← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 184

الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 216 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وإن قهره لم يكن كفؤًا، وكان القهار واحدًا. فتأمَّل كيف كان قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ٩] وقوله: ﴿وَلَهُ اُلْمَثَلُ اُلْأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٦] من أعظم الأدلة على ثبوت صفات كماله سبحانه. فإن قلت: قد فهمت هذا وعرفته، فما حقيقة المثل الأعلى؟ قلت: قد أَشكل هذا على جماعةٍ من المفسرين، واستشكلوا قول السلف فيه، فإن ابن عباس وغيره قالوا: «﴿مَثَلُ اُلسَّوْءِ﴾ العذاب والنَّار ﴿وَلِلَّهِ اِلْمَثَلُ اُلْأَعْلَى﴾ شهادة أن لا إله إلَّا الله» (١). وقال قتادة: «هو الإخلاص والتوحيد» (٢). قال الواحدي (٣): «هذا قول المفسرين في هذه الآية، ولا أدري لِمَ قيل للعذاب مثل السَّوء، وللإخلاص المثل الأعلى». قال (٤): «وقال قومٌ: المثل السَّوء الصفة السَّوء من احتياجهم إلى الولد وكراهتهم للإناث خوف العَيْلة والعار ﴿وَلِلَّهِ اِلْمَثَلُ اُلْأَعْلَى﴾ الصفة العُليا من تنزهه وبراءته (٥) عن الولد. قال: وهذا قولٌ صحيحٌ، فالمثل كثيرًا يرد بمعنى الصفة، وقاله جماعةٌ من المتقدمين. وقال ابن كيسان: مثل السوء ما ضرب الله للأصنام وعَبَدَتها من الأمثال، والمثل الأعلى نحو قوله: ﴿اَللَّهُ نُورُ اُلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ الآية [النور: ٣٥]».

стр. 737

وقال ابن جرير (١): «﴿وَلَهُ اُلْمَثَلُ اُلْأَعْلَى﴾ نحو قوله هو الأطيب والأفضل والأحسن والأجمل، وذلك التوحيد والإذعان له بأنه لا إله غيره». قلت: المثل الأعلى يتضمن الصفة العُليا، وعلم العالمين بها، ووجودها العلمي، والخبر عنها وذكرها، وعبادة الربِّ سبحانه بواسطة العلم والمعرفة القائمة بقلوب عابديه وذاكريه. فهاهنا أربعة أمور: ثبوت الصِّفات العُليا لله سبحانه في نفس الأمر، عَلِمَها العِباد أو جهلوها، وهذا معنى قول من فسَّره بالصفة. الثَّاني: وجودها في العلم (٢) والتصور. وهذا معنى قول من قال من السلف والخلف: إنه ما في قلوب عابديه وذاكريه من معرفته، وذكره ومحبته وإجلاله وتعظيمه. وهذا الذي في قلوبهم من المثل الأعلى لا يشترك فيه غيره معه، بل يختص به في قلوبهم كما اختص في ذاته. وهذا معنى قول من قال من المفسِّرين: أهل السماء يُعظِّمونه ويحبونه ويعبدونه، وأهل الأرض يُعظِّمونه ويُجلُّونه، وإن أشرك به من أشرك، وعصاه من عصاه، وجحد صفاته من جحدها، فكل أهل الأرض معظِّمون له، مجلُّون له، خاضعون لعظمته، مستكينون لعزته وجبروته، قال تعالى: ﴿و لَّهُ مَن فِي اِلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٥] فلست تجد أحدًا من أوليائه وأعدائه إلَّا والله أكبر في صدره وأكمل وأعظم من كل ما سواه.

стр. 738

الثَّالث: ذكر صفاته والخبر عنها وتنزيهها عن النقائص والعيوب والتمثيل. الرَّابع: محبة الموصوف بها وتوحيده والإخلاص له والتوكل عليه والإنابة إليه. وكلما كان الإيمان بالصفات [ق ٧٠ ب] أكمل كان هذا الحب والإخلاص أقوى، فعبارات السلف تدور حول هذه المعاني الأربعة لا تتجاوزها. وقد ضرب الله سبحانه مثل السوء للأصنام بأنها لا تخلق شيئًا وهي مخلوقة، ولا تملك لأنفسها ولا لعابديها ضرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا (١). وقال تعالى: ﴿* ضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهْوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهْوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهْوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٥ - ٧٦]. فهذان مثلان ضربهما لنفسه وللأصنام، فللأصنام مثل السَّوء، وله المثل الأعلى. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا اَلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاَسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اِللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اِجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ اُلذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ اَلطَّالِبُ وَاَلْمَطْلُوبُ (٧١) مَا قَدَرُوا اُللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اَللَّهَ لَقَوِيٌّ

стр. 739

عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧١ - ٧٢]. فهذا المثل الأعلى الذي له سبحانه، والأول مثل السَّوء للصنم وعابديه. وقد ضرب سبحانه للمعارضين (١) بين الوحي وعقولهم مثل السَّوء بالكلب تارةً (٢)، وبالحُمُر تارةً (٣)، وبالأنعام تارةً (٤)، وبأهل القبور تارةً (٥)، وبالعُمْي الصُّم تارة (٦)، وغير ذلك من الأمثال السوء التي ضربها لهم ولأوثانهم، وأخبر عن مثله الأعلى بما ذكره من أسمائه وصفاته وأفعاله، وضرب لأوليائه وعابديه أحسن أمثال (٧). ومَن تدبر القرآن فَهِمَ المراد بالمثل الأعلى ومثل السوء، وبالله التوفيق.

стр. 740

الوجه الثمانون: أن كل من عارض بين الوحي والعقل وردَّ نصوص الكتاب والسُّنَّة بالرَّأي ـ الذي يُسمِّيه عقلًا ـ لا بد أن يبغض (١) تلك النصوص المخالفة لعقله ويُعاديها، ويود أنها لم تكن جاءت، وإذا سمعها وجد لها على قلبه من الثقل والكراهة بحسب حاله، واشمأز لها قلبه، والله يعلم ذلك من قلوبهم، وهم يعلمونه أيضًا، حتى حمل جهمًا الإنكارُ والبُغْض لقوله: ﴿اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: ٤] على أن قال: «لو أمكنني كَشْطها من المصحف كشطتها» (٢). وحمل آخَرَ (٣) بُغْضُ قوله: ﴿وَكَلَّمَ اَللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٣] على أن حرَّفها وقرأها بالنصب، وكلَّم اللهَ موسى تكليمًا، أي أن موسى هو الذي كلَّم الله وخاطبه، والله لم يكلمه (٤). فقال له أبو عمرو بن العلاء: فكيف تصنع بقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]؟! فبُهت المعطِّل. وجرى بيني وبين بعض رؤساء هؤلاء مناظرة في مسألة الكلام، فقال: نحن وسائر الأمة نقول: القرآن كلام الله لا يُنازع في هذه الإضافة أحدٌ، ولكن

стр. 741

لا يلزم منها أن يكون الله بنفسه متكلِّمًا، ولا أنه يتكلم، فمن أين لكم ذلك؟ فقال له بعض من كان معي من أصحابنا: قد قال النبي ﷺ : «إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ» (١). وقالت عائشة: «ولَشأني كان أحقر من أن يتكلم الله فيَّ بوحيٍ يُتلى» (٢). فرأيت الجهمي قد عَبَس وبَسَر وكَلَح (٣)، وزوى وجهه عنه، كالذي شمَّ رائحةً كريهةً أعرض عنها بوجهه، أو ذاق طعامًا كريهًا مُرًّا مذاقه. وهذا أمرٌ (٤) لم يزل عليه كل مبطلٍ إذا واجهته بالحق المخالف له وصدمته به، وقلَّ من يتصبَّر منهم عند الصدمة الأولى. ولهذا قال بعض السلف (٥): «ما ابتدع أحدٌ بدعةً إلَّا خرجت حلاوة الحديث من قلبه». وقال بعض رؤساء الجهمية ـ إمَّا بشر المريسي أو غيره (٦) ـ: «ليس شيءٌ أبغضَ لقولنا من القرآن، فأقِرُّوا به ثم أوِّلوه». وقال بشرٌ أيضًا (٧): «إذا احتجوا عليكم بالقرآن فغالطوهم بالتأويل، وإذا احتجوا بالأخبار فادفعوها بالتكذيب». وقال الإمام أحمد: «قلَّ من نظر في الكلام إلَّا وفي قلبه غلٌّ على الإسلام» (٨).

стр. 742

وجاء أفضل متأخريهم (١) فنصب على حصون الوحي أربعة مناجنيق (٢): الأول: أنها أدلةٌ لفظيةٌ لا تُفيد اليقين. الثَّاني: أنها مجازاتٌ واستعاراتٌ لا حقيقة لها. الثَّالث: أن العقل عارضها، فيجب تقديمه عليها. الرَّابع: أنها أخبار آحادٍ، وهذه المسائل علمية فلا يجوز أن يُحتج فيها بالأخبار. ولهذا تجد كثيرًا من هؤلاء لا يحب تبليغ النصوص النبوية أو إظهارها وإشاعتها، وقد يشترطون في أماكن يوقفونها (٣) ألَّا يُقرأ فيها أحاديث الصِّفات، وكان بعض متأخريهم ـ وهو أفضلهم عندهم (٤) ـ كَلِفًا بإعدام كتب السُّنَّة المصنَّفة في الصِّفات وكتمانها وإخفائها (٥). وبلغني عن كثيرٍ منهم أنه كان يَهُمُّ بالقيام والانصراف عند ختم «صحيح البخاري» وما (٦) فيه من التوحيد والردِّ على الجهمية، وسُمع منه الطعن في

стр. 743

محمد بن إسماعيل. وما ذنب البخاري وقد بلَّغ ما قاله رسول الله ﷺ ؟ وقال آخر من هؤلاء: «لقد شان البخاري صحيحه بهذا الذي أتى به في آخره». ومعلومٌ أن هذه مضادةٌ صريحةٌ لِمَا يحبه الله ورسوله من التبليغ عنه، حيث يقول: «لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ» (١). وقال: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» (٢). وقال: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ إِلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ؛ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» (٣). وقد ذمَّ الله في كتابه الذين يكتمون ما أنزله من البينات والهدى، وهؤلاء يختارون كتمان ما أنزله الله؛ لأنه يُخالف ما يقولونه، ويُعارض ما حكمت به عقولهم وآراؤهم. وهؤلاء الذين قال فيهم عمر: «إنهم أعداء السُّنن» (٤). يوضحه: الوجه الحادي والثمانون: أن كل من أبغض شيئًا من نصوص الوحي

стр. 744

ففيه من عداوة الله ورسوله بحسب ذلك، ومن (١) أحب نصوص الوحي ففيه من ولاية الله ورسوله بحسب ذلك. وأصل العداوة البغض، كما أن أصل الولاية الحب، قال عبد الله بن مسعود: «لا يسأل أحدكم عن نفسه غير القرآن؛ فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله، وإن كان يبغض القرآن فهو يبغض الله» (٢). ومن تأمَّل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ اَلْإِنسِ وَاَلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ اَلْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٣] وجده منطبقًا على هؤلاء أتمَّ انطباق، فإنهم يُوحي بعضهم إلى بعضٍ زخرف القول غرورًا. والزخرف هو الكلام المُزيَّن، كما يُزيَّن الشيء بالزُّخرف، وهو الذَّهب. وهو غرورٌ (٣) لأنه يغرُّ المستمع، والشُّبهات المعارضة للوحي هي كلامٌ زخرفٌ يغرُّ المستمع: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ اُلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٤]. فانظر إلى إصغاء (٤) المستجيبين لهؤلاء، ورضاهم بذلك، واقترافهم المترتب عليه، فتأمَّل. الوجه الثَّاني والثمانون (٥): وهو قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اَللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهْوَ اَلَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ اُلْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] وهذا يُبيِّن أن الحَكَم

стр. 745

بين النَّاس هو الله وحدَه بما أنزله من الكتاب المفصَّل، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَمَا اَخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اَللَّهِ﴾ [الشورى: ٨] وقال تعالى: ﴿* كَانَ اَلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اَللَّهُ اُلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ اُلْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ اَلنَّاسِ فِيمَا اَخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١١] وقال تعالى: ﴿* إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ اَلْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ اَلنَّاسِ بِمَا أَراكَ اَللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٤] وقال: ﴿* فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٤]. فقوله: ﴿أَفَغَيْرَ اَللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام: ١١٥] استفهام إنكارٍ. يقول: كيف أطلب حَكَمًا غير الله وقد أنزل كتابًا مفصَّلًا؛ فإن قوله: ﴿وَهْوَ اَلَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ اُلْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ جملةٌ في موضع الحال. وقوله: ﴿مُفَصَّلًا﴾ يُبيِّن أن الكتاب الحاكم مفصَّلٌ بيِّنٌ، ضد ما يصفه به من يزعم أن عقول الرجال وآراءهم تُعارِض بعض نصوصه، وأن نصوصه خيَّلتْ وأفهمتْ خلاف الحقِّ لمصلحة المخاطب، أو أن لها معانيَ لا تُفهم ولا يُعلم المراد منها، أو أن لها تأويلاتٍ باطلةً خلاف ما دلَّت عليه ظواهرها. فهؤلاء كلهم ليس الكتاب عندهم مفصَّلًا، بل مجملٌ مؤوَّلٌ (١)، أو لا يُعلم المراد منه، أو المراد منه (٢) خلاف ظاهره، أو إفهام خلاف الحقِّ. ثم قال: ﴿وَاَلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ اُلْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنزَلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ اَلْمُمْتَرِينَ﴾ [الأنعام: ١١٥] وذلك أن الكتاب الأول مصدقٌ للقرآن، فمن نظر فيه علم علمًا يقينيًّا أن هذا وهذا من مشكاةٍ واحدةٍ،

стр. 746

لا سيما في باب التوحيد والأسماء والصفات، فإن التوراة مطابقةٌ للقرآن في ذلك موافقةٌ له، وهذا يدل على أن ما في التوراة من ذلك ليس هو من المُبَدَّل المُحَرَّف الذي أنكره الله عليهم، بل هو من الحق الذي شهد له القرآن (١) وصدَّقه. ولهذا لم يُنكر النَّبي ﷺ عليهم ما في التوراة من الصِّفات، ولا عابهم به، ولا جعله تشبيهًا وتجسيمًا وتمثيلًا، كما فعل كثيرٌ من النُّفاة، وقالوا: اليهود أُمة التشبيه والتجسيم. ولا ذنب لهم في ذلك، فإنهم قرؤوا (٢) ما في التوراة، فالذي عابهم الله به من تأويل التحريف والتبديل لم يَعِبْهم به المعطلة النُّفاة؛ بل شاركوهم فيه، والذي استشهد الله سبحانه على نبوة رسوله به من موافقة ما عندهم من التوحيد والصفات، عابوهم به ونسبوهم فيه إلى التجسيم والتشبيه. وهذا ضدُّ ما كان عليه الرَّسول ﷺ وأصحابه، فإنهم كانوا إذا ذكروا له شيئًا من هذا ـ الذي تُسميه المعطلة تجسيمًا وتشبيهًا ـ صدَّقهم عليه وأقرَّهم ولم يُنكره، كما صدَّقهم في خبر الحبر المتفَق على صحته من حديث عبد الله بن مسعودٍ، وضحك [ق ٧١ ب] تعجبًا وتصديقًا له (٣)، وفي غير ذلك. ثم قال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَاتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام: ١١٦] فقرَّر (٤) أن ما أخبر به فهو صدقٌ، وما أمر به فهو عدلٌ. وهذا يُبيِّن (٥)

стр. 747

أن ما في النصوص من الخبر فهو صدقٌ، علينا أن نُصدِّق به، لا نُعرض عنه ولا نُعارضه، ومن دفعه أو عارضه بعقله لم يُصدِّق به، ولو صدَّقه تصديقًا مجملًا ولم يصدقه تصديقًا مفصَّلًا في أعيان ما أخبر به لم يكن مؤمنًا، ولو أقرَّ بلفظه مع جَحْد معناه أو صَرْفه إلى معانٍ أُخَر غير ما أُريد به لم يكن مُصدِّقًا؛ بل هو إلى التكذيب أقرب. الوجه الثَّالث والثمانون: أنه سبحانه أخبر أن كل حُكمٍ خالف حُكمه الذي أنزله على رسوله فهو من أحكام الهوى، لا من أحكام العقل، وهو من أحكام الجاهلية، لا من حكم العلم والهدى، فقال تعالى: ﴿وَأَنِ اِحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاَحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اَللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاَعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اُللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ اَلنَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٥١) أَفَحُكْمَ اَلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اَللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥١ - ٥٢] فأخبر أنه ليس وراء ما أنزله إلَّا اتباع الهوى الذي يُضل عن سبيله، وليس وراء حكمه إلَّا حكم الجاهلية. وكل هذه الآراء والمعقولات المخالفة لما جاء به الرَّسول هي من قضايا الهوى وأحكام الجاهلية، وإن سمَّاها أربابها بالقواطع العقلية والبراهين اليقينية، كتسمية المشركين أوثانهم وأصنامهم آلهةً، وتسمية المنافقين السعي في الأرض بالفساد وصدَّ القلوب عن الإيمان إصلاحًا وإحسانًا وتوفيقًا. وقال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاَعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اِتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اَللَّهِ إِنَّ اَللَّهَ لَا يَهْدِي اِلْقَوْمَ اَلظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠]. وقال: ﴿وَلَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ اَلَّذِي جَاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ مَا لَكَ

стр. 748

مِنَ اَللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١١٩] وقال: ﴿وَلَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ اَلظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٤] وقال: ﴿فَلِذَلِكَ فَاَدْعُ وَاَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [الشورى: ١٣] وقال: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١]. وهؤلاء وإن أقرُّوا بألفاظ الوحي فقد كذَّبوا بمعاني آياته، وجحدوا حقائقها، ولهذا اتفق السلف على تسميتهم «أهل الأهواء»، وأخبروا أن سبب ظهورهم خفاء السُّنن، كما قال عبد الله بن المبارك: «إذا خفيت السُّنَّة ظهرت الأهواء، وإذا قلَّ العلم ظهر الجفاء» (١). بل أهل الأهواء أحسن حالًا من المعارضين للوحي بعقولهم؛ فإنهم عند السلف إنما سُمُّوا أهل الأهواء لأنهم تأوَّلوا النصوص على تأويلات نزلوها على أهوائهم، وهؤلاء عارضوا بينها وبين معقولاتهم. الوجه الرَّابع والثمانون: أن من عارض نصوص الوحي بالعقل لزمه لازم من (٢) خمسة لا محيد له البتَّةَ: إمَّا تكذيبها، وإمَّا كتمانها، وإمَّا تحريفها، وإمَّا تخييلها، وإمَّا تجهيلها وهو نسبة المصدِّقين بها إلى الجهل، إمَّا البسيط وإمَّا المركب؛ وفساد اللازم يدل على فساد الملزوم (٣).

стр. 749

وبيان الملازمة أنه [ق ٧٢ أ] إذا اعتقد أن العقل يخالف ظاهرها فقد اعتقد أن ظاهرها باطلٌ ومحالٌ، فإمَّا أن يُقرَّ بلفظها وأن الرَّسول جاء به أو لا، فإن لم يُقِرَّ بذلك فهو مكذبٌ، وإن أقرَّ بألفاظها فإمَّا أن يقرَّ بأنه أراد معانيها وحقائقها أم لا، فإن أقرَّ بذلك لزمه اعتقاد التخييل فيها والخطاب الجمهوري، وإن لم يقرَّ بأنه أراد حقائقها وما دلت عليه فإمَّا أن يقول: إنه أراد خلاف ظواهرها وحقائقها أو لا. فإن قال: أراد خلاف حقائقها وظواهرها، لزم التحريف والتأويل الباطل. وإن قال: لم يرد ذلك، فإمَّا أن يقول: لم يرد بها معنًى أصلًا، بل هي بمنزلة الألفاظ المهملة التي لا معنى لها، أو يقول: أراد بها معنًى لا يفهمه ولا يعرفه. وهذا هو التجهيل. وقد ذهب إلى كل تقديرٍ من هذه التقادير طائفةٌ من النَّاس، وقد ذمَّ الله سبحانه الجميع. قال تعالى: ﴿* أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اَللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٤) وَإِذَا لَقُوا اُلَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٥) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اَللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٦) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ اَلْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٧) فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ اَلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اِللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٤ - ٧٨]. فذمَّ المُحرِّفين لكتابه، والأُميين الذين لا يعلمون منه إلَّا مجرد التلاوة ـ وهي الأماني ـ والذين يكتبون، فيكتبون الباطل ويقولون: هذا حقٌّ وهو من عند الله. وذمَّ في عدة مواضع الذين يكتمون ما أنزله من الكتاب والبينات والهدى.

стр. 750

وهذه الأنواع الأربعة المذمومة موجودة في هؤلاء المعرضين عن نصوص الوحي، المعارضين لها بآرائهم وعقولهم وأهوائهم، فإنهم تارةً يكتمون الأحاديث والآيات المخالفة لأقوالهم، ومنهم طوائف تضع أحاديث على وَفْق مذاهبهم وأهوائهم في الأصول والفروع، ويقولون هذا من عند الله، وتارةً يضعون كُتبًا بآرائهم وعقولهم وأذواقهم وخيالاتهم، ويدَّعون أنها دين [الله] (١) الذي يجب اتباعه، ويقدمونها على نصوص الوحي. وأمَّا تحريفهم للنصوص بأنواع التأويلات الفاسدة التي يُحرِّفون بها الكلم عن مواضعه فأكثر وأشهر من أن تُذكر، كتأويلات القرامطة والباطنية والفلاسفة والرَّافضة والجهمية والقدرية. وأمَّا التخييل فكثيرٌ منهم يُصرِّحون بأن الرُّسل قصدت من النصوص إفهام خلاف الحقِّ للمصلحة الجمهورية. وأمَّا التجهيل فكثيرٌ منهم يصرِّح بأن هذه النصوص لا معنى لها، وإنما هي ألفاظٌ مجردةٌ. ومَن أحسنَ منهم وأجملَ يقول: لها معانٍ استأثر الله بعلمها، ولم يجعل لنا سبيلًا إلى العلم بها. وأكثر هذه الطوائف لا يعرف الحديث ولا يسمعه، وكثيرٌ منهم لا يُصدِّق به إذا طرقَ سمعه، ثم إذا صدَّقوا به فإن تحريفهم له وإعراضهم عن معانيه أعظم من تحريف القرآن والإعراض عنه. ولهذا يُقرُّ بعض هؤلاء بما في القرآن من الصِّفات دون ما في الحديث وحده. الوجه الخامس والثمانون: أن المعارضين للوحي بآرائهم خمس طوائف:

стр. 751

طائفةٌ عارضته بعقولهم في الخبريات، وقدَّمت عليه العقل، فقالوا لأصحاب الوحي: لنا العقل ولكم النقل (١). وطائفةٌ عارضته بآرائهم وقياساتهم، فقالوا لأهل الحديث: لكم الحديث ولنا الرَّأي [ق ٧٢ ب] والقياس. وطائفةٌ عارضته بحقائقهم وأذواقهم، وقالوا: لكم الشريعة ولنا الحقيقة. وطائفةٌ عارضته بسياساتهم وتدبيرهم، فقالوا: أنتم أصحاب الشريعة ونحن أصحاب السياسة. وطائفةٌ عارضته بالتأويل الباطن، فقالوا (٢): أنتم أصحاب الظَّاهر ونحن أصحاب الباطن. ثم إن كل طائفةٍ من هذه الطوائف لا ضابط لما تأتي به من ذلك، بل ما تأتي به تبعٌ (٣) لأهوائها؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاَعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٥٠] وقال: ﴿وَأَنِ اِحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] فما هو إلَّا الوحي أو الهوى (٤)، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ اِلْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى﴾ [النجم: ٣ - ٤] فجعل النُّطق نوعين: نطقًا عن الوحي، ونطقًا عن الهوى. ثم إذا رُدَّ على كلٍّ من هؤلاء باطله رجع إلى طاغوته، وقال: في العقل ما

стр. 752

لا يقتضيه النقل. وقال الآخر: في الرَّأي والقياس ما لا يجيزه الحديث. وقال الآخر: في الذوق والحقيقة ما لا تسوغه الشريعة. وقال الآخر: في السياسة ما تمنع منه الشريعة. وقال الآخر: في الباطن ما يكذبه الظَّاهر. فباطل هؤلاء كلهم لا ضابط له، بخلاف الوحي فإنه أمر مضبوطٌ مطابقٌ لما عليه الأمر في نفسه، تلقَّاه الصَّادق المصدوق من لدن حكيمٍ عليمٍ. الوجه السَّادس والثمانون: أن الصَّحابة كانوا يستشكلون بعض النصوص فيه (١)، فيوردون إشكالاتهم على النبي ﷺ فيجيبهم عنها، وكانوا يسألونه عن الجمع بين النصوص التي يوهم ظاهرها التعارض، ولم يكن أحدٌ منهم يورد عليه معقولًا يعارض النَّصَّ البتةَ، ولا عُرف فيهم أحدٌ ـ وهم أكمل الأُمم عقولًا ـ عارَضَ نصًّا بعقله يومًا من الدهر، وإنما حكى الله سبحانه ذلك عن الكفار ـ كما تقدم (٢). وثبت في «الصحيح» (٣) عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ. فقالت عائشة يا رسول الله: أليس الله يقول: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٨] فقال: بَلَى، وَلَكِنْ ذَلِكَ الْعَرْضُ، وَمَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ». فأشكل عليها الجمع بين النصَّين حتى بيَّن لها ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ أنه لا تعارُض بينهما، وأن الحساب اليسير هو العرض الذي لا بد أن يُبيِّن الله فيه لكل عاملٍ عمله، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨] حتى إذا ظنَّ

стр. 753

أنه لن ينجو نجَّاه الله تعالى بعفوه ومغفرته ورحمته، فإذا ناقشه الحساب عذَّبه ولا بدَّ. ولمَّا قال: «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ. قالت له حفصة: أليس الله يقول: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧٠] قال: أَلَمْ تَسْمَعِي قَولَهُ تَعَالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي اِلَّذِينَ اَتَّقَوا وَّنَذَرُ اُلظَّالِمِينَ فِيهَا جُثِيًّا﴾ [مريم: ٧١]» (١). فأشكل عليها الجمع بين النصين، وظنت الورود دخولها، كما يُقال: ورد المدينة، إذا دخلها. فأجابها النبي ﷺ بأن ورود المتقين غير ورود الظَّالمين، فإن المتقين يردونها ورودًا ينجون به من عذابها، والظَّالمين يردونها ورودًا يصيرون جثيًّا (٢) فيها به، فليس الورود كالورود. وقال عمر يوم الحديبية: «ألم تكن تحدثنا أنَّا نأتي البيت ونطوف به. فقال: هَلْ قُلْتُ لَكَ: إِنَّكَ تَدْخُلُهُ الْعَامَ؟ قال: لا. قال: فَإِنَّكَ آتِيهِ، وَمُطَّوِّفٌ بِهِ» (٣). فأشكل على عمر رجوعهم عام الحديبية ولم يدخلوا المسجد الحرام ولا طافوا بالبيت، وظنَّ أن الدخول والطواف الذي بشرهم به ووعدهم النبي ﷺ [يكون ذلك العام] (٤)، فبيَّن له أن [ق ٧٣ أ] اللفظ مطلقٌ لا دليل فيه على ذلك العام بعينه، فتنزيله على ذلك العام غلطٌ، فرجع عمر، وعَلِمَ أنه غَلِطَ في فهمه. ولمَّا أنزل الله : ﴿* لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ اِلْكِتَابِ مَن

стр. 754

يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٢] قال أبو بكر الصدِّيق: «يا رسول الله جاءت قاصمة الظهر، وأيُّنا لم يعمل سوءًا؟ فقال: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَسْتَ تَنْصَبُ؟ أَلَسْتَ تَحْزَنُ؟ أَلَيْسَ يُصِيبُكَ الْأَذَى (١)؟ قال: بلى. قال: فَذَلِكَ مِمَّا تُجْزَوْنَ بِهِ» (٢). فأشكل على الصدِّيق أمرُ النجاة مع هذه الآية، وظن أن الجزاء في الآخرة ولا بدَّ، فأخبره النبي ﷺ أن جزاءه وجزاء المؤمنين بما يعملونه من السوء في الدنيا، بما يصيبهم من النَّصَب والحزن والمشقة واللأواء (٣)؛ فيكون ذلك كفارة لسيئاتهم، ولا يُعاقبون عليها في الآخرة. وهذا مثل قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٢٨] ومثل قوله: ﴿* مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اَللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٨] وقوله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥] وإن كان قوله: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٢] أعم؛ لأنه يتناول الجزاء في الدنيا والآخرة.

стр. 755

ولمَّا نزل قوله تعالى: ﴿اَلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اُلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٣] قال الصَّحابة: وأيُّنا يا رسول الله لم يلبس إيمانه بظلمٍ. قال: «ذَلِكَ الشِّرْكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ الْعَبْدِ الصَّالِحِ: ﴿إِنَّ اَلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٢]» (١). فلمَّا أشكل عليهم المراد بالظلم وظنوا أن ظلم النفس داخلٌ فيه، وأن من ظلم نفسه أيَّ ظلمٍ كان لا يكون آمنًا، أجابهم صلوات الله وسلامه عليه بأن الظلم الرَّافع للأمن والهداية على الإطلاق هو الشرك. وهذا والله هو (٢) الجواب الذي يَشفي العليل ويروي الغليل، فإن الظلم المطلق التَّامَّ هو الشرك ـ الذي هو (٣) وضع العبادة في غير موضعها ـ والأمن والهُدى المطلق هو (٤) الأمن في الدنيا والآخرة، والهُدى إلى الصراط المستقيم. فالظلم المطلق التَّامُّ [رافعٌ للأمن وللاهتداء المطلق التامِّ] (٥)، ولا يمنع ذلك أن يكون مطلق الظلم مانعًا من مطلق الأمن ومطلق الهدى، فتأمَّلْه، فالمطلق للمطلق، والحصة للحصة. ولمَّا أنزل الله سبحانه قوله: ﴿* لِّلَّهِ مَا فِي اِلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي اِلْأَرْضِ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اِللَّهُ فَيَغْفِر لِّمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّب مَّن يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] أشكل ذلك على بعض الصَّحابة، وظنوا أن ذلك من تكليفهم ما لا يطيقونه، فأمرهم النبي ﷺ أن يقابلوا النَّصَّ بالقبول

стр. 756

لا بالعصيان، فبيَّن الله بعد ذلك أنه لا يُكلف نفسًا إلَّا وُسْعَها، وأنه لا يُؤاخذهم بما نسوه وأخطؤوا فيه، وأنه لا يَحمِل عليهم إصرًا كما حمله على الذين من قبلهم، وأنه لا يُحمِّلهم ما لا طاقة لهم به، وأنهم إن قصَّروا في بعض ما أُمروا به أو نُهوا عنه ثم استعفوه واستغفروه عفا عنهم وغفر لهم ورحمهم. فانظر ماذا أعطاهم الله لمَّا قابلوا خبره بالرضا والتسليم والقبول والانقياد دون المعارضة والردِّ. ومن ذلك أن عائشة لمَّا سمعت قوله ﷺ : «إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» عارضته بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ (١) [الأنعام: ١٦٦] ولم تعارضه بالعقل، بل غلَّطت الرَّاوي. والصواب عدم المعارضة وتصويب الرواة؛ فإنهم (٢) ممَّن لا يُتَّهم، وهم عمر (٣) وابنه (٤) والمغيرة بن شعبة (٥) وغيرهم. والعذاب الحاصل للميت [ق ٧٣ ب] ببكاء أهله عليه هو تألمه وتأذيه ببكائهم عليه، والوزر المنفي حمل غير صاحبه له هو عقوبة البريء وأخذه بجريمة غيره، وهذا لا ينفي تأذي البريء السليم بمصيبة غيره (٦). فالقوم لم يكونوا يُعارضون النصوص بعقولهم وآرائهم، وإن كانوا يطلبون الجمع بين نصين يُوهم ظاهرهما التعارض (٧). ولهذا لمَّا عارض

стр. 757

بلال بن عبد الله قوله ﷺ : «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ». برأيه وعقله، وقال: والله لنمنعهنَّ؛ أقبل عليه أبوه عبد الله فسبَّه سبًّا ما سبَّه مثله، وقال: أُحدِّثك عن رسول الله ﷺ وتقول: والله لنمنعهنَّ (١). ولمَّا حدَّث عمران بن حصين عن النبي ﷺ بقوله: «إِنَّ الْحَيَاءَ خَيْرٌ كُلُّهُ»، فعارضه مُعارِضٌ بقوله: إن منه وقارًا ومنه ضعفًا، فاشتد (٢) غضب عمران بن حصين، وقال: أُحدِّثك عن رسول الله ﷺ وتقول إن (٣) منه كذا ومنه كذا (٤). وظنَّ أن المُعارِض زنديقٌ، فقيل له: يا أبا نُجَيد (٥): إنه لا بأس به. ولمَّا حدث عبادة بن الصَّامت بقول النبي ﷺ : «الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ … » الحديث، قال معاوية: ما أرى بهذا بأسًا، يعني بيع آنية الفضة بالفضة متفاضلًا. غضب عبادة وقال: تراني أقول قال رسول الله ﷺ ، وتقول: ما أرى بهذا بأسًا، لا أساكنك بأرضٍ أنت بها أبدًا (٦). ومعاوية لم يُعارض النص بالرَّأي، وكان أتقى لله من ذلك، وإنما خصَّص عمومه وقيَّد مطلقه بهذه الصورة وما شابهها، ورأى أن التفاضل في مقابل أثر الصنعة، فلم يدخل في الحديث، وهذا ممَّا يسوغ فيه الاجتهاد؛

стр. 758

وإنما أنكر عليه عبادة مقابلته لما رواه بهذا الرَّأي. ولو قال له: نعم حديث رسول الله ﷺ على الرَّأس والعين (١) ولا يجوز مخالفته بوجهٍ، ولكن هذه الصورة لا تدخل في لفظه؛ فإنه إنما قال: «الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ»، وهذه الزيادة ليست في مقابلة الفضة، وإنما هي في مقابلة الصنعة، ولا تذهب الصنعة هدرًا (٢) = لما أنكر عليه عبادة، فإن هذا من تمام فهم النصوص وبيان ما أُريد بها. كما أنه هو (٣) ومعاذ بن جبل (٤) وغيرهما من الصَّحابة لمَّا وَرَّثوا المسلم من الكافر ولم يورثوا الكافر من المسلم، لم (٥) يعارضوا قوله: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» (٦) بآرائهم وعقولهم، بل قيَّدوا مطلق هذا اللفظ، أو خصُّوا عمومه، وظنُّوا أن المراد به الحربي، كما فعل ذلك بعض الفقهاء بقوله: «لا يُقتل مسلمٌ بكافرٍ» (٧) حيث حملوه على الحربي دون الذِّمي والمعاهد. والصَّحابة في ذلك التقييد والتخصيص أعذر

стр. 759

من هؤلاء من وجوهٍ كثيرةٍ ليس هذا موضعها (١). وقد كان السلف يشتد عليهم معارضة النصوص بآراء الرِّجال، ولا يُقرُّون المعارِض على ذلك. وكان عبد الله بن عباسٍ يحتج في مسألة متعة الحج بسُنة رسول الله ﷺ وأمره لأصحابه بها، فيقولون له: إن أبا بكر وعمر أفردا الحج، ولم يتمتعا. فلمَّا أكثروا عليه قال: «يوشك أن تنزل عليكم حجارةٌ من السماء. أقول لكم: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر» (٢). فرحم الله ابن عباسٍ كيف لو رأى أقوامًا يُعارضون قول الله ورسوله بقول أرسطو وأفلاطون وابن سينا والفارابي وجهم بن صفوان وبشر المريسي وأبي الهذيل العلاف وأضرابهم؟! ولقد سُئل عبد الله بن عمر عن متعة الحجِّ فأمر بها، فقيل له: إن أباك نهى عنها. فقال: إن أبي لم يرد ما تقولون. فلمَّا أكثروا عليه، قال: أفرسول الله ﷺ أحق أن تتبعوا أمْ عمر (٣)؟!

стр. 760

ولمَّا حدَّث حميدٌ عن ثابتٍ عن أنسٍ عن النبي ﷺ في تفسير قوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣] قال: وضع إصبعه على طرف (١) خِنصِره فساخ الجبل = أنكر عليه بعض الحاضرين، وقال: أتحدث بهذا؟ فضرب حميدٌ في صدره، وقال: أُحدِّثك عن ثابتٍ عن أنسٍ عن النبي ﷺ وتقول: أتحدث بهذا (٢)؟!

стр. 761

وهذا كثيرٌ عنهم (١) جدًّا، لا يتسع له هذا الموضع. فكانت نصوص رسول الله ﷺ أَجَلَّ في صدورهم وأعظم في قلوبهم من أن يعارضوها بقول أحدٍ من النَّاس كائنًا من كان، ولا يثبت قدم الإيمان إلَّا على ذلك، وفتحُ باب هذه المعارضة الباطلة سدٌّ لباب الإيمان، والله المستعان. الوجه السَّابع والثمانون: أن حقيقة قول المعارضين بين النصوص الإلهية النبوية وآراء الرجال وتقديم الآراء عليها ألَّا يُحتج بالقرآن والسُّنَّة على [ق ٧٤ أ] شيءٍ من المسائل العلمية، بل ولا يُستفاد التصديق الجازم بشيءٍ من أخبار الله ورسوله البتةَ. فإذا جاز أن يكون فيما أخبر الله به ورسوله في الكتاب والسُّنَّة أخبارٌ يُعارضها صريح العقل، ويجب تقديم العقل عليها، من غير بيانٍ من الله ورسوله للحق الذي يُطابق مدلول العقل، ولا لمعاني تلك الأخبار المناقضة لصريح العقل. فالإنسان لا يخلو من حالين: فإنه إذا سمع النصوص التي أخبر الله ورسوله فيها عمَّا لا يُدركه عقله فإمَّا أن يقدَّر أن له رأيًا مخالفًا للنصِّ، أو ليس له رأيٌ يخالفه. فإن كان عنده معقولٌ ـ بزعمه ـ يناقض خبر الله ورسوله قدَّم معقوله (٢) وألقى خبر الله ورسوله، وحينئذٍ فكل من اقتضى عقله مناقضة خبر من أخبار الله ورسوله قدَّم عقله، ولم يستفد بخبر الرَّسول العلم بثبوت (٣) مخبره، ولم

стр. 762

يستفد منه فائدةً علميةً، بل غايته أن يستفيد إتعاب قلبه، وإعمال فكره فيما يحتمله ذلك اللفظ من المعاني التي لا يدل عليها الخطاب، ليصرف دلالة الخطاب إليها، ومعلوم أن المقصود من الخطاب الإفهام، وهذا لم يستفد من الخطاب الإفهام، ولا الصواب، فإنَّ الحق إنما استفاده من عقله، والمعنى الذي دلَّ عليه الخطاب الدلالةَ المألوفة لم يُقصد بالخطاب إفهامه، والمعنى البعيد ـ الذي صَرف اللفظ إليه وحمله عليه ـ هو عالمٌ بثبوته بدون الخطاب، فلم يكن في خطاب الله ورسوله عند هؤلاء فائدةٌ علميةٌ البتة. ولقد صرَّحوا بهذا، وقالوا: المقصود تعريض متأوليه للثواب. ومضمون هذا أن نصوص الوحي إنما أفادت تضليل الإنسان، وإتعاب الأذهان، والتفريق بين أهل الإيمان. وإلقاء العداوة بينهم والشنآن، وتمكين أهل الإلحاد من الطعن في القرآن والإيمان، هذا إن كان في عقله معارضٌ لخبر الله ورسوله. وإن لم يكن عنده معقولٌ يُعارض النصوص لم يَجزم بأنه ليس في عقول جميع النَّاس ما يُعارض ذلك الخبر، وعدم العلم بالمعارض لا يستلزم العلم بعدمه، فهو يجوِّز أن يكون ثَمَّ معارضٌ ولا علم له به. وهذا يمنع الجزم بالتصديق قطعًا، كما تقدَّم التنبيه عليه (١). فظهر أن هذه الطريقة تمنع التصديق الجازم بما (٢) أخبر به الرَّسول من الغيب، وتحول بين القلب وبين الإيمان.

стр. 763

وسر (١) المسألة أنه متى جُوِّز أن يكون في العقل ما يناقض خبر الله ورسوله امتنع منه الإيمان الجازم. والإيمان اليقيني الجازم وهذا التجويز لا يجتمعان أبدًا. يوضحه: الوجه الثَّامن والثمانون: أن المعقولات ليس لها ضابطٌ يضبطها، ولا هي منحصرة في نوعٍ معينٍ، فإنه ما من أُمة من الأُمم إلَّا ولهم عقليات يختصون بها، فللفُرْس عقلياتٌ، وللهند عقلياتٌ، ولليونان عقلياتٌ، وللمجوس عقلياتٌ، وللصابئة عقلياتٌ. بل كل طائفةٍ من هذه الطوائف ليسوا متفقين على العقليات، بل بينهم فيها من الاختلاف والتباين ما هو معروفٌ عند المعتنين به. ونحن نُعفيكم من هذه (٢) المعقولات واضطرابها، ونحاكمكم إلى المعقولات التي في هذه الأُمة، فإنه ما من مدةٍ من المدد إلَّا (٣) وقد ابتُدعت فيها بدعٌ يزعم أربابها أن العقل دلَّ عليها، ونحن نسوق لك الأمر من أوله إلى أن يصل إليك ـ بعون الله وحُسن توفيقه ـ فنقول: لمَّا أظلمت الأرض، وبعُد عهد أهلها بنور الوحي، وتفرقوا في الباطل فرقًا وأحزابًا، لا يجمعهم جامعٌ، ولا يحصيهم إلَّا الذي خلقهم، فإنهم فقدوا نور النبوة، ورجعوا إلى مجرد العقول، فكانوا كما قال النبي ﷺ فيما يروي عن ربه أنه قال: «إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ (٤) عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا

стр. 764

بِي مَا لَمْ أُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا. وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ» (١). فكان أهل العقول كلهم في مقته إلَّا بقايا متمسكين بالوحي، فلم يستفيدوا بعقولهم حين فقدوا نور الوحي إلَّا عبادة الأوثان أو الصلبان أو النيران أو الكواكب والشمس والقمر، أو (٢) الحيرة والشك، أو السحر، أو تعطيل الصَّانع والكفر به، فاستفادوا بها مقت الربِّ سبحانه لهم، وإعراضه عنهم. فأطلع الله شمس الرِّسالة في تلك الظُّلَم سراجًا منيرًا، وأنعم بها على أهل الأرض في عقولهم وقلوبهم، ومعاشهم ومعادهم، نعمة لا يستطيعون لها شكورًا ـ فأبصروا بنور الوحي ما لم يكونوا بعقولهم يبصرونه، [ق ٧٤ ب] ورأوا في ضوء الرِّسالة ما لم يكونوا بآرائهم يرونه. فكانوا كما قال الله تعالى: ﴿اِللَّهُ وَلِيُّ اُلَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ اَلظُّلُمَاتِ إِلَى اَلنُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقال: ﴿الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ اَلنَّاسَ مِنَ اَلظُّلُمَاتِ إِلَى اَلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ اِلْعَزِيزِ اِلْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١ - ٢] وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا اَلْكِتَابُ وَلَا اَلْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٤٩] وقال: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي اِلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي اِلظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٣]. فمضى الرعيل الأول في ضوء ذلك النُّور لم تطفئه عواصف الأهواء،

стр. 765

ولم تلتبس به ظُلَم الآراء، وأوصوا من بعدهم ألَّا يُفارقوا (١) النُّور الذي اقتبسوه منهم، وألَّا يخرجوا عن طريقهم. فلمَّا كان في أواخر عصرهم حدثت الشيعة والخوارج والقدرية والمرجئة، فبعدوا عن النُّور الذي كان عليه أوائل الأُمة (٢). ومع هذا فلم يفارقوه بالكلية، بل كانوا للنصوص معظِّمين، وبها مستدلين، ولها على العقول والآراء مقدِّمين، ولم يَدَّعِ أحدٌ منهم أن عنده عقليات تعارض النصوص، وإنما أُتوا من سُوء الفهم فيها، والاستبداد بما ظهر لهم منها دون مَن قبلهم، ورأوا أنهم إن اتبعوهم (٣) كانوا مقلِّدين لهم، فصاح بهم من أدركهم من الصَّحابة وكبار التَّابعين من كل قُطرٍ، ورموهم بالعظائم، وتبرؤوا منهم، وحذَّروا من سبيلهم أشد التحذير، وكانوا لا يرون السلام عليهم، ولا مجالستهم. وكلامهم فيهم معروفٌ في كتب السُّنَّة، وهو أكثر من أن يُذكر هاهنا. فلمَّا كثرت الجهمية ـ في أواخر عصر التَّابعين ـ كانوا هم أول من عارض الوحي بالرَّأي، ومع هذا كانوا قليلين أذلاء مقموعين مذمومين عند الأُمة. وأولهم وشيخهم الجعد بن درهم. وإنما نفق (٤) عند النَّاس بعضَ الشيء لأنه كان معلم مروان بن محمد وشيخه، ولهذا كان يُسمَّى مروان الجعدي، وعلى رأسه سلب الله بني أمية الملك والخلافة، وشتتهم في البلاد، ومزقهم كل ممزقٍ ببركة شيخ المعطلة النُّفاة. فلمَّا اشتهر أمره في المسلمين طلبه (٥)

стр. 766

خالد بن عبد الله القسري ـ وكان أميرًا على العراق ـ حتى ظفر به، فخطب النَّاس في يوم الأضحى، وكان آخر ما قال في خطبته: «أيها النَّاس، ضَحُّوا تقبَّل الله ضحاياكم، فإني مضحٍّ بالجعد بن درهم، فإنه زعم أن الله لم يُكلِّم موسى تكليمًا، ولم يتخذ إبراهيم خليلًا. تعالى الله عمَّا يقول الجعد علوًّا كبيرًا. ثم نزل فذبحه في أصل المنبر؛ فكان ضحيَّته (١)» (٢). ثم طفئت تلك البدعة، فكانت كأنها حصاة رُمي بها، والنَّاس إذ ذاك عُنُقٌ واحدٌ (٣): أن الله فوق سماواته على عرشه، بائنٌ من خلقه، موصوفٌ بصفات الكمال ونعوت الجلال، وأنه كلَّم عبده ورسوله موسى تكليمًا، وتجلَّى للجبل فجعله دكًّا هشيمًا. إلى أن جاء أول المائة الثَّالثة وولي على النَّاس عبد الله المأمون، وكان يحب أنواع العلوم، وكان مجلسه عامرًا بأنواع المتكلمين في العلوم، فغلب عليه حبُّ المعقولات، فأمر بتعريب كتب يونان، وأقدم لها المترجمين من البلاد، فعُرِّبت له، واشتغل بها النَّاس. والملك سُوقٌ ما نفق (٤) فيه جُلب

стр. 767

إليه. فغلب على مجلسه جماعة من الجهمية ـ ممَّن كان أبوه الرشيد قد أقصاهم وتتبعهم (١) بالحبس والقتل ـ فحشوا بدعة التجهُّم في أذنه وقلبه، فقبلها واستحسنها، ودعا النَّاس إليها، وعاقبهم عليها، فلم تَطُلْ مدته. فصار الأمر بعده إلى المعتصم ـ وهو الذي ضرب الإمام أحمد بن حنبل ـ فقام بالدعوة بعده، والجهمية تصوِّب فِعْله، وتدعوه إليه، وتخبره أن ذلك هو تنزيه الربِّ عن التشبيه والتمثيل والتجسيم، وهم الذين قد غلبوا على قربه ومجلسه، والقضاة والولاة منهم، فإنهم تبعٌ لملوكهم. ومع هذا فلم يكونوا يتجاسرون على إلغاء النصوص، وتقديم الآراء والعقول عليها، فإن الإسلام كان في ظهورٍ وقوةٍ، وسوق الحديث نافقةٌ، ورؤوس السُّنَّة على ظهر الأرض، ولكن كانوا على ذلك يحومون، وحوله يدندون، وأخذوا النَّاس بالرغبة والرهبة (٢)، فمِن بين أعمى مستجيبٍ، ومن بين مكرهٍ مفتدٍ (٣) نفسَه منهم بإعطاء ما سألوه، وقلبه مطمئنٌ بالإيمان. وثبَّت الله أقوامًا جعل قلوبهم في نصر دينه أقوى من الصخر، وأشد من الحديد، وأقامهم لنصر دينه [ق ٧٥ أ] وجعلهم أئمةً يقتدي بهم المؤمنون؛ لمَّا صبروا وكانوا بآياته يوقنون، فإنه بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدِّين، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَىمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]. فصبروا من الجهمية على الأذى الشديد، ولم يتركوا سُنة رسول الله ﷺ لِمَا أرغبوهم به من الوعد، ولا لِمَا (٤) ............................................

стр. 768

تهددوهم (١) به من الوعيد. ثم أطفأ الله برحمته تلك الفتنة، وأخمد تلك الكلمة، ونصر السُّنَّة نصرًا عزيزًا، وفتح لأهلها فتحًا مبينًا، حتى صُرخ (٢) بها على رؤوس المنابر، ودُعي إليها في كل بادٍ وحاضر، وصُنِّف ذلك الزمانَ في السُّنَّة ما لا يُحصيه إلَّا الله. ثم انقضى ذلك العصر وأهله، وقام بعدهم ذريتهم يدعون إلى كتاب الله وسُنة رسوله على بصيرة، إلى أن جاء ما لا قِبل لأحدٍ به، وهم جنود إبليس حقًّا، المعارضون لما جاءت به الرسل بعقولهم وآرائهم من القرامطة والباطنية والملاحدة، ودعوتهم إلى العقل المجرد، وأن أمور الرُّسل تُعارض المعقول، فهم (٣) القائمون بهذه الطريقة حقَّ القيام بالقول والفعل. فجرى على الإسلام وأهله منهم ما جرى، وكسروا عسكر الخليفة مرارًا عديدة، وقتلوا الحاجَّ قتلًا ذريعًا، وانتهوا إلى مكة، فقتلوا بها من وصل من الحاجِّ إليها، وقلعوا الحجر الأسود من مكانه، وقويت شوكتهم، واستفحل أمرهم، وعظمت بهم الرزية، واشتدت بهم البلية. وأصل طريقهم: أن الذي أخبرت به الرُّسل قد عارضه العقل، وإذا تعارض العقل والنقل قدَّمنا العقل، قالوا: فنحن أنصار العقل الدَّاعين إليه المخاصمين به المحاكمين (٤) إليه. وفي زمانهم استولى الكفار على كثيرٍ من

стр. 769

بلاد الإسلام في الشرق والغرب، وكاد الإسلام أن ينهدَّ ركنه؛ لولا دفاع الذي ضمن حفظه إلى أن يرث الأرض ومن عليها. ثم خمدت دعوة هؤلاء في المشرق، وظهرت من المغرب قليلًا قليلًا حتى استفحلت وتمكنت، واستولى أهلها على كثيرٍ من بلاد المغرب، ثم أخذوا يطوون البلاد حتى وصلوا إلى بلاد مصر، فملكوها، وبنوا بها القاهرة، وأقاموا على هذه الدعوة مُصرِّحين بها غير متحاشين (١) منها، هم وولاتهم وقضاتهم وأتباعهم. وفي زمانهم صُنِّفت «رسائل إخوان الصفا» (٢) و «الإشارات» (٣) و «الشفا» وكُتب ابن سينا، فإنه قال: كان أبي من أهل الدعوة الحاكمية. وعُطلت في زمانهم السُّنَّة وكتبها والآثار جملة إلَّا في الخفية، بحيث يكون قارئها وذاكرها وكاتبها على أعظم خطر. وشعار هذه الدعوة تقديم العقل على الوحي، واستولوا على بلاد الغَرْب (٤) ومصر والشَّام والحجاز، واستولوا على العراق سنة، وأهل السُّنَّة فيهم كأهل الذِّمَّة بين المسلمين، بل

стр. 770

كان لأهل الذِّمة من الأمان (١) والجاه والعزِّ عندهم ما لا يصل (٢) إليه أحدٌ من أهل السُّنَّة، ولا يطمع فيه. فكم أُغمدت سيوفهم في أعناق العلماء، وكم مات في سجونهم من ورثة الأنبياء، وكم ماتت بهم سُنة، وقامت بهم (٣) بدعة وضلالة (٤)! حتى استنقذ الله الأُمة والملَّة من أيديهم في أيام نور الدِّين وابن أخيه صلاح الدِّين (٥)، فأبلَّ (٦) الإسلام من علته بعدما وطَّن المسلمون أنفسهم على العزاء، وانتعش بعد طول الخمول حتى استبشر أهل الأرض والسماء، وأبدر هلاله بعد أن دخل في المُحاق (٧)، وثابَتْ إليه رُوحه بعدما بلغت التراقيَ وقيل: من راق! واستنقذ الله سبحانه بعبده وجنوده بيت المقدس من أيدي عبدة الصليب، وأخذ كلٌّ من أنصار الله ورسوله من نصرة دينه بنصيب، وعلت كلمة الإسلام والسُّنَّة، وأُذِّن بها على رؤوس الأشهاد، ونادى المنادي: يا أنصار الله لا تنكلوا (٨) عن الجهاد، فإنه أبلغ الزَّاد ليوم المعاد.

стр. 771

فعاش النَّاس في ذلك النُّور مدةً حتى استولت الظُّلمة على بلاد الشرق، وطفي نور النبوة والوحي، وقدَّموا العقول والآراء والسياسة والأذواق (١) على الوحي، وظهرت فيهم الفلسفة والمنطق وتوابعها. فبعث الله عليهم عبادًا له أولي بأسٍ شديدٍ فجاسوا خلال الدِّيار، وعاثوا في القُرى والأمصار، وكاد الإسلام أن يذهب اسمه وينمحي رَسْمُه. وكان مشار هذه الفرقة وعالمها الذي يرجعون إليه، وزعيمها الذي يُعوِّلون عليه، شيخ شيوخ المعارضين بين الوحي والعقل وإمامهم في وقته: نصير الكفر والشرك الطوسي، فلم يُعلَم في عصره أحدٌ عارض بين العقل والنقل معارضته، فرام إبطال السمع بالكلية، وإقامة الدعوة الفلسفية، وجعل «الإشارات» بدلًا عن السُّوَر والآيات، وقال: هذه عقليات [ق ٧٥ ب] قطعية برهانية، قد عارضت تلك النقليات الخطابية. واستعرض علماء الإسلام وأهل القرآن والسُّنَّة على السيف، فلم يُبق منهم إلَّا من أعجزه؛ قصدًا لإبطال الدعوة الإسلامية، وجعل مدارس المسلمين وأوقافهم للبخشية (٢) السَّحَرة والمنجمين والفلاسفة والملاحدة والمنطقيين، ورام إبطال الأذان، وتحويل الصلاة إلى القطب الشمالي، فحال بينه وبين ذلك من تكفَّل بحفظ الإسلام ونصره. وهذا كله من ثمرة المعارضين بين الوحي والعقل وتقديم العقل على

стр. 772

السمع. ولتكن قصة شيخ هؤلاء القديم (١) منك على ذُكْرٍ كلَّ وقتٍ؛ فإنه أول من عارض بين العقل والنقل، وقدَّم العقل، فكان من أمره ما قصَّ الله عليك. وورَّث هذا الشيخُ تلامذتَه هذه المعارضة، فلم يزل يجري على الأنبياء وأتباعهم منها كل محنةٍ وبليةٍ. وأصل كل بليةٍ في العالم ـ كما قال محمد الشهرستاني (٢) ـ: من معارضة النص بالرَّأي، وتقديم الهوى على الشرع. والنَّاس إلى اليوم في شرور هذه المعارضة وشؤم عاقبتها، فإلى الله المشتكى وبه المستعان. ثم إنه خرج مع هذا الشيخ المتأخر (٣) المعارض بين العقل والنقل أشياء لم تكن تُعرف قبله، جُست (٤) العميدي، وحقائق ابن عربي، وتشكيكات الرَّازي. وقام سوق الفلسفة والمنطق وعلوم أعداء الرُّسل التي فرحوا بها لمَّا جاءتهم رسلهم بالبينات، وصارت الدولة والدعوة لأرباب هذه العلوم. ثم نظر الله إلى عباده وانتصر لكتابه ودينه، وأقام جندًا تغزو ملوك هؤلاء

стр. 773

بالسيف والسنان، وجندًا تغزو علماءهم بالحجة والبرهان. ثم نبغت نابغةٌ منهم في رأس القرن الثَّامن (١)، فأقام الله لدينه شيخ الإسلام أبا العباس ابن تيميَّة ـ قدَّس الله روحه ـ فأقام على غزوهم مدة حياته، باليد والقلب واللسان، وكشف للناس باطلهم، وبيَّن تلبيسهم وتدليسهم، وقابلهم بصريح المعقول، وصحيح المنقول، وشفى واشتفى. وبيَّن مناقضتهم ومفارقتهم لحكم العقل، الذي به يُدِلُّون، وإليه يدعون، وأنهم أترك النَّاس لأحكامه وقضاياه، فلا وحي ولا عقل، فأرداهم في حُفَرهم، ورشقهم بسهامهم. وبيَّن أن صحيح معقولاتهم خَدَمٌ لنصوص الأنبياء، شاهدة لها بالصحة. وتفصيل هذه الجملة موجودة في كتبه، فمن نصح نفسه ورغب عن قوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] يتبيَّن له حقيقة الأمر: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اِللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ [النور: ٣٩]. والمقصود أن كل بليةٍ طرقت العالم عامَّةً أو خاصَّةً فأصلها من معارضة الوحي بالعقل، وتقديم الهوى على الأمر، والمعصوم من عصمه الله. الوجه التَّاسع والثمانون: أنه قد ثبت بالعقل الصريح والنقل الصحيح ثبوت صفات الكمال للربِّ سبحانه، وأنه أحق بالكمال من كل ما سواه، وأنه يجب أن تكون القوة كلها له، والعزة كلها له، والعلم كله له، والقدرة كلها له، والجمال كله له، وكذلك سائر صفات الكمال. وقام البرهان السمعي والعقلي على أنه يمتنع أن يشترك في الكمال التَّام اثنان، وأن الكمال التَّام

стр. 774

لا يكون إلَّا لواحدٍ. وهاتان مقدمتان يقينيتان معلومتان بصريح العقل، وجاءت نصوص الأنبياء مفصلةً لما في صريح العقل إدراكه قطعًا، فاتفق على ذلك العقل والنقل. قال تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ اَلْعَذَابَ أَنَّ اَلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٦٤]. وقد اختُلف في تعلُّق قوله: ﴿أَنَّ اَلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ بماذا؛ فقالت طائفة: هو مفعول (١) ﴿يَرَى﴾ أي: ولو يرون أن القوة لله جميعًا لما عصوه، ولما كذَّبوا رسله، وقدَّموا عقولهم على وحيه. وقالت طائفة: بل المعنى لأن القوة لله جميعًا، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوفٌ على التقديرين، أي: لو يرى هؤلاء حالهم وما أعدَّ الله لهم إذ يرون العذاب لرأوا أمرًا عظيمًا، ثم قال: ﴿أَنَّ اَلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ وهو متضمن للتهديد الشديد والوعيد (٢). وقال تعالى: ﴿بَل لِّلَّهِ اِلْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣٢] وقال: ﴿إِنَّ اَلْأَمْرَ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]. وقال النبي ﷺ في دعاء الاستفتاح: «لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْكَ (٣)» (٤). وفي الأثر الآخر: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ، وَلَكَ الْمُلْكُ كُلُّهُ، وَبِيَدِكَ الْخَيْرُ كُلُّهُ، وَإِلَيْكَ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ» (٥). فلله سبحانه كل

стр. 775

صفة كمال، وهو موصوفٌ بتلك الصِّفة كلها. ونذكر من ذلك صفةً واحدةً تعتبر بها سائر الصِّفات، وهو أنك لو فرضت جمال الخلق كلهم من أولهم إلى آخرهم اجتمع لشخصٍ واحدٍ منهم، ثم كان الخلق كلهم على جمال ذلك الشخص؛ لكان نسبته إلى جمال [ق ٧٦ أ] الربِّ ﵎ دون نسبة سراج ضعيف إلى جِرْم الشمس. وكذلك قوَّته سبحانه وعلمه وسمعه وبصره وكلامه وقدرته ورحمته وحكمته وجوده، وسائر صفاته. وهذا ممَّا دلت عليه آياته الكونية السمعية، وأخبرت به رسله عنه، كما في «الصحيح» (١) عنه ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ (٢) مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ».
следующие страницы →