقلة من ذلك شيء وهو ظاهر قول مالك في هذه الرواية وقيل إن ذلك خطأ يكون على العاقلة إلا أن يكون أقل من الثلث فيكون في ماله وهو قول عيسى بن دينار هاهنا. وظاهر رواية أصبغ عن ابن القاسم في كتاب الديات لأنه قال في الطبيب يسقى النصراني أو المسلم الدواء فيموت منه إنه لا شيء عليه إلا أن يعلم أنه أراد قتله لأن تأويل ذلك أن الدية على العاقلة مثل قول عيسى والكفارة تابعة للدية حيثما لزمت الدية العاقلة لكون القتل خطأ أو في المال لما فيه من شبه العمد

стр. 89

لزمت الكفارة وحيثما لم تلزم الدية لم تلزم الكفارة إلا استحسانا حسبما قاله في رسم البز من سماع ابن القاسم من كتاب الديات في الصبي تسقيه أمه الدواء فيشرق به فيموت. وإذا تقدم السلطان للأطباء لا يداوي أحدهم ما يخاف منه وفيه غرر إلا بإذنه فوجه العمل في ذلك إذا استؤذن أن يجمع أهل تلك الصناعة فإذا رأوا أن يداوى العليل بذلك الدواء المخوف دواء به ولم يكن عليه شيء ولا على العاقلة إن مات منه وإن رأوا أنه يخشى عليه بذلك الدواء المخوف نهاه عن سقيه إياه فإن تعدى ضمن ماله وقيل على العاقلة. منكرات الأسواق المتعلقة بالمعاوضات وأما منكرات الأسواق الكائنة في عقود المعاوضات أو الغش في المبيعات أو غير ذلك مما يقضى به للعامة على الخاصة من الحالات أو في كل الأزمان والأوقات فمن ذلك ما يحصل في تركه وعدم المبالاة به لأهل الأسواق فساد أو انتقاص كتلقي السلع بظاهر البلد أو ببعض الأخصاص فيشتريها المتلقي بما يطلبه من الاسترخاص وليس له بها شرعا دون غيره من المسلمين اختصاص أو كبيع الحاضر للبادي لإضاعة رزق الحاضر من البدوي. وقد جعل الشرع إبقاءه على الجهالة بالسعر حكمة لحفظ المعائش من السر الخفي قال صلعم: لا يبيع حاضر لباد دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض قال الشيخ ابن رشد رضه فإذا كان المعنى في أنه لا يجوز أن يبيع الحاضر للبادي إنما هو ليصيب أهل الحاضرة غرة في أهل البادية كجهلهم بالأسواق وجب ألا يجوز أن يخبروا بالأسعار لما في ذلك من الضرر بأهل الحاضرة في قطع الذي جعله رسول الله صلعم لهم في الإصابة منهم لعلهم إذا لم يعلموا السعر أن يرضوا بالبيع بأقل من القيمة وهذا ما لا اختلاف فيه أعلمه في مذهب مالك. هـ. أهل البادية الذين لا يبيع الحضر لهم فإن قلت هل لهذا البدوي الذي لا يجوز أن يبيع الحاضر له ما أتى به من السلع بادية مخصوصة أو ذلك في كل من تبدى بسكنى البادية. قلت اختلف قول مالك في أهل البادية الذين وقع النهي عن بيع الحضري لهم على ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم أهل العمود خاصة دون أهل القرى المسكونة التي لا يفارقها أهلها. قال ابن رشد وهي راوية أبي مرة عن موسى بن طارق عنه.

стр. 90

والثاني: أنهم أهل العمود وأهل القرى دون أهل المدن. والثالث: أن المراد بذلك الجالف وإن كان من أهل المدن والحواضر. قال ابن رشد: ورأى على هذه الرواية بل هذا القول أن المعنى في النهي إنما هو على أن يبيع الحاضر للجالب وأن قوله لا يبيع حاضر لباد إنما أخرج على الأعم في أن أهل البادية هم الذين يجلبون على الحاضرة. قال الشيخ الأبي في إكمال الإكمال وليس بيع الدلال من بيع الحاضر للبادي لأن الدلال إنما هو لاشهار السلعة فقط والعقد عليها إنما هو لربها وبيع الحاضر إنما هو أن يتولى الحاضر البيع أو يقف مع رب السلعة ليزهده في البيع ويعلمه أن السلعة مثلا لم تبلغ ثمنها ونحو ذلك والدلال على العكس لأنه ربما رغبه في البيع وأعلمه أن السلعة لم تبلغ أكثر. وكذلك ليس من بيع الحاضر أن يبعث البدوي سلعة ليبيعها له الحاضر. وأما التلقي قال مالك فهو من معنى بيع الحاضر للبادي في علة المع إذ لا فرق بين أن يبيع له السلعة التي أتى بها وبين أن يذهب له فيتلقاه ويشتري منه ثم يأتي فيبيع. وهل من التلقي خروج أهل المدينة إلى الحوائط والجنات فيشترون منهم الثمار هنالك ثم يدخلون إلى المدينة ويبيعونها على أيديهم قال في سماع أشهب سأل الأمير مالكا عن ذلك وأنه اختلفت عليه إشارة العلماء فبعضهم أشار عليه بالمنع وبعضهم أشار عليه بالترك فبأي ذلك يأخذ؟ فقال له خذ بقول من قال بمنعهم فقد نهى رسول الله صلعم عن تلقي السلع حتى يهبط بها إلى السوق. قال أشهب من رأيه لا بأس بذلك وليس هذا بتلقٍ وإنما التلقي أن يتلقى الجلاب قبل أن يهبط بذلك للأسواق كان ما كان ذلك الجلف طعاما أو حيوانا أو غيرهما من الأشياء كلها هـ. وأما من كان منزله على الطريق فيريد الشراء من الجلاب أو يكون بالبلد فيشتري من الأزقة قبل أن يصل إلى السوق فهو أيضا من التلقي. قال في سماع أشهب وسألته عن الذي يكون منزله على طريق الجلاب قال لا يعجبني أن يشتري منهم ما يريد بيعه فلا أرى ذلك وهو من التلقي. قلت له أفرأيت الذي يخرج من المدينة فيبيع أو يمسك قال لا خير فيه باع أو أمسك إنما كره التلقي أن يذهب الرجل من البلد قد عرف أسعارها ثم يقدم فيبيع على معرفة.

стр. 91

وسألته عن تلقي السلع داخل المدينة بأفواه الطرق فقال إن ذلك يفعل بالمدينة لأنهم يتلقون بأفواه الطرق فلا أرى أن يصلح ذلك وأرى أن يمنعوا منه حتى يهبط بها إلى السوق وبعض من يحدث يقول في حديثه حتى يهبط بها إلى الأسواق فلا أرى ذلك حتى يهبط بها إلى الأسواق وينالها القوي والضعيف. قال الشيخ ابن رشد رحه تع أجاز للذي يكون منزله على طريق الجلاب وبينه وبين المدينة والحاضرة الأميال أن يشتري منهم ما يأكله أو يضحي به لما عليه من المشقة في النهوض إلى الحاضرة. ولم يجز لمن كان في الحاضرة أن يشتري ما مر ببابه من ذلك إذ لا مؤنة عليه في النهوض إلى السوق لقربه ولذلك لا يجوز له أن يتلقى شيئا منها من المدينة بأفواه الطرق لأن ذلك بمنزلة أن يخرج من الحاضرة إلى الطريق فيشتري ما يأتي من الجلائب وهو التلقي المنهي عنه في الحديث. وأما ما يريد به التجارة فلا يشتريه في الطريق وإن مر به في منزله بقريته وبينه وبين الحاضرة التي توجه بالمتاع نحوها الأميال قال ابن حبيب في الواضحة أو الأيام هـ. ومن التلقي أيضا ما يأتي به الرجل من البادية النائبة إلى مداشر البلد القريبة منها ويترك ما أتى به هنالك ثم يدخل للبلد فيبيع لرجل واحد ما أتى به ويترك المبتاع ذلك هنالك حتى يدخله للبلد أي وقت شاء ويبيعه بسوقها شيئا فشيئا. قال في سماع ابن القاسم وسئل مالك عن النفر من التجار يخرجون إلى الريف فيشترون أغناما فيأتون بها قريبا من الفسطاط على قدر الميل ونحوه فيجعلونها من مراعي ترعى فيها ويتيسر لهم دخولها الفسطاط ويكون ذلك أرفق بهم فيدخل الرجل المدينة فيدعو رجلا منهم يأمنه ببيعه إياها ثم يدخلها المشتري لها قليلا قليلا فيبيعها. قال: إني أخاف أن يكون من التلقي. وعندنا رجال يفعلونه ببلدنا قلت له: أفتكرهه؟ قال: نعم لأكره أن يعمل به وأراه من تلقي السلع. قال الشيخ ابن رشد رحه تع هذا كما قال إن ذلك من تلقي السلع لأن المعنى في النهي عن تلقي السلع عن ذلك إنما أريد به نفع أهل الحاضرة كما أريد بالنهي عن أن يبيع حاضر لباد نفع أهل الحاضرة منه في السوق بما يرضى به من قليل الثمن وكثيره فإذا باع الغنم الجالب لها من رجل من أهل الحاضرة ألحق الذي جعله رسول الله صعلم لهم في ذلك. قلت: ينبغي أن يقيد المنع في هذه المسألة بما إذا كان الجالب في شكل الطائع

стр. 92

والمختار في الورود بما أتى به لسوق المسلمين فيختار البيع خارج البلد أما إذا كان في شكل المكره فيرتفع الخطاب بالمنع للإكراه لقوله ﵇: ولا ما استكرهوا عليه. وذلك في مثل بلدنا وغيرها في كثير من البلاد القائم فيها وظيف المكس أعاذنا الله من شر التباعات الظلمية فينال الغارم بعد غرمه في بعض الأحيان من الإهانة ما الله به عليم ولا يحل لامرئ مسلم أن يهين نفسه فإذا كان الجالب ممن لا يرضى ذلك لنفسه أو لا يستطيع أن يحملها عليه خصوصا إن كان من ذوي الهيئات فحقيق به وجوب البيع حيث يأمن إطالة أيدي الماكسين عليه ويرتفع خطاب المنع عنه وفاقا لحلول المانع الجبري له. مفاوضة المؤلف مع جده الأقرب وقد تفاوضت ذات يوم مع سيدنا الجد الأقرب في قوله ﵇: أما إنها تابت توبة لو تابها مكاس لقبلت منه. وذكرت له قول عياض في إكماله أن فيه دليلا على عظم ذنب صاحب المكس وذلك لكثرة تباعات الناس عليه وظلاماتهم قبله وأخذه أموالهم بغير حقها وسنه سنة مستمرة استمرار الحقوق ثم العلة في عدم قبول توبته لما تعلق بذمته من التباعات المجهول أربابها ومن شروط التوبة رد المظالم إلى أهلها وذلك متعذر في حقه لكثرتهم وجهل أعينهم ومنهم الميت والغائب. وكان السبب في هذه المفاوضة أنه مرض مرضا ثقيلا فأشرت عليه بأكل الكمثرى الذي هو في اصطلاحنا الاجاص وليس هو في اصطلاح الفقهاء مع الأطباء وإنما اصطلاحهم في الآجاص العبقر الذي نسمه في عرفنا بالبرقوق فوقع البحث عنه فلم يوجد إلا في عرصة للوالي ابن بو جمعة فابتاعه الباحث من هنالك وأتى به إليه فسأله من أين هذا فأخبره فاشمأز من ذلك فقلت له أما إنهم قالوا في بعض الأقوال المذهبية إن المستغرق الذمة تجوز مبايعته بالقيمة فقال لي ينادي على القائل بالمنع ذلك من قعر الثرى وأنا آكل هذا الكمثرى أكلت متاع الناس يا كذا إنما يليق يا ولدي بأهل الفضل اختيار ما كان شاقا على النفس ولو كان القول فشذوذا. وأبى من أكله بعد دفع الثمن فيه وقوة الحاجة إليه رضه ونفعنا ببركته وحشرنا في زمرته وقطع مواد رضاه في الدنيا والآخرة عن القاطع من ذريته ثم أسمعني في الحين من لفظه حديثا مرسلا عن رسول الله صلعم أنه قال من أخذ لرجل درهما ظلما فإنه يؤدي فيه بين يدي الله سبحانه ثواب سبعمائة صلاة مقبولة.

стр. 93

النهي عن تلقي السلع فإن قلت ما ورد من النهي عن تلقي السلع وبيع الحاضر للبادي إنما هو في الابتداء وما الحكم إذا وقع ونزل هل يفسخ أو يصح؟ قلت: اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال: فقيل يفسخان معا ما لم يقع الفوات بما تفوت به البياعات الفاسدة وقيل لا يفسخان وإنما تزال السلعة منهما وتعرض على أهل الأسواق وقيل الفرق بين التلقي وبيع الحاضر للبادي فتعرض في الأول ولا تفسخ وتفسخ في الثاني ولا تعرض. مسألة فقهية ولنأت بما وقع في الرواية وكلام ابن رشد عليها بما تكفل قوله من الفوائد وجمع ما شرد عن الذهن من الفرائد الأوابد. قال في سماع عيسى وسئل عن الرجل يتلقى السلعة فيشتريها قال ابن القاسم إذا أدركت في يديه وكانت من السلع التي ليس لها أهل راتبون في السوق فيشترونها في حوانيتهم ويبيعونها من الناس وإنما جل أمرها وشأنها أن يبيعها جالبها من الناس كافة فإنها تؤخذ من يده وتوقف للناس في السوق فيشترونها بما اشتراها به لا يزيدونه شيئا فإن لم يجد من يشتريها إلا بأنقص من ذلك الثمن ردت عليه وإن كانت من السلع التي لها راتبون في السوق فيشترونها ممن يجلبها ويبيعها من الناس فإنها تؤخذ منه ويشرك فيها أهل تلك السلعة الذين يشترونها من أهلها ويبيعونها من الناس إن أحبوها وإن أقرها بالثمن ردت عليه. قلت فإن فاتت بيده قال إن كان متعودا لذلك أدب وزجر وإن كان ليس بمتعود نهي وأمر ألا يعود قلت أفلا يرى أن يتصدق بربح إن كان فيها قال ما أراه بالحرام البين ولو احتاط فتصدق به لم أر به بأسًا. قال سحنون سألت ابن القاسم عن الذي يتلقى الركبان فيشتري منه قال أرى أن تعرض السلعة على أهل الأسواق بالثمن الذي اشتراها فإن أخذوها به وإلا ردوها على بائعها وأدبه ضربا وجيعا إلا أن يعذر بجهالة. وقال أبو علي بن القاسم يفسخ البيع في هذا وفي بيع الحاضر للبادي وفي الذي يسوم على سوم أخيه وفي هذه الأشياء كلها وترد السلعة على أربابها. قال أصبغ وسألت ابن القاسم عمن تلقى سلعة أو باع لباد. قال: أما الذي تلقى فأرى

стр. 94

أن تعرض السلعة في السوق لمن احتاج من أهل تلك السلعة وغيرهما ممن يشتري فتباع لنهي رسول الله صلعم عن تلقي السلع وأما من باع لباد فأرى أن يفسخ البيع لأن المشتري ابتاع حراما قد نهى رسول الله صلعم عنه وسئل عن البيع للبدوي هل يختلف عندك إن كان حاضرا معه أو غائبا قال: البيع مكروه حضر البادي أو غاب عنه. وروى أصبغ عن ابن القاسم في كتاب البيوع والعيوب قيل لابن القاسم وببا .. وأبو صير من أهل البوادي قال لا لأنهما أهل مدائن إنما يراد بهذا أهل القرى يريد به الحديث الذي جاء عن رسول الله صلعم لا يبيع حاضر لباد وببا وأبو صير كورتان من كور أهل مصر قال عيسى: وقال ابن القاسم: إذا باع الحاضر للبادي فسخ البيع إن أدرك. قلت فإن فات قال إن كان رجلا متعودا أدب وزجر وإن كان غير متعود نهي عن ذلك ولم يكن عليه شيء. وسئل عنها سحنون فقال سألت عنه ابن القاسم فقال إذا باع حاضر لباد فأرى أن يمضي البيع أو يؤدب أهله. قال ذو خاق وسئل ابن وهب عن الحاضر يبيع للبادي عالما بمكروهه أو غير عالم هل ترى للسلطان أن يؤدبه قال لا يؤدبه ولكن يزجر عن ذلك قال الشيخ ابن رشد رحه فرق ابن القاسم في رواية عيسى وأصبغ عنه بين شراء المتلقي وبيع الحاضر للبادي فأجاز شراء المتلقي ولم يفسخه إلا أنه رأى أن تعرض السلعة على أهل تلك البلد التجارة وبالثمن الذي اشتراها به إذا أدركت في يديه أو على جميع الناس بالسوق وإن لم يكن لها أهل. وقوله إن أدركت بيده معناه إن أدركت بيده قائمة لم تفت. واختلف بماذا تفوت في ذلك فقيل: إنها تفوت فيه بما يفوت به البيع الفاسد. وقيل: إنها لا تفوت إلا بالعيوب المفسدة ولم يجز بيع الحاضر للبادي فقال إنه يفسخ ما لم تفت يريد بما يفوت به البيع الفاسد وساوى في رواية سحنون عنه بين البيعتين في أنهما لا يفخسان إذا وقعا إذ لا غرر فيهما ولا فساد في ثمن ولا مثمون إلا أنه رأى في شرائه المتلقي أن تعرض السلعة على أهل الأسواق بالثمن الذي اشتراها به. ويلزم على قياس ذلك في بيع الحاضر للبادي أن يكون للمشتري الرد إن شاء إذا لم يعلم أن حاضرا باع له وقال ظننته باديا اشترى منه رخيصا ولم ير ذلك في ظاهر قوله وذلك تعارض بين الوجهين. وساوى غير ابن القاسم بينهما في أنهما يفسخان. وقال وكذلك الذي يسوم على سوم أخيه وهو قول مالك في رواية ابن نافع وأشهب عنه. فقول ابن القاسم في سماع سحنون عنه على القول بأن النهي لا يقتضي فساد المنهي عنه

стр. 95

وقول غيره مع قول مالك في رواية أشهب وابن نافع عنه في النهي يقتضي فساد المنهي عنه. فقد قيل إنه يقتضيه من جهة وضع اللغة لأن النهي ضد الأمر فلما كان الأمر يدل على الجواز والصحة وجب أن يدل النهي على عدمهما ووجب صدهما وهو البطلان والفساد. وقيل إنما يقتضيه بدليل الشرع وذلك أن رسول الله صلعم قال من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد فوجب أن يرد كل بيع نهى عنه رسول الله صلعم ما لم تقترن به قرينة تدل على جوازه وأما تفرقة ابن القاسم في رواية عيسى عنه فلا يجهلها القياس لأنه جعل النهي مقتضيا للفاسد في بيع الحاضر للبادي ولم يجعله مقتضيا له في المنع من التلقي فهو استحسان ووجهه أن النهي عن أن يبيع حاضر لباد متناول للبيع نصا والنهي عن تلقي الركبان لا يتناول البيع نصا وإنما يتناول بالمعنى ولا يقوى المعنى قوة النص مع أنه قد اختلف في فساد البيع بمجرد النص وكذلك قول من قال إن البيوع المطابقة للنهي دون أن يخل فيها بشرط من شروط صحتها تفسخ ما لم تفت فإن فاتت مضى بالثمن وهو استحسان على غير قياس. وتحصيل الخلاف في هذا النوع من البيوع أن نقول فيها ثلاثة أقوال. أحدها: أن البيع يفسخ فيها كلها. والثاني: أنه لا يفسخ في شيء منها. والثالث: أنه يفسخ فيما تناول النهي فيه منها البيع نصا ولا يفسخ فيما تناوله منها بالمعنى واختلف على القول بأنه لا يفسخ هل يكون فيه حق لمن كان النهي بسببه أم لا كالنهي على تلقي الركبان وأن يبيع حاضر لباد لأن المعنى في النهي عن ذلك إنما هو لرفق أهل الحاضرة عند مالك رحه تع وجميع أصحابه. فقيل إن له في ذلك حقا وتعرض السلعة في التلقي على أهل الحاضرة في السوق بالثمن فإن قبلها وإلا ردت عليه للحق الذي لهم في ذلك ويكون المشتري في بيع الحاضر للبادي بالخيار بين أخذها وردها إن لم يعلم أن حاضرا باعها منه للحق الذي له في ذلك أيضا وقيل إنه لا حق له في ذلك فلا تعرض السلعة في التلقي على أهل السوق ولا يكون للمشتري من البادي إذا باع منه حاضر ولم يعلم خيار في ردها. وقد حكى ابن حبيب في أن بيع الحاضر للبادي يفسخ لأن عقده وقع بما نهى عنه رسول

стр. 96

الله صلعم إلا أن يشاء المشتري أن يتمسك وقال وهو قول مالك وقوله بعيد خارج عن القياس والأصول لأن العقد إذا كان فاسدا بالنهي فلا يجوز للمشتري التمسك به وإنما الكلام إذا لم يكن فاسدا فالنهي على القول بأن النهي لا يقتضي فساد المنهي عنه فقيل إنه يلزم المشتري ولا خيار له وقيل إنه يكون بالخيار وإذا لم يعلم أن حاضرا باع منه على ما ذكرنا وقد ذهب بعض الشيوخ إلى أن جعل قول ابن حبيب مفسرا لرواية أصبغ وعيسى عن ابن القاسم في هذا الرسم وذلك غير صحيح لأنه قد نص فيها أنه بيع حرام لنهي النبي صلعم عنه فكيف يصح أن يقال في البيع الحرام أن المشتري فيه بالخيارز ورواية سحنون عن ابن القاسم مخالفة لرواية عيسى واصبغ عنه في ثلاثة مواضع أحدها أن يبيع الحاضر للبادي لا يفسخ. والثاني يجب الأدب فيه وفي بيع التلقي إذا لم يعذر بالجهل لأن ابن القاسم في رواية عيسى وأصبغ عنه لا يرى في ذلك الأدب إلا أن يكون معتادا بذلك وهو قول ابن وهب في رواية ذو خاقٍ عنه والثالث ما ذكرته من تعارض قوله في وجوب عرض السلعة في التلقي على أهل السوق. وأما قوله في رواية أصبغ في أهل ببا وأبو صير أنهما كورتان من كور أهل مصر فهما كأهل المدائن في جواز البيع لهم. النجش في الأسواق ومن ذلك النجش في الأسواق قال رسول الله صلعم لا تتلقوا الركبان للبيع ولا يسوم بعضكم على سوم بعض ولا تناجشوا ولا يبيع حاضر لباد وفسر في " الموطأ" بيع النجش بأن يزيد ليغر ونصه قال مالك: والنجش أن تعطيه بسلعته أكثر من ثمنها وليس في نفسك شراؤها فيقتدى بك غيرك وتلك الزيادة هي المسماة في عرف أهل أسواقنا بالبرج. قال ابن رشد في تفسيره له هو أن يعطي الرجل العطاء في السلعة لا يريد شراءها ليغتر بذلك غيره. زاد في تنبيه الحكام في وصف الذي يزيد أن يكون تاجرا معروفا بحسن النظر ولا شك أن ذلك أقوى في داعية الغرور. قال الأبي في إكمال الإكمال وليس من النجش ما يتفق أن يأتي الدلال بالسلعة لمن يعرف قيمتها فيستفتح له بما ينادي به فهو لا يريد شراءها وإن كان لا يشتريها فهو لا يفعله للغرور.

стр. 97

النجش بسوق الكتيبين من تونس قال وكان الشيخ ابن عرفة يحكي أنه كان بسوق الكتبيين من تونس رجل مشهور بالصلاح عارف بقيم الكتب يستفتح للدلالين ما يبنون عليه في الدلالة ولا غرض له في الشراء وهذا الفعل جائز على ظاهر تفسير مالك بقوله أكثر من ثمنها وهو لم يسم لهم إلا نفس القيمة وعلى تفسير ابن رشد والأكثر لمجرد العطاء للغرور فهو ممتنع. ثم قال في "تنبيه الحكام" بعد قوله أقوى في داعية الغرور وهذا حرام منكر نهى عنه النبي صلعم فيجب تفقده في مظانه وقطعه بعد معاقبة من لم يزجره النهي. قلت قوله نهى عنه النبي صلعم قد رأيت حديثا مسندا بخصوصية النهي به دون التشريك به مع غيره كما أسلفنا نقله قريبا نقله في جامع العتبية. قال مالك قال نافع عن ابن عمر أن النبي صلعم نهى عن النجش وهو نص ما في الموطأ فإن فعل ذلك أحد ليس من قبل البائع ولا كان له فيه سبب لزم المشتري الشراء وباء الناجش بالإثم وإن كان البائع هو دس من زاد في السلعة ومن كان من سببه مثل عبده وأجيره وشريكه وما أشبه ذلك فالمشتري بالخيار في السلعة ما كانت قائمة إن شاء التزمها بالثمن الذي اشتراها به وإن شاء ردها وإن فات في يديه ردت إلى القيمة أقل من الثمن. قاله ابن حبيب في الواضحة واختار ابن العربي أن الناجش إذا بلغ السلعة القيمة فهو مأجور قال ابن عبد السلام وفيه بعد لأنه إن لم يرد الشراء فهو إتلاف لحال المشتري وإن كان مع إرادة الشراء فليس بناجش. ذكر المؤلف لجده الأقرب قلت وكان يتقدم لنا عند شيخنا وسيدنا الجد الأقرب من الطعن واستبعاد ابن عبد السلام بقوله إن لم يرد الشراء فهو إتلاف لمال المشتري معارضته بقولنا بل هو جبر لمال البائع ومال المشتري محفوظ ما لم يتجاوز القيمة. ذكر المؤلف لفتوى جده الأعلى في مسألة الدرهم وهي التي تنظر لمسألة الحاكة مع التجار التي وقعت لمولانا الجد الأعلى أيام قضائه ببلد سلا من أرض المغرب الأقصى في الدراهم الذي اجتمع أمناء التجار والحاكة على أن يأخذوه من كل شقة تباع فيحفظ لإعطائهم ما يجتمع منه في مظلمة تحدث

стр. 98

أو وظيف من الجانب المخزني يوما ما لما فيه من الإرفاق والمياسرة عن أداء ذلك يوم طلبه من الناس دفعة واحدة. فلما وقع من الجانب السلطاني رفع المظالم وقع الاختلاف في المجتمع من ذلك الدرهم هل هو من مال البائع أو من مال المبتاع وكانت عن الاختلاف المناظرة المشهورة بين مولانا الجد الأعلى والفقيه العالم المرحوم أبي العباس أحمد القباب قيدها بعض نجباء طلبتهما يعرف بابن قنفذ وسمى تفسيره بلباب اللباب في مناظرة العقباني والقباب. بيع آلات اللهو المحرمة والتماثيل المجسدة ومن ذلك بيع آلات اللهو المحرمة والتماثيل المجسدة وأواني الذهب والفضة وثياب الحرير المصمتة التي هي من شكل الرجال: كل ذلك يجب تغيير بقائه وإزالة شكله إذا كان المقصود به الاستعمال فيما لم يبح الشرع استعماله فيه. قال في سماع أشهب وابن نافع سئل مالك عن التجارة في عظام على قدر الشبر يجعل لها وجوه فقال: الذي يشتريها ما يصنع بها؟ فقال: يبيعها فقال: ما يصنع بها؟ قال: يلعب بها الجواري يتخذنها بنات. فقال لا خير في الصور ليس هذا من تجارة الناس. قال ابن رشد رحه تع قوله لا خير في الصور يدل على أنه كره ذلك ولم يحرمه لأن ما هو حرام لا يحل فلا يعبر عنه بأنه لا خير فيه لأن ما لا خير فيه تركه خير من فعله وهذا هو حد المكروه لأن المكروه ما تركه ثواب وليس في فعله عقاب فهو لا خير فيه. ومعنى ذلك إذا لم تكن صورا مصورة مخلوقة مخروطة شبه الوجوه بالتزويق فأشبه الرقم في الثوب وإلى هذا تعلل أصبغ في سماعه من كتاب الجامع قال ما أرى بأسا ما لم يكن تماثيل مصورة مخلوقة مخروطة إلا أنه علل ذلك بعلة فيها نظر فقال لأنها تبقى قال ولو كانت فخارا وعيدانا تنكسر وتبلى رجوت أن تكون خفيفة إن شاء الله تع كمثل رقوم الثياب بالصور لا بأس بها لأنها تبلى وتمتهن. والصواب ألا فرق في ذلك بين ما يبقى أو يبلى فلا يبقى مما هو تمثال مجسد له ظل قائم مشبه بالحيوان الحي لكونه على هيئته. وإنما استخفت الرقوم في الثياب من أجل أنها ليست بتماثيل مجسدة لها ظل قائم يشبه الحيوان في أنها مجسدة على هيئتها وإنما هي رسوم لا أجساد لها ولا يحيى في العادة ما كان على هيئتها فالمحظور ما كان على هيئة ما كان يحيى في العادة ويكون له روح بدليل قوله صلعم

стр. 99

في الحديث إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم والمستخف ما كان بخلاف ذلك مما لا يحيى في العادة وما كان على هذه الهيئة. فالمستخف من هذه اللعب المصورة للعب الجواري لما جاء عن عائشة رضها كانت تلعب بها بعلم رسول الله صلعم فلا ينكر ذلك عليها بل كان يسرب الجواري إليها ما كان مشبها بالصورة وليس بكامل التصوير وكلما قال الشبه قوي الجواز وكل ما جاز اللعب به جاز عمله وبيعه قال ذلك في سماع أصبغ. قلت: قوله وكل ما جاز اللعب به جاز عمله وبيعه يعني الصور التي ليس لها ظل قائم ولا اتخاذ شبه بما خلق الله ما حي ذي روح أما ما كان على نحو ذلك فلا يجوز اللعب به وما كان لا يجوز اللعب به فلا يسوغ عمله ولا بيعه. البنات التي يلعب بها الجواري والبنات التي يلعب بها الجواري إن صح النقل عما كان منها في ملاعب عائشة رضها وذويها قائم الظل تام التصوير فيكون محل رخصة وإن كان غير كامل التصوير فيكون محل رخصة وإن كان غير كامل التصوير حسبما يظهر من كلام هذا الشيخ فالمنع بالجواز مطرد في الباب كله. ومن ذلك ما أجاب عنه في أسئلة بما يعمل في النيروز من صور الحيوان كالزرافات وشبهها مما يعمل في بلدنا في شهر ينير قال لا يحل عمل شيء من الصور ولا بيعها ولا التجارة فيها. والواجب منعهم منه. الأشكال المتخذة على هيئة الحيوان قال في "تنبيه الحكام" وكذلك بيع التصاوير والأشكال المتخذة على هيئة الحيوان كنحو ما يستعمل لجري الماء للحمامات والديار ونحوها على أشكال الأسد وغيره من جنس الحيوان. وكالتصاوير التي تستعمل للصبيان في الأعياد والمواسم كل ذلك منكر لا يحل ويجب تغييره والمنع من جميعه وكسر أواني الذهب والفضة حتى تبطل منفعتها بذلك وتقطع أثواب الحرير أو تحال إلى زي النساء ويفسد شكل الحيوان حتى يذهب أو جله المقصود ويتقدم في ذلك لمن اعتاده بما يجب إن شاء الله.

стр. 100

قلت: وأما الآلات التي يلعب بها الصبيان كالدوامات ونحوها فلا بأس بعملها وبيعها وما وقع في سماع عيسى من كراهة ابن القاسم يمنعها منهم فإنما هي لأجل استخفائهم بذلك من الآباء. قال فيه وسئل ابن القاسم عن الذي يعمل الدوامات للصبيان يبيعها منهم قال أكرهه له قال ابن رشد رحه إنما كره ذلك من أجل بيعه إياها من الصبيان ولا يدري هل أذن لهم في ذلك آباؤهم أو لا. ولو علم رضى آبائهم بذلك ولم يكن للكراهية وجه لأن اللعب مباح لهم لا يمنعون منه شيئا فقال ذلك ابن شعبان وهو صحيح لقول الله حكاية من إخوة يوسف في قولهم لأبيهم في يوسف أخيهم ﴿أرسله معنا غدا يرتع ويلعب﴾. وأما آلات اللهو فلا يجوز عمل ما كان سماعه منها محرما ولا يبيعه وإنما اختلف فيما يجوز استعماله منها مما لا يجوز. والقائل بجواز الاستعمال يقول بجواز البيع ضرورة ومن لا فلا. بيع البوق والعود والكير قال في سماع سحنون وسئل ابن القاسم عن بيع البوق والعود والكير فقال أرى أن يفسخ البيع فيها وأن يؤدبا قال الشيخ ابن رشد رحه أما العود والبوق فلا اختلاف في أنه لا يجوز استعمالها في عرس ولا غيره فيفسخ فيهما باتفاق ولا يقطع من سرقهما إلا في قيمتهما مكسورين. وأما الكير فقوله إن البيع يفسخ فيه يدل على أنه لا يجوز استعماله في العرس وذلك خلاف لما في سماع عيسى من كتاب النكاح ولما في كتاب السرقة من أن من سرقه يقطع في قيمته قائما. ولم يختلف في إجارة الدف وهو الغربال في العرس واختلف في المزمر والكير فقيل إنهما يجوزان فيه وهو قول ابن حبيب وقيل إنهما لا يجوزان فيه وهو قول أصبغ في نوازله من كتاب النكاح وقيل إنه يجوز الكير ولا يجوز المزمر. قلت أما نقل الاتفاق على منع استعمال البوق والعود الذي رتب عليه الاتفاق أيضا على فسخ بيعهما فمدخول بقول ابن عبد الحكم إن سماع العود واستعماله في صنيع لا شرف فيه غير محرم. نقله ابن أبي زيد في كتاب الشهادات من نوادره وكذلك ابن يونس وقوله

стр. 101

هذا شهير في أكثر الدواوين. وأما قول ابن كنانة بجواز استعمال البوق في العرس فلا يظن أحد خفاه على ابن رشد مع جلالة قدره حفظا واطلاعا. من المناكر الزيادة في الوزن أو الكيل والتطفيف ومن ذلك الزيادة في الوزن أو الكيل والتطفيف بها والنقص من معتادها فيعطي البياع الذي يفعل ذلك بالناقص ويأخذ بالزائد. قال في تنبيه الحكام الذي يجب في مثل هذا أولا تفقد المكاييل والموزين وقعبتها الذرع حتى تكون موحدة متفقة القدر في جميع المصر ونواحيه المعهودة به لا يتفاوت منها شيء عن شيء وينبغي تعهدها أبدا من الزيادة والنقصان والاشتداد على من علمت خيانته في شيء من ذلك وتنكيله بالعقوبة التي يستحق مثله. وتقدم الأمناء عليه في تفقد ذلك من ينصح لله تع. قلت ظاهر ما ذكر من إقامة العقوبة لمن فعل التطفيف بالزيادة والنقص على الإطلاق سواء كان ذلك معتادا منه أو لم يكن إلا مرة واحدة وليس في سماع ابن القاسم ولا إخراجه من السوق خاصة. وأما إن كان معتادا للغش بذلك فإنه يزاد على الإخراج الأدب في قول مطرف وابن الماجشون في واضحة ابن حبيب. قال في السماع المذكور وسألني صاحب السوق عن الذي جعل بسوق المسلمين في مكياله زفتا فأمرته أن يخرجه منه ولا يتركه فيه وذلك أشد عليه من الضرب. قال ابن رشد رحه قوله وذلك أشد عليه من الضرب يريد أن ذلك أردع له لأن أهل الفجور والغش قل ما ينهاهم الضرب. وظاهر قوله أنه يخرج من السوق أدبا له وإن لم يكن معتادا لغش خلاف ما حكى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون أن من غش في أسواق المسلمين يعاقب بالسجن وبالضرب وبالإخراج من السوق إن كان معتادا للغش يريد الذي قد أدب عليه فلو لم يردعه الأدب عنه وعاد يخرج من السوق ولا يرجع إليه حتى تظهر ثوبته وتعرف صحيح إذا لم يخرج عن السوق أدبا له وإنما أخرج لقطع ضرره عن الناس إذ قد أدب فلم ينفع فيه الأدب. فأما إذا أخرج عنه أدبا له من غير أن يكون معتادا للغش على ظاهر قول مالك هذا لا يمتنع أن يرد إليه بعد مدة يرى أنه قد تأدب بها وإن لم تظهر منه توبة.

стр. 102

قال بعض أهل النظر وإنما يؤدب الغاش بالإخراج من السوق إذا كان لا يمكن أن يرجع إليه دون أن يعرف به. وأما إذا كان يمكن أن يرجع إليه ولا يعرف ذلك لاتساع السوق فلا لما جاء من أن عمر بن الخطاب رضه كتب إلى أمراء الأجناد لا تتركوا النصارى في أعمالهم في الأسواق جزارين ولا صيارفة لأنه يخشى من المعتاد للغش أن يغش المسلمين لما يعلم من استحلاله. وقد قال سحنون قياسا على قول عمر بن الخطاب رضه أن يمنع من السوق من لا يبصر البيع من المسلمين فإذا كان يمنع منه لا يبصر البيع من المسلمين فالذي يغش المسلمين وقد اعتاد ذلك وأدب عليه فلم يردعه الأدب أحق بذلك وأولى. قال في "جامع الأحكام" ومن معناه اليوم ما يقع أنه يجعل بعض الجص في قاع المكيال ويكون له ميزانان للدراهم يأخذ بميزان ويعطي بآخر وصنجتان يبيع بواحدة ويشتري بأخرى فهذا كله داخل تحته التطفيف المنهي عنه. وفي المدونة عن غير ابن القاسم وهو وفاق إنما يجوز أن يشتري بالمكيال الذي جعله الوالي للناس في الأسواق وهو الجاري بينهم فأما مكيال ترك ولا يعرف قدره من المكيال الجاري بين الناس فلا يجوز ويفسخ. فإن قلت هذا الحكم في المكيال والميزان إذا غش بالزيادة في صورتهما الوضيعة عن المعتاد أو بالنقص فما صورة الكيل والوزن وما يحل من الزيادة في فعله وما لا يحل. قلت لما أمر الله سبحانه بالاعتدال في فعل الوزن والكيل وحرم التطفيف وهو الخروج عن الاعتدال بنقص غير معتاد أو زيادة. كذلك قال العلماء ﵃ صورة الكيل أن يصب ما يكال في المكيال باليد حتى يعلق رأس المكيال ثم يرسل يده ولا يمسكها من غير زيادة على ذلك. قال في سماع أشهب وسئل عما يجب على الكيال في الكيل أيطفف المكيال أم يصبه عليه ويجلب ثم يكيل قال لا يطفف ولا يجلب لأن الله تع يقول: ﴿ويل للمطففين﴾ فلا خير في التطفيف ولكن يصب عليه حتى يجتبذه فإذا اجتبذه أرسل بمده ولم يمسك قال الشيخ ابن رشد رحه كذا وقع في الرواية حتى يجتبذه والصواب حتى يجبنذه قال بعض أهل اللغة الجبنذة ما ارتفع من كل شيء وإنما قلنا إن الصواب لأن الاجتباذ هو الجلب الذي مع منه فقال لا تطفف ولا تجلب والتطفيف في الكيل هو الزيادة فيه على الوفاء وقد يقع

стр. 103

التطفيف على النقصان أيضا قال الله تع: ﴿ويل للمطففين﴾ إلى قوله يخسرون. فسمي النقصان تطفيفا. قال في الموطأ ويقال لكل شيء وفاء وتطفيف أي أن التطفيف يستعمل في النقصان وصورة الوزن أن يعتدل لسان الميزان من غير ميل وإن سأله ميله فليس من وجه المسألة إذ كثيرًا ما يسمح الناس بالرجحان. قال في السماع المذكور قيل له أرأيت ما اشتري وزنا من الزعفران أو غير ذلك من اللحم ما حد ذلك أبميل الميزان أم حتى يستوي لسان الميزان؟ قال حد ذلك أن يقوم لسان الميزان معتدلا ولا يميله فإن سأله أن يميله لم أر ذلك من وجه المسألة قال الشيخ ابن رشد رحه هذا بين على ما قال إن الوفاء في الوزن أن يقوم لسان لميزان معتدلا فلا وجه للقول فيه وأما سؤاله أن يميله فم ير ذلك من ناحية المسألة إلا أن ذلك مما مضى على فعله الناس إذ هو من التسامح في البيع الذي يندب إليه المتبايعون قال النبي صلعم رحم الله عبدا سمحا إن ابتاع سمحا إن اقتضى وكذلك سؤال الرضيعة بعد البيع. قال الإمام المازري وقد روي عن مالك أنه قال أرى يضرب السلطان الناس على الوفاء وروى ابن وهب عنه أنه كان يجيز الكيل والرزم إذا كانت عادة البلد محتجا بقوله تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالمعروف﴾ وقال الوفاء عندي إذا ملاء رأس المكيال وأما الرزم والزلزلة فلا أراه من الوفاء كأنه يكرهه وحمل ابن رشد ذلك على التحرير. قال في سماع ابن القاسم وسئل مالك عن الرزم والتحريك في الكيل مثل ما يصنع أهل المغرب أترى ذلك؟ قال ما أرى ذلك وتركه أحب إلي فقيل له فكيف يكال قال يملأ الويبة من غير رزم ولا تحريك ثم يمسك الكيال على رأسها ثم يسرح يديه فهو الوفاء فقيل له فإن قال البائع للمبتاع استوف لنفسك وأبى أن يكيل له. قال إن كان لنفسه فليستوف ولا يتعد. قال الشيخ ابن رشد رحه هذا كما قال إن الرزم والتحريك في الكيل مما لا ينبغي أن يصنع فيه إذ لا حد له يعرف فمن الواجب ينهى أهل الأسواق عن فعل ذلك ولا يجري عليه سيرة وعرفا لأنه عرف مجهول فلا يباح لهم التمادي عليه وقوله وتركه أحب إلي معناه الوجوب وهذا نحو قوله في كتاب الوضوء من المدونة لا يتوضأ بشيء من الأنبذة ولا العسل الممزوج بالماء والتيمم أحب إلي من ذلك أي هو الواجب دونه.

стр. 104

فالوفاء في الكيل كما قال أن يملأ الكيل من غير رزم ولا تحريك ويجمع الطعام فيمسكه بيده على رأس الكيل ثم يسرح يديه فما استمسك منه على رأس الكيل فهو وفاء ولا يجوز للبائع أن ينقص من هذا ولا المبتاع إذا اؤتمن على الكيل أن يزيد عليه. قال الله : ﴿ويل للمطففين﴾ وفي محل آخر وسئل مالك عن تطفيف المكيال وقيل له إنهم يستوفون في الحوائط ويكيلون للناس دون ذلك فرأيت مسح رأس الوبية لا ينحش فيه أحد قال: عليك أن تأمر الناس بالوفاء فمن ظلم نفسه ظلم وكره مرة مسح الويبة تطفيفا كراهية شديدة وطرأ التطفيف وتلا ﴿ويل للمطففين﴾ مرتين. وروي عنه صلعم أنه أمر بتصيير الكيل وأن يبتاع عليه وقال البركة في رأس ونهى عن التطفيف وروي أن يكل به (عرنكان) على التطفيف مسحا بالحديدة ويكره الرزم والتحريك ولكن يملأ ويسرح المكيال بيده بعد ملء الصاع فذلك الوفاء. الزمخشري في تفسير سورة المطففين: التطفيف البخس في الكيل والوزن. وروي عنه صلعم أنه قدم المدينة وكانوا من أخبث الناس كيلا فنزلت فأحسنوا الكيل وقيل قدمها وبها رجل يعرف بأبي جهينة ومعه صاعان يكيل بأحدهما ويكتال بالأخرى. وقيل كان أهل المدينة تجارا يطففون وكانت بياعاتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة فنزلت فخرج رسول الله صلعم فقرأها عليهم وقال خمس بخمس فقيل يا رسول الله وما خمس بخمس. قال ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عهودهم وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين ولا منعوا الزكاة إلا حبس عليهم القطر. وعن علي رضه تع أنه مر برجل يزن الزعفران وقد أرجح فقال له أقم الوزن بالقسط ثم أرجح بعد ذلك ما شئت. كأنه أمره بالتسوية أولا ليعتادها. ويفصل الواجب من النقل. وعن ابن عباس إنكم معاشر الأعاجم وليتم أمرين بهما هلك من كان قبلكم المكيال والمزيان. وخص الأعاجم لأنهم يجمعون الكيل والوزن جميعا وكانا مفرقين في الحرم كان أهل مكة يزنون وأهل المدينة يكيلون. وعن ابن عمر أنه كان يمر بالبائع فيقول اتق الله وأوف الكيل فإن المطففين يرفقون يوم القيامة لعظمة الرحمان حتى أن العرق ليلجمهم. وعن عكرمة أشهد أن كل كيال ووزان في النار فقيل له إن ابنك كيال أو وزان فقال أشهد أنه في النار وعن أبي رضه لا تلتمس الحوائج ممن رزقه في رؤوس المكاييل وألسن الموازين.

стр. 105

وفي أحكام السوق ينبغي للوالي المتحري النظر في أسواق الرعية أن يأمر ثقات بلده بتعهد الأسواق وتغيير الصنجات والموازين والمكاييل كلها فمن وجده غير شيئا عاقبه بقدر جرمه وافتياته على الوالي ثم يخرجه من السوق حتى تظهر توبته وخيره. الدراهم المبهرجة وإذا ظهرت دراهم مبهرجة فليشتد فيها ويبحث عن أصلها فإن ظهر محدثها مفردا أو متعددا فليشدد في عقوبته ويطوف به الأسواق مما يكون نكالا لغيره وردعا لهم مما يرى من عظيم ما نزل به ويحبسه بعد على قدر ما يرى ويأمر من يتعاهد ذلك بالتفقد حتى تطيب دراهمهم ودنانيرهم ونقودهم بهذا مما يعم نفعه دينا ودنيا وترجى به الزلفى والقربى هـ. جواب المازري عمن يتولى الطبع للقاضي وسئل الإمام المازري عمن يتولى الطبع للقاضي وحضرة الأمير فوجد عنده طابع مثل طابع نقش القاضي أو الأمير وأنه يطيع به بغير حضرتهما ما حكمه وقد سجن؟ فأجاب إذا كان مأمونا غير متهم بتدليس المكاييل ولا يطبع النقود الناقصة فيضر الناس وهو ممن يجهل هذا أو يظن إباحته فقد يكفي في زجره السجن المذكور ويهدد إن عاد. وإن كان غير موثوق به فليؤب بقدر الاجتهاد. فالمجتري المتحامل يؤدب بالحبس والضرب وغيره مما يجتهد فيه والأدب في مثل هذا مما يجب النظر فيه لكونه من النظر العام بالمسلمين. فتوى ابن عرفة فيمن يتهم بضرب الدنانير المدلسة قلت قال الشيخ البرزلي ومثل هذا مما وقع فيمن يتهم بضرب الدنانير والدراهم المدلسة. وكان شيخنا الفقيه الإمام يعني ابن عرفة يشدد فيها أقوى تشديد وأفتى فيمن اتهم بذلك أن يخلد بالسجن حتى يموت وكذلك وقع فيه يعني في السجن حتى مات فيه. وقد تكلم فيه شيخنا أبو عبد الله البطريني رحه تع بالشفاعة وكنت رسوله إلى شيخنا الإمام فلم يعط فيه يدًا وقال هو أشد من قطع الدنانير والدراهم ورد النص فيها عن ابن المسيب أنه من الفساد في الأرض وهذا ينظر فيه بحسب قوة ما يترتب عليه من عموم المفسدة وضعفها.

стр. 106

قلت وما اعتمده الشيخ ابن عرفة من نص ابن المسيب في ذلك ومثله أنه من الفساد في الأرض به جرى عمل الأئمة وعمالهم فيمن يفعل الدلسة في النقود فإنهم يقطعون أيديهم وقد كان القطع من خلاف أحق بإتباع نص الشارع لكنهم قد يرون قصر المفسدة في هذا بخصوصيته على عمل اليد فإذا قطعت ارتفعت المفسدة بزوال آلاتها. وأقوال إن فساد سكة المسلمين وغش دراهمهم قد عم وقوعه بهذه البلاد المغربية بأسرها ولم يقع لمادة ذلك حسم ولا إزالة حتى كادت رؤوس أموال الناس تنقرض من أيديهم بغلاء الأسعار في كل شيء لطي العدد في المبيعات بالزيوف عن قيم العدل حتى في الأكرية والاستيجار فإنه لله وإنا إليه راجعون. فرعان فرعان: الأول منهما قال في سماع محمد بن خالد: سألت ابن القاسم عن الوالي بعد وال آخر كان قبله فيزيد في المكيال. قال إن كان في ذلك نفع للمسلمين بموافقة حق لا يكره الناس على البيع فلا أرى به بأسا. قال ابن رشد رحه: هذا بين على ما قاله إنه إذا كان في ذلك نفع للمسلمين بموافقة حق كان له أن يفعله وأما قوله لا يكره الناس على البيع به ففيه نظر لأن له أن يحمل الناس على التبايع به إذا رأى في ذلك نفعا للمسلمين فمعنى قوله لا يكره الناس على البيع أي لا يحجره جملة حتى لا يجيز لأحد بيعا إلا به. قلت: فإذا كان وجه النفع والمصلحة للمسلمين فيه من وجه ظاهره ومفسدته من وجه باطنه فالصواب منع إحداث الزيادة فيه كما ذكر لي سيدنا الجد الأقرب عن معارضته في الزيادة في صاعنا يوم أريدت الزيادة فيه عما كان قديما يعرف بالتاشفيني بهذا الذي بين أيدينا اليوم نكيل به يعرف بالوهراني محتجا على من باحثه من الأصحاب بأن أعظم المفاسد إعطاء الوظائف المخزنية للظلمية به وخصوصا ملك الجوار والثوار من العرب تشريع هذا الوطن. فكل ما يأخذون بذلك المكيال المزاد في صحيفة الذي زاد فيه أو أفتى بالزيادة فيه فانقطع الباحث قال ولم يكن لي والحمد لله في تسويغ إحداثه تلفظ ببنت شفة حتى يسألني الله في الآخرة عن ذلك. الثاني: لو وقع التبايع بين متبايعين على ذراع شخص معين عند التعاقد فذلك جائز ويقضي به على (الأبي) وإن لم تقع التسمية عند التعاقد وأراد أحدهما حمل الآخر عند التقابض على ذراع شخص معين لم يقض على (الأبي) به وكان القضاء بالذراع الوسط.

стр. 107

واختلف هل يوجب ذلك فسخا. قال في سماع أصبغ وسمعت ابن القاسم يقول فيمن سلف في قراطيس طولها عشرون ذراعا فلما حل الأجل قال المشتري إنما لي بذراعي. وقال البائع بل بذراعي ولم يكونا سميا قال لا ينظر إلى قول هذا ولا هذا وأرى أن يحملا على ذراع وسط. قال ونزلت فأفتيت فيها بذلك. قال أصبغ: ولم ير هذا فسخا. وهذا أحسن عندي والقياس الفسخ. قال الشيخ ابن رشد رحه تع في قوله ولم يكونا سميا دليل على أنهما لو توافقا على أن السلم وقع بينهما على ذراع أحدهما بعينه لجاز وهو مذهبه في المدونة. لأنه أجاز السلم على ذراع رجل بعينه قال ويكفي أن يسمي الذراع فقط فإن اختلفا فيه عند القبض كان له الوسط من أذرع الناس هذا إذا لم يكن القاضي قد جعل ذراعا للناس يتبايعون عليه فإن كان قد نصب ذراعا للناس يتبايعون عليه وجب الحكم به والرجوع إليه عند الإبهام. وتحصيل القول في هذه المسألة عندي أن القاضي إن كان نصب للناس ذراعا يتبايعون عليه لم يجز اشتراط ذراع رجل بعينه كما لا يجوز ترك المكيال المعروف الجاري إلى مكيال مجهول. وإن لم يكن للناس ذراع منصوب فهذا موضع الاختلاف. قيل إن موضع الذراع الوسط كالذراع المنصوب فلا يجوز السلم على ذراع رجل بعينه وإنما يجوز على الذراع الوسط أو على ذراع ولا يسميا شيئا فيحكم بينهما بذراع وسط وهو الذي ذهب إليه ابن حبيب. وقيل إنه لا يكون الذراع الوسط كالذراع المنصوب ويجوز السلم على ذراع رجل بعينه وعلى ذراع وسط كما يجوز شراء الطعام على مكيال مجهول في القرى ومن الأعراب حيث ليس لهم مكيال يتبايعون عليه وهو مذهب ابن القاسم في المدونة ودليل قوله في هذه الرواية. فإن لم يسميا شيئا حملا على ذراع وسط. وقول أصبغ استحسان والقياس الفسخ ولو اختلفا على هذا القول فقال المسلم وقع السلم على ذراعي وقال المسلم إليه بل على ذراعي كان الحكم في ذلك حكم اختلافهما في عدد المسلم فيه. وأما على القول الآخر فيفسخ السلم بينهما لاتفاقهما على أنه وقع فاسدا ولو ادعى أحدهما أن السلم وقع على ذراع وسط لكان القول قوله لأنه مدعى الصحة دون صاحبه وكذلك لو اختلفا حيث ثم ذراع منصوب فادعى أحدهما الذراع المنصوب.

стр. 108

الغش في المطعومات: القمح والشعير وجميع القطائن ومن ذلك الغش الذي يكون في المطعومات وغيرها. فمنه عدم غربلة القمح والشعير وجميع القطائن مما يمكن فيها من الغلث لأن بقاءها من الغش الذي يزداد للبائع في كمية المبيع مما ليس منه بحيث لو تجرد الغلث الذي وقع الغش به لم يساو شيئا ففي "أحكام السوق" وسئل عن أهل الأفران البائعين الخبز هل يغربلون القمح والشعير والفول والعدس والحمص وجميع القطائن. فقال عن مالك لا تبيعوا ذلك حتى تغربلوه ورواه ابن وهب قال ابن عمر أرى أن يلزموا ذلك وفي المدونة يغربل القمح والشعير للبيع وهو الحق الذي لا شك فيه فظاهره مثل تقييد ابن عمر. وخصص ابن رشد وجوب الغربلة بالغلث الكثير في كتاب السلطان وأما غربلة القمح والسلت عند البيع فذلك واجب إن كان التبن والغلث فيه كثيرا يقع في أكثر من الثلث لأن بيعه على ما هو عليه من الغرر. ومستحب إن كان التبن والغلث فيه يسيرا. ومنه خلط الجيد بالدني والفائق بالردي. قال مالك فيمن خلط قمحا بشعير لقوته أكره بيع ما فضل له منه وإن قل وكذلك التمر والعسل والسمن وقال رب السفينة يبتاع القمح الأسمر والمشعر ثم يشتري أبيض يصب عليه الأبيض ويخلط قال فلا خير فيه وليجعل كل شيء على حدة. الغش في الزيت والسمن وفي سماع عيسى وسألته عن الرجل يخلط الزيت الردي بالزيت الجيد والسمن الجيد بالردي والقمح الردي بالجيد هل ترى يحل من هذا شيء. قال ابن القاسم لا خير فيه ولا يحل وهذا من الشر فلا يحل وإن كان يريد أن يبين إذا باع فلا خير في ذلك ولا يحل له خلطه ولا أدري كيف سألت عن هذا قد قال لي مالك في شيء سألته عنه أنت حتى الساعة ها هنا تسأل عن مثل هذا؟ قال ابن رشد رحه هذا كما قال إن خلط الجيد بالردي للبيع من الغش الذي لا يجوز لأحد أن يفعله ولو بين عند البيع أنه مخلوط وينبغي للإمام أن يمنع منه ويضرب عليه. فإن فعل كان للمشتري أن يرد وإن بين أنه مخلوط جيد بردي إلا أن يبين مقدار الردي الذي خلطه بالجيد وصفتهما جميعا قبل الخلط حتى يستوي عليهما فيه فلا يكون للمشتري حينئذ أن يرد ويكون هذا قد باء بالإثم في خلطه إذ قد يغش به غيره لأنه ممكن أن يغش

стр. 109

به أو ممن لا يدري ما يصنع به ويكره أن يبيعه ممن يخشى أن يغش به ولا يجوز له أن يبيعه ممن يعلم أن يبيعه ممن يغش به. وهذا في الصنف الواحد الذي يختلط ولا يمتاز بعد الخلط جيده من رديه كالزيت والسمن والعسل وشبه ذلك وأما الصنفان اللذان يمتازان بعد الخلط إلا أنه لا يعلم مقدار كل واحد منهما من صاحبه كالقمح والشعير والسمن والعسل والغلث والطعام وما أِشبه ذلك فإن كان أحد الصنفين منهما يسيرا جدا تبعا لصاحبه جاز أن يبيع ولا يبين أن المشتري يراه ويعرفه. وإن لم يكن أحدهما يسيرًا ولا تبعًا لصاحبه فلا يخلو من أن يكون يمكن تمييزه أو لا يمكن تمييزه فإن كان يمكن تمييزه كالغلث مع الطعام واللحم السمين مع المهزول وما أشبه فلا يجوز أن يباع الكثير من ذلك على ما هو عليه حتى يميز أحدهما عن صاحبه ويجوز أن يباع القليل منه على ما هو عليه على ما قال في اللحم والسمن والمهزول وإن كان مما لا يمكن تمييز أحدهما من صاحبه كالسمن والعسل والقمح من الشعير والماء من العسل واللبن وما أشبه ذلك فقيل إنه يجوز بيعه كما هو على بيان ما فيه إذ لا يقدر على تخليص بعضه من بعض من يأكله ويؤمن أن يغش به. الغش في اللبن والعسل وقاله ابن حبيب في اللبن والعسل المغشوش بالماء وقيل إن ذلك لا يجوز وهو قول مالك في الواضحة وكتاب ابن المواز من خلط قمحًا بشعير لقوته فيكره أن يبيع ما فضل له منه يريد أن يبين مقدار الشعير فيه من القمح وقيل إن كان خلطه للبيع لم يجز له أن يبيعه وإن كان خلطه للأكل وهو قول مطرف وابن الماجشون في الواضحة هذا تحصيل القول في المسألة. قلت: قوله فيما لا يمكن تمييزه مما خلط به كالماء مع اللبن يريد إذا خلط به لمجرد الغش بالزيادة في كمية اللبن بما يداخله من الماء أما إذا كان لمصلحته والتحام أجزائه كما يصنع به عند إخراج زبده فخلط الماء به إذ ذاك ليس بمحظور قال في سماع أشهب وسئل عما يخلط النساء اللبن بالماء لاستخراج زبده ما ترى به بأسا؟ قال لا بأس بذلك وذلك يصنع عندنا.

стр. 110

خلط العصير بالماء وأما الذي أكره من ذلك يخلط به الماء بعد ذلك فأما الذي يصلح به فلا بأس به. سحنون والعصير يراد به الخل فيجعل فيها الماء ليفسدها بذلك لئلا تصير خمرا ويكون ذلك أعجل للتخليل فلا بأس به قياسا على قول مالك في هذه المسألة. قال ابن رشد رحه هذا كما قال إن خلط الماء باللبن لاستخراج زبده وبالعصير لتعجيل تخليله لا بأس بذلك لأنه إنما يفعل للإصلاح لا للغش والإفساد وكذلك التبن يجعل تحت القمح عندما يخزن. ولما صحت عند سحنون علة مالك في جواز خلط اللبن بالماء لاستخراج زبده قاس عليها خلط الماء بالعصير لاستعجال تخليله فإنما قاس على علته لا على مجرد قوله دون الاعتبار بعلته فقوله قياسا على قول مالك معناه قياسا على قول مالك وقد وقع ذلك لمالك نصا في رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب جامع البيوع. خلط اللحم السمين بالمهزول فإن قلت هذا الذي تقدم ذكره مما خلط من اللحم السمين بالمهزول وشبه ذلك مما يكره تمييز بعضه فقال فيه لا يجوز أن يباع الكثير منه على ما هو عليه حتى يميز أحدهما من صاحبه لم يبين في قوله حد الكثرة التي يمتنع منها البيع دون تمييز من القلة التي يجوز البيع معها حالة الخلط قائمة دون تمييز فهل لذلك حد ونسبة ينضبط بها المنع والجواز؟ قلت وقع لابن القاسم تحديد ذلك بالستة الأرطال وما حولها مما يشتري بالدرهم والدرهمين ويمتنع ما فوق ذلك إلا مع التمييز. قال في سماع عيسى وسئل عن الجزار يكون عنده اللحم السمين واللحم المهزول فيخلطهما جميعا فيبعهما بوزن واحد مخلوط والمشتري يرى ما صنع من المهزول والسمين غير أنه لا يعرف وزن هذا من هذا. قال ابن القاسم إذا كانت الأرطال اليسيرة الخمسة والستة ومثل ما يشتري الناس من المجازر بالدرهم والدرهمين ونحو ذلك فلا أرى به بأسا فإن كثرت الأرطال مثل العشرين والثلاثين وما أشبه ذلك فلا خير فيه وأرى أن يمنع الجزارون من مثل هذا الخلط للسمين والمهزول وأراه من الغش ولا أرى ذلك يحل لهم.
следующие страницы →