← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 184

الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 216 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

وإن قلتم: له معانٍ ظاهرةٌ مفهومةٌ أراد من العباد نفيها وإنكارها وعدم اعتقادها ـ وهذا هو حقيقة قولكم ـ لزمكم نسبة الله ورسوله إلى ما لا يليق بآحاد العقلاء، فضلًا عن ربِّ الأرض والسماء، وخاتم الرسل وسيد الأنبياء؛ فإنه يكون قد خاطبهم بإثبات ما أراد منهم نفيه، وتحقيق ما أراد منهم إبطاله، وعرضهم لأنواع الكفر والضلال والتشبيه؛ وكان بمنزلة من أراد أن يصف لعليل دواءً يستشفي به، فوصف له دواءً قاتلًا، وأخبره أن فيه الشفاء والعافية، وأراد منه أن يأخذ من ألفاظ ذلك الدواء ما لا يدل عليه بل على خلافه! فهل يكون هذا المداوي إلَّا من أجهل الناس وأعظمهم تلبيسًا وتدليسًا؟ فلا بد لكم من أحد هذه الأقسام المذكورة، فإن كان هاهنا قسمٌ آخر فبيِّنوه وبيِّنوا صحته. يوضحه: الوجه الثاني والثلاثون بعد المائتين: وهو أن الأدلة العقلية التي زعمتم أنها تعارض النقل وتنفي موجبه هي بعينها تنفي المعاني التي تأولتم النقل عليها، وصرفتم معناه إليها، فإنكم لا يمكنكم تعطيل دلالة النصوص بالكلية وجعلها بمنزلة الكلام المهمل الذي لم يستعمله العقلاء، بل لا بد لكم من حملها على معانٍ أُخر غير حقائقها التي دلَّت عليها، وحينئذٍ فالأدلة العقلية التي نفيتم بها حقائق النصوص تنفي تلك المعاني التي تأولتموها عليها بعينها. مثاله: أنكم تأولتم الرحمة والرأفة بالإرادة، وزعمتم أن الدليل العقلي يقتضي نفي الرحمة والرأفة حقيقة، وهو إمَّا دليل الأعراض، وإمَّا دليل التركيب، وإمَّا الدليل الذي ينفي التجسيم والتشبيه، وإمَّا دليل التوحيد الذي ينفي ثبوت شيءٍ من الصِّفات، وإمَّا دليل امتناع الكيفيات النفسانية عليه،

стр. 1157

وإما دليل امتناع الاختصاص بغير مخصصٍ أو غير ذلك. فجميع هذه الشُّبه الباطلة تنفي كل معنًى حملتم عليه النصوص، ويلزمكم فيما أثبتموه نظير ما لزمكم فيما نفيتموه. وإذا كان الإلزام ثابتًا على التقديرين لم تستفيدوا بتأويل النصوص وحملها على خلاف حقائقها إلَّا تحريف الكلم عن مواضعه، والقول على الله بلا علم، والجناية على الكتاب والسُّنَّة. فلو أنكم تخلصتم بالتحريف ممَّا فررتم منه من التشبيه والتجسيم كنتم قد صنعتم شيئًا، ولكن أصابكم في ذلك ما أصاب القائل (١): وَأَفْقَرَنِي فِيمَنْ أُحِبُّ وَمَا اسْتَغْنَى فهذان وجهان يَعُمَّانِ كل ما ينفون من الصِّفات الإلهية ويتأولونه على غير تأويله من النصوص النَّبوية ويعتمدون عليه من الأقيسة العقلية. الوجه الثالث والثلاثون بعد المائتين: أن لازم هذا القول بل حقيقته (٢) أن أسماء الربِّ تعالى إنما تُطلق عليه مجازًا لا حقيقة، فإنه إذا قام الدليل العقلي على انتفاء حقائقها صار إطلاقها بطريق المجاز والاستعارة لا بطريق [ق ١٢٩ أ] الحقيقة، فيكون إطلاقها على المخلوق بطريق الحقيقة، إذ لا يمكن أن يكون مجازًا في الشاهد والغائب، وقد نفيتم أن يكون حقيقةً في حقِّ الربِّ سبحانه، فتكون حقيقة في المخلوق مجازًا في الخالق، فيكون المخلوق أحسن حالًا فيها من الخالق، وتكون حُسنى في حقِّه دون حقِّ الربِّ

стр. 1158

تعالى؛ لأنها إنما كانت حُسنى باعتبار معانيها وحقائقها، لا بمجرد ألفاظها، فمن له حقائقها (١) فهي في حقه حُسنى، دون من انتفت عنه حقائقها. وكفى بهذا خروجًا عن العقل والسمع، وإلحادًا في أسمائه سبحانه! قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ اِلْأَسْمَاءُ اُلْحُسْنى فَاَدْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا اُلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠]. فإن قلتم: حقائقها بالنسبة إليه ما يليق به، وهو ما تأولناها عليه، وحينئذٍ فتكون حُسنى بذلك الاعتبار، وتكون حقيقة لا مجازًا. قيل: فهلَّا حملتموها على حقائقها المفهومة منها على وجهٍ يليق به ولا يماثله فيه خلقه، كما فعلتم بحملها على تلك المعاني التي صرفتموها إليها؟ فإن قلتم: حملها على ذلك يستلزم محذورًا من تلك المحاذير. قيل: فكيف لم يستلزمه فيما أثبتموه من تلك المعاني، واستلزمه فيما نفيتموه؟ وإذا كنتم قد أثبتم تلك على وجهٍ يختص به ولا يماثل خلقه فيه فأثبتوا له حقائقها على هذا الوجه، وتكونون للعقل والنقل موافقين، وللكتاب والسُّنَّة مصدِّقين، ولسلف (٢) الأُمَّة وأعلمها بالله وصفاته وأسمائه موافقين، وعن سبيل أهل الإلحاد والتعطيل عادلين. الوجه الرابع والثلاثون بعد المائتين: أن الناس في هذه الأسماء التي تقال على الربِّ وعلى العبد مختلفون على أقوال:

стр. 1159

فقالت غُلاة المعطلة من الجهمية: إنها مجازٌ في حقِّ الخالق حقيقةٌ في حقِّ المخلوق، وإنها استعيرت له من أسمائهم، وهذا كما قيل: خرَّ عليهم السقف من تحتهم، لا عقل ولا قرآن! فكيف يُستعار للقديم الخالق سبحانه أسماء من المُحْدَث المخلوق، وكيف يُستقرض للغني الواجد من الفقير المُعْدَم؟! أترى لم يكن في الممكن أن يكون للربِّ سبحانه من الأسماء إلَّا ما استُعير له من أسماء خلقه؟ ولمَّا رأت (١) طائفة من العقلاء شناعة هذا المذهب وبطلانه قابلوا قائليه وقالوا: بل هي حقيقةٌ في الربِّ، مجازٌ في العبد. وهذا قول أبي العباس [الناشئ] (٢) وقد وافقه عليه طائفةٌ، ويلزم أصحاب هذا القول صحة نفيها عن المخلوق كما يلزم أصحاب القول الأول صحة نفيها عن الخالق. والقولان باطلان، مع أن أصحاب هذا القول وإن كانوا خيرًا من أولئك فهم متناقضون، فإنهم إن أثبتوا للربِّ تعالى حقائقها المفهومة منها فجعلُها مجازًا في المخلوق ممتنع، فإن المعنى الذي كانت به حقيقة في الغائب موجود في الشاهد وإن كان غير مماثل، بل للربِّ منه ما يختص به ولا يماثله فيه المخلوق، وللمخلوق منه ما يختص به ولا يماثله فيه الخالق. وهذا لا يوجب أن تكون مجازًا في حقِّ المخلوق كالوجود والشيء والذات. وإن

стр. 1160

أثبتوها على غير حقائقها المفهومة منها بل جعلوا معناها ما تأولوها عليه فقلبوا الحقائق وعكسوا اللغة وأفسدوها، وجعلوا المجاز حقيقةً والحقيقة مجازًا. هذا، وهم أعذر من أولئك وأقل خطأ، فإنهم جعلوها مجازًا في حقِّ من هو أولى بها من (١) خلقه وأولى من تثبت له على أتم الوجوه وأكملها أزلًا وأبدًا ووجوبًا وبراءةً عن كل ما ينافي ذلك، وجعلوها حقيقةً في حقِّ من استعيرت له على وجه الحدوث والضعف والنقص، فهؤلاء أعظم قلبًا للحقائق ومخالفة للمعقول من أولئك. وقالت طائفةٌ ثالثة: بل هي حقيقة في الغائب والشاهد كالوجود والشيء والذات، وإن لم تماثل الحقيقة الحقيقة. ثم اختلف هؤلاء فقالت طائفةٌ: هي مقولة عليهما بالاشتراك اللفظي؛ لتباين الحقيقتين من كل وجهٍ. وهذا من أفسد الأقوال؛ فإن كل عاقلٍ يفرق بين لفظي (٢) العين ولفظ المشتري ولفظ العين ونحوها (٣)، وبين لفظ السميع والبصير والحي والعليم والقدير، ويفهم المعنى من هذه الألفاظ عند إطلاقها دون تلك، فلو كانت مشتركة لم يُفهم منها شيءٌ عند الإطلاق. وقالت طائفةٌ أخرى: بل يقال على القديم والحادث بطريق التواطؤ (٤)،

стр. 1161

وهي موضوعة للقدر المشترك، والخصائص لا تدخل في مسمَّى اللفظ، قالوا: ولهذا يصح تقسيم معانيها إلى واجب وممكن، وقديم ومحدث. ومورد التقسيم مشتركٌ بين الأقسام. وقالت طائفةٌ: بل يقال على الربِّ والعبد بطريق التشكيك (١)؛ لأنها [ق ١٢٩ ب] في الربِّ أولى وأولى وأتم وأكمل، ولا ريب أن المتواطئ (٢) يعم ما تساوت أفراده فيه وما تفاوتت، فالمشكِّك نوع من المتواطئ. وإذا عُرف هذا فمن نفى حقائقها عن الربِّ سبحانه جعلها مجازًا في حقِّه حقيقةً في المخلوق. يوضحه: الوجه الخامس والثلاثون بعد المائتين: أنه قد عُلم أن المعنى المستعار يكون في المستعار منه أكمل منه في المستعار، وأن المعنى الذي دلَّ عليه اللفظ بطريق الحقيقة أكمل من المعنى الذي دلَّ عليه بطريق المجاز، وإنما يستعار لتكميل معنى المجاز، مثل الأسد فإن شجاعته لمَّا كانت أكمل من شجاعة ابن آدم، والبحر لمَّا كان أوسع من ابن آدم، والشمس والقمر لمَّا

стр. 1162

كانا (١) أبهى وأحسن، استُعيرت أسماؤها لما دونها. فإذا قيل: إن هذه الأسماء مجازٌ في حقِّ الربِّ حقيقةٌ في حقِّ العبد، كانت في العبد أكمل وأتم منها في الربِّ، وكانت تسمية الربِّ سبحانه بها تقريبًا (٢) وتمثيلًا لما هو حقيقة في العبد! وهل في الباطل والضلال والكفر والمحال فوق هذا؟! والظاهر ـ والله أعلم ـ أن أكثر هؤلاء النُّفاة المعطلة جهالٌ لا يتصورون حقيقة أقوالهم ولوازمها، وإلَّا فمن آمن بالله وكان له في قلبه جلالةٌ وعظمةٌ ووقارٌ لا يرضى بذلك ولا يعتقده، وإن كان كثيرٌ من الناس لا يتحاشى من ذلك ولا يأنف منه لقلة وقار الله في قلبه وبُعده عن معرفته وإساءة ظنه بأهل الإثبات وإحسان ظنه بطائفته وأهل نِحْلته. وضلالُ بني آدم لا يحيط به إلَّا من هو بكل شيءٍ محيطٌ! الوجه السادس والثلاثون بعد المائتين: أن أعقل الخلق على الإطلاق الرُّسل، وأتباعهم بعدهم أعقل الأمم، وأهل الكتب والشرائع الكبار أعقلهم، وأعقل هؤلاء المسلمون، وأعقل المسلمين أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون لهم بإحسان، وأهل السُّنَّة والحديث أعقل الأُمة بعدهم على الإطلاق. والبرهان القاطع على هذا أنه قد ظهر على أيدي الرُّسل من العلم النافع والعمل الصالح ومصالح الدنيا والآخرة ما لم يظهر مثله ولا قريب منه ولا ما له (٣) البتة نسبة بوجهٍ من الوجوه على أيدي غيرهم من العقلاء.

стр. 1163

ومن تدبَّر سيرتهم في أنفسهم وفي خاصتهم وفي العامة وصبرهم وزهدهم في الدنيا ورغبتهم في الله وما عنده، واشتمالهم من الأخلاق على أزكاها، ومن الشِّيم على أرضاها، وأنهم أصدق الخلق وأبرهم قلوبًا، وأزكاهم نفوسًا، وأعظمهم أمانةً، وأكرمهم عشرةً، وأعفهم ضمائر، وأطهرهم سريرةً = لم يشك أنهم أعقل خلق الله على الإطلاق. ولا ريب أن كل من كان إليهم أقرب كان حظُّه من العقل أوفر، والعلوم والأعمال والسِّيرة والدلائل على ذلك (١). وأمَّا أعداؤهم وخصومهم فقد ظهر من نقصان عقولهم ما كان الحيوان البهيم أحسن به حالًا منهم؛ فإنه لا يقدم على هلاكه، وخصماء الرُّسل وخصماء أتباعهم متهافتون في أسباب هلاكهم (٢) تهافت الفراش في النار، وظهر نقصان هذه العقول في علومهم ومعارفهم، مثل ظهوره في أعمالهم أو أعظم، فإن كل من له نورٌ وبصيرةٌ إذا عرض على العقل الصحيح والفطرة السليمة ما جاءت به الرُّسل وما قالته النُّفاة المعطلة في الله ﷻ ؛ تبين له الذي بينهما من الفَرْق أعظم ممَّا بين القَدَم [والفَرْق] (٣). ومن أعظم المحال أن يكون أعقل الخلق وأعقل الأُمم مطبقين على الانقياد لكتابٍ قد خالفه صريح العقل، ويكون ذلك الكتاب متضمنًا لخلاف (٤) الصواب في أعظم مطالب الدعوة الإلهية، وظاهره ضلالٌ

стр. 1164

ومحالٌ؛ ويطبق عليه أعقل بني آدم ويتلقونه بالقبول، وتشهد عقولهم وفِطَرهم أنه الحق والصواب، وأن ما خالفه فهو الباطل والإفك والمحال، وتصح به قلوبهم، وتطمئن به، وتسكن إليه، وتزكو به النفوس أعظم زكاء! وهذا من المحال أن يحصل بما يخالف صريح العقل، ويكون الصواب في خلاف (١) ما دلَّ عليه؛ فإن القلوب الصحيحة والفِطَر السليمة والعقول المستقيمة لا تطمئن بباطلٍ أبدًا، بل يكون أهله كما قال الله سبحانه: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ [ق: ٥] وقال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٨ - ٩] وقال: ﴿اِنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ اَلْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٨]. ووصف سبحانه المصدِّقين به الذين لا يُقدِّمون عليه غيره بطمأنينتهم به، وجعل ذلك من أعظم آيات صدقه في أنه لو كان باطلًا مخالفًا [ق ١٣٠ أ] للعقول لم تطمئن به القلوب، بل كانت ترتاب به أعظم ريب، فإن الكذب في الأمور الجزئية ريبةٌ، فكيف بالكذب في باب أسماء الربِّ وصفاته وشأنه؟ والصدق في الأمور الجزئية طمأنينة، فكيف بالصدق في هذا الباب؟ قال تعالى: ﴿الم ذَلِكَ اَلْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا اَلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرى مِن دُونِ اِللَّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ اَلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ اَلْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ اِلْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ٣٧]. وقال تعالى: ﴿الم تَنزِيلُ اُلْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ اِلْعَالَمِينَ﴾ [السجدة: ١]. فجعل سبحانه من أعظم أدلة صدقه نفي الريب عنه في مثل هذه المطالب التي هي أصل مطالب بني آدم، وأجلُّ معارفهم وعلومهم على

стр. 1165

الإطلاق. فلو كان فيه ما يخالف صريح العقل لكان فيه أعظم الريب، ولما اطمأنت به القلوب ولا ثلجت به الصدور. وقد قال تعالى: ﴿اَلَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اِللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اِللَّهِ تَطْمَئِنُّ اُلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٩] وذِكْرُه هاهنا هو كتابه (١)، وهو الذكر الحكيم. فكيف يجوز على أعقل الأُمم وأفضلها أن تطمئن قلوبهم بما يخالف العقل الصريح؟ وهل هذا إلَّا قدحٌ في عقولهم، كما هو قدح في نبيهم، وفي كتابهم، ومن تكلَّم به وجعله هدًى وشفاءً ورحمةً وعصمةً ونورًا وروحًا! والله ورسوله وملائكته وأولو العلم يعلمون أن كلام هؤلاء المعطلة النُّفاة ـ المعارضين للوحي بعقولهم وآرائه ـ فيه أعظم الريب وأبعد شيءٍ عن طمأنينة القلوب به وسكونها إليه وأشد شيءٍ مخالفة للمعقول الصريح. وهذه سُنة الله في خلقه أن أنقص الناس عقولًا وأعظمهم سفهًا يرمون أعقل الخلق وأفضلهم بنقصان العقول. ولا تنس قول أعداء الرُّسل في الرُّسل أنهم مجانين لا عقول لهم، فهكذا ورثتهم يرمون ورثة الرُّسل بدائهم إلى يوم القيامة. يوضحه: الوجه السابع والثلاثون بعد المائتين: أنه لو كان ظاهر الكتاب مخالفًا لصريح المعقول لكان في الصدور أعظم حرجٍ منه وضيق. وهذا خلاف المشهود بالباطن لكل ذي عقلٍ سليمٍ، فإنه كلما كان الرجل أتم عقلًا كان الحرج بالكتاب أبعد منه. قال تعالى لرسوله: ﴿المص كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ﴾ [الأعراف: ١] والله تعالى رفع الحرج عن الصدور

стр. 1166

بكتابه وكانت قبل إنزال الكتاب في أعظم الحرج والضيق، فلمَّا أنزل كتابه ارتفع به عنها ذلك الحرج، وبقي الحرج والضيق على من لم يؤمن به كما قال تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اِللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٦]. ومن آمن به من وجهٍ دون وجهٍ ارتفع عنه الحرج والضيق من الوجه الذي آمن به دون ذلك الوجه. فمن أقرَّ أنه منزلٌ من عند الله أنزله على رسوله ولم يُقرَّ بأنه كلامه الذي تكلَّم به بل جعله مخلوقًا من جملة مخلوقاته؛ كان في صدره من الضيق والحرج ما يناسب ذلك. ومن أقرَّ بأنه تكلم بشطره وهو المعاني دون شطره الآخر وهو حروفه كان (١) في صدره من الحرج منه ما يناسب ذلك. ومن [اعتقد] (٢) أنه غير كافٍ في معرفة الحقِّ وأن العباد يحتاجون معه إلى معقولات وآراء ومقاييس وقواعد منطقية ومباحث عقلية ففي صدره منه أعظم حرج. وأعظم حرجًا منه من اعتقد أن فيه ما يناقض العقل الصريح ويشهد العقل بخلافه، وكذلك من زعم أن آياته لا يُستفاد منها علمٌ ولا يقينٌ ففي صدره منه من الحرج ما الله به عليم. ومن زعم أن الخطاب به خطابٌ جمهوريٌّ يُخيل للعامة ما ينتفعون به ممَّا ليس له حقيقة في نفس الأمر ففي صدره منه أعظم حرج. ومن زعم أن أجلَّ ما فيه وأشرفه وأفضله وهو قسم التوحيد المتضمن للأسماء والصفات مجازاتٌ واستعاراتٌ وتشبيهاتٌ لا حقائق ففي صدره منه أعظم حرجٍ، فكل هذه الطوائف في صدرهم منه حرجٌ وريبٌ، وليس في حقهم هدًى ولا شفاء

стр. 1167

ولا رحمة، ولا هو كافٍ لهم بشهادتهم على أنفسهم، وشهادة الله وملائكته والشهداء من عباده عليهم، وبالله التوفيق. وقد أقسم سبحانه بنفسه المقدسة أنهم لا يؤمنون حتى يُحكِّموا رسوله في كل ما شجر بينهم، ولا يكفي ذلك في حصول الإيمان حتى يزول الحرج من نفوسهم بما حكم به، ولا يكفي ذلك أيضًا حتى يحصل منهم الرضا والتسليم؛ فقال تعالى: ﴿* فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا ممَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] فأكَّد ذلك بضروبٍ من التأكيد: أحدها: تصدير [ق ١٣٠ ب] الجملة المقسم عليها بحرف النفي المتضمن لتأكيد النفي (١) المقسم عليه، وهو في ذلك كتصدير الجملة المثبتة بإنَّ. الثاني: القَسَم بنفسه سبحانه. الثالث: أنه أتى بالمُقْسَم عليه بصيغة الفعل الدالة على الحدوث، أي: لا يقع منهم إيمانٌ ما حتى يحكموك. الرابع: أنه [أتى] (٢) في الغاية بـ «حتى» دون «إلَّا»، المُشْعرة بأنه لا يُوجد الإيمان إلَّا بعد حصول التحكيم؛ لأن ما بعد «حتى» يدخل فيما قبلها. الخامس: أنه أتى بالمحكم فيه بصيغة الموصول الدالة على العموم وهو قوله: ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أي في جميع ما تنازعوا فيه من [الأمور] (٣) الدقيقة والجليلة.

стр. 1168

السادس: أنه ضم إلى ذلك انتفاء الحرج وهو الضيق من حكمه. السابع: أنه أتى به نكرةً في سياق النفي، أي: لا يجدون نوعًا من أنواع الحرج البتة. الثامن: أنه أتى بذكر ما قضى به بصيغة العموم، فإنها إمَّا مصدرية أي: من قضائك. أو موصولة أي: من الذي قضيته. وهذا يتناول كل فردٍ من أفراد قضائه. التاسع: أنه لم يكتف منهم بذلك حتى يضيفوا إليه التسليم، وهو قدر زائد على التحكيم وانتفاء الحرج، فما كل من حكَّم انتفى عنه الحرج، ولا كل من انتفى عنه الحرج يكون مسلمًا منقادًا، فإن التسليم يتضمن الرضا بحكمه والانقياد له. العاشر: أنه أكَّد فعل التسليم بالمصدر المؤكد. ونحن نناشد (١) هؤلاء الجهمية بالله الذي لا إله إلَّا هو، هل يجدون في أنفسهم هذا التسليم والانقياد والتحكيم للنصوص، وهل هم مع الرسول وما جاء به بهذه المنزلة؟ فوالله إن قلوبهم وألسنتهم وكتبهم لتشهد عليهم بضدِّ ذلك كما يشهد به عليهم المؤمنون والملائكة وأولو العلم والله سبحانه، وكفى بالله شهيدًا. الوجه الثامن والثلاثون بعد المائتين: أن جماع ما يرد به المبطلون لما ثبت عن رسول الله ﷺ في الأمور العلمية الخبرية والأمور العملية الطلبية نوعان:

стр. 1169

أحدهما: منع دلالة ما جاء به على تلك المسألة. والثاني: معارضة الدلالة بما يمنع اتباعها. فردهم نوعان: منع ومعارضة. فوضعوا لهذين النوعين قانونين. فوضعوا لمنع الدلالة قانون التحريف والتأويل الفاسد، ووضعوا للمعارضة قانون تعارض العقل والسمع وتقديم العقل. فيتضمن هذان القانونان ألَّا يُستفاد من القرآن والسُّنَّة في باب الأسماء والصفات علمٌ ولا يقينٌ. وأمَّا الطلبيات فإمَّا أن يكون في المسألة إجماعٌ أو لا. فإن كان فيها إجماعٌ استُغني به عن النظر في الكتاب والسُّنَّة، وإن لم يكن (١) فيها إجماعٌ ففرضه التقليد لبعض الأئمة؛ لأن النصوص فيها الناسخ والمنسوخ، وفيها ما قد تُرك العمل به، وفيها الخاص والعام وغير ذلك، وقد كفانا (٢) الأئمة مُؤْنة النظر والاستدلال وكلفة الاجتهاد، فيتعين المصير إلى أقوالهم. وليس لنا أن نستدرك عليهم ولا نخالفهم، فهم قد كفونا مُؤنة الفروع، وشيوخنا المتكلمون قد كفونا مُؤنة الأصول، فلا يفيدنا النظر في الكتاب والسُّنَّة إلَّا التعب والعناء، وغايتنا أن نصل إلى ما وصلوا إليه إن أصبنا، وإن خالفناهم كنا نحن المخطئين وهم المصيبون. فالأولى بنا أن نتلقى الأصول عن المتكلمين، والفروع عن مشايخنا الذين هذَّبوا لنا مذاهب الأئمة وضبطوا قواعدها وأصولها. فيقال: هذا إخبارٌ منكم بحالكم وما يليق بكم وما أنتم أهله، وأمَّا من

стр. 1170

رُفع له عَلَم الكتاب والسُّنَّة فشمَّر إليه وآنس من مشكاتهما نور الهداية فطلبه وحرص عليه، وكان كتاب الله وسُنة رسوله أجلَّ في صدره وأعظم في نفسه وأوقر في قلبه من أن يجعل لهما عيارًا يعيِّرهما به، وميزانًا يزنهما به، وندًّا يحاكم إليه ويخاصم به دونهما، فهذا كتاب الله بين أظهرنا كما أنزل محضًا لم يُشَبْ، وهذه سُنة رسوله هل يسوغ لنا الإعراض عنهما إلى ما ذكرتم؟ وهل يُوجد فيهما دليلٌ واحدٌ على هذه الطريق التي سلكتم؟ وهل تجدون فيهما الحوالة على غيرهما بوجهٍ من الوجوه؟ وهل تجدون فيهما ما يتضمن ذلك أو يدلُّ عليه أو يُشير إليه أو يسوِّغه؟ وكأنكم تتمسكون (١) بقوله: ﴿اَتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: ٢]. وبقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [النساء: ٦٤]. وبقوله (٢): ﴿وَمَا اَخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اَللَّهِ﴾ [الشورى: ٨]. وبقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاَتَّبِعُوهُ وَاَتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٦]. وبقوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اُللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا اِلَّذِي لَهُ مُلْكُ اُلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ اِلنَّبِيِّ اِلْأُمِّيِّ اِلَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨].

стр. 1171

وبقوله [ق ١٣١ أ]: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ اَلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اِللَّهُ﴾ [الشورى: ١٩]. وبقوله (١): ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ اَلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَاَلْإِثْمَ وَاَلْبَغْيَ بِغَيْرِ اِلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزِلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اَللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣١]. وبقوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]. وبقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اَللَّهُ وَإِلَى اَلرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [المائدة: ١٠٦]. وبقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اِللَّهُ اُلَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اِللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا اَلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ [التوبة: ١٦] أي وليجة [أعظم] (٢) ممَّن اتخذ رجلًا بعينه عيارًا على كلام الله ورسوله وكلام سائر علماء الأُمة، يزن القرآن والسُّنَّة وكلام سائر العلماء على قوله، فما خالفه ردَّه، وما وافقه قبله. وبقوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (٣) اِلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ اَلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٦] والقول هاهنا ما قاله الله ورسوله، واتباع أحسنه هو الاقتداء به، فهذا أحسن من قول كل قائلٍ عداه.

стр. 1172

وبقوله: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اَللَّهَ فَاَتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اُللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. وبقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاَتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا اُلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٤]. وبقوله: ﴿فَمَنِ اِتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقى (١٢١) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه: ١٢١ - ١٢٢]. وذكره هو كتابه الذي أنزله، فمن أعرض عنه مكتفيًا بقول واحدٍ من بني آدم عنه؛ فقد أتى بحقيقة الإعراض. وبقوله: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاَعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اِتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اَللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠]. فقسم الناس إلى مستجيبين للرسول ومتبعٍ هواه. فمن ترك استجابته إذا ظهرت له سُنته وعدل عنها إلى (١) خلافها فقد اتَّبع هواه. وهذا أكثر من أن يُذكر، والمقصود أن الواجب على الخلق بعد وفاته هو الواجب عليهم في حياته سواء، ففرضُ من سمع كلامه أن يأخذ به. ومن خفي عليه قوله سأل من (٢) يعرفه، فإذا سمعه ففرضٌ عليه أن يأخذ به، فإن خفي عليه فغاية قول غيره أن يسوغ له الأخذ به، فيكون سائغ الاتباع بعد خفاء السُّنَّة، لا واجب الاتباع، ولا سيما مع ظهور السُّنَّة، وبالله التوفيق. الوجه التاسع والثلاثون بعد المائتين: أن كل واحدٍ من هذين الأمرين -أعني: المنع والمعارضة ـ ينقسم إلى درجات متعددة. فأمَّا المنع فهو على ثلاث درجاتٍ:

стр. 1173

أحدها: منع كون الرسول جاء بذلك أو قاله. الدرجة (١) الثانية: منع دلالته على ذلك المعنى، وهذه الدرجة بعد التنزل إلى الاعتراف بكونه قاله. الدرجة الثالثة: منع كون قوله حجةً في هذه المسائل. والدرجات الثلاث قد استعملها المعطلة النُّفاة: فأمَّا الأولى: فاستعملوها في الأحاديث المخالفة لأقوالهم وقواعدهم، ونسبوا رواتها إلى الكذب والغلط والخطأ في السمع، واعتقاد أن كثيرًا منها من كلام الكفار والمشركين كان النبي ﷺ يحكيه عنهم، فربما أدركه الواحد في أثناء كلامه بعد تصديره بالحكاية فيسمع المحكي فيعتقده (٢) قائلًا له، لا حاكيًا، فيقول: قال رسول الله ﷺ . كما قاله بعضهم (٣) في حديث قتادة بن النعمان في الاستلقاء (٤). قال: يحتمل أن يكون النبي ﷺ حدَّث به عن بعض

стр. 1174

أهل الكتاب على طريق الإنكار عليهم، فلم يفهم عنه قتادة بن النعمان إنكاره (١)، فقال: قال رسول الله ﷺ .

стр. 1175

وعضد هذا الاحتمال بما رواه من حديث ابن أبي أُويس، حدثني ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن عبد الله بن عروة بن الزبير، أن الزبير بن العوَّام سمع رجلًا يُحدِّث حديثًا عن النبي ﷺ فاستمع الزبير له حتى إذا قضى الرجل حديثه قال له الزبير: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ فقال له الرجل: نعم. قال هذا وأشباهه (١) ممَّا يمنعنا أن نتحدث عن النبي ﷺ . قد لعمري سمعتَ هذا من رسول الله ﷺ وأنا يومئذٍ حاضرٌ، ولكن رسول الله ﷺ ابتدأ هذا الحديث فحدَّثنا به عن رجلٍ من أهل الكتاب حدَّثه إيَّاه، فجئتَ أنتَ يومئذٍ بعد أن قضى صدر الحديث وذكر الرجل الذي من أهل الكتاب، فظننت أنه من حديث رسول الله ﷺ (٢). قالوا: فلهذا الاحتمال تركنا الاحتجاج بأخبار الآحاد في صفات الله (٣). فتأمَّل ما في هذا الوجه من الأمر العظيم أن يشتبه على أعلم الناس بالله

стр. 1176

وصفاته وكلامه وكلام رسوله كلام الرسول الحق الذي قاله مدحًا وثناءً على الله بكلام الكفار المشركين الذي هو تنقصٌ وعيبٌ، فلا يُميِّز بين هذا وهذا ويقول: «قال رسول الله ﷺ » لما يكون من كلام ذلك المشرك الكافر. فأي نسبة جهلٍ واستجهالٍ لأصحاب رسول الله ﷺ [ق ١٣١ ب] فوق هذا أنه لا يميز أحدهم بين كلام رسول الله ﷺ وكلام الكفار والمشركين، ويميز بينهما أفراخ الجهمية والمعطلة؟ وكيف يستجيز من للصحابة في قلبه وقارٌ وحرمةٌ أن ينسب إليهم مثل ذلك؟! ويا لله العجب! هل بلغ بهم الجهل المفرط إلى ألَّا يُفرِّقوا بين الكلام الذي يقوله رسول الله ﷺ حاكيًا عن المشركين والكفار، والذي يقوله حاكيًا له عن جبريل عن رب العالمين، ولا بين الوصف بما هو مدح وثناء وتمجيد لله ووصفه بما هو ضد ذلك؟ فتأمَّل جناية هذه المعرفة على النصوص! ومن تأمَّل أحاديث الصِّفات وطُرقها وتعدد مخارجها ومن رواها من الصحابة علم بالضرورة بطلان هذا الاحتمال، وأنه من أبين الكذب والمحال. فوالله، لو قاله صاحب رسول الله ﷺ من عند نفسه لكان أولى بقبوله واعتقاده من قول الجهمي المعطل النافي، فكيف إذا نسبه إلى رسول الله ﷺ ؟! والمقصود أن هذه الدرجات الثلاث قد وضعت الجهمية أرجلهم فيها. فهذه درجة منع كون الرسول قاله. وأكدوا (١) أمر هذه الدرجة بأن أخبار الآحاد يتطرق إليها الكذب والخطأ والغلط، فلا يجوز أن يُحتج بها في باب معرفة الله وما يجب له ويمتنع عليه. وسيمر بك إن شاء الله تعالى ما يقلع هذه الدرجة من أصلها (٢).

стр. 1177

الدرجة الثانية: منع الدلالة، وهذه الدرجة المسمَّاة بأن الأدلة اللفظية لا تُفيد اليقين، وقد تقدم فسادها من خمسة وسبعين وجهًا فيما مضى (١)، وبيَّنا أن هذا القول لا يجامع دين الإسلام، بل مناقضته للدين معلومةٌ بالضرورة بعد التأمل لحقيقته ولازمه. الدرجة الثالثة: تسليم دلالته على ذلك ولكن يمنع كون قول الرسول حجة في ذلك. وهذه الدرجة ينزلها طائفتان: إحداهما من يجوز على الرسول أن يخاطب الأمة بخلاف ما هو في نفس الأمر لمصلحتهم. الطائفة الثانية من يعتقد أن لكلامه باطنًا يخالف ظاهره، وتأويلًا يخالف حقيقته. فالطريقة الأولى للمتفلسفة ومن تتلمذ (٢) لهم، والطريقة الثانية للجهمية ومن اقتفى آثارهم. وكثيرٌ من المتأخرين يجمع بين الطريقتين، فيتفلسف تارةً، ويتجهم تارةً، ويجمع بين الإدامين تارةً! فهذه درجات المنع. وأمَّا درجات المعارضة فثلاثة أيضًا: إحداها: أن يعارض المنقول بمثله ويسقط دلالتهما، أو يرجح دلالة المعارض كما عارض الجهمي قوله: ﴿اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: ٤] بقوله: ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وزعم أنه لو كان على العرش لم يكن أحدًا، وعارضه بقوله: ﴿وَهْوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وزعم أنه لو كان على عرشه لم يكن معنا، وعارضه بقوله: ﴿اِلَّذِينَ يَحْمِلُونَ اَلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر: ٦]. وهذه معارضة

стр. 1178

الزمخشري في «كشافه» (١) قال: «وفيها التنبيه على أن الأمر لو كان كما يقوله المجسمة كان حملة العرش ومن حوله مشاهدين معاينين، ولما وُصفوا بالإيمان؛ لأنه إنما يُوصف بالإيمان الغائب. ولمَّا وُصفوا به على سبيل الثناء عليهم عُلم أن إيمانهم وإيمان من في الأرض وكل من غاب عن ذلك المقام سواء في إيمان الجميع بطريق النظر والاستدلال لا غير، وأنه لا طريق إلى معرفته إلَّا هذا، وأنه منزَّهٌ عن صفات الأجرام». [فلو أنَّ] (٢) المجسم بزعمك جسَّم حقيقةً لما رضي لنفسه ولمن يخاطبه بمثل هذا الكلام الذي هو من أقبح الكلام وأبطله، ولشحَّ على زمانه وأوراقه أن يضيعه بمثله، ولمنعه وقار القرآن وعظمته في صدره أن يفسِّره بمثل هذا الكلام الذي هو كما قيل: «مثل حجارة الكنيف ترجع وتنجس». فقد صرَّح قائله بأن إيمان محمد بن عبد الله وإبراهيم الخليل وموسى الكليم وجميع الأنبياء والمرسلين إنما هو عن نظر واستدلال، وهم بسعادتهم قد سدوا جميع طرق الإيمان والمعرفة إلَّا طريق الجواهر والأعراض والاجتماع والافتراق وإبطال حوادث لا أول لها، وزعموا أن من لم يعرف ربَّه من تلك الطريق مات ولم يعرف له ربًّا ولم يُقرَّ بأن له إلهًا وخالقًا. وزادوا في الافتراء والكذب والبهت، فزعموا أن إيمان جبريل وميكائيل والملائكة المقربين وجميع المرسلين مبنيٌّ على هذه الطريقة، وأن إيمانهم كلهم سواء، وأنهم لا طريق لهم إلى معرفته إلَّا هذا النظر والاستدلال الذي وضعه لهم شيوخ الجهمية ومبتدعة المتكلمين وضُلال أهل الاعتزال. فهاهنا يسجد

стр. 1179

المجسم ـ بزعمكم ـ شكرًا لله؛ إذ عافاه الله من مثل هذا البلاء العظيم، وهذا القول أقل وأحقر من أن يتكلف للوجوه التي تدل على بطلانه بأكثر من حكايته (١). ومن هذا معارضة [ق ١٣٢ أ] غيره لنصوص الاستواء والعلو بقوله: «لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى» (٢). قال قائل (٣): هذا دليلٌ على أن الله ليس فوق العالم ولا مستويًا على العرش. قال: لأن يونس نزل إلى قرار البحر، ومحمد ﷺ رُفع إلى فوق السماوات، فكانا في القرب من الله على حدٍّ سواء لا يفضل أحدهما على الآخر في القرب منه سبحانه. فلو أن المجسم نزل إلى الأرض السابعة لم يرض لنفسه ولمعرفته ولفهمه عن نبيه بمثل هذا. ومن هذا معارضة نصوص الاستواء والعلو بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ٩] فلبسوا على الجهال بإيهامهم أن من أثبت كونه سبحانه فوق سماواته على عرشه فقد جعل له مثلًا. ومن هذا معارضة بعضهم الأحاديث الصحيحة الصريحة التي تكلم فيها (٤) النبي ﷺ بأين الله؟ وسمع السؤال بأين الله؟ وأقرَّ السائل عليه ولم ينكره. كما كفره هؤلاء، فعارضوها كلها بحديثٍ مكذوبٍ موضوعٍ في إسناده

стр. 1180

من لا يُدرى من أي الدوابِّ هو، كشيحة (١) الذي لا ذكر له في شيءٍ من كتب الحديث، ولعل بعض الوضاعين نسبه إلى واحد الشِّيح (٢). والحديث أن رسول الله ﷺ قال وقد سُئل أين الله؟ فقال: «لَا يُقَالُ أَيْنَ لِمَنْ أَيَّنَ الْأَيْنَ» (٣). فعارض هذا الأحاديث الصحيحة المستفيضة التي نطق فيها رسول الله ﷺ بالأين، وأقرَّ على إطلاقها بهذا الحديث [الركيك] (٤) الذي يستحيي من التكلُّم به آحاد الناس، فضلًا عن سيِّد ولد آدم. وأقبح من هذا معارضة الأحاديث المتواترة ـ التي تزيد على مائتي

стр. 1181

طريق، وأصلها نحو الثلاثين ـ في رؤية الربِّ تعالى في الآخرة بقوله تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ اُلْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٤]. فيا للعقول! نحن إنما تلقينا هذه الأحاديث عمَّن أُنزلت عليه الآية، فهو الذي جاء بهذا وهذا، فكيف يستجيز مسلمٌ أن يُعارض كلامه بما فهمه من ظاهر القرآن فهمًا فاسدًا؟ ولو فهمه كما ينبغي لعلم أن القرآن موافق للسُّنة لا مناقض لها، كما تقدم تقريره. فصل الدرجة الثانية من المعارضة: معارضة النصِّ بالرأي، وهذه المعارضة في الأصل هي من فعل المشركين أعداء الرسل، وتلقاها ورثتهم من بعدهم كما تقدم بيانه (١). الدرجة الثالثة: المعارضة بالتقليد واتباع الآباء والمشايخ والمعظَّمين في النفوس، وإذا تأمَّلت الغالب على بني آدم وجدته من هذا النوع. واعلم أنه لا يستقر للعبد قدم (٢) في الإسلام حتى يبرأ من هذه الممانعة والمعارضة، فحينئذٍ يدخل في دائرة الإسلام، ولا يمكن تحكيم الرسول وانتفاء الحرج ووقوع التسليم حتى تنتفي هذه الممانعة والمعارضة من كل وجهٍ، وبالله التوفيق. يوضحه: الوجه الأربعون بعد المائتين: وهو أنه مع التصديق الجازم يمتنع وقوع المعارضة والممانعة، وحيث وُجد ذلك فهو ملزومٌ لانتفاء التصديق، ووجود الملزوم بدون لازمه محالٌ. فهاهنا أمران: تصديقٌ جازمٌ يلزمه انتفاء

стр. 1182

المنع والمعارضة، ومنع ومعارضة يلزمه انتفاء التصديق الجازم، فيُستدل بوجود الملزوم منهما على وجود لازمه، وبانتفاء اللازم على انتفاء ملزومه. وهذا أمرٌ قطعيٌّ، لكنه موقوف على صحة اللزوم. فنقول: متى حصل الإقرار بأن المتكلم عالمٌ بما أخبر به، صادقٌ في خبره يستحيل عليه الجهل والكذب عمدًا أو خطأ؛ امتنع ـ والحالة هذه ـ أن يقوم بقلب من اعتقد ذلك منعٌ لخبره أو معارضةٌ له، ووجود المنع والمعارضة وهذا الإقرار والتصديق لا يجتمعان. وإذا ثبت اللزوم المذكور لزم من وجود الملزوم وجود لازمه، ومن انتفاء اللازم انتفاء ملزومه. والعجب أن هؤلاء مع (١) شدة تمسكهم بالعقليات واعتنائهم بها حين عارضوا بينها وبين الوحي يجمعون بين النقيضين، ويُثبتون الشيء وينفون لازمه، وينفون اللازم ويثبتون ملزومه، وذلك مخالفةٌ لصريح العقل؛ فإنهم يدَّعون الإيمان بما جاء به الرسول وينفون لازمه، وإذا نفوا اللازم انتفى الملزوم، ولكن من حكمة أحكم الحاكمين أن سلب (٢) هؤلاء خاصة عقولهم، وحال بينهم وبينها، وكشف لأهل العقل والسمع أنهم من أبعد الناس عن العقل والسمع. وهذا كما ظهر لأتباع الرُّسل في الدنيا فإنه سيظهر لأولئك حين يقول المعارضون للرُّسل بعقولهم: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ اِلسَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١]. الوجه الحادي والأربعون بعد المائتين: أن الله سبحانه أنزل على عبده ورسوله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ في أفضل الأيام وأفضل الشهور وأفضل

стр. 1183

الأماكن ومعه أفضل الخلق ﴿اِلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ اُلْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٤]. وقد ثبت في «صحيح البخاري» (١) وغيره من حديث طارق بن شهاب قال: جاء رجلٌ من اليهود إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، آية تقرؤونها في كتابكم لو علينا [ق ١٣٢ ب] معشر اليهود نزلت فعُلم اليوم الذي نزلت فيه لاتخذناه عيدًا. فقال عمر: أية آية هي؟ قال: ﴿اِلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ اُلْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٤] فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه. أُنزلت على رسول الله ﷺ عشية الجمعة ونحن معه بعرفة. وفي «مسند علي» (٢) للحافظ مُطيَّن: حدثنا يحيى الحِمَّاني، حدثنا قيسٌ، عن إسماعيل بن سلمان، عن أبي عمر البزار، عن ابن الحنفية، عن عليٍّ قال: «نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ وهو واقف عشية عرفة ﴿اِلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ

стр. 1184

لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ اُلْإِسْلَامَ دِينًا﴾». وقال عبدُ بن حُميدٍ (١): أخبرنا يزيد بن هارون، ثنا حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار قال: قرأ ابن عباس: ﴿اِلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وعنده يهودي فقال: لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدًا. فقال ابن عباس: نزلت في يوم عيدين: يوم جمعة ويوم عرفة. قال (٢): وحدثنا أبو نُعيم، عن إسرائيل، عن جابرٍ، عن عامرٍ قال: «نزلت على النبي ﷺ [وهو بعرفة، وكان إذا أعجبته آيات جعلهن صدر السورة] (٣)». [الوجه الثاني والأربعون بعد المائتين (٤): أن هذه المعارضة بين العقل والنقل هي أصل كل فسادٍ في العالم، وهي ضدُّ دعوة الرُّسل من كل وجهٍ، فإنهم دعوا إلى تقديم الوحي على الآراء والعقول، وصار خصومهم إلى ضدِّ ذلك، فأتباع الرُّسل قدَّموا الوحي على الرأي والمعقول، وأتباع إبليس أو

стр. 1185

نائبٍ من نوابه قدَّموا العقل على النقل. قال محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في كتابه «الملل والنحل» (١): «اعلم أن أول شُبهةٍ وقعت في الخلق شُبهة إبليس، ومصدرها استبداده بالرأي في مقابلة النصِّ، واختياره الهوى في معارضة الأمر (٢)، واستكباره بالمادة التي خُلق منها، وهي النار على مادة آدم، وهي الطين. وتشعبت عن هذه الشُّبهة سبع شبهاتٍ، حتى صارت مذاهب بدعةٍ وضلالةٍ. وتلك الشُّبهات مسطورةٌ في شرح الأناجيل الأربعة، ومذكورة في التوراة متفرقة على شكل مناظرةٍ (٣) بينه وبين الملائكة بعد الأمر بالسجود والامتناع منه. قال كما نُقل عنه: إني سلَّمت أن الباري إلهي وإله الخلق عالمٌ قادرٌ ولا تسأل (٤) عن قدرته ومشيئته، وأنه إذا أراد شيئًا قال له: كن، فيكون. وهو حكيمٌ، إلَّا أنه تتوجه على مساق حكمته أسولة سبعة: أولها: قد علم قبل خلقي أي شيءٍ يصدُر عنِّي ويحصل، فلم خلقني أولًا؟ وما الحكمة في خلقه إيَّاي؟ الثاني: إذ خلقني على مقتضى إرادته ومشيئته فَلِمَ كلفني بمعرفته (٥) وطاعته؟ وما الحكمة في التكليف بعد ألَّا ينتفع بطاعة ولا يتضرر بمعصة؟ والثالث: إذ خلقني وكلَّفني فالتزمت تكليفه بالمعرفة والطاعة فعرفت

стр. 1186

وأطعت، فلم كلفني بطاعة آدم والسجود له؟ وما الحكمة في هذا التكليف على الخصوص بعد ألَّا يزيد ذلك في طاعتي ومعرفتي؟ والرابع: إذ خلقني وكلفني على الإطلاق وكلفني هذا التكليف على الخصوص، فإذْ لم أسجد فلم (١) لعنني وأخرجني من الجنة، ما الحكمة في ذلك بعد أن (٢) لم أرتكب قبيحًا إلَّا قولي: لا أسجد إلَّا لك؟ والخامس: إذ خلقني وكلفني مطلقًا وخصوصًا ولم أطع فلعنني وطردني] (٣) فَلِمَ طرَّقني إلى آدم حتى دخلت الجنة ثانيًا وغررته بوسوستي، فأكل من الشجرة المنهي عنها، وأخرجه من الجنة معي؟ وما الحكمة في ذلك بعد أن لو منعني من دخول الجنة استراح (٤) مني آدم وبقي خالدًا في الجنة؟ والسادس: إذ خلقني (٥) وكلفني عمومًا وخصوصًا ولعنني ثم طرَّقني إلى الجنة، وكانت الخصومة بيني وبين آدم؛ فلم سلَّطني على أولاده حتى أراهم من حيث لا يروني وتؤثر فيهم وسوستي، ولا يُؤثر فيَّ حولهم وقوتهم وقدرتهم واستطاعتهم؟ وما الحكمة في ذلك بعد أن لو خلقهم على الفطرة دون من يجتالهم عنها فيعيشوا طاهرين سامعين مطيعين كان أحرى وأليق بالحكمة؟ والسابع: سلَّمت هذا كله: خلقني، وكلفني مطلقًا ومقيدًا، وحيث لم

стр. 1187

أطع لعنني وطردني، ومكَّنني من دخول الجنة وطرَّقني، وإذ عملت عملي أخرجني، ثم سلَّطني على بني آدم؛ فلِمَ إذ استمهلته أمهلني فقلت: ﴿أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [ص: ٧٨] فقال: ﴿إِنَّكَ مِنَ اَلْمُنظَرِينَ (٧٩) إِلَى يَوْمِ اِلْوَقْتِ اِلْمَعْلُومِ﴾ [ص: ٧٩ - ٨٠]؟ وما الحكمة في ذلك بعد أن لو أهلكني في الحال (١) استراح الخلق مني، وما بقي شرٌّ في العالم؟ أليس بقاء العالم على نظام الخير خيرًا من امتزاجه بالشر؟! قال: فهذه حجتي على ما ادعيته في (٢) كل مسألة. قال شارح الإنجيل: فأوحى الله إلى الملائكة: قولوا له: فإنك في مسألتك الأولى أني إلهك وإله الخلق غير صادقٍ ولا مخلصٍ، إذ لو صدَّقت أني ربُّ العالمين ما احتكمت عليَّ بلِمَ، فأنا الله الذي لا إله إلَّا أنا، لا أُسأل عمَّا أفعل والخلق مسؤولون. قال: هذا مذكورٌ في التوراة ومسطورٌ في الإنجيل على الوجه الذي ذكرته. وكنت برهةً من الزمان أتفكر وأقول: من المعلوم الذي لا مرية فيه أن كل شبهةٍ وقعت لبني آدم فإنما وقعت من إضلال الشيطان ووساوسه، ونشأت من شُبهاته. وإذا كانت الشُّبهات محصورةً في سبعٍ، عادت كبار البدع والضلال إلى سبعٍ، ولا يجوز أن تعدو (٣) شبهات فرق أهل الزيغ والكفر هذه الشبهات وإن اختلفت العبارات وتباينت الطُّرق، فإنها بالنسبة إلى أنواع الضلالات كالبذر، يرجع جملتها (٤) إلى إنكار الأمر بعد الاعتراف بالحقِّ،

стр. 1188

وإلى الجنوح إلى الهوى والرأي في مقابلة النصِّ. والذين جادلوا نوحًا وهودًا وصالحًا وإبراهيم ولوطًا وشعيبًا وموسى وعيسى ومحمدًا ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ كلهم نسجوا على منوال اللعين الأول في إظهار شبهاته. وحاصلها يرجع إلى دفع التكليف عن أنفسهم وجحد أصحاب التكاليف والشرائع بأسرهم، إذ (١) لا فرق بين قولهم: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن: ٦] وبين قوله: ﴿آاسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]. وعن هذا صار مفصل الخلاف ومحزُّ (٢) الإشكال والافتراق ما هو في قوله: ﴿وَمَا مَنَعَ اَلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذ جَّاءَهُمُ اُلْهُدَى إِلَّا أَن قَالُوا أَبَعَثَ اَللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] فبيَّن أن المانع من الإيمان هو هذا المعنى، كما قال للمتقدم الأول: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا (٣) تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ [الأعراف: ١١]. وقال المتأخر من ذريته كما قال المتقدم: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا اَلَّذِي هُوَ مَهِينٌ (٥١) وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥١ - ٥٢]. وكذلك لو تعقبنا أقوال (٤) المتأخرين (٥) منهم وجدناها مطابقة لأقوال المتقدمين (٦) ﴿كَذَلِكَ قَالَ اَلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٧] ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ [يونس: ٧٤].

стр. 1189

فاللعين الأول لمَّا حكَّم العقل على من لا يحتكم عليه العقل أجرى حكم الخالق في الخلق وحكم الخلق في الخالق، والأول غلوٌّ والثاني تقصيرٌ. فثار من الشُّبهة الأولى مذاهب الحلولية والتناسخية والمُشبِّهة والغلاة من الرافضة حيث غلوا في حقِّ شخصٍ من الأشخاص حتى وصفوه [ق ١٣٣ أ] بأوصاف الجلال. وثار من الشُّبهة الثانية مذاهب القدرية والجبرية والمُجسِّمة حيث قصروا من وصفه تعالى بصفات المخلوقين، والمعتزلة مشبِّهة الأفعال والمشبهة حلولية (١) الصِّفات، وكل منهما أعور. فإن من قال: يحسن منه ما يحسن منَّا، ويقبح منه ما يقبح منَّا؛ فقد شبَّه الخالق بالخلق. ومن قال: يُوصف الباري بما يُوصف به الخلق، أو يُوصف الخلق بما يُوصف به الخالق؛ فقد اعتزل عن الحقِّ. وسِنْخ (٢) القدرية طلب العلة في كل شيءٍ، وذلك من سِنْخ اللعين الأول؛ إذ طلب العلة في الخلق أولًا، والحكمة في التكليف ثانيًا، والفائدة (٣) في تكليف السجود لآدم ثالثًا». ثم ذكر الخوارج والمعتزلة والروافض، وقال: «رأيت بدء شبهاتهم كلها نشأت من شبهات اللعين الأول، وتلك في الأول مصدرها، وهذه في الآخرة مظهرها. وإليه أشار التنزيل بقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطْوَاتِ اِلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٧]. وقد قال ﷺ : «لَتَسْلُكُنَّ سُبُلَ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ حَذْوَ

стр. 1190

الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ (١) وَالنَّعْلِ بِالنَّعْلِ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ» (٢). فهذه (٣) القصة والمناظرة هي من نقل أهل الكتاب، ونحن لا نصدقها ولا نكذبها؛ وكأنها ـ والله أعلم ـ مناظرة وُضعت على لسان إبليس. وعلى كل حالٍ فلا بد من الجواب عنها، سواء صدرت منه أو قيلت على لسانه، فلا ريب أنها من كيده، وقد أخبر الله سبحانه ﴿إِنَّ كَيْدَ اَلشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٥]. فهذه الأسولة والشُّبهات من أضعف الأسولة عند أهل العلم والإيمان، وإن صعب موقعها عند من أصَّل أصولًا فاسدةً كانت سدًّا بينه وبين ردِّها. وأمَّا من لم يُؤصِّل غير كتاب الله وسُنة رسوله فهذه الأسولة عنده من جنس أسولة تلامذته وأصحابه التي يوردونها على الرُّسل وما جاؤوا به. وهي أسولةٌ فاسدةٌ مبنيةٌ على أصولٍ فاسدةٍ، وقد افترقت طُرق الناس في الأجوبة عنها أشد افتراق، وسلكوا في إبطالها كل طريقٍ يخطر بالبال. ونحن نذكر طرقهم. فقال (٤) المنجمون وزنادقة الطبيعيين والفلاسفة: لا حقيقة لآدم ولا لإبليس ولا لشيءٍ من ذلك، بل لم يزل الوجود هكذا ولا يزال نسلًا بعد نسلٍ وأُمةً بعد أُمةٍ، وإنما ذلك أمثال مضروبة لانفعالِ القوى النفسانية الصالحة لهذا البشر، وهذه القوى هي المسمَّاة في الشرائع بالملائكة،

стр. 1191

واستعصاءِ القوى (١) الغضبية والشهوانية عليه وهي المسمَّاة بالشياطين، فعبَّر عن خضوع القوى الفاضلة بالسجود، وعبر عن إباء القوى الشريرة الفاسدة بالإباء والاستكبار وترك السجود. قالوا: والحكمة الإلهية اقتضت تركيب الإنسان على هذا الوجه وإسكان هذه القوى فيه، وانقياد بعضها له وإباء بعضها، فهذا شأن الإنسان، ولو كان على غير هذا التركيب لم يكن إنسانًا. قالوا: وبهذا تندفع الأسولة كلها، ويظهر بطلانها، وأنها بمنزلة أن يقال: لِمَ أحوج الإنسان إلى الأكل والشرب واللباس؟ ولمَّا أحوجه إليه فلِمَ جعله يبول ويتغوط ويتمخط؟ ولم جعله يمرض ويهرم ويموت؟ فإن هذه الأمور من لوازم النشأة الإنسانية التي لو قدر ارتفاعها لارتفعت هذه النشأة. فهذه الطائفة رفعت القواعد من أصلها، وأبطلت آدم وإبليس والملائكة، وردت الأمر إلى مجرد قوى نفسانية وأمور معنوية. وقالت الجبرية ومنكرو الحِكَم والتعليل: هذه الأسولة إنما ترد على من يفعل لعلةٍ أو لغرضٍ أو لغايةٍ. فأمَّا من لا علة لفعله ولا غاية ولا غرض بل يفعل ما يفعله بلا سببٍ ولا غايةٍ، وإنما مصدر مفعولاته (٢) محض مشيئته، وغايتها مطابقتها لعلمه وإرادته، فيجيء فعله على وفق إرادته وعلمه. وعلى هذا فهذه الأسولة فاسدةٌ كلها؛ إذ مبناها على أصلٍ واحدٍ، وهو تعليل أفعال من لا تُعلل أفعاله ولا يُوصف بحُسنٍ ولا قُبحٍ عقليين، بل الحسن ما فعله، وما فعله فكله حسنٌ، لا يُسأل عمَّا يفعل وهم يسألون.

стр. 1192

قالوا: والقبح والظلم هو تصرف الإنسان في ملك غيره بغير إذنه، فأمَّا تصرف المالك الحقِّ في ملكه من غير أن يكون تحت حجر حاجرٍ أو أمر آمرٍ أو نهي ناهٍ فإنه لا يكون ظلمًا ولا قبيحًا. فرفع هؤلاء الأسولة من أصلها، وسدوا على أنفسهم طريق استماعها والجواب عنها. والتزموا لوازم هذا الأصل من إبطال الحِكَم والتعليل والأسباب والتحسين والتقبيح ووجوب شكر المنعم عقلًا، ومنعت لأجله أن يجب على الله شيءٌ أو يحرم عليه شيءٌ أو يقبح منه ممكنٌ، بل كل ممكنٍ فهو جائزٌ عليه لا يقبح منه. وقالت القدرية: هذا لا يرد على أصولنا، وإنما يرد على أصول الجبرية القائلين بأن الله خالق أفعال العباد [ق ١٣٣ ب] طاعاتهم ومعاصيهم وإيمانهم وكفرهم، وأنه قدَّر ذلك عليهم قبل أن يخلقهم وعلمه منهم وخلقهم له، فخلق أهل الكفر للكفر، وأهل الفسوق للفسوق، وقدَّر ذلك عليهم وشاءه منهم وخلقه فيهم. فهذه الأسولة واردة عليهم، وأمَّا نحن فعندنا أن الله سبحانه عرضهم للطاعة والإيمان وأقدرهم عليه ومكَّنهم منه ورضيه لهم وأحبه، ولكن هم اختاروا لأنفسهم الكفر والعصيان، وآثروه على الإيمان والطاعة. والله سبحانه لم يُكْرِههم على ذلك، ولم يُلْجِئهم إليه، ولا شاءه منهم، ولا كتبه عليهم ولا قدَّره ولا خلقهم له ولا خلقه فيهم، ولكنها أعمالٌ هم لها عاملون، وشرورٌ هم لها فاعلون، فإنما خلق إبليس لطاعته وعبادته، ولم يخلقه لمعصيته والكفر به. وصرَّح قدماء هذه الفرقة بأنه سبحانه لم يكن يعلم من إبليس حين خلقه أن يصدر منه ما صدر، ولو علم ذلك منه لم يخلقه، وأبى متأخروهم ذلك، وقالوا: بل كان سبحانه عالمًا به وبشأنه، وخلقه امتحانًا لعباده ليظهر المطيع

стр. 1193

له من العاصي، والمؤمن من الكافر، وليُثيب (١) عباده على معاداته ومحاربته ومعصيته أفضل الثواب. قالوا: وهذه الحكمة اقتضت بقاءه حتى تنقضي الدنيا وأهلها. قالوا: وأمره بالسجود ليطيع فيثيبه ويقربه ويكرمه، فاختار لنفسه المعصية والكفر من غير إكراه للربِّ تعالى، ولا ألجأه إلى ذلك ولا حال بينه وبين السجود ولا منعه، ولا سلَّطه على آدم وذريته قهرًا وإكراهًا لهم. وقد اعترف عدو الله بذلك حيث يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥] وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ﴾ [سبأ: ٢١]. قالوا: فاندفعت تلك الأسولة وبطلت، وظهر أنها ترد على أصول الجبرية لا على أصولنا. وقالت الفرقة الناجية ـ حزب الرسول وأنصاره، وبُنْك (٢) الإسلام وعصابة الإيمان، الذين لم يتحيزوا إلى فئةٍ غير رسول الله ﷺ ، ولم يذهبوا إلى مقالةٍ غير ما دلَّت عليه سُنته، ولم ينتسبوا إلى غيره بوجهٍ من الوجوه ـ: كيف يطمع في الردِّ على عدو الله وإبطال قوله من قد شاركه في أصله أو في بعض شُعبه، فإن عدو الله أصَّل معارضة النص بالرأي، فترتب على تأصيله هذه الأسولة وأمثالها، فمن عارض العقل بالنقل في أمرٍ من الأمور فهو شريكه من هذا الوجه، فلا يتمكن من الردِّ التام عليه. ولهذا لمَّا شاركه زنادقة الفلاسفة والمنجمين والطبائعيين في هذا الأصل أنكروا وجوده ووجود آدم والملائكة، فضلًا عن قصة أمره بالسجود وإبائه وما ترتب عليها.

стр. 1194

ولمَّا أنكرت الجبرية الحكمة والتعليل والأسباب وأبطلت هذا الأصل بعقولها وآرائها عجزوا عن جواب أسولته، وسدُّوا على نفوسهم باب استماعها والجواب عنها، وفتحوا باب مكابرة العقول الصريحة وإنكار تحسين العقل (١) وتقبيحه وإنكار الأسباب والقوى والطبائع والحِكَم والغايات المحمودة التي لأجلها يفعل الربُّ ما يفعله ويأمر بما يأمر (٢) به، وجوَّزوا عليه أن يفعل كل شيءٍ، وأن يأمر بجميع ما نهى عنه، وينهى عن كل ما أمر به؛ ولا فرق عنده البتة بين المأمور والمحظور، والكل سواء في نفس الأمر، ولكن هذا صار حسنًا بأمره، لا أنه في نفسه وذاته حسنٌ، وهذا صار قبيحًا بنهيه، لا أنه في نفسه وذاته قبيحٌ. ولمَّا أصَّلت القدرية إنكار عموم قدرة الله سبحانه ومشيئته لجميع الكائنات، وأخرجت أفعال عباده خيرها وشرها عن قدرته ومشيئته وخلقه، وأثبتت لله سبحانه شريعة بعقولهم = حكمت عليه بها، واستحسنت منه ما استحسنته من أنفسها، واستقبحت منه ما استقبحته (٣) من نفوسها، وعارضت بين الأدلة السمعية الدالة على خلاف ما أصَّلوه وبين العقل، ثم راموا الردَّ على عدو الله، فعجزوا (٤) عن الردِّ التامِّ عليه، وأجادت (٥) كل فرقة من هذه الفرق من الرد عليه بحسب ما وافقت فيه السمع والعقل.

стр. 1195

وإنما يتمكن من الردِّ عليه كل الردِّ من تلقى أصوله عن مشكاة الوحي ونور النبوة، ولم يؤصِّل أصلًا برأيه وعقله وآراء الرجال وعقولهم، ولم يخرج من مشكاة الوحي ولم يظهر من معدنه، بل تلقى أصوله كلها عن قول من لا ينطق عن الهوى إن هو إلَّا وحيٌ يُوحى. فأول ذلك أنه علم أن هذه الأسولة ليست من كلام الله الذي أنزله على موسى وعيسى مخبرًا بها عن عدوه، كما أخبر عنه في القرآن بكثيرٍ من أقواله وأفعاله. وإدخالُ بعض أهل الكتاب لها في تفسير التوراة والإنجيل هو كما تجد في المسلمين ـ وما بالعهد من قِدَم ـ من يدخل في تفسير [ق ١٣٤ أ] القرآن كثيرًا من الأحاديث والأخبار التي لا أصل لها، والقصص المعلوم كذبها، وإذا كان هذا في هذه الأُمة التي هي أكمل الأُمم علومًا ومعارف وعقولًا، فما الظن بأهل الكتاب؟! فصل الوجه الثاني: أن نقول لعدو الله: قد ناقضت في أسولتك ما اعترفت به وسلَّمته غاية المناقضة، وجعلت ما أسلفته من التسليم والاعتراف مبطلًا لجميع أسولتك، متضمنًا للجواب عنها قبل ذكرها. وذلك أنك قلت: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] وقلت: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١١] وقلت: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨١) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ اُلْمُخْلِصِينَ﴾ [ص: ٨١ - ٨٢]. فاعترفت بأنه ربك وخالقك ومالكك، وأنك مخلوقٌ له مربوبٌ تحت أوامره ونواهيه، إنما شأنك أن تتصرف في نفسك تصرف العبد المأمور المنهي، المستعد لأوامر سيده ونواهيه، وهذه هي الغاية التي خُلقت لها،
следующие страницы →