الدِّين والصدق والورع والزُّهد والعبادة والإخلاص واجتناب المحارم وتوقِّي المآثم.
وأمَّا رؤوس النُّفاة والمعطلين ففرعون إذ يقول: ﴿يَاهَامَانُ اُبْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّيَ أَبْلُغُ اُلْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ اَلسَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] وجنوده كلهم، ونمرود بن كنعان ـ هذا خصم إبراهيم الخليل، وذاك خصم موسى الكليم ـ وأرسطاطاليس وبقراطيس وأضرابهما، وطمطم (١) وتنكلوشا (٢) وابن وحشية (٣) وأضرابهم (٤)، وابن سينا والفارابي، وكل فيلسوفٍ لا يُؤمن بالله ولا ملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا لقائه.
стр. 807
وأمَّا عوامُّهم فاعتبر عوام النُّصَيرية والإسماعيلية والدُّرزية والحاكمية (١) والطُّرقية (٢) والعرباء (٣)، وعبادهم: البخشية (٤) والطونية (٥). وعلماؤهم السحرة. وعساكرهم: المشركون، والقرامطة الذين هم أعظم الأمم إفسادًا للدُّنيا والدِّين.
فليعتبر العاقل خواص هؤلاء وهؤلاء، وعوام هؤلاء وهؤلاء، وليقابل بين الطَّائفتين، وحينئذٍ يتبين له أنه ما كان ولا يكون ولي لله إلَّا من أهل الإثبات، وما كان ولا يكون ولي للشيطان إلَّا من أهل النفي والتعطيل: إمَّا تعطيل الصَّانع عن صفات كماله ونعوت جلاله، وإمَّا تعطيل القلب عن توحيده وعبوديته وإخلاص الدِّين له.
واعتبر ذلك بإمام النُّفاة في زمانه وما جرى على أهل السُّنَّة منه: ابن أبي دؤاد (٦) وأصحابه الذين سَعَوْا في ضرب الإمام أحمد، وقتل كثيرٍ من
стр. 808
أهل السُّنَّة، وحبسهم وتشتيتهم في البلاد، وقطع أرزاقهم؛ ثم إمامهم في زمانه نصير الكفر والشرك الطوسي، وما جرى على المسلمين منه من قتل خليفتهم وعلمائهم وعُبَّادهم.
وإذا اعتبرت أحوال القوم رأيت عوامَّ اليهود والنصارى أقلَّ فسادًا في الدِّين والدُّنيا من أئمة هؤلاء المعارضين لنصوص الأنبياء بعقولهم، وغاية الواحد من هؤلاء إذا أراد الجاه أن يتقرب إلى الملوك الجهلة الظلَمة بما يناسبهم من السحر، فيُصنِّف لهم فيه، ويتقرب به إليهم.
فهؤلاء علماؤهم وملوكهم وعوامهم، فكيف يكون هؤلاء أحظى بالعقل وأسعد به من الرُّسل وأتباعهم، وسيرةُ هؤلاء وهؤلاء معلومةٌ في العالم، وأعمالُهم وعلومهم ومعارفهم وآثارهم دالةٌ لمن له أدنى عقلٍ على حقيقة الحال، والله أعلم.
[ق ٨١ أ] الوجه الحادي والمائة: أن تجويز معارضة العقل للوحي يوجب وصف الوحي بضد ما وصفه الله به، فإن الله سبحانه وصفه بكونه هُدًى في غير موضعٍ، وأخبر أنه يهدي للتي هي أقوم (١)، أي: للطريق التي هي أقوم الطُّرق، وهي أقربها إلى الحقِّ، فإن الطريق المستقيم هو أقرب خط موصل (٢) بين نقطتين، وكلما تعوَّج بَعُدَ.
وأخبر سبحانه أنه شفاءٌ لما في الصدور (٣). وهذا يتضمن أنه يشفي ما
стр. 809
فيها من الجهل والشك والحيرة والريب، كما أن الهُدى يتضمن أنه موصلٌ إلى المقصود، فالهدى يوصلها إلى الحقِّ المقصود من أقرب الطُّرق، والشفاء يزيل عنها أمراضها المانعة لها من معرفة الحقِّ وطلبه، فهذا يُحصِّل المقتضى، وهذا يزيل المانع، ومن المحال أن تكون هذه صفة كلامٍ مخالفٍ (١) للعقل ومعارضه.
وكذلك أخبر أنه نورٌ، كما قال تعالى: ﴿فَاَلَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاَتَّبَعُوا اُلنُّورَ اَلَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ اُلْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا اَلْكِتَابُ وَلَا اَلْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٤٩] فهو نور البصائر من العمى، كما هو شفاء الصدور من الجهل والشك. ومحالٌ أن تتنوَّر البصائر بما يخالف صريح العقل؛ فإن ما يخالف العقل مستوجب (٢) الظُّلمة.
وأخبر سبحانه أنه برهانٌ، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا اَلنَّاسُ قَد جَّاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾ [النساء: ١٧٣]. ومحالٌ أن يكون ما يخالف صريح العقل برهانًا.
وأخبر سبحانه أنه علمٌ، كما قال: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦٠]، وما يخالف العقل الصريح لا يكون علمًا.
وأخبر أنه حقٌّ، والعقل الصريح لا يخالف الحق، فقال تعالى: ﴿الم اَللَّهُ
стр. 810
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ اَلْحَيُّ اُلْقَيُّومُ (١) نَزَّلَ عَلَيْكَ اَلْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران: ١ - ٢] وقال: ﴿* إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ اَلْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [النساء: ١٠٤] وقال: ﴿لَقَد جَّاءَكَ اَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ اَلْمُمْتَرِينَ﴾ [يونس: ٩٤] وقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَهْوَ اَلْقَصَصُ اُلْحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٢]. وحينئذٍ فكونه حقًّا يدل على أن ما خالفه ممَّا يُسمَّى معقولًا باطل، فإن كان ما خالفه حقًّا لزم أن يكون باطلًا، وإن كان هو الحق فما خالفه باطلٌ قطعًا.
وأخبر أنه آياتٌ بيناتٌ (١)، وما يخالف صريح العقل لا يكون كذلك.
وأخبر أنه أحسن القصص (٢)، وأحسن الحديث (٣)، ولو خالف صريح العقل لكان موصوفًا بضد ذلك.
وأخبر أنه أصدق الكلام، فقال: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اَللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢١] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اَللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٦]. ولو خالف العقل لم يكن كذلك، وكان كلام هؤلاء الضَّالين المضلين أصدق منه.
وأخبر أن القلوب تطمئن به، أي: تسكن إليه من قلق الجهل والريب والشك، كما يطمئن القلب إلى الصدق، ويرتاب بالكذب، فقال تعالى: ﴿اَلَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اِللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اِللَّهِ تَطْمَئِنُّ اُلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٩] وجعل هذا من أعظم الآيات على صدقه، وأنه حقٌّ من عنده، ولهذا ذكره جوابًا لقول الكفار: ﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ فقال: ﴿قُلْ إِنَّ اَللَّهَ يُضِلُّ
стр. 811
مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (٢٨) اَلَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اِللَّهِ﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩]. أي: بكتابه الذي أنزله، وهو ذكره وكلامه، ولو كان في العقل الصريح ما يخالفه لم تطمئن به قلوب العقلاء. والعاقل اللبيب إذا تدبَّر القرآن وتدبَّر كلام هؤلاء المعارضين له تبين أن الريبة كلها في كلامهم، والطمأنينة في كلام الله ورسوله.
وأخبر سبحانه أن التوراة ـ التي هو أكمل وأجلُّ منها ـ إمامٌ، فقال تعالى: ﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ [الأحقاف: ١١] والإمام هو القدوة الذي يُؤتم به، وكيف يُقتدى بكلامٍ يخالف صريح العقل.
وسمَّاه سبحانه فرقانًا (١)؛ لأنه فرق بين الحق والباطل، فلو خالف صريح العقل لم يكن فرقانًا، ولكان الفرقان كلام هؤلاء الضَّالين المضلين.
وأخبر أنه كتابٌ مباركٌ (٢)، والمبارك: الكثير البركة والخير والهُدى والرحمة، وهذا لا يكون فيما يردُّه العقل ويقضي بخلافه.
وأخبر أن الباطل لا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه (٣)، ولو كان العقل يخالفه لأتاه الباطل من كل جهةٍ.
وأخبر أنه كتابٌ أُحكِمت آياته (٤)، ....................................
стр. 812
وأنه حكيمٌ (١)، وأنه فصلٌ (٢). وما يخالفه العقل لا يوصف بشيءٍ من ذلك.
وأخبر أنه مهيمنٌ على (٣) كل كتابٍ (٤)، أي: أمينٌ عليه وحاكمٌ وشاهدٌ وقيِّمٌ، ولو خالفه العقل لكان مهيمنًا عليه، وكانت معقولات هؤلاء الضَّالين المضلين هي (٥) المهيمنة عليه، ولم يكن هو المهيمن عليها.
وأخبر أنه لا عوج فيه وأنه قيِّمٌ، فقال: ﴿اِلْحَمْدُ لِلَّهِ اِلَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ اِلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١ - ٢]، وأي عوجٍ أعظم من مخالفة صريح العقل له؟ وقال تعالى: ﴿وَلَقَد ضَّرَبْنَا لِلنّاسِ فِي هَذَا اَلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٦) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٦ - ٢٧] ومن تدبَّره وتدبَّر ما خالفه عرف أن العوج (٦) كله فيما خالفه، وعِلْمُه بتعوُّج ما خالفه يُعرَف من طريقتين: من جهة الكلام في نفسه وأنه باطلٌ، ومن جهة مخالفته للقرآن.
وجعله سبحانه حجة على خلقه كما قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاَتَّبِعُوهُ وَاَتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٦) أَن تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ اَلْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٧) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا
стр. 813
اَلْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَد جَّاءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اِللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي اِلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ اَلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٦ - ١٥٨]. وقال تعالى: ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اَللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ اَلرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٤]. وكيف تقوم الحجة بكلامٍ يخالف صريح العقل؟ وحينئذٍ فنقول في:
الوجه الثَّاني والمائة: إن الله سبحانه ضمن الهُدى والفلاح لمن اتبع القرآن، والضلال والشقاء لمن أعرض عنه، فكيف بمن عارضه (١) بمعقولٍ أو رأيٍ، أو حقيقةٍ باطلةٍ، أو سياسةٍ ظالمةٍ، أو قياسٍ إبليسيٍّ، أو خيالٍ فلسفيٍّ ونحو ذلك؟ قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى (١٢٠) فَمَنِ اِتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقى (١٢١) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ أَعْمى (١٢٢) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (١٢٣) * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ اَلْيَوْمَ تُنسى﴾ [طه: ١٢٠ - ١٢٤] فضمن سبحانه لمن اتبع هداه ـ وهو كلامه ـ الهُدى في الدنيا والآخرة، والسعادة في الدنيا والآخرة.
فهاهنا أمران: طريقٌ وغايةٌ. فالطريق: الهُدى، والغاية: السعادة والفلاح. فمن لم يسلك هذه الطريق لم يصل إلى هذه الغاية، والله سبحانه قد أخبر أن كتابه الذي أنزله هو الهُدى والطريق، فلو كان العقل الصريح يخالفه (٢) لما كان طريقًا إلى الفلاح والرشد.
стр. 814
وقد أخبر سبحانه أن الذين اتبعوا النور الذي أُنزل مع رسوله هم المفلحون لا غيرهم، وقال تعالى: ﴿الم ذَلِكَ اَلْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (١) اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ اَلصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (٢) وَاَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣) أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ اُلْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١ - ٤].
وكما جعل سبحانه الهُدى والفلاح لمن اتبع كتابه وآمن به وقدَّمه على غيره، جعل الضلال والشقاء لمن أعرض عنه واتبع غيره وعارضه برأيه ومعقوله وقياسه. قال تعالى: ﴿اِللَّهُ وَلِيُّ اُلَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ اَلظُّلُمَاتِ إِلَى اَلنُّورِ (٢٥٥) وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ اُلطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ اَلنُّورِ إِلَى اَلظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ اُلنّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٥ - ٢٥٦]. وقال: ﴿إِنَّ اَلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧]. وقال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ أَعْمى﴾ [طه: ١٢٢] فوصفه بالعمى الذي هو ضد الهُدى، وبالمعيشة الضنك التي هي ضد السعادة، فكتاب الله أوله هداية وآخره سعادة، وكلام المعارضين له بمعقولهم أوله ضلال وآخره شقاوة.
الوجه الثَّالث بعد المائة: أن الله سبحانه ذمَّ المجادلين في آياته بالباطل في غير آيةٍ من كتابه، فقال تعالى: ﴿اِلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اِللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اَللَّهِ وَعِندَ اَلَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اُللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُّتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ [غافر: ٣٥].
وقال: ﴿إِنَّ اَلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اِللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦].
стр. 815
وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اِللَّهِ أَنّى يُصْرَفُونَ (٦٩) اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسْلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ اِلْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ … ﴾ إلى قوله: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى اَلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [غافر: ٦٩ - ٧٥].
وأنت إذا تأمَّلت أقوال هؤلاء وسيرتهم رأيت هذه الآيات منطبقة عليهم، وهم المرادون بها، ومن أعظم الجدال في آيات الله جدال من يعارض النقل بالعقل ثم يقدِّمه [ق ٨٢ أ] عليه، فإن جداله يتضمن أربع مقامات:
أحدها: أنه تبيَّن أن الأدلة النقلية من الكتاب والسُّنَّة لا تُفيد علمًا ولا يقينًا.
الثَّاني: أن ظاهرها يدل على الباطل والتشبيه والتمثيل.
الثَّالث: أن صريح العقل يخالفها.
الرَّابع: أنه يتعيَّن تقديمه عليها.
ولا يصل إلى هذه المقامات إلَّا بأعظم الجدال، فهو مراد بهذه الآيات قطعًا، وأعمالهم شاهدةٌ عليهم لمن لم يطلع على حقيقة أقوالهم، وهي التكبر والتجبر والفرح في الأرض بغير الحق والمرح وطلب العلو في الأرض والفساد، ولا تجد من يعارض الوحي بالعقل ويقدمه عليه إلَّا بهذه المنزلة، فهذه علومهم وعقائدهم، وهذه إراداتهم وأعمالهم.
الوجه الرابع والمائة: أن الله سبحانه وصف المُعْرِضين عن الوحي المعارضين له بعقولهم وآرائهم بالجهل والضلال والحيرة والشك والعمى والريب، فلا يجوز وصفهم بالعلم والعقل والهدى. ومنشأ ضلال هؤلاء من شيئين:
стр. 816
أحدهما: الإعراض عمَّا جاء به الرسول.
الثاني: معارضته بما يناقضه.
فمن ذلك نشأت الاعتقادات المخالفة للكتاب والسُّنَّة. فكل من أخبر بخلاف ما أخبر به الرسول عن شيءٍ من أمر الإيمان بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله واليوم الآخر أو غير ذلك فقد ناقضه وعارضه، سواءٌ اعتقد ذلك بجَنانه أو قاله بلسانه أو كَتَبَه ببنانه.
وهذا حال أهل الجهل المركب. ومن أعرض عمَّا جاء به الرسول ولم يعرفه ولم يتبيَّنه ولا عارضه بمعقولٍ أو رأيٍ فهو من أهل الجهل البسيط. وهو أصل المركب، فإن القلب إذا كان خاليًا من معرفة الحق واعتقاده والتصديق به ومحبته كان معرَّضًا لاعتقاد نقيضه والتصديق به، لا سيما في الأمور الإلهية التي هي غاية مطالب البرية، وهي أفضل العلوم وأعلاها، وأشرفها وأسماها. وهي الغاية التي شمَّر إليها المشمِّرون، وتنافس فيها المتنافسون، وأجرى إليها المتسابقون. فإلى نحوها تمتد الأعناق، وإليها القلوب الصحيحة بالأشواق، فالصادقون فيها أهل الإثبات أئمة الهدى، كإبراهيم خليل الرحمن وأهل بيته، والكاذبون فيها أهل النفي والتعطيل، كفرعون وقومه.
وقال تعالى في أئمة الهدى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ (١) أَىمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]. وقال في أئمة الضلال:
стр. 817
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَىمَّةً يَدْعُونَ إِلَى اَلنّارِ وَيَوْمَ اَلْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ﴾ [القصص: ٤١].
فمن لم يكن فيها على طريق أئمة الهُدى كان على طريق أئمة الضلال، إذ كان ثغر قلبه مفتوحًا (١) لهم يلقون فيه أنواع الضلال، ويصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون.
ومصداق هذا أن ما وقع في هذه الأمة من البدع والضلال كان من أسبابه التقصير في إظهار السُّنَّة والهُدى، فإن الجهل المركب الذي وقع فيه أهل التعطيل والنفي في توحيد الله وأسمائه وصفاته كان من أعظم أسبابه التقصير في إثبات ما جاء به الرسول عن الله وفي معرفة معاني أسمائه وآياته، حتى إن كثيرًا من المنتسبين إلى السُّنَّة يعتقدون أن طريقة السلف هي الإيمان بألفاظ النصوص والإعراض عن تدبُّر معانيها وفقهها وتعقلها، فلما أفهموا النُّفاة والمعطلة أن هذه طريقة السلف قال من قال منهم: طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم. لأنه اعتقد أن طريقة الخلف متضمنة لطلب معاني نصوص الإثبات، ولنفي حقائقها وظاهرها (٢) الذي هو باطل عنده، فكانت متضمنة للعلم والتنزيه، وكان فيها علم بمعقولٍ وتأويل لمنقولٍ، ومذهب السلف عنده عدم النظر في النصوص وفهم المراد منها لتعارض (٣) الاحتمالات. وهذا عنده أسلم؛ لأنه إذا كان اللفظ يحتمل عدة معانٍ فحَمْله على بعضها دون بعض مخاطرة، وفي الإعراض عن ذلك سلامة من هذه المخاطرة.
стр. 818
فلو تبين لهذا البائس وأمثاله أن طريقة السلف إنما هي إثبات ما دلت عليه النصوص من الصِّفات وفهمُها وتدبُّرها وتعقُّل معانيها وتنزيه الربِّ عن تشبيهه فيها بخلقه، كما ينزهونه عن العيوب والنقائص، وإبطال طريقة النُّفاة المعطلة وبيان مخالفتها لصريح المعقول، كما هي مخالفة لصحيح المنقول = عَلِمَ أن طريقة السلف أعلم وأحكم وأسلم وأهدى [ق ٨٢ ب] إلى الطريق الأقوم، وأنها تتضمن تصديق الرسول فيما أخبر وفَهْم ذلك ومعرفته. ولا يناقض ذلك إلَّا ما هو باطلٌ وكذبٌ وخيالٌ.
ومن جعل طريقة السلف عدم العلم بمعاني الكتاب والسُّنَّة، وعدم إثبات ما تضمناه من الصِّفات، فقد أخطأ خطأً فاحشًا على السلف، كما أن من قال على الرسول أنه لم يُبعث بالإثبات وإنما بُعث بالنفي كان من أعظم الناس افتراءً عليه. فهؤلاء المعطلة مفترون على الله ورسوله، وعلى سلف الأمة، وعلى العقول والفِطَر، وما نصبه الله من الأدلة العقلية والبراهين اليقينية. والكذب قرين الشرك، كما قرن الله بينهما في غير موضع كقوله تعالى: ﴿وَاَجْتَنِبُوا قَوْلَ اَلزُّورِ (٢٨) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٢٨ - ٢٩].
وقال: ﴿إِنَّ اَلَّذِينَ اَتَّخَذُوا اُلْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي اِلْحَيَاةِ اِلدُّنْيا وَكَذَلِكَ نَجْزِي اِلْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢].
وقال: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَاءِيَ اَلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ اَلْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص: ٧٤ - ٧٥].
стр. 819
وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ اَلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَاَلْإِثْمَ وَاَلْبَغْيَ بِغَيْرِ اِلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزِلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اَللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣١].
وقال النبي ﷺ : «عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ الْإِشْرَاكَ بِاللَّهِ». مرتين أو ثلاثًا (١).
الوجه الخامس والمائة: أن هؤلاء المعارضين للوحي بآرائهم ومعقولاتهم لا يمكنهم أن يقولوا: كل واحد من الدليلين المتعارضين (٢) يقيني، وأنهما قد تعارضا على وجهٍ لا يُمكن الجمع بينهما، فإن هذا لا يقوله من يفهم ما يقول. ولكن نهاية ما يقولون أن الأدلة الشرعية لا تفيد اليقين، وأن ما ناقضها من الأدلة البدعية التي يُسمُّونها هم العقليات تُفيد اليقين. فينفون إفادة اليقين عن كلام الله ورسوله، ويثبتونه لما ناقضه من أدلتهم المبتدعة التي يدَّعون أنها براهين قطعية، ولهذا كان لازم قولهم لا محالة
стр. 820
الإلحاد والنفاق والإعراض عمَّا جاء به الرسول. وهذه حال الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ اِلْحَقَّ فَأَخَذتُّهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر: ٤].
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ اَلْإِنسِ وَاَلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ اَلْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٣].
فجنس هؤلاء هم المكذبون للرسل، ولا يُحتج عليهم بما هم مكذبون به، ولا بما يزعمون أن العقل الصريح عارضه. ولكن المقصود تعريف حال هؤلاء، وأن طريقتهم مشتقة من طريقة المكذبين للرسل. وأمَّا طريق الرد عليهم فلأتباع الرسول وأنصاره فيه مسالك:
الأول: بيان فساد ما ادعوه معارضًا للنصوص من عقلياتهم.
الثاني: بيان [أن] (١) ما جاء به الرسول من الإثبات معلوم بالضرورة من دينه، كما هو معلوم بالأدلة اليقينية، فلا يمكن مع تصديق الرسول مخالفة ذلك.
الثالث: بيان أن المعقول الصريح يوافق ما جاء به الرسول، لا يعارضه. وبيان أن ذلك معلومٌ بضرورة العقل تارةً (٢)، وبنظره تارةً. وهذا أقطع لحجة المعارضين للوحي؛ فإنهم يدلون بالعقل، والعقل الصحيح من أقوى الأدلة على بطلان قولهم.
стр. 821
الوجه السادس والمائة: أن هذه المعقولات التي عارضوا بها الوحي لها معقولات تعارضها هي أقوى منها، ومقدِّماتها أصح من مقدِّماتها، فيجب تقديمها عليها لو (١) قُدر تعارضهما، ولا يمكن هؤلاء أن يدفعوا كون النصوص من جانب هذه المعقولات.
وحينئذٍ فمعقول تشهد له النصوص أولى بالصحة والقبول من معقول تدفعه النصوص. فنحن ندفع معقولاتهم بهذه المعقولات تارةً، وبالنصوص تارةً، وبهما تارةً. ولا يمكنهم القدح في هذه المعقولات إلَّا بمقدمات يردُّها النصُّ وهذا العقل، فكيف ترد هذه المعقولات والنصوص بتلك؟ وهذا قاطع لمن تدبَّره. واعتَبِرْ ذلك بالمعقولات التي أقامها المعطلة على نفي علو الله على خلقه ومباينته للعالم، والمعقولات التي أقامها أهل الإثبات على ضد قولهم، يتبين لك ما بينهما من التفاوت، [ق ٨٣ أ] وتَسْلَم نصوص الوحي عن المعارض.
ونحن نعلم أن المعطلة تقدح في مقدمات هذه المعقولات الدالة على الإثبات، ولكن القدح فيها من جنس القدح في الضروريات والبديهيات. ولا ينفعهم كون طائفة من العقلاء منكرين لها، والضروريات لا ينكرها أحدٌ؛ فإن هذا ينتقض عليهم، بكل طائفة من طوائف (٢) بني آدم قالوا ما يخالف ضرورة العقل، مع كونهم أكثر من هؤلاء النُّفاة، وكل طائفة تشهد على الأخرى أنها خالفت ضرورة العقل. فيشهد أصحاب العقل والسمع على النفاة أنهم كما خالفوا صحيح (٣) النقل خالفوا صريح العقل،
стр. 822
وسيشهدون على ذلك: ﴿إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي اِلْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي اِلصُّدُورِ﴾ [العاديات: ٩ - ١٠]. وقال المعارضون للوحي: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ اِلسَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١].
الوجه السابع والمائة: أن كل عاقلٍ يعلم بالضرورة أن من خاطب الناس في علم من أنواع العلوم من الطب أو الحساب أو النحو أو الهيئة أو غير ذلك بكلامٍ ذكر أنه بيَّن لهم فيه حقيقة ذلك العلم وأوضح مشكلاته وبيَّن غوامضه ولم يُحْوِجهم بعده إلى كتابٍ سواه، ولم يكن في ذلك الكتاب بيان ذلك العلم، ولا معرفة ذلك المطلوب، بل كانت دلالة الكتاب على نقيض ذلك العلم أكمل، وعلى خلافه أدل، أو كان العقل الصريح يدل على خلاف ما دل عليه ذلك الكتاب = كان هذا المصنِّف مفرطًا في الجهل والضلال، أو في المكر والاحتيال (١)، أو في الكذب والمحال.
فكيف بكتابٍ لم ينزل من السماء كتابٌ أهدى منه، خضعت له الرِّقاب، وسجدت له عقول ذوي الألباب، وشهدت العقول والفِطَر بأن مثله ليس من كلام البشر، وأن فضله على كل كلامٍ كفضل المتكلم به على الأنام، وأنه نور البصائر من عماها، وجلاء القلوب من صداها، وشفاء الصدور من أدوائها وجواها (٢)، فهو حياها الذي به حياها (٣)، ونورها الذي انقشعت به عنها ظَلْماها، وغذاؤها الذي به قوام قوتها، ودواؤها الذي به حِفْظ صحتها. وهو
стр. 823
البرهان الذي زاد على برهان الشمس ضياءً ونورًا، فلو ﴿اِجْتَمَعَتِ اِلْإِنسُ وَاَلْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا اَلْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨].
فيه نبأ ما كان قبلنا، وخبر ما يكون بعدنا، وحكم ما بيننا. وهو الجدُّ ليس باللعب، والفصل ليس بالهزل. وهو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذِّكر الحكيم، والصِّراط المستقيم، والنبأ العظيم. وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يعوجُّ فيُقوَّم، ولا يزيغ فيتشعَّب. ولا تَخلَق بهجته على كثرة التَّرداد، بل لا يزداد على تتابع التلاوة إلَّا بهجة وطلاوة وحلاوة. من تركه من جبارٍ قصمه الله، ومن ابتغى الهُدى في غيره أضله الله. ومن أعرض عنه أو عارضه بعقله أو رأيه أو سياسته أو خياله فالضلال منتهاه، والنار منقلبه ومثواه، والخذلان قرينه، والشقاء صاحبه وخدينه. مَن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن حاكم إليه فلج، ومن خاصم به استظهر بأقوى الحُجَج، ومن استنصر به فهو مؤيَّد ومنصور، ومن عدل عنه فهو مخذول ومثبور.
فبغاه هؤلاء النُّفاة المعطلة عِوَجًا، وجعلوا دون الاهتداء به
بابًا مُرْتَجًا (١)، وعزلوه عن إفادة (٢) العلم واليقين، وقالوا: قد عارض
ما أثبته العقول والبراهين. وقالوا: لم يدلَّ على الحقِّ في الأمور الإلهية، ولا أفاد علمًا ولا يقينًا في هذه المطالب العلية. بل دلالته ظاهرة في نقيض الصواب، مُفهِمة لنقيض ما يقوله أولو العقول والألباب. فالواجب أن
стр. 824
نحترمه (١) بالإمساك والتفويض، أو نُسلط عليه التأويل إن (٢) أَفهَمَ الخلاف والضد والنقيض. فإن عجزنا عن ذلك أتينا بالقانون المشهور بيننا والمقبول: أنه إذا تعارض العقل والنقل قدَّمنا المعقول على المنقول. فهذا حقيقة قول هؤلاء النُّفاة المعطلين في كلام ربِّ العالمين وكلام رسوله الأمين.
الوجه الثامن والمائة: أن هذا يتضمن الصدَّ عن آيات الله وبغيها عوجًا. وقد ذمَّ الله سبحانه مَن فعل ذلك، وتوعَّده بأليم العقاب؛ فقال: ﴿الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ اَلنَّاسَ مِنَ اَلظُّلُمَاتِ إِلَى اَلنُّورِ (١) بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ اِلْعَزِيزِ اِلْحَمِيدِ (٢) اِللَّهِ اِلَّذِي لَهُ مَا فِي اِلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي اِلْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٣) اِلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ اَلْحَيَاةَ اَلدُّنْيا عَلَى اَلْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اِللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١ - ٤]. [ق ٨٣ ب] وقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ اُلْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ اِلَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اُللَّهِ عَلَى اَلظَّالِمِينَ (١٨) اَلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اِللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [هود: ١٨ - ١٩].
وهؤلاء المعارضون للوحي بعقولهم جمعوا بين الأمور الثلاثة: الكذب على الله، والصد عن سبيل الله، وبَغْيها عوجًا.
أمَّا الكذب على الله فإنهم نفوا عنه ما أثبته لنفسه من صفات الكمال، ووصفوه بما لم يصف به نفسه.
وأمَّا صدهم عن سبيله وبغيها عوجًا فإنهم أفهموا الناس بل صرَّحوا لهم
стр. 825
بأن كلام الله ورسوله ظواهر لفظية لا تُفيد علمًا ولا يقينًا، وأن العقول عارضتها فيجب تقديم العقول عليها. وأيُّ عِوَج أعظم من عوج مخالفة العقل الصريح؟! وقد وصف الله كتابه بأنه غير ذي عوجٍ، ولا ريب أن الله هو الصادق في ذلك، وأنهم هم الكاذبون.
فإن قلت: بغى يبغي (١) يتعدى إلى مفعولٍ واحدٍ، فما وجه انتصاب «عِوَجًا»؟
قيل: فيه وجوهٌ:
أحدها: أنه نصب على الحال، أي: يطلبونها ذات عوجٍ، لا يطلبونها مستقيمة، والمعنى يطلبون لها العوج (٢).
الثاني: أن «عوجًا» مفعول «يبغونها» على تقدير حذف اللام، أي: يطلبون لها عوجًا، يرمونها به، ويصفونها به (٣).
وأحسن منهما أن تُضمَّن «يبغونها» إمَّا معنى يعوجونها، فيكون «عوجًا» منصوبًا على المصدر، ودلَّ فعل البغي على طلب ذلك وابتغائه. وإمَّا معنى يسومونها ويُولونها.
وعلى كل تقديرٍ فسبيل الله: هداه وكتابه الهادي للطريق الأقوم والسبيل الأقصد. فمن زعم أن في العقل ما يعارضه فقد بغاه عوجًا، ودعا إلى الصدِّ
стр. 826
عنه. ومن له خبرة بالمعقول الصحيح يعلم أن العوج في كلام هؤلاء المُعْوِجين الذين هم عن الصِّراط ناكبون، وعن سبيل الرشد حائدون، وعن آيات الله بعيدون، وبالباطل والقضايا الكاذبة يُصدقون، وفي ضلالهم يعمهون، وفي ريبهم يترددون، وهم للعقل الصريح والسمع الصحيح مخالفون، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي اِلْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١٠) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ اُلْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُرُونَ (١١) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ اَلنَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ اَلسُّفَهَاءُ اَلَا إِنَّهُمْ هُمُ اُلسُّفَهَاءُ وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ (١٢) وَإِذَا لَقُوا اُلَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ (١٣) اَللَّهُ يَسْتَهْزِيئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:١٠ - ١٤].
الوجه التاسع والمائة: أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم لم يسكتوا عن الكلام في هذا الباب، بل تكلموا فيه بغاية الإثبات المناقض لما عليه الجهمية المعطلة، وعند الجهمية أن الساكت عنه خيرٌ من المتكلم فيه بالإثبات المناقض لتعطيلهم، والمتكلم فيه بالنفي والتعطيل ـ الذي يُسمونه تنزيهًا ـ خيرٌ من الساكت عنه، فجعلوا المتكلم فيه بالإثبات آخر المراتب وأخسها (١).
ولا ريب أن هذا يستلزم غاية القدح في الرُّسل والتنقص بهم (٢) ونسبتهم إلى القبيح، ووصفهم بخلاف ما وصفهم الله به. ومضمون هذا أنهم لم يهدوا الخلق، ولم يعلموهم الحق، بل لبَّسوا عليهم، ودلسوا، وأضلوهم،
стр. 827
وعرضوهم للجهل المركب، ولو تركوهم في جهلهم البسيط لكان خيرًا لهم، بل تركوهم في حيرة مذبذبين، لا يعرفون الحق من الباطل، ولا الهُدى من الضلال.
فعند هؤلاء الضالين كلام الأنبياء لا يشفي عليلًا، ولا يروي غليلًا، ولا يبيِّن الحق من الباطل ولا الهدى من الضلال، بل يكون كلام مَن تَسَفْسَطَ في العقليات وتَقَرْمَطَ في السمعيات (١) ـ وهو كخيط السحار والمشعوذ، يخرجه تارة أحمرَ، وتارة أبيض، وتارة أسود ـ أهدى سبيلًا من نصوص الوحي، فإن نصوص الوحي عند هؤلاء أضلت الخلق وأفسدت عقولهم وعرَّضتهم لاعتقاد الباطل.
ومن راعى حرمة النصوص منهم قال: فائدة إنزالها اجتهاد أهل العلم في صرفها عن مقتضاها وحقائقها بالأدلة المعارضة لها، حتى تنال النفوس كد (٢) الاجتهاد، وتنهض إلى التفكر [ق ٨٤ أ] والاستدلال بالأدلة العقلية المعارضة لها الموصلة إلى الحق.
فحقيقة الأمر عند المعطلة أن الرُّسل خاطبوا الخلق (٣) بما لا يُبيِّن الحقَّ، ولا يُنال منه الهدى، بل ظاهره يدل على الباطل، ويُفهم منه الضلال، ليكون انتفاع الخلق بخطاب الرسول اجتهادهم في ردِّ ما أظهرته الرُّسل وأفهمته الخلق، ليصلوا بِرَدِّه إلى معرفة الحق الذي استنبطوه بعقولهم، ولم
стр. 828
يحتاجوا فيه إلى الرُّسل، بل احتاجوا فيه إلى ردِّ ما جاؤوا به بالقانون العقلي، أو رد معناه بالتأويل اللفظي. وحينئذٍ فنقول في:
الوجه العاشر بعد المائة: إن مَثَل ما جاءت به الرُّسل عند النُّفاة والمعطلة مثل من أرسل مع الحاج أدِلَّاء يدلونهم على (١) طريق مكة، وأوصى الأدلاء بأن يخاطبوهم بخطابٍ يدلهم على غير الطريق، ليكون ذلك الخطاب سببًا لنظرهم واستدلالهم حتى يعرفوا الطريق بنظرهم واستدلالهم لا بأولئك الأدلة. وحينئذٍ يردُّون ما فهموا من كلام الأدلة وخطابهم، ويجتهدون في نفي دلالته، وإبطال مفهومه ومقتضاه. ومن المعلوم أن خَلْقًا كثيرًا لا يتبعون إلَّا الأدلاء الذين يدَّعون أنهم أخبر بالطريق منهم، وأن ولاة الأمور قلدوهم دلالة الحاج وتعريفهم الطريق، وأن دَرَكَ (٢) ذلك عليهم.
والطائفة التي ظنت أن الأدلاء لم [يقصدوا] (٣) بكلامهم الدلالة والإرشاد إلى سبيل الرشاد، صار كل منهم يستدل بنظره واجتهاده، فاختلفوا في الطُّرق وتشتتوا، فمنهم من سلك طُرقًا أخرى غير طُرق مكة، فأفضت بهم إلى مفاوزمُعطِشة، وأودية مهلكة، وأرض مَسبَعة (٤)، فأهلكتهم.
وطائفة أخرى شكُّوا وحاروا، فلا (٥) مع الأدلاء سلكوا فأدركوا المقصود، ولا لطُرق المخالفين للأدلاء اتَّبَعُوا؛ بل وقفوا مواقف التائهين
стр. 829
الحائرين حتى هلكوا في أمكنتهم أيضًا جوعًا وعطشًا، كما هلك أرباب تلك الطُّرق فلم ينجوا من المكروه ولم يظفروا بالمطلوب.
وآخرون اختصموا فيما بينهم فصاروا حزبين: حزبًا يقولون: الصواب مع الأدلاء فإنهم أهل هذا الشأن الذي نُصبوا له دون غيرهم. وحزبًا يقولون: بل الصواب مع هؤلاء الذين يقولون إنهم أخبر وأصدق، وكلامهم في الدلالة أبين وأصدق. فاقتتل الفريقان وطال بينهم الخصام والجدال، وانتشر القيل والقال.
وشهد آخرون الوقعة فوقفوا بين هؤلاء وهؤلاء، وخذلوا الفريقين ولم يتحيزوا إلى واحدة من الطائفتين، فهلك الحجيج، وكثر الضجيج، وعظم البكاء والنشيج، واضطربت الآراء، وعصفت الأهواء، وصار حالهم كحال قوم سَفْر نزلوا في ليلة ظلماء، فهجم عليهم عدو وهم نيام، فقاموا في ظلمة الليل على وجوههم هاربين لا يهتدون سبيلًا، ولا يتَّبعون دليلًا!
وهذا كله إنما نشأ من قول السلطان للأدلاء: خاطبوا الناس بما يدلهم على غير الطريق، ليجتهدوا بعقولهم ونظرهم في معرفة الطريق. فهل يكون مَن فعل هذا بالحجيج قد هداهم السبيل، أو أرشدهم إلى اتِّباع الدليل، أو أراد بهم ما يريده الراعي المشفقُ على رعيته الناصحُ لهم؟ وهل هذا مطابق لقول الدليل: ﴿يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٩٢] وقوله: ﴿وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اَللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٦١] وقوله: ﴿أَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف: ٦٧]؟ فأين النُّصح والأمانة على قول المعطلين النُّفاة؟!
стр. 830
فإذا قال هذا الدليل: إنما قصدت بذلك أن يجتهد الحاج في معرفة الطريق بعقولهم وبحثهم ونظرهم، ولا يستدلوا بكلامي؛ فهل يكون هذا دليلًا أم قاطع طريق؟!
فهذا مثال ما يقوله هؤلاء المعطلة النُّفاة في رسل الله، الذين أرسلهم الله سبحانه إلى الخلق ليعلموهم ويهدوهم، ويدعوهم إلى الله وإلى السبيل الموصلة إليه.
فجعل هؤلاء المعطلة الجهاد في إفساد سبيل الله جهادًا في سبيله، والاجتهاد في ردِّ ما جاءت به رسله اجتهادًا في الإيمان به، والسعي في إطفاء نور الله سعيًا في إظهار نوره، والحرصَ على ألَّا يُصدق كلامه ولا تُقبل شهادته ولا تُتبع دلالته حرصًا على أن تكون كلمة الحق هي العليا، والمبالغة في طريق أهل الإشراك والتعطيل مبالغةً في طريق التوحيد الموصلة إلى سواء السبيل [ق ٨٤ ب]. فقلبوا الحقائق، وأفسدوا الطرائق، وأضلوا الخلائق، وعطَّلوا الخالق.
وإنما يعرف حقيقة هذا المثل ومطابقته للواقع من ضرب في الكتاب والسُّنَّة بسهمٍ (١)، وحصل منهما على نصيبٍ وافرٍ، واطلع على حقيقة أقوال المعطلين النُّفاة في دلائلهم ومسائلهم، ونظر إلى غايتها من خلال كلماتهم.
ومن البلية العُظمى أن كثيرًا ممَّن لهم علمٌ وفقهٌ وعبادةٌ وزُهدٌ ولسان صدقٍ في العامة، وقد ضرب في العلم والدِّين بسهمٍ؛ قد التبس عليه كثيرٌ من كلامهم، فقبله معتقدًا أنه حقٌّ، وأن أصحابه محققون! فسمع كلام الله وكلام رسوله وكلام أهل العلم والإيمان، وكلام هؤلاء وغيرهم من أهل الإلحاد،
стр. 831
فيؤمن بهذا وهذا إيمانًا مجملًا، ويُصدِّق الطائفتين، ولا يدخل في تحقيق طريق هؤلاء ولا هؤلاء.
فإذا سمع القرآن والحديث قال: هذا كلام الله وكلام رسوله. وإذا سمع كلام الملاحدة والمعطلة الذين حَسُنَ ظنه بهم قال: هذا كلام العارفين المحققين والنُّظارِ أصحاب العقول والبراهين. وإذا سمع كلام الاتحادية الملاحدة الذين هم أكفر طوائف بني آدم قال: هذا كلام أولياء الله أو كلام خاتم الأولياء، ومرتبتنا تقصر عن فهمه، فضلًا عن الاعتراض عليه.
وبالجملة فلِرسول الله ﷺ أتباع خاصة وعامة، ولمسيلمة الكذاب أتباع خاصة وعامة، والله تعالى جعل للهدى أئمة وأتباعًا إلى آخر الدهر، وللضلال أئمة وأتباعًا إلى آخر الدهر.
الوجه الحادي عشر بعد المائة: أن لوازم هذا القول معلومة البطلان بالضرورة من دين الإسلام، وهي من أعظم الكفر والإلحاد، وبطلان اللازم يستلزم بطلان ملزومه، فإن من لوازمه ألَّا يُستفاد من خبر الرسول عن الله في هذا الباب علمٌ ولا هُدًى ولا بيان للحق في نفسه.
ومن لوازمه أن يكون كلامه متضمنًا (١) لضدِّ ذلك، ظاهرُه وحقيقته.
ومن لوازمه القدح في علمه ومعرفته، أو في فصاحته وبيانه، أو في نصحه وإرادته، كما تقدم تقريره مرارًا.
ومن لوازمه أن يكون المعطلة النُّفاة أعلم بالله منه أو أفصح أو أنصح.
ومن لوازمه أن يكون أشرف الكتب وأشرف الرُّسل قد قصَّر في هذا
стр. 832
الباب غاية التقصير، بل أَفرَطَ في التجسيم والتشبيه غاية الإفراط، وتنوَّع فيه غاية التنوع:
فمرةً يقول: أين الله (١)؟ ومرةً يُقرُّ عليها لمن سأله ولا ينكرها (٢).
ومرةً يشير بإصبعه (٣)، ومرةً يضع يده على عينه وأذنه حين يُخبر عن سمع الربِّ وبصره (٤).
ومرةً يصفه بالنزول (٥) والمجيء والإتيان (٦) والانطلاق (٧)
والمناجاة (١)، ورؤية أهل الجنة له مواجهة عيانًا بالأبصار من فوقهم، ومحاضرته لهم محاضرةً، ورفع الحُجُب بينه وبينهم، وتجليه لهم، واستدعاءهم لزيارته (٢)، وسلامه عليهم سلامًا حقيقيًّا قولًا من ربٍّ رحيمٍ،
стр. 835
واستماعه وأَذَنه لِحَسَنِ الصوت إذا تلا كلامه (١)، وخلقه ما شاء بيده، وكتابته كلامَه بيده، ويصفه بالإرادة والمشيئة والقوة والقدرة والحياة والحياء، وقبض السماوات وطيها بيده، والأرض بيده الأخرى، ووضعه السماوات على إصبع، والأرض على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر على إصبع.
وإلى أضعاف ذلك ممَّا إذا سمعه المعطلة سبَّحوا الله ونزهوه جحودًا وإنكارًا، لا إيمانًا وتصديقًا.
فما ضحك منه رسول الله ﷺ تعجبًا وتصديقًا لقائله (٢) يعبس منه هؤلاء إنكارًا وتكذيبًا. وما شهد لقائله بالإيمان، شهد هؤلاء له بالكفر والضلال.
وما أوصى بتبليغه إلى الأُمة وإظهاره يُوصي هؤلاء بكتمانه وإخفائه. وما أطلقه على ربِّه لئلا يُطْلَق عليه ضدُّه ونقيضُه، يُطْلِق هؤلاء عليه ضدَّه ونقيضَه؛ لئلا يُطْلَق هو عليه. وما نزَّه ربَّه عنه من العيوب والنقائص، يمسكون عن
تنزيهه عنه، وإن اعتقدوا أنه منزَّه عنه، ويبالغون في تنزيهه عمَّا وصف به نفسه.
فتراهم يبالغون أعظم المبالغة في تنزيهه عن علوه على خلقه، واستوائه على عرشه، وتكلُّمه بالقرآن حقيقة، وإثبات الوجه واليد والعين له = ما لا يبالغون مثله ولا قريبًا منه في تنزيهه عن الظلم والعبث (٣) والفعل (٤)
стр. 836
لا لحكمة، والتكلم بما ظاهره ضلالٌ ومحالٌ.
وتراهم إذا أثبتوا أثبتوا [ق ٨٥ أ] مجملًا لا تعرفه القلوب، ولا تُميِّز بينه وبين العدم. وإذا نفوا نفوا نفيًا مفصَّلًا (١) يتضمن تعطيل ما أثبته الرسول حقيقة.
فهذا وأضعافه وأضعاف أضعافه من لوازم قول المعطلة.
ومن لوازمه: أن القلوب لا تحبه، ولا تريده، ولا تبتهج به، ولا تشتاق إليه، ولا تلتذ بالنظر إلى وجهه الكريم في دار النعيم، كما صرَّحوا بذلك وقالوا: هذا كله إنما يصح تعلُّقه بالمحدث لا بالقديم. قالوا: وإرادته ومحبته محال، لأن الإرادة إنما تتعلق بالمعدوم لا بالموجود، والمحبة إنما تكون لمناسبة بين المحب والمحبوب، ولا مناسبة بين القديم والمُحْدَث.
ومن لوازمه: أعظم العقوق لأبيهم آدم، فإن من خصائصه أن الله خلقه بيده، فقالوا: إنما خلقه بقدرته، فلم يجعلوا له مزية على إبليس في خلقه.
ومن لوازمه، بل صرَّحوا به: جحدهم حقيقة خُلَّة إبراهيم، وقالوا: هي حاجته وفاقته وفقره إلى الله. فلم يثبتوا له بذلك مزيةً على أحدٍ من الخلق، إذ كل أحدٍ فقيرٌ إليه في كل نَفَسٍ وطرفة عينٍ.
ومن لوازمه، بل صرَّحوا به: أن الله لم يكلم موسى تكليمًا، وإنما خلق كلامًا في الهواء أسمعه إياه فكلمه في الريح، لا أنه أسمعه كلامه الذي هو صفة من صفاته قائم بذاته، لا يُصدِّق الجهمي بهذا أبدًا.
ومن لوازمه، بل صرَّحوا به: أن الرسول ﷺ لم يعرج به إلى الله حقيقةً،
стр. 837
ولم يَدْنُ من ربه حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، ولم يرفع من عند موسى إلى عند ربه مرارًا يسأل التخفيف لأمته؛ فإن «من» و «إلى» عندهم في حق الله محال فإنها تستلزم المكان ابتداءً وانتهاءً.
ومن لوازمه: أن الله سبحانه لم يفعل شيئًا، ولا يفعل شيئًا البتةَ، فإن الفعل (١) عندهم عين المفعول، وهو غير قائم بالرب تعالى، فلم يقم به عندهم فعل أصلًا، وسَمَّوْه فاعلًا من غير فعلٍ يقوم به، كما سَمَّوْه مريدًا من غير إرادة تقوم به، وسَمَّوْه متكلمًا من غير كلامٍ يقوم به، وسمَّاه زعيمهم ـ المستأخر عند الله وعند عباده ـ عالمًا من غير علمٍ يقوم به؛ حيث قال: العلم هو المعلوم، كما قالوا: الفعل هو المفعول.
ومن لوازمه أنه لا يسمع ولا يبصر، ولا يرضى ولا يغضب، ولا يحب ولا يبغض؛ فإن ذلك من مقولة «أن ينفعل»، وهذه المقولة لا تتعلق به، وهي في حقِّه محال؛ كما نفوا علوه على خلقه واستواءه على عرشه بكون ذلك من «مقولة الأين» وهي عليه محال، ونفوا كلامه وحياته وقدرته ومشيئته وإرادته وسائر صفاته لأنها من «مقولة العرض» وهي ممتنعة عليه؛ كما نفوا استواءه على عرشه لأنه من «مقولة الوضع» المستحيل ثبوتها له.
ولوازم قولهم أضعاف أضعاف ما ذكرناه، وإنما أشرنا إلى بعضها إشارةً يتفطن بها اللبيب لما وراءها، وبالله التوفيق.
الوجه الثاني عشر بعد المائة: أن الرسول إذا لم يُبيِّن للناس أصول إيمانهم ولا عرَّفهم علمًا يهتدون به في أعظم أمور الدِّين، وأصل مقاصد
стр. 838
الدعوة النبوية، وأجلِّ ما خلق الخلق له، وأفضل ما أدركوه وحصلوه وظفروا به، وهو معرفة الله ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله وما يجب له ويمتنع عليه، بل إنما بيَّن لهم الأمور العملية، كانت رسالته مقصورة (١) على أدنى المقصودَينِ، فإن الرِّسالة لها مقصودان عظيمان:
أحدهما: تعريف العباد ربهم ومعبودهم بما هو عليه من الأسماء والصفات.
والثاني: محبته وطاعته والتقرب إليه.
فإذا لم يكن الرسول قد بيَّن للأمة أجلَّ المقصودَينِ وأفضلهما كانت رسالته قاصرة جدًّا، فكيف إذا أخبرهم فيه بما تحيله عقولهم وأذهانهم. وإذا كان النُّفاة المعطلة قد بيَّنوا ذلك بيانًا مُفصَّلًا يجب على كل أحدٍ اعتقاده، فحينئذٍ ما أتوا به أفضل ممَّا (٢) جاء به الرسول في القسمين، فإن النفي عندهم هو الحق، والإثبات باطلٌ. فما جاؤوا به من ذلك خيرٌ عندهم ممَّا جاء به الرسول من هذا الوجه، ومن جهة أن العلم أشرف من العمل.
ومن المعلوم أن النُّفاة المعطلة ليس فيهم أحدٌ من أئمة الإسلام ومَنْ لهم في الأمة لسان صدقٍ، وإنما أئمتهم الكبار: القرامطة والباطنية والإسماعيلية والنُّصيرية، وأمثالهم من ملاحدة الفلاسفة كابن سينا والفارابي وأمثالهما، وملاحدةِ المتصوفة القائلين بوحدة الوجود، كابن سبعين وصاحب «الفصوص» وصاحب «نظم السلوك» (٣) وأمثالهم. ثم من أئمتهم من هو أمثل من هؤلاء كأئمة الجهمية، كالجهم [ق ٨٥ ب] بن صفوان والجعد بن درهم
стр. 839
وأبي الهذيل العلاف وإبراهيم النظَّام وبشر المَرِيسي وثمامة بن أشرس، وأمثال هؤلاء ممَّن هم من أجهل الخلق بما بعث الله به رسوله.
فيا للعقول! ويا للعجب! أيكون ما أتى به هؤلاء من التعطيل والنفي أكمل ممَّا أتى به موسى بن عمران ومحمد بن عبد الله خاتم الرُّسل وإخوانهما من المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم؟!
فإن الرسل عند النُّفاة لم يُبيِّنوا أفضل العلم والمعرفة، وإنما هم الذين بيَّنوا ذلك ودلائله تأصيلًا وتفصيلًا، وقد صرَّح ملاحدة هؤلاء بأن الرُّسل راموا إفادة ما بيَّنوا (١) هؤلاء الملاحدة، كما قال ابن سبعين في خطبة كتابه: «أمَّا بعد: فإني قد عزمت على إفشاء السِّرِّ (٢) الذي رمز إليه هرامس (٣) الدُّهور الأولية، ورامت (٤) إفادته الهداية النبوية» (٥).
ويقول صاحب «الفصوص»: «إن الرُّسل يستفيدون معرفة ذلك من مشكاة خاتم الأولياء، وأن هذا الخاتم يأخذ العلم من المعدن الذي يأخذ منه المَلَك الذي يُوحي به إلى الرسول» (٦).
стр. 840
فهو أعلى إسنادًا من الرسول، وأقرب تلقيًا على قوله.
وطائفة من الفلاسفة تقول: «إن الفيلسوف أفضل من النبي وأكمل منه» بناءً على هذا الأصل الملعون، ومن لم يصل إلى هذا ـ الذي هو غاية تحقيقهم ـ من أهل التعطيل والتجهيم ومبتدعة المتصوفين فقد شاركهم في الأصل، وقاسمهم في الربح والثمرة، والله الموفق.
الوجه الثالث عشر بعد المائة: أن أقوال هؤلاء النُّفاة المعطلة متناقضةٌ مختلفةٌ، وذلك يدل على بطلانها وأنها ليست من عند الله. وما جاء به الرسول متسقٌ متفقٌ، يُصدِّق بعضه بعضًا، ويوافق بعضه بعضًا. وهذا يدل على أنه حقٌّ في نفسه، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اِللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨١].
وأنت إذا تأمَّلت مقالات القوم ومعقولاتهم وجدتها أعظم شيءٍ تناقضًا، ولا تجد أحدًا من فضلائهم ورؤسائهم أصلًا إلَّا وهو يقول الشيء ويقول ما يخالفه ويناقضه تارةً في المسألة الواحدة، وتارةً يقول القول ثم ينقضه في مسألة أخرى من ذلك الكتاب بعينه، وأمَّا قوله الشيء وقول نقيضه في الكتاب الآخر، فمن له فهمٌ واطلاعٌ على كتب القوم يعلم ذلك.
وأمَّا الجاهل المقلد فلا تعبأ به، ولا يسوءك سبُّه وتكفيره وتضليله، فإنه كنباح الكلب، فلا تجعل للكلب عندك قدرًا أن ترد عليه كلما نبح عليك، ودعه يفرح بنباحه، وافرح أنت بما فَضُلْتَ به عليه من العلم والإيمان والهُدى، واجعل الإعراض عنه من بعض شكر نعمة الله التي ساقها إليك وأنعم بها عليك.
стр. 841
ولولا خشية الإطالة لذكرنا في هذا الموضع من تناقضهم في مسائلهم ودلائلهم في كل مسألةٍ ما يتعجب منه العاقل، ويتنبه به الغافل.
وأمَّا مناقضة بعضهم بعضًا ومعارضة بعضهم بعضًا في الأدلة والأحكام فأمر لا خفاء به. فالواحد منهم متناقض مع نفسه، وأصحابه متناقضون فيما بينهم، وهم وخصومهم في هذا الباب أشد تناقضًا، ومناقضتهم (١) لنصوص الوحي معلومة، وهم متناقضون لما تعلم صحته بصريح العقل، فهم في ﴿ظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراهَا﴾ ولكن لا يرى هذه الظلمات إلَّا من هو في نور السمع والعقل ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اِللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ [النور: ٣٩].
الوجه الرابع عشر بعد المائة: أن هؤلاء المعارضين بين الوحي والعقل يستلزم قولهم ثلاث مقدِّمات تناقض دعواهم غاية المناقضة:
المقدمة الأولى: ثبوت الرِّسالة في نفس الأمر على قاعدة أهل الملل (٢)، وأن الرسول جاء من عند الله برسالةٍ ليس مقدورًا لبشرٍ نيلها باكتساب ولا رياضة ولا صناعة من الصنائع.
الثانية: أنه جاء بهذا الكلام الذي ادعوا أن العقل عارضه.
الثالثة: أنه أراد به حقيقته وظاهره.
فلا تتم دعوى المعارضة إلَّا بهذه الأمور، وحينئذٍ فإمَّا أن يقر المعارض
стр. 842
بها أو ينكرها، فإن أقر بها ثم ادعى المعارضة كان قوله في غاية القدح (١) في المرسل والرسول. وإن أنكرها كان الكلام معه في أصل ثبوت الرسالة، واحتج عليه بما يُحتج على منكري النبوات.
وإن أقر بالنبوة على طريقة ملاحدة الفلاسفة ومن سلك سبيلهم [ق ٨٦ أ] أنها مكتسبة، وأن خاصة النبي قوة ينال بها العلم، وقوة يتصرف بها في العالم، وقوة يتصرف فيها في المعقولات فيشكلها في نفسه خيالات تُرى وتُسمع، وهي المسماة بالملائكة، كما يقوله شيوخ هؤلاء كابن سينا وأتباعه، ولم يمكنه أن يجزم بأن النبي عالمٌ بما يقول، معصومٌ عن الخطأ فيه، فكيف وهو يقول: إن النبي قد يقول ما يعلم خلافه = فهو لا يستفيد بخبر النبي حقًّا البتةَ، فكيف يتكلم في المعارضة التي هي فرع الاعتراف بصحة الدليل ولكن قد عارضه غيره (٢).
فيكون مقام هذا مقام منع لا مقام معارضة، فإما أن يمنع كون النبي عالمًا بما يقول، أو كونه جازمًا معصومًا فيه، أو كونه جاء بذلك، أو كونه أراد به خلاف ما دلَّ العقل بزعمه عليه؛ وإلَّا فمع إقراره بذلك تستحيل المعارضة؛ إذ (٣) ترجع حقيقتها إلى أن ما جاء به حقٌّ وأنه باطلٌ، وهذا جمع بين النقيضين. فثبت أن هذه الطريقة طريقة ممانَعة (٤)، لا طريقة معارضة، وأن دعوى المعارض تستلزم الجمع بين النقيضين. فمن لم يعلم أن الرسول
стр. 843
معصومٌ صادقٌ فيما يُخبر به كيف تمكنه المعارضة، ومن لم يعلم أنه جاء بكذا لم تمكنه المعارضة، ومن لم يعلم أنه أراده بكلامه لم تمكنه المعارضة، ومن علم هذه الأمور الثلاثة وأقر (١) بها لم يمكنه المعارضة.
فبطلت دعوى المعارضة على التقريرين، وبالله التوفيق.
الوجه الخامس عشر بعد المائة: أن من عرف بطلان هذه المعقولات التي يُعارض هؤلاء بها السمع امتنع عنده أن يحصل بها المعارضة لامتناع ثبوت المعارضة بين الحق والباطل، ومن اعتقد صحتها فاعتقاد صحتها عنده ملزومٌ لبطلان السمع، فيلزم من صحتها بطلانه، وتمتنع المعارضة أيضًا، فالمعارضة ممتنعة على تقدير صحتها وفسادها.
الوجه السادس عشر بعد المائة: أن تجويز التعارض بين السمع والعقل والإيمان بالله ورسوله لا يمكن اجتماعهما البتةَ، فإن صَحَّتِ المعارضة امتنع الإيمان، وإن صحَّ الإيمان امتنعت المعارضة. فإن الإيمان مبناه على أن الرسول صادقٌ فيما يُخبِر به عن الله، معصومٌ في خبره، وعلى أنه جاء بهذا الكتاب، وعلى أنه أراد من الأُمة أن يثبتوا حقائقه ويفهموه ويتدبروه، ولا ينفوا حقائق ما أخبر به، ويُقِرُّوا بلفظه، فلا يمكن وجود الإيمان بالرسول إلَّا بهذه الأصول الثلاثة.
فإذا جوَّزنا معارضة العقل الصريح لما جاء به لزم القدح والطعن فيها أو في بعضها، والطعن في الأمرين الأولين مناقضٌ للإيمان بالذات، والطعن في الثالث يستلزم الطعن فيهما؛ إذ غايته الاعتراف بأنه جاء بهذه الألفاظ ولم
стр. 844
يجئ بحقائقها ومعانيها، وهذا جحدٌ لما أُرسل به حقيقةً. فثبت أن الإيمان وهذه المعارضة لا يجتمعان أبدًا. ويوضحه:
الوجه السابع عشر بعد المائة: وهو أن يقال لهؤلاء المعارضين للوحي بآرائهم: إمَّا أن تردوا هذه النصوص وتكذبوها، وإمَّا أن تصدقوها وتقبلوها. والأول إلحادٌ وكفرٌ ظاهرٌ.
وإن قبلتموها فإمَّا أن تعتقدوا أن الرسول أراد حقائقها ومعانيها المفهومة منها أو لا، فإن اعتقدتم أنه أراد حقائقها فإمَّا أن تعتقدوا ثبوت تلك الحقائق في نفس الأمر أو انتفاءها أو تشكون في الأمر، ولا ريب أنه مع اعتقاد ثبوت تلك الحقائق تمتنع المعارضة، وأنه مع الشك تمتنع المعارضة. فلا تمكن المعارضة إلَّا على تقدير العلم بانتفاء تلك الحقائق في نفس الأمر، وحينئذٍ فإذا أراد إفهامها فقد أراد إفهام خلاف الحقِّ، فإمَّا أن توافقوه في مراده وتمنعوا تأويلها بما يخالف حقائقها لأنه مناقضة لمراده، وإمَّا أن توجبوا تأويلها بما يخرجها عن حقائقها ومعانيها المفهومة منها.
والأول يستلزم الإقرار على الباطل، وإفهام أقبح الكذب، وهو الكذب على الله وأسمائه وصفاته، وهذا يرجع على أصل الرسالة ومقصودها (١) بالإبطال، فلم يبق إلَّا التأويل. ولا يمكنكم سلوك طريقه؛ لأنكم تناقضون فيه أقبح التناقض، فإنكم إمَّا أن تتأولوا الجميع، وليس في المنتسبين إلى القبلة من يجوِّز ذلك ولا يمكنه، وإمَّا أن تتأولوا البعض دون البعض، فيقال لكم: ما الفرق بين ما جوَّزتم تأويله فصرفتموه عن حقيقته ومعناه الظاهر منه
стр. 845
وبين ما أقررتموه على حقيقته؟
فإن قلتم ما يقوله جمهوركم: إن ما عارضه عقليٌّ قاطعٌ تأولناه، وما لم يعارضه عقليٌّ قاطعٌ أقررناه.
قيل لكم: فحينئذٍ لا يمكنكم نفي التأويل عن شيءٍ، [ق ٨٦ ب] فإنكم لا يمكنكم نفي جميع المعارضات العقلية ـ كما تقدم ـ؛ إذ غاية ما معكم نفي العلم بها، وعدم العلم لا يستلزم عدم المعلوم. وأيضًا فمعقولات الناس ليست على حدٍّ واحدٍ، فهب أن معقولاتكم ليست تعارض ما أقررتموه فقد ادَّعى غيركم أن معقولاته تعارضها، وبيَّن تلك المعارضة بمقدمات أقوى من مقدماتكم التي عارضتم بها ما تأولتموه ومثلِها.
وأيضًا فعدم العلم بالمعارض العقلي القطعي لا يوجب الجزم بمدلول الدليل السمعي، فإنكم إذا جوَّزتم على الرسول أن يقول قولًا له معنًى وهو لا يريده ـ لأن في العقليات الدقيقة التي لا تخطر ببال أكثر الناس أو لا تخطر ببال الخلق في قرونٍ كثيرةٍ ما يخالف ذلك ـ جاز أن يريد بما أقررتموه ما يخالف مقتضاه، وعدم العلم بما يعارضه من العقليات لا يستلزم عدم المعارض في نفس الأمر، وهذا ممَّا لا جواب لكم عنه.
فإن قلتم: نتأول ما [لا] (١) يُعلم بالاضطرار أنه جاء به وأراده، وما عُلم بالاضطرار أنه جاء به وأراد معناه أقررناه.
قيل لكم: فخصومكم من أهل الباطل يقولون لكم فيما أقررتموه: نحن لم نعلم أنه جاء بهذا ولا أراد معناه، كما قلتم أنتم فيما تأولتموه سواء.