على أجزائه وأنواعه= فجعلوه قديمًا غير مخلوقٍ ولا مصنوعٍ، فعطَّلوه عن صانعه وخالقه.
ثم عطَّلوا الربَّ الذي فطر السماوات والأرض عن صفات كماله ونعوت جلاله وأفعاله، فلم يُثبتوا له ذاتًا ولا صفةً ولا فعلًا ولا تصرُّفًا باختياره في ملكه (١)، ولا عالمًا بشيءٍ ممَّا في العالم العلوي والسفلي، وعجَّزوا مَن أنشأ النشأة الأولى أن يُعيدها مرةً ثانيةً.
وفي الحقيقة لم يُثبتوا ربًّا أنشأ شيئًا ولا ينشئه، ولا أثبتوا لله ملائكة ولا رسلًا ولا كلامًا ولا إلهيةً ولا ربوبيةً.
وأمَّا الاتحادية (٢) فأفسد عقولهم فلم يثبتوا ربًّا، وظنوا أن في الخارج إنسانًا (٣) كليًّا، وحيوانا كليًّا، وجعلوا وجود الربِّ وجودًا مطلقًا مجردًا عن الماهيات، وقالوا: لا وجود للمطلق في الخارج. وبالجملة فلم يُصيبوا في الإلهيات في مسألةٍ واحدةٍ، بل قالوا في جميعها ما أضحكوا عليهم العقلاء.
وأمَّا متكلمو الجهمية والمعتزلة فأفسد عقولهم عليهم حتى قالوا ما يسخر العقلاء من قائله، كما تقدَّم التنبيه على اليسير منه (٤):
وقالوا: يتكلم الربُّ بغير كلامٍ يقوم به، وخالقٌ بلا خَلْقٍ يقوم به، وسميع بلا سمع، وبصير بلا بصر (٥)، وحيٌّ بلا حياة، وقديرٌ بلا قدرةٍ، ومريدٌ
стр. 597
بلا إرادة، وفعَّالٌ لما يريد ولا فِعْلَ له ولا إرادة.
وقالوا: الربُّ موجودٌ قائمٌ بنفسه، ليس في العالم ولا خارجه، ولا متصلًا به ولا منفصلًا عنه، ولا فوقه ولا تحته، ولا عن يمينه ولا عن يساره.
وقالوا: إنه لم [ق ٥٠ ب] يزل معطَّلًا عن الفعل، والفعل ممتنع، ثم انقلب من الامتناع إلى الإمكان بغير تجدُّد سببٍ أصلًا.
وقالوا: إن الأعراض لا تبقى زمانين، وأنكروا القوى والطبائع والغرائز والأسباب والحكم، وجعلوا الأجسام كلها متماثلة، وأثبتوا أحوالًا لا موجودة ولا معدومة، وأثبتوا مصنوعًا بلا صانعٍ، ومخلوقًا بلا خالقٍ، إلى أضعاف ذلك ممَّا يسخر منه العقلاء.
وكلما كان الرجل عن الرَّسول أبعد كان عقله أقلَّ وأفسد. فأكملُ النَّاس عقولًا أتباعُ الرُّسل، وأفسَدُهم عقولًا المعرضُ عنهم وعمَّا جاؤوا به. ولهذا كان أهل السُّنَّة والحديث أعقل الأُمة، وهم في الطوائف كالصَّحابة في النَّاس.
وهذه القاعدة مطَّردة في كل شيءٍ عُصي الربُّ سبحانه به، فإنه يُفسده على صاحبه، فمَن عصاه بماله أفسده عليه، ومن عصاه بجاهه أفسده عليه، ومن عصاه بلسانه أو قلبه أو عضوٍ من أعضائه أفسده عليه، وإن لم يشعر بفساده.
فأي فسادٍ أعظم من فساد قلبٍ خَرِبٍ من محبة الله وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه والطمأنينة بذكره والأُنس به والفرح بالإقبال عليه؟! وهل هذا القلب إلَّا قلب قد استحكم فساده، والمصاب لا يشعر! وأي فسادٍ أعظم من فساد لسانٍ تعطَّل عن ذكره وما جاء به وتلاوة كلامه
стр. 598
ونصيحة عباده وإرشادهم ودعوتهم إلى الله؟! وأي فسادٍ أعظم من فساد جوارح عُطِّلت عن عبودية فاطرها وخالقها وخدمته والمبادرة إلى مرضاته؟!
وبالجملة فما عُصي الله بشيءٍ إلَّا أفسده على صاحبه، ومن أعظم معصية العقل إعراضه عن كتابه ووحيه الذي هدى به رسوله وأتباعه، والمعارضة بينه وبين كلام غيره، فأي فسادٍ أعظم من فساد هذا العقل؟! وقد أرى الله سبحانه أتباع رسوله من فساد عقل هؤلاء ما هو من أقوى أسباب زيادة إيمانهم بالرَّسول وبما جاء به، وموجبًا لشدة تمسكهم به. ولقد أحسن القائل (١):
وَإِذَا نَظَرْتُ إِلَى أَمِيرِي زَادَنِي … نَظَرِي لَهُ حُبًّا (٢) إِلَى الْأُمَرَاء
الوجه الخامس والثلاثون: هذه القاعدة التي أسَّسها مَن عارض بين العقل والنقل [تقتضي] (٣) ألَّا ينتفع بخبر الأنبياء في باب الصِّفات والأفعال أحدٌ من الخاصة والعامة.
أمَّا الخاصة فهم مُصرِّحون بأن علم ذلك ومعرفته موكول إلى العقول، فما (٤) دلَّت عليه وشهدت به قُبل، وما خالفها من السمع وجب ردُّه، فلم يستفيدوا من جهة الخبر شيئًا، وإنما استفادوا الحقَّ من جهة العقل المعارض (٥) لما أخبرت به الرُّسل.
وأمَّا العامة فإنهم اعتقدوا ما دلَّ عليه الخبر، وهو باطلٌ في نفس الأمر، فلم
стр. 599
يستفيدوا منه معرفة الحق، بل إنما حصلوا على اعتقاد الباطل، فأي مُعاداةٍ لما جاء به الرَّسول أعظم من هذه؟!
الوجه السَّادس والثلاثون: أن الرجل إمَّا أن يكون مقرًّا بالرُّسل، أو جاحدًا لرسالتهم. فإن كان منكرًا فالكلام معه في تثبيت النُّبوة، فلا وجه للكلام معه في تعارض العقل والنقل، فإن تعارضهما فرع الإقرار بصحة كل واحدٍ منهما لو تجرَّد عن المُعارِض. فمن لم يُقرَّ بالدليل العقلي (١) لم يخاطَب في تعارض الدليل العقلي والشرعي، وكذلك من لم يُقرَّ بالدليل الشرعي لم يخاطَب في هذا التعارض. فمن لم يُقرَّ بالأنبياء لم يستفد (٢) من خبرهم دليلًا شرعيًّا، فهذا يُتكلَّم معه في إثبات النُّبوات أولًا.
وإن كان مقرًّا بالرسالة فالكلام معه في مقامات:
أحدها: صدق الرَّسول فيما أخبر به، فإن أنكر ذلك أنكر الرسالة والنُّبوة، وإن زعم أنه مقرٌّ بهما، وأن الرُّسل خاطبوا الجمهور بخلاف الحقِّ تقريبًا إلى أفهامهم، ومضمون هذا أنهم كَذَبوا للمصلحة، وهذا حقيقة قول هؤلاء، وهو عندهم كذبٌ حسنٌ. وإن أقرَّ بأنه صادقٌ فيما أخبر به فالكلام معه في:
стр. 600
المقام الثَّاني: وهو أنه هل يُقرُّ بأنه أخبر بهذا أو لا يقرُّ به؟ فإن لم يُقرَّ به جهلًا عُرِّف ذلك بما يَعْرِفُ به أنه ظهر ودعا إلى الله وحارب أعداءه. فإن أصرَّ على إنكاره ذلك فقد خرج من جملة العقلاء، وأنكر الأمور الضرورية، كوجود بغداد ومكة والهند وغيرها. وإن أقرَّ بأنه أخبر بذلك فالكلام معه في:
المقام الثَّالث: وهو أنه هل أراد ما دلَّ عليه كلامه ولفظه أو أراد خلافه؟ فإن ادَّعى أنه أراده فالكلام معه في:
المقام الرَّابع: وهو أن هذا المراد حقٌّ في نفسه أم باطلٌ؟ فإن كان حقًّا لم يتصور أن يُعارضه دليلٌ عقليٌّ البتةَ، وإن كان باطلًا انتقلنا معه إلى:
مقامٍ خامسٍ: وهو أنه هل كان يعلم الحقَّ في نفس الأمر أو لا يعلمه؟ فإن قال: لم يكن عالمًا به، فقد نسبه إلى الجهل. وإن قال: كان عالمًا به انتقلنا معه إلى:
مقامٍ سادسٍ: وهو أنه هل كان يمكنه التعبير والإفصاح عن الحقِّ ـ كما فعلتم أنتم بزعمكم ـ أم لم يكن ذلك ممكنًا له؟ فإن لم يكن ذلك ممكنًا له كان تعجيزًا له ولمرسله عن أمرٍ قدر عليه أفراخ الفلاسفة، وتلامذة اليهود، وأوقاح [ق ٥١ أ] المعتزلة والجهمية. وإن كان ممكنًا له ولم يفعله كان ذلك غشًّا للأُمة، وتوريطًا لها في الجهل بالله وأسمائه وصفاته، واعتقاد ما لا يليق بعظمته فيه، وأن الجهمية والمعتزلة وأفراخ اليونان وورثة الصَّابئين والمجوس هم الذين نزَّهوا الله سبحانه عمَّا لا يليق به، ووصفوه بما (١) يليق به، وتكلموا بالحقِّ الذي كتمه الرَّسول. وهذا أمرٌ لا محيد لكم عنه،
стр. 601
فاختاروا أي قسمٍ شئتم من هذه الأقسام.
والظَّاهر أنكم متنازعون في الاختيار، وأن عقلاءكم مختارون أن الرَّسول كان يعرف الحقَّ في خلاف ما أخبر به، وإن كان قادرًا على التعبير عنه، ولكن ترك ذلك خشية التنفير، فخاطب النَّاس خطابًا جمهوريًّا يناسب عقولهم بما الأمر بخلافه. وهذا أحسن أقوالكم إذا آمنتم بالرَّسول وأقررتم بما جاء به.
الوجه السَّابع والثلاثون: أنه إذا جُوِّز أن يكون في العقل ما يُعارض ما أخبر به الرَّسول كان الإيمان الجازم موقوفًا على العلم بانتفاء ذلك المُعارض، ومشروطًا به، والمشروط بالشيء يُعدم عند عدمه، ومعلومٌ أن ما يستخرجه النَّاس بعقولهم أَمْرٌ لا غاية له، سواء (١) كان حقًّا أو باطلًا.
فإذا جوَّز المجوز أن يكون في المعقولات ما يناقض خبر الرَّسول لم يمكنه أن يثق (٢) بشيءٍ من أخبار الرَّسول؛ لجواز أن يكون في المعقولات التي لم تظهر له بعدُ ما يناقض خبره.
فإن قال: أنا أقرُّ من السمعيات بما لم ينفه العقل، وأثبت من الصِّفات ما لم يخالفه العقل؛ لم يكن لقوله ضابطٌ، فإنه وقف التصديق بالسمع على أمرٍ لا ضابط له، وما كان مشروطًا بعدم أمرٍ لا ينضبط لم ينضبط. فلا يبقى مع هذا الأصل إيمانٌ جازمٌ البتةَ.
ولهذا تجد من تعوَّد معارضة الشرع بالرَّأي لا يستقر في قلبه إيمانٌ أبدًا، ولا يكون الرجل مؤمنًا حتى يؤمن بالرَّسول إيمانًا جازمًا، ليس مشروطًا
стр. 602
بعدم معارضٍ.
فإذا قال: أنا أؤمن بخبره ما لم يظهر له معارضٌ يدفعه؛ لم يكن مؤمنًا به، كما لو قال: أنا أشهد أن لا إله إلَّا الله إلَّا أن يكون في العقل دليلٌ يدل على إثبات إلهٍ آخر. أو يقول: أنا أؤمن بالمعاد إلَّا أن يكون في العقل دليلٌ ينفيه. أو يقول: أنا أؤمن بالرَّسول إلَّا أن يكون في العقل ما يبطل رسالته. فهذا وأمثاله ليس بمؤمنٍ جازمٍ بإيمانه، وأحسن أحواله أن يكون شاكًّا.
الوجه الثَّامن والثلاثون: أنَّ طُرق العلم ثلاثةٌ: الحسُّ والعقل والمركب منهما. فالمعلومات ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يُعلم بالعقل.
والثَّاني: ما يُعلم بالسمع.
والثَّالث: ما يُعلم بالعقل والسمع.
وكلٌّ منهما ينقسم إلى ضروريٍّ ونظريٍّ، وإلى معلومٍ ومظنونٍ وموهومٍ. فليس كل ما يحكم به العقل علمًا، بل قد يكون ظنًّا، وقد يكون وهمًا كاذبًا، كما أن ما يدركه السمع والبصر كذلك.
فلا بد من حَكَمٍ يفصل بين هذه الأنواع، ويميِّز بين معلومها ومظنونها وموهومها، فإذا اتفق العقل والسمع والعقل والحسُّ على قضيةٍ كانت معلومةً يقينيةً، وإن انفرد بها الحسُّ عن العقل كانت وهميةً.
كما ذكر من أغلاط الحسِّ في رؤية المتحرك أشد الحركة وأسرعها ساكنًا، والسَّاكن متحركًا، والواحد اثنين، والاثنين واحدًا، والعظيم الجُرْم صغيرًا، والصغير كبيرًا، والنقطة دائرة، وأمثال ذلك. فهذه الأمور يجزم
стр. 603
بغلطها تفرُّد الحسِّ بها عن العقل.
وكذلك حكم السمع قد يكون كاذبًا، وقد يكون صادقًا ضرورةً ونظرًا، وقد يكون ظنيًّا، فإذا قارنه العقل كان حكمه علمًا ضروريًّا ونظريًّا (١) كالعلم بمجرد الأخبار المتواترة، فإنه حصل بواسطة السمع والعقل، فإن السمع أدَّى إلى العقل ما سمعه من ذلك، والعقل حكم بأن المُخبرِينَ لا يمكن تواطؤهم على الكذب، فأفاده علمًا ضروريًّا أو نظريًّا على الاختلاف في ذلك بوجود المخبَر به، والنزاع في كونه ضروريًّا أو نظريًّا لفظيٌّ (٢) لا فائدة فيه.
وكذلك الوهم (٣) يدرك أمورًا لا يدري صحيحة هي أم باطلة، فيردها إلى العقل الصريح، فما صححه منها قَبِلَه، وما حكم ببطلانه ردَّه.
فهذا أصلٌ يجب الاعتناء به ومراعاته، وبه يُعلم الصحيح من الباطل.
فإذا عُرف هذا فمعلومٌ أن السمع الذي دلَّ العقل على صحته أصح من السمع الذي لم يشهد له عقلٌ. ولهذا كان الخبر المتواتر أعرف عند العقل من الآحاد، وما ذاك إلَّا لأن دلالة العقل قد قامت على أن المخبرين لا يتواطؤون على الكذب، وإن كان الذي أخبروا به مخالفًا لما اعتاده المُخبَر وأَلِفَه وعَرَفه، فلا يجد مَحِيدًا عن تصديقهم.
стр. 604
فالأدلة (١) العقلية البرهانية على صدق الرُّسل وتثبيت نبوتهم أضعاف الأدلة الدَّالة على صدق المُخبرِينَ خبر التواتر، فإن أولئك لم يَقُمْ على صدق كل واحدٍ منهم دليلٌ، وإنما أفاد اجتماعهم على الخبر دليلًا على صدقهم. والرسل ـ صلاة الله وسلامه عليهم ـ قد قامت البراهين اليقينية على صدق كل فردٍ فردٍ منهم [ق ٥١ ب] وقد اتفقت كلمتهم وتواطَأَ خبرهم على إثبات العلوِّ والفوقية لله، وأنه على عرشه فوق سماواته بائنٌ من خلقه، وأنه مكلَّمٌ متكلِّمٌ، آمِرٌ ناهٍ، يرضى ويغضب، ويُثيب ويعاقب، ويُحبُّ ويُبغض.
فإفادة خبرهم العلم بالمخبر عنه أعظم من إفادة الأخبار المتواترة لمخبرها، فإن الأخبار المتواترة مستندةٌ إلى حسٍّ قد يغلط، وأخبار الأنبياء مستندةٌ إلى وحيٍ لا يغلط، فالقدح فيها بالعقل من جنس شُبه السوفسطائية القادحة في الحسِّ والعقل. ولو التفتنا إلى كل شبهةٍ يُعارض بها الدليل القطعي لم يبق لنا وثوقٌ بشيءٍ نعلمه بحسٍّ أو عقلٍ أو بهما. يوضحه:
الوجه التَّاسع والثلاثون: أن المعلومات الغائبة التي لا تُدرك إلَّا بالخبر أضعاف أضعاف المعلومات التي تدرك بالحسِّ والعقل، بل لا نسبة بينهما بوجهٍ من الوجوه. ولهذا كان إدراك السمع أعمَّ وأشمل من إدراك البصر، فإنه يُدرك الأمور المعدومة والموجودة والحاضرة والغائبة، والعلوم التي لا تدرك بالحسِّ. وهذا حُجة مَن فضَّل السمع على البصر من النُّظار وغيرهم، وخالفهم آخرون، فرجَّحوا البصر على السمع لقوة إدراكه وجزمه بما يدركه، وبُعده من الغلط. وبين الفريقين مباحثاتٌ يطول ذكرها، قد ذكرها ابن قتيبة (٢)
стр. 605
وأبو المعالي الجويني وغيرهما. وفَصْل النِّزاع بينهما أن ما يُدرك بالسمع أعمُّ وأشمل، وما يُدرك بالبصر أتمُّ وأكمل، فهذا له القوة والتمام، وذاك له العموم والإحاطة (١).
والمقصود أن الأمور الغائبة عن الحسِّ نسبة المحسوس إليها كقطر في بحرٍ، ولا سبيل إلى العلم بها إلَّا بخبر الصَّادق، وقد اصطفى الله من خلقه أنبياء، نبَّأهم من هذا الغيب بما يشاء، وأطلعهم منه على ما لم يُطلِع عليه غيرهم، كما قال تعالى: ﴿* مَّا كَانَ اَللَّهُ لِيَذَرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ اَلْخَبِيثَ مِنَ اَلطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اَللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى اَلْغَيْبِ وَلَكِنَّ اَللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩] وقال تعالى: ﴿عَالِمُ اُلْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ اِرْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧] وقال تعالى: ﴿اِللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ اَلْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ اَلنَّاسِ إِنَّ اَللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٣].
فهو سبحانه يصطفي من يُطلعه من أنباء الغيب على ما لم يُطلع عليه غيره، ولذلك سُمِّي نبيًّا ـ من الإنباء وهو الإخبار ـ لأنه مخبَرٌ من جهة الله، ومخبِرٌ عنه، فهو منبَّأٌ ومنبِّئٌ. وليس كل ما أخبر به الأنبياء يمكن معرفته بدون خبرهم، بل ولا أكثره.
ولهذا كان أكمل الأُمم علمًا أتباع الرُّسل، وإن كان غيرهم أحذق منهم
стр. 606
في علم الرَّمل (١) والنجوم والهندسة والقسطة (٢) وعلم الكمِّ المتصل والمنفصل (٣) وعلم النبض (٤) والقارورة والأبوال ومعرفة قوامها وطعومها ورائحتها (٥) ونحوها من العلوم التي لما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بها، وآثروها على علوم الرسل وما جاءوا به.
وهي كما قال الواقف على نهاياتها الواصل إلى غاياتها وهي بين ظنون كاذبة، وإن بعض الظنِّ إثمٌ، وبين علوم غير (٦) نافعة، ونعوذ بالله من علمٍ لا ينفع، وإن نفعت فنَفْعها بالنسبة إلى علوم الأنبياء كنفع العيش العاجل بالنسبة إلى الآخرة ودوامها.
فليس العلم في الحقيقة إلَّا ما أخبرت به الرُّسل عن الله طلبًا
стр. 607
وخبرًا، فهو العلم المُزكِّي للنفوس، المُكمِّل للفِطَر، المُصحِّح للعقول، الذي خصَّه الله باسم العلم، وسمَّى ما عارضه ظنًّا لا يغني من الحقِّ شيئًا، وخرصًا وكذبًا، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦٠]. وشهد لأهله أنهم أولو العلم، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اُلْعِلْمَ وَاَلْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثتُّمْ فِي كِتَابِ اِللَّهِ إِلَى يَوْمِ اِلْبَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦]. وقال: ﴿شَهِدَ اَللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَاَلْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا اُلْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨] والمراد أولو العلم بما أنزله على رسله ليس إلَّا، ليس المراد أولو العلم بالمنطق والفلسفة وفروعهما (١).
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١١] فالعلم الذي أمره باستزادته هو علم الوحي، لا علم الكلام والفلسفة والمنطق.
وقال تعالى: ﴿* لَّكِنِ اِللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٥] أي: أنزله وفيه عِلْمُه (٢)، لا يعلمه البشر. فالباء للمصاحبة، مثل قوله: ﴿* فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاَعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اِللَّهِ﴾ [هود: ١٤] أي: أُنزل وفيه علم الله (٣)، وذلك من أعظم البراهين على صحة نبوة من جاء به. ولم يصنع
стр. 608
شيئًا من قال إن المعنى أنزله وهو يعلمه، [ق ٥٢ أ] وهذا وإن كان حقًّا، فإن الله يعلم كل شيءٍ، فليس في ذلك دليلٌ وبرهانٌ على صحة الدعوى، فإن الله يعلم الحق والباطل، بخلاف ما إذا كان المعنى أنزله متضمنًا لعلمه الذي لا يعلمه غيره إلَّا من أطلعه عليه فأعلمه به، فإن هذا من أعظم أعلام النُّبوة والرِّسالة.
وقال فيما عارضه من الشُّبه الفاسدة التي يُسميها أربابها قواطع عقلية: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا اَلظَّنَّ وَإِنَّ اَلظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ اَلْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] وقال: ﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا اَلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٩].
وقال لمن أنكر المعاد بعقله: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا اَلدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا اَلدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٣].
والظنُّ الذي أثبته سبحانه للمعارضين نصوصَ الوحي بعقولهم ليس هو الاعتقاد الرَّاجح؛ بل هو أَكْذب (١) الحديث، وقال: ﴿قُتِلَ اَلْخَرَّاصُونَ (١٠) اَلَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ (٢) [الذَّاريات: ١٠ - ١١] وأنت إذا تأمَّلْت ما عند هؤلاء المعارضين لنصوص الأنبياء بعقولهم رأيته كله خرصًا، وعلمت أنهم هم الخرَّاصون، وأن العلم في الحقيقة ما نزل به الوحي على الأنبياء والمرسلين، وهو الذي أقام الله به حُجته، وهدى به أنبياءه ورُسُله وأتباعهم (٣)، وامتنَّ
стр. 609
عليهم؛ فقال: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ اُلْكِتَابَ وَاَلْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥٠) فَاَذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاَشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٠ - ١٥١].
وقال: ﴿وَأَنزَلَ اَللَّهُ عَلَيْكَ اَلْكِتَابَ وَاَلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اُللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٢].
وقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اَللَّهُ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ اُلْكِتَابَ وَاَلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤].
وقال: ﴿هُوَ اَلَّذِي بَعَثَ فِي اِلْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ اُلْكِتَابَ وَاَلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢].
فهذه النعمة والمنَّة والتزكية إنما هي لمَن عرف أن ما جاء به الرَّسول وأخبر به عن الله وصفاته وأفعاله هو الحق كما أخبر به، لا [لمن] (١) زعم أن ذلك مخالفٌ لصريح العقل، وأن العقول مقدَّمة عليه، والله المستعان.
الوجه الأربعون: أن علوم الأنبياء وما جاؤوا به عن الله لا يُمكن أن يُدرك بالعقل ولا يُكتسب، وإنما هو وحيٌ أوحاه الله إليهم بواسطة الملَك، أو كلامٌ يُكلِّم به رسوله منه إليه بغير واسطة، كما كلَّم موسى. وهذا متفَقٌ عليه بين جميع أهل الملل المقرِّين بالنبوة والمصدِّقين للرُّسل.
وإنما خالفهم في ذلك جهلة الفلاسفة وسفلتهم الذين يقولون: إن
стр. 610
الأنبياء يعلمون ما يعلمونه بقوةٍ عقليةٍ، وهم أكمل من غيرهم في قوة الحدس، ويُسمونها القوة القدسية. قالوا: ويتميز النبي عن غيره بقوة التخيل والتخييل، فيتخيل الأمور للعقول في الصور المحسوسة، ويُخيلها إلى النَّاس في قوالب تلك الصور. ويتميز أيضًا بقوة النفس، فيتصرف بقوتها في مواد العلم وعناصره بقلب بعضها إلى بعضٍ. فهذه عندهم خواصُّ النبوة، فالأنبياء عندهم من جنس غيرهم من البشر، ونبواتهم من جنس صنائع النَّاس وسياساتهم ورياضاتهم، حتى قال أقرب هؤلاء إلى الإسلام: «اعلم أن أصول الصناعات أربعة: صنعة التجارة والحدادة والنساجة والسياسة، وأصعبها صنعة السياسة، وأصعب هذه الصناعة صناعة النبوة» (١). هذا كلامه بعينه في كتابه.
فلمَّا كانت النبوة عندهم في هذه المرتبة كانت علومها وأعمالها من جنس علوم البشر وأعمالهم. فالعقل مشتركٌ بينهم وبين كافة العقلاء، فلما جاءت الرسل بما لا تُدركه عقولهم، وليس في قواعدهم ونظرهم ومنطقهم ما يدلُّ عليه؛ قابلوه بالإنكار، وقالوا: قد تعارض العقل وما جئتم به، وإذا تعارض العقل وخبركم فلا سبيل إلى تقديم أخباركم على العقل لأن ذلك يتضمن القدح فيه. فهؤلاء هم الذين عارضوا أولًا بين العقل والوحي، وهم الذين أسسوا هذه القاعدة، ووضعوا هذا البناء؛ إذ كانت علوم الأنبياء وعقولهم عندهم من جنس علومهم وعقولهم، وربما رجَّحوا علم الفيلسوف وعقله، وبعضهم يرجح النبي من وجهٍ، والفيلسوف من وجهٍ.
فهؤلاء إذا عارضوا بين العقل والنقل، ثم قدَّموا العقل على النقل عملوا بمقتضى أصولهم وقواعدهم. أمَّا مَن عرف الرُّسل وآمن بهم، وعلم أن الله
стр. 611
أرسلهم، وأوحى إليهم من غيبه ما لم يُطلِع عليه سواهم، وأن نسبة عقول العالمين وعلومهم إليهم أقل بكثيرٍ من نسبة عقول صبيان المكاتب إلى عقول العقلاء، وأن بين ما جاؤوا به من عند الله وبين ما عند هؤلاء كما يدخل الرَّجل إصبعه في اليم، والأمر فوق ذلك. يوضحه:
الوجه الحادي والأربعون: [ق ٥٢ ب] وهو أن يُقال لهؤلاء المعارضين بين العقل ونصوص الوحي: أخبرونا عن خلق هذا النوع الإنساني من قبضة تراب، وعن [رجل] (١) دعا على (٢) قومه ألَّا يَدَعَ الله منهم على الأرض ديَّارًا، فأرسل السماء عليهم، وأنبع الماء من تحتهم من بيت النار حتى علا الماء فوق رؤوس شواهق الجبال علوًّا عظيمًا، ثم ابتلعته الأرض شيئًا فشيئًا حتى عادت يَبَسًا.
وعن رجلٍ دعا على قومه ـ وهم أعظم النَّاس أجسامًا وأشدهم قوةً ـ فأُرسلتْ عليهم بدعوته ريحٌ عاصفٌ، جعلت تحملهم بين السماء والأرض ثم تدق أعناقهم.
وعن أُمةٍ كذَّبت نبيها وسألوه آيةً، فانفلقت صخرةٌ بمحضرٍ لهم، وتمخَّضَت عن ناقةٍ من أعظم النُّوق قائمةً وشكلًا وهيئةً، فلمَّا تمادوا على تكذيبه سمعوا صيحة من السماء قطعت أكبادهم وقلوبهم في أجوافهم، فماتوا موتة رجلٍ واحدٍ.
وعن نارٍ عظيمةٍ أُوقدت برهةً من الدهر، حتى كان الطير يمر عليها من
стр. 612
عالٍ فيقع مشويًّا، أُلقي فيها رجلٌ مكتوفًا، فصارت عليه بردًا وسلامًا، وعادت روضةً خضراء، وماءً جاريًا.
وعن رجلٍ ألقى عصًا في يده فعادت ثعبانًا عظيمًا ابتلع ما بحضرته من حبالٍ وعصيٍّ لا يحصيها إلَّا الله، ثم عادت عصًا كما كانت.
وعن يدٍ أدخلها صاحب هذه العصا إلى جيبه ثم أخرجها، فإذا لها شعاعٌ كشعاع الشمس.
وعن ماءٍ انقلب دمًا في آنيته ومواضعه.
وعن كثيبٍ (١) عظيمٍ ضربه بعصاه فاستحال قَمْلًا كلُّه سُلِّط على أهل بلدٍ عظيمٍ.
وعن بحر ضربه بعصاه فانفلق اثني عشر طريقًا، ثم أُرسلت عليه (٢) الريح والشمس فأيبسته في ساعةٍ، وقام الماء بين تلك الطرق كالحياض، فلمَّا جاوزه وسلكه آخرون ضربه بعصاه فالتأم عليهم، فلم يُفلت منهم إنسانٌ.
وعن جبلٍ قُلع من مكانه على قدر عسكرٍ عظيمٍ حتى رُفع فوق رؤوسهم، وقيل لهم: إن تقبلوا ما أُمرتم به، وإلَّا أُطبق عليكم، ثم رُدَّ إلى مكانه.
وعن قومٍ أمسَوْا وهم في صور بني آدم، فأصبحوا وهم في صور القردة والخنازير.
стр. 613
وعن مُدُنٍ قُلعت من أصولها، ثم رُفعت في الهواء، ثم أُفِكَتْ (١) بأهلها، وجُعل عاليها سافلها، وأُتبعت بمطرٍ من الحجارة.
وعن رجلٍ وُلد من غير أبٍ، وامرأةٍ خرجت من غير أمٍّ، ورجل يمسح على عين الذي وُلد أَكْمَهَ (٢) ويدعو الله، فإذا به يبصر بعينين كالصحيح، ويمسح الأبرص ليبرأ كأن لم يكن به بأسٌ، وينفخ في كُبَّةٍ (٣) من الطين فينقلب طائرًا له لحمٌ ودمٌ وريشٌ، وجماعة ينامون في غارٍ ثلاثمائة وتسع سنين، لم تأكل الأرض لحومهم، ثم ينتبهون من نومهم قيامًا ينظرون.
وعن رجلٍ أدركه الموت هو وحماره فمكثا مائة عامٍ، ثم قام الرجل حيًّا، وشاهد عظام حماره وهي تُكسى اللحمَ، ويتصل بعضها ببعضٍ حتى قام الحمار حيًّا، وشاهد طعامه لم يتغير، بل هو على حاله.
وعن قتيلٍ قُتل بين ظهرانَيْ قومٍ، فأمرهم نبيهم أن يذبحوا بقرةً ويضربوه ببعضها، ففعلوا، فقام القتيل حيًّا ناطقًا، وقال: فلان قتلني.
وعن رسولٍ سأله قومه آيةً فأومأ إلى القمر فانشقَّ فلقتين ـ وهم يشاهدونهما ـ ثم عاد فالتأم، وقدم السَّفْر فأخبروا برؤية ذلك عيانًا (٤).
стр. 614
وأنه قبض قبضةً من ترابٍ ثم رمى بها في وجوه عسكر لا يلتقي طرفاه فلم يبق منهم أحدٌ إلَّا ملأت عينيه (١).
وأنه وضع يده في ماء لا يواريها، فعاد الماء حتى ملؤوا منه كل قربةٍ وكل وعاءٍ في العسكر الجرار (٢).
وأن جماعةً كثيرةً شبعت من بُرمةٍ بقدر جسم القطا (٣).
وأن جذعًا حنَّ حنين النَّاقة [العُشراء] (٤) إلى ولدها إليه (٥).
وأن الحصى كان يُسبِّح في كفِّه وكفِّ بعض أصحابه تسبيحًا يسمعه الحاضرون (٦).
стр. 615
وأن الحَجَر كان يُسلِّم عليه سلامًا يسمعه بأذنه (١).
وأن بطنه شُقَّ من ثُغرة (٢) نحره إلى أسفله، ثم استُخرج قلبه فغُسل ثم أُعيد، وهو حيٌّ ينظر (٣).
وأن شجرتين دعا بهما فأقبلتا تَخُدَّان (٤) الأرض حتى قامتا بين يديه فالتزقتا، ثم رجعت كل واحدةٍ منهما إلى مكانها (٥).
وأن ذئبًا تكلَّم، وأن بقرةً تكلمت (٦).
وأن نبيًّا كان يأمر بعسكره فيقعد على بساطٍ فرسخٍ في فرسخٍ، فيأمر الريح فترتفع به بين السماء والأرض، فتحمل العسكر على متنها مسيرة شهر مقبلةً، ومسيرة شهر مدبرةً في كل يومٍ واحدٍ.
وأنه أمر بسريرٍ عظيمٍ لملكة فشقَّ الأرض وصار بين يديه في أسرعَ من ردِّ الطرف.
إلى أضعاف أضعاف ما ذكرنا ممَّا يشاهده النَّاس بأبصارهم عيانًا.
стр. 616
فهل مخالفة الأدلة القطعية لِما أخبرت به الأنبياء عن الله أعظم من مخالفتها لهذه الأمور؟ والشُّبه العقلية التي تُذكر على استحالة هذه الأمور أكثر وأقوى من الشُّبه التي يذكرونها في معارضة نصوص الوحي، بل لا نسبة بينهما، فإذا تعارضت أدلة [ق ٥٣ أ] العقول بزعمكم وهذه الأمور ماذا تصنعون؟ أتقدمونها على أدلة العقول، فتدخلون في المؤمنين بالله ورسله، أم تكذبون بذلك وتقولون: العقل يناقض ذلك ويبطله؟!
ومعارضة العقل عندكم لهذه الآيات من جنس معارضته لخبر الأنبياء، لا فرق بينهما البتةَ. بل الشُّبه التي يقيمها أعداء الرُّسل من العقل على بطلان هذه الآيات أقوى من الشُّبه التي ذكرها الجهمية والنُّفاة على بطلان ما أخبرت به الرُّسل من صفات الله، وعلوِّه على خلقه، واستوائه على عرشه، وكلامه وتكليمه، وقيام أفعاله به.
فعُلم أن مَن قدَّم ما يظنُّه مِن العقل على نصوص الوحي لم يبق معه من الإيمان بالرُّسل عينٌ ولا أثرٌ، ولا حسٌّ ولا خبرٌ.
وإذا كان هذا حالهم في الأمور التي قد وقعت وشاهدها النَّاس بأبصارهم، فكيف حالهم في الإيمان ببشرٍ ينزل من السماء بين ملَكين واضعًا يديه على مناكبهما والنَّاس يرونه عيانًا (١)؟
وكيف حالهم في الإيمان بأن الشمس تطلع من مغربها والنَّاس يرونها عيانًا (٢)؟ وكيف بحالهم إلى غير ذلك ممَّا أخبر به الصَّادق، كدابةٍ تنشقُّ عنها
стр. 617
الأرض فتخرج تكلم النَّاس وتخاطبهم (١)، إلى غير ذلك ممَّا يُقيمون بعقولهم شُبهًا يُسمونها أدلةً عقليةً تُحيل ذلك، فمن قدَّم العقل على الوحي لم يمكنه أن يجزم بصدق شيءٍ من ذلك، والله المستعان.
الوجه الثَّاني والأربعون: أن هؤلاء عكسوا شِرعة الله وحكمته، وضادوه في أمره، فإن الله سبحانه جعل الوحي إمامًا، والعقل مؤتمًّا به، وجعله حاكمًا والعقل محكومًا عليه، ورسولًا والعقل مرسلًا إليه، وميزانًا والعقل موزونًا به، وقائدًا والعقل منقادًا له. فصاحب الوحي مبعوثٌ، وصاحب العقل مبعوثٌ إليه، والآتي بالشرع مخصوصٌ بوحي من الله، وصاحب العقل مخصوصٌ ببحثٍ عن رأيٍ وفكرةٍ، وصاحب الوحي ملقًّى (٢)، وصاحب العقل كادحٌ طالبٌ. هذا يقول: أُمرت، ونُهيت، وأُوحي إليَّ، وقيل لي، وما أقول شيئًا من تلقاء نفسي، ولا من قِبَل عقلي، ولا من جهة فكري ونظري. وذاك المتخلف يقول: نظرت، ورأيت، وفكرت، وقدَّرت، واستحسنت، واستنتجت.
والمتخلف يقول: معي آلة المنطق، والكليات الخمس (٣)، والمقولات
стр. 618
العشر (١)، والمختلطات، والموجهات (٢) أهتدي بها. والرَّسول يقول: معي كتاب الله وكلامه ووحيه. والمتخلف يقول: معي العقل. والرَّسول يقول: معي نور خالق العقل، به أهدي وأهتدي. والرَّسول يقول: قال الله كذا، قال جبريل عن الله كذا. والمتخلف يقول: قال أفلاطون، قال بقراط، قال أرسطو كذا، قال ابن سينا، قال الفارابي.
فيُسمع من الرَّسول ظاهر التنزيل، وصحيح التأويل، وشرع سنة، وأمرٌ بمعروفٍ، ونهيٌ عن منكر، وخبرٌ عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وخبرٌ عن السماء والملائكة واليوم الآخر.
ويُسمع من الآخر: الهيولي (٣) والصورة، والطبيعة، والأُسُتُقُصُّ (٤)، والذَّاتي (٥)، والعَرَضي، والجنس، والنوع، والفصل، والخاصة، والأيس والليس (٦)، وعكس النقيض (٧)، ...........................................
стр. 619
والعكس المستوي (١). وما شاكل هذا ممَّا لا يسمع من مسلمٍ ولا يهوديٍّ ولا نصرانيٍّ ولا مجوسيٍّ إلَّا من رضي لنفسه بما رضي به هؤلاء المتخلفون لأنفسهم، ورغب فيما رغبوا فيه.
وبالجملة فهما طريقان متباينان، فمن أراد أن يتمعقل بعقول هؤلاء فليعزل نظره عن الوحي، ويُخَلِّ بينه وبين أهله، ومن أحب أن يكون من أهل العقل والوحي فليعتصم بالوحي ويستمسك بغَرْز (٢) من جاء به، ويُسلِّم إليه أعظم من تسليم الصبي لأستاذه ومُعلِّمه بكثيرٍ؛ فإن التبايُن الذي بين النَّبي وبين صاحب المعقول أضعاف أضعاف التباين الذي بين الصبي والأستاذ.
ومن العجب أن هؤلاء المقدِّمين عقولهم على الوحي خاضعون لأئمتهم وسلفهم، مستسلمون لهم في أمورٍ كثيرةٍ. يقولون: هم أعلم بها منَّا، وعقولهم أكمل من عقولنا، فليس لنا أن نعترض عليهم. فكيف يعترض على الوحي بعقله مَن نسبته إليه أدق وأقل من نسبة عقل الطفل إلى عقله؟!
وجِمَاع الأمر أن قضايا المعقول مشتملة على العلم والظنِّ والوهم، وقضايا الوحي كلها حقٌّ، فأين قضايا مأخوذة عن عقلٍ قاصرٍ عاجزٍ عرضةٍ للخطأ من قضايا مأخوذة عن خالق العقول وواهبها هي كلامه وصفاته؟!
стр. 620
الوجه الثَّالث والأربعون: أن العقل تحت حَجْر (١) الشرع فيما يطلبه ويأمر به، وفيما يحكم به ويُخبر عنه، فهو محجورٌ عليه في الطلب والخبر، وكما أن من عارض أمر الرُّسل بعقله لم يُؤمن بهم وبما جاؤوا به؛ فكذلك من عارض [ق ٥٣ ب] خبرهم بعقله، ولا فرق بين الأمرين أصلًا. يُوضِّحه أن الله حكى عن الكفار معارضة أمره بعقولهم، كما حكى عنهم معارضة خبره بعقولهم.
أمَّا الأول: ففي قوله تعالى: ﴿اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ اَلرِّبَاا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ اُلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ اُلشَّيْطَانُ مِنَ اَلْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا اَلْبَيْعُ مِثْلُ اُلرِّبَاا وَأَحَلَّ اَللَّهُ اُلْبَيْعَ وَحَرَّمَ اَلرِّبَاا﴾ [البقرة: ٢٧٤]. فعارضوا تحريمه للرِّبا بعقولهم التي سوَّت بين الرِّبا والبيع، فهذا معارضة النصِّ بالرَّأي.
ونظير ذلك ممَّا عارضوا به تحريم الميتة بقياسها على المذكَّى، وقالوا تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ممَّا قتل الله. وفي ذلك أنزل الله: ﴿وَإِنَّ اَلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢] (٢).
وعارضوا أمره بتحويل القبلة بعقولهم، وقالوا: إن كانت القبلة الأولى حقًّا فقد تركتَ الحقَّ، وإن كانت باطلًا فقد كنتَ على باطلٍ.
стр. 621
وإمام هؤلاء شيخ الطريقة إبليس ـ عدو الله ـ؛ فإنه أول من عارض أمر الله بعقله، وزعم أن العقل يقتضي خلافه.
وأما الثَّاني: وهو معارضة خبره بالعقل؛ فكما حكى سبحانه عن منكري المعاد أنهم عارضوا ما أخبر به عنه بعقولهم، فقال تعالى: ﴿* وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِ اِلْعِظَامَ وَهْيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٧] وأخبر سبحانه أنهم عارضوا ما أخبر به من التوحيد بعقولهم، وعارضوا أخباره عن النُّبوات بعقولهم، وعارضوا بعض الأمثال التي ضربها بعقولهم، وعارضوا أدلة نبوة رسوله بمعارضة عقلية، وهي قولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا اَلْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣٠]. وأنت إذا صُغتَ هذه المعارضة صوغًا مزخرفًا وجدتها من جنس معارضة المعقول للمنقول.
وعارضوا آيات نبوته بمعارضة عقلية أخرى وهي قولهم: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا اَلرَّسُولِ يَأْكُلُ اُلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي اِلْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ [الفرقان: ٧ - ٨] أي: لو كان رسولًا لخالق السماوات والأرض لما أحوجه أن يمشي بيننا في الأسواق في طلب المعيشة، ولَأغناه عن أكل الطعام، ولَأرسل معه مَلَكًا من الملائكة، ولَألقى إليه كنزًا يُغنيه عن طلب الكسب.
وعارضوا شرعه سبحانه ودينه الذي شرعه لهم على لسان رسوله وتوحيده بمعارضةٍ عقليةٍ استندوا فيها إلى (١) القَدَر، فقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ اُلَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اَللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ اَلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا
стр. 622
إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا اَلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٩) قُلْ فَلِلَّهِ اِلْحُجَّةُ اُلْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩ - ١٥٠].
وحكى مثلَ هذه المعارضة عنهم في سورة النحل (١) وفي الزخرف (٢)، وإذا تأمَّلْتها حق التَّامُّل رأيتها أقوى بكثيرٍ من معارضة النُّفاة آيات الصِّفات وأخبارهم بعقولهم، فإن إخوانهم عارضوا بمشيئة الله للكائنات (٣)، والمشيئة ثابتةٌ في نفس الأمر، والنُّفاة عارضوا بأصولٍ فاسدةٍ هم وضعوها من تلقاء أنفسهم، أو تلقَّوْها عن أعداء الرُّسل من الصَّابئة والمجوس والفلاسفة، وهي خيالات فاسدة، ووهميات ظنوها قضايا عقلية.
وبالجملة فمعارضة أمر الرُّسل وخبرهم بالمعقولات إنما هي طريقة الكفار، فهم سلف للخلف بعدهم، فبئس السلف وبئس الخلف. ومن تأمَّلَ معارضة المشركين والكفار للرسل بالعقول وجدها أقوى من معارضة الجهمية والنُّفاة لخبرهم عن الله وصفاته وعُلُوِّه على خلقه وتكليمه لملائكته ورسله بعقولهم، فإن كانت تلك المعارضة باطلةً فهذه أبطل، وإن صحت هذه المعارضة فتلك أولى بالصحة منها، وهذا لا محيد لهم عنه، يوضحه:
الوجه الرَّابع والأربعون: أن القرآن مملوءٌ من ذكر الصِّفات والعلو على
стр. 623
الخلق، والاستواء على العرش، وتكلُّم الله وتكليمه للرُّسل، وإثبات الوجه واليدين والسمع والبصر والحياة والمحبة والغضب والرضا للرب سبحانه. وهذا عند النُّفاة بمنزلة وَصْفِه بالأكل والشرب والجوع والعطش والنوم والموت، كل ذلك مستحيلٌ عليه، ومعلوم أن إخبار الرَّسول عنه سبحانه بما هو مستحيلٌ عليه من أعظم المنفِّرات عنه، ومعارضته فيه أسهل من معارضته فيما عداه، ولم يعارضه أعداؤه في حرفٍ واحدٍ من هذا الباب، ولا أنكروا عليه كلمةً واحدةً منه، مع حرصهم على معارضته بكل ما يقدرون عليه، فهلَّا عارضوه بما عارضته به الجهمية والنُّفاة، وقالوا: قد [ق ٥٤ أ] أخبرتنا بما يخالف العقل الصريح، فكيف يمكننا تصديقك؟!
بل كان القوم على شركهم وضلالهم أَعرَفَ بالله وصفاته من النُّفاة الجهمية، وأقرب إلى إثبات الأسماء والصفات والقدر والمشيئة والفعل من شيوخ هؤلاء الفلاسفة وأتباعهم من السيناوية والفارابية والطوسية (١)، الذين ليس للعالم عندهم ربٌّ يُعبد، ولا رسول يُطاع، ولا معادَ للخليقة، ولا يُزيل الله هذا العالم ويأتي بعالمٍ آخر. فهذه الأصول قد اشتركت فيها أعداء الرُّسل، وامتازت كفار قريش بإثباتهم الربوبية والصفات والملائكة وخلق العالم وكون الرب فاعلًا بمشيئته وقدرته، ولهذا لم يعارضوا الرَّسول في شيءٍ من ذلك.
الوجه الخامس والأربعون: أنه لو جاز أن يكون في العقول ما يُناقض خبر الرَّسول لم يُتصور الإيمان به البتَّةَ لوجهين:
стр. 624
أحدهما: أنه لا سبيل إلى العلم بانتفاء جميع المعارض (١)، وما عُلِّق على الممتنع فهو ممتنعٌ.
الثَّاني: أن تصديقهم والإيمان بهم يكون موقوفًا على الشرط، والإيمان لا يصح تعليقه بالشرط، فلو قال: آمنت بالرَّسول إن أَذِنَ لي أبي، أو إن أعطيتموني كذا، أو إن جُعل لي الأمر من بعده ونحو ذلك لم يكن مؤمنًا بالاتفاق، كما قال مسيلمة: إن جعل محمدٌ الأمر لي من بعده آمنت به، فلم يَصِرْ مؤمنًا بذلك، وكان من أكفر الكفار، فهكذا إذا قال: آمنت بما أخبر به إلَّا أن يعارضه دليلٌ عقليٌّ. وهذا حقيقة قول هؤلاء، فإن هذا لم يؤمن به باتفاق الأُمة، وهذا كما أنه كُفرٌ في الشرع فهو فاسدٌ في العقل.
فالواجب على الخلق الإيمان بالرَّسول إيمانًا مطلقًا جازمًا غير معلَّقٍ على شرطٍ، ومن قال أُصَدِّق بما صدَّق عقلي به، وأردُّ ما ردَّه عقلي، أو عقل مَن هو أعقل مني أو مثلي= فهو كافرٌ باتفاق الأمة، فاسد العقل. وهو نظير طائفة من اليهود يقولون: نُصدِّق أنه رسول الله حقًّا، ولكن لم يُبعث إلينا، وإنما بُعث إلى العرب. فهذا في إنكار عموم رسالته في المرسل إليهم نظير إنكار عموم رسالته في المرسل به، فتأمَّلْه. وهؤلاء شرٌّ من الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اُللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] فأولئك وقفوا الإيمان على أن يُؤتوا نظير ما جاءت به الرُّسل، وهؤلاء وقفوه على ما يناقض ما جاءت به الرُّسل.
الوجه السَّادس والأربعون: أن هذه المعارضة ميراث بالتعصيب مِن الذين ذمَّهم الله في كتابه بجدالهم في آياته بغير سلطانٍ وبغير علمٍ، وأخبر أن
стр. 625
مصدر تلك المجادلة كِبْرٌ واستكبارٌ عن قبول الحق ممَّن يرون أنهم أعلم منهم، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسْلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ اَلْعِلْمِ﴾ [غافر: ٨٢]. وهذا شأن النفوس الجاهلة الظَّالمة إذا كان عندها شيءٌ (١) من علمٍ قد تميَّزت به عمَّن هو أجهل منها، وحصل لها به نوعُ رياسةٍ ومالٍ، فإذا جاءها من هو أعلم منها بحيث ينمحي رسوم علومها ومعارفها في علمه ومعرفته؛ عارضته بما عندها من العلم، وطعنت فيما عنده بأنواع المطاعن. قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اُللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ (٣٤) اِلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اِللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اَللَّهِ وَعِندَ اَلَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اُللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُّتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ [غافر: ٣٤ - ٣٥].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اَلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اِللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦] والسلطان هو الكتاب المنزَّل من السماء. وقال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ اِلْحَقَّ﴾ [غافر: ٤] وقال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ اُلْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ اُلَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ اِلْحَقَّ وَاَتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُؤًا﴾ [الكهف: ٥٥].
وهذا كثيرٌ في القرآن، يذم به سبحانه الذين عارضوا كتبه ورسله بما عندهم من الرَّأي والمعقول والبدع، والكلام الباطل مشتقٌّ من الكفر، فمَن عارض الوحي بآراء الرجال كان قوله مشتقًّا من أقوال هؤلاء الضُّلال. قال مالك: «أَوَكلما جاءنا رجلٌ أجدلُ من رجلٍ تركنا ما جاء به جبريل إلى النبي ﷺ لجدله» (٢).
стр. 626
ومن وقف على أصول هؤلاء المعارضين ومصدرها تبيَّن له أنها نشأت من أصلين: من كِبْرٍ عن اتباع الحق، وهوًى مُعْمٍ للبصيرة، وصادمته شُبهات كالليل المظلم، فكيف لا يُعارِض مَن هذا وَصْفُه خبرَ الأنبياء بعقله وعقل من يُحسن به الظن. ثم دخلت تلك الشُّبهات في قلوب قومٍ لهم دينٌ، وعندهم إيمانٌ وخيرٌ، فعجزوا عن دفعها فاتخذوها دِينًا، وظنوها تحقيقًا لِما بعث الله به رسوله، فحاربوا عليها، واستحلوا ممَّن خالفهم فيها ما حرَّمه الله ورسوله، وهم بين جاهلٍ مقلدٍ [ق ٥٤ ب] ومجتهدٍ مخطئٍ حَسَن القصد، وظالمٍ معتدٍ متعصِّبٍ، والقيامة موعد الجميع، والأمر يومئذٍ لله.
الوجه السَّابع والأربعون: أن دلالة السمع على مدلوله متفَقٌ عليها بين العقلاء، وإن اختلفوا في جهتها هل هي قطعية أو ظنية، وهل أرادت الرُّسل إفهام مدلولها واعتقاد ثبوته (١)، أم أرادت إفهام غيره وتأويل تلك الأدلة وصَرْفَها عن ظاهرها؟! فلا نزاع بين العقلاء في دلالتها على مدلولها. ثم قال أتباع الرُّسل: مدلولها ثابتٌ في نفس الأمر وفي الإرادة. وقالت النُّفاة أصحاب التأويل: مدلولها منتفٍ في نفس الأمر وفي الإرادة. وقال أصحاب التخييل: مدلولها ثابتٌ في الإرادة منتفٍ في نفس الأمر.
وأمَّا دلالة ما عارضها من العقليات على مدلوله فلم يتفق أربابها على دليلٍ واحدٍ منها. بل كل طائفةٍ منهم تقول في أدلة خصومها: إن العقل يدل على فسادها، لا على صحتها. وأهل السمع مع كل طائفة تخالفه في دلالة
стр. 627
العقل على فساد قول تلك الطَّائفة المخالفة للسمع، فكل طائفة تدعي فساد قول خصومها بالعقل، يُصدِّقهم أهل السمع على ذلك، ولكن يكذبونهم في دعواهم صحة قولهم بالعقل، فقد تضمنت دعوى الطوائف فسادها بفهمٍ من العقل بشهادة بعضهم على بعضٍ، وشهادة أهل الوحي والسمع معهم.
ولا يُقال: هذا ينقلب عليكم باتفاق شهادة الفِرَق كلها على بطلان ما دلَّ عليه السمع، وإن اختلفوا في أنفسهم. لأن المطلوب أنهم كلَّهم متفقون على أن السمع دلَّ على الإثبات، ولم يتفقوا على أن العقل دلَّ على نقيضه، فيمتنع تقديم الدلالة التي لم يُتفق عليها على الدلالة المتفق عليها، وهو المطلوب.
الوجه الخمسون (١): أن نقول (٢): كل ما عارض السمع من العقليات ففساده معلومٌ بالعقل وإن لم يُعارض السمع، فلسنا (٣) متوقفين في إبطاله والعلم بفساده على كونه عارَضَ السمع، بل هو باطلٌ في نفسه، ومعارضةُ السمع له دليلٌ سمعي على بطلانه، فقد اتفق على فساده وبطلانه دليل العقل والسمع، وما كان هكذا لم يصلح أن يُعارَض به عقلٌ ولا سمعٌ. وتفصيل هذه الجملة ببيان شبهة المخالفين للسمع وبيان فسادها ومخالفتها لصريح العقل، وهذا الأمر ـ بحمد الله ـ لم يزل أنصار الرَّسول يقومون به ويتكفلون
стр. 628
ببيانه، وهم فيه درجات عند الله على منازلهم من العلم والإيمان والبيان.
ولا ترى مسألةً واحدةً عُورض بها الرَّسول إلَّا وقد ردَّها أنصاره وحزبه، وبيَّنوا فسادها، وسخافة عقل أربابها المعارضين بها في كل نوعٍ من أنواع العلم. وقد أجرى الله سُنته وعادته أن يكشف عن عورة المعارِض ويفضحه ويخذله في عقله حتى يقول ما يَضحَك منه الإنسان، كما خذل المعارض بكلامه حتى أضحك عليه النَّاس فيما عارضه به.
وهذا من تمام أدلة النبوة وبراهين صحة الوحي: أن تجد المعارض له يأتي بما يضحك منه العقلاء! فلعل قائلًا يقول: ما جاءت به الرُّسل قد يكون له معارضٌ صحيحٌ، فإذا وقفَ (١) على المعارض وسخفه وتحقَّق بطلانه زاده قوة في إيمانه ويقينه. وصار ذلك بمثابة رجلٍ ادَّعى أن معه طِيبًا ليس مع أحدٍ مثله ولا مثل ريحه، فعارضه آخر بأن معه مثله أو أفضل (٢) منه، فلمَّا أخرجه إذا هو أنتن شيءٍ وأخبثه ريحًا. ولكن هناك عقول جُعلية (٣) نشأت في النتن والحشوش فلا تَألَف غير ما نشأت فيه!
الوجه الحادي والخمسون: أن الأمور السمعية التي يُقال: إن العقل عارضها ـ كإثبات علو الله على خلقه، واستوائه على عرشه، وتكلُّمه، ورؤية العباد له في الآخرة، وإثبات الصِّفات له ـ هي ممَّا (٤) عُلم بالاضطرار أن
стр. 629
الرَّسول جاء بها، وعُلم بالاضطرار صحة نبوته ورسالته؛ وما عُلم بالاضطرار امتنع أن يقوم على بطلانه دليلٌ، وامتنع أن يكون له معارضٌ صحيحٌ؛ إذ لو جاز أن يكون له معارضٌ صحيحٌ لم يبق لنا وثوقٌ بمعلومٍ أصلًا، لا حسيٍّ ولا عقليٍّ، وهذا يبطل حقيقة الإنسانية، بل حقيقة الحيوانية المشتركة بين الحيوانات، فإن لها تمييزًا وإدراكًا للحقائق بحسَبها.
وهذا الوجه في غاية الظهور، غني بنفسه عن التأمُّل. وهو مبنيٌّ على مقدمتين قطعيتين:
إحداهما: أن الرَّسول أخبر عن الله بذلك.
والثَّانية: أنه صادقٌ.
ففي أي المقدمتين يقدح المعارض بين العقل والنقل؟!
الوجه الثَّاني والخمسون: أن دليل العقل هو إخباره عن الذي خلقه وفَطَره أنه وضع فيه ذلك وعلمه إيَّاه وأرشده إليه، ودليل السمع هو الخبر عن الله أنه قال ذلك وتكلَّم به وأوحاه، وعرَّف به الرَّسول (١)، وأمره أن يُعرِّف [ق ٥٥ أ] الأُمة ويخبرهم به، ولا يكون أحدهما صحيحًا حتى يكون الآخر مطابقًا لمخبره، وأن الأمر كما أخبر به.
وحينئذٍ فقد شهد العقل لخبر الرَّسول بأنه صدقٌ وحقٌّ، فعَلِمْنا مطابقته لمخبره بمجموع الأمرين: بخبر الرَّسول به، وشهادة العقل الصريح بأنه لا يكذب في خبره.
стр. 630
وأمَّا خبر العقل عن الله بما يُضاد ذلك بأن الله وضع فيه ذلك وعلَّمه إيَّاه فلم يشهد له الرَّسول بصحة هذا الخبر، بل شهد ببطلانه، فليس معه إلَّا شهادته لنفسه بأنه صادقٌ فيما أخبر به، فكيف يقبل شهادته لنفسه مع عدم شهادة الرَّسول له، فكيف مع تكذيبه إيَّاه، فكيف مع تكذيب العقل الصريح المؤيَّد بنور الوحي له، فكيف مع تهاتُر أصحابه وتكاذبهم وتناقضهم؟! يزيده إيضاحًا:
الوجه الثَّالث والخمسون: وهو أن الأدلة السمعية نوعان:
نوعٌ دلَّ بطريق التنبيه والإرشاد على الدليل العقلي: فهو عقليٌّ سمعيٌّ، ومِن هذا غالب أدلة النبوة والمعاد والصفات والتوحيد، وما لا يقوم التنبيه على الدليل العقلي منه فهو (١) اليسير جدًّا منه (٢). وإذا تدبَّرت القرآن رأيت هذا أغلب النوعين عليه، وهذا النوع يمتنع أن يقوم دليلٌ صحيحٌ على معارضته؛ لاستلزامه مدلوله، وانتقالُ الذهن فيه من الدليل إلى المدلول ضروريٌّ.
وهو أصل للنوع الثَّاني: الدَّال بمجرد الخبر.
فالقدح في النوعين بالعقل ممتنعٌ بالضرورة، أمَّا الأول فلِما تقدم، وأمَّا الثَّاني فلاستلزام القدح فيه القدح في العقل الذي أثبته، وإذا بطل العقل الذي أثبت السمع بطل ما عارضه من العقليات، كما تقدم تقريره (٣). يوضحه:
стр. 631
الوجه الرَّابع والخمسون: أنه ليس في القرآن صفة إلَّا وقد دلَّ العقل الصريح على إثباتها لله، فقد تواطأ عليها دليل العقل ودليل السمع، فلا يمكن أن يُعارض ثبوتها (١) دليلٌ صحيحٌ البتةَ، لا عقلي ولا سمعي، بل إن كان (٢) المعارض سمعيًّا كان كذبًا مفترًى أو ممَّا أخطأ المعارض في فهمه، وإن كان عقليًّا فهو شُبه خيالية وهمية، لا دليل عقلي برهاني.
واعلم أن هذه دعوى عظيمة يُنكرها كل جهميٍّ ونافٍ وفيلسوف وقرمطيٍّ وباطنيٍّ، ويعرفها مَن نوَّر الله قلبه بنور الإيمان، وباشر قلبَه معرفةُ الذي دعت إليه الرُّسل، وأقرت به الفِطَر، وشهدت به العقول الصحيحة المستقيمة، لا المنكوسة المركوسة التي نُكست قلوب أصحابها، فرأت الحقَّ باطلًا والباطل حقًّا، والهدى ضلالةً، والضلالة هدًى.
وقد نبَّه الله سبحانه في كتابه على ذلك، وأرشد إليه، ودلَّ عليه في غير موضعٍ منه، وبيَّن أن ما وصف به نفسه هو الكمال الذي لا يستحقه سواه، فجاحِده جاحدٌ لكمال الربِّ؛ فإنه تمدَّح بكل صفةٍ وَصَفَ بها نفسه، وأثنى بها على نفسه، ومجَّد بها نفسه، وحمد بها نفسه، فذكرها سبحانه على وجه المدحة له والتعظيم والتمجيد، وتعرَّف بها إلى عباده؛ ليعرفوا كماله وعظمته ومجده وجلاله.
وكثيرًا ما يذكرها عند ذكر آلهتهم التي عبدوها من دونه، وجعلوها شركاء له، فيذكر سبحانه من صفات كماله وعلوه على عرشه وتكلمه وتكليمه وإحاطة علمه ونفوذ مشيئته ما هو منتفٍ عن آلهتهم؛ فيكون ذلك
стр. 632
من أدلِّ الدليل على بطلان آلهيتها، وفساد عبادتها من دونه.
ويذكر ذلك عند دعوته عباده إلى ذكره وشكره وعبادته، فيذكر لهم من أوصاف كماله ونعوت جلاله ما يجذب قلوبهم إلى المبادرة إلى دعوته، والمسارعة إلى طاعته، والتنافس (١) في القرب منه.
ويذكر صفاته أيضًا عند ترغيبه لهم وترهيبه وتخويفه؛ ليُعرِّف القلوب من تخافه وترجوه وترغب إليه وترهب منه.
ويذكر صفاته أيضًا عند أحكامه وأوامره ونواهيه. فقلَّ أن تجد آيةَ حُكْم من أحكام المكلفين إلَّا وهي مختتَمة بصفةٍ من صفاته أو صفتين. وقد يذكر الصفة في أول الآية ووسطها وآخرها كقوله: ﴿قَد سَّمِعَ اَللَّهُ قَوْلَ اَلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اَللَّهِ وَاَللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اَللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١] فيذكر صفاته عند سؤال عباده لرسوله عنه، ويذكرها عند سؤالهم له عن أحكامه، حتى إن الصلاة لا تنعقد إلَّا بذكر أسمائه وصفاته، فذكر أسمائه وصفاته روحها وسرها يصحبها من أولها إلى آخرها، وإنما أمر بإقامتها ليُذكَر بأسمائه وصفاته. وأمر عباده أن يسألوه بأسمائه وصفاته، ففتح لهم باب الدعاء رَغَبًا ورَهَبًا ليذكره الدَّاعي بأسمائه وصفاته، فيتوسَّل إليه بها.
ولهذا كان أفضل الدعاء وأجوبه ما توسل فيه الدَّاعي إليه بأسمائه وصفاته. قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ اِلْأَسْمَاءُ اُلْحُسْنى فَاَدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] وكان اسم الله الأعظم في هاتين [ق ٥٥ ب] الآيتين: آية الكرسي وفاتحة آل عمران (٢)؛ لاشتمالهما على صفة الحياة المصححة لجميع الصِّفات،
стр. 633
وصفة القيومية المتضمنة لجميع الأفعال، ولهذا كانت سيدة آي القرآن وأفضلها (١).
ولهذا كانت سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن (٢)؛ لأنها أُخلصت للخبر عن الربِّ تعالى وصفاته دون خلقه وأحكامه وثوابه وعقابه، و «سمع النبي ﷺ رجلًا يدعو: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الذي لا إله إلَّا أنت المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم» (٣). وسمع آخر يدعو: «اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله
стр. 634
إلَّا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد» (١) فقال لأحدهما: «لَقَدْ سَأَلْتَ اللهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى». وقال للآخر: «سَلْ تُعْطَهْ» (٢).
وذلك لما تضمنه هذا الدعاء من أسماء الربِّ وصفاته، وأحب ما دعاه الدَّاعي به أسماؤه وصفاته. وفي الحديث الصحيح عنه ﷺ أنه قال: «مَا أَصَابَ عَبْدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي وَغَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللهُ هَمَّهُ وَغَمَّهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحًا. قالوا: أفلا نتعلمهنَّ يا رسول الله؟! قال: بَلَى، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أَنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ» (٣).
стр. 635
وقد نبَّه سبحانه على إثبات صفاته وأفعاله بطريق المعقول، فاستيقظت لتنبيهه العقول الحية، واستمرت على رقدتها العقول الميتة، فقال الله تعالى في صفة العلم: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهْوَ اَللَّطِيفُ اُلْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٥]. فتأمَّلْ صحة هذا الدليل مع غاية إيجاز لفظه واختصاره.
وقال: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]. فما أصح هذا الدليل وما أوجزه!
وقال تعالى في صفة الكلام: ﴿وَاَتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٨]. نبَّه بهذا الدليل على أن مَن لا يُكلِّم ولا يهدي لا يصلح أن يكون آلهًا. وكذلك قوله في الآية الأخرى عن العجل: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٨] فجعل امتناع صفة الكلام والتكليم وعدم مِلْك الضر والنفع دليلًا على عدم الإلهية. وهذا دليلٌ عقليٌّ سمعيٌّ على أن الإله لا بد أن يُكلِّم ويتكلَّم، ويملك لعابده الضر والنفع، وإلَّا لم يكن إلهًا.
وقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ اُلنَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ٨ - ١٠]. نبَّهك بهذا الدليل العقلي القاطع أن الذي جعلك تبصر وتتكلم وتعلم أولى أن يكون بصيرًا متكلِّمًا عالمًا، فأيُّ دليلٍ عقليٍّ قطعيٍّ أقوى من هذا وأبين وأقرب إلى المعقول؟!
وقال تعالى في آلهة المشركين المعطلين: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٥] فجعل سبحانه عدم البطش والمشي والسمع والبصر دليلًا على عدم