← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 184

الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 216 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

فعاش النَّاس في ذلك النُّور مدةً حتى استولت الظُّلمة على بلاد الشرق، وطفي نور النبوة والوحي، وقدَّموا العقول والآراء والسياسة والأذواق (١) على الوحي، وظهرت فيهم الفلسفة والمنطق وتوابعها. فبعث الله عليهم عبادًا له أولي بأسٍ شديدٍ فجاسوا خلال الدِّيار، وعاثوا في القُرى والأمصار، وكاد الإسلام أن يذهب اسمه وينمحي رَسْمُه. وكان مشار هذه الفرقة وعالمها الذي يرجعون إليه، وزعيمها الذي يُعوِّلون عليه، شيخ شيوخ المعارضين بين الوحي والعقل وإمامهم في وقته: نصير الكفر والشرك الطوسي، فلم يُعلَم في عصره أحدٌ عارض بين العقل والنقل معارضته، فرام إبطال السمع بالكلية، وإقامة الدعوة الفلسفية، وجعل «الإشارات» بدلًا عن السُّوَر والآيات، وقال: هذه عقليات [ق ٧٥ ب] قطعية برهانية، قد عارضت تلك النقليات الخطابية. واستعرض علماء الإسلام وأهل القرآن والسُّنَّة على السيف، فلم يُبق منهم إلَّا من أعجزه؛ قصدًا لإبطال الدعوة الإسلامية، وجعل مدارس المسلمين وأوقافهم للبخشية (٢) السَّحَرة والمنجمين والفلاسفة والملاحدة والمنطقيين، ورام إبطال الأذان، وتحويل الصلاة إلى القطب الشمالي، فحال بينه وبين ذلك من تكفَّل بحفظ الإسلام ونصره. وهذا كله من ثمرة المعارضين بين الوحي والعقل وتقديم العقل على

стр. 772

السمع. ولتكن قصة شيخ هؤلاء القديم (١) منك على ذُكْرٍ كلَّ وقتٍ؛ فإنه أول من عارض بين العقل والنقل، وقدَّم العقل، فكان من أمره ما قصَّ الله عليك. وورَّث هذا الشيخُ تلامذتَه هذه المعارضة، فلم يزل يجري على الأنبياء وأتباعهم منها كل محنةٍ وبليةٍ. وأصل كل بليةٍ في العالم ـ كما قال محمد الشهرستاني (٢) ـ: من معارضة النص بالرَّأي، وتقديم الهوى على الشرع. والنَّاس إلى اليوم في شرور هذه المعارضة وشؤم عاقبتها، فإلى الله المشتكى وبه المستعان. ثم إنه خرج مع هذا الشيخ المتأخر (٣) المعارض بين العقل والنقل أشياء لم تكن تُعرف قبله، جُست (٤) العميدي، وحقائق ابن عربي، وتشكيكات الرَّازي. وقام سوق الفلسفة والمنطق وعلوم أعداء الرُّسل التي فرحوا بها لمَّا جاءتهم رسلهم بالبينات، وصارت الدولة والدعوة لأرباب هذه العلوم. ثم نظر الله إلى عباده وانتصر لكتابه ودينه، وأقام جندًا تغزو ملوك هؤلاء

стр. 773

بالسيف والسنان، وجندًا تغزو علماءهم بالحجة والبرهان. ثم نبغت نابغةٌ منهم في رأس القرن الثَّامن (١)، فأقام الله لدينه شيخ الإسلام أبا العباس ابن تيميَّة ـ قدَّس الله روحه ـ فأقام على غزوهم مدة حياته، باليد والقلب واللسان، وكشف للناس باطلهم، وبيَّن تلبيسهم وتدليسهم، وقابلهم بصريح المعقول، وصحيح المنقول، وشفى واشتفى. وبيَّن مناقضتهم ومفارقتهم لحكم العقل، الذي به يُدِلُّون، وإليه يدعون، وأنهم أترك النَّاس لأحكامه وقضاياه، فلا وحي ولا عقل، فأرداهم في حُفَرهم، ورشقهم بسهامهم. وبيَّن أن صحيح معقولاتهم خَدَمٌ لنصوص الأنبياء، شاهدة لها بالصحة. وتفصيل هذه الجملة موجودة في كتبه، فمن نصح نفسه ورغب عن قوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] يتبيَّن له حقيقة الأمر: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اِللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ [النور: ٣٩]. والمقصود أن كل بليةٍ طرقت العالم عامَّةً أو خاصَّةً فأصلها من معارضة الوحي بالعقل، وتقديم الهوى على الأمر، والمعصوم من عصمه الله. الوجه التَّاسع والثمانون: أنه قد ثبت بالعقل الصريح والنقل الصحيح ثبوت صفات الكمال للربِّ سبحانه، وأنه أحق بالكمال من كل ما سواه، وأنه يجب أن تكون القوة كلها له، والعزة كلها له، والعلم كله له، والقدرة كلها له، والجمال كله له، وكذلك سائر صفات الكمال. وقام البرهان السمعي والعقلي على أنه يمتنع أن يشترك في الكمال التَّام اثنان، وأن الكمال التَّام

стр. 774

لا يكون إلَّا لواحدٍ. وهاتان مقدمتان يقينيتان معلومتان بصريح العقل، وجاءت نصوص الأنبياء مفصلةً لما في صريح العقل إدراكه قطعًا، فاتفق على ذلك العقل والنقل. قال تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ اَلْعَذَابَ أَنَّ اَلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٦٤]. وقد اختُلف في تعلُّق قوله: ﴿أَنَّ اَلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ بماذا؛ فقالت طائفة: هو مفعول (١) ﴿يَرَى﴾ أي: ولو يرون أن القوة لله جميعًا لما عصوه، ولما كذَّبوا رسله، وقدَّموا عقولهم على وحيه. وقالت طائفة: بل المعنى لأن القوة لله جميعًا، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوفٌ على التقديرين، أي: لو يرى هؤلاء حالهم وما أعدَّ الله لهم إذ يرون العذاب لرأوا أمرًا عظيمًا، ثم قال: ﴿أَنَّ اَلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ وهو متضمن للتهديد الشديد والوعيد (٢). وقال تعالى: ﴿بَل لِّلَّهِ اِلْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣٢] وقال: ﴿إِنَّ اَلْأَمْرَ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]. وقال النبي ﷺ في دعاء الاستفتاح: «لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْكَ (٣)» (٤). وفي الأثر الآخر: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ، وَلَكَ الْمُلْكُ كُلُّهُ، وَبِيَدِكَ الْخَيْرُ كُلُّهُ، وَإِلَيْكَ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ» (٥). فلله سبحانه كل

стр. 775

صفة كمال، وهو موصوفٌ بتلك الصِّفة كلها. ونذكر من ذلك صفةً واحدةً تعتبر بها سائر الصِّفات، وهو أنك لو فرضت جمال الخلق كلهم من أولهم إلى آخرهم اجتمع لشخصٍ واحدٍ منهم، ثم كان الخلق كلهم على جمال ذلك الشخص؛ لكان نسبته إلى جمال [ق ٧٦ أ] الربِّ ﵎ دون نسبة سراج ضعيف إلى جِرْم الشمس. وكذلك قوَّته سبحانه وعلمه وسمعه وبصره وكلامه وقدرته ورحمته وحكمته وجوده، وسائر صفاته. وهذا ممَّا دلت عليه آياته الكونية السمعية، وأخبرت به رسله عنه، كما في «الصحيح» (١) عنه ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ (٢) مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ».

стр. 776

فإذا كانت سُبحات وجهه الأعلى لا يقوم لها شيءٌ من خلقه، ولو كشف حجابَ النور عن تلك السُّبحات لاحترق العالم العُلوي والسُّفلي، فما الظنُّ بجلال ذلك الوجه الكريم وعظمته وكبريائه وكماله وجلاله؟! وإذا كانت السماوات مع عظمتها وسعتها يجعلها على إصبع من أصابعه، والأرض على إصبع، والجبال على إصبع، والبحار على إصبع (١)، فما الظن باليد الكريمة التي هي صفة من صفات ذاته؟! وإذا كان يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات، على تفنُّن الحاجات، في أقطار الأرض والسماوات، فلا يشتبه عليه ولا يختلط ولا يلتبس ولا يغلطه سمعٌ عن سمعٍ (٢). ويرى دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، تحت أطباق الأرض في الليلة الظلماء. ويعلم ما تُسِرُّه القلوب وأخفى منه، وهو ما لم يخطر لها أنه (٣) سيخطر لها. ولو كان البحر المحيط بالعالم مدادًا ويحيط به من بعده سبعة أبحر كلها مداد وجميع أشجار الأرض ـ وهو كل نبتٍ قام على ساقٍ ممَّا يُحصد وممَّا لا يُحصد ـ أقلام يُكتب بها، نَفِدَتِ البحار والأقلام ولم ينفد كلامه.

стр. 777

وهذا وغيره بعض ما تَعرَّف به إلى عباده من كماله (١)، وإلَّا فلا يمكن أحدًا قط أن يُحصي ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، فكل الثناء وكل الحمد وكل المجد وكل الكمال له سبحانه. هذا الذي وصلت إليه عقول أهل الإثبات، وتلقَّوْه عن الرَّسول، ولا يحتاجون في ثبوت علمهم وجزمهم بذلك إلى الجواب عن الشُّبه القادحة في ذلك، وإذا وردت عليهم لم تقدح فيما علموه وعرفوه ضرورةً من كون ربهم ﵎ كذلك وفوق ذلك. فلو قال لهم قائل: هذا الذي علمتموه لا يثبت إلَّا بجواب عمَّا عارضه من العقليات، قالوا لقائل هذه المقالة: هذا كذبٌ وبهتٌ؛ فإن الأمور الحسية والعقلية واليقينية قد وقع فيها شبهاتٌ كثيرةٌ تُعارض ما عُلم بالحسِّ والعقل، فلو توقف علمنا بذلك على الجواب عنها وحلِّها لم يثبت لها ولا لأحدٍ علمٌ بشيءٍ من الأشياء، ولا نهاية لما تقذف به النفوس من الشُّبه، وهي من جنس الوساوس والخطرات والخيالات التي لا تزال تحدث في النفوس شيئًا فشيئًا. بل إذا جزمنا بثبوت الشيء جزمنا ببطلان ما يُناقض ثبوته، ولم يكن ما يُقدر من الشُّبه الخيالية على نقيضه مانعًا من جزمنا به، ولو كانت الشُّبه ما كانت، فما من موجود يدركه الحسُّ إلَّا ويمكن كثيرًا من النَّاس أن يقيم على عدمه شُبهًا كثيرةً يعجز السَّامع عن حلها. ولو شئنا لذكرنا لك طرفًا منها تعلم أنه أقوى من شُبه الجهمية النُّفاة لعلو الربِّ على خلقه وكلامه وصفاته. وقد رأيت أو سمعت ما أقامه كثيرٌ من المتكلمين من الشُّبه على أن

стр. 778

الإنسان تُبدَّل نفسه النَّاطقة (١) في السَّاعة الواحدة أكثر من ألف مرةٍ (٢)، وكل لحظة تذهب روحه وتفارق، وتحدث له روحٌ أخرى غيرها هكذا أبدًا. وما أقاموه من الشُّبه على أن السماوات والأرض والجبال والبحار تتبدل كل لحظةٍ ويخلفها غيرها. وما أقاموه من الشُّبه على أن رُوح الإنسان ليست فيه ولا خارجة عنه، وزعموا أن هذا أصحُّ المذاهب في الرُّوح. وما أقاموه من الشُّبه على أن الإنسان إذا انتقل من مكانٍ إلى مكانٍ لم يمر على تلك الأجزاء التي بين مبدأ حركته ونهايتها ولا قطعها ولا حاذاها، وهي مسألة طفرة النظَّام (٣). وأضعاف أضعاف ذلك. وهؤلاء طائفة الملاحدة من الاتحادية كلهم يقول: إن ذات الخالق هي عين ذات المخلوق، لا فرق بينهما البتةَ، وأن الاثنين واحدٌ، وإنما الحس والوهم يغلط في التعدد. ويقيمون على ذلك شُبهًا كثيرةً قد نظمها ابن الفارض في «قصيدته» (٤) وذكرها صاحب «الفتوحات» في

стр. 779

«فصوصه» (١) وغيرهما. وهذه الشُّبَه كلها من وادٍ واحدٍ، ومشكاةٍ واحدةٍ، وخزانةٍ واحدةٍ، وهي مشكاة الوساوس، وخزانة الخيال، فلو لم [ق ٧٦ ب] نجزم بما علمناه إلَّا بعد التعرض لتلك الشُّبَه على التفصيل وحلِّها والجواب عنها لم يثبت لنا علمٌ بشيءٍ أبدًا. فالعاقل إذا علم أن هذا الخبر صادقٌ علم أن كل ما عارضه فهو كذبٌ، ولم يَحتَجْ أن يعرف أعيان الأخبار المعارضة له ولا وجوهها، وبالله المستعان. الوجه التسعون: أن هؤلاء المعارضين لنصوص الوحي بعقولهم ليس عندهم علمٌ ولا هدًى ولا كتابٌ مبينٌ، فمعارضتهم باطلةٌ، وهم فيها أتباع كل ﴿شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ اِلسَّعِيرِ﴾ [الحج: ٣ - ٤] فهذه حال كل من عارض آيات الله بمعقوله، ليس عنده إلَّا الجهل والضلال، ورتَّب سبحانه هذه الأمور الثلاثة أحسن ترتيب، فبدأ بالأعم وهو العلم، وأخبر أنه لا علم عند المعارض لآياته بعقله (٢)، ثم انتقل منه إلى ما هو أخص، وهو الهدى، ثم انتقل إلى ما هو أخص، وهو الكتاب المبين؛ فإن العلم أعم ممَّا يُدرك بالعقل والسمع والفطرة، وأخص منه الهدى

стр. 780

الذي لا يُدرك إلَّا من جهة الرُّسل، وأخص منه الكتاب الذي أنزله الله على رسوله، فإن الهدى قد يكون كتابًا وقد يكون سُنةً (١). وهذه الثلاثة منتفية عن هؤلاء قطعًا. أمَّا الكتاب والهدى المأخوذ عن الرُّسل فقد قالوا: إنه لايفيد علمًا ولا يقينًا، والمعقول يعارضه. فقد أقروا أنهم ليس معهم كتابٌ ولا سُنةٌ، وبقي العلم، فهم يدَّعونه، والله تعالى قد نفاه عنهم، وقد قام البرهان والدليل العقلي المستلزم لمدلوله على صدق الربِّ في خبره، فعُلم قطعًا أن هذا الذي عارضوا به الوحي ليس بعلمٍ؛ إذ لو كان علمًا لَبَطَل دليل العقل الدَّالِّ على صدق الربِّ تعالى في خبره، فهذا يكفي في العلم بفساد كون ما عارضوا به علمًا. فكيف وقد قام الدليل العقلي الصحيح المقدمات على فساد تلك المعارضة، وأنها تخص الجهل المركب؛ فكيف وقد اتفق على فساد تلك المعارضة العقل والنقل. ونحن نطالب هؤلاء المعارضين بواحدة من ثلاثٍ: إمَّا كتابٍ مُنزَّلٍ، أو أثارةٍ من علمٍ يُؤثر عن نبيٍّ من الأنبياء، أو معقولٍ صحيح المقدمات قد اتفق العقلاء على صحة مقدماته. وهم يعلمون ـ والله شهيدٌ عليهم ـ بأنهم عاجزون عن (٢) هذا وهذا. [أفنترك] (٣) ما علمناه من كتاب ربنا، وسُنة نبينا، ونزل به جبريل من ربِّ العالمين على قلب رسوله الأمين بلسانٍ عربيٍ مبينٍ؛ لوحي الشياطين، وشُبَه الملحدين، وتأويلات المعطِّلين؟!

стр. 781

فإن قيل: فما الفرق بين الصِّنف الأول الذي يجادل في الله بغير علمٍ ويتَّبع كل شيطانٍ مريدٍ، والصنف الثَّاني الذي يجادل في الله بغير علمٍ ولا هدًى ولا كتابٍ منيرٍ، كما ذكرهم سبحانه صنفين؟ قيل: قد ذكر سبحانه ثلاثة أصناف: صنفًا يجادل في الله بغير علمٍ ويتَّبع كل شيطانٍ مريدٍ مكتوبًا عليه إضلال مَن تولاه، وهذه حال المتَّبِع لأهل الضلال. وصنفًا يجادل في الله بغير علمٍ ولا هدًى ولا كتابٍ منيرٍ ثاني عِطْفِه ليُضِلَّ عن سبيله (١)، وهذه حال المتبوع المستكبر الصادِّ عن سبيل الله. فالأول حال الأتباع، والثَّاني حال (٢) المتبوعين. ثم ذكر حال من يعبد الله على حَرْف، وهذه حال المتَّبِع لهواه، الذي إن حصل له ما يهواه من الدنيا عَبَدَ الله، وإن أصابه ما يُمتحَن به في دنياه ارتد عن دينه، وهذه حال من كان مريضًا في إرادته وقصده، وهي حال أهل الشهوات والأهواء، ولهذا ذكر ذلك في العبادة [التي] (٣) أصلها القصد والإرادة. وأمَّا الأولان فحال الضالِّ والمضل، وذلك مرضٌ في العلم والمعرفة، وهي حال أهل الشُّبهات والنظر الفاسد والجدال بالباطل. والله سبحانه

стр. 782

يحب البصر النَّافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات، ولا صلاح للعبد إلَّا بمعرفة الحقِّ وقصده، كما قال تعالى: ﴿اُهْدِنَا اَلصِّرَاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ (٥) صِرَاطَ اَلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ (٦) غَيْرِ اِلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا اَلضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٥ - ٧]. فمن لم يعرف الحقَّ كان ضالًّا، ومن عرفه ولم يَتَّبعه كان مغضوبًا عليه، ومن عرفه واتَّبعه فقد هُدي إلى الصراط المستقيم. وأول الشرِّ (١) الضلال، ومنتهاه الغضب، كما أن أول الخير الهدى، ومنتهاه الرحمة والرضوان. فذكر سبحانه في آيات الحجِّ ما يعرض في العلم من الضلال والإضلال، وما يعرض في الإرادة والعمل من اتباع الأهواء، كما جمع بينهما في قوله: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا اَلظَّنَّ وَمَا تَهْوَى اَلْأَنفُسُ وَلَقَد جَّاءَهُم مِّن رَّبِّهِمِ اِلْهُدى﴾ [النجم: ٢٣]. فقال أولًا: ﴿وَمِنَ اَلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اِللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾ [الحج: ٣]. وهذا يتضمن الجدال فيه بغير هدًى [ق ٧٧ أ] ولا كتابٍ منيرٍ، فإن من جادل بغير ذلك فقد جادل بغير علمٍ، فنفي العلم يقتضي نفي كل ما يكون علمًا بأي طريقٍ حصل، وذلك ينفي أن يكون مجادلًا بهدًى أو كتابٍ منيرٍ، هذه حال الضالِّ المتبع لمن يُضِلُّه فلم يَحتَجْ إلى تفصيل، فبيَّن أنه يجادل بغير علمٍ، ويتَّبع كل شيطانٍ مريدٍ، كُتب على ذلك الشيطان أن من اتبعه فإنه يضله ويهديه (٢) إلى عذاب السعير، وهذه حال مقلدة أئمة الضلال من الكفار وأهل الأهواء والبدع.

стр. 783

ثم ذكر حال المتبوع الذي يثني عِطْفَه تكبُّرًا؛ كما قال: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا﴾ [لقمان: ٦] وذكر التفصيل في مجادلة المتبوع الدَّاعي، وأنها (١) في الله بغير علمٍ ولا هدًى ولا كتابٍ منيرٍ. واكتفى في ذكر التَّابع بنفي العلم المستلزم لنفي هذه الثلاثة، فإن مجادلة المتبوع أصلٌ، وهو أقعد بها من مجادلة التَّابع، ومصدرها كِبْرٌ، ومصدر مجادلة التَّابع ضلالٌ وتقليدٌ، فذكر حال المتبوع على التفصيل، ولهذا ذكر فساد قصده وعلمه، وذكر من عقوبته أشد ممَّا (٢) ذكر من عقوبة التَّابع. وهذا وأمثاله من أسرار القرآن التي حرَّمها الله على من عارض بينه وبين العقل وقدَّم العقل عليه. الوجه الحادي والتسعون (٣): أن العقل ملزوم لعلمنا بالشرع ولازم له، ومعلوم أنه إذا كان اللزوم من أحد الطرفين لزم من وجود الملزوم وجود اللازم، ومن نفي اللازم نفي الملزوم، فكيف إذا كان التلازم من الجانبين. فإن هذا (٤) التلازم يستلزم أربع (٥) نتائج، إذ يلزم من ثبوت هذا الملزوم ثبوت لازمه، ومن ثبوت لازمه المساوي ثبوته، ومن نفي اللازم نفي ملزومه، ومن نفي ملزومه (٦) المساوي نفيه. وهذا شأن كل شيئين بينهما

стр. 784

تلازمٌ من الطرفين. وبيان ذلك هاهنا أنه إذا كان العقل هو الأصل الذي به عُرف صحة السمع ـ كما تقدم (١) ـ وقد بيَّنا أن العقل ليس أصلًا للسمع في ثبوته في نفس الأمر، بل هو أصلٌ في ثبوت علمنا (٢)، أي: دليل لنا على صحته. وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن الدليل يجب طرده، وهو ملزوم للمدلول عليه، فيلزم من ثبوت الدليل ثبوت المدلول عليه، ولا يجب عكسه، فلا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول، فإن المخلوقات آيات ودلائل على الخالق سبحانه يلزم من ثبوتها ثبوته، ولا يلزم من عدمها عدمه، ولا من وجوده وجودها، وكذلك الآيات الدَّالة على نبوة رسله. هذا إذا لم يكن الدليل لازمًا للمدلول عليه، فإن كان لازمًا أمكن أن يكون مدلولًا له؛ إذ المتلازمان يمكن أن يستدل بكلٍّ منهما على الآخر، مثل الحكم الشرعي الذي لا يثبت إلَّا بدليلٍ شرعيٍّ، فإنه يلزم من عدم دليله عدمه، وكذلك ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله إذا لم يُنقل فإنه يلزم من عدم نقله عدمه، وإذا كان من المعقول ما هو دليلٌ على صحة الشرع لزم من ثبوت ذلك المعقول ثبوت الشرع، ولم يلزم من ثبوت الشرع ثبوته في نفس الأمر. لكن نحن إذا لم يكن لنا طريقٌ إلى العلم بصحة الشرع إلَّا ذلك العقل لزم من علمنا بالشرع علمنا بدليله العقلي الدَّال عليه، ولزم من علمنا بذلك الدليل العقلي علمنا به، فإن العلم بالدليل يستلزم العلم بالمدلول عليه. فإذا كان صحة الشرع لا تعلم إلَّا بدليلٍ عقليٍّ فإنه يلزم من علمنا بصحة الشرع

стр. 785

علمنا بالدليل العقلي الدَّال عليه، ويلزم من علمنا بذلك الدليل العقلي علمنا بصحة الشرع، ويلزم أيضًا من ثبوت ذلك الدليل المعقول في نفس الأمر ثبوت الشرع، ولا يلزم من ثبوت الشرع ثبوت ذلك الدليل، وإذا كان العلم بصحة الشرع لازمًا للعلم بالمعقول الدَّال عليه وملزومًا له فمن الممتنع تناقض اللازم والملزوم، فضلًا عن تعارض المتلازمين. فإن المتعارضين هما المتنافيان اللذان يلزم من ثبوت أحدهما انتفاء الآخر، كالضدين والنقيضين، والمتلازمين يلزم من ثبوت كلٍّ منهما ثبوت الآخر، ومن انتفائه انتفاؤه، فكيف يكون المتلازمان متعارضين متنافيين متناقضين أو متضادين؟! فهؤلاء عمدوا إلى المتلازمين المتصادقين فأبطلوا أحدهما بالآخر، ولزم من بطلانه بطلانهما جميعًا كما تقدم بيانه (١)، وقد تبيَّن أن الدليل العقلي الذي به يُعلم صحة الشرع مستلزمٌ للعلم بصحة الشرع، ومستلزم لثبوت الشرع في نفس الأمر، وعِلْمنا بالشرع يستلزم العلم بالدليل العقلي الذي قيل إنه أصل الشرع، والعلم بصحة الشرع موقوفٌ عليه، وليس ثبوت الشرع في نفسه مستلزمًا لثبوت ذلك الدليل العقلي. فعُلم [ق ٧٧ ب] أن ثبوت الشرع في نفس الأمر أقوى من ثبوت دليله العقلي في نفس الأمر، فإن ثبوت الشرع في علمنا أقوى من ثبوت دليله العقلي، إن قيل إنه يمكن أن يُعلم صحته بغير ذلك الدليل، وإلَّا كان العلم بهذا والعلم بهذا متلازمين، وإذا كان كذلك كان القدح في الشرع قدحًا في

стр. 786

دليله العقلي على صحته بخلاف العكس، وكان القدح في الشرع قدحًا في هذا العقلي، وليس القدح في (١) هذا العقلي مستلزمًا للقدح في الشرع مطلقًا. وأمَّا ما سوى المعقول الدَّال على صحة الشرع فذلك لا يلزم من بطلانه بطلان الشرع، كما لا يلزم من صحته صحة الشرع. الوجه الثَّاني والتسعون: أن هؤلاء المعارضين بين العقل والوحي هم في الأصل فرقتان: الفلاسفة وجهمية المتكلمين، وهؤلاء لهم طريقٌ قد سلكوها، وأولئك لهم طريقٌ أخرى، وكلٌّ من الفريقين ينقض حجج الفريق الآخر، ويبيِّن فساد طريقته، ثم كل فرقةٍ منهما تنقض بعضهم حجج بعضٍ. واعتبر هذا بالرَّازي والآمدي؛ فإنهما جمعا خلاصة ما ذكره النُّفاة من أهل الفلسفة والكلام، ثم إنهما أفسدا عامة تلك الطرق التي سلكوها، فكل طائفةٍ تُبطل الطريقة العقلية التي اعتمدت عليها الأخرى، بما يظهر به بطلانها بالعقل الصريح، وليسوا متفقين على طريقةٍ واحدةٍ. وهذا يبيِّن خطأهم كلهم من وجهين: من جهة العقل الصريح الذي يبيِّن به كل قومٍ فساد ما قاله الآخرون. ومن جهة أنه ليس معهم معقولٌ اشتركوا فيه، فضلًا عن أن يكون من صريح المعقول، بل المقدمة التي تدعي طائفة من النظار صحتها تقول الأخرى هي باطلةٌ. وهذا بخلاف مقدمات أهل الإثبات الموافقة لما جاء به الرَّسول؛ فإنها

стр. 787

من العقليات التي تقبلها فطر العقلاء السليمة، بل الفطر التي لم تفسد متفقة عليها، ولا ينازع فيها إلَّا من تلقى تعلمًا من غيره، لا من موجب فطرته، فإنما يقدح فيها بمقدمةٍ تقليدية، وهو يدَّعي أنها عقلية فطرية. ومن تدبَّر ما عند المعارضين ولم يقلدهم فيه تبيَّن له أن جميع المقدمات التي ترجع إليها أدلة المعارضين إنما ترجع إلى تقليدٍ منهم لأسلافهم، لا إلى ما يُعلم بضرورة العقل ولا نظره، فهم يُعارضون ما قامت الأدلة العقلية على ثبوت تصديقه وسلامته من الخطأ بما قامت الأدلة العقلية على أنه لا يجب تصديقه، بل قد عُلم جواز الخطأ عليه، وعُلم وقوع الخطأ فيه فيما هو دون الإلهيات، فضلًا عن الإلهيات التي تُيُقِّن خطأ من خالف الرُّسل فيها بالأدلة المجملة والمفصَّلة، بل يعارضون ما يجب تصديقه بما يُعلم بصريح العقل أنه خطأ، بل يعارضون السمعيات التي يُعلم أن العقل الصريح موافقٌ لها بما يعلم العقل الصريح أنه باطلٌ. والمقصود أن الطرق التي سلكها الفلاسفة في إبطال الصِّفات والأفعال قد أفسدها عليهم المتكلمون وبيَّنوا خطأهم فيها بصريح العقل، كما هو موجود في كتب هؤلاء وهؤلاء. فانظر ما فعل أبو علي وأبو هاشم والقاضي عبد الجبار والأشعري وأبو بكر بن الباقلاني وأبو الحسين البصري والجويني والغزالي وأمثالهم بطريق الفلاسفة، وانظر ما فعل ابن سينا وابن رشد والطوسي وأمثالهم بطرق المتكلمين؛ فإنك تجد ذلك من أعظم النُّصرة للنصوص النبوية. والمثال المنطبق عليهم بعسكر الإسلام خرج عليه عسكرٌ كثيفٌ يغزونهم، فخرج على ذلك العدوِّ عدوٌّ من ورائهم، فأقبلوا إليهم واشتغلوا

стр. 788

بهم، فيصادم بعضهم بعضًا، ويكسر بعضهم سلاح بعضٍ، وعسكر الإسلام في حصنٍ من الطَّائفتين، ولكن إذا اصطلح العسكران فإنهما يصطلحون على المسلمين. ومن علم ما في الوجود تبيَّن له مطابقة هذا المثال، وبالله التوفيق. الوجه الثَّالث والتسعون: أن الطريقة التي سلكها نُفاة الصِّفات والعلو والتكليم من معارضة النصوص الإلهية بآرائهم وما يُسمُّونه معقولًا هي بعينها الطريق التي سلكها إخوانهم من الملاحدة في معارضة نصوص المعاد بآرائهم وعقولهم، ومقدماتها مقدماتها، ثم نقلوها بعينها إلى ما أُمروا به من الأعمال كالصلوات الخمس والزكاة والحج والصيام، فجعلوها للعامة دون الخاصة، فآل بهم الأمر إلى أن ألحدوا في الأصول الثلاثة التي اتفق عليها جميع الملل، وجاءت بها جميع الرُّسل، وهي الإيمان بالله [ق ٧٨ أ] واليوم الآخر والأعمال الصَّالحة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا وَاَلنَّصَارى وَاَلصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ اِلْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦١]. فهؤلاء الملاحدة يحتجون على نُفاة الصِّفات بما وافقوهم عليه من الإعراض عن نصوص الوحي ونفي الصِّفات، كما ذكر ابن سينا في «الرسالة الأضحوية» (١) فإنه قال فيها لما ذكر حجة من أثبت معاد البدن، وأن الدَّاعي لهم إلى ذلك ما ورد به الشرع من بعث الأموات، فقال: «وأمَّا أمر الشرع فينبغي أن يُعلم فيه قانونٌ واحدٌ، وهو أن الشرع والملة الآتية على لسان نبيٍّ من الأنبياء يُرام بها خطاب الجمهور كافة.

стр. 789

ثم من المعلوم الواضح أن التحقيق الذي ينبغي أن يرجع إليه في صحة التوحيد من الإقرار بالصَّانع موحدًا مقدسًا عن الكم والكيف والأين والمتى والوضع والتغير، حتى يصير الاعتقاد به أنه ذاتٌ واحدةٌ، لا يمكن أن يكون لها شريك في النوع، أو يكون لها جزءٌ وجودي كمي أو معنوي، ولا يمكن أن تكون خارجة عن العالم ولا داخلة فيه، ولا حيث تصح الإشارة إليه بأنه هنا أو هناك = ممتنع إلقاؤه إلى الجمهور، ولو أُلقيَ هذا على هذه الصورة إلى العرب العاربة أو العبرانيين الأجلاف لسارعوا إلى العناد، واتفقوا على أن الإيمان المدعو إليه إيمانٌ بمعدومٍ لا وجود له أصلًا، ولهذا ورد ما في التوراة تشبيهًا كله. ثم إنه لم يرد في الفرقان من الإشارة إلى هذا الأمر الأهم شيءٌ، ولا أتى بصريح (١) ما يحتاج إليه في التوحيد بيانٌ مفصلٌ، بل أتى بعضه على سبيل التشبيه في الظَّاهر، وبعضه جاء تنزيهًا مطلقًا عامًّا جدًّا لا تخصيص ولا تفسير له. وأمَّا الأخبار التشبيهية فأكثر من أن تُحصى، ولكن لقومٍ ألَّا يقبلوها (٢)، فإذا كان الأمر في التوحيد هكذا (٣) فكيف بما (٤) هو بعده من الأمور الاعتقادية. ولبعض النَّاس أن يقولوا: إنَّ للعرب توسُّعًا في الكلام ومجازًا، وإن الألفاظ التشبيهية مثل الوجه واليد والإتيان (٥) في ظُلل من

стр. 790

الغمام والمجيء والذهاب والضحك والحياء والغضب صحيحةٌ، ولكن هي مستعملة استعارة ومجازًا». قال: «ويدل على استعمالها غير مجازيةٍ ولا مستعارةٍ بل محققةً أن المواضع التي يوردونها حجةً في أن العرب تستعمل هذه المعاني بالاستعارات والمجاز على غير معانيها الظَّاهرة = مواضعُ في مثلها يصلح أن تُستعمل على غير هذا الوجه ولا يقع فيها تلبيس ولا تدليس. وأمَّا قوله: ﴿فِي ظُلَلٍ مِّنَ اَلْغَمَامِ﴾ (١) [البقرة: ٢٠٨] وقوله: ﴿* هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ اُلْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٩] على القسمة المذكورة وما جرى مجراه، فليس (٢) ممَّا (٣) تذهب الأوهام فيه البتة إلى أن العبارة مستعارة أو مجازية، فإن كان أُريد فيها ذلك إضمارًا فقد رضي بوقوع الغلط والتشبيه والاعتقاد المعوج بالإيمان بظاهرها تصريحًا. وأمَّا قوله: ﴿يَدُ اُللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] وقوله: ﴿مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اِللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] فهو موضع الاستعارة والمجاز والتوسع في الكلام، ولا يَشك في ذلك اثنان من فصحاء العرب، ولا يلتبس على ذي معرفةٍ في لغتهم كما يلتبس (٤) في تلك الأمثلة؛ فإن هذه الأمثلة لا تقع شبهةٌ في أنها مستعارةٌ مجازيةٌ، كذلك في تلك لا تقع شبهةٌ في أنها ليست استعارية،

стр. 791

ولا مرادًا فيها شيء غير الظَّاهر. ثم هب أن هذه كلها موجودة (١) على الاستعارة فأين التوكيد (٢) والعبارة المشيرة بالتصريح إلى التوحيد المحض الذي تدعو إليه حقيقة هذا الدِّين المعترف بجلالته على لسان حكماء العالم قاطبة». ثم قال في ضمن كلامه: «إن الشريعة الجائية على لسان نبينا جاءت أفضل ما يمكن أن تجيء عليه الشرائع وأكمله، ولهذا صلحت أن تكون خاتمة للشرائع وآخر الملل». قال: «وأين الإشارة إلى الدقيق من المعاني المشيرة إلى علم التوحيد مثل أنه عالم بالذَّات أو عالم بعلم، قادر بالذَّات أو قادر بقدرةٍ، واحد الذَّات على كثرة الأوصاف أو قابل للكثرة تعالى عنها بوجهٍ من الوجوه، متحيز الذَّات (٣) أو منزَّه (٤) عن الجهات، فإنه لا يخلو إمَّا أن تكون هذه المعاني واجبًا تحققها وإتقان المذهب الحق فيها، أو يسع الصدوف عنها وإغفال البحث والرَّوِيَّة (٥) فيها، فإن كان البحث عنها معفوًّا عنه وغلط الاعتقاد الواقع فيها غير مؤاخذٍ به؛ فجلُّ مذهب هؤلاء القوم المخاطبين بهذه الجملة تكلفٌ وعنه غنية، وإن كان فرضًا محكمًا فواجب أن يكون ممَّا صرح به في

стр. 792

الشريعة، وليس التصريح المُعمَّى أو المُلبَّس أو المقتصَر فيه بالإشارة والإيماء، بل (١) التصريح المستقصى [ق ٧٨ ب] فيه والمنبَّه عليه، والموفَّى حق البيان والإيضاح والتعريف على معانيه، فإن المبرزين (٢) المنفقين أيامهم ولياليهم وساعات عمرهم على تمرين أذهانهم وتزكية أفهامهم وترسيخ نفوسهم لسرعة الوقوف على المعاني الغامضة يحتاجون في تفهُّم (٣) هذه المعاني إلى فضل بيانٍ وشرح عبارة، فكيف غُتْم (٤) العبرانيين وأهل الوبر من العرب. لعمري لو كلف الله رسولًا من الرُّسل أن يلقي حقائق هذه الأمور إلى الجمهور من العامة الغليظة طباعهم المتعلقة بالمحسوسات الصرفة أوهامهم، ثم سامه (٥) أن ينتجز (٦) منهم الإيمان والإجابة غير متمهَّلٍ فيه، وسامه أن يتولى رياضة نفوس النَّاس قاطبة حتى يستعد للوقوف عليها = لكلَّفه شططًا، وأن يفعل ما ليس في قوة البشر، اللهم إلَّا أن تدركهم خاصة إلهية، وقوة علوية، وإلهام سماوي، فتكون حينئذٍ وساطة الرَّسول مستغنًى عنها، وتبليغه غير محتاجٍ إليه.

стр. 793

ثم هب أن الكتاب العربي جاء على لغة العرب وعبارة لسانهم في الاستعارة والمجاز، فما قولهم في الكتاب العبراني، وكله من أوله إلى آخره تشبيهٌ صرفٌ. وليس لقائلٍ أن يقول: إن ذلك الكتاب محرفٌ كله. وأنى يُحرَّفُ كليةً كتابٌ منتشرٌ (١) في أُمم لا يُطاق تعدادهم (٢)، وبلادهم متباينة وأهواؤهم (٣) متباينة، منهم يهودي ونصراني (٤)، وهم أمتان متعاديتان. فظاهر من هذا كله أن الشرائع واردة بخطاب الجمهور بما يفهمون، مقرِّبًا ما لا يفهمون إلى أفهامهم بالتمثيل والتشبيه، ولو كان غير ذلك لما أغنت الشرائع البتة». قال: «فكيف يكون ظاهر الشرائع حجة في هذا الباب ـ يعني: أمر المعاد ـ ولو فرضنا الأمور الأخروية روحانيةً غيرَ مجسمةٍ، بعيدةً عن إدراك بدائة الأذهان تحقيقها لم يكن سبيل (٥) للشرائع إلى الدعوة إليها والتحذير عنها إلَّا بالتعبير عنها بوجوهٍ من التمثيلات المقرِّبة إلى الأفهام، فكيف يكون وجود شيءٍ حجة على وجود شيءٍ آخر، لو لم يكن الشيء الآخر على الحالة المفروضة لكان الشيء الأول على حالته. فهذا كله هو الكلام على تعريف من طلب أن يكون خاصًّا من النَّاس لا عامًّا: أن ظاهر الشرائع غير محتجٍّ به في مثل هذه الأبواب».

стр. 794

فتأمَّل كلام هذا الملحد بل رأس ملاحدة الملة، ودخولَه إلى الإلحاد من باب نفي الصِّفات، وتسلطه في إلحاده على المعطلة النُّفاة بما وافقوه عليه من النفي، وإلزامَه لهم أن يكون الخطاب بالمعاد جمهوريًّا أو مجازًا واستعارة، كما قالوا في نصوص الصِّفات التي اشترك هو وهم في تسميتها تشبيهًا وتجسيمًا (١)، مع أنها أكثر تنوعًا، وأظهر معنًى، وأبين دلالة من نصوص المعاد، فإذا ساغ لكم أن تصرفوها عن ظاهرها بما لا تحتمله اللغة فصرف هذه عن ظواهرها أسهل. ثم زاد هذا الملحد عليهم باعترافه بأن نصوص الصِّفات لا يمكن حملها كلها على المجاز والاستعارة، وأن يُقال: إن المراد غير ظاهرها، وإن لذلك الاستعمال مواضع تليق به، بحيث تكون دعوى ذلك في غيرها غلطًا محضًا، كما في مثل قوله: ﴿* هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ اُلْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٩] فمع هذا التقسيم والتنويع يمتنع المجاز والاستعارة، فإنما أُريد ما دلَّ اللفظ عليه ظاهرًا، ومع هذا فقد ساعدهم على امتناعه لقيام الدليل العقلي عليه، فهكذا نفعل نحن في نصوص المعاد سواء. فهذا حاصل كلامه وإلزامه ودخوله إلى الإلحاد (٢) من باب نفي الصِّفات والتجهم، وطريق الردِّ المستقيم بإبطال قوله وقول المعطلة جميعًا. والمقصود أن هؤلاء الجهمية والمعتزلة لمَّا وافقوا هذا الملحد على نفي الصِّفات، وأن هذا النفي هو التوحيد الحق، احتج عليهم بهذه الموافقة

стр. 795

على أن الرُّسل لم يثبتوا ما هو الحق في نفسه في معرفة توحيد الله ومعرفة اليوم الآخر، ولم يذكروا ما هو الذي يصلح لخاصة بني آدم وأولي العقول بينهم أن يفهموه ويعقلوه من هذا الباب، وأن نصوص الوحي من كتب الله المنزلة وكلام رسله لا يُحتجُّ بها في باب الإيمان بالله ولا في اليوم الآخر، لا في الخلق ولا في البعث، لا المبدأ ولا المعاد، وأن الكتب الإلهية إنما أفادت تخييلًا ينتفع به العامة لا تحقيقًا يفيد العلم والمعرفة، وأن أعظم العلوم وأجلها وأشرفها ـ وهو العلم بالله ـ لم تُثبِته الرُّسل ولم تنطق به، ولم يهد إليه الخلق، فلم تُبيِّنْ معرفة الله ولا معرفة المبدأ ولا [ق ٧٩ أ] المعاد، بل نطقت فيه بخلاف الصواب. فاشتركت المعطلة الجهمية والملاحدة في نسبة الرَّسول إلى ذلك في باب الصِّفات، وامتازت عليها الملاحدة بأن الرَّسول أراد إفهام ظاهرها، وقالت المعطلة: أراد إتعاب الأذهان في إفهام خلاف ظاهرها، وعَرَّض الأُمة إلى الباطل في اعتقاده ظاهرها. الوجه الرَّابع والتسعون: أن يُقال: لا يخلو إمَّا أن يكون الرَّسول يعرف ما دلَّ عليه العقل بزعمكم ـ من إنكار علو الله على خلقه، واستوائه على عرشه، وتكليمه لرسله وملائكته ـ أو لم يكن يعرف ذلك. فإن قلتم: لم يكن يعرفه، كانت الجهمية والمعطلة والملاحدة والمعتزلة والقرامطة الباطنية والنصيرية والإسماعيلية وأمثالهم وأفراخهم وتلامذتهم أعلم بالله وأسمائه وصفاته وما يجب له ويمتنع عليه من رُسله وأتباعه. وإن كان يعرفه امتنع ألَّا يتكلم به يومًا من الدهر مع أحد من خاصته والمطلعين على سرِّه. ومن المعلوم قطعًا أن الرَّسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ لم يتكلم مع أحدٍ بما يناقض ما أظهره للناس، ولا كان خواصُّ

стр. 796

أصحابه يعتقدون فيه نقيض ما أظهره للناس، بل كل من كان به أخص وبحاله أعرف كان أعظم موافقةً له وتصديقًا له على ما أظهره وبيَّنه وأخبر به. فلو كان الحق في الباطن خلاف ما أظهره لزم أحد الأمرين: إمَّا أن يكون جاهلًا به، أو كاتمًا له عن الخاصَّة والعامَّة، ومظهرًا خلافه للخاصة والعامة، وهذا من أعظم الأمور امتناعًا، ومُدَّعيه في غاية الوقاحة والبهت. ولهذا لمَّا علم هؤلاء أنه يستحيل كتمان ذلك عن خواصه وضعوا أحاديث بيَّنوا فيها أنه كان له خطابٌ مع خاصَّته غير الخطاب العامِّي، مثل الحديث المُختلق المُفترى عن عمر أنه قال: «كان رسول الله ﷺ يتحدث مع أبي بكر وكنت كالزنجي بينهما» (١). ومثل ما تدعيه الرَّافضة أنه كان عند عليٍّ علمٌ خاصٌّ باطنٌ يُخالف هذا الظَّاهر. ولمَّا علم الله (٢) سبحانه أن ذلك يُدَّعى في عليٍّ وَفَّقَ مَن سأله: هل عندكم من رسول الله ﷺ شيءٌ خصكم به دون النَّاس؟ فقال: «لا، والذي خلق الحبة، وبرأ النسمة، ما أَسَرَّ إلينا رسول الله ﷺ شيئًا كتمه عن غيرنا إلَّا فهمًا يُؤتيه الله عبدًا في كتابه، وما في هذه الصحيفة. وكان فيها العقول والديات (٣) وفكاك

стр. 797

الأسير، وألَّا يُقتل مسلمٌ بكافر». وهذا الحديث متفق على صحته (١)، وفي لفظ في «الصحيح» (٢): «عهد إليك رسول الله ﷺ شيئًا لم يعهده إلى النَّاس؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة». الوجه الخامس والتسعون: أن الله سبحانه أنزل كتبه حاكمةً بين النَّاس فيما اختلفوا فيه. قال الله تعالى: ﴿* كَانَ اَلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اَللَّهُ اُلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ اُلْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ اَلنَّاسِ فِيمَا اَخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١١] وقال تعالى: ﴿* إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ اَلْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ اَلنَّاسِ بِمَا أَراكَ اَللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٤] وقال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللَّهِ وَاَلرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٨]. فكيف يحكم بين النَّاس في مواطن الخلاف والنزاع كلامٌ وخطابٌ ليس فيه علمٌ ولا هدًى ينتفع به أولو الألباب، كما زعم هؤلاء أن الكتب الإلهية لا يُحتج بها في مثل هذه الأبواب، فكيف تكون حاكمة بين النَّاس فيما اختلفوا فيه؟! وأي اختلافٍ أعظم من الاختلاف في أجلِّ الأمور، وهو معرفة الله تعالى واليوم الآخر، والخلاف الحقيقي إنما يكون في الأمور العلمية والقضايا الخبرية التي لا تقبل النسخ والتغيير، فأمَّا العمليات التي تقبل النسخ فتلك تنوع في الشريعة الواحدة، فكيف بالشرائع المتنوعة! وما جاز تنوعه لم يكن الخلاف فيه حقيقيًّا، فإنهما إن كانا مشروعين في وقتين أو برسولين فكلاهما حقٌّ، وإن كان الخلاف في المشروع منهما أيهما هو، فهذا يُعلم بالخبر المنقول عن الصَّادق. وحينئذٍ فنقول في:

стр. 798

الوجه السَّادس والتسعين (١): إن ما ذكره ابن سينا وأمثاله من (٢) أنه لم يرد في القرآن من الإشارة إلى توحيدهم شيءٌ، فكلامٌ صحيحٌ، وهذا دليلٌ على أنه باطلٌ لا حقيقة له، وأن من وافقهم عليه فهو جاهلٌ ضالٌّ. وكذلك ما ذكره من (٣) أن من المواضع التي ذُكرت فيها الصِّفات ما لا يحتمل اللفظ فيها إلَّا معنًى واحدًا لا يحتمل ما يدَّعيه أهل التأويل من الاستعارة والمجاز، كما ذكره في قوله [ق ٧٩ ب]: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اُللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ اَلْغَمَامِ وَاَلْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢٠٨] وقوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٩]. وهذا حجةٌ على من نفى حقيقة ذلك ومدلَوله من المعطلة نفاة الصِّفات، وهو حجة عليه وعليهم جميعًا، وموافقتهم له على التعطيل لا ينفعه؛ فإن ذلك حجةٌ جدليةٌ لا علمية؛ إذ تسليمهم له ذلك لا يوجب على غيرهم أن يسلم ذلك له، فإذا تبيَّن بالعقل الصريح ما يوافق النقل الصحيح دلَّ ذلك على فساد قوله وقولهم جميعًا. وكذلك قوله: «هب أن هذه كلها موجودة على الاستعارة فأين (٤) التوحيد والدلالة بالتصريح على التوحيد المحض الذي يدعو إليه حقيقة هذا الدِّين القيِّم المعترف بجلالته على لسان حكماء العالم قاطبة»؟ كلامٌ صحيحٌ لو كان ما قاله النُّفاة حقًّا، فإنه على قولهم لا يكون هذا (٥) الدِّين القيِّم قد بيَّن

стр. 799

التوحيد الحقَّ أصلًا، وحينئذٍ فنقول في: الوجه السَّابع والتسعين (١): أن التوحيد الذي دعا إليه هؤلاء الملاحدة، وذكروا أنه التوحيد الحق هو من أعظم الإلحاد في أسماء الربِّ وصفاته وأفعاله، وهو حقيقة الكفر به، وتعطيل العالم عن صانعه، وتعطيل الصَّانع الذي أثبتوه عن صفات كماله. فشِرْك (٢) عُبَّاد الأصنام والأوثان والكواكب والشمس والقمر خيرٌ من توحيد هؤلاء بكثيرٍ، فإنه شركٌ في الإلهية مع إثبات صانع العالم وصفاته وأفعاله وقدرته ومشيئته وعلمه بالكليات والجزئيات، وتوحيدُ هؤلاء تعطيلُ الربوبية والإلهية وسائر صفاته، وهذا التوحيد ملازمٌ لأعظم أنواع الشرك، ولهذا كلما كان الرجل أعظم تعطيلًا كان أعظم شركًا، ولا تجد معطلًا نافيًا إلَّا وفيه من الشرك بقدر ما فيه من التعطيل. وتوحيد الجهمية والفلاسفة مناقض لتوحيد الرُّسل من كل وجهٍ، فإن مضمون توحيد الجهمية إنكارُ حياة الربِّ وعلمه وقدرته وسمعه وبصره وكلامه واستوائه على عرشه، ورؤية المؤمنين له بأبصارهم عيانًا من فوقهم يوم القيامة، وإنكارُ وجهه الأعلى ويديه ومجيئه وإتيانه ومحبته ورضاه وغضبه وضحكه وسائر ما أخبر به الرَّسول عنه. ومعلومٌ أن هذا التوحيد هو نفس تكذيب الرَّسول فيما أخبر به عن الله وجحده، فاستعار له أصحابه اسم التوحيد وقالوا: نحن الموحدون (٣). كما استعار المنكرون للقدر اسم العدل بجحده ودفعه، وقالوا: نحن أهل

стр. 800

التوحيد والعدل. فهذا (١) توحيدهم وهذا عدلهم! والعدل والتوحيد الذي جاء به الرَّسول خلاف هذا وهذا، قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اَللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَاَلْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا اُلْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ اَلْعَزِيزُ اُلْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ اَلدِّينَ عِندَ اَللَّهِ اِلْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٨ - ١٩]. الوجه الثَّامن والتسعون: أنه لو كان الحق فيما يقوله هؤلاء النُّفاة المعطلون وإخوانهم من الملاحدة لكان (٢) قبول الفِطَر له أعظم من قبولها للإثبات الذي هو ضلالٌ وباطلٌ عندهم، فإن الله سبحانه نصب على الحقِّ الأدلة والأعلام الفارقة بين الحق والباطل والنور والظلام، وجعل فطر عباده مستعدة لإدراك الحقائق ومعرفتها، ولولا ما في القلوب من الاستعداد لمعرفة الحقائق لم يمكن النظر والاستدلال ولا الخطاب والكلام والفهم والإفهام. وكما أنه سبحانه جعل الأبدان مستعدة للاغتذاء بالطعام والشراب ولولا ذاك لما أمكن تغذيتها وتربيتها، وكما أن في الأبدان قوةً تفرق بين الغذاء الملائم والمنافي، ففي القلوب قوة تفرق بين الحق والباطل أعظم من ذلك. فخاصة العقل الفرق (٣) بين الحق والباطل، وتمييز هذا من هذا، كما أن خاصة السمع التمييز بين الأصوات حسنها وقبيحها، وخاصة الشم (٤) التمييز بين أنواع الروائح طيبها وخبيثها، وكذلك خاصة الذوق في الطعوم. فإذا ادعيتم على العقول أنها لا تقبل الحق، وأنها لو صُرِّح لها به لأنكرته

стр. 801

ولم تذعن (١) إلى الإيمان؛ فقد سلبتم العقول خاصتها، وقلبتم الحقيقة التي خلقها الله وفَطَرَها عليه، وكان نفس ما ذكرتم أن الرُّسل لو خاطبت به النَّاس لنفروا عن الإيمان من أعظم الحجج عليكم، وأنه مخالف للعقل والفطرة كما هو مخالف للسمع والوحي [ق ٨٠ أ]. فتأمل هذا الوجه فإنه كافٍ في إبطال قولهم. ولهذا إذا أراد أهله (٢) أن يدعوا النَّاس إليه ويقبلوه منهم وطَّؤوا له توطئات (٣)، وقدَّموا له مقدمات، بنوها في القلب درجةً بعد درجةٍ، ولا يُصرِّحون به أولًا، حتى إذا أحكموا ذلك البناء استعاروا له ألفاظًا مزخرفةً، واستعاروا لما خالفه ألفاظًا شنيعةً، فتجتمع تلك المقدمات التي قدموها، وتلك الألفاظ التي زخرفوها، وتلك الشناعات التي على من خالفهم (٤) شنعوها، فهنالك إن لم يُمسِك الإيمانَ مَن يمسك السماوات والأرض أن تزولا وإلَّا (٥) تَرَحَّل عن القلب ترحُّل الغيث استدبرته الريح، يوضحه: الوجه التَّاسع والتسعون: أنَّا نعرض على الفطر السليمة والعقول التي لم

стр. 802

تفسد بتلقِّي المقالات الفاسدة وتلقنها (١) عن المعلمين خصمين اختصموا في ربهم: فقال أحدهما: هو الله الذي لا إله إلَّا هو عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، الملك القدوس، السلام المؤمن المهيمن، العزيز الجبار المتكبر، الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيامٍ ثم استوى على العرش، يدبر الأمر، ما من شفيع إلَّا من بعد إذنه، حيٌّ له الحياة، قديرٌ له صفة القدرة، مريدٌ له صفة الإرادة، كلَّم موسى تكليمًا، وتجلَّى للجبل فجعله دكًّا هشيمًا، فوق سماواته مستوٍ على عرشه، بائنٌ من خلقه، يرى من فوق سبع سماوات، ويسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، ويرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في غياهب الظلمات، لا تتحرك ذرةٌ إلَّا بإذنه، ولا تسقط ورقةٌ إلَّا بعلمه، ولا يَعزُب عن علمه مثقال ذرةٍ في الأرض ولا في السماوات، تُرفع إليه الحاجات، وتصعد إليه الكلمات الطيبات، وينزل من عنده الأمر بتدبير المخلوقات، له القوة كلها، والعزُّ كله، والجمال كله، والعلم كله، والكمال كله، وهو الحي القيوم الذي لا تأخذه سِنةٌ ولا نومٌ، موصوفٌ بكل جمالٍ، منزَّهٌ عن كل نقصٍ وعيبٍ، لا تُضرب له الأمثال، ولا يُشبَّه بالمخلوقات، فعالٌ لما يريد، لوجهه سُبحات الجلال، وهو الجميل الذي له كل الجمال، إحدى يديه للجود والفضل، والأخرى للقسط والعدل، يقبض سماواته السبع بإحدى يديه، والأرضين السبع باليد الأخرى، ثم يهزهن ثم يقول: أنا الملك. لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار

стр. 803

قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سُبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، قريبٌ مجيدٌ، رحيمٌ ودودٌ، لطيفٌ خبيرٌ. فصل وقال الآخر: بل هو موصوفٌ بالسلوب والإضافات، فلا سمع له، ولا بصر، ولا حياة ولا إرادة، ولا يتكلم ولا يكلِّم أحدًا من خلقه، ولا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق العرش ولا تحته، ولا يمينه ولا يساره، ولا خلفه ولا أمامه، ولا له وجهٌ ولا يدٌ، ولا يرضى ولا يغضب، ولا يسخط ولا يضحك، ولا يفرح بتوبة تائبٍ، ولا استوى على عرشه، ولا ينزل كل ليلةٍ إلى سماء الدنيا، ولا يأتي يوم القيامة، ولا يجيء لفصل القضاء، ولا يراه المؤمنون بأبصارهم، ولا يستمعون كلامه، ولا يقوم به فعل البتة ولا وصف، ولا له حقيقة وماهية غير وجودٍ مطلقٍ، وهو وجهٌ كله، وسمعٌ كله، وبصرٌ كله، ويدٌ كله، علمه ذاته، وسمعه وبصره علمه، ليس له يدٌ غير القدرة، خلق بها آدم، وكتب بها التوراة، وغرس بها جنة عدن، يقبض بها السماوات، وليس له وجهٌ يراه المؤمنون بأبصارهم، ليس بجوهرٍ ولا جسمٍ ولا متحيزٍ ولا متحركٍ ولا ساكنٍ، ولا ينزل من عنده شيءٌ، ولا يصعد إليه شيءٌ، ولا يقرب من شيءٍ، ولا يقرب منه شيءٌ، ولا يحبه أحدٌ، ولا يحب أحدًا، إلى أمثال ذلك من النفي. فاعرض أقوال هذين الخصمين على الفطرة الصحيحة والعقل واجلس مجلس الحكومة بينهما، ثم تحيَّزْ إلى أيِّ الفئتين شئت، فما ثَمَّ إلَّا الإثبات من كل وجهٍ لما أثبته الله لنفسه وأثبته رسوله، أو التعطيل الصرف والنفي المحض. فاختر لنفسك إحدى الخطتين، واجعلها مع إحدى الفئتين، فالمرء

стр. 804

مع من أحب، وحينئذٍ فنقول في: الوجه المائة: أن الأعمال الصَّالحة والفاسدة نتائج الاعتقادات الصحيحة والباطلة، فانظر رؤوس المثبتة والنُّفاة وملوكهم وأتباعهم يُبَيَّنْ لك حقيقة [ق ٨٠ ب] الأمر، فرؤوس المثبتة آدم ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب وإبراهيم الخليل، وسائر الأنبياء من ذريته، وموسى الكليم وعيسى، وجاء خاتمهم وآخرهم وأعلمهم بالله سيِّد ولد آدم محمد بن عبد الله عبد الله ورسوله، فجاء بالإثبات المفصَّل الذي لم يأت رسولٌ (١) بمثله، فصرَّح من إثبات الصِّفات والأفعال بما لم يصرِّح به نبيٌّ قبله، وذلك لكمال عقول أمته، وكمال تصديقهم، وصحة أذهانهم. فرسول الله ﷺ حامل لواء الإثبات، وتحت ذلك اللواء آدم وجميع الأنبياء وأتباعهم، ثم المهاجرون والأنصار، وأهل بدر، وأهل بيعة الرضوان، وسائر الصَّحابة، ثم التَّابعون (٢) لهم بإحسانٍ ممَّن لا يحصيهم إلَّا الله، ثم أتباع التَّابعين، ثم أئمة الفقه في الأعصار والأمصار، منهم الأئمة الأربعة، ثم أهل الحديث قاطبةً وأئمة التفسير والتصوف والزهد والعبادة المقبولون عند الأُمة ممَّن لا يحصي عددهم إلَّا الله. فهل سُمع في الأولين والآخرين بمثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والعشرة المشهود لهم بالجنة وسائر المهاجرين والأنصار؟ وهل سُمع بقومٍ أتم عقولًا، وأصح أذهانًا، وأكمل علمًا ومعرفة، وأزكى قلوبًا من هؤلاء الذين قال الله فيهم: ﴿قُلِ اِلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ اِلَّذِينَ اَصْطَفَى﴾ [النمل: ٦١] قال غير واحدٍ

стр. 805

من السلف: هم أصحاب محمدٍ (١). قال فيهم عبد الله بن مسعود: «من كان منكم مستنًّا فليستنَّ بمَن قد مات، فإن الحي لا تُؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمدٍ، أبرُّ هذه الأُمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسَّكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم» (٢). فهؤلاء أُمراء هذا الشأن، وأمَّا الجند والعساكر فالتَّابعون كلهم، ثم الذين يلونهم، مثل: مالك بن أنسٍ، وسفيان بن عُيينة، وسفيان الثَّوْري، وحماد بن زيدٍ، وحماد بن سلمة، وعبد الله بن المبارك، والليث بن سعدٍ، وإسحاق بن راهويه، والإمام أحمد، والشَّافعي، وعلي بن المديني، ويحيى بن مَعِين، والبخاري، ومسلم، وأبي داود، والتِّرمذي، والنَّسائي، ومحمد بن أسلم الطوسي، وأبي حاتم وأبي زُرعة الرَّازيَّان (٣)، وأمثالهم. وأمَّا عامتهم فأهل

стр. 806

الدِّين والصدق والورع والزُّهد والعبادة والإخلاص واجتناب المحارم وتوقِّي المآثم. وأمَّا رؤوس النُّفاة والمعطلين ففرعون إذ يقول: ﴿يَاهَامَانُ اُبْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّيَ أَبْلُغُ اُلْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ اَلسَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] وجنوده كلهم، ونمرود بن كنعان ـ هذا خصم إبراهيم الخليل، وذاك خصم موسى الكليم ـ وأرسطاطاليس وبقراطيس وأضرابهما، وطمطم (١) وتنكلوشا (٢) وابن وحشية (٣) وأضرابهم (٤)، وابن سينا والفارابي، وكل فيلسوفٍ لا يُؤمن بالله ولا ملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا لقائه.

стр. 807

وأمَّا عوامُّهم فاعتبر عوام النُّصَيرية والإسماعيلية والدُّرزية والحاكمية (١) والطُّرقية (٢) والعرباء (٣)، وعبادهم: البخشية (٤) والطونية (٥). وعلماؤهم السحرة. وعساكرهم: المشركون، والقرامطة الذين هم أعظم الأمم إفسادًا للدُّنيا والدِّين. فليعتبر العاقل خواص هؤلاء وهؤلاء، وعوام هؤلاء وهؤلاء، وليقابل بين الطَّائفتين، وحينئذٍ يتبين له أنه ما كان ولا يكون ولي لله إلَّا من أهل الإثبات، وما كان ولا يكون ولي للشيطان إلَّا من أهل النفي والتعطيل: إمَّا تعطيل الصَّانع عن صفات كماله ونعوت جلاله، وإمَّا تعطيل القلب عن توحيده وعبوديته وإخلاص الدِّين له. واعتبر ذلك بإمام النُّفاة في زمانه وما جرى على أهل السُّنَّة منه: ابن أبي دؤاد (٦) وأصحابه الذين سَعَوْا في ضرب الإمام أحمد، وقتل كثيرٍ من

стр. 808

أهل السُّنَّة، وحبسهم وتشتيتهم في البلاد، وقطع أرزاقهم؛ ثم إمامهم في زمانه نصير الكفر والشرك الطوسي، وما جرى على المسلمين منه من قتل خليفتهم وعلمائهم وعُبَّادهم. وإذا اعتبرت أحوال القوم رأيت عوامَّ اليهود والنصارى أقلَّ فسادًا في الدِّين والدُّنيا من أئمة هؤلاء المعارضين لنصوص الأنبياء بعقولهم، وغاية الواحد من هؤلاء إذا أراد الجاه أن يتقرب إلى الملوك الجهلة الظلَمة بما يناسبهم من السحر، فيُصنِّف لهم فيه، ويتقرب به إليهم. فهؤلاء علماؤهم وملوكهم وعوامهم، فكيف يكون هؤلاء أحظى بالعقل وأسعد به من الرُّسل وأتباعهم، وسيرةُ هؤلاء وهؤلاء معلومةٌ في العالم، وأعمالُهم وعلومهم ومعارفهم وآثارهم دالةٌ لمن له أدنى عقلٍ على حقيقة الحال، والله أعلم. [ق ٨١ أ] الوجه الحادي والمائة: أن تجويز معارضة العقل للوحي يوجب وصف الوحي بضد ما وصفه الله به، فإن الله سبحانه وصفه بكونه هُدًى في غير موضعٍ، وأخبر أنه يهدي للتي هي أقوم (١)، أي: للطريق التي هي أقوم الطُّرق، وهي أقربها إلى الحقِّ، فإن الطريق المستقيم هو أقرب خط موصل (٢) بين نقطتين، وكلما تعوَّج بَعُدَ. وأخبر سبحانه أنه شفاءٌ لما في الصدور (٣). وهذا يتضمن أنه يشفي ما

стр. 809

فيها من الجهل والشك والحيرة والريب، كما أن الهُدى يتضمن أنه موصلٌ إلى المقصود، فالهدى يوصلها إلى الحقِّ المقصود من أقرب الطُّرق، والشفاء يزيل عنها أمراضها المانعة لها من معرفة الحقِّ وطلبه، فهذا يُحصِّل المقتضى، وهذا يزيل المانع، ومن المحال أن تكون هذه صفة كلامٍ مخالفٍ (١) للعقل ومعارضه. وكذلك أخبر أنه نورٌ، كما قال تعالى: ﴿فَاَلَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاَتَّبَعُوا اُلنُّورَ اَلَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ اُلْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا اَلْكِتَابُ وَلَا اَلْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٤٩] فهو نور البصائر من العمى، كما هو شفاء الصدور من الجهل والشك. ومحالٌ أن تتنوَّر البصائر بما يخالف صريح العقل؛ فإن ما يخالف العقل مستوجب (٢) الظُّلمة. وأخبر سبحانه أنه برهانٌ، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا اَلنَّاسُ قَد جَّاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾ [النساء: ١٧٣]. ومحالٌ أن يكون ما يخالف صريح العقل برهانًا. وأخبر سبحانه أنه علمٌ، كما قال: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦٠]، وما يخالف العقل الصريح لا يكون علمًا. وأخبر أنه حقٌّ، والعقل الصريح لا يخالف الحق، فقال تعالى: ﴿الم اَللَّهُ

стр. 810

لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ اَلْحَيُّ اُلْقَيُّومُ (١) نَزَّلَ عَلَيْكَ اَلْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران: ١ - ٢] وقال: ﴿* إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ اَلْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [النساء: ١٠٤] وقال: ﴿لَقَد جَّاءَكَ اَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ اَلْمُمْتَرِينَ﴾ [يونس: ٩٤] وقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَهْوَ اَلْقَصَصُ اُلْحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٢]. وحينئذٍ فكونه حقًّا يدل على أن ما خالفه ممَّا يُسمَّى معقولًا باطل، فإن كان ما خالفه حقًّا لزم أن يكون باطلًا، وإن كان هو الحق فما خالفه باطلٌ قطعًا. وأخبر أنه آياتٌ بيناتٌ (١)، وما يخالف صريح العقل لا يكون كذلك. وأخبر أنه أحسن القصص (٢)، وأحسن الحديث (٣)، ولو خالف صريح العقل لكان موصوفًا بضد ذلك. وأخبر أنه أصدق الكلام، فقال: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اَللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢١] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اَللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٦]. ولو خالف العقل لم يكن كذلك، وكان كلام هؤلاء الضَّالين المضلين أصدق منه. وأخبر أن القلوب تطمئن به، أي: تسكن إليه من قلق الجهل والريب والشك، كما يطمئن القلب إلى الصدق، ويرتاب بالكذب، فقال تعالى: ﴿اَلَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اِللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اِللَّهِ تَطْمَئِنُّ اُلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٩] وجعل هذا من أعظم الآيات على صدقه، وأنه حقٌّ من عنده، ولهذا ذكره جوابًا لقول الكفار: ﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ فقال: ﴿قُلْ إِنَّ اَللَّهَ يُضِلُّ
следующие страницы →