الوجه الرَّابع والخمسون: أنه ليس في القرآن صفة إلَّا وقد دلَّ العقل الصريح على إثباتها لله، فقد تواطأ عليها دليل العقل ودليل السمع، فلا يمكن أن يُعارض ثبوتها (١) دليلٌ صحيحٌ البتةَ، لا عقلي ولا سمعي، بل إن كان (٢) المعارض سمعيًّا كان كذبًا مفترًى أو ممَّا أخطأ المعارض في فهمه، وإن كان عقليًّا فهو شُبه خيالية وهمية، لا دليل عقلي برهاني.
واعلم أن هذه دعوى عظيمة يُنكرها كل جهميٍّ ونافٍ وفيلسوف وقرمطيٍّ وباطنيٍّ، ويعرفها مَن نوَّر الله قلبه بنور الإيمان، وباشر قلبَه معرفةُ الذي دعت إليه الرُّسل، وأقرت به الفِطَر، وشهدت به العقول الصحيحة المستقيمة، لا المنكوسة المركوسة التي نُكست قلوب أصحابها، فرأت الحقَّ باطلًا والباطل حقًّا، والهدى ضلالةً، والضلالة هدًى.
وقد نبَّه الله سبحانه في كتابه على ذلك، وأرشد إليه، ودلَّ عليه في غير موضعٍ منه، وبيَّن أن ما وصف به نفسه هو الكمال الذي لا يستحقه سواه، فجاحِده جاحدٌ لكمال الربِّ؛ فإنه تمدَّح بكل صفةٍ وَصَفَ بها نفسه، وأثنى بها على نفسه، ومجَّد بها نفسه، وحمد بها نفسه، فذكرها سبحانه على وجه المدحة له والتعظيم والتمجيد، وتعرَّف بها إلى عباده؛ ليعرفوا كماله وعظمته ومجده وجلاله.
وكثيرًا ما يذكرها عند ذكر آلهتهم التي عبدوها من دونه، وجعلوها شركاء له، فيذكر سبحانه من صفات كماله وعلوه على عرشه وتكلمه وتكليمه وإحاطة علمه ونفوذ مشيئته ما هو منتفٍ عن آلهتهم؛ فيكون ذلك
стр. 632
من أدلِّ الدليل على بطلان آلهيتها، وفساد عبادتها من دونه.
ويذكر ذلك عند دعوته عباده إلى ذكره وشكره وعبادته، فيذكر لهم من أوصاف كماله ونعوت جلاله ما يجذب قلوبهم إلى المبادرة إلى دعوته، والمسارعة إلى طاعته، والتنافس (١) في القرب منه.
ويذكر صفاته أيضًا عند ترغيبه لهم وترهيبه وتخويفه؛ ليُعرِّف القلوب من تخافه وترجوه وترغب إليه وترهب منه.
ويذكر صفاته أيضًا عند أحكامه وأوامره ونواهيه. فقلَّ أن تجد آيةَ حُكْم من أحكام المكلفين إلَّا وهي مختتَمة بصفةٍ من صفاته أو صفتين. وقد يذكر الصفة في أول الآية ووسطها وآخرها كقوله: ﴿قَد سَّمِعَ اَللَّهُ قَوْلَ اَلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اَللَّهِ وَاَللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اَللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١] فيذكر صفاته عند سؤال عباده لرسوله عنه، ويذكرها عند سؤالهم له عن أحكامه، حتى إن الصلاة لا تنعقد إلَّا بذكر أسمائه وصفاته، فذكر أسمائه وصفاته روحها وسرها يصحبها من أولها إلى آخرها، وإنما أمر بإقامتها ليُذكَر بأسمائه وصفاته. وأمر عباده أن يسألوه بأسمائه وصفاته، ففتح لهم باب الدعاء رَغَبًا ورَهَبًا ليذكره الدَّاعي بأسمائه وصفاته، فيتوسَّل إليه بها.
ولهذا كان أفضل الدعاء وأجوبه ما توسل فيه الدَّاعي إليه بأسمائه وصفاته. قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ اِلْأَسْمَاءُ اُلْحُسْنى فَاَدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] وكان اسم الله الأعظم في هاتين [ق ٥٥ ب] الآيتين: آية الكرسي وفاتحة آل عمران (٢)؛ لاشتمالهما على صفة الحياة المصححة لجميع الصِّفات،
стр. 633
وصفة القيومية المتضمنة لجميع الأفعال، ولهذا كانت سيدة آي القرآن وأفضلها (١).
ولهذا كانت سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن (٢)؛ لأنها أُخلصت للخبر عن الربِّ تعالى وصفاته دون خلقه وأحكامه وثوابه وعقابه، و «سمع النبي ﷺ رجلًا يدعو: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الذي لا إله إلَّا أنت المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم» (٣). وسمع آخر يدعو: «اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله
стр. 634
إلَّا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد» (١) فقال لأحدهما: «لَقَدْ سَأَلْتَ اللهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى». وقال للآخر: «سَلْ تُعْطَهْ» (٢).
وذلك لما تضمنه هذا الدعاء من أسماء الربِّ وصفاته، وأحب ما دعاه الدَّاعي به أسماؤه وصفاته. وفي الحديث الصحيح عنه ﷺ أنه قال: «مَا أَصَابَ عَبْدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي وَغَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللهُ هَمَّهُ وَغَمَّهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحًا. قالوا: أفلا نتعلمهنَّ يا رسول الله؟! قال: بَلَى، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أَنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ» (٣).
стр. 635
وقد نبَّه سبحانه على إثبات صفاته وأفعاله بطريق المعقول، فاستيقظت لتنبيهه العقول الحية، واستمرت على رقدتها العقول الميتة، فقال الله تعالى في صفة العلم: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهْوَ اَللَّطِيفُ اُلْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٥]. فتأمَّلْ صحة هذا الدليل مع غاية إيجاز لفظه واختصاره.
وقال: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]. فما أصح هذا الدليل وما أوجزه!
وقال تعالى في صفة الكلام: ﴿وَاَتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٨]. نبَّه بهذا الدليل على أن مَن لا يُكلِّم ولا يهدي لا يصلح أن يكون آلهًا. وكذلك قوله في الآية الأخرى عن العجل: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٨] فجعل امتناع صفة الكلام والتكليم وعدم مِلْك الضر والنفع دليلًا على عدم الإلهية. وهذا دليلٌ عقليٌّ سمعيٌّ على أن الإله لا بد أن يُكلِّم ويتكلَّم، ويملك لعابده الضر والنفع، وإلَّا لم يكن إلهًا.
وقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ اُلنَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ٨ - ١٠]. نبَّهك بهذا الدليل العقلي القاطع أن الذي جعلك تبصر وتتكلم وتعلم أولى أن يكون بصيرًا متكلِّمًا عالمًا، فأيُّ دليلٍ عقليٍّ قطعيٍّ أقوى من هذا وأبين وأقرب إلى المعقول؟!
وقال تعالى في آلهة المشركين المعطلين: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٥] فجعل سبحانه عدم البطش والمشي والسمع والبصر دليلًا على عدم
стр. 636
إلهية من عُدمت فيه هذه الصِّفات، فالبطش والمشي من أنواع الأفعال، والسمع والبصر من أنواع الصفات. وقد وصف نفسه سبحانه بضد صفة أوثانهم، وبضد ما وصفه به المعطلة والجهمية، فوصف نفسه بالسمع والبصر، والفعل باليدين، والمجيء والإتيان، وذلك ضد صفات الأصنام التي جعل امتناع هذه الصِّفات عليها منافيًا لإلهيتها.
فتأمَّل آيات التوحيد والصفات في القرآن على كثرتها وتفنُّنها واتساعها وتنوعها، كيف تجدها كلها (١) قد أثبتت الكمال للموصوف بها، وأنه المتفرد بذلك الكمال، فليس له فيه شَبَهٌ ولا مثالٌ. وأي دليلٍ في العقل أوضح من إثبات الكمال المطلق لخالق هذا العالم ومدبِّره، ومَلِك السماوات والأرض وقيُّومهما، فإذا لم يكن في العقل إثبات جميع أنواع الكمال له فأي قضيةٍ تصح في العقل بعد هذا؟!
ومن شكَّ في أن صفة السمع والبصر والكلام والحياة والإرادة والقدرة والغضب والرضا والفرح والرحمة والرَّأفة كمالٌ فهو ممن سُلب خاصة الإنسانية، وانسلخ من العقل. بل مَن شكَّ أن إثبات الوجه واليدين وما أثبته لنفسه معهما كمالٌ، فهو مَؤُوفٌ (٢) مصابٌ في عقله.
ومن شكَّ أن كونه يفعل باختياره ما يشاء، ويتكلم إذا شاء، وينزل إلى حيث شاء، ويجيء إلى حيث شاء= كمالٌ، فهو جاهلٌ بالكمال، والجامد عنده أكمل من الحي الذي تقوم به الأفعال الاختيارية. كما أن عند شقيقه
стр. 637
الجهمي أن الفاقد لصفات الكمال أكمل من الموصوف بها، كما أن عند أستاذهما [ق ٥٦ أ] وشيخهما الفيلسوف أن من لا يسمع ولا يُبصر ولا يعلم، ولا له حياة ولا قدرة ولا إرادة ولا فعل ولا كلام، ولا يُرسل رسولًا، ولا يُنزل كتابًا، ولا يتصرف في هذا العالم بتحويلٍ وتغييرٍ وإزالةٍ ونقلٍ وإماتةٍ وإحياءٍ؛ أكمل ممَّن يتصف بذلك.
فهؤلاء كلهم قد خالفوا صرائح المعقول، وسلبوا الكمال عمَّن هو أحق بالكمال من كل ما سواه. ولم يكفهم ذلك حتى جعلوا الكمال نقصًا، وعدمه كمالًا، فعكسوا الأمر، وقلبوا الفِطَر، وأفسدوا العقول.
فتأمَّل شُبههم الباطلة، وخيالاتهم الفاسدة، التي عارضوا بها الوحي هل تُقاوِم (١) هذا الدليل الدَّال على إثبات الصِّفات والأفعال للربِّ سبحانه؟ ثم اختر لنفسك بعدُ ما شئت.
وهذا قطرةٌ من بحرٍ نبَّهنا به تنبيهًا يعلم به اللبيب ما وراءه، وإلا فلو أعطينا هذا الموضع حقَّه ـ وهيهات أن يصل إلى ذلك علمنا أو قدرتنا ـ لكتبنا فيه عدة أسفارٍ. وكذا كل وجهٍ من هذه الوجوه، فإنه لو بُسط وفُصِّل لاحتمل سفرًا أو أكثر، والله المستعان، وبه التوفيق.
الوجه الخامس والخمسون: أن غاية ما ينتهي إليه من ادَّعى معارضة العقل للوحي أحد أمورٍ أربعةٍ لا بد له منها:
إمَّا تكذيبها وجحدها.
стр. 638
وإمَّا اعتقاد أن الرُّسل خاطبوا الخلق بها خطابًا جمهوريًّا لا حقيقة له، وإنما أرادوا منهم التخييل وضرب الأمثال.
وإمَّا اعتقاد أن المراد تأويلها وصرفها عن حقائقها وما تدل عليه إلى المجازات والاستعارات.
وإمَّا الإعراض عنها وعن فهمها وتدبرها، واعتقاد أنه لا يعلم ما أريد بها إلَّا الله.
فهذه أربع مقامات، وقد ذهب إلى كل مقامٍ منها طوائف من بني آدم.
المقام الأول: مقام التكذيب والجحد. وهؤلاء استراحوا من كُلفة النصوص والوقوع في التجسيم والتشبيه، وخلعوا رِبْقَة الإيمان (١) من أعناقهم، وقالوا لسائر الطوائف: منكم إلى هذه النصوص (٢)، وأمَّا نحن فلسنا منها في شيءٍ؛ لأن عقولنا لمَّا عارضتها دفعنا في صدر من جاء بها، وقابلناه بالتكذيب.
المقام الثَّاني: مقام أهل التخييل. قالوا: إن الرُّسل لم يمكنهم مخاطبة الخلق بالحقِّ في نفس الأمر، فخاطبوهم بما يُخيل إليهم، وضربوا لهم الأمثال، وعبروا عن المعاني المعقولة بالأمور القريبة من الحسِّ، وسلكوا ذلك في باب الإخبار عن الله وأسمائه وصفاته واليوم الآخر، وأقرُّوا باب
стр. 639
الطلب على حقيقته. ومنهم من سلك هذا المسلك في الطلب أيضًا، وجعل الأمر والنهي أمثالًا وإشاراتٍ ورموزًا. فهم ثلاث فرقٍ، هذه إحداها.
والثَّانية: سلكت ذلك في الخبر دون الأمر.
والثَّالثة: سلكت ذلك في الخبر عن الله وصفاته دون المعاد والجنة والنَّار.
وذلك كله إلحادٌ في أسماء الربِّ وصفاته ودينه واليوم الآخر، والملحد لا يتمكن من الردِّ على الملحد وقد وافقه في الأصل، وإن خالفه في فروعه. فلهذا استطال على هؤلاء الملاحدةُ كابن سينا وأتباعه غاية الاستطالة، وقالوا (١): القول في نصوص المعاد كالقول في نصوص الصفات. قالوا بل الأمر فيها أسهل من نصوص الصِّفات؛ لكثرتها وتنوُّعها وتعدُّد طرقها، وإثباتها على وجه يتعذر معه التأويل، فإذا كان الخطاب بها خطابًا جمهوريًّا فنصوص المعاد أولى.
قال: فإن قلتم نصوص الصِّفات قد عارضها ما يدل على انتفائها من العقل. قلنا: ونصوص المعاد قد عارضها من العقل ما يدل على انتفائه (٢). ثم ذكر العقليات المعارضة للمعاد بما يعلم به العاقل أن العقليات المعارضة للصفات من جنسها أو أضعف منها.
المقام الثَّالث: مقام أهل التأويل، قالوا: لم يُرد منَّا اعتقاد حقائقها، وإنما أُريد منَّا تأويلها بما يخرجها عن ظاهرها وحقيقتها. فتكلفوا لها وجوه
стр. 640
التأويلات المستكرَهة، والمجازات المستنكَرة، التي يعلم العقلاء أنها أبعد شيءٍ عن احتمال ألفاظ النصوص لها، وأنها بالتحريف أشبه منها بالتفسير.
والطَّائفتان اتفقتا على أن الرَّسول لم يُبيِّن الحقَّ للأُمة في خطابه لهم ولا أوضحه، بل خاطبهم بما ظاهره باطلٌ ومحال. ثم اختلفوا: فقال أصحاب التخييل: أراد منهم اعتقاد خلاف الحقِّ والصواب، وإن كان في ذلك مفسدة، فالمصلحة المترتبة عليه أعظم من المفسدة التي فيه. وقال أصحاب التأويل: بل أراد منَّا أن نعتقد خلاف ظاهره وحقيقته، ولم يُبيِّن لنا المراد تعريضًا لنا إلى حصول [ق ٥٦ ب] الثواب بالاجتهاد والبحث والنظر، وإعمال الفكر في معرفة الحقِّ بعقولنا، وصرف تلك الألفاظ عن حقائقها وظواهرها لننال ثواب الاجتهاد والسعي في ذلك. فالطَّائفتان متفقتان على أن ظاهر خطاب الرَّسول ضلالٌ وكفرٌ وباطلٌ، وأنه لم يُبيِّن الحقَّ، ولا هدى إليه الخلق (١).
المقام (٢) الرَّابع: مقام الما أدرية (٣) الذين يقولون: لا ندري معاني هذه الألفاظ، ولا ما أُريد منها، ولا ما دلت عليه. وهؤلاء ينسبون طريقتهم إلى السَّلف، وهي التي يقول المتأولون: إنها أسلم، ويحتجون عليها بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اَللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]. ويقولون هذا هو الوقف التَّام عند
стр. 641
جمهور السَّلف، وهو قول أُبي بن كعبٍ وعبد الله بن مسعودٍ وعبد الله بن عباسٍ وعائشة وعروة بن الزبير، وغيرهم من السلف والخلف (١).
وعلى قول هؤلاء يكون الأنبياء والمرسلون (٢) لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من هذه النصوص ولا الصَّحابة ولا التَّابعون لهم بإحسانٍ، بل يقرؤون كلامًا لا يعقلون معناه.
ثم هم متناقضون أفحش تناقضٍ، فإنهم يقولون: تُجرى على ظاهرها، وتأويلها باطلٌ. ثم يقولون: لها تأويل لا يعلمه إلَّا الله.
وقول هؤلاء أيضًا باطلٌ، فإن الله سبحانه أَمَرَ بتدبُّر كتابه وتفهُّمه وتعقله، وأخبر أنه بيانٌ وهدًى وشفاءٌ لما في الصدور، وحاكمٌ بين النَّاس فيما اختلفوا فيه، ومن أعظم الاختلاف اختلافهم في باب الصِّفات والقدر والأفعال، واللفظ الذي لا يُعلم ما أراد به المتكلم لا يحصل به حكمٌ ولا هدًى ولا شفاءٌ ولا بيانٌ.
وهؤلاء طرَّقوا (٣) لأهل الإلحاد والزندقة والبدع أن يستنبطوا الحقَّ من عقولهم وآرائهم، فإن النفوس طالبة لمعرفة هذا الأمر أعظم طلبٍ، والمقتضى التَّام لذلك فيها موجودٌ، فإذا قيل لها: إن ألفاظ القرآن والسُّنَّة في
стр. 642
ذلك لها تأويل لا يعلمه إلَّا الله، ولا يعلم أحدٌ معناها، وما أُريد بها، وما دلَّت عليه= فَرُّوا إلى عقولهم ونظرهم وآرائهم.
فسدَّ هؤلاء باب الهدى والرشاد، وفتح أولئك باب الزندقة والبدعة والإلحاد، وقالوا: قد أقررتم بأن ما جاءت به الرُّسل في هذا الباب لا يحصل منه علم بالحق ولا يهدي إليه، فهو في طريقتنا لا في طريقة الأنبياء، فإنَّا نحن نعلم ما نقوله ونثبته بالأدلة العقلية، والأنبياء لم يعلموا تأويل ما قالوه، ولا بيَّنوا مراد المتكلم به، وأصاب هؤلاء من الغلط على السمع ما أصاب أولئك من الخطأ في العقل.
وهؤلاء لم يفهموا مراد السلف بقولهم: لا يعلم تأويل المتشابه إلَّا الله. فإن التأويل في عُرْف السلف المراد به التأويل في مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ اُلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَد جَّاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٢] وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٨] وقول يوسف: ﴿يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُءْيَايَ مِن قَبْلُ قَد جَّعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠] وقول يعقوب: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ اِلْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦] ﴿وَقَالَ اَلَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَاَدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٤٥] وقال يوسف: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا﴾ [يوسف: ٣٧].
فتأويل الكلام الطلبي هو نفس فعل المأمور به [وترك] (١) المنهي عنه،
стр. 643
كما قال ابن عُيينة: «السُّنَّة تأويل الأمر والنهي» (١). وقالت عائشة: «كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ. يتأوَّل القرآن» (٢).
وأمَّا تأويل ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر فهو نفس الحقيقة التي أخبر الله عنها، وذلك في حقِّ الله هو كُنْه ذاته وصفاته التي لا يعلمها غيره. ولهذا قال مالك (٣) وربيعة (٤): «الاستواء معلومٌ، والكيف مجهولٌ». وكذلك قال ابن الماجشون (٥) ..........................
стр. 644
والإمام أحمد (١) وغيرهما من السلف: «إنَّا لا نعلم كيفية ما أخبر الله به عن نفسه، وإن كنَّا نعلم تفسيره ومعناه».
وقد فسَّر الإمام أحمد الآيات التي احتج بها الجهمية من المتشابه، وقال: إنهم تأوَّلُوها على غير تأويلها، وبيَّن معناها (٢).
وكذلك الصَّحابة والتَّابعون فسَّروا القرآن، وعلموا المراد بآيات الصِّفات، كما علموا المراد من آيات الأمر والنهي، وإن لم يعلموا الكيفية؛ كما علموا معاني ما أخبر الله به في الجنة والنَّار، وإن لم يعلموا حقيقة كُنْهِه وكيفيته.
فمَن قال من السلف: إن تأويل المتشابه لا يعلمه إلَّا الله بهذا المعنى؛ فهو حقٌّ. وأمَّا من قال: إن التأويل الذي هو تفسيره وبيان المراد منه لا يعلمه إلَّا الله؛ فهذا غلطٌ، والصَّحابة والتَّابعون وجمهور الأمة على خلافه. قال مجاهد: «عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقفه عند كل آية وأسأله عنها» (٣). وقال عبد الله بن مسعود: «ما في [ق ٥٧ أ] كتاب الله
стр. 645
آية إلَّا وأنا أعلم فيما أنزلت» (١). وقال الحسن البصري: «ما أنزل الله آية إلَّا وهو يحب أن يُعلم ما أراد بها» (٢). وقال مسروق: «ما نسأل أصحاب محمدٍ عن شيءٍ إلَّا وعلمه في القرآن، ولكن علمنا قصر عنه» (٣). وقال الشعبي: «ما ابتدع قومٌ بدعةً إلَّا وفي كتاب الله بيانها» (٤).
والمقصود أن من ادَّعى معارضة العقل للسمع لا بد له أن يسلك أحد هذه المسالك الأربعة الباطلة، وأسلمها هذا المسلك الرَّابع، وقد علمتَ بطلانه. وإنما كان أقل بطلانًا لأنه لا يتضمن الخبر الكاذب على الله ورسوله، فإن صاحبه يقول: لا أفهم من هذه النصوص شيئًا، ولا أعرف المراد بها، وأصحاب تلك المسالك تتضمن (٥) أقوالهم تكذيب الله ورسوله، أو الإخبار عن النصوص بالتكذيب. وبالله التوفيق.
الوجه السَّادس والخمسون: أن هؤلاء المعارضين للكتاب والسُّنَّة بعقلياتهم ـ التي هي في الحقيقة جهليات ـ إنما يبنون (٦) أمرهم في ذلك على أقوالٍ مشتبهةٍ مجملةٍ (٧) تحتمل معاني متعددة، ويكون ما فيها من الاشتباه في
стр. 646
المعنى والإجمال في اللفظ يوجب تناولها بحقٍّ وباطلٍ، فبما فيها من الحقِّ يقبل من لم يُحِط بها علمًا ما فيها من الباطل لأجل الاشتباه والالتباس، ثم يُعارضون بما فيها من الباطل نصوص الأنبياء.
وهذا منشأ ضلال من ضلَّ من الأمم قبلنا. وهو منشأ البدع كلها، فإن البدعة لو كانت باطلًا محضًا لما قُبلت، ولبادر كل أحدٍ إلى ردِّها وإنكارها، ولو كانت حقًّا محضًا لم تكن بدعةً، وكانت موافقة للسُّنة؛ ولكنها تشتمل على حقٍّ وباطلٍ، ويلتبس فيها الحق بالباطل، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا اُلْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا اُلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤١] فنهى عن لَبْس الحق بالباطل وكتمانه، ولبسَه به خلطه به حتى يلتبس أحدهما بالآخر، ومنه التلبيس وهو التدليس والغش الذي يكون باطنه خلاف ظاهره، فكذلك الحق إذا لُبِس بالباطل يكون فاعله قد أظهر الباطل في صورة الحقِّ، وتكلم بلفظٍ له معنيان، معنًى صحيح، ومعنًى باطل، فيتوهم السَّامع أنه أراد المعنى الصحيح، ومراده الباطل، فهذا من الإجمال في اللفظ.
وأمَّا الاشتباه في المعنى فيكون له وجهان، هو حقٌّ من أحدهما، وباطلٌ من الآخر، فيُوهم (١) إرادة الوجه الصحيح، ويكون مراده الباطل. فأصل ضلال بني آدم من الألفاظ المجملة والمعاني المشتبهة، ولا سيما إذا صادفت أذهانًا مخبَّطةً، فكيف إذا انضاف إلى ذلك هوًى وتعصُّب؟! فسَلْ مثبِّت القلوب أن يثبِّت قلبك على دينه، وألَّا يوقعك في هذه الظُّلمات.
قال الإمام أحمد في خطبة كتابه في «الرد على الجهمية» (٢): «الحمد لله
стр. 647
الذي جعل في كل زمان فترةٍ من الرُّسل بقايا من أهل العلم، يَدْعُون من ضلَّ إلى الهُدى، ويصبرون منهم على الأذى، يُحيون بكتاب الله الموتى، ويُبصِّرون بكتاب الله أهل العمى. فكم من قتيلٍ لإبليس قد أحيوه، وكم من تائهٍ ضالٍّ قد هدوه! فما أحسن أثرهم على النَّاس، وما أقبح أثر النَّاس عليهم! ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة. فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب. يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علمٍ، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جُهال النَّاس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين».
وهذه الخطبة تلقَّاها الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب أو وافقه فيها؛ فقد ذكرها محمد بن وضاح في أول كتابه في «الحوادث والبدع» (١) فقال: حدثنا أسد، ثنا رجلٌ ـ يُقال: له يوسف، ثقةٌ ـ عن أبي عبد الله الواسطي رفعه إلى عمر بن الخطاب أنه قال: «الحمد لله الذي امتنَّ على العباد بأن جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضلَّ إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يُحيون بكتاب الله أهل العمى. كم من قتيلٍ لإبليس قد أحيوه، وضالٍّ تائهٍ قد هدوه. بذلوا دماءهم وأموالهم دون
هلكة العباد، فما أحسن أثرهم على النَّاس، وما أقبح أثر النَّاس عليهم!
وما نسيهم ربك، وما كان ربك نسيًّا، جعل قصصهم هدًى (٢)، وأخبر
عن حسن مقالاتهم، فلا تقصر (٣) عنهم؛ فإنهم في منزلة رفيعة، وإن
стр. 648
أصابتهم الوضيعة (١)».
فقوله: «يتكلمون بالمتشابه من الكلام» هو الذي له وجهان، يخدعون به جهال النَّاس، كما يُنَفِّق أهل الزَّغَل (٢) النقد المغشوش الذي له [ق ٥٧ ب] وجهان، يخدعون به من لم يعرفه من النَّاس، فلا إله إلَّا الله كم قد ضلَّ بذلك طوائف من بني آدم لا يُحصيهم إلَّا الله.
واعتبر ذلك بأظهر الألفاظ والمعاني في القرآن والسُّنَّة وهو التوحيد ـ الذي حقيقته إثبات صفات الكمال لله، وتنزيهه عن أضدادها، وعبادته وحده لا شريك له ـ فاصطلح أهل الباطل على وضعه للتعطيل المحض، ثم دعوا النَّاس إلى التوحيد، فخدعوا به من لم يعرف معناه في اصطلاحهم، وظنَّ أن ذلك التوحيد هو الذي دعت إليه الرُّسل.
والتوحيد اسم لستة معانٍ: توحيد الفلاسفة، وتوحيد الجهمية، وتوحيد القدرية الجبرية، وتوحيد الاتحادية؛ فهذه الأربعة أنواعٍ من التوحيد جاءت الرسل بإبطالها، ودلَّ على بطلانها العقل والنقل.
فأمَّا توحيد الفلاسفة فهو إنكار ماهية الربِّ الزَّائدة على وجوده، وإنكار صفات كماله، وأنه لا سمع له ولا بصر، ولا قدرة ولا حياة، ولا إرادة ولا كلام، ولا وجه ولا يدين، وليس فيه معنيان متميزٌ أحدهما عن الآخر البتَّةَ. قالوا: لأنه لو كان كذلك لكان مركبًا، وكان جسمًا مؤلَّفًا، ولم يكن واحدًا من كل وجهٍ. فجعلوه من جنس الجوهر الفرد الذي لا يُحَسُّ
стр. 649
ولا يُرى، ولا يتميز منه جانب عن جانب، بل الجوهر الفرد يمكن وجوده، وهذا الواحد الذي جعلوه حقيقة ربِّ العالمين يستحيل وجوده.
فلمَّا اصطلحوا على هذا المعنى في التوحيد وسمعوا قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٢] وقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٥] نزَّلوا لفظ القرآن على هذا المعنى الاصطلاحي، وقالوا: لو كان له صفة أو كلام أو مشيئة أو علم أو حياة أو قدرة أو سمع أو بصر لم يكن واحدًا، وكان مركبًا مؤلَّفًا.
فسَمَّوْا أعظم التعطيل بأحسن الأسماء، وهو التوحيد، وكَسَوْه ثوبه، وسمَّوا أصح الأشياء وأحقها بالثبوت ـ وهو صفات الربِّ، ونعوت كماله ـ بأقبح الأسماء، وهو التركيب والتَّأليف. فتولَّد من بين هذه التسمية المنكرة للمعنى الصحيح وتلك التسمية الصحيحة للمعنى الباطل جحدُ حقائق أسماء الربِّ وصفاته، بل وجحدُ ماهيته وذاته، وتكذيبُ رسله. ونشأ من نشأ على اصطلاحهم ـ مع إعراضه عن استفادة الهُدى والحق من الوحي ـ فلم يعرف سوى الباطل الذي اصطلحوا عليه، فجعله أصلًا لدينه؛ فلما رأى ما جاءت به الرُّسل يعارضه قال: إذا تعارض العقل والنقل قُدِّم العقل.
التوحيد الثَّاني: توحيد (١) الجهمية، وهو مشتقٌّ من توحيد الفلاسفة، وهو نفي صفات الربِّ، كعلمه وكلامه وسمعه وبصره وحياته وعلوِّه على عرشه، ونفي وجهه ويديه. وقُطْب رحى هذا التوحيد جحد حقائق أسمائه وصفاته.
стр. 650
التوحيد الثَّالث: توحيد القدرية الجبرية، وهو إخراج أفعال العباد أن تكون فعلًا لهم، وأن تكون واقعة بكسبهم أو إرادتهم، بل هي نفس فعل الله، فهو الفاعل لها دونهم، ونسبتها (١) إليهم وأنهم فعلوها ينافي التوحيد عندهم.
التوحيد الرَّابع: توحيد القائلين بوحدة الوجود، وأن الوجود عندهم واحدٌ، ليس عندهم وجودان: قديم وحادث، وخالق ومخلوق، وواجب وممكن؛ بل الوجود عندهم واحدٌ بالعين. والذي يُقال: له الخَلْق المُشبَّه هو الحق المُنَّزه، والكل من عينٍ واحدةٍ، بل هو العين الواحدة.
فهذه الأنواع الأربعة سمَّاها أهل الباطل توحيدًا، فاعتصموا بالاسم من إنكار المسلمين عليهم، وقالوا: نحن الموحدون. ودعوا النَّاس إلى الباطل باسم التوحيد، فجعلوه جُنَّةً وتُرْسًا ووقايةً. وسَمَّوُا التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنبياءه تركيبًا وتجسيمًا وتشبيهًا، وجعلوا هذه الألقاب له سهامًا وسلاحًا يُقاتلون بها أهله، فتترَّسوا بما عند أهل الحق من الأسماء الصحيحة، وقاتلوهم بالأسماء الباطلة، التي سَمَّوْا بها ما بعث الله به رسوله، فقاتلوهم باسم التركيب والتجسيم والتشبيه، وتترسوا منهم باسم التوحيد والتنزيه.
وقد قال جابر في الحديث الصحيح في حجة الوداع: «فأهلَّ رسول الله ﷺ بالتوحيد: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ» (٢).
فهذا توحيد الرَّسول المتضمن لإثبات صفات الكمال التي يستحق
стр. 651
عليها الحمد، ولإثبات الأفعال التي استحق بها أن يكون مُنعِمًا، ولإثبات القُدرة والمشيئة، والإرادة والتصرف، والغضب والرضا، والغنى والجود، الذي [ق ٥٨ أ] هو حقيقة ملكه. وعند الفلاسفة والجهمية والمعطلة لا حمد له في الحقيقة ولا نعمة ولا ملك.
والله يعلم أنَّا لم نُجازف في نسبة ذلك إليهم، بل هو حقيقة قولهم. فأي حمدٍ لمن لا يسمع ولا يُبصر، ولا يعلم ولا يتكلم، ولا يفعل، ولا هو في هذا العالم ولا خارج عنه، ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا فوقه ولا تحته، ولا عن يمنته (١) ولا عن يَسْرته. وأي نعمةٍ لمن لا يقوم به فعلٌ البتَّةَ، وأي مُلْكٍ لمن لا وَصْفَ له ولا فِعْلَ؟
فانظر إلى توحيد الرُّسل، وتوحيد من خالفهم! ومن العجب أنهم سَمَّوْا توحيد الرُّسل شركًا وتجسيمًا وتشبيهًا، مع أنه غاية الكمال، وسَمَّوْا تعطيلهم واتحادهم ونفيهم توحيدًا، وهو غاية النقص، ثم نسبوا أتباع الرسل إلى نقص الربِّ، وقد سلبوه كل كمالٍ، وزعموا أنهم أثبتوا له الكمال، وقد نزَّهوه عنه. فهذا توحيد الملاحدة والجهمية والمعطلة.
وأمَّا توحيد الرُّسل فهو إثبات صفات الكمال له سبحانه، وإثبات كونه فاعلًا بمشيئته وقدرته واختياره، وأن له فعلًا حقيقة، وأنه وَحْدَه الذي يستحق أن يُعبد ويُخاف ويُرجى ويُتوكل عليه، فهو المستحق لغاية الحب بغاية الذُّل. وليس لخلقه من دونه وكيلٌ ولا وليٌّ ولا شفيعٌ، ولا واسطةَ بينه وبينهم في رفع حوائجهم إليه، وفي تفريج كرباتهم، وإغاثة لهفاتهم، وإجابة
стр. 652
دعواتهم. وبينه وبينهم واسطة في تبليغ أمره ونهيه وخبره إليهم، فلا يعرفون ما يحبه ويرضاه ويبغضه ويسخطه، ولا حقائق أسمائه وتفصيل ما يجب له ويمتنع عليه ويُوصف به إلَّا من جهة هذه الواسطة. فجاء هؤلاء الملاحدة فعكسوا الأمر، وقلبوا الحقائق، فنَفَوْا كون الرُّسل وسائطَ في ذلك، وقالوا: يكفي توسط (١) العقل. ونفوا حقائق أسمائه وصفاته وقالوا: هذا التوحيد.
فهذا توحيدهم، وهذا إيمانهم بالرُّسل. ويقولون: نحن نُنزِّهه (٢) عن الأعراض والأغراض والأبعاض والحدود والجهات وحلول الحوادث. فيسمع الغِرُّ المخدوع هذه الألفاظ فيتوهَّم منها أنهم يُنزِّهون الله عمَّا يُفهم من معانيها عند الإطلاق من العيوب والنقائص والحاجة، فلا يشك أنهم يمجدونه ويعظمونه. ويكشف النَّاقد البصير ما تحت هذه الألفاظ فيرى تحتها الإلحاد، وتكذيب الرُّسل، وتعطيل الربِّ تعالى عمَّا يستحقه من كماله.
فتنزيهه عن الأعراض هو جحد صفاته، كسمعه وبصره وحياته وعلمه وكلامه وإرادته، فإن هذه أعراض لا تقوم إلَّا بجسمٍ، فلو كان متصفًا بها لكان جسمًا، وكانت أعراضًا له، وهو منزَّهٌ عن الأعراض.
وأمَّا الأغراض فهي الغاية والحكمة التي لأجلها يفعل ويخلق ويأمر وينهى ويُثيب ويعاقب، وهي الغايات المحمودة المطلوبة له من أمره ونهيه وفعله، فيسمونها عللًا وأغراضًا، ثم ينزهونه عنها.
стр. 653
وأمَّا الأبعاض فمرادهم بتنزيهه عنها أنه ليس له وجهٌ ولا يدان ولا يمسك السماوات على إصبع والأرض على إصبع والشجر على إصبع والماء على إصبع، فإن ذلك كله أبعاض، والله منزهٌ عن الأبعاض.
وأمَّا الحدود والجهات فمرادهم بتنزيهه عنها أنه ليس فوق السماوات ربٌّ، ولا على العرش إلهٌ، ولا يشار إليه بالأصابع إلى فوق، كما أشار إليه أعلم الخلق به، ولا ينزل منه شيءٌ، ولا يصعد إليه شيءٌ، ولا تعرج الملائكة والروح إليه، ولا رفع المسيح إليه، ولا عرج برسوله محمد ﷺ إليه؛ إذ لو كان ذلك لزم إثبات الحدود والجهات له، وهو منزهٌ عن ذلك.
وأمَّا حلول الحوادث فيُريدون به أنه لا يتكلم بقدرته ومشيئته، ولا ينزل كل ليلةٍ إلى سماء الدنيا، ولا يأتي يوم القيامة ولا يجيء، ولا يغضب بعد أن كان راضيًا، ولا يرضى بعد أن كان غضبان، ولا يقوم به فعلٌ البتةَ، ولا أمرٌ مُجدد بعد أن لم يكن، ولا يريد شيئًا بعد أن لم يكن (١) مريدًا له، ولا يقول له: كن حقيقةً، ولا استوى على عرشه بعد أن لم يكن مستويًا عليه، ولا يغضب يوم القيامة غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولا يُنادي عباده يوم القيامة بعد أن لم يكن مناديًا لهم، ولا يقول للمصلي «إذا قال: ﴿اِلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اِلْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ١]: حمدني عبدي. فإذا قال: ﴿اَلرَّحْمَنِ اِلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٢] قال: أثنى عليَّ عبدي. وإذا قال: ﴿مَلِكِ يَوْمِ اِلدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٣] قال: مجَّدَني عبدي» (٢). فإن هذه كلها حوادث، وهو منزهٌ عن حلول الحوادث.
стр. 654
وبعضهم يختصر العبارة ويقول: أنا أُنزِّهه عن التعدد والتحدد والتجدد. فيتوهم السَّامع الجاهل بمراده أنه ينزهه عن تعدد الآلهة، وعن تحددٍ تُحيطُ به حدودٌ وجوديةٌ تحصره وتحويه كتحدد [ق ٥٨ ب] البيت ونحوه، وعن تجدد إلهيته وربوبيته. ومراده بالتعدد الذي نَزَّهَه (١) عنه تعدد أسمائه وصفاته، وأنه لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم شيئًا ولا يتكلم. ومراده بالتحدد أنه ليس فوق خلقه، ولا هو مستوٍ على عرشه، ولا فوق العرش إلهٌ يُعبد، وليس فوق العرش إلَّا العدم. ومراده بالتجدد أنه لا يقوم به فعلٌ ولا إرادةٌ ولا كلامٌ بمشيئته وقدرته.
وبعضهم يقتصر على حرفين فيقول: نحن ننزهه عن التكثر والتغير. فيتوهم السَّامع تكثر الآلهة، وتغيره سبحانه واستحالته من حالٍ إلى حالٍ، وحقيقة هذا التنزيه أنه لا صفة له ولا فعل.
وكذلك قول الجهمية: نحن نثبت قديمًا واحدًا، ومثبتو الصِّفات يثبتون عدة قُدماء. قال: والنصارى أثبتوا ثلاثة قدماء مع الله فكفَّرهم (٢)، فكيف من أثبت سبعة قدماء أو أكثر؟!
فانظر إلى هذا التلبيس والتدليس الذي يوهم السَّامع أنهم أثبتوا قدماء مع الله، وإنما أثبتوا قديمًا واحدًا بصفاته، وصفاته داخلة في مسمَّى اسمه. إنما أثبتوا إلهًا واحدًا، ولم يجعلوا كل صفةٍ من صفاته إلهًا؛ بل هو الإله الواحد بجميع أسمائه وصفاته. وهذا بعينه متلقًّى عن عُبَّاد الأصنام المشركين بالله المكذبين لرسوله، حيث قالوا: يدعو محمدٌ إلى إلهٍ واحدٍ، ثم يقول: يا ألله
стр. 655
يا رحمن يا سميع يا بصير، فيدعو آلهةً متعددةً. فأنزل الله : ﴿قُلُ اُدْعُوا اُللَّهَ أَوُ اُدْعُوا اُلرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ اُلْأَسْمَاءُ اُلْحُسْنى﴾ (١) [الإسراء: ١٠٩] أي: إنكم إنما تدعون إلهًا واحدًا له الأسماء الحسنى، فأي اسمٍ دعوتموه فإنما دعوتم المسمَّى بذلك الاسم. فأخبر سبحانه أنه إلهٌ واحدٌ وإن تعددت أسماؤه الحُسنى المشتقة من صفاته، ولهذا كانت حُسنى، وإلَّا فلو كانت ـ كما يقول الجاحدون لكماله ـ أسماءً محضة فارغة من المعاني ليس لها حقائق؛ لم تكن حُسنى، ولكانت أسماءُ الموصوفين بالصفات والأفعال أحسن منها، فنزلت الآية على توحيد الذَّات وكثرة النُّعوت والصفات.
ومن ذلك قول هؤلاء المعطلة: أخصُّ صفات الإله: القديم، فإذا أثبتم معه صفات قديمة لزم أن تكون آلهةً، فلا يكون الإله واحدًا؛ بل يكون لكم آلهة متعددة. فيقال لهؤلاء المُدلِّسين المُلبِّسين على أمثالهم من أشباه الأنعام: المحذور الذي نفاه العقل والشرع والفطرة وأجمعت الأنبياء من أوَّلهم إلى آخرهم على بطلانه أن يكون مع الله آلهة أخرى، لا أن يكون إله العالمين الواحد القهار حيًّا قيومًا، سميعًا بصيرًا، متكلِّمًا آمرًا ناهيًا، فوق عرشه، له الأسماء الحسنى والصفات العُلى.
فلم يَنْفِ العقل والشرع والفطرة أن يكون للإله الواحد صفاتُ كمال
стр. 656
ونعوت جلال يختص بها لذاته. فلبَّستم على المخدوعين المغرورين، وأوهمتموهم أنه لو كان فوق عرشه موصوفًا بصفات الكمال يُرى بالأبصار عيانًا يوم القيامة؛ لم يكن إلهًا واحدًا، وكان هناك آلهة متعددة، وقدماء متغايرة، وأعراض وأبعاض، وحدود وجهات، وتكثُّر وتغير، وتحدد وتجدد، وتجسم وتشبيه وتركيب. وأكثر النَّاس إذا سمعوا هذه الألفاظ نفرت عقولهم من مسمَّاها، ونَبَتْ (١) أسماعهم عنها.
وقد علم المؤمنون المصدقون للرسول العارفون بالله وصفاته وأسمائه أنكم توسلتم بها إلى نفي صفاته وأفعاله وحقائق أسمائه، فلم ترفعوا بها رأسًا، ولم تروا لها حرمة، ولم ترقبوا فيها ذمة، وغرَّت ضعافَ العقول الجاهلين بحقائق الإيمان فضلُّوا بها، وأضلوا كثيرًا، وضلوا عن سواء السبيل.
فلفظ الجسم لم ينطق به الوحي إثباتًا، فتكون له حرمة الإثبات، ولا نفيًا، فيكون له إلغاء النفي، فمن أطلقه نفيًا أو إثباتًا سُئل عمَّا أراد به. فإن قال: أردت بالجسم (٢) معناه في لغة العرب، وهو البدن الكثيف الذي لا يُسمَّى في اللغة جسمٌ سواه، فلا (٣) يُقال للهواء جسم لغةً، ولا للنار ولا للماء، فهذه اللغة، وكُتُبها بين أَظهُرنا = فهذا المعنى منفيٌّ عن الله عقلًا وسمعًا. وإن أردتم به المركب من المادة والصورة، أو المركب من الجواهر
стр. 657
الفردة (١)؛ فهذا منفيٌّ عن الله قطعًا، والصواب نفيه عن الممكنات أيضًا، فليس الجسم المخلوق مركبًا من هذا ولا من هذا.
وإن أردتم بالجسم ما يُوصف بالصفات، ويُرى بالأبصار، ويتكلم ويكلم، ويسمع ويُبصر، ويرضى ويغضب؛ فهذه المعاني ثابتة للربِّ تعالى وهو موصوفٌ بها، فلا ننفيها عنه بتسميتكم للموصوف بها جسمًا؛ كما أنا لا نسبُّ الصَّحابة لأجل تسمية الروافض لمن يحبهم ويواليهم نواصبَ، ولا ننفي قَدَرَ الربِّ ونكذِّب به لأجل تسمية القدرية لمن [ق ٥٩ أ] أثبته جبريًّا، ولا نرد ما أخبر به الصَّادق عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله لتسمية أعداء الحديث لنا حشوية، ولا نجحد صفات خالقنا وعلوه على خلقه واستواءه على عرشه لتسمية الفرعونية المعطلة لمن أثبت ذلك مجسمًا مشبهًا.
فَإِنْ كَانَ تَجْسِيمًا ثُبُوتُ اسْتِوَائِهِ … عَلَى عَرْشِهِ إِنِّي (٢) إِذًا لَمُجَسِّمُ
وَإِنْ كَانَ تَشْبِيهًا ثُبُوتُ صِفَاتِهِ … فَمِنْ ذَلِكَ التَّشْبِيهِ لَا أَتَكَتَّمُ
وَإِنْ كَانَ تَنْزِيهًا جُحُودُ اسْتِوَائِهِ … وَأَوْصَافِهِ أَوْ كَوْنِهِ يَتَكَلَّمُ
فَعَنْ ذَلِكَ التَّنْزِيهِ نَزَّهْتُ رَبَّنَا … بِتَوْفِيقِهِ وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْظَمُ (٣)
ورضي الله عن الشَّافعي حيث فتح للناس هذا الباب في قوله (٤):
стр. 658
يَا رَاكِبًا قِفْ بِالْمُحَصَّبِ مِنْ مِنًى … وَاهْتِفْ بِقَاعِدِ خَيْفِهَا وَالنَّاهِضِ
إِنْ كَانَ رَفْضًا حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ … فَلْيَشْهَدِ الثَّقَلَانِ أَنِّيَ رَافِضِي
ورضي الله عن شيخنا إذ يقول (١):
فَإِنْ كَانَ نَصْبًا وَلَاءُ الصِّحَابِ … فَإِنِّي كَمَا زَعَمُوا نَاصِبِي
وَإِنْ كَانَ رَفْضًا وَلَا آلِهِ (٢) … فَلَا بَرِحَ الرَّفْضُ مِنْ جَانِبِي
وهذا كله كأنه مأخوذٌ من قول الأول (٣):
وَعَيَّرَنِي الْوَاشُونَ أَنِّي أُحِبُّهَا … وَذَلِكَ ذَنْبٌ لَسْتُ مِنْهُ أَتُوبُ
وقول الآخر (٤):
فَإِنْ كَانَ ذَنْبِي حُبَّكُمْ وَوَلَاءَكُمْ … فَإِنِّي مُصِرٌّ مَا بَقِيتُ عَلَى الذَّنْب
وإن أردتم بالجسم ما يُشار إليه إشارةً حسيةً، فقد أشار إليه أعرف الخلق به بإصبعه رافعًا لها إلى السماء، يُشهِد الجَمْع الأعظم، مستشهدًا له (٥)، لا للقبلة.
стр. 659
أو أردتم بالجسم ما يُقال: أين هو؟ فقد سأل أعلم الخلق به عنه بأين (١) منبِّهًا على علوه على عرشه، وسمع السؤال بأين وأجاب عنه (٢)، ولم يقل هذا السؤال إنما يكون عن الجسم.
وإن أردتم بالجسم ما يلحقه «مِن» و «إلى» فقد نزل جبريل من عنده، ونزل كلامه من عنده، وعرج برسوله إليه، وإليه يصعد الكلم الطيب، وعنده المسيح رُفع إليه.
وإن أردتم بالجسم ما يتميز منه أمرٌ عن (٣) أمرٍ، فهو سبحانه موصوفٌ بصفات الكمال جميعها من السمع والبصر والعلم والقدرة والحياة، وهذه صفات متميزة متغايرة، ومن قال: إنها صفة واحدة، فهو بالمجانين أشبه منه بالعقلاء. وقد قال أعلم الخلق به: «أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَأَعُوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ» (٤). والمستعاذ به غير المستعاذ منه. وأمَّا استعاذته ﷺ به منه فباعتبارين مختلفين، فإن الصفة المستعاذ بها والصفة المستعاذ منها صفتان لموصوفٍ واحدٍ وربٍّ واحدٍ، فالمستعيذ بإحدى الصفتين من الأخرى مستعيذ بالموصوف (٥) بهما منه.
стр. 660
وإن أردتم بالجسم ما له وجهٌ ويدان وسمعٌ وبصرٌ، فنحن نؤمن بوجه ربنا الأعلى وبيديه وبسمعه وبصره، وغير ذلك من صفاته (١) التي أطلقها على نفسه.
وإن أردتم بالجسم ما يكون فوق غيره ومستويًا على غيره، فهو سبحانه فوق عباده مستوٍ على عرشه.
وكذلك إن أردتم بالتشبيه والتركيب هذه المعاني التي دلَّ عليها الوحي والعقل، فنفيكم لها بهذه الألقاب المنكرة خطأ في اللفظ والمعنى، وجناية على ألفاظ الوحي والعقل وحقائق صفات الربِّ.
أمَّا الخطأ اللفظي فتسميتكم الموصوف بذلك جسمًا مركبًا مؤلَّفًا مشبهًا لغيره، وتسميتكم هذه الصِّفات تجسيمًا وتركيبًا وتشبيهًا؛ فكذبتم على القرآن وعلى الرَّسول وعلى اللغة، ووضعتم لصفاته ألفاظًا منكم بدأت، وإليكم تعود.
وأمَّا خطأكم في المعنى فنفيكم وتعطيلكم لصفات كماله بواسطة هذه التسمية والألقاب، فنفيتم المعنى الحقَّ، وسميتموه بالاسم المنكر. وكنتم في ذلك بمنزلة من سمع أن في العسل شفاءً ولم يره، فسأل عنه فقيل له: مائع رقيق أصفر شبه العذرة تتقيَّأه الزنابير. ومن لم يعرف العسل يَنفِر عنه بهذا التعريف، ومن عرفه وذاقه لم يزده هذا التعريف عنده إلَّا محبةً له ورغبةً فيه. وما أحسن ما قال القائل (٢):
стр. 661
تَقُولُ هَذَا جَنِيُّ النَّحْلِ تَمْدَحُهُ … وَإِنْ تَشَأْ قُلْتَ ذَا قَيْءُ الزَّنَابِيرِ
مَدْحًا وَذَمًّا وَمَا جَاوَزْتَ وَصْفَهُمَا … وَالْحَقُّ قَدْ يَعْتَرِيهِ سُوءُ تَعْبِير
وأشدُّ ما حاول (١) أعداء الرَّسول من التنفير عنه سوءُ التعبير عمَّا جاء به، وضربُ الأمثال القبيحة له، والتعبيرُ عن تلك المعاني ـ التي لا أحسن منها ـ بألفاظٍ منكرةٍ ألقوها في مسامع المغترين المخدوعين، فوصلت إلى قلوبهم فنفرتْ منه. وهذا شأن كل مبطلٍ، وكلُّ من يكيد الحقَّ وأهله هذه طريقه ومسلكه، وأكثر (٢) العقول ـ كما عهدتُ ـ [ق ٥٩ ب] تقبل القول بعبارةٍ وترده بعينه بعبارةٍ أخرى.
وكذلك إذا قال الفرعوني: لو كان فوق السماوات ربٌّ أو على العرش إلهٌ لكان مركبًا؛ قيل له: لفظ «المركب» في اللغة هو الذي ركَّبه غيرُه في محله، كقوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَك﴾ [الانفطار: ٨] وقولهم: ركبت الخشبة والباب؛ أو ما تَركَّب من أخلاطٍ (٣) وأجزاء، بحيث كانت أجزاؤه متفرقة فاجتمعت ورُكبت حتى صار شيئًا واحدًا، كقولهم: ركبت الدواء، وركَّبتُ الطعام من كذا وكذا. فإن أردتم بقولكم: لو كان فوق العرش كان
стр. 662
مركَّبًا هذا التركيبَ المعهودَ أو أنه كان متفرقًا فاجتمع = فهو كذبٌ وفريةٌ وبهتٌ على الله وعلى الشرع وعلى العقل.
وإن أردتم أنه لو كان فوق عرشه لكان عاليًا على خلقه بائنًا منهم مستويًا على عرشه ليس فوقه شيءٌ = فهذا المعنى حقٌّ، وكأنك قلت: لو كان فوق العرش لكان فوق العرش، فنفيت الشيء بتغيير العبارة عنه وقَلْبِها إلى عبارةٍ أخرى. وهذا شأنكم في أكثر مطالبكم.
وإن أردت بقولك: «كان مركبًا» أنه يتميز منه شيءٌ عن شيءٍ، فقد وصفته أنت بصفاتٍ يتميز بعضها عن بعضٍ، فهل كان هذا عندك تركيبًا؟
فإن قلت: هذا لا يُقال لي، وإنما يُقال لمن أثبت شيئًا من الصِّفات، وأمَّا أنا فلا أُثبت له صفةً واحدةً فرارًا من التركيب.
قيل لك: العقل لم يدل على نفي المعنى الذي سمَّيته أنت تركيبًا. وهَبْك سمَّيته تركيبًا وقد دلَّ العقل والوحي والفِطَر على ثبوته؛ أفتنفيه لمجرد تسميتك (١) الباطلة؟ فإن التركيب يُطلق ويُراد به خمسة (٢) معانٍ:
تركيب الذَّات من الوجود والماهية عند من يجعل وجودها زائدًا على ماهيتها. فإذا نفيت هذا التركيب جعلته وجودًا مطلقًا، إنما هو في الأذهان لا وجود له في الأعيان.
الثَّاني: تركيب الماهية من الذَّات والصفات. فإذا نفيت هذا التركيب جعلته ذاتًا مجردةً عن كل وصفٍ، لا يسمع ولا يُبصر ولا يعلم ولا يقدر
стр. 663
ولا يريد ولا له حياة ولا مشيئة ولا صفة أصلًا. فكل ذات في المخلوقات أكمل من هذه الذَّات، فاستفدت بنفيك هذا التركيب كفرك بالله وجحدك لذاته وصفاته وأفعاله، فكان اسم التركيب ملقيًا لك في أعظم الكفر، وموجبًا لك (١) أشد التعذيب.
الثَّالث: تركيب الماهية الجسمية من الهيولى (٢) والصورة كما يقوله الفلاسفة.
الرَّابع: تركيبها (٣) من الجواهر الفردة (٤) كما يقوله كثيرٌ من أهل الكلام.
الخامس: تركيب الماهية من أجزاء كانت متفرقة فاجتمعت وتركبت.
فإن أردت بقولك: «لو كان فوق العرش لكان مركبًا» ما تدعيه الفلاسفة والمتكلمون، قيل لك: جمهور العقلاء عندهم أن الأجسام المحدثة المخلوقة ليست مركبة لا من هذا ولا من هذا، فلو كان فوق العرش جسمٌ مخلوقٌ محدثٌ لم يلزم أن يكون مركبًا بهذا الاعتبار، فكيف يلزم ذلك في حقِّ خالق المفرد والمركب، الذي يجمع المتفرق ويُفرِّق المجتمع، ويُؤلِّف بين الأجزاء فيُركبها كما يشاء؟!
والعقل إنما دلَّ على إثبات إلهٍ واحدٍ وربٍّ واحدٍ لا شريك له ولا شبيه له، ولم يدل على أن ذلك الربَّ الواحد لا اسم له، ولا صفة له، ولا وجه ولا
стр. 664
يدين، ولا هو فوق خلقه، ولا يصعد إليه شيءٌ، ولا ينزل منه شيءٌ. فدعوى ذلك على العقل كذبٌ صريحٌ عليه، كما هي كذبٌ صريحٌ على الوحي.
وكذلك قولهم: «نُنزِّهه عن الجهة» إن أردتم أنه منزَّهٌ عن جهة وجودية تحيط به وتحويه وتحصره إحاطة الظرف للمظروف وحصره له، فنعم هو أعظم من ذلك وأكبر وأعلى، ولكن لا يلزم من كونه فوق عرشه هذا المعنى.
وإن أردتم بالجهة أمرًا يُوجب مباينة الخالق للمخلوق، وعلوه على خلقه واستواءَه على عرشه؛ فنفيكم لهذا المعنى باطلٌ، وتسميتكم له جهة اصطلاح منكم توسلتم به إلى نفي ما دلَّ عليه العقل والنقل والفطرة.
فسمَّيتم ما فوق العالم جهةً، وقلتم: منزَّهٌ عن الجهات.
وسميتم العرش حيزًا، وقلتم: الربُّ ليس بمتحيز.
وسميتم الصِّفات أعراضًا، وقلتم: الربُّ منزَّهٌ عن قيام الأعراض به.
وسميتم حكمته غرضًا، وقلتم: إنه منزهٌ عن الأغراض.
وسمَّيتم كلامه بمشيئته، ونزوله إلى سماء الدنيا، ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء، وإرادته ومشيئته المقارنة لمراده، وإدراكه المقارن لوجود المُدرَك، وغضبه إذا عُصي، ورضاه إذا أُطيع، وفرحه إذا تاب إليه العباد، ونداءه لموسى حين أتى إلى الشجرة، ونداءه للأبوين حين أكلا من الشجرة في الجنة، ونداءه لعباده يوم القيامة، ومحبته لمن كان يبغضه في حال كفره ثم صار يحبه [ق ٦٠ أ] بعد إيمانه، وشؤون (١) ربوبيته التي هو كل يوم في شأنٍ
стр. 665
منها = حوادث، وقلتم: الربُّ منزهٌ عن حلول الحوادث.
وحقيقة هذا التنزيه أنه منزهٌ عن الوجود، وعن الإلهية (١)، وعن الربوبية، وعن الملك، وعن كونه فعالًا لما يريد، بل عن الحياة والقيومية. ولا يتقرر كونه ربًّا للعالمين وإلهًا للعِباد إلَّا بالتنزيه عن هذا التنزيه، والإجلال عن هذا الإجلال.
فانظر ماذا تحت تنزيه المعطلة النُّفاة بقولهم: ليس بجسمٍ، ولا جوهرٍ، ولا مركبٍ، ولا يقوم به الأعراض، ولا يُوصف بالأبعاض، ولا يفعل الأغراض، ولا تحله الحوادث، ولا تحيط به الجهات، ولا يُقال في حقه: «أين»، وليس بمتحيزٍ، كيف كَسَوْا حقائق أسمائه وصفاته، وعلوه على خلقه واستواءَه على عرشه، وتكليمه لعباده، ورؤيتهم له بالأبصار في دار كرامته = هذه الألفاظَ، ثم توسلوا إلى نفيها بواسطتها، وكفَّروا وضلَّلوا مَن أثبتها، واستحلوا منه ما لم يستحلوه من أعداء الله من اليهود والنصارى؟! فالله الموعد، وإليه التحاكم، وبين يديه التخاصم، و:
نَحْنُ وَإِيَّاهُمُ نَمُوتُ وَلَا … أَفْلَحَ عِنْدَ الْحِسَابِ مَنْ نَدِمَا (٢)
***
стр. 666
فصل
ومن ذلك لفظ العدل، جعلته القدرية اسمًا لإنكار قدرة الربِّ على أفعال عباده وخلقه لها ومشيئته، فجعلوا إخراجها عن قدرته ومشيئته وخلقه هو العدل (١)، وجعل سلفهم إخراجها عن تقدم علمه وكتابته من العدل، وسَمَّوْا أنفسهم بالعدلية، وعَمَدوا إلى إثبات عموم قدرته على كل شيءٍ من الأعيان والأفعال وخلقه لكل شيءٍ وشمول مشيئته له فسمَّوْه جبرًا (٢)، ثم نفوا هذا المعنى الصحيح، وعبَّروا عنه بهذا الاسم المنكر، وأثبتوا ذلك المعنى الباطل، وعبَّروا عنه بالاسم المعروف، ثم سمَّوْا أنفسهم أهل العدل والتوحيد (٣)، وسمَّوْا مَن أثبت صفات الربِّ وأثبت قَدَره وقضاءه أهل التشبيه والجبر.
وكذلك فعل الرَّافضة سواءً، سَمَّوْا موالاة الصَّحابة نَصْبًا، ومعاداتهم موالاةً لأهل بيت رسول الله ﷺ .
وكذلك المرجئة سمَّوْا من قال في الإيمان بقول الصَّحابة والتَّابعين واستثنى فيه، فقال: أنا مؤمن إن شاء الله (٤) = شكَّاكًا.
وهكذا شأن كل مبتدعٍ وملحدٍ، وهذا ميراث مِن تسمية كفار قريشٍ لرسول الله ﷺ وأصحابه الصَّبَأة، وصار هذا ميراثًا منهم لكل مبطلٍ وملحدٍ
стр. 667
ومبتدعٍ، يُلقِّب الحق وأهله بالألقاب الشنيعة المنفرة.
فإذا أطلقوا لفظ الجسم صوروا في ذهن السَّامع جثة من الجثث الكثيفة، أو بدنًا له حاملٌ يحمله.
وإذا قالوا: «مركبًا» صوروا في ذهنه أجزاءً كانت متفرقة فركبها مركِّبٌ، وهذا حقيقة المركب لغةً وعرفًا.
فإذا قالوا: «يلزم أن تَحُلَّه الحوادث» صوروا في ذهنه ذاتًا تَعتَوِر عليها الآفات وحوادث الزمان.
وإذا قالوا: «لا تقوم به الأعراض» صوروا في الذهن ذاتًا تنزل (١) بها الأعراض النَّازلة بالمخلوقين، كما مثَّل النبي ﷺ ابن آدم وأمله وأجله والأعراض إلى جانبه إن أخطأه هذا أصابه هذا (٢).
وإذا قالوا: «يقولون بالحيز والجهة» صوروا في الذهن موجودًا محصورًا بالأحياز.
وإذا قالوا: «لزم الجبر (٣)». صوروا في الذهن قادرًا ظالمًا يجبر الخلق على ما لا يريدون، ويعاقبهم على ما لا يفعلون.
وإذا قالوا: «أنتم نواصب» صوروا في الذهن قومًا نصبوا العداوة لآل رسول الله ﷺ وأهل بيته واستحلُّوا حُرُماتهم.
стр. 668
وإذا قالوا لمن قال أنا مؤمن إن شاء الله: «شكاكًا» صوروا في الذهن قومًا يَشُكُّون في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسوله ولقائه، لا يجزمون بذلك.
وإذا قالوا لمن أثبت الصِّفات: «إنه مشبِّهٌ» صوروا في الذهن قومًا يقولون: إن الله مثلهم، وله وجهٌ كوجوههم، وسَمْعٌ كأسماعهم، وبصرٌ كأبصارهم، ويدان كأيديهم، ونزولٌ كنزولهم، واستواءٌ كاستوائهم، وفرحٌ كفرحهم.
وإذا قالوا: «حشوية» صوروا في ذهن السَّامع قومًا قد حشوا في الدين ما ليس منه وأدخلوه فيه، وهو حشوٌ لا أصل له.
= فتنفر القلوب من هذه الألقاب وأهلها. ولو ذكروا حقيقة قولهم (١) لما قَبِلَت العقول السليمة والفطر المستقيمة سواه، والله يعلم وملائكته ورسله ـ وهم أيضًا ـ أنهم بَراءٌ من هذه المعاني الباطلة، وأنهم أبعد الخلق منها، وأن خصومهم جمعوا بين أذى الله ورسوله بتعطيل صفاته، وبين أذى المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا، فقعدوا تحت قوله [ق ٦٠ ب]: ﴿إِنَّ اَلَّذِينَ يُؤْذُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اُللَّهُ فِي اِلدُّنْيا وَاَلْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا (٥٧) وَاَلَّذِينَ يُؤْذُونَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَاَلْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اَكْتَسَبُوا فَقَدِ اِحْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧ - ٥٨].
أفيظن الجاهلون أنَّا نجحد صفات ربنا، وعلوه على خلقه، واستواءه على عرشه، وتكلُّمَه بالقرآن العربي، وتكليمه لموسى حقيقةً كلامًا أَسْمَعه إيَّاه بغير واسطةٍ، وننكر سمعه وبصره وعلمه وقدرته وحياته وإرادته ووجهه
стр. 669
الكريم ويديه ـ وكلتا (١) يديه يمين ـ اللتين يقبض سماواته بإحداهما والأرض بالأخرى (٢)، ورؤية وجهه الكريم في جنات عدن، ومحبته ورضاه، وفرحه بتوبة التَّائبين، ونزوله إلى سماء الدنيا حين يمضي شطر الليل، ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين الخلائق؛ لأسماءٍ سمَّوْها هم وسلفهم ما أنزل الله بها من سلطان، وألقابٍ وضعوها من تلقاء أنفسهم لم يأتِ بها سُنةٌ ولا قرآن، وشُبهاتٍ قذفت بها قلوب ما استنارت بنور الوحي، ولا خالطتها بشاشة الإيمان، وخيالاتٍ هي بتخيلات (٣) الممرورين (٤) وأصحاب الهَوَس (٥) أشبه منها بقضايا العقل والبرهان، ووهمياتٍ نِسْبَتُها إلى العقل الصحيح كنسبة السراب إلى الأبصار في القيعان، وألفاظٍ مجملةٍ ومعانٍ مشتبهةٍ قد لُبس فيها الحق بالباطل، فصار ذا خفاءٍ (٦) وكتمان.
فدعونا من هذه الدعاوي الباطلة التي لا تفيد إلَّا إتعاب الإنسان وكثرة الهذيان، وحاكمونا إلى الوحي والميزان، لا إلى منطق يونان، ولا إلى قول فلان ورأي فلان. فهذا كتاب الله ليس فوق بيانه مرتبة في البيان، وهذه سُنة رسوله مطابقة له أعظم من مطابقة البنان للبنان (٧). وهذه أقوال أعقل الأمم
стр. 670
بعده والتَّابعين لهم بإحسان، لا يختلف منهم في هذا الباب اثنان (١)، ولا يوجد عنهم فيه قولان متنافيان. بل قد تتابعوا كلهم على إثبات الصِّفات، وعلو الله على خلقه، واستوائه على عرشه، وإثبات تكلمه وتكليمه وسائر ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله كتتابع الأسنان. وقالوا للأُمة: هذا عهد نبينا إلينا، وهو عهدنا إليكم، وإلى مَن بعدكم إلى آخر الزمان، وهذا هو الذي نادى به المنادي، وأذَّن به على رءوس الملأ في السِّر والإعلان، فحيَّ
على الصلاة وراء هذا الإمام يا أهل الإيمان، وحيَّ على الفلاح بمتابعته يا أهل القرآن، والصلاة خير من النوم في ظلمة ليلِ الشكوك والإفك والكفران. فلا تصح القدوة بمن أقر على نفسه ـ وصدَّقه المؤمنون ـ بأنه تائهٌ في بيداء الآراء والمذاهب حيران، وأنه لم يصل إلى اليقين بشيءٍ منها، لا هو ولا مَن قبله من أمثاله على تطاول الأزمان، وأن غاية ما وصلوا إليه الشك والتشكيك والحيرة ولقلقة اللسان (٢).
فالحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى، وخصَّهم بكمال العقول، وصحة الفِطَر، ونور البرهان، وجعلهم هداةً مهتدين، مستبصرين مبصرين، أئمة للمتقين، يهدون بأمره، ويبصرون بنوره، ويدعون إلى داره، ويحاربون (٣) كل مُفتَّنٍ فتَّان (٤)، فحيَّ على خير العمل بمتابعة المبعوث