← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 184

الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 216 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

وقال الشيخ نصر المقدسي الشافعي ـ الشيخ المشهور ـ في كتابه «الحجة» (١) له: «إن قال قائل: قد ذكرت ما يجب على أهل الإسلام من اتباع كتاب الله وسُنة رسوله، وما أجمع عليه [ق ١٠١ ب] الأئمة والعلماء، والأخذ بما عليه أهل السُّنَّة والجماعة، فاذكر مذاهبهم، وما أجمعوا عليه من اعتقادهم، وما يلزمنا من المصير إليه من إجماعهم. فالجواب: أن الذي أدركت عليه أهل العلم، ومن لقيتهم وأخذت عنهم، ومن بلغني قوله من غيرهم … » فذكر جُلَّ اعتقاد أهل السُّنَّة، وفيه: «أن الله مستوٍ على عرشه، بائنٌ من خلقه، كما قال في كتابه: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨]». وقال قبله الحافظ أبو نعيم الأصبهاني المشهور ـ صاحب التصانيف المشهورة كـ «حلية الأولياء» وغيرها ـ في «عقيدته» (٢) المشهورة عنه: «طريقتنا طريقة المتبعين للكتاب والسُّنَّة وإجماع الأُمة، فما اعتقدوه اعتقدناه. فممَّا اعتقدوه أن الأحاديث التي ثبتت عن النبي ﷺ في العرش واستواء الله عليه يقولون بها، ويثبتونها من غير تكييفٍ ولا تمثيلٍ ولا تشبيهٍ، وأن الله بائنٌ من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم، ولا يمتزج بهم، وهو مستوٍ على عرشه في سماواته من دون أرضه».

стр. 947

وقال الشيخ أبو أحمد الكرجي الإمام المشهور في أثناء المائة الرابعة، في «العقيدة» التي ذكر أنها اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة، وهي العقيدة التي كتبها الخليفة (١) القادر بالله، وقرأها على الناس، وجمع الناس عليها، وأقرَّ بها طوائف أهل السُّنَّة، وكان قد استتاب من خرج عن السُّنَّة من المعتزلة والرافضة ونحوهم سنة ثلاث عشرة وأربعمائة. وكان حينئذٍ قد تحرَّك ولاة الأمور لإظهار السُّنَّة؛ لمَّا كان الحاكم المصري وأمثاله من أئمة (٢) الملاحدة قد انتشر أمرهم، فكان أهل ابن سينا وأمثالهم من أهل دعوتهم، وأظهر السلطان محمود بن سبكتكين لعنة أهل البدع على المنابر وأظهر السُّنَّة، وتناظر عنده ابن الهيصم (٣) وابن فورك في مسألة العلو، فرأى قوة كلام ابن الهيصم فرجَّح ذلك، ويقال: إنه قال لابن فورك: فلو أردت أن تصف المعدوم كيف كنت تصفه بأكثر من هذا. وقال: فرِّق (٤) لي بين هذا الربِّ الذي تصفه وبين المعدوم. وإن ابن فورك كتب إلى أبي إسحاق الإسفراييني يطلب الجواب عن ذلك، فلم يكن الجواب إلَّا أنه: لو كان فوق العرش للزم أن يكون جسمًا. ومن الناس من يقول: إن السلطان لمَّا ظهر له فساد قول ابن فورك سقاه السُّمَّ حتى قتله. وتناظر عنده فقهاء الحديث من أصحاب

стр. 948

الشافعي وغيرهم وفقهاء الرأي، فرأى قوة مذهب أهل الحديث فرجَّحه، وغزا المشركين بالهند. وهذه العقيدة مشهورة، وفيها: «كان ربنا وحده ولا شيء معه، ولا مكان يحويه، فخلق كل شيءٍ بقدرته، وخلق العرش لا لحاجة إليه، فاستوى عليه استواءَ استقرارٍ كيف شاء وأراد، لا استواءَ راحةٍ كما يستريح الخلق، وهو يُدبِّر السماوات والأرض، ويُدبِّر ما فيهما ومن في البر والبحر، لا مدبِّر غيره ولا حافظ سواه، يرزقهم ويمرضهم، ويعافيهم ويميتهم، والخلق كلهم عاجزون: الملائكة، والنبيون، والمرسلون، وسائر الخلق أجمعين. والقادر بقدرة، والعالم بعلم أزلي غير مستفاد، وهو السميع بسمع، والبصير ببصر، يعرف صفتهما من نفسه، ولا يبلغ كنههما أحد من خلقه، متكلم بكلام يخرج منه لا بآلة مخلوقة كآلة المخلوقين، لا يوصف إلَّا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه، وكل صفة وصف بها نفسه أو وصفه بها نبيه ﷺ فهي صفة حقيقية لا صفة مجاز» (١). وقال أبو عمر أيضًا (٢): «أجمعُ علماء الصحابة والتابعين الذين حُمل عنهم التأويل قالوا في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]. هو على العرش، وعلمه في كل مكان. وما خالفهم في ذلك أحدٌ يحتج بقوله». وقال أيضًا (٣): «أهل السُّنَّة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها

стр. 949

في القرآن والسُّنَّة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلَّا أنهم لا يُكيِّفون شيئًا من ذلك، ولا يجدون فيه صفة محصورة. وأمَّا أهل البدع الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئًا على الحقيقة، ويزعم أن من أقرَّ بها مشبِّه. وهم عند من أقرَّ بها نافون للمعبود يلاشون (١) ـ أي: يقولون: لا شيء ـ والحقُّ فيها ما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسُنة رسول الله، وهم أئمة الجماعة». وقال الشيخ العارف معمر (٢) بن أحمد الأصفهاني أحد شيوخ الصوفية في أواخر المائة الرابعة: «أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السُّنَّة وموعظة من الحكمة، وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر وأهل [ق ١٠٢ أ] المعرفة والتصوف من المتقدمين والمتأخرين». قال فيها: «وأن الله مستوٍ على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، والاستواء معقولٌ، والكيف مجهولٌ (٣)، وأنه مستوٍ على عرشه، بائنٌ من خلقه، والخلق منه بائنون، بلا حلول ولا ممازجة، ولا اختلاط ولا ملاصقة؛ لأنه الفرد البائن من الخلق، الواحد الغني عن الخلق، وأن الله سميعٌ بصيرٌ عليمٌ

стр. 950

خبيرٌ، يتكلم ويرضى، ويسخط ويضحك ويعجب، ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكًا، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء، فيقول: هل من داعٍ فأستجيب له؟ هل من مستغفرٍ فأغفر له؟ هل من تائبٍ فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر. ونزول الرب إلى سماء الدنيا بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدعٌ ضالٌّ» (١). وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: «سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السُّنَّة ـ يعني في أصول الدِّين ـ وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار فقالوا: [أدركنا العلماء في جميع الأمصار] (٢) حجازًا وعراقًا ومصرًا وشامًا ويمنًا وكان من مذاهبهم: أن الإيمان قولٌ وعملٌ، يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوقٍ بجميع جهاته … » إلى أن قالوا: «إن الله على عرشه بائنٌ من خلقه، كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله، بلا كيف، أحاط بكل شيء علمًا» (٣). وقال الشيخ الإمام المتفق على إمامته وعلمه وصلاحه وكراماته أبو محمد موفق الدِّين بن قدامة المقدسي: «إن الله وصف نفسه بالعلو في

стр. 951

السماء، ووصفه بذلك رسوله خاتم الأنبياء، وأجمع على ذلك جميع (١) العلماء من الصحابة الأتقياء والأئمة من الفقهاء، وتواترت الأخبار بذلك على وجه حصل به اليقين، وجمع الله عليه قلوب المسلمين، وجعله مغروزا في طباع الخلق أجمعين، فتراهم عند نزول الكرب يلحظون السماء بأعينهم، ويرفعون نحوها للدعاء أيديهم، وينظرون مجيء الفرج من ربهم، وينطقون بذلك بألسنتهم، ولا ينكر ذلك إلَّا مبتدع غالٍ في بدعته، أو مفتون بتقليده واتباعه على ضلالته» (٢). قال: «وأنا ذاكر في هذا الجزء (٣) ما بلغني في ذلك عن رسول الله ﷺ وصحابته والأئمة المقتدين بسنته على وجه يحصل القطع واليقين بصحة ذلك عنهم، ويُعلَم تواتر الرواية بوجوده منهم، ليزداد من وقف عليه من المؤمنين إيمانًا، ويثبته من خفي عليه ذلك حتى يصير كالمشاهد له عيانًا» (٤). وقال أبو عبد الله القرطبي المالكي في «شرح الأسماء الحسنى» لما ذكر اختلاف الناس في تفسير الاستواء قال: «وأظهر الأقوال في ذلك ما تظاهرت عليه الآي والأخبار، وقاله الفضلاء الأخيار، أن الله على عرشه كما أخبر في

стр. 952

كتابه وعلى لسان نبيه بلا كيفٍ، بائن من خلقه، هذا مذهب السلف الصالح فيما نقل عنهم الثقات» (١). وقال أيضًا في كتابه في «التفسير» (٢) لمَّا تكلم على آية الاستواء قال: «هذه مسألة الاستواء، وللعلماء فيها كلامٌ، وقد بيَّنا أقوال العلماء في «شرح الأسماء الحسنى» وذكرنا فيها أربعة عشر قولًا». وذكر قول النُّفاة المعطلين فقال: «وإنهم يقولون: إذا وجب تنزيه الربِّ عن الحيز (٣) فمن ضرورة ذلك ولواحقه تنزيه الربِّ عن الجهة. فليس بجهة

стр. 953

فوق عندهم؛ لأنه يلزم من ذلك عندهم متى اختص بجهة أن يكون في مكانٍ أو حيزٍ (١)، ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون، ويلزم من ذلك التغير والحدوث. قال: وكان السلف الأول ﵃ لا يقولون بنفي الجهة، ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى، كما نطق كتابه وأخبرت رسله، ولم ينكر أحدٌ من السلف الصالح أنه مستوٍ على عرشه حقيقةً، وإنما جهلوا كيفية الاستواء». وقال أبو بكر (٢) النقاش: «حدثنا أبو العباس السرَّاج، قال: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: «هذا قول الأئمة في الإسلام والسُّنَّة والجماعة: نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه، كما قال: ﴿اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: ٤]» (٣). وقال الخلَّال في كتاب «السُّنة» (٤): أخبرنا المرُّوذي، حدثنا محمد بن الصباح النيسابوري، حدثنا سليمان بن داود الخفاف، قال: قال إسحاق بن إبراهيم بن راهويه: قال الله ﵎: ﴿اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: ٤] فهو فوق سماواته على عرشه، ويعلم كل شيءٍ في أسفل الأرض

стр. 954

السابعة، وفي قعر البحار، وفي رؤوس الآكام (١) وبطون الأودية، وفي كل موضعٍ، كما يعلم علم ما في السماوات السبع وما دون العرش، أحاط بكل شيءٍ علمًا، فلا تسقط من ورقةٍ إلَّا يعلمها، ولا حبةٍ في ظُلمات [ق ١٠٢ ب] الأرض، ولا رطبٍ ولا يابسٍ إلَّا في كتابٍ، قد عرف ذلك وأحصاه، ولا يعجزه معرفة شيءٍ عن معرفة غيره». وفي كتاب «السُّنة» لعبد الله بن الإمام أحمد وكتاب «الرد على الجهمية» لعبد الرحمن بن أبي حاتم (٢) عن سعيد بن عامر الضُّبَعي ـ إمام أهل البصرة علمًا ودينًا من طبقة شيوخ الشافعي وأحمد وإسحاق ـ أنه ذُكر عنده (٣) الجهمية فقال: «هم شرٌّ قولًا من اليهود والنصارى، قد أجمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله فوق العرش، وقالوا هم: ليس عليه شيء». ورويا أيضًا في هذين الكتابين (٤) عن عبد الرحمن بن مهدي ـ الإمام المشهور ـ قال: «أصحاب جهم يريدون أن يقولوا: إن الله لم يكلم موسى، ويريدون أن يقولوا: ليس في السماء شيءٌ، وأن الله ليس على العرش. أرى أن

стр. 955

يُستتابوا، فإن تابوا؛ وإلَّا قُتلوا». وروى عبد الله بن أحمد في كتاب «السنة» (١) عن عباد بن العوام الواسطي ـ من طبقة عبد الرحمن بن مهدي وذويه ـ قال: «كلمت بشرًا المريسي وأصحاب بشرٍ، فرأيت آخر كلامهم ينتهي إلى أن يقولوا: ليس في السماء شيءٌ». وقال علي بن عاصم شيخ البخاري: «ناظرت جهميًّا، فتبين من كلامه أنه لا يرى أن في السماء ربًّا». ذكره عبد الله بن أحمد (٢) وابن أبي حاتم (٣). وروى عبد الله بن أحمد (٤) عن سليمان بن حرب، قال: سمعت حماد بن زيدٍ وذكر هؤلاء الجهمية فقال: «إنما يجادلون (٥) أن يقولوا: ليس في السماء شيءٌ». وروى عن أبيه، حدثنا سُريج (٦) بن النعمان، قال: سمعت عبد الله بن

стр. 956

نافع الصائغ، قال: سمعت مالك بن أنس يقول: «الله في السماء، وعلمه في كل مكان» (١). وروى البيهقي (٢) بإسنادٍ صحيحٍ عن الأوزاعي قال: «كنا نحن ـ والتابعون متوافرون (٣) ـ نقول: إن الله تعالى فوق عرشه، نؤمن بما وردت به السُّنَّة من صفاته». فقد ذكر الأوزاعي وهو أحد الأئمة في عصر تابعي التابعين، الذين كان فيهم: مالك وابن الماجشون وابن أبي ذئب ونحوهم من أئمة أهل الحجاز، والليث بن سعد ونحوه من أئمة مصر، والثوري وابن أبي ليلى وأبو حنيفة ونحوهم من أئمة أهل الكوفة، وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن عيينة ونحوهم من أئمة أهل البصرة، فهؤلاء وأمثالهم أئمة الإسلام شرقًا وغربًا في ذلك الزمان = وقد حكى الأوزاعي شهرة القول بأن الله فوق عرشه في زمن التابعين. وقال أبو حنيفة: «من قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض، فقد كفر؛ لأن الله يقول: ﴿اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: ٤] وعرشه فوق سبع

стр. 957

سماوات». قال أبو مطيع: قلت: فإن قال: إنه على العرش، وقال: لا أدري العرش في السماء أم في الأرض. قال: هو كافرٌ؛ لأنه أنكر أن يكون الله في السماء؛ لأنه تعالى في أعلى عليين، وهو يُدعى مِن أعلى لا مِن أسفل. وفي لفظ آخر: قال أبو مطيع: سألت أبا حنيفة عمَّن قال: لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض. قال: قد كفر؛ لأن الله يقول: ﴿اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: ٤] وعرشه فوق سبع سماواتٍ. قال: فإنه يقول: على العرش استوى، ولكنه لا يدري العرش في الأرض أم في السماء. قال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر». ذكره البيهقي (١) وغيره. وروى عبد الله بن أحمد (٢) وغيره عن عبد الله بن المبارك بأسانيد صحيحةٍ بأنه سُئل: بماذا نعرف ربنا؟ قال: «بأنه فوق سماواته على عرشه، بائنٌ من خلقه، ولا نقول كما تقول الجهمية بأنه هاهنا في الأرض». وهكذا قال الإمام أحمد فيما حكاه الخلَّال عنه في «الجامع» (٣) قال في

стр. 958

رواية ابنه عبد الله: «باب ما أنكرت الجهمية الضُلَّال أن يكون الله على العرش. قلنا: لم أنكرتم أن الله على العرش؟ وقد قال جلَّ ثناؤه: ﴿اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: ٤] وقال: ﴿خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اَسْتَوَى عَلَى اَلْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤] ثم قال: وقد أخبرنا أنه في السماء فقال: ﴿أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي اِلسَّمَاءِ اَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك: ١٨] وقال جل ثناؤه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ اُلْكَلِمُ اُلطَّيِّبُ وَاَلْعَمَلُ اُلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] وقال: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٤] وقال: ﴿بَل رَّفَعَهُ اُللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٧] وقال: ﴿وَلَهُ مَن فِي اِلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ﴾ [الأنبياء: ١٩] وقال: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] وقال: ﴿ذِي اِلْمَعَارِجِ﴾ [المعارج: ٣] وقال: ﴿وَهْوَ اَلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٩] وقال: ﴿وَهْوَ اَلْعَلِيُّ اُلْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وقد أخبر الله أنه في السماء، ووجدنا كل شيء أسفل مذمومًا، يقول جل ثناؤه: ﴿إِنَّ اَلْمُنَافِقِينَ فِي اِلدَّرَكِ اِلْأَسْفَلِ مِنَ اَلنّارِ﴾ [النساء: ١٤٤] … » إلى أن قال: «ومعنى قول الله : ﴿وَهْوَ اَللَّهُ فِي اِلسَّمَاوَاتِ وَفِي اِلْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٤] يقول: هو إلهُ مَن في السماوات، وإله من في الأرض، وهو الله على العرش، وقد أحاط علمه بما دون العرش لا يخلو من علم الله مكان». ونصوص أحمد في ذلك كثيرةٌ جدًّا، مذكورة في غير هذا الموضع. وأمَّا الشافعي فقد [ق ١٠٣ أ] صرَّح في خطبة «الرسالة» (١) بأن الله سبحانه لا يوصف إلَّا بما وصف به نفسه، وصرَّح بأن خلافة الصدِّيق حقٌّ قضاها الله فوق سماواته، وجمع عليها قلوب عباده.

стр. 959

وصرَّح في باب الكفارة في حديث الجارية وقول النبي ﷺ لها: «أَيْنَ اللهُ؟» قال الشافعي: فلمَّا وصفت الإيمان قال: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»، فجعل إقرارها بأن الله في السماء إيمانًا (١). وذكر البخاري في كتاب «خلق الأفعال» (٢) عن وهب بن جريرٍ ـ أحد أئمة الإسلام ـ قال: «الجهمية الزنادقة إنما يُريدون أنه ليس على العرش استوى». وعن حماد بن زيدٍ: «القرآن كلام الله نزل به جبريل، ما يجادلون إلَّا أن (٣) ليس في السماء إله» (٤). وقال ابن المبارك: «لا نقول كما قالت الجهمية: إنه في الأرض هاهنا. بل على العرش استوى» (٥). وقيل له: كيف نعرف ربنا؟ قال: «فوق سماواته على عرشه» (٦). وقال لرجلٍ من الجهمية: «أبطنك خالٍ منه؟» فبُهت الآخر (٧). وذكر البخاري في هذا الكتاب أيضًا قول سعيد بن عامر (٨)، وقد تقدم (٩).

стр. 960

وقال (١) عن شيخه علي بن عاصم: «احذر من المريسي وأصحابه، فإن كلامهم أبو جاد الزندقة (٢)، وأنا كلمت أستاذهم جهمًا فلم يثبت أن في السماء إلهًا». وقال يزيد بن هارون: «من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما تقرَّر في قلوب العامة فهو جهميٌّ» (٣). وقال صدقة: سمعت سليمان التيمي يقول: «لو سُئلت أين الله تعالى؟ لقلت: في السماء. فإن قال: فأين كان عرشه قبل السماء؟ لقلت: على الماء. فإن قال: فأين كان عرشه قبل (٤) الماء؟ لقلت: لا أعلم» (٥). وفي «مسائل حرب (٦) لأحمد وإسحاق»: «إن الله سبحانه وصف نفسه في كتابه بصفات، استغنى الخلق أن يصفوه بغير ما (٧) وصف به نفسه. من ذلك قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اُللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ اَلْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٨] وقوله: ﴿وَتَرَى اَلْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ اِلْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٢] وآيات

стр. 961

مثلها تصف العرش، وقد ثبتت الروايات في العرش، وأعلى شيءٍ فيه وأثبته قول الله: ﴿اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: ٤]. وذكر (١) عن خارجة بن مصعب قال: «الجهمية كفارٌ، لا تنكحوا إليهم ولا تنكحوهم، ولا تعودوا مرضاهم، ولا تشهدوا جنائزهم، وبلغوا نساءهم أنهن طوالق، وأنهن لا يبحن لأزواجهن. وقرأ ﴿طه﴾ إلى قوله: ﴿اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: ١ - ٤] ثم قال: وهل يكون الاستواء إلَّا الجلوس». وقال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خُزَيمة: «من لم يقل بأن الله فوق سماواته على عرشه بائنٌ من خلقه وجب أن يُستتاب، فإن تاب وإلَّا ضُربت عنقه، ثم أُلقي على مزبلةٍ؛ لئلا يتأذى بنَتْن ريحه أهل القبلة ولا أهل الذِّمَّة». ذكره عنه أبو عبد الله الحاكم في كتاب «علوم الحديث» (٢) له، وفي كتاب «تاريخ نيسابور» (٣)، وذكره أبو عثمان النيسابوري في «رسالته» (٤) المشهورة. وروى الخلَّال (٥) بإسنادٍ كلهم ثقات عن سفيان بن عُيينة، قال: سُئل

стр. 962

ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله: ﴿اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: ٤] فقال: «الاستواء [غير] (١) مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق». وقد روي هذا الكلام عن الإمام مالكٍ من وجوهٍ متعددةٍ (٢). وروى ابن أبي حاتم (٣) عن هشام بن عبيد الله الرازي: أنه حبس رجلًا في التجهم، فجيء به إلى هشام ليمتحنه، فقال: «أتشهد أن الله على عرشه بائنٌ من خلقه؟ قال: لا أدري ما بائن من خلقه؟ فقال: ردوه إلى الحبس فإنه لم يتب». وروى أيضًا عن عبد الله بن أبي جعفر الرازي أنه جعل يضرب قرابة له بالنعل على رأسه يرى رأي جهم قال: «لا حتى يقول: الرحمن على العرش استوى بائنٌ من خلقه» (٤). وروى أيضًا عن جرير بن عبد الحميد الرازي أنه قال: «كلام الجهمية

стр. 963

أوله عسلٌ، وآخره سمٌّ، وإنما يجادلون (١) أن يقولوا: ليس في السماء إله» (٢). وقال أبو الوليد بن رشد في كتاب «مناهج الأدلة» (٣): «القول في الجهة: وأمَّا هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة في أول الأمر يثبتونها لله حتى نفتها المعتزلة، وتبعهم على ذلك متأخرو الأشعرية». وساق أدلة القرآن عليها إلى أن قال: «والشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء، وأن منها تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين، وأن من السماء نزلت الكتب، وإليها كان الإسراء بالنبي ﷺ حتى قرب من سدرة المنتهى. قال: وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله والملائكة في السماء، كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك». ثم قرَّر ذلك بالدليل العقلي، وبيَّن بطلان شُبهة المعطلة (٤). وهذه النقول التي حكيناها قليلٌ من كثيرٍ، وقد ذكرنا أضعاف أضعافها في كتاب «اجتماع العساكر الإسلامية على غزو الفرقة الجهمية» (٥)، وهي تُبيِّن كَذِبَ مَن قال: إنه لم يقل بذلك إلَّا الكرَّامية والحنبلية، وفريتَه (٦) وجهلَه. والمقصود بأن علو الخالق على المخلوقات كلها وكونه [ق ١٠٣ ب]

стр. 964

فوق العالم أمرٌ مستقرٌّ في فِطَر العباد، معلومٌ لهم بالضرورة، كما اتفق عليه جميع الأمم من غير تواطؤ وتشاعر، بخلاف النفي والتعطيل؛ فإنه يتلقاه بعضهم عن بعضٍ كسائر المقالات الباطلة، المخالفة لصريح العقل والنقل. فصل وممَّا ينصر (١) ذلك أن العباد كلهم مضطرون إلى دعاء الربِّ سبحانه وسؤاله وقصده والافتقار إليه، كما قال الله تعالى: ﴿يَسْئَلُهُ مَن فِي اِلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٧] وهم مضطرون إلى توجيه قلوبهم إلى العلو، كما أنهم مضطرون إلى دعائه وقصده وسؤاله، كما أنهم يضطرون إلى الإقرار به، وأنه ربُّهم وخالقهم ومليكهم، ولا يجدون فرقًا بين هذا الاضطرار وهذا. فكما لا تتوجه قلوبهم إلى ربٍّ غيره ولا إلى إلهٍ سواه، فكذلك لا يجدون في قلوبهم توجهًا إلى جهة أخرى غير العلو، بل يجدون قلوبهم مضطرةً إلى قصد جهة العلو دون سائر الجهات، وهذا يتضمن اضطرارهم إلى قصده سبحانه في العلو، وإقرارهم وإيمانهم بذلك. فصل الطريق الثالث (٢): أنه قد ثبت بصريح العقل أن الأمرين المتقابلين إذا

стр. 965

كان أحدهما صفة كمالٍ والآخر صفة نقصٍ؛ فإن الله سبحانه يوصف بالكمال منهما دون النقص. ولهذا لمَّا تقابل الموت والحياة وُصف بالحياة دون الموت. ولمَّا تقابل العلم والجهل وُصف بالعلم دون الجهل. وكذلك العجز والقُدرة، والكلام والخرس، والبصر والعمى، والسمع والصمم، والغنى والفقر. ولمَّا تقابلت المباينة للعالم والمداخلة له وُصف بالمباينة دون المداخلة. وإذا كانت المباينة تستلزم علوه على العالم أو سفوله عنه وتَقَابلَ العلو والسفول؛ وُصف بالعلو دون السفول. وإذا كان مباينًا للعالم كان من لوازم مباينته أن يكون فوق العالم، ولمَّا كان العلو صفة كمالٍ كان ذلك من لوازم ذاته، فلا يكون مع وجود العالم إلَّا عاليًا عليه ضرورةً، ولا يكون سبحانه إلَّا فوق المخلوقات كلها، ولا تكون المخلوقات محيطةً به أصلًا. وإذا قابلت بين هذه المقدِّمات ومقدِّمات شُبه المعطلة ظهر لك الحقُّ من الباطل. فصل الطريق الرابع (١): أنه إذا كان سبحانه مباينًا للعالم فإمَّا أن يكون محيطًا به أو لا يكون محيطًا به. فإن كان محيطًا به لزم علوه عليه قطعًا ضرورة علو المحيط على المحاط به. ولهذا لمَّا كانت السماء محيطةً بالأرض كانت عاليةً عليها، ولمَّا كان الكرسي محيطًا بالسماوات كان عاليًا عليها، ولمَّا كان العرش محيطًا بالكرسي كان عاليًا. فما (٢) كان محيطًا بجميع ذلك كان عاليًا عليه ضرورةً، ولا يستلزم ذلك محايثته لشيءٍ ممَّا هو محيطٌ به ولا مماثلته

стр. 966

ومشابهته له. فإذا كانت السماء محيطةً بالأرض وليست مماثلةً لها فالتفاوت الذي بين العالم وربِّ العالم أعظم من التفاوت الذي بين الأرض والسماء. وإن لم يكن محيطًا بالعالم بألَّا يكون العالم كُريًّا، بل تكون السماوات كالسقف المستوي فهذا ـ وإن كان خلاف الإجماع وخلاف ما دلَّ عليه العقل والحس ـ فلو قال به قائلٌ لزم أيضًا أن يكون الربُّ تعالى عاليًا على العالم؛ لأنه إذا كان مباينًا وقُدر أنه غير محيط فالمباينة تقتضي ضرورة أن يكون في العلو أو في جهة غيره، ومن المعلوم بالضرورة أن العلو أشرف بالذات من سائر الجهات؛ فوجب ضرورة اختصاص الربِّ بأشرف الأمرين وأعلاهما. والمعطلة تقول: هذه القضية خطابية لا برهانية. ولعمر الله إنك لو سألت كل صحيح التمييز والفطرة عن ذلك لوجدت في فطرته أن الربَّ تعالى أولى وأحق بهذه القضية التي يُسمِّيها هؤلاء خطابية، وليس في المعقول أصحُّ من هذه المقدمة، وتسميتها خطابية لا تقتضي جحد العقول الصحيحة لها وإنكارها للربِّ سبحانه. فصل الطريق الخامس (١): ما احتجَّ به الإمام أحمد نفسه على الجهمية، فقال (٢): «وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذبٌ على الله (٣) فقل له: أليس

стр. 967

الله كان ولا شيء؟ فيقول نعم. فقل له: فحين خلق الخلق خلقه في نفسه أو خارجًا من نفسه؟ فإنه يصير إلى ثلاثة أقوال [لا بد له من] (١) واحدٍ منها: إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه، فقد كفر حين زعم أنه خلق الجن والشياطين في نفسه. وإن قال: خلقهم خارجًا من نفسه ثم دخل فيهم، كان هذا أيضًا كفرًا حين زعم أنه دخل في كل مكانٍ وحَشٍّ (٢) قَذِرٍ رديءٍ. وإن قال: خلقهم خارجًا من نفسه ثم لم يدخل فيهم، رجع قوله كله أجمع، وهو قول أهل السنة». وبقي هاهنا قسمان، سكت الإمام أحمد عن التعرُّض لإبطالهما؛ لأن بطلانهما معلومٌ بالضرورة، [ق ١٠٤ أ] فإن أحدهما يتضمن إثبات النقيضين، والآخر يتضمن رفعهما. فالأول: أن يكون خلقهم خارجًا عن نفسه وداخلًا في نفسه. والثاني: أن يكون غير خارجٍ عنهم ولا داخلٍ فيهم، أو يكونوا غير خارجين عنه ولا داخلين فيه؛ فإن نفي هذا كنفي أن يكون قائمًا بنفسه وقائمًا بغيره وأن يكون قديمًا ومحدثًا، ونحو ذلك ممَّا يُنفَى فيه النقيضان.

стр. 968

ولا يُغني الجهمي في هذا المقام اعتذاره بأنه غير قابل للدخول والخروج والمباينة والمحايثة، لثلاثة أوجهٍ: أحدها: أن يقال له: وهكذا قال أخوك معطل الذات سواء: إنه غير قابل للقدم والحدوث، فما كان جوابك له فهو جواب أهل الإثبات لك. الثاني: أن هذا التقسيم يتناول كل موجودٍ، ولا يخرج عنه إلَّا العدم المحض، فإنه تقسيمٌ حاصرٌ. ولا واسطة بين نفيه وإثباته البتة، بل هذا حُكْم كل موجودين بالضرورة، فإنه إمَّا أن يكون أحدهما مباينًا للآخر أو غير مباين له، كما يقال إمَّا أن يكون أحدهما قائمًا بالآخر، أو غير قائمٍ به، وإنكار (١) هذا مكابرة صريحة للعقل، وكذلك إما أن يكون متقدمًا عليه أو مقارنًا له، فقولكم: إن هذا فيما هو قابل. كلام باطل يتضمن رفع النقيضين والخلو منهما. الثالث: أن يقال: لا يتصور العقل شيئًا غير قابل لذلك إلَّا العدم المحض والنفي الصِّرْف، ودعواكم على العقل أنه يثبت قسمًا آخر غير قابل للنقيضين كذبٌ على العقل وفريةٌ. فصل يوضحه: الطريق السادس (٢): أن يقال: كل موجودين فإمَّا أن يكون أحدهما قائمًا بنفسه، أو قائمًا بالآخر ؛ فإن كان قائمًا بالآخر امتنع قيام الآخر به ضرورةً، وإن كان قائمًا بنفسه فحقيقته خارجة عن حقيقة الآخر ضرورةً،

стр. 969

وإلا لزم اتحادهما، وإذا كانت حقيقته خارجةً عن حقيقة الآخر كان مباينًا له بالضرورة، وهذا برهانٌ ضروريٌّ لا يقدح فيه إلَّا ما يقدح في سائر الضروريات. فصل الطريق السابع (١): أن يقال: الربُّ سبحانه إمَّا أن يكون موجودًا خارج الأذهان، موجودًا في الأعيان أو لا يكون له وجود خارجي. فإن قلتم: ليس له وجودٌ خارجيٌّ. وهو حقيقة قولكم، كان خيالًا ذهنيًّا لا حقيقة له. وإن قلتم: بل هو موجودٌ خارج الذهن في الأعيان منفصلًا عن الأذهان مباينًا لها، فقد أقررتم بأنه قابل للخروج والانفصال والمباينة. فهلَّا جعلتم جملة العالم كالذهني، وقلتم بأنه خارجٌ عنه منفصلٌ مباينٌ له! وكيف صحَّ بل وجب أن يكون خارج الأذهان مباينًا لها منفصلًا عنها، ولم يلزم من ذلك محالٌ، وامتنع أن يكون خارج العالم مباينًا له ولزم من ذلك المحال؟ فمن هاهنا قيل: إنكم فارقتم حكم العقل والسمع، وكان أتباع الرُّسل أسعد بالمعقول والمنقول منكم. فصل الطريق الثامن (٢): إذا ثبت له سبحانه وجود (٣) خارج الأذهان فإمَّا أن

стр. 970

يكون هو العالم المشهود، أو صفة من صفاته، وعرضًا من أعراضه، أو غيره. فإن قلتم بالأول، فهو حقيقة قول الاتحادية الملاحدة، الذين لا يثبتون خالقًا ومخلوقًا وصانعًا ومصنوعًا، بل حقيقة الربِّ عندهم هي هذا الوجود بعينه. وإن قلتم: هو عرض من أعراض العالم وصفة من صفاته، فهو من أمحل المحال، لا يقوله أحدٌ من بني آدم. فتعيَّن أن يكون غير هذا العالم. وحينئذٍ يلزم مباينته له ضرورةً؛ إذ الغيران اللذان لا يكون أحدهما صفة للآخر ولا أحدهما قائمًا بالآخر لا بد أن يتباينا، إذ لو لم يتباينا لزم اتحاد أحدهما بالآخر أو حلوله فيه حلول الصفة في الموصوف، أو حلول الحال في المحل، ولا ينفعكم قولكم: إن هذا إنما يلزم فيما هو قابلٌ لذلك، لما تقدم بيانه (١). فصل الطريق التاسع (٢): أنَّا إذا عرضنا على العقل الصريح ـ الذي لم يفسد بتلقي الآراء والمذاهب الباطلة ـ التصديق بموجودين قائمين بأنفسهما، وأحدهما مباين للآخر، مع كونه غير مماثل له ولا هو من جنسه.؛ وعرضنا عليه التصديق بموجودين قائمين بأنفسهما، ليس أحدهما مباينًا للآخر، ولا مداخلًا له ولا فوقه ولا تحته، ولا متصلًا به ولا منفصلًا عنه، ولا محايثًا له ولا مباينًا = علمنا بالضرورة تصديقه بالأول، ودفعه الثاني

стр. 971

وإنكاره. وكل شُبهةٍ تقدح في هذا فهي قادحةٌ في الضروريات، وكل شُبهةٍ تُقام على الثاني فهي من الشُّبه التي تُقام على إمكان الممتنعات. فصل الطريق العاشر (١): أنه عند المعطلة النُّفاة كون الله سبحانه فوق العالم مستويًا على عرشه بمنزلة كونه يأكل ويشرب وينام، بل هو بمنزلة إثبات الزوجة والولد له، في كون هذا منافيًا لإلهيته وربوبيته وقِدَمه، وكون علوه على خلقه واستوائه على عرشه [ق ١٠٤ ب] منافيًا لذلك. وهذا من أعظم القدح في العقول والفِطَر والشرائع والنُّبوات والكتب المنزلة؛ فإنها فرَّقت بين الأمرين تفرقةً معلومةً بالاضطرار لكل من له أدنى مُسكةٍ من عقلٍ. فمن سوَّى بين الأمرين، وجعل تنزيه الربِّ عنهما من لوازم الإقرار به، فليبكِ على عقله وإيمانه. فصل الطريق الحادي عشر (٢): أن يقال للمعطلة: تنزيهكم له سبحانه عن كونه مباينًا لخلقه تنزيهٌ له عن غناه ووجوده، وتنزيهكم له عن استوائه على عرشه تنزيهٌ له عن كماله. والمثبت لو شبهه بخلقه ـ بافترائكم وكذبكم عليه تعالى الله عن ذلك ـ لكان قد أثبت موجودًا قائمًا بنفسه مباينًا لخلقه، له الكمال المطلق مع نوع تشبيهٍ (٣). وهذا خيرٌ من تنزيهكم، وأقرب إلى العقول

стр. 972

والفطر؛ فكيف وهو مع ذلك يثبت أنه لا يماثل خلقه ولا يشابههم، وأنه لا يلزم من علوه على خلقه واستوائه على عرشه أن يكون من جنسهم مماثلًا لهم؟ يوضحه: فصل الطريق الثاني عشر (١): أن الله سبحانه جعل بعض مخلوقاته عاليًا على بعضٍ، ولم يلزم من ذلك مماثلة العالي للسافل ومشابهته له، فهذا الماء فوق الأرض، والهواء فوق الماء، والنار فوق الهواء، والأفلاك فوق ذلك؛ وليس عاليها مماثلًا لسافلها. والتفاوت الذي بين الخالق والمخلوق أعظم من التفاوت الذي بين المخلوقات، فكيف يلزم من علوه تشبيهه بخلقه؟ فإن قلتم: وإن لم يلزم التشبيه لكن يلزم التجسيم. قيل: انفصلوا أولًا عن قول معطلة الصِّفات لكم: لو كان له سمعٌ أو بصرٌ أو حياةٌ أو علمٌ أو قدرةٌ أو كلامٌ لزم التجسيم. فإذا انفصلتم عنهم، وتخلصتم من أَسْرهم لكم، عاد عليكم أهل السُّنَّة بالرأفة والرحمة، وجبروكم وخلَّصوكم من هذا الوثاق (٢) الذي شدَّكم به الملاحدة المعطلة. فإن أبيتم إلَّا الجواب قيل لكم: ما تعنون بالتجسيم؟ أتعنون به العلو على العالم والاستواء على العرش؟ وهذا حاصل قولكم، وحينئذٍ فما زدتم على إبطال ذلك بمجرد الدعوى التي اتحد فيها

стр. 973

اللازم والملزوم بتغيير العبارة، وكأنكم قلتم: لو كان فوق العالم مستويًا على عرشه لكان فوق العالم. ولكنكم لبَّسْتم وأوهمتم. وإن عنيتم بالجسم المركب من الجواهر الفردة، فجمهور العقلاء ينازعونكم في إثبات الجوهر الفرد، فضلًا عن تركب الأجسام الحادثة منه، فالملازمة باطلة كاذبة. وإن عنيتم به المركب من الهيولى والصورة، فأنتم قد قررتم بطلان تركب الأجسام من ذلك، فأنتم أبطلتم هذا التركيب الذي يدَّعيه الفلاسفة، وهم أبطلوا التركيب الذي تدعونه من الجواهر الفردة، وجمهور العقلاء أبطلوا هذا وهذا. فإذا كان هذا غير لازمٍ في الأجسام المحسوسة المشاهدة بل هو باطلٌ، فكيف يُدَّعى لزومه فيمن ليس كمثله شيءٌ؟ وإن عنيتم بالتجسيم تميز شيءٍ منه عن شيءٍ، قيل لكم: انفصلوا أولًا عن قول نفاة الصِّفات: لو كان له سمعٌ وبصرٌ وحياةٌ وقدرةٌ، لزم أن (١) يتميز منه شيءٌ عن شيءٍ، وذلك عين التجسيم. فإذا انفصلتم منهم أجبناكم بما تجيبونهم به. فإن أبيتم إلَّا الجواب منَّا قلنا: إنما قام الدليل على إثبات إلهٍ قديمٍ غنيٍّ بنفسه عن كل ما سواه، وكلُّ ما سواه فقير إليه، كلُّ أحدٍ محتاج إليه، وليس محتاجًا إلى أحدٍ، ووجود كل شيءٍ مستفاد منه، ووجوده ليس مستفادًا من غيره. ولم يقم الدليل على استحالة تكثر أوصاف كماله، وتعدد أسمائه الدالة على صفاته وأفعاله؛ بل هو إلهٌ واحدٌ، وربٌّ واحدٌ، وإن تكثرت صفاته، وتعددت أسماؤه؛ فلا إله غيره، ولا ربَّ سواه.

стр. 974

فصل الطريق الثالث عشر: أن يقال: أخبرُ الناس بمقالات الفلاسفة (١) قد حكى اتفاق الحكماء على أن الله والملائكة في السماء، كما اتفقت على ذلك الشرائع، وقرَّر (٢) ذلك بطريقٍ عقليٍّ من جنس تقرير ابن كُلَّاب والحارث المحاسبي وأبي العباس القلانسي وأبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر بن الباقلاني وأبي الحسن بن الزاغوني وغيرهم ممَّن يقول: إن الله فوق العرش وليس بجسمٍ. قال هؤلاء: وإثبات صفة العلو والفوقية له سبحانه لا يوجب الجسمية، بل ولا إثبات المكان. وبنى الفلاسفة ذلك على ما ذكره ابن رشد: أن المكان هو السطح الباطن من الجسم الحاوي الملاقي للسطح الظاهر من الجسم المَحْوي. فمكان (٣) الإنسان عندهم هو باطن الهواء المحيط به، وكل سطحٍ باطنٍ فهو مكان للسطح الظاهر فيما يلاقيه، ومعلوم أنه ليس وراء الأجسام سطح جسمٍ باطنٍ يحوي شيئًا، فلا مكان هناك؛ إذ لو كان هناك مكانٌ حاوٍ لسطح الجسم لكان الحاوي جسمًا. ولهذا قال: فإذا قام البرهان على وجود موجود في هذه الجهة فواجب أن يكون غير جسم، فالذي يمتنع وجوده هناك هو وجود جسمٍ، لا وجود [ق ١٠٥ أ] ما ليس بجسمٍ. وقرَّر إمكان ذلك كما قرر إثباته بما ذكر من أنه لا بد من نسبة بينه وبين العالم المحسوس، فيجب أن يكون في جهة العلو.

стр. 975

والذي يمكن منازعوه (١) من الفلاسفة والجهمية والمعتزلة أن يقولوا: لا يمكن أن يوجد هناك شيءٌ لا جسم ولا غير جسمٍ، أمَّا الجسم فلما ذكر، وأمَّا غير الجسم فلأن كونه مُشارًا إليه بأنه هناك يستلزم أن يكون جسمًا. وحينئذٍ فيقول هؤلاء المثبتون لمن نازعهم في ذلك: وجود موجودٍ قائمٍ بنفسه ليس وراء أجسام العالم ولا داخلًا في العالم إمَّا أن يكون ممكنًا أو لا يكون. فإن لم يكن ممكنًا بطل قولكم، وإن كان ممكنًا فوجود موجود وراء أجسام العالم وليس بجسمٍ أولى بالجواز. ويوضحه: فصل الطريق الرابع عشر (٢): وهو أنا إذا عرضنا على العقل وجود موجودٍ قائمٍ بنفسه لا في العالم ولا خارجًا عنه ولا يُشار إليه، وعرضنا عليه وجود موجودٍ يُشار إليه فوق العالم ليس بجسمٍ، كان إنكارُ العقل للأول أعظم، وامتناعُه فيه أظهر من إنكاره للثاني وامتناعه فيه. فإن كان حكم العقل في الأول مقبولًا وجب قبول الثاني، وإن كان الثاني مردودًا وجب ردُّ الأول؛ ولا يمكن العقل الصريح أن يقبل الأول ويردَّ الثاني أبدًا. فصل الطريق الخامس عشر (٣): أنه سبحانه لو لم يقبل الإشارة الحسية إليه

стр. 976

كما أشار إليه النبي ﷺ حسًّا بإصبعه بمشهد الجَمْع الأعظم (١)، وقبل ممَّن شهد لها بالإيمان الإشارة الحسية إليه (٢)، فإمَّا أن يقال: إنه يقبل الإشارة المعنوية فقط، أو لا (٣) يقبلها أيضًا كما لا يقبل الحسية، فإن لم يقبل هذه ولا هذه فهو عدمٌ محضٌ، بل العدم المقيد المضاف يقبل الإشارة المعنوية. وإن قيل: يقبل الإشارة المعنوية دون الحسية، لزم أن يكون معنًى من المعاني، لا ذاتًا خارجية؛ وهذا ممَّا لا حيلة في دفعه. فمن أنكر جواز الإشارة الحسية إليه فلا بد له من أحد أمرين: إمَّا أن يجعله معدومًا، أو معنًى من المعاني، لا ذاتًا قائمة بنفسها. فصل الطريق السادس عشر (٤): أن من أعجب العجب أن هؤلاء الذين فرُّوا

стр. 977

من القول بعلو الله فوق المخلوقات واستوائه على عرشه خشية التشبيه والتجسيم قد اعترفوا بأنهم لا يمكنهم إثبات الصانع إلَّا بنوعٍ من التشبيه والتمثيل. ونحن لا نحيلك على عدمٍ، بل نحكي ألفاظهم بعينها معزوةً إلى مكانها. قال الآمدي في مسألة حدوث الأجسام لما ذكر حجة القائلين بالعدم: «الوجه العاشر: لو كان العالم محدثًا فمحدثه (١) إمَّا أن يكون مساويًا له من كل وجهٍ، أو مخالفًا له من كل وجهٍ، أو مماثلًا له من وجهٍ ومخالفًا له من وجه. فإن كان الأول فهو حادثٌ، والكلام فيه كالكلام في الأول، ويلزم التسلسل الممتنع. وإن كان الثاني فالمحدث له ليس بموجودٍ، وإلَّا لما كان مخالفًا له من كل وجهٍ، وهو خلاف الفرض. وإذا لم يكن موجودًا امتنع أن يكون مفيدًا للوجود (٢). وإن كان الثالث فمن جهة ما هو مماثل للحادث يجب أن يكون حادثًا، والكلام فيه كالأول، وهو تسلسلٌ محالٌ. وهذه المحالات إنما نشأت من القول بكونه مُحْدِثًا للعالم» (٣). قال: «والجواب عن هذه الشبهة أن المختار من أقسامها إنما هو القسم الأخير. ولا يلزم من كون القديم مماثلًا للحوادث من وجهٍ أن يكون مماثلًا

стр. 978

للحادث من جهة كونه حادثًا، بل لا مانع من الاختلاف بينهما في صفة القِدَم والحدوث، وإنما تماثلَا بأمرٍ آخر. وهذا كالسواد والبياض يختلفان من وجهٍ دون وجهٍ؛ لاستحالة اختلافهما من كل وجهٍ وإلَّا لما اشتركا في العرضية واللونية (١) والحدوث؛ واستحالة تماثلهما من كل وجهٍ، وإلَّا كان السواد بياضًا، ومع ذلك فما لزم من مماثلة السواد للبياض من وجهٍ أن يكون مماثلًا له في صفة البياضية» (٢). فيقال: يا لله العجب، هلَّا طردتم هذا الجواب، وسلكتم هذا الطريق في إثبات علو الله على خلقه، واستوائه على عرشه، وإثبات صفات كماله كلها، وإثبات الصِّفات الخبرية كلها؛ وأجبتم بهذا الجواب لمن قال لكم من المعطلة النُّفاة: لو كان له صفات لزم مماثلته للمخلوقات! وهلَّا تقنعون من أهل السُّنَّة ـ المثبتين لصفات كماله، ونعوت جلاله، وعلوه على مخلوقاته، واستوائه على عرشه ـ بمثل هذا الجواب الذي أجبتم به من أنكر حدوث العالم! بل إذا أجابوكم به قلبتم لهم ظَهْر المِجَنِّ، وصرَّحتم بتكفيرهم وتبديعهم، وإذا أجبتم أنتم به بعينه كنتم موحِّدين، ناصرين لله ورسوله! فصل الطريق السابع عشر (٣): أن يقال: هل للربِّ تعالى ماهية متميزة على سائر الماهيات يختص بها لذاته، أم تقولون: لا ماهية له؟

стр. 979

فإن قلتم بالثاني كان هذا إنكارًا له سبحانه وجحودًا، وجعله وجودًا مطلقًا لا ماهية له. وإن قلتم: بل له ذاتٌ مخصوصةٌ وماهيةٌ متميزةٌ عن سائر الماهيات. قيل لكم: ماهيته وذاته [ق ١٠٥ ب] سبحانه غير متناهية، بل ذاهبة في الأبعاد إلى غير نهاية أم متناهية؟ فإن قلتم بالأول لزم منه محالات غير واحدة. وإن قلتم بالثاني بطل قولكم، ولزم إثبات المباينة والجهة؛ وهذا لا محيد عنه. وإن قلتم: لا نقول له ماهية ولا ليست له ماهية. قيل: لا يليق بالعقول المخالفة لما جاءت به الرسل إلَّا هذا المحال والباطل. وإن قلتم: بل له ذاتٌ مخصوصةٌ، وماهيةٌ متميزةٌ عن سائر الماهيات ولا نقول: إنها متناهية ولا غير متناهية؛ لأنها لا تقبل واحدًا من الأمرين. قلنا: التناهي وعدم التناهي يتقابلان تقابل السلب والإيجاب، فلا واسطة بينهما، كما لا واسطة بين الوجود والعدم، والقدم والحدوث، والسبق والمقارنة، والقيام بالنفس والقيام بالغير. وتقدير قسمٍ آخر لا يقبل واحدًا من الأمرين تقديرٌ ذهنيٌّ يفرضه الذهن، كما يفرض سائر المحالات، ولا يدل ذلك على وجوده في الخارج ولا إمكانه. ألا ترى أن قائلًا لو قال: التقسيم يقتضي أن (١) المعلوم إمَّا قديم (٢)،

стр. 980

وإمَّا حادث، وإمَّا قديم حادث، وإمَّا لا قديم ولا حادث، وكذلك إمَّا أن يكون متناهيًا، أو غير متناهٍ، أو [لا] (١) متناهيًا ولا غير متناهٍ، أو قائمًا بنفسه أو بغيره، أو بنفسه وبغيره، أو لا بنفسه ولا بغيره، أو داخلًا في العالم، أو خارجًا عنه، أو داخلًا خارجًا، أو لا داخلًا ولا خارجًا = كان ذلك كله بمنزلةٍ واحدةٍ، وكان التقسيم تقسيمًا ذهنيًّا لا خارجيًّا، وإن سلب النقيضين في ذلك كله في الإحالة كإثبات النقيضين. فصل الطريق الثامن عشر (٢): أن يقال: ذاته سبحانه إمَّا أن تكون قابلةً للعلو على العالم، أو لا تكون قابلةً. فإن كانت قابلةً وجب وجود المقبول؛ لأنه صفة كمالٍ وإلَّا لم تقبله؛ ولأن قبولها لذلك هو من لوازمها، كقبول (٣) الذات للعلم والحياة والقدرة والسمع والبصر، فوجود هذه لازم للذات ضرورةً؛ ولأنها إذا قبلته فلو لم تتصف به لاتصفت (٤) بضدِّه، وهو نقصٌ يتعالى ويتقدس عنه. وإن لم تكن قابلةً للعلو لزم أن يكون قابلُ العلو أكمل منها؛ لأن ما (٥) يقبل أن يكون عاليًا ـ وإن لم يكن عاليًا ـ أكمل ممَّن لا يقبل العلو، وما قبله

стр. 981

وكان عاليًا أكمل ممَّن قبله ولم يكن عاليًا. فالمراتب ثلاثةٌ (١)، أدناها ما لا يقبل العلو، وأعلاها ما قبله واتصف به. والذي يوضح ذلك أن ما لا يقبل أن يكون فوق غيره إمَّا (٢) أن يكون عرضًا من الأعراض لا يقوم بنفسه، ولا يقبل أن يكون عاليًا على غيره، وإمَّا أن يكون أمرًا عدميًّا لا يقبل ذلك، وأمَّا إثبات ذات قائمة بنفسها متصفة بالسمع والبصر والقدرة والحياة والإرادة والعلم والفعل ومع ذلك لا تقبل أن تكون عالية على غيرها؛ فهذا يطالب بإمكان تصوره قبل التصديق بوجوده، وليس مع من ادَّعى إمكانه إلَّا الكليات (٣) والمجردات، وكلاهما وجوده ذهني، لا وجود له في الخارج. وإلا فما له (٤) وجود خارجي وهو قائم بنفسه له ذات يختص بها عن سائر الذوات (٥)، موصوفٌ بصفات الحي الفعال، لا يمكن إلحاقه بالكليات والمجردات التي هي خيالات ذهنية لا أمور خارجية. وقد اعترف المتكلمون بأن وجود الكليات والمجردات إنما هو في الأذهان لا في الأعيان.

стр. 982

فصل الطريق التاسع عشر (١): أن الجهمية المعطلة معترفون (٢) بوصفه تعالى بعلو القهر وعلو (٣) القدر، وأن ذلك كمالٌ لا نقصٌ، فإنه من لوازم ذاته ؛ فيقال: ما أثبتم به هذين النوعين من العلو والفوقية هو بعينه حجة خصومكم عليكم في إثبات علو الذات له سبحانه، وما نفيتم به علو الذات يلزمكم أن تنفوا به ذينك الوجهين من العلو. فأحد الأمرين لازمٌ لكم ولا بد: إمَّا أن تثبتوا له سبحانه العلو المطلق من كل جهةٍ ذاتًا وقهرًا وقدرًا، وإمَّا أن تنفوا ذلك كله. فإنكم إذا نفيتم علو ذاته سبحانه بناءً على لزوم التجسيم، وهو لازم لكم فيما أثبتموه من وجهَيِ (٤) العلو؛ فإن الذات القاهرة لغيرها التي هي أعلى قدرًا من غيرها إن لم يُعقل كونها غير جسمٍ لزمكم التجسيم، وإن عُقل كونها غير جسمٍ فكيف لا يُعقل أن تكون الذات العالية على سائر الذوات غير جسمٍ، وكيف لزم التجسيم من هذا العلو ولم يلزم من ذلك العلو؟! فإن قلتم: لأن هذا العلو يستلزم تميز شيءٍ عن شيءٍ منه. قيل لكم: في الذِّهن (٥) أو في الخارج؟

стр. 983

فإن قلتم: في الخارج، كذبتم وافتريتم، وأضحكتم عليكم المجانين، فضلًا عن العقلاء. وإن قلتم: في الذِّهن. فهذا لازمٌ لكل من أثبت [ق ١٠٦ أ] للعالم ربًّا خالقًا، ولا خلاص من ذلك إلَّا بإنكار وجوده رأسًا. يوضحه: فصل الطريق العشرون (١): أن الفلاسفة لمَّا أوردوا عليكم هذه الحُجَّة بعينها في نفي الصِّفات أجبتم عنها بأن قلتم ـ واللفظ للرازي في «نهايته» (٢) فقال: «قوله: يلزم من إثبات الصِّفات وقوع الكثرة في الحقيقة الإلهية فتكون تلك الحقيقة ممكنة. قلنا: إن عنيتم به احتياج تلك الحقيقة إلى سبب خارجي فلا يلزم، لاحتمال استناد تلك الصِّفات إلى الذات الواجبة لذاتها. وإن عنيتم به توقف الصِّفات في ثبوتها على تلك الذات المخصوصة فذلك ممَّا يلزمه فأين المحال!». قال (٣): «وأيضًا فعندكم الإضافات صفات وجودية في الخارج فيلزمكم ما ألزمتمونا في الصِّفات في الصور المرتسمة في ذاته من المعقولات تلك». «وممَّا يحقق فساد قول الفلاسفة أنهم قالوا: إن الله عالم بالكليات. وقالوا: إن العلم بالشيء عبارة عن حصول صورة مساوية للمعلوم في العالم. وقالوا: إن صورة المعلومات موجودة في ذات الله تعالى. حتى ابن سينا قال:

стр. 984

إن تلك الصفة إذا كانت غير داخلة في الذات كانت من لوازم الذات. ومن كان هذا مذهبًا له كيف يمكنه أن يُنكر الصِّفات» (١). قال (٢): «وبالجملة فلا فرق بين الصفاتية وبين الفلاسفة، إلَّا أن الصفاتية يقولون: إن الصِّفات قائمة بالذات. والفلاسفة يقولون: هذه الصور العقلية عوارض متقومة بالذات. والذي تُسمِّيه الصفاتية صفةً يُسمِّيه الفلسفي عارضًا، والذي يُسميه الصفاتي قيامًا يُسميه الفيلسوف قوامًا ومقومًا؛ فلا فرق إلَّا بالعبارات، وإلَّا فلا فرق في المعنى». هذا لفظه. فيقول له مثبتو العلو: هلَّا قنعت منَّا بهذا الجواب بعينه حين قلت: يلزم من علوه أن يتميز منه شيءٌ عن شيءٍ، ويلزم وقوع الكثرة في الحقيقة الإلهية. وتكون قد وافقت السمع (٣) ونصوص الأنبياء، وكُتب الله كلها، وأدلة العقول، والفِطَر الصحيحة، وإجماع أهل السُّنَّة قاطبةً! فصل الطريق الحادي والعشرون (٤): أن هذه الحجة العقلية القطعية ـ وهي الاحتجاج بكون الربِّ قائمًا (٥) بنفسه على كونه مباينًا للعالم، وذلك ملزوم لكونه فوقه عاليًا عليه بالذات ـ لما كانت حجة صحيحة لا يمكن مدافعتها وكانت ممَّا ناظر بها الكرَّامية لأبي إسحاق الإسفراييني، فرَّ (٦) أبو إسحاق

стр. 985

إلى كون الرب قائمًا بنفسه بالمعنى المعقول، وقال: لا نُسلِّم أنه قائمٌ بنفسه إلَّا بمعنى أنه غنيٌّ عن المحل، فجعل قيامه بنفسه وصفًا عدميًّا لا ثبوتيًّا، وهذا لازم لسائر المعطلة النُّفاة لعلوه، ومن المعلوم أن كون الشيء قائمًا بنفسه أبلغ من كونه قائمًا بغيره. وإذا كان قيام العرض بغيره يمتنع أن يكون عدميًّا فقيام الشيء بنفسه أحق ألَّا يكون أمرًا عدميًّا بل وجوديًّا. وإذا كان قيام المخلوق بنفسه صفة كمالٍ، وهو مفتقر بالذات إلى غيره، فقيام الغني بذاته بنفسه أحق وأولى. فصل الطريق الثاني والعشرون (١): وهو أن القيام بالنفس صفة كمالٍ، فالقائم بنفسه أكمل ممَّن لا يقوم بنفسه، ومن كان غناه من لوازم ذاته فقيامه بنفسه من لوازم ذاته. وهذه حقيقة قيوميته سبحانه، وهو الحي القيوم، فالقيوم: القائم بنفسه، المقيم لغيره. فمن أنكر قيامه بنفسه بالمعنى المعقول فقد أنكر قيوميته، وأثبت له قيامًا بالنفس يشاركه فيه العدم المحض، بل جعل قيوميته أمرًا عدميًّا لا وصفًا ثبوتيًّا، وهي عدم الحاجة إلى المحل، ومعلوم أن العدم لا يحتاج إلى محل. وأيضًا فإنه يقال له: ما تعني بعدم الحاجة إلى المحل؟ أتعني به الأمر المعقول من قيام الشيء بنفسه الذي يفارق به العرض القائم بغيره، أم تعني به أمرًا آخر؟ فإن عنيت الأول فهو المعنى المعقول والدليل قائمٌ، والإلزام صحيحٌ. وإن عنيت به أمرًا آخر فإمَّا أن يكون وجوديًّا أو عدميًّا، فإن كان عدميًّا فالعدم لا شيء كاسمه، فتعود قيوميته تعالى إلى لا شيء. وإن عنيت
следующие страницы →