← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 184

الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 216 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وكان عاليًا أكمل ممَّن قبله ولم يكن عاليًا. فالمراتب ثلاثةٌ (١)، أدناها ما لا يقبل العلو، وأعلاها ما قبله واتصف به. والذي يوضح ذلك أن ما لا يقبل أن يكون فوق غيره إمَّا (٢) أن يكون عرضًا من الأعراض لا يقوم بنفسه، ولا يقبل أن يكون عاليًا على غيره، وإمَّا أن يكون أمرًا عدميًّا لا يقبل ذلك، وأمَّا إثبات ذات قائمة بنفسها متصفة بالسمع والبصر والقدرة والحياة والإرادة والعلم والفعل ومع ذلك لا تقبل أن تكون عالية على غيرها؛ فهذا يطالب بإمكان تصوره قبل التصديق بوجوده، وليس مع من ادَّعى إمكانه إلَّا الكليات (٣) والمجردات، وكلاهما وجوده ذهني، لا وجود له في الخارج. وإلا فما له (٤) وجود خارجي وهو قائم بنفسه له ذات يختص بها عن سائر الذوات (٥)، موصوفٌ بصفات الحي الفعال، لا يمكن إلحاقه بالكليات والمجردات التي هي خيالات ذهنية لا أمور خارجية. وقد اعترف المتكلمون بأن وجود الكليات والمجردات إنما هو في الأذهان لا في الأعيان.

стр. 982

فصل الطريق التاسع عشر (١): أن الجهمية المعطلة معترفون (٢) بوصفه تعالى بعلو القهر وعلو (٣) القدر، وأن ذلك كمالٌ لا نقصٌ، فإنه من لوازم ذاته ؛ فيقال: ما أثبتم به هذين النوعين من العلو والفوقية هو بعينه حجة خصومكم عليكم في إثبات علو الذات له سبحانه، وما نفيتم به علو الذات يلزمكم أن تنفوا به ذينك الوجهين من العلو. فأحد الأمرين لازمٌ لكم ولا بد: إمَّا أن تثبتوا له سبحانه العلو المطلق من كل جهةٍ ذاتًا وقهرًا وقدرًا، وإمَّا أن تنفوا ذلك كله. فإنكم إذا نفيتم علو ذاته سبحانه بناءً على لزوم التجسيم، وهو لازم لكم فيما أثبتموه من وجهَيِ (٤) العلو؛ فإن الذات القاهرة لغيرها التي هي أعلى قدرًا من غيرها إن لم يُعقل كونها غير جسمٍ لزمكم التجسيم، وإن عُقل كونها غير جسمٍ فكيف لا يُعقل أن تكون الذات العالية على سائر الذوات غير جسمٍ، وكيف لزم التجسيم من هذا العلو ولم يلزم من ذلك العلو؟! فإن قلتم: لأن هذا العلو يستلزم تميز شيءٍ عن شيءٍ منه. قيل لكم: في الذِّهن (٥) أو في الخارج؟

стр. 983

فإن قلتم: في الخارج، كذبتم وافتريتم، وأضحكتم عليكم المجانين، فضلًا عن العقلاء. وإن قلتم: في الذِّهن. فهذا لازمٌ لكل من أثبت [ق ١٠٦ أ] للعالم ربًّا خالقًا، ولا خلاص من ذلك إلَّا بإنكار وجوده رأسًا. يوضحه: فصل الطريق العشرون (١): أن الفلاسفة لمَّا أوردوا عليكم هذه الحُجَّة بعينها في نفي الصِّفات أجبتم عنها بأن قلتم ـ واللفظ للرازي في «نهايته» (٢) فقال: «قوله: يلزم من إثبات الصِّفات وقوع الكثرة في الحقيقة الإلهية فتكون تلك الحقيقة ممكنة. قلنا: إن عنيتم به احتياج تلك الحقيقة إلى سبب خارجي فلا يلزم، لاحتمال استناد تلك الصِّفات إلى الذات الواجبة لذاتها. وإن عنيتم به توقف الصِّفات في ثبوتها على تلك الذات المخصوصة فذلك ممَّا يلزمه فأين المحال!». قال (٣): «وأيضًا فعندكم الإضافات صفات وجودية في الخارج فيلزمكم ما ألزمتمونا في الصِّفات في الصور المرتسمة في ذاته من المعقولات تلك». «وممَّا يحقق فساد قول الفلاسفة أنهم قالوا: إن الله عالم بالكليات. وقالوا: إن العلم بالشيء عبارة عن حصول صورة مساوية للمعلوم في العالم. وقالوا: إن صورة المعلومات موجودة في ذات الله تعالى. حتى ابن سينا قال:

стр. 984

إن تلك الصفة إذا كانت غير داخلة في الذات كانت من لوازم الذات. ومن كان هذا مذهبًا له كيف يمكنه أن يُنكر الصِّفات» (١). قال (٢): «وبالجملة فلا فرق بين الصفاتية وبين الفلاسفة، إلَّا أن الصفاتية يقولون: إن الصِّفات قائمة بالذات. والفلاسفة يقولون: هذه الصور العقلية عوارض متقومة بالذات. والذي تُسمِّيه الصفاتية صفةً يُسمِّيه الفلسفي عارضًا، والذي يُسميه الصفاتي قيامًا يُسميه الفيلسوف قوامًا ومقومًا؛ فلا فرق إلَّا بالعبارات، وإلَّا فلا فرق في المعنى». هذا لفظه. فيقول له مثبتو العلو: هلَّا قنعت منَّا بهذا الجواب بعينه حين قلت: يلزم من علوه أن يتميز منه شيءٌ عن شيءٍ، ويلزم وقوع الكثرة في الحقيقة الإلهية. وتكون قد وافقت السمع (٣) ونصوص الأنبياء، وكُتب الله كلها، وأدلة العقول، والفِطَر الصحيحة، وإجماع أهل السُّنَّة قاطبةً! فصل الطريق الحادي والعشرون (٤): أن هذه الحجة العقلية القطعية ـ وهي الاحتجاج بكون الربِّ قائمًا (٥) بنفسه على كونه مباينًا للعالم، وذلك ملزوم لكونه فوقه عاليًا عليه بالذات ـ لما كانت حجة صحيحة لا يمكن مدافعتها وكانت ممَّا ناظر بها الكرَّامية لأبي إسحاق الإسفراييني، فرَّ (٦) أبو إسحاق

стр. 985

إلى كون الرب قائمًا بنفسه بالمعنى المعقول، وقال: لا نُسلِّم أنه قائمٌ بنفسه إلَّا بمعنى أنه غنيٌّ عن المحل، فجعل قيامه بنفسه وصفًا عدميًّا لا ثبوتيًّا، وهذا لازم لسائر المعطلة النُّفاة لعلوه، ومن المعلوم أن كون الشيء قائمًا بنفسه أبلغ من كونه قائمًا بغيره. وإذا كان قيام العرض بغيره يمتنع أن يكون عدميًّا فقيام الشيء بنفسه أحق ألَّا يكون أمرًا عدميًّا بل وجوديًّا. وإذا كان قيام المخلوق بنفسه صفة كمالٍ، وهو مفتقر بالذات إلى غيره، فقيام الغني بذاته بنفسه أحق وأولى. فصل الطريق الثاني والعشرون (١): وهو أن القيام بالنفس صفة كمالٍ، فالقائم بنفسه أكمل ممَّن لا يقوم بنفسه، ومن كان غناه من لوازم ذاته فقيامه بنفسه من لوازم ذاته. وهذه حقيقة قيوميته سبحانه، وهو الحي القيوم، فالقيوم: القائم بنفسه، المقيم لغيره. فمن أنكر قيامه بنفسه بالمعنى المعقول فقد أنكر قيوميته، وأثبت له قيامًا بالنفس يشاركه فيه العدم المحض، بل جعل قيوميته أمرًا عدميًّا لا وصفًا ثبوتيًّا، وهي عدم الحاجة إلى المحل، ومعلوم أن العدم لا يحتاج إلى محل. وأيضًا فإنه يقال له: ما تعني بعدم الحاجة إلى المحل؟ أتعني به الأمر المعقول من قيام الشيء بنفسه الذي يفارق به العرض القائم بغيره، أم تعني به أمرًا آخر؟ فإن عنيت الأول فهو المعنى المعقول والدليل قائمٌ، والإلزام صحيحٌ. وإن عنيت به أمرًا آخر فإمَّا أن يكون وجوديًّا أو عدميًّا، فإن كان عدميًّا فالعدم لا شيء كاسمه، فتعود قيوميته تعالى إلى لا شيء. وإن عنيت

стр. 986

به أمرًا وجوديًّا غير المعنى المعقول الذي يعقله الخاصة والعامة، فلا بد من بيانه؛ لينظر فيه هل يستلزم المباينة أم لا. فصل الطريق الثالث والعشرون (١): أن كل من أقرَّ بوجود ربٍّ خالقٍ للعالم مدبِّرٍ له لزمه الإقرار بمباينته لخلقه وعلوه عليهم، وكل من أنكر مباينته وعلوه لزم إنكاره وتعطيله. فهاتان دَعْوِيان (٢) في جانب النفي والإثبات. أمَّا الدعوى [ق ١٠٦ ب] الأولى فإنه إذا أقرَّ بالربِّ فإمَّا أن يُقرَّ بأن له ذاتًا وماهية مخصوصة أو لا. فإن لم يُقرَّ بذلك لم يُقرَّ بالربِّ، فإن ربًّا لا ذات له ولا ماهية سواء والعدم. وإن أقرَّ بأن له ذاتًا مخصوصة وماهية فإمَّا أن يقرَّ بتعينها أو يقول: إنها غير معينة، فإن لم يقرَّ بأنها معينة كانت خيالًا في الذهن لا موجودًا في الخارج، فإنه لا يوجد في الخارج إلَّا معين، لا سيما وتعين تلك الذات أولى من تعين كل متعين، فإنه يستحيل وقوع الشركة فيها، وأن يوجد لها نظيرٌ (٣)، فتعين ذاته سبحانه واجب. وإذا أقرَّ بأنها معينة لا كلية، والعالم المشهود معين لا كلي، لزم قطعًا مباينة أحد المُعينين للآخر؛ إذ لو لم يباينه لم يعقل تميزه عنه وتعينه. فإن قيل: هو يتعين بكونه لا داخلًا فيه ولا خارجًا عنه. قيل: هذا والله حقيقة قولكم وهو عين المحال، وهو تصريح منكم بأنه لا ذات له ولا ماهية

стр. 987

تخصه، فإنه لو كان له ماهية يختص بها لكان تعينه لماهيته وذاته المخصوصة. وأنتم إنما جعلتم تعينه بأمرٍ عدميٍّ محضٍ ونفيٍ صرفٍ، وهو كونه لا داخل العالم ولا خارجًا عنه. وهذا التعيُّن لا يقتضي وجوده، فإنه يصح على العدم المحض، وأيضًا فالعدم المحض لا يُعيِّن المتعين؛ فإنه لا شيء، وإنمَّا يُعيِّنه (١) ذاته المخصوصة وصفاته، فلزم قطعًا من إثبات ذاته تعيُّنُ تلك الذات بعينها، ومن تعيُّنِها مباينتُها للمخلوقات، ومن المباينة العلوُّ عليها، لما تقدم تقريره. وصحَّ مقتضى العقل والنقل والفطرة، ولزم من صحة هذه الدعوى صحة الدعوى الثانية، وهي أن من أنكر (٢) مباينته للعالم وعلوه عليه لزمه إنكار ربوبيته وكونه إلهًا للعالم. فصل الطريق الرابع والعشرون (٣): أنه قد دلَّ البرهان الضروري والعقل الصريح على استغنائه سبحانه بنفسه، وأنه الغني بذاته عن كل ما سواه. فغناه من لوازم ذاته، ولا يكون غنيًّا على الإطلاق إلَّا إذا كان قائمًا بنفسه؛ إذ القيام بالغير يستلزم فقر القائم إلى ما قام به، وعدم القيام بالنفس وبالغير يستلزم العدم، فصحَّ ضرورةً وجوب قيامه بنفسه، وهذا حقيقة المباينة. ونفي المباينة والمداخلة كنفي القيام بالنفس وبالغير، ولا تتصور العقول قط قائمًا بنفسه مع قائم بنفسه إلَّا إذا كان مباينًا له أو محايثًا. والفرق بين هذا الوجه وبين الاستدلال بقيامه بنفسه أن ذاك استدلال بالقيام بالنفس، وهذا استدلال

стр. 988

بغناه المستلزم للأمرين. فصل الطريق الخامس والعشرون (١): أنه قد ثبت بالعقل إمكان رؤيته سبحانه، وبالشرع وقوعها في الدار الآخرة، فاتفق العقل والشرع على إمكان الرؤية ووقوعها. وقد ذكرنا في كتاب «صفة الجنة» (٢) أربعين دليلًا على مسألة الرُّؤية من الكتاب والسُّنَّة. والعقل الصريح شاهدٌ بذلك، فإن الرُّؤية أمرٌ وجوديٌّ لا يتعلق إلَّا بموجود، وما كان أكمل وجودًا كان أحق بأن يُرى. فالباري سبحانه أحق بأن يُرى من كل ما سواه؛ لأن وجوده أكمل من وجود كل ما سواه. يوضحه: أن تعذر الرؤية إمَّا لخفاء المرئي، وإمَّا لآفةٍ وضعفٍ في الرائي. والربُّ سبحانه أظهر من كل موجودٍ، وإنما تعذرت رؤيته في الدنيا لضعف القوة الباصرة عن النظر إليه. فإذا كان الرائي في دار البقاء كانت قوة الباصرة في غاية القوة لأنها دائمة، فقويت على رؤيته تعالى. وإذا جاز (٣) أن يُرى سبحانه فالرؤية المعقولة عند جميع بني آدم عربهم وعجمهم وتركهم وسائر طوائفهم أن يكون المرئي مقابلًا للرائي، مواجهًا له، مباينًا عنه، لا تعقل الأمم رؤية غير ذلك. وإذا كانت الرؤية مستلزمة لمواجهة الرائي ومباينته للمرئي لزم ضرورةً أن يكون مرئيًّا له من فوقه أو من تحته أو عن يمينه أو عن شماله أو خلفه أو أمامه. وقد دلَّ النقل الصريح على أنهم إنما يرونه سبحانه

стр. 989

من فوقهم لا من تحتهم، كما قال ﷺ : «بَيْنَا (١) أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ إِذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورٌ، فَرَفَعُوا رُؤُوسَهُمْ، فَإِذَا الْجَبَّارُ ﷻ قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ. ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَهُ: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: ٥٧] ثُمَّ يَتَوَارَى عَنْهُمْ، وَتَبْقَى رَحْمَتُهُ وَبَرَكَتُهُ عَلَيْهِمْ فِي دِيَارِهِمْ» (٢). فلا يجتمع الإقرار بالرؤية وإنكار الفوقية والمباينة لهذا. ولهذا الجهمية المُغْل (٣) تُنكر علوَّه على خلقه، ورُؤية المؤمنين له في الآخرة، ومخانيثُهم [ق ١٠٧ أ] يُقرُّون بالرُّؤية وينكرون العلوَّ. وقد ضحك جمهور العقلاء من القائلين بأن الرُّؤية تحصل من غير مواجهةٍ للمرئي ومباينةٍ له، وقالوا: هذا ردٌّ لما هو مركوز في أوائل العقول. قال المنكرون: الإنسان يرى صورته في المرآة، وليس صورته في جهة منه.

стр. 990

قال العقلاء: هذا تلبيسٌ، فإنه إنما يرى خيال صورته، وهو عرض منطبع في الجسم الصقيل، وهو في جهةٍ منه، ولا يرى حقيقة صورته القائمة به. والذين قالوا: يُرى من غير مقابلةٍ ولا مباينةٍ قالوا: مصحح الرؤية الوجود، وكل موجودٍ يصح أن يُرى. فالتزموا جواز رؤية الأصوات والروائح والعلوم والإرادات والمعاني كلها، وجواز أكلها وشربها وشمها ولمسها. فهذا منتهى عقلهم الذي عارضوا به الكتاب والسُّنَّة، ثم قدَّموه عليهما. وتقرير هذه المسألة له موضعٌ آخر. فصل الطريق السادس والعشرون (١): أنه قد ثبت بالعقل والنقل والفطرة أن الله سبحانه سميعٌ بصيرٌ، وهو سبحانه يرى كل المرئيات، لا يخفى عليه منها شيءٌ. ورؤيته لخلقه تستلزم مباينته لهم ضرورةً ـ كما تقدم في الوجه الذي قبله ـ فذاك استدلالٌ بكونه مرئيًّا، وهذا استدلال بكونه رائيًا، ولا يُعقل واحدٌ من الأمرين إلَّا مع (٢) مباينته لخلقه. ولهذا لما علم منكرو العلو والفوقية أن هذا يلزمهم ولا بد، قالوا: لا يُرى بالأبصار، وإنما الحاصل في الآخرة مزيد علمٍ ومعرفةٍ به تُسمَّى رؤية. وطرد الجهمية هذا في رؤيته لخلقه فقالوا: بصره ورؤيته هي علمه، لا (٣) أن هناك بصرًا حقيقةً ورؤية حقيقةً. وأمَّا مخانيثهم فتناقضوا فقالوا: بل

стр. 991

يبصِر ويرى من غير مباينة للمرئي المُبصَر ولا مقابلة (١) له. فكانت فحولهم أقرب إلى العقل من هؤلاء وهؤلاء، وإن تناقضوا تناقضًا بيِّنًا، فهم أقرب إلى الوحي بما أثبتوه من الرؤية وأبعد عنه بما نفوه من المباينة والعلو، والطائفتان خارجتان عن حُكْم الوحي والعقل. فصل الطريق السابع والعشرون (٢): أن كل من أثبت الصِّفات أو شيئًا منها لزمه إثبات المباينة، وإلَّا (٣) تناقض غاية التناقض، فإن الصِّفات نوعان: أحدهما: ما له تعلقٌ بالمخلوق، كالقدرة والمشيئة والرحمة والعلم والسمع والبصر. والثاني: ما لا يتعلق به، كالصفات اللازمة كالحياة والجمال. وإثبات النوعين يستلزم المباينة. أمَّا النوع الأول فلأن تعلق تلك الصِّفات بمتعلقاتها لا تعقل إلَّا مع ثبوت المباينة بينهما وبين تلك المتعلقات، كمباينة العلم للمعلوم، والقدرة للمقدور، والسمع للمسموع. فلو قيل: صفة السمع ليست مباينة للمسموع، كان مكابرةً وردًّا لأوائل العقول وبدائهها. وإذا لزم من تحقق الصفة وإمكان تعلقها بمتعلقها مباينتها له، فهذه المباينة تابعة لمباينة الذات، فإن الصفة لا تقوم بنفسها، فإذا باين العلم والسمع والبصر والقدرة والإرادة لمتعلقاتها بمعنى انفصالها عنه،

стр. 992

فمباينة الذات أولى. وهذا لا محيص عنه، ويلزم من ثبوت هذه المباينة ثبوتها بين النوع الآخر وبين المخلوق بطريق الأولى. فصل يوضحه: الطريق الثامن والعشرون (١): أنهم إذا اعترفوا بقيام الصِّفات بالذات وأنها زائدة على الذات المجردة، ولم يكن ذلك تجسيمًا ولا تركيبًا يستلزم الحدوث، بطلت كل شُبهةٍ لهم تمنع (٢) العلو والاستواء على العرش، فإن مدارها على أن ذلك يستلزم التركيب والتجسيم، وهو يستلزم الافتقار والحدوث. وقد صرَّحوا هم بالتزام هذا القدر ولم ينكروه لأجل تسمية المعطلة له تركيبًا وتجسيمًا، وقالوا لخصومهم من نفاة الصِّفات: التركيب خمسة أنواع: أحدها: تركيب الموجود من الوجود والماهية. والثاني: تركيب الحقيقة من الوجود والوجوب. والثالث: تركيب الذات الموصوفة من الذات والصفات. قالوا: وهذه الأقسام الثلاثة لا تنافي وجوب الوجود، ولا يُتحاشى من إلقائها. والدليل لا يدل على بطلانها؛ لأن الدليل إنما دلَّ على انتهاء الممكنات إلى واجبٍ بذاته لا علة له، ولم يدل على أنه لا ماهية له ولا صفة له. والرابع من التركيب: تركب الجسم من الجواهر الفردة.

стр. 993

والخامس: تركبه من المادة والصورة عند من يقول بهذا وهذا. ولا ريب أنه يمتنع وجود موجودٍ قائمٍ بنفسه بدون ثبوت الأقسام الثلاثة الأولى، وتسميتهم لذلك تركيبًا خطأٌ وكذبٌ على اللغة. وإن قالوا: نحن اصطلحنا على تسميته تركيبًا. قيل: فلا ترتفع بسبب اصطلاحكم ـ المتضمن للتلبيس [ق ١٠٧ ب] والإيهام ـ الحقائق الموجودة والمعاني العقلية. ولا يُنكر بسببه (١) علمُ الربِّ وحياته وقوته وسمعه وبصره وكلامه وعلوه على خلقه واستوائه على عرشه، فإنه ليس في العقل ما ينفي ذلك، بل العقل الصريح يصدق السمع الدال على إثبات صفات الربِّ سبحانه ومباينته لمخلوقاته، والعقل أثبت موجودًا واجبًا بنفسه غنيًّا عمَّا سواه، وأمَّا كون ذلك الموجود مجردًا عن الصِّفات الثبوتية لا يوصف إلَّا بالسلوب والإضافات العدمية، فالعقل لا يدل على ذلك، بل يدل على خلافه كما يدل السمع (٢). فصل الطريق التاسع والعشرون (٣): أن يقال: ما أثبته هؤلاء المعطلة من المباينة لا يبطل الحلول والاتحاد، فإنهم أثبتوا مباينة في المفهوم كمباينة طعم التفاحة للونها وريحها وشكلها. ومعلومٌ أن هذه المباينة لا تقتضي انفصال كل من المتباينين من الآخر، بل هي ثابتة مع قيام هذه الصِّفات كلها

стр. 994

بمحلٍّ واحدٍ، وهذه المباينة معناها أن هذا غير هذا. وهذا القدر الذي أثبته النفاة من المباينة لا ينافي كونه حالًّا في غيره ولا حلول غيره فيه، ولا تقتضي قيامه بنفسه ولا انفصال ذاته عن ذات خلقه، بل ولا يقتضي تنزيهه عن التشبيه والتمثيل. وأمَّا المباينة التي دلَّ عليها العقل والنقل والفطرة فأعظم من ذلك، فإنها مباينة تستلزم تفرده بصفات كماله ونعوت جلاله، وكونه أعظم من كل شيءٍ، وفوق كل شيءٍ، وعاليًا على كل شيءٍ، وأن يكون هو الأول الذي ليس قبله شيءٌ، والآخر الذي ليس بعده شيءٌ، والظاهر الذي ليس فوقه شيءٌ، والباطن الذي ليس دونه شيءٌ؛ فباين خلقه بذاته وصفاته وأفعاله وأوليته وآخريته ووجوب وجوده وامتناع عدمه وكثرة أوصافه التي ليس كمثله فيها شيءٌ. فهو العليم الذي ليس كمثله شيءٌ في علمه، البصير الذي ليس كمثله شيءٌ في بصره، القدير الذي ليس كمثله شيءٌ في قدرته، الحي القيوم الذي ليس كمثله شيءٌ في حياته وقيوميته، العلي الذي ليس كمثله شيءٌ (١) في علوه؛ بل هو منفرد بذاته وصفاته عن مماثلة مخلوقاته، فله أعظم المباينة وأجلُّها وأكملها، كما له من كل صفة كمالٍ أعظمها وأكملها. فهذه هي المباينة التي لا يليق به غيرها. فأثبت له النُّفاة المعطلة مباينة لا حقيقة لها، ولا ترجع إلى أمرٍ وجوديٍّ، بل المباينةُ التي أثبتوها من جنس مباينة العدم للوجود، والمباينةُ التي أثبتها لنفسه مباينة (٢) فوق كل مباينة.

стр. 995

فصل الطريق الثلاثون (١): أنه لو لم يكن مباينًا للعالم لزم أحد أمور ثلاثةٍ، قد قال بكلٍّ منها قائلٌ: أحدها: أن يكون هو هذا العالم، كما قال أهل وحدة الوجود. والذي قادهم إلى هذا القول هو نفي المباينة، كأن قلوبهم وفِطَرهم طلبت معبودًا، فلمَّا اعتقدوا أنه غير مباين للعالم وتيقنوا أنه موجودٌ قائمٌ بنفسه قالوا: فهو هذا العالم بعينه. الثاني: قول من يقول: بل هو حالٌّ في العالم. وهو قول الحلولية. الثالث: قول من يقول: لا هو العالم ولا هو حالٌّ فيه ولا بائن عنه ولا متصل به ولا منفصل عنه. وهو قول الجهمية. ومعلومٌ أنه إذا عُرض على العقول الصحيحة هذه الأقوال الأربعة (٢) علمت أن الصواب منها القول بأنه سبحانه بائنٌ من خلقه. وإذا كان (٣) القولان الآخران مخالفين لصريح العقل، فالقول الرابع (٤) أشد مخالفة لصريح العقل منهما؛ لأنه يتضمن نفي النقيضين. وإن كان ممكنًا في العقل فالقولان أقرب إلى الإمكان منه. فأمَّا أن يكون واجبًا والقولان مخالفان [للعقل] (٥)، فهذا تحكمٌ باطلٌ.

стр. 996

فهذه ثلاثون طريقًا مضافة إلى الوجه السابع والأربعين بعد المائة في بيان عدم معارضة العقل للنقل وبيان موافقتهما وتطابقهما. وحينئذٍ فنقول في: الوجه الثامن (١) والسبعين بعد المائة: إن هؤلاء المعارضين للوحي بآرائهم وعقولهم تتضمن معارضتهم الفرية على الوحي والعقل واللغة والفطرة وإفسادها. أمَّا فريتهم على الوحي فإنهم متى اعتقدوا معارضة العقل له لزمهم أحد أمرين باطلين: إمَّا أن يقولوا: إن الرُّسل أرادوا من الناس اعتقاد الباطل وخلاف الصواب، أو أنهم أتعبوهم غاية التعب وكلَّفوهم أعظم الحرج، وهو اعتقادُ خلاف ما دلت عليه النصوص، ومعرفة الحق بعقولهم وفطرهم، والاجتهادُ في صرف (٢) ألفاظ الوحي عن حقائقها وظواهرها المفهومة منها. وبيان ذلك أنهم إمَّا (٣) أن يريدوا منهم اعتقاد الظاهر أو يريدوا منهم خلافه. فإن أرادوا الأول ـ وهو [ق ١٠٨ أ] باطلٌ عند النُّفاة ـ فقد أرادوا منهم اعتقاد الباطل. وإن أرادوا الثاني لزمت تلك المفاسد العظيمة. وعلى التقديرين فلا يكونون قد بينوا الحق ولا هدوا الخلق. وأمَّا فريتهم على العقل فإنهم جاؤوا إلى المقدِّمات الفطرية التي فطر الله عليها عباده، فجعلوها من حكم الوهم والخيال، وجاؤوا إلى المقدِّمات الباطلة فجعلوها من أحكام العقل؛ فافتروا على العقل في النفي والإثبات.

стр. 997

وأمَّا فريتهم على الفطرة فإن الله فطر عباده على الإقرار بعلوه كما فطرهم على الإقرار بأنه ربهم وخالقهم، فغيَّروا الفطرة وأفسدوها بإنكار ذلك. وأمَّا فريتهم على اللغة فإنهم أزالوا دلالة الألفاظ الدالة على ذلك دلالة صريحة لا يحتمل غير معناها عن مواضعها، وأنشؤوا لها معاني أُخر حملوها عليها، يقطع من له إلفٌ بتلك اللغة أن المتكلم لم (١) يُرد بتلك الألفاظ ما ذكروه من المعاني؛ كما حملوا قوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] على معنى قول القائل: الذهب فوق الفضة، والمسك فوق العنبر، أي في القيمة والقدر، ومعلومٌ أن هذا التركيب الخاص لا يحتمل هذا المعنى في لغة أُمةٍ من الأمم، ولا يجوز أن يُراد باللفظ. وكذلك قوله: «إِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ، وَكَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ فِي الظَّهِيرَةِ صَحْوًا لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ» (٢). فمثل هذا اللفظ إذا حُمل على غير معناه الظاهر لكل أحدٍ كان فريةً على اللغة، كما هو فريةٌ على المتكلم به. وعامة تأويلات النُّفاة المعطلة من هذا الباب لمن تدبَّرها ورُزق هداية وإنصافًا. وأمَّا الأعمى المتبع هواه فكما قال الله : ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اِللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ [النور: ٣٩]. الوجه التاسع والسبعون بعد المائة: أن المعارضين للوحي بعقولهم في الأصل هم أعداء الرُّسل المكذبون لهم ـ كما تقدم (٣) ـ ودونهم طوائف

стр. 998

الجهمية المعطلة، وملاحدة الصوفية، وزنادقة الباطنية، وخونة الولاة وظلمتهم. فالجهمي يقول: قال لي عقلي. وملاحدة المتصوفة يقول قائلهم: قال لي قلبي. وزنادقة الباطنية يقولون: لكل شيء تأويلٌ وباطنٌ يعلمه أهل الباطن وينكره أهل الظاهر. وخونة الولاة يقولون: لا تستقيم أمور الرعية إلَّا بهذه السياسة، ولو وكلناهم إلى الشريعة لفسدت أمورهم. ولقد وقعتُ على فصلٍ من كلام أبي الوفاء بن عقيل (١) في ذلك، قال: «المتكلمون دققوا (٢) النظر بأدلة العقول فتفلسفوا، والصوفية اهتموا بالمتوهمات على واقعهم فتكهنوا؛ لأن الفلاسفة اعتمدوا على كشف حقائق الأشياء بزعمهم، والكهان اعتمدوا على ما يُلقى إليهم من الاطلاع (٣)، وهم جميعًا خوارج على الشرائع. هذا يتجاسر أن يتكلم في المسائل التي فيها صريح نقلٍ بما يُخالف ذلك المنقول، بمقتضى ما يزعم أنه حكم العقل، وهذا يقول: قال لي قلبي عن ربي. فلا على هؤلاء أصبحتُ، ولا على هؤلاء أمسيتُ. لا كان مذهبٌ جار (٤) على غير طريق السُّفراء والرُّسل،

стр. 999

ولا نفق نقدٌ طُبع على غير السِّكة (١) النبوية! هل يُعلم للصوفية عمل في إباحة دمٍ أو فرجٍ، أو تحريم معاملةٍ، أو فتوى معمول بها في عبادةٍ أو معاقدةٍ؟ أو للمتكلمين بحكم الكلام حاكم ينفذ حكمه في بلدٍ أو رستاق (٢)؟ أو تُصيب للمتوهمة فتاوى وأحكامًا؟ إنما أهل الدولة الإسلامية والشريعة المحمدية: المُحدِّثون والفقهاء، هؤلاء يروون أحاديث الشرع، وينفون الكذب عن النقل، ويحمون النقل عن الاختلاف والغلط. وهؤلاء ينفون عن الأخبار تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، وهؤلاء هم الذين عدَّلهم النبي ﷺ بقوله: «يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ» (٣). فهم العدول على سائر الطوائف؛ يُقبل

стр. 1000

قولهم على الناس، ولا يُقبل قول الناس عليهم. والخارج عن هؤلاء ـ وإن خفقت بنوده (١)، وكثرت جموعه، وسعى حتى ضُرب له الدرهم والدينار، وخُطب باسمه على رؤوس المنابر ـ لا تكون أموره إلَّا على المغالطة والمخالسة (٢)؛ لأنه كالخارج على الملك الذي دانت له الرعايا، ونفذ حكمه في البلاد. فالخارج (٣) عليه لا يزال خائفًا مستوحشًا يتخشَّى (٤) من أن يقابله الملك بقتالٍ أو يصافَّه (٥) بحربٍ، لأن في نفس الخارجي بقية من انخناس (٦) الباطل، والمَلِكُ ـ وإن قلَّت

стр. 1001

جموعه ـ فعنده صولة الحق، وهيبة المُلْك. وكذلك الغريب المداوي للناس ـ بزعمه ـ مع الطبيب المقيم. هذا مجتازٌ يطلب من الأدوية ما يُسكِّن الألم في الحال، ويضع على الأمراض الأدوية الحادة (١) العاملة بسرعةٍ، فيأخذ الخِلْعة (٢) والعطية لسكون الألم وإزالة [ق ١٠٨ ب] المرض، ويُصبح على أرض أخرى ومنزلٍ بعيدٍ. فطبُّه مجازفة؛ لأنه يأمن المعاتبة والمواقفة (٣)، والأطباء المقيمون يُلامون على تطويل العلاج، وإنما سلكوا الملاطفة بالأدوية المركبة دون الحارة؛ لأن الحارة من الأدوية وإن عجلت سكون الآلام فإنها غير مأمونة الغوائل ولا سليمة العواقب؛ لأن ما يعطي الأدوية الحارة من السكون إنما هو لغلبة المرض، وحيثما غلبت الأمراض أوهنت (٤) قوى المحل الذي حلت به، فهو كما قيل: الدواء للبدن كالصابون للثوب يُنقيه ويُبليه، كذلك كلما احتد الصابون وجاد أخلق الثوب. فكذلك الفقهاء والمُحدِّثون يقصرون عن الاستقصاء في إزالة الشبهة لأنهم عن النقل يتكلمون، وللخوف على قلوب العوام من الشكوك يقصرون القول ويحففون (٥)، فهم حال الأجوبة ينظرون في العواقب، والمبتدعة والمتوهمة يهجمون، فعلومهم فرح ساعةٍ، ليس لها ثباتٌ.

стр. 1002

فإن اشتبه على قومٍ ما دلَّسه (١) جُهَّال الصوفية عليهم من الأخذ بقوله ﷺ : «فِي أُمَّتِي مُحَدَّثُونَ وَمُلْهَمُونَ، وَعُمَرُ مِنْهُمْ» (٢). قيل: لو نطق عمر برأيه ما نطق، ولم يصدقه الوحيُ، لم يُلتفت إلى واقعاته وما يُحدِّث به، ولا يبتنى (٣) الشرع والأحكام على فراسته. ألا ترى إلى قول من هو خيرٌ منه: «أي سماء تُظلُّني وأي أرض تُقلُّني إذا قلت في كتاب الله برأيي» (٤)؟ سبحان الله العظيم! يقول الصدِّيق هذا، وأُسَلِّم اليوم لشيخ رباطٍ يخلو بأمرد على شمعة، ويأكل من الحرام شَبْعَه. ويسمع الغناء في مجالس المردان من النساء الأجانب والصبيان. تهزه الأشعار الخماريات، وتثقل عليه الآيات البينات. يرقص على ذكر المليح والمليحة طلبًا ورغبًا، ويتواجد على المواصيل (٥) والألحان طربًا، قد اتخذ دينه لهوًا ولعبًا. تقرب أولياء الله إليه بالقرآن، وتقرب هو باستماع المعازف والألحان. مفتون في نفسه، فاتن لأشباهه وبني جنسه. فإذا لُمتَ أحدهم قال: أنا خيرٌ أم الشيخ فلان! وذاك ـ لعَمْرُ الله ـ من أولياء الشيطان، قد نصبه شبكة يصطاد به جهلة

стр. 1003

العوام، ويحتج به على أشباه الأنعام. فما أعظم على الناس فتنته! وما أشدَّ على الدِّين محنته! يقول أتباعه المفتونون وحزبه المغرورون: نُسلِّم إلى الشيخ طريقته. وأيُّ طريقة مع الشرع؟ هل أبقت الشريعة لقائلٍ مقالًا، أو لمتصرفٍ بعدها مجالًا؟ وهل جاءت إلَّا بهدم العوائد ونقض الطرائق؟ ما على الشريعة أضرُّ من مبتدعة المتكلمين وجهلة المتصوفين. هؤلاء يُفسدون العقول بتوهمات وشُبهات تُشبه المعقول، وهؤلاء يُفسدون الأعمال ويهدمون قوانين الأديان (١). يحبون البطالات، والاجتماعات على اللذات، وسماع الأصوات المشوِّشات للمعايش والطاعات. وأولئك (٢) يُجرِّئون الشباب والأحداث على البحث وكثرة (٣) السؤال والاعتراضات، وتتبع الشرع بالمعارضات والمناقضات. وما عرفنا للسلف الصالح أحوال أولئك البطالين أصحاب الشهوات، ولا أقوال (٤) هؤلاء المتكلمين أرباب الشُّبهات، بل كانوا عبيد إيمانٍ وتسليمٍ، عن معرفةٍ تامةٍ، وبصيرةٍ نافذةٍ، وجدٍّ وتشميرٍ في الطاعات. فنصيحتي لإخواني من المؤمنين الموحِّدين ألَّا يقرع أبكار (٥) قلوبهم كلام المتكلمين، ولا تصغي مسامعهم إلى خرافات المتصوفين، بل الشغل

стр. 1004

بالمعايش أولى من بطالة المتصوفة، والوقوف على النصوص أولى من شُبهات المتخيلة المتوهمة. وقد خبرت طريق الفريقين، غاية هؤلاء الشك، وغاية هؤلاء الشطح». قال: «والمتكلمون عندي خيرٌ من المتصوفة؛ لأن المتكلمين مؤداهم مع التحقيق مزيد الشكوك في حق بعض الأشخاص، ومؤدى المتصوفة إلى توهم الأشكال والتشبيه، وهو الغاية في الإبطال، بل هو حقيقة المحال. ما يُسقط المشايخ من عيني (١) ـ وإن نبلوا عند الناس أقدارًا وأنسابًا وعلومًا وأخطارًا ـ إلَّا قول العاقل منهم إذا خُوطب بمقتضى الشرع: عادتنا كذا. يشير إلى طريقة قد قننوها لأنفسهم تخرج عن سَمْتِ (٢) الشرع. قد اختلقوا طريقةً، واستحدثوا رسومًا، وكل مُختلَقٍ مُستحدَثٍ فبدعةٌ، و (٣) الاستمرار على ترك السُّنن خذلان، قال أحمد ﵁ وقد سُئل عن رجلٍ استمر على ترك الوتر: «هذا رجلُ سَوءٍ» (٤). إياك أن تتبع شيخًا يقتدي بنفسه ولا يكون له إمامٌ يُعزى إليه ما يدعوك إليه، ويتصل ذلك [ق ١٠٩ أ] بشيخٍ إلى شيخٍ إلى الرسول ﷺ . الله الله! الثقة بالأشخاص ضلال، والركون إلى الآراء ابتداع، اللين والانطباع في الطريقة مع السُّنَّة أحب إليَّ من الخشونة والانقباض مع البدعة. لا يُتقَرَّب إلى الله تعالى بالامتناع ممَّا لم يمنع منه، كما لا يُتقَرَّب إليه بعمل ما لم يأذن فيه.

стр. 1005

أصحاب الحديث رُسل السفير إلينا، والفقهاء تَراجِم (١) لمعاني كلامه. ولا يتم اتباع إلَّا بمنقول، ولا فهمُ منقولٍ إلَّا بترجمان، وما عداهما تكلفٌ لا يُفيد إلَّا التعب والعناء. وإلى هذين القسمين انقسم أصحاب رسول الله ﷺ نقلة وفقهاء، ولا نعرف فيهم ثالثًا إلَّا أصحاب المعاش والتجارات، لا مشايخ رُبُط (٢) ولا مُناخات (٣) البطالات، ولا أصحاب زوايا ينتظرون الفتوحات، ولا رقاصون على الغناء والأصوات المطربات، ولا متكلمون بالتخيلات والشبُّهات، ولا بالشطحات والتوهمات، ولا بالكلمات (٤) الخمس، والمقولات العشر، والمُوجهات والمُختلطات، بل كانوا بحبل الوحي معتصمين، وبكتاب ربهم وسُنَّة نبيهم متمسكين، وهو في قلوبهم أجلُّ من أن تُضرب له الأمثال، أو تتقدم إليه آراء الرجال. يا أصحاب المُخالطات والمعاملات، عليكم بالورع، ويا أصحاب الزوايا والانقطاع عليكم بحسم مواد الطمع. ويا أرباب العلم والنظر، إياكم واستحسانَ طرائق أهل التوهم (٥) والخدع. ليست السُّنَّة بحبِّ معاوية ويزيد، ولا بمجرد حبِّ أبي بكر وعمر، ولا بإزعاج أعضائك بالصلاة على السفير (٦)، ولا بالاكتحال يوم عاشوراء

стр. 1006

والتوسعة على العيال! السُّنَّة تتبع طريق الرسول، واقتفاء آثاره، والوقوف عند مراسمه وحدوده من غير تقصيرٍ ولا غلوٍّ، وألَّا يتقدم بين يديه، ولا تختار لنفسك قولًا لم يتبيَّن لك أنه جاء به. فالسُّنَّة مقابلة أوامره بالامتثال، ونواهيه بالانكفاف، وأخباره بالتصديق، ومجانبة الشُّبه والآراء وكل ما خالف النقل، وإن كانت له حلاوةٌ في السمع وقبولٌ في القلب، ليست القلوب والعقول والآراء معيارًا على الشرع. ليس لله طائفةٌ أجلُّ من قومٍ حدَّثوا عنه وعن رسوله وما أَحْدَثوا، وعوَّلوا على ما رووا، لا على ما رأوا. الوقوف مع النقل مقام الصدِّيقين، وورثة النبيين والمرسلين، هذه نصيحتي لنفسي ولإخواني من المؤمنين». فهذا كلام من دخل مع المتكلمين إلى غايتهم، ووقف على نهايتهم، وخبَرَ الكلام وقلاه، وعرف مداه ومنتهاه. وقد تقدَّم حكاية كلام معاصره ومُناظره أبي حامد الغزالي (١) في ذمِّ الكلام. وهما من أعلم أهل عصرهما بمذاهب المتكلمين. الوجه الثمانون بعد المائة: أنه من المعلوم عند جميع العقلاء أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم هم أعقل الخلق، وعقولهم أكمل العقول. ولهذا كان ما جاؤوا به فوق عقول البشر، ولهذا حصل على أيديهم من الخير ما لم يحصل على أيدي سواهم، وصلح من أحوال النفوس والقلوب وعمارتها بالخير وتزكيتها بالعلم والعمل ما لم يحصل لأحدٍ غيرهم؛ فعمارة القلوب والدنيا والآخرة على أيديهم.

стр. 1007

وكل فسادٍ في العالم عامًّا وخاصًّا فإنما سببه العدول عمَّا جاؤوا به ومخالفتهم. فإذا استقريت جميع الشرور التي في العالم جزئياتها وكلياتها وكل فتنةٍ وبليةٍ ورزيةٍ رأيت سببها معصيتهم. وكل خيرٍ ونعمةٍ في الدنيا والآخرة فسببه طاعتهم. واستقر هذا من زمن نوح إلى ساعتك التي أنت فيها. وما عُذبت به الأُمم من أنواع العذاب، وما جرى على هذه الأمة حتى ما أُصيب به المسلمون مع نبيهم يوم أُحدٍ، كان سببه معصية أمره. وللعاقل البصير عبرة في نفسه وأحواله خاصة. فهذا شأن هذه العقول الزاكية الكاملة وشأن من خلقهم بمعقوله، وإذا كان هذا التفاوت بين عقولهم وعقول الناس في الأمور المتعلقة (١) بالإرادات والأعمال والحب والبغض، فما الظنُّ بالتفاوت الذي بين عقولهم وعقول الناس في العلوم والمعارف؟! فما الظنُّ بما يتعلق بمعرفة الربِّ تعالى وأسمائه وصفاته وشأنه؟! ويا لله العجب! كيف يُقدَّم قول من يقول: قال لي عقلي عن ابن سينا والفارابي وأرسطاطاليس وأشباههم، أو عن أبي الهذيل العلَّاف والشحَّام والنظَّام وأضرابهم، أو عمَّن تلقى عن هؤلاء = على قول من يقول: قال لي جبريل عن ربِّ العالمين؟! فالرسول يقول: قال لي ربي، وهذا المعارض يقول: قال لي عقلي، أو قال أرسطاطاليس ونحوه! الوجه الحادي والثمانون بعد المائة: لو عُورض ما جاء به [ق ١٠٩ ب] خاتم الرُّسل صلوات الله وسلامه عليه بموسى وعيسى كانت هذه المعارضة

стр. 1008

ضلالًا وانسلاخًا من الدِّين بالكلية، كما صرَّح به ﷺ ـ وقد رأى بيد عمر بن الخطاب ﵁ ورقةً من التوراة ـ فقال: «أَمُتَهَوِّكُونَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً. وَلَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا ثُمَّ اتَّبَعْتُمُوهُ وَتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ» (١). فإذا كان اتِّباع موسى مع وجود محمد صلوات الله وسلامه عليه ضلالًا، فكيف باتِّباع أرسطو وابن سينا ورؤوس الجهمية والمعطلة؟! وفي بعض ألفاظ هذا الحديث: «كَفَى بِقَوْمٍ ضَلَالَةً أَنْ يَتَّبِعُوا كِتَابًا غَيْرَ كِتَابِهِمْ أُنْزِلَ عَلَى غَيْرِ نَبِيِّهِمْ. فأنزل الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ اَلْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٥١]» (٢). فكيف بضلالة قومٍ اتبعوا كتابًا أوحاه الشيطان إلى رؤوس المشركين وأهل الضلال، لم ينزله الله على نبيٍّ من أنبيائه، فلا نزل به وحيٌ، ولا نطق به نبيٌّ، كما قال تعالى عن هؤلاء المعارضين للوحي: ﴿وَإِنَّ اَلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ اَلْإِنسِ وَاَلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ اَلْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا

стр. 1009

يَفْتَرُونَ (١١٣) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ اُلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٣ - ١١٤]. ويوضحه: الوجه الثاني والثمانون بعد المائة: وهو أن الله سبحانه أنكر على من لم يكتفِ بكتابه، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ اَلْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١]. ومن المحال أن يكون الكتاب الذي يخالفه صريح العقل كافيًا، وإنما يكون كافيًا لمن قدَّمه على كل معقولٍ ورأيٍ وقياسٍ وذوقٍ وحقيقةٍ وسياسةٍ، فهذا الكتاب في حقِّه كافٍ له، كما أنه إنما يكون رحمةً وذكرى له دون غيره. وأمَّا مَن أعرض عنه أو عارضه بآراء الرجال فليس بكافٍ له، ولا هو في حقِّه هدًى ولا رحمةٌ، بل هو من الذين آمنو بالباطل وكفروا بالله. ويوضحه: الوجه الثالث والثمانون بعد المائة: أن هؤلاء الذين لم يكتفوا بكتابه حتى سلكوا ـ بزعمهم ـ طريقة العقل وعارضوه به وقدَّموه عليه من جنس الذين لم يكتفوا به سبحانه إلهًا حتى جعلوا له أندادًا يعبدونهم كما يعبدون الله، بل أولئك لم يقدِّموا أندادهم على الله. فهؤلاء جعلوا لله ندًّا يطيعونه ويعظِّمونه ويعبدونه كما يعظمون الله ويعبدونه، وهؤلاء جعلوا لكتابه ندًّا يتحاكمون إليه ويقبلون حكمه ويقدِّمونه على حُكم كتابه. بل الأمران متلازمان، فمن لم يكتف بكتابه لم يكتف به، فمتى (١) جعل لكتابه ندًّا فقد جعل له ندًّا، لا يكون غير ذلك البتة. فلا ترى من عارض الوحي برأيه وجعله ندًّا له إلَّا مشركًا بالله قد اتخذ من دون الله أندادًا. ولهذا كان مرض التعطيل ومرض الشرك أخوين متصاحبين، لا ينفك أحدهما عن صاحبه،

стр. 1010

فإن المعطل قد جعل آراء الرجال وعقولهم ندًّا لكتاب الله، والمشرك قد جعل ما يعبده من الأوثان ندًّا له. وممَّا يُبيِّن تلازم التعطيل والشرك أن القلوب خُلقت متحركة طالبة للتألُّه والمحبة، فهي لا تسكن إلَّا لمحبوبٍ تطمئن إليه وتسكن عنده، يكون هو غاية محبوبها ومطلوبها. ولا قرار لها ولا طمأنينة ولا سكون بدون هذا المطلوب والظفر به والوصول إليه، ولو ظفرت بما ظفرت به سواه لم يزدها ذلك إلَّا فاقةً وفقرًا وحاجةً وقلقًا واضطرابًا. فطلب هذا المراد المطلوب كامنٌ مستقرٌّ فيها، وإن أعرضت عنه واشتغلت بغيره ولم تشعر به. فوجود الشيء لا يستلزم الشعور به، بل وجوده شيءٌ والشعور به شيءٌ. وهذا الطلب والإرادة هو بحسب الشعور والمعرفة بالمطلوب المراد وصفات كماله ونعوت جلاله وجماله، فكيف إذا انضاف إلى ذلك معرفته بشدة الحاجة إليه والفاقة والضرورة، وأنه لا حياة له في الحقيقة ولا فلاح ولا لذة ولا سرور ولا نعيم إلَّا بقُربه والأُنس به والتنعم بذكره، وأن منزلة ذلك من الروح منزلة الروح من البدن، فإذا فقدته الروح كانت كالبدن الفاقد لروحه، بل القلب مضطرٌّ إليه، فقيرٌ إليه أعظم من ضرورة البدن إلى روحه. إذ غاية ما يقدر بفوات الروح موت البدن، وقد يعقبه راحة العبد، وأمَّا إذا فات الروح والقلب هذا المطلوب المحبوب ماتت [ق ١١٠ أ] موتًا يتضمن كل ألمٍ وهمٍّ وغمٍّ وحزنٍ وخوفٍ واضطرابٍ. فلو أن ما يحصل للقلب من الموت مثل موت البدن لكان في الموت راحة، ولكنه موت يتجرع صاحبه كأسات الآلام من الهموم والغموم

стр. 1011

والحسرات، ولا يكاد يسيغها، ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميتٍ! وهذا أمرٌ لا يُصدِّق به إلَّا من باشر قلبه هذا وهذا. وإذا كانت الروح مفطورة على تأله فاطرها وخالقها، وهي فقيرة إليه أعظم الافتقار من جهة كونه ربها وخالقها وممسكها وحافظها ومغذيها وطبيبها ومداويها، ومن جهة كونه إلهها ومحبوبها ومطلوبها وغاية مناها، فهي إلى معرفة هذا المطلوب ومعرفة كماله وجماله وأوصاف جلاله أشد شيءٍ ضرورة، وكلما كانت معرفتها بذلك أوفر (١) كانت محبتها له أقوى، ما لم (٢) يَعُقْها عائقٌ ويمنعها مانعٌ من مرضٍ تتعطل به، أو تضعف عن نهوضها بالجدِّ في طلب هذا المحبوب. وهذا العائق شيئان: إمَّا جهلٌ بهذا المطلوب وكونه لم تَقْدُره (٣) حقَّ قدره، ولم تهتد من معرفة كماله وجماله وجلاله إلى ما يدعوها إلى طلبه وإيثاره على غيره. وإمَّا فسادٌ في إرادتها لمَّا تعلقت بغيره وآثرته عليه، ففسدت فطرتها التي فُطرت عليها، فانتقلت بفسادها عنه إلى غيره. وهذه مقدِّماتٌ فطريةٌ ضروريةٌ لا ينازع فيها سليم العقل والفطرة. وإذا عرف هذا فالرُّسل جاؤوا بكمال الأمرين على أتم الوجوه، فإنهم ذكروا من صفات هذا الربِّ الذي تألهه القلوب وتطمئن إليه الأرواح ما يكون داعيًا

стр. 1012

إلى محبته، وأمروا الناس من توحيده وعبادته وحده لا شريك له بما إذا فعلوه أحبهم عليه. فجاءت النُّفاة المعارضون للوحي بعقولهم وآرائهم، فوقفوا في طريق الرُّسل، وأتوا بما يضاد دعوتهم، فنفوا صفاته التي تعرَّف بها إلى عباده، وجعلوا إثباتها تجسيمًا وتشبيهًا، ووصفوه من السلوب والنفي بما حال بين القلوب وبين معرفته، وأكدوا ذلك بأنه لا يُحِبُّ ولا يُحّبُّ، ولا له وجه يراه العابدون المحبون له يوم القيامة، فضلًا عن أن يحصل لهم لذة هناك بالنظر إليه، ولا يكلمهم ولا يخاطبهم، ولا يُسَلِّم عليهم من فوقهم. فلما استقر هذا النفي في قلوبهم تعلقت بغيره من أصناف المحبوبات؛ فأشركت به في المحبة ولا بد، وكان أعظم الأسباب الحاملة لها على الشرك هو التعطيل. فانظر إلى تلازم الشرك والتعطيل وتصادقهما، وكونهما رَضِيعَيْ لِبَانٍ ثَدْيَ أُمٍّ تَقَاسَمَا … بِأَسْحَمَ دَاجٍ عَوْضُ لَا نَتَفَرَّقُ (١) الوجه الرابع والثمانون بعد المائة: أن هؤلاء المعطلة النُّفاة المعارضين (٢) للوحي بآرائهم ومعقولاتهم من الظانِّين بالله وكتابه ورسوله ظنَّ السوء، ولم يجئ في القرآن وعيدٌ أعظم من (٣) وعيد من ظنَّ به ظنَّ السوء. قال تعالى: ﴿لِّيُدْخِلَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَاَلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا اَلْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّآتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اَللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ اَلْمُنَافِقِينَ وَاَلْمُنَافِقَاتِ وَاَلْمُشْرِكِينَ وَاَلْمُشْرِكَاتِ اِلظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ اَلسَّوْءِ

стр. 1013

عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ اُلسُّوءِ وَغَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح: ٥ - ٦]. وقال تعالى: ﴿وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اَللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ (٢١) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ اُلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ اَلْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢١ - ٢٢] فهؤلاء ظنُّوا أنه لا يعلم بعض الجزئيات، فكيف بمن ظنَّ أنه لا علم له، ولا سمع، ولا بصر، ولا تكلم ولا يتكلم، ولا استوى على عرشه، ولا له فعلٌ حقيقةً يدبر به الأمر، ولا له حكمةٌ يفعل ما يفعل لأجلها. وأولئك جوَّزوا عليه ألَّا ينصر رسوله، وأن يجعل (١) الدائرة عليه وعلى المؤمنين، ومنكرو الحكمة والتعليل يُجوِّزون عليه أن يُعذب أنبياءه ورسله. قالوا: ولا نعلم تنزيهه عن ذلك بالعقل، وإنما نعلمه بالخبر. ومن أعظم ظنِّ السوء به وبكتابه أن يُظنَّ أن العقل الصريح مخالفٌ له، وأي نقصٍ وعيبٍ أبلغ من نقص كلامٍ مخالفٍ لصريح المعقول؟ وأي إساءة ظنٍّ أعظم من هذه الإساءة؟ يوضحه: الوجه الخامس والثمانون بعد المائة: أن هذا نسبة له إلى كونه كذبًا في نفسه، فإنه إذا خالف صريح العقل لم يكن مطابقًا لمُخْبَره، فيكون المتكلم به قد أخبر بخبرٍ لم يطابق مُخْبَره، وهذا حقيقة الكذب، بل هو من أقبح الكذب؛ فإن الكذب نوعان: أحدهما: كذبٌ يجوز أن يكون متعلقه واقعًا [ق ١١٠ ب] كمن يقول: مات فلان، أو تزوج، أو وُلد له؛ ولم يكن ذلك.

стр. 1014

والثاني: كذبٌ لا يجوز أن يقع متعلقه، وهو ما يحيله العقل، وهذا أقبح نوعي الكذب، فكيف يجوز على أصدق الكلام وأهداه وأفضله أن يكون فيه أقبح نوعي الكذب. الوجه السادس والثمانون بعد المائة: أن من ادَّعى معارضة العقل لما جاءت به الرُّسل من صفاته وأفعاله وحقائق أسمائه لم (١) يَقْدُره حقَّ قدره، وقد ذمَّ الله تعالى من لم يقدره حقَّ قدره في ثلاثة (٢) مواضع من كتابه: أحدها: قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اُللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اَللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩٢]. الثاني: قوله: ﴿يَاأَيُّهَا اَلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاَسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اِللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اِجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ اُلذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ اَلطَّالِبُ وَاَلْمَطْلُوبُ (٧١) مَا قَدَرُوا اُللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اَللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧١ - ٧٢]. الثالث: قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اُللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَاَلْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ وَاَلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]. فأخبر أنه لم يقدره حقَّ قدره مَن أنكر إرساله للرسل وإنزال كتبه عليهم. وهذا حقيقة قول من قال: إنه لا يتكلم، ولم ينزل له إلى الأرض كلامٌ، ولا كلَّم موسى تكليمًا. ومعلوم أن هذا إنكارٌ لكمال ربوبيته، وحقيقة إلهيته، ولحكمته ورحمته. ولم يقدره حقَّ قدره من عبد من دونه إلهًا غيره، ولم يقدره حق قدره

стр. 1015

من جحد صفات كماله ونعوت جلاله. وقد وصف سبحانه نفسه بأنه العلي العظيم، وحقيقة قول المعطلة النُّفاة أنه ليس بعليٍّ ولا عظيمٍ؛ فإنهم يردُّون علوه وعظمته إلى مجرد أمرٍ معنويٍّ، كما يقال: الذهب أعلى وأعظم من الفضة، والبُرُّ أعلى وأعظم من الشعير. وقد صرَّحوا بذلك فقالوا: معناه عليُّ القدر، وعظيم القدر. قال شيخنا (١): «فيقال لهم: أتريدون أنه في نفسه عليُّ الذات عظيم القدر، وأن له في نفسه قدرًا عظيمًا، أم تريدون أن عظمته وقدره في النفوس فقط؟ فإن أردتم الأول فهو الحقُّ الذي دلَّ عليه الكتاب والسُّنَّة والعقل. فإذا كان في نفسه عظيم القدر فهو في قلوب الخلق كذلك، ومع ذلك فلا يُحصي أحد (٢) ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، ولا يقدر أحدٌ قدره، ولا يعلم عظم قدره إلَّا هو. وتلك صفة يمتاز بها ويختص بها عن خلقه؛ إذ هي (٣) من لوازم ماهيته وذاته التي اختص بها عن خلقه، كما قال الإمام أحمد لما قالت الجهمية إنه في المخلوقات: «نحن نعلم مخلوقاتٍ كثيرةً ليس فيها من عظم الربِّ شيء» (٤). وإن أعدتم (٥) ذلك إلى مجرد تعظيم القلوب له من غير أن يكون هناك

стр. 1016

صفات ثبوتية وقدر عظيم يختص به، فذاك اعتقادٌ لا حقيقة له، وصاحبه قد عظَّمه بأن اعتقد فيه عظمة (١) لا حقيقة لها، وذلك يضاهي اعتقاد المشركين في آلهتهم. وإن قالوا: بل نريد (٢) معنًى ثالثًا لا هذا ولا هذا، وهو أن له في نفسه قدرًا يستحقه لكنه قدرٌ معنوي. قيل لهم: أتريدون أن له حقيقةً عظيمةً يختص بها عن غيره، وصفات عظيمة يتميز بها، وذاتًا عظيمة تمتاز عن الذوات، وماهية عظيمة أعظم من كل ماهية، ونحو ذلك من المعاني المعقولة؛ فذلك أمرٌ وجوديٌّ محقَّقٌ. وإذا أُضيف ذلك إلى الربِّ كان بحسب ما يليق به، ولا يشركه فيه المخلوق، كما أنه إذا أُضيف إلى المخلوق كان بحسب ما يليق به، ولا يشركه فيه الخالق. فهو في حقِّ الخالق تعالى قدرٌ يليق بعظمته وجلاله، وفي حقِّ المخلوق قدر يناسبه، كما قال تعالى: ﴿قَد جَّعَلَ اَللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣] فما من مخلوقٍ إلَّا وقد جعل الله له قدرًا يخصُّه. والقدر يكون علميًّا ويكون عينيًّا، فالأول هو التقدير العلمي، وهو تقدير الشيء في العلم واللفظ والكتاب (٣)، كما يقدر العبد في نفسه ما يريد أن يقوله ويكتبه ويفعله، فيجعل له قدرًا. ومن هذا تقدير الله سبحانه لمقادير الخلائق في علمه وكتابه قبل تكوينها، ثم كوَّنها على ذلك القدر الذي علمه وكتبه.

стр. 1017

فالقدر الإلهي نوعان: أحدهما: في العلم والكتابة. والثاني: خَلْقها وبرؤها وتصويرها بقدرته التي بها يخلق الأشياء، والخلق يتضمن الإبداع والتقدير جميعًا. والمقصود أن كل موجودٍ فله قدرٌ، والعباد لا تقدر (١) الخالق قدره، والكفار منهم لا يقدرونه حقَّ قدره. ولهذا لم يذكر ذلك سبحانه إلَّا في حقهم، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اُللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اَللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩٢] وهذا إنما وصف به الذين لا يؤمنون بجميع كتبه المنزلة، من المشركين [ق ١١١ أ] واليهود وغيرهم. وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اُللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩٢] ولم يقل: وما قدروا الله قَدْرَه. فإن حقَّ قدره هو الحق الذي لقدره، فهو حقٌّ عليهم لقدره سبحانه، فجحدوا ذلك الحق وأنكروه، وما قاموا بذلك الحقِّ معرفةً ولا إقرارًا ولا عبوديةً، وذلك جحودٌ وإنكارٌ لبعض قدره من صفات كماله وأفعاله، لجحودهم أن يتكلم أو يعلم الجزئيات أو يقدر على إحداث فعل، فشُبهات منكري الرسالة ترجع إلى ذلك: إمَّا إنكار علمه تعالى، أو إنكار قدرته، أو إنكار كلامه. فمن أقرَّ بما أرسل به رسله، وأنه عالمٌ به، متكلمٌ بكتبه التي أنزلها عليهم، قادرٌ على الإرسال، لا يليق بحكمته تركه؛ فقد قدره حقَّ قدره من هذا الوجه، وإن (٢) لم يقدره حقَّ قدره مطلقًا.

стр. 1018

وكذلك ذكر الآية الأخرى في سياق خطابه للمشركين ولمنكري آياته كقوله: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ اُلْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥١] إلى قوله: ﴿بَلَى قَد جَّاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاَسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ اَلْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦] إلى قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اُللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَاَلْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٤] فكان هذا ردًّا على المشركين والمعطلين الجاحدين لتوحيده ولصفاته، كما كان ذلك ردًّا على منكري كتبه ورسله، وهذان أصلَا الإسلام: شهادة أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله. وهذا الذي وصف به نفسه هاهنا يتضمن من اقتداره على تغيير (١) العالم وتبديله ما يبطل قول أعدائه الملاحدة المكذبين بالمبدأ والمعاد، أئمةِ هؤلاء المعارضين للوحي بالعقل والرأي. وقال تعالى في آية الحج: ﴿إِنَّ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اِللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اِجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ اُلذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ اَلطَّالِبُ وَاَلْمَطْلُوبُ (٧١) مَا قَدَرُوا اُللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اَللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٢) اِللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ اَلْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ اَلنَّاسِ﴾ [الحج: ٧١ - ٧٣] فما قدره حقَّ قدره من عبد من دونه من لا يخلق ذبابًا واحدًا، وإن سلبه الذباب شيئًا ممَّا عليه من خَلوقٍ وغيره لم يقدر على استنقاذه منه، ولا يكون أضعف من هذا الإله وعابده، فكيف يُعبد من دون من له القوة كلها والعزة كلها؟ ولمَّا كان هذا من جهلهم بالله وترك تعظيمه الذي ينبغي له، قال كثيرٌ من المفسرين في معنى ذلك: ما عظَّموه حقَّ عظمته. وقال بعضهم: ما عرفوه حقَّ معرفته. وقال بعضهم: ما

стр. 1019

عبدوه حقَّ عبادته. وقال آخرون: ما وصفوه حقَّ صفته (١). ولمَّا كان أهل العلم والإيمان قد قاموا من ذلك بحسب قدرتهم وطاقتهم التي أعانهم بها ووفقهم بها لمعرفته وعبادته وتعظيمه لم يتناولهم هذا الوصف، فإن التعظيم له سبحانه والمعرفة والعبادة ووصفه بما وصف به نفسه قد أمر به عباده وأعانهم عليه ورضي منهم بمقدورهم من ذلك، وإن كانوا لا يقدرونه قدره، ولا يَقدُر أحدٌ (٢) من العباد قدره، فإنه إذا كانت السماوات السبع في يده كالخردلة في يد أحدنا، والأرضون السبع في يده الأخرى كذلك، فكيف يقدره حق قدره من أنكر أن يكون له يدان، فضلًا عن أن يقبض بهما شيئًا، فلا يد عند المعطلة ولا قبض في الحقيقة، وإنما ذلك مجازٌ لا حقيقة له. وللجهمية والمعطلة نُفاة الصِّفات من هذا الذمِّ أوفر نصيبٍ، وللمتفلسفة وأفراخهم وأتباعهم ذَنُوبًا (٣) مثل ذَنُوب أصحابهم وأكثر. وقد شرع الله سبحانه لعباده ذكر هذين الاسمين: العلي العظيم في الركوع والسجود، كما ثبت في الصحيح أنه لمَّا نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٧] قال النبي ﷺ : «اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ». فلمَّا نزلت: ﴿سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] قال: «اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ» (٤).

стр. 1020

وهو سبحانه كثيرًا ما يقرن في وصفه بين هذين الاسمين، كقوله: ﴿وَهْوَ اَلْعَلِيُّ اُلْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] وقوله: ﴿هُوَ اَلْعَلِيُّ اُلْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٠] وقوله: ﴿عَالِمُ اُلْغَيْبِ وَاَلشَّهَادَةِ اِلْكَبِيرُ اُلْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ١٠] يُثبت بذلك علوه على المخلوقات وعظمته. فالعلو رفعته، والعظمة عظمة قدره ذاتًا ووصفًا. وعند الجهمية ليس له علوٌّ ولا عظمة إلَّا ما في النفوس من اعتقاد كونه أفضل من غيره. فصل الوجه السابع والثمانون بعد المائة: أن هؤلاء المعارضين بين الوحي والعقل من الجهمية المعطلة والفلاسفة الملاحدة ومن اتبع سبلهم هم دائمًا يُدِلُّون بنفي (١) التشبيه والتمثيل، ويجعلونه جُنَّةً لتعطيلهم ونفيهم، فجحدوا علوَّهُ على خَلقه ومباينتَه لهم، وتكلُّمَه بالقرآن والتوراة والإنجيل وسائرِ كتبه، وتكليمَه لموسى، واستواءَه على عرشه، ورؤيةَ المؤمنين [ق ١١١ ب] له بأبصارهم من فوقهم في الجنة، وسلامَه عليهم، وتجلِّيَه لهم ضاحكًا، وغيرَ ذلك ممَّا أخبر به عن نفسه، وأخبر به عنه رسوله، وتترَّسوا بنفي التشبيه، واتخذوه جُنَّةً يصدُّون (٢) به القلوبَ عن الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته.
следующие страницы →