واستعصاءِ القوى (١) الغضبية والشهوانية عليه وهي المسمَّاة بالشياطين، فعبَّر عن خضوع القوى الفاضلة بالسجود، وعبر عن إباء القوى الشريرة الفاسدة بالإباء والاستكبار وترك السجود.
قالوا: والحكمة الإلهية اقتضت تركيب الإنسان على هذا الوجه وإسكان هذه القوى فيه، وانقياد بعضها له وإباء بعضها، فهذا شأن الإنسان، ولو كان على غير هذا التركيب لم يكن إنسانًا.
قالوا: وبهذا تندفع الأسولة كلها، ويظهر بطلانها، وأنها بمنزلة أن يقال: لِمَ أحوج الإنسان إلى الأكل والشرب واللباس؟ ولمَّا أحوجه إليه فلِمَ جعله يبول ويتغوط ويتمخط؟ ولم جعله يمرض ويهرم ويموت؟ فإن هذه الأمور من لوازم النشأة الإنسانية التي لو قدر ارتفاعها لارتفعت هذه النشأة.
فهذه الطائفة رفعت القواعد من أصلها، وأبطلت آدم وإبليس والملائكة، وردت الأمر إلى مجرد قوى نفسانية وأمور معنوية.
وقالت الجبرية ومنكرو الحِكَم والتعليل: هذه الأسولة إنما ترد على من يفعل لعلةٍ أو لغرضٍ أو لغايةٍ. فأمَّا من لا علة لفعله ولا غاية ولا غرض بل يفعل ما يفعله بلا سببٍ ولا غايةٍ، وإنما مصدر مفعولاته (٢) محض مشيئته، وغايتها مطابقتها لعلمه وإرادته، فيجيء فعله على وفق إرادته وعلمه. وعلى هذا فهذه الأسولة فاسدةٌ كلها؛ إذ مبناها على أصلٍ واحدٍ، وهو تعليل أفعال من لا تُعلل أفعاله ولا يُوصف بحُسنٍ ولا قُبحٍ عقليين، بل الحسن ما فعله، وما فعله فكله حسنٌ، لا يُسأل عمَّا يفعل وهم يسألون.
стр. 1192
قالوا: والقبح والظلم هو تصرف الإنسان في ملك غيره بغير إذنه، فأمَّا تصرف المالك الحقِّ في ملكه من غير أن يكون تحت حجر حاجرٍ أو أمر آمرٍ أو نهي ناهٍ فإنه لا يكون ظلمًا ولا قبيحًا. فرفع هؤلاء الأسولة من أصلها، وسدوا على أنفسهم طريق استماعها والجواب عنها. والتزموا لوازم هذا الأصل من إبطال الحِكَم والتعليل والأسباب والتحسين والتقبيح ووجوب شكر المنعم عقلًا، ومنعت لأجله أن يجب على الله شيءٌ أو يحرم عليه شيءٌ أو يقبح منه ممكنٌ، بل كل ممكنٍ فهو جائزٌ عليه لا يقبح منه.
وقالت القدرية: هذا لا يرد على أصولنا، وإنما يرد على أصول الجبرية القائلين بأن الله خالق أفعال العباد [ق ١٣٣ ب] طاعاتهم ومعاصيهم وإيمانهم وكفرهم، وأنه قدَّر ذلك عليهم قبل أن يخلقهم وعلمه منهم وخلقهم له، فخلق أهل الكفر للكفر، وأهل الفسوق للفسوق، وقدَّر ذلك عليهم وشاءه منهم وخلقه فيهم. فهذه الأسولة واردة عليهم، وأمَّا نحن فعندنا أن الله سبحانه عرضهم للطاعة والإيمان وأقدرهم عليه ومكَّنهم منه ورضيه لهم وأحبه، ولكن هم اختاروا لأنفسهم الكفر والعصيان، وآثروه على الإيمان والطاعة. والله سبحانه لم يُكْرِههم على ذلك، ولم يُلْجِئهم إليه، ولا شاءه منهم، ولا كتبه عليهم ولا قدَّره ولا خلقهم له ولا خلقه فيهم، ولكنها أعمالٌ هم لها عاملون، وشرورٌ هم لها فاعلون، فإنما خلق إبليس لطاعته وعبادته، ولم يخلقه لمعصيته والكفر به.
وصرَّح قدماء هذه الفرقة بأنه سبحانه لم يكن يعلم من إبليس حين خلقه أن يصدر منه ما صدر، ولو علم ذلك منه لم يخلقه، وأبى متأخروهم ذلك، وقالوا: بل كان سبحانه عالمًا به وبشأنه، وخلقه امتحانًا لعباده ليظهر المطيع
стр. 1193
له من العاصي، والمؤمن من الكافر، وليُثيب (١) عباده على معاداته ومحاربته ومعصيته أفضل الثواب. قالوا: وهذه الحكمة اقتضت بقاءه حتى تنقضي الدنيا وأهلها. قالوا: وأمره بالسجود ليطيع فيثيبه ويقربه ويكرمه، فاختار لنفسه المعصية والكفر من غير إكراه للربِّ تعالى، ولا ألجأه إلى ذلك ولا حال بينه وبين السجود ولا منعه، ولا سلَّطه على آدم وذريته قهرًا وإكراهًا لهم. وقد اعترف عدو الله بذلك حيث يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥] وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ﴾ [سبأ: ٢١]. قالوا: فاندفعت تلك الأسولة وبطلت، وظهر أنها ترد على أصول الجبرية لا على أصولنا.
وقالت الفرقة الناجية ـ حزب الرسول وأنصاره، وبُنْك (٢) الإسلام وعصابة الإيمان، الذين لم يتحيزوا إلى فئةٍ غير رسول الله ﷺ ، ولم يذهبوا إلى مقالةٍ غير ما دلَّت عليه سُنته، ولم ينتسبوا إلى غيره بوجهٍ من الوجوه ـ: كيف يطمع في الردِّ على عدو الله وإبطال قوله من قد شاركه في أصله أو في بعض شُعبه، فإن عدو الله أصَّل معارضة النص بالرأي، فترتب على تأصيله هذه الأسولة وأمثالها، فمن عارض العقل بالنقل في أمرٍ من الأمور فهو شريكه من هذا الوجه، فلا يتمكن من الردِّ التام عليه.
ولهذا لمَّا شاركه زنادقة الفلاسفة والمنجمين والطبائعيين في هذا الأصل أنكروا وجوده ووجود آدم والملائكة، فضلًا عن قصة أمره بالسجود وإبائه وما ترتب عليها.
стр. 1194
ولمَّا أنكرت الجبرية الحكمة والتعليل والأسباب وأبطلت هذا الأصل بعقولها وآرائها عجزوا عن جواب أسولته، وسدُّوا على نفوسهم باب استماعها والجواب عنها، وفتحوا باب مكابرة العقول الصريحة وإنكار تحسين العقل (١) وتقبيحه وإنكار الأسباب والقوى والطبائع والحِكَم والغايات المحمودة التي لأجلها يفعل الربُّ ما يفعله ويأمر بما يأمر (٢) به، وجوَّزوا عليه أن يفعل كل شيءٍ، وأن يأمر بجميع ما نهى عنه، وينهى عن كل ما أمر به؛ ولا فرق عنده البتة بين المأمور والمحظور، والكل سواء في نفس الأمر، ولكن هذا صار حسنًا بأمره، لا أنه في نفسه وذاته حسنٌ، وهذا صار قبيحًا بنهيه، لا أنه في نفسه وذاته قبيحٌ.
ولمَّا أصَّلت القدرية إنكار عموم قدرة الله سبحانه ومشيئته لجميع الكائنات، وأخرجت أفعال عباده خيرها وشرها عن قدرته ومشيئته وخلقه، وأثبتت لله سبحانه شريعة بعقولهم = حكمت عليه بها، واستحسنت منه ما استحسنته من أنفسها، واستقبحت منه ما استقبحته (٣) من نفوسها، وعارضت بين الأدلة السمعية الدالة على خلاف ما أصَّلوه وبين العقل، ثم راموا الردَّ على عدو الله، فعجزوا (٤) عن الردِّ التامِّ عليه، وأجادت (٥) كل فرقة من هذه الفرق من الرد عليه بحسب ما وافقت فيه السمع والعقل.
стр. 1195
وإنما يتمكن من الردِّ عليه كل الردِّ من تلقى أصوله عن مشكاة الوحي ونور النبوة، ولم يؤصِّل أصلًا برأيه وعقله وآراء الرجال وعقولهم، ولم يخرج من مشكاة الوحي ولم يظهر من معدنه، بل تلقى أصوله كلها عن قول من لا ينطق عن الهوى إن هو إلَّا وحيٌ يُوحى.
فأول ذلك أنه علم أن هذه الأسولة ليست من كلام الله الذي أنزله على موسى وعيسى مخبرًا بها عن عدوه، كما أخبر عنه في القرآن بكثيرٍ من أقواله وأفعاله. وإدخالُ بعض أهل الكتاب لها في تفسير التوراة والإنجيل هو كما تجد في المسلمين ـ وما بالعهد من قِدَم ـ من يدخل في تفسير [ق ١٣٤ أ] القرآن كثيرًا من الأحاديث والأخبار التي لا أصل لها، والقصص المعلوم كذبها، وإذا كان هذا في هذه الأُمة التي هي أكمل الأُمم علومًا ومعارف وعقولًا، فما الظن بأهل الكتاب؟!
فصل
الوجه الثاني: أن نقول لعدو الله: قد ناقضت في أسولتك ما اعترفت به وسلَّمته غاية المناقضة، وجعلت ما أسلفته من التسليم والاعتراف مبطلًا لجميع أسولتك، متضمنًا للجواب عنها قبل ذكرها. وذلك أنك قلت: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] وقلت: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١١] وقلت: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨١) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ اُلْمُخْلِصِينَ﴾ [ص: ٨١ - ٨٢].
فاعترفت بأنه ربك وخالقك ومالكك، وأنك مخلوقٌ له مربوبٌ تحت أوامره ونواهيه، إنما شأنك أن تتصرف في نفسك تصرف العبد المأمور المنهي، المستعد لأوامر سيده ونواهيه، وهذه هي الغاية التي خُلقت لها،
стр. 1196
وهي غاية الخلق وكمال سعادتهم وصلاحهم. وهذا الاعتراف منك بربوبيته وقدرته وعزته يتضمن إقرارك بكمال علمه وحكمته وغناه، وأنه في كل ما أمر به عليمٌ حكيمٌ، لم يأمر عبده لحاجةٍ منه إلى أمره به، ولم ينهه بخلًا عليه بما نهاه عنه، بل أمره رحمةً منه به وإحسانًا إليه بما فيه صلاحه في معاشه ومعاده، وما لا صلاح له إلَّا به، ونهاه عمَّا في ارتكابه فساده في معاشه ومعاده. فكانت نعمته عليه بأمره ونهيه أعظم من نعمته عليه بمأكله ومشربه ولباسه وصحة بدنه بما لا نسبة بينهما، كما قال سبحانه في آخر قصتك مع الأبوين: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ اُلتَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اِللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥]. فأخبر سبحانه أن لباس التقوى وزينتها خيرٌ من المال والرِّياش (١) والجمال الظاهر، فالله سبحانه خلق عباده وجمَّل ظواهرهم بأحسن تقويم، وجمَّل بواطنهم بهدايتهم إلى الصراط المستقيم. ولهذا كانت صورتك قبل معصية ربك وإيثارك معاداته على طاعته وموالاته من أحسن الصور، وأنت مع الملائكة الأكرمين. فلمَّا وقع ما وقع جعل قُبح صورتك وبشاعة منظرك مثلًا يُضرب لكل قبيحٍ؛ كما قال تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ اُلشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥]. فهذه أول نقدة تعجلتها من معصيته.
ولا ريب أنك تعلم أنه أحكم الحاكمين، وأعلم العالمين، وأغنى الأغنياء، وأرحم الراحمين، وأنه لم يأمر العباد إلَّا بما فعلُه خيرٌ لهم وأصلح وأنفع وأحسن تأويلًا، وأعظم عائدةً من تركه، كما أنه لم يرزقهم إلَّا ما تناولُه أنفع لهم من تركه، فأمرُه لهم بما أمرهم به كرزقه لهم ما رزقهم إيَّاه.
стр. 1197
فالسُّعداء استعملوا أمره وشرعه لحفظ صحة قلوبهم وكمالها وصلاحها، بمنزلة استعمالهم رزقه لحفظ صحة أجسامهم وصلاحها، وتيقنوا أنه كما لا بقاء للبدن ولا صحة ولا صلاح إلَّا بتناول غذائه الذي جُعل له، فكذلك لا صلاح للقلب والروح ولا فلاح ولا نعيم إلَّا بتناول غذائه الذي جُعل له.
هذا، وإن ألقيت إلى طائفة من الناس أنه لا مصلحة للمكلفين فيما أُمروا به ونُهوا عنه، ولا منفعة لهم فيه ولا خير، ولا فرق في نفس الأمر بين فعل هذا وترك هذا، ولكن أُمروا ونُهوا لمجرد الامتحان والاختبار؛ ولا فرق في نفس الأمر بين ما أُمروا به ونُهوا عنه فلم يُؤمروا بحسنٍ ولم يُنهوا عن قبيحٍ، بل ليس في نفس الأمر لا حسن ولا قبيح. ومن عجيب أمرك وأمرهم أنك أوحيت إليهم هذا فردوا به عليك وجعلوه عصمتهم في جواب أسولتك، فدفعوها كلها، وقالوا: إنما تتوجه هذه الأسولة في حق من يفعل لغرضٍ (١) أو لعلةٍ. وأمَّا من فعله بريئًا من العلل والأغراض فلا يتوجه عليه سؤال واحد من هذه الأسولة. فإن كانت هذه القاعدة حقًّا فقد اندفعت أسولتك كلها، وإن كانت باطلًا والحقُّ في خلافها فقد بطلت أسولتك أيضًا لما تقدم. فقد بطلت أسولتك على التقديرين. يوضحه:
الوجه الثالث: أن نقول لعدو الله: إمَّا أن تُسلِّم حكمة الله في خلقه وأمره وإمَّا أن تجحدها وتنكرها. فإن سلمتها وأنه سبحانه حكيمٌ في خلقك حكيمٌ في أمرك بالسجود بطلت الأسولة، وكنت معترفًا بأنك أوردتها على من تبهر (٢) حكمته العقول، ولم تجعل أحدًا من خلقه شريكًا له في ما فعل
стр. 1198
بحكمته (١)، فإنه لا يشرك في حكمه أحدًا كما لم يشركهم في علمه وقدرته وملكه وربوبيته. وحينئذٍ فتسليمك هذه الحكمة ـ التي لا سبيل للمخلوقين إلى مشاركة (٢) الخالق فيها البتة ـ قد عادت على (٣) أسولتك الفاسدة [ق ١٣٤ ب] بالنقض والإبطال.
وإن رجعت عن الإقرار له سبحانه بالحكمة وقلت: إنه لا يفعل لحكمة البتة، بل لا يُسأل عمَّا يفعل وهم يسألون؛ فما وجه إيراد هذه الأسولة على من لم يفعل بحكمةٍ ولا يُسأل عمَّا يفعل؟ فقد أوردت الأسولة على من لا يُسأل عمَّا يفعل، وطعنت في حكمة مَنْ كلُّ أفعاله حكمةٌ ومصلحةٌ وعدلٌ وخيرٌ بمعقولك الفاسد وعقلك الصغير الذي آثرت به داعي الكبر والكفر على داعي العبودية والإيمان. يوضحه:
الوجه الرابع: وهو أنك قد كشفت للخلائق عن محصول علمك ومعرفتك، وقدر عقلك الذي صرت به ضُحْكةً لهم، وسخرية على ألسنتهم، فإنك انتصرت لنفسك ورياستك، ودلك عقلك على أن عزَّك في معصيتك، ورياستك في إبائك من السجود، وكان هذا أعظم أسباب ذُلِّك وخيبتك، ويأسك من روح الله، وبُعدك من رحمته، وطردك من جنته، ومباءتك بلعنته، فأضعت عزَّك، وأخملت شرفك، ووضعت قدرك من حيث زعمت أنك تحفظه، فكنت كآكل السم الذي فيه تلافه ليحفظ به قوته وصحته، ثم رضيت
стр. 1199
لنفسك أن صرت خادمًا وقوادًا لكل فاسقٍ وفاجرٍ وخبيثٍ. فمَن هذا قدر عقله ونهاية معرفته وعلمه، ألا يستحيي من إيراد هذه الأسولة اللائقة به على من ملأت حكمته الوجود وبهرت العقول حتى صارت للبصائر أظهر من نور الشمس للأبصار؟ يوضحه:
الوجه الخامس: أن غاية معقولك وحاصل عقلك هو القياس الذي عارضت به النصَّ وقدَّمته عليه، وقد بان فساده للعقلاء من أكثر من ثلاثين وجهًا قد تقدم ذكرها (١)، فلا حاجة إلى إعادتها. فإذا كان هذا شأن أقوى أسولتك التي أوردتها على ربِّك، وسائر أسولتك مبنية عليه ومردودة إليه، فما الظن بفروعٍ هذا أصلها؟
فمن نادى على مقدار عقله ومحصول معرفته على رؤوس الملأ من الملائكة بقوله: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١١] واستجاز معارضة الأمر المتضمن لغاية الحكمة والمصلحة بهذا الرأي الفاسد والسفه البارد، كيف يتوجه له سؤال على الحكيم العليم؟
الوجه السادس: أن هذه الأسولة يرجع حاصلها كلها إلى القدح والطعن في علم الربِّ سبحانه أو حكمته أو قدرته أو اثنين منها أو كلها؛ إذ حاصلها أنه سبحانه إمَّا أن يكون عالمًا بما يحصل مني وما يكون من أمري أو لا يكون عالمًا، فإن لم يكن عالمًا لزم القدح في علمه. وإن كان عالمًا فإمَّا أن يكون قادرًا على منعي (٢) من هذا الفساد والضرر الواقع ببني آدم مني أو لا يكون قادرًا. فإن لم يكن قادرًا لزم القدح في قدرته. وإن كان قادرًا ولم
стр. 1200
يمنعني بل مكنني (١) وأبقاني وسلَّطني لزم القدح في حكمته. فهذا غاية ما عند تلامذة عدو الله وأصحابه، وهو الذي أوحاه إليهم، وألقاه على ألسنتهم، وجعله دائرًا بينهم.
وحينئذ فيقال له: هذا إنكارٌ منك لما عُلم بالضرورة التي هي فوق كل ضرورة، من وجود ربِّ العالمين وإله من في السماء والأرض الذي هو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وهو أحكم الحاكمين، فإنكارُ علمه وحكمته وقدرته جحدٌ وإنكارٌ (٢) له ونفيٌ أن يكون لك (٣) أو للعالمين ربٌّ عليمٌ مدبِّرٌ حكيمٌ، فإن الجاهل العاجز السفيه لا يكون ربًّا ولا إلهًا، فلا تتم لك هذه الأسولة إلَّا بقول أخيك وشقيقك فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ اُلْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٢] وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا اَلْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] فإن عدو الله علم أنه إن أقرَّ بوجود فاطر السماوات والأرض وبصفاته وعلوه فوق العالم وتكليمه لموسى أوجب عليه هذا الإقرارُ الانقيادَ والعبوديةَ والإيمانَ بموسى، فلم يجد بُدًّا من إنكار الربِّ وعدم الإقرار به. وهكذا هذه الأسولة لا تتوجه (٤) إلَّا مع إنكاره سبحانه وجحوده، وإلا فمع الإقرار بأنه بكل شيءٍ عليمٌ وعلى كل شيءٍ قديرٌ وأنه أحكم الحاكمين فلا تتوجه البتة، وهذا حقيقة الربِّ. وحينئذٍ فنقول في:
الوجه السابع: أن مثل هذا النمط من الاعتراضات والأسولة فاسدٌ عند
стр. 1201
جميع أهل الأرض، فإنه يتضمن اعتراض الجاهل على أحذق الناس بصناعة قد أحكم آلاتها وأسبابها وقدَّرها على أكمل الوجوه وأحسنها، وأوفقها لما يقصد منها، فجاء رجلٌ جاهلٌ لا مناسبة بينه وبين ذلك الحاذق بوجهٍ ما، فأخذ يعترض عليه في أجزاء تلك الصناعة وآلاتها وأشكالها ومقاديرها، ويقول: [ق ١٣٥ أ] هلَّا كان هذا أكبر ممَّا هو أو (١) أصغر أو على شكل آخر، أو كان كذا في موضع كذا، أو عمل هذا في وقت كذا، ونحو هذا ممَّا يسخر منه العقلاء، ويعدون صاحبه في زمرة السفهاء! مع أنه يمكن المعترض مشاركة ذلك الأستاذ الحاذق في صناعته ومساواته فيها وتقدمه عليه فيها، فإذا كان اعتراضه عليه مدفوعًا عند كل عاقلٍ فما الظن بالاعتراض على من لا شريك له في حكمته ولا شبيه له فيها، والتفاوت الذي بينه وبين المعترض في حكمته كالتفاوت الذي بينه وبينه في العلم والقدرة والغنى وسائر الصِّفات؟! أفلا يستحي من يرى الاعتراض على مخلوقٍ مثله قد فاقه في صناعةٍ وعلمٍ قبيحًا لا يجد عليه إلَّا تعريضه نفسه للذمِّ ومبادلته عليها بالجهل من إيراد مثل هذه الأسولة على الحكيم العليم؟!
الوجه الثامن: أن يقال لعدو الله: إيرادك هذه الأسولة إمَّا أن تكون على وجه الظنِّ في الربِّ تعالى، وأنه فعل ما لا ينبغي له فعله، أو على وجه الاسترشاد وطلب الهداية. فإن كان على وجه الطعن والقدح، فكيف تجامع اعترافك بربوبيته وملكه وخلقه، وإقرارك بعزته وحكمته، ثم تقدح فيه، وإن كان على وجه الاسترشاد وطلب الحكمة، فذلك فرعٌ عن (٢) التسليم لأمره
стр. 1202
والإذعان لعبوديته والانقياد لحكمته، فلا يجتمع مع تصريحك بالعداوة والكفر والاستكبار عن طاعته؛ فإن معصيتك له وقد أمرك منه إليك بلا واسطة أعظم من استكبار من استكبر عن طاعته التي أمر بها على ألسنة رسله. فإذا آثرت الكفر والاستكبار والعداوة، فكيف سألت (١) مسائل المسترشد المهتدي؟! فالسؤال نوعان: إمَّا سؤال جاهلٍ بالحكمة في
طلب معرفتها، وإمَّا سؤال قادحٍ في الحكمة بما يبطلها وينقضها. وحينئذٍ فنقول في:
الوجه التاسع: لا تتوجه هذه الأسولة على واحدة من (٢) الطريقتين. أمَّا على الطريقة الأولى فلأن الاستعداد والقبول لمعرفة تفاصيل الحكمة يكون شرطًا في قبول الأسولة والجواب عنها، والقوى البشرية ليست مستعدةً للعلم بتفاصيل حكمة الله في خلقه وأمره. وحينئذٍ فيكون بيان تفاصيل الحِكَم عبثًا ضائعًا وهو منافٍ للحكمة، وأمَّا على الطريقة الثانية، فلأن أسولته تتضمن قدح العبد في الربِّ، والمخلوق في الخالق، والجاهل في العالم، والسفيه في الحكيم؛ [فهي] (٣) من أبطل الأسولة، ولا يحتاج في بيان بطلانها إلى أكثر من ذلك. يوضحه:
الوجه العاشر: أن مبنى العبودية والإيمان بالله وكتبه ورسله على التسليم وعدم الأسولة عن تفاصيل الحكمة في الأوامر والنواهي والشرائع، ولهذا لم يحك الله سبحانه عن أُمة نبيٍّ صدَّقت نبيها وآمنت بما جاء به أنها سألته عن
стр. 1203
تفاصيل الحكمة فيما أمرها به ونهاها عنه وبلَّغها عن ربها، ولو فعلت (١) ذلك لما كانت مؤمنةً بنبيها؛ بل انقادت وسلَّمت وأذعنت، وما عرفت من الحكمة عرفته، وما خفي عنها لم تتوقف في انقيادها وإيمانها واستسلامها على معرفته، ولا جعلت (٢) طلبه من شأنها. وكان رسولها أعظم في صدورها من سؤالها عن ذلك، كما في الإنجيل: «يا بني إسرائيل لا تقولوا: لِمَ أمر ربنا، ولكن قولوا بِمَ أمر ربنا».
ولهذا كانت هذه الأُمة ـ التي هي أكمل الأمم عقولًا ومعارف وعلومًا ـ لا تسأل نبيها: لِمَ أمر الله بذلك؟ ولِمَ نهى عن كذا؟ ولِمَ قدَّر كذا؟ ولِمَ فعل كذا؛ لعلمهم أن ذلك مضادٌّ للإيمان والاستسلام، وأن قدم الإسلام لا تثبت إلَّا على درجة التسليم. وذلك يوجب تعظيم الربِّ تعالى وأمره ونهيه، فلا يتم الإيمان إلَّا بتعظيمه، ولا يتم تعظيمه إلَّا بتعظيم أمره ونهيه؛ فعلى قدر تعظيم العبد لله سبحانه يكون تعظيمه لأمره ونهيه. وتعظيم الأمر دليلٌ على تعظيم الآمر، وأول مراتب تعظيم الأمر: التصديق به، ثم العزم الجازم على امتثاله، ثم المسارعة إليه والمبادرة به القواطع والموانع (٣)، ثم بذل الجهد والنصح في الإتيان به على أكمل الوجوه، ثم فعله لكونه مأمورًا به، بحيث [لا] (٤) يتوقف الإنسان على معرفة حكمته فإن ظهرت له فعله
стр. 1204
وإلَّا عطله، فهذا من عدم عظمته في صدره. بل يُسلِّم (١) لأمر الله وحكمته ممتثلًا ما أمر به سواء ظهرت له حكمته أو لم تظهر. فإن ورد الشرع بذكر حكمة الأمر أو فقهها العقل كانت زيادةً في البصيرة والرغبة (٢) في الامتثال، وإن لم تظهر له حكمته لم يُوهن ذلك انقياده، ولم يقدح في امتثاله. فالمُعظِّم لأمر الله يُجري [ق ١٣٥ ب] الأوامر والنواهي على [ما] (٣) جاءت، لا يُعللها بعللٍ توهنها وتخدش في وجه حسنها، فضلًا عن أن يُعارضها بعللٍ تقتضي خلافها، فهذا حال ورثة إبليس، والتسليم والانقياد والقبول حال ورثة الأنبياء.
الوجه الحادي عشر: أن المعترضين على الربِّ سبحانه قسمان: قسمٌ اعترضوا عليه في أمره ونهيه، وقسمٌ اعترضوا عليه في قضائه وقدره. وربما اجتمع النوعان في حقِّ المعترض، وقد ينفرد أحدهما. وإبليس ممَّن جمع النوعين، فاعترض أولًا عليه في أمره له بالسجود لآدم، وزعم أنه مخالفٌ للحكمة، وأن الحكمة إنما تقتضي خضوع المفضول للفاضل لا ضد ذلك، وزعم أنه أفضل وخير من آدم، ثم اعترض بعد ذلك على القضاء والقدر بهذه الأسولة، فجمع بين الاعتراض على أمره وقدره. وبثَّ هذين النوعين في أصحابه وتلامذته، وأخرجها لهم في كل قالبٍ وصورة يقبلونهما فيها، وآخر ذلك أوحى إليهم أن يعترضوا على خبره (٤) عن نفسه وخبر رسله عنه بالعقل.
стр. 1205
فعارض عدو الله أمره بأنه خلاف الحكمة، وقدره بأنه خلاف العدل، وخبره بأنه خلاف العقل. وسرت هذه المعارضات الثلاث في أتباعه، فهم خلفاؤه ونوابه، وهم (١) على قدر أنصبائهم (٢) منها. ومعلومٌ أن هذه الأنواع الثلاثة مضادة له ومجاهرة بالعداوة، ومن التلبيس إخراج المعترض لها في صورة العلم والحب والمعرفة بألفاظ مزخرفة تغرُّ السامع، وتصغى إليها أفئدة أشباه الأنعام، وتنفعل عنها قلوبهم بالرضا بها، وألسنتهم بالتكلم بها، وجوارحهم بالعمل بمقتضاها.
الوجه الثاني عشر: أن أعداءه المشركين اعترضوا على أمره وشرعه بقضائه وقدره، فجعلهم سبحانه بذلك كاذبين جاهلين مشركين. وهذه الأسولة الإبليسية تتضمن الاعتراض على قضائه وقدره بحكمته، وأن الحكمة تعارض ما قضاه وقدره، كما أن اعتراض المشركين يتضمن أن القضاء والقدر يعارض ما شرعه وأمر به. وهذه المعارضات كلها من مشكاةٍ واحدةٍ، فإذا كان الاعتراض على دينه وشرعه بقضائه وقدره باطلًا، فكذلك الاعتراض على قضائه وقدره بحكمته. يوضحه:
الوجه الثالث عشر: أن الأمر والقدر تفصيل للحكمة ومظهرها، فإنها خفية فلا بد لظهورها من شرع يأمر به وقدر يقضيه ويكونه (٣)، فتظهر حكمته سبحانه في هذا وهذا، فكيف يكون تفصيل الشيء وما يظهره مناقضًا له منافيًا؟ بل يمتنع أن يكون إلَّا مصدقًا موافقًا، فإن التفصيل متى ناقض
стр. 1206
الأصل وضاده كان دليلًا على بطلانه. يوضحه:
الوجه الرابع عشر: وهو أن الربَّ سبحانه له الأسماء الحسنى، وأسماؤه متضمنة لصفات كماله، وأفعاله ناشئة عن صفاته؛ فإنه سبحانه لم يستفد كمالًا بأفعاله، بل له الكمال التام المطلق، وفعاله عن كماله، والمخلوق كماله عن فعاله؛ فإنه فعل فكمُل بفعله.
وأسماؤه الحسنى تقتضي آثارها وتستلزمها استلزام المقتضي الموجِب لموجَبه ومقتضاه، فلا بد من ظهور آثارها في الوجود؛ فإن من أسمائه الخلَّاق المقتضي لوجود الخلق، ومن أسمائه الرزَّاق المقتضي لوجود الرِّزق والمرزوق، وكذلك الغفَّار والتوَّاب والحكيم والعفوُّ، وكذلك الرحمن الرحيم، وكذلك الحَكَم العدل إلى سائر الأسماء. ومنها الحكيم المستلزم لظهور حكمته في الوجود، والوجود متضمن لخلقه وأمره ﴿أَلَا لَهُ اُلْخَلْقُ وَاَلْأَمْرُ تَبَارَكَ اَللَّهُ رَبُّ اُلْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٣].
فخلقه وأمره صدرا عن حكمته وعلمه، وحكمته وعلمه اقتضيا ظهور خلقه وأمره. فمصدر الخلق والأمر عن هذين الاسمين المتضمنين لهاتين الصفتين. ولهذا يقرن (١) سبحانه بينهما [عند] (٢) ذكر إنزال كتابه، وعند ذكر ملكه وربوبيته؛ إذ هما مصدر الخلق والأمر. ولمَّا كان سبحانه كاملًا في جميع أوصافه، ومن أجلِّها حكمته (٣) كانت عامة التعلق بكل مقدورٍ، كما أن علمه عام التعلق بكل معلومٍ، ومشيئته عامة التعلق بكل موجودٍ، وسمعه وبصره عام
стр. 1207
التعلق بكل مسموعٍ ومرئيٍّ. فهذا من لوازم صفاته، فلا بد أن تكون حكمته عامة التعلق بكل ما خلقه وقدره وأمر به ونهى عنه. وهذا أمرٌ ذاتي للصفة يمتنع تخلفه وانفكاكه عنها. كما يمتنع تخلف الصفة نفسها وانفكاكها عنه.
وهذا وحده برهانٌ كافٍ شافٍ في إبطال تلك الأسولة كلها، وأنها تكفي في إبطالها إثباتُ عموم [ق ١٣٦ أ] تعلق صفاته، وذلك يستلزم إثبات الصِّفات، وهي تستلزم إثبات الذات. فإثبات ذات الربِّ تعالى كافٍ في بطلان الأسولة الإبليسية.
نعم، الجهمي المعطل وأصحابه يعجزون عن الجواب عنها على هذه الطريق، وإن أجابوا عنها على غيرها لم يشفوا عليلًا ولم يرووا غليلًا؛ إذ هي أجوبةٌ مبنيةٌ على أصولٍ باطلةٍ، والمبنية على الباطل لا تكون صحيحة من كل وجهٍ. وقد قدَّمنا مجامع طُرق الناس في الأجوبة، وبان أن الأصول الفاسدة خذلتهم عن الجواب الصحيح الشافي.
الوجه الخامس عشر: أن الله سبحانه فطر عباده حتى الحيوان البهيم على استحسان وضع الشيء في موضعه، والإتيان به في وقته، وحصوله على الوجه المطلوب منه، وعلى استقباح ضدِّ ذلك وخلافه، وأن الأول دالٌّ على كمال فاعله وعلمه وقدرته وخبرته، وضدُّه دالٌّ على نقصه وعلى نقص علمه وقدرته وخبرته. وهذه فطرة لا يمكنهم الخروج عن موجبها، ومعلوم أن الذي فطرهم على ذلك وجعله فيهم أولى به منهم. فهو سبحانه يضع الأشياء في مواضعها التي لا يليق بها سواها، ويخصها من الصِّفات والأشكال والهيئات والمقادير بما هو أنسب (١) بها من غيره، ويبرزها في أوقاتها وأزمنتها المناسبة لها التي لا يليق بها سواها.
стр. 1208
ومن له نظرٌ صحيحٌ وفكرٌ مستقيمٌ وأعطى التأمُّل حقَّه شهد بذلك فيما رآه وعلمه، واستدل بما شاهده على ما خفي عنه؛ فإن الكل صُنْع الحكيم العليم. ويكفي في هذا ما يعلمه من حكمة خلق الحيوان وأعضائه وصفاته وهيئاته ومنافعه واشتماله (١) على الحكمة المطلوبة منه أتم اشتمال. وقد ندب سبحانه عباده إلى ذلك، فقال: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] وقال: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى اَلْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] إلى آخرها.
وكذلك جميع ما يشاهد من مخلوقاته عاليها وسافلها وما بين ذلك إذا تأمَّلها صحيحُ التأمل والنظر وجدها مؤسسة على غاية الحكمة مغشاة بالحكمة، فيقرأ (٢) سطور الحكمة على صفحاتها، وينادي عليها: هذا صنع العليم الحكيم، وتقدير العزيز العليم (٣). فإن وجدت العقول أوفق من هذا فلتقترحه، أو رأت أحسن منه فلتُبده ولتوضحه! ذلك صنع ﴿اُلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرى فِي خَلْقِ اِلرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَاَرْجِعِ اِلْبَصَرَ هَل تَّرى مِن فُطُورٍ (٣) ثُمَّ اَرْجِعِ اِلْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ اَلْبَصَرُ خَاسِئًا وَهْوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٣ - ٤].
ومن نظر في هذا العالم وتأمَّل أمره حقَّ التأمُّل علم قطعًا أن خالقه أتقنه وأحكمه غاية الإتقان والإحكام، فإنه إذا تأمَّله (٤) وجده كالبيت المبني المُعَدِّ
стр. 1209
فيه جميع عتاده. فالسماء مرفوعةٌ كالسقف، والأرض ممدودةٌ كالبساط، والنجوم منضودةٌ كالمصابيح، والمنافع مخزونةٌ كالذخائر، كل شيءٍ منها لأمرٍ يصلح له، والإنسان كالمالك المخول فيه، وضروب النبات مهيأة لمآربه، وصنوف الحيوان مصرفة في مصالحه. فمنها ما هو للدر والنسل والغذاء فقط، ومنها ما هو للركوب والحمولة فقط، ومنها ما هو للجمال والزينة، ومنها ما يجمع ذلك كله كالإبل، وجعل أجوافها خزائن لما هو شرابٌ وغذاءٌ، ودواءٌ وشفاءٌ، ففيها عبرةٌ للناظرين، وآيات للمتوسمين. وفي الطير واختلاف أنواعها وأشكالها، وألوانها ومقاديرها، ومنافعها وأصواتها، صافات وقابضات، وغاديات ورائحات، ومقيمات وظاعنات: أعظم عبرة وأبين دلالة على حكمة الخلاق العليم (١).
وكل ما أوجده الناس وأولوه (٢) بالًا بالأفكار الطويلة والتجارب المتعددة من أصناف الآلات والمصانع وغيرها إذا فكَّر فيها المتفكر وجدها مشتقة من الخلقة، مستنبطة من الصنع الإلهي. مثال ذلك أن القَبَّان (٣) مستنبطٌ من خلقة البعير، كأنهم لما رأوه ينهض بحمله وينوء (٤) به يمد عنقه ويوازن حمله برأسه استنبطوا القبان من ذلك. وجعلوا طول حديدته في مقابلة طول العنق، ورمانة القبان في مقابلة رأس البعير، فتم لهم ما استنبطوه.
стр. 1210
وكذلك استنبطوا بناء الأقباء (١) من ظهره، فإنهم وجدوه يحمل ما لا يحمله غيره، فتأملوا ظهره فإذا هو كالقبو، فعلموا أن القبو يحمل ما لا يحمله السطح (٢).
وكذلك ما استنبطه الحذاق لمن (٣) كَلَّ [ق ١٣٦ ب] بصره أن يُديم النظر إلى إجَّانة (٤) خضراء مملوءة (٥) ماءً استنباطًا من حكمة الخلاق العليم في لون السماء، فإن لونها أشد الألوان موافقةً للبصر وتقويته، فجعل أديمها (٦) بهذا اللون لتمسك الأبصار ولا تنكأ فيها (٧) بطول مباشرتها لها، ومن هذا استنبط الأطباء لمن أصابه سوءٌ في بصره إدمان النظر إلى الخُضرة (٨).
وإذا فكرت في طلوع الشمس وغروبها لإقامة دولتي الليل والنهار، ولولا طلوعها لبطل أمر هذا العالم، فكم في طلوعها من الحِكَم والمصالح، وكيف كان حال الحيوان لو أُمسكت عنهم، وجُعل الليل عليهم سرمدًا والدنيا مظلمة عليهم، فبأي نور كانوا يتصرفون وينقلبون؟ وكيف كانت تنضج ثمارهم وتكمل أقواتهم وتعتدل صورهم وأبدانهم؛ فالحِكَم في
стр. 1211
طلوعها أعظم من أن تخفى أو تحصى.
ولكن تأمَّل الحكمة في غروبها فلولا غروبها لم يكن للحيوان هدوء ولا قرار، مع شدة حاجتهم إلى الهدوء والراحة لأبدانهم (١) وإجمام حواسهم. وأيضًا لو دامت على الأرض لاشتد حَمْوُها (٢) بدوام طلوعها عليها فأحرق كل ما عليها من حيوان ونبات. فاقتضت حكمة الخلاق العليم والعزيز الحكيم أن جعلها تطلع عليهم في وقتٍ وتغيب في وقتٍ بمنزلة سراج يرفع لأهل الدار مليًّا ليقضوا مآربهم، ثم يغيب عنهم مثل ذلك ليقروا ويهدؤوا، وصار ضياء النهار وحرارته وظلام الليل وبرده على تضادهما وما فيهما متظاهرين متعاونين على ما فيه صلاح العالم وقوامه ومنافع أهله (٣).
ثم اقتضت حكمته أن جعل للشمس ارتفاعًا وانحطاطًا لإقامة هذه الفصول (٤) الأربعة من السنة، وما فيها من قيام الحيوان والنبات، ففي زمن الشتاء تَغُورالحرارة في الشجر والنبات، فيتولد فيها مواد الثمار (٥)، ويغلظ الهواء بسبب البرد، فيصير مادة للسحاب، فيرسل العزيز الحكيم الريح المثيرة فتثيره قَزَعًا (٦)، ثم يُرسل عليه الريح المؤلِّفة، فتؤلِّف بينه حتى يصير طبقًا واحدًا. ثم يُرسل عليه الريح اللاقحة التي فيها مادة الماء، فتلقحه كما
стр. 1212
يلقح الذكر الأنثى، فيحمل الماء من وقته. فإذا كان بروز الحمل وانفصاله أرسل عليه الريح الذارية، فتذروه وتفرِّقه في الهواء لئلا يقع صبةً واحدةً، فيُهلك (١) ما أصابه ويقل الانتفاع به. فإذا سقى ما أُمر بسقيه وفرغت حاجتهم منها أرسل عليه الرياح السائقة فتسوقه وتزجيه إلى قومٍ آخرين وأرضٍ أخرى محتاجة إليه. فإذا جاء الربيع تحركت الطبائع، وظهرت المواد الكامنة في الشتاء، فخرج النبات، وأخذت الأرض زخرفها، وازَّيَّنت وأنبتت من كل زوجٍ بهيجٍ.
فإذا جاء الصيف سخن الهواء، فنضجت الثمار، ويبست الحبوب فصلحت للحفظ والخزن وتحللت فضلات الأبدان.
فإذا جاء الخريف كسر ذلك السَّموم والحرور، وصفا (٢) الهواء واعتدل، وأخذت الأرض والشجر في الراحة والجموم والاستعداد (٣) للحمل الآخر (٤).
واقتضت حكمته سبحانه أن أنزل الشمس والقمر في البروج، وقدَّر لهما المنازل ليعلم العباد عدد السنين والحساب من الشهور والأعوام، فتتم (٥) بذلك مصالحهم، وتُعلم آجال معاملاتهم ومواقيت حجهم وعباداتهم، ومُدد أعمارهم وغير ذلك من مصالح حسابهم. فالزمان مقدار الحركة، ألا ترى أن
стр. 1213
السنة الشمسية مقدار مسير الشمس من الحمل إلى الحمل، واليوم مقدار مسيرها من الشرق إلى الغرب، وبحركة الشمس والقمر يُكال الزمان من حين خُلقا إلى أن يجمع الله بينهما ويعزلهما عن سلطانهما، ويُرِيَ عابديهما أنهم عبدوا الباطل من دونه، وأن سلطان معبودهم قد بطل واضمحل، وأن سلطان الحقِّ والملك الحق لله الواحد القهار.
قال تعالى: ﴿هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ اَلشَّمْسَ ضِيَاءً وَاَلْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ اَلسِّنِينَ وَاَلْحِسَابَ مَا خَلَقَ اَللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ اُلْأيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥]. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اَلَّيْلَ وَاَلنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اَلَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ اَلنَّهارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ اَلسِّنِينَ وَاَلْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢]. ففي القمر وتقدير منازله آيات وحكم لا تخفى على الناظرين (١).
واقتضت حكمته سبحانه في تدبيره أن فاوت بين مقادير الليل والنهار، فلم يجعلهما دائمًا على حدٍّ سواء، ولا أطول [ق ١٣٧ أ] ممَّا هما عليه ولا أقصر، بل جاء استواؤهما وأخذ أحدهما من الآخر على وفق الحكمة، حتى إن المكان الذي يقصر أحدهما فيه جدًّا لا يكون فيه حيوان ونبات كالمكان الذي لا تطلع عليه الشمس أو (٢) لا تغرب عنه. فلو كان النهار مقدار مائة ساعة أو أكثر أو كان الليل كذلك لتعطلت المصالح التي نظمها الله بهذا المقدار من الليل والنهار (٣).
стр. 1214
ثم تأمَّل الحكمة في إنارة القمر والكواكب في ظلمة الليل فإنه مع الحاجة إلى الظلمة لهدوء الحيوان وبرد الهواء لم تقتض المصلحة أن يكون الليل ظلمةً واحدةً داجيةً (١) لا ضياء فيها، فلا يمكن فيه شيءٌ من العمل، وربما احتاج الناس إلى العمل بالليل لضيق الوقت عليهم في النهار أو (٢) لإفراط الحر فيه، فاحتاجوا إلى العمل في الليل في نور القمر من حرث الأرض وقطع الزرع وغير ذلك، فجعل ضوء القمر في الليل معونة للناس على هذه الأعمال. وجعل في الكواكب جزءًا يسيرًا من النور لتسد مسدَّ القمر إذا لم يكن. وجُعلت زينة السماء ومعالم يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر، ودلالات واضحات على الخلاق العليم، وغير ذلك من الحِكَم التي بها انتظام هذا العالم. وجُعلت الشمس على حالة واحدة لا تقبل الزيادة والنقصان لئلا تتعطل الحكمة المقصودة منها. وجُعل القمر على حال تقبل الزيادة والنقصان لئلا تتعطل الحكمة المقصودة من جعله كذلك، وكان في نوره من التبريد والتصليب ما يقابل ما في ضوء الشمس من التسخين والتحليل، فتنتظم المصلحة وتتم الحكمة من هذا التسخين والتبريد (٣).
وتأمَّل اللطف (٤) والحكمة الإلهية في جعل الكواكب السيارة ومنازلها تظهر في بعض السنة وتحتجب في بعضها؛ لأنها لو ظهرت دائمًا أو احتجبت دائمًا لفاتت (٥) الحكمة المطلوبة منها، كما (٦) اقتضت الحكمة أن يظهر
стр. 1215
بعضها ويحتجب بعضها فلا تظهر كلها دفعةً واحدةً، ولا تحتجب دفعة واحدة، بل ينوب ظاهرها عن خفيها في الدلالة، وجعل بعضها ظاهرًا لا يحتجب أصلًا بمنزلة الأعلام المنصوبة التي يهتدي بها الناس في الطرق المجهولة في البر والبحر، فهم ينظرون إليها متى أرادوا ويهتدون بها حيث شاؤوا، فجاء الأمران على وفق الحكمة (١).
ثم تأمَّل حال النجوم واختلاف مسيرها، ففرقة منها لا تريم (٢) مراكزها من الفلك ولا تسير إلَّا مجتمعة كالجيش الواحد، وفرقة منها مطلقة تنتقل في البروج وتفترق في مسيرها، فكل واحدٍ منها يسير سيرين مختلفين: أحدهما عام مع الفلك نحو الغرب، والآخر خاص لنفسه نحو الشرق، فله حركتان مختلفتان على وفق الحكمة. وذلك من أعظم الدلالة على الفاعل المختار العليم الحكيم، وعلى كمال علمه وقدرته وحكمته (٣).
وتأمَّل كيف صار هذا الفلك بشمسه وقمره ونجومه وبروجه يدور على هذا العالم هذا الدوران العظيم السريع المستمر بتقديرٍ محكمٍ لا يزيد ولا ينقص، ولا يختل عن نظامه، بل هو تقدير العزيز العليم (٤) كما أشار تعالى إلى أن ذلك التقدير صادر عن كمال عزته وعلمه، فقال تعالى: ﴿وَاَلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ اُلْعَزِيزِ اِلْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٧]. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَائنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ اَلْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ … ﴾ إلى قوله:
стр. 1216
﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا اَلسَّمَاءَ اَلدُّنْيا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ اُلْعَزِيزِ اِلْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ٨ - ١١]. وقال تعالى: ﴿فَالِقُ اُلْإِصْبَاحِ وَجَاعِلُ اُلَّيْلِ سَكَنًا وَاَلشَّمْسَ وَاَلْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ اُلْعَزِيزِ اِلْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٧].
فذكر سبحانه أن هذا التقدير لمسير الشمس والقمر والليل والنهار وحركات النجوم في مطالعها ومغاربها تقديرٌ ناشئٌ عن عزته وعلمه، وذلك متضمن وقوعه على وجه الحكمة الطائفة (١)، وتسخير الشمس والقمر والكواكب وتذليلها لعزته، وجارٍ (٢) على وفق حكمته، فجاءت على وفق ما قدرها له. فهل يخفى على ذي لُبٍّ أن ذلك تقدير مقدرٍ قادرٍ عزيزٍ حكيمٍ (٣)؟! وحسبنا الله ونعم الوكيل (٤).
* * * * *