← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 18562

الفروق للسامري جـ 1 ط الصميعي

ابن سنينة السامري

Полный текст (367 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

كتاب الفروق على مذهب الإمام أحمد بن حنبل تأليف الشيخ معظم الدين أبي عبد الله السامري (٥٣٥ هـ - ٦١٦ هـ) دراسة وتحقيق محمد بن إبراهيم بن محمد اليحيى [الجزء الأول] قسم العبادات

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مُقَدمة الحمد لله القائل في كتابه العزيز ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١) والقائل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٢). والقائل: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٣). وأصلي وأسلم على النبي الهاشمي محمد بن عبد الله ﷺ خاتم الأنبياء وخير الخليقة الذي قال: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين) (٤). والقائل: (لعلي ﵁: (فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم) (٥). والمروي عنه قوله: (ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقًا إلى الجنة) (٦).

стр. 3

وبعد: فإني لما اجتزت المرحلة التمهيدية كان علي اختيار موضوع مناسب للحصول على درجة الماجستير، فوفقني الله لاختيار مخطوطة في الفقه لا حد علمائنا الأفاضل الذين سبقونا وقتا وعلفا وفضلًا وجهدًا واحتسابًا ألا وهي مخطوطة الفروق لفقيه من فقهاء الحنابلة وهو محمد بن عبد الله السامري، المولود عام ٥٣٥ هـ والمتوفى عام ٦١٦ هـ. ولا ريب فالمؤلِّف والمولَّف جديران بالاهتمام والدراسة والعناية والإبراز حيث أن لهما مكانتهما، المؤلِّف بين العلماء والمؤلَّف بين غيره من المؤلفات. ويوجد نسختان لهذه المخطوطة إحداهما نسخة الكتبة الظاهرية بدمشق ولقد حصلت على الجزء الأول والذي يختص بربع العبادات-وهو الموضوع الذي يهمني هنا- ويحتوي على كتاب الطهارة وكتاب الصلاة وكتاب الزكاة وكتاب الصيام وكتاب الاعتكاف وكتاب الحج. وعدد ورقاتها ثلاث وستون ورقة -ما عدا العنوان- وكل ورقة بها صفحتان، وكل صفحة تحتوي على ثلاثة عشر سطرًا وكل سطر يحتوى على إحدى عشرة كلمة إلى تسع كلمات. وقد ورد في أخرها أنه وافق الفراغ منه تسع عشر شهر الله المحرم سنة ست وخمسين وثمانمائة من الهجرة النبوية.

стр. 4

وقد جعلت هذه النسخة هي الأصل الذي اعتمدته في التحقيق. وأما النسخة الثانية فهي نسخة المكتبة العباسية بالبصرة، وهذه المكتبة مكتبة أهلية خاصة، ويصعب جدًّا الإطلاع على شيء من محتوياتها، خاصة في مثل هذه الظروف الحالية التي نشبت فيها الحرب بين العراق وإيران، وقد تفضل الله تعالى وتكرم علي فيسر لي الاطلاع على هذه النسخة بعد جهود مضنية، فلله الحمد والمنة. وهذه المخطوطة جمعت بمجلد واحد بدأت بكتاب الطهارة وسارت من حيث الكتب كسير نسخة الظاهرية وعدد صفحاتها مائة وثمانون صفحة في كل صفحة واحد وعشرون سطرًا في كل سطر ثلاث عشرة كلمة، لم أجد فيها تاريخ النسخ ولا اسم الناسخ. وأحب هنا أن أذكر باختصار ما قمت به من عمل حول هذا العالِم وحول مخطوطته (الفروق). فأقول: لقد قسمت عملي في هذا الموضوع إلى قسمين. القسم الأول خاص بالمؤلِّف وعصره وقسمته إلى تمهيد وبابين، تعرضت في التمهيد إلى ثلاثة أمور: -

стр. 5

الأول: تعريف كلمة الفروق. الثاني: أهمية هذا النوع من التأليف. الثالث: نموذج مما ألف في هذا النوع. أما الباب الأول فقد خصصته للحالة العلمية والدينية والحالة السياسية في عصر المؤلف. وأما الباب الثاني فهو خاص بالمؤلف اسمه ونسبه وولادته ووفاته وحياته العلمية والعملية، وقيمته وأثاره العلمية ومشائخه وتلامذته. وأما القسم الثاني: فهو خاص بالمخطوطة وقد اتبعت في تحقيقها: ١ - بذل الجهود في إخراج النص كما هو. ٢ - وضع أي زيادة في نسخة عن الأخرى بين قوسين والإشارة إلى ذلك في الهامش. ٣ - عند اختلاف اللفظ أثبت لفظ الظاهرية وأشير في الهامش إلى لفظ العباسية وعندما أقول (الظاهرية) فأنا أريد نسخة المكتبة الظاهرية، وعندما أقول (العباسية) فأنا أريد نسخة المكتبة العباسية. ٤ - ترقيم الآيات القرآنية. ٥ - تخريج الأحاديث وبيان درحتها من القوة والضعف. ٦ - الاستشهاد من الكتب المعتمدة في المذهب للأحكام التي ذكرها المؤلف وفرق بينهما.

стр. 6

٧ - ذكر ما ورد في المذهب من الروايات إلى لم يذكرها المولف وذلك قدر المستطاع. ٨ - أتعرض غالبًا لذكر الرواية المعتمدة في المذهب. ٩ - الإشارة إلى المذاهب الفقهية في غالبية الفصول على قدر الاستطاعة وخاصة منها ما يكون فيه خلاف مع الإحالة على الكتب المعتمدة في كل مذهب ما أمكن، وقد أقتصر على الإحالة إلى الكتب التي تعتني بالمذاهب الأربعة كالمغنى، والإفصاح، والمجموع، وبداية المجتهد وبدائع الصنائع وغيرها. ١٠ - إيضاح معاني الكلمات الغريبة. ١١ - ترجمة مختصرة لكل علم من الأعلام المذكورين في الكتاب. ١٢ - التعريف بما يمر من الأمكنة. ١٣ - ختمت ذلك بفهارس لما يلي: أ - الآيات القرآنية. ب - الأحاديث النبوية. جـ - الأعلام. د - الأمكنة. هـ - المراجع. و- المواضيع. وقبل أن أنهي مقدمتي هذه رأيت أن أذكر بعضًا من الأسباب التي دعتني إلى اختيار هذه المخطوطة موضوعًا لرسالتي:

стр. 7

١ - أهمية هذا النوع من التأليف في الفقه. ٢ - عدم طباعة أي كتاب مستقل من الكتب التي تعنى بالفروق -فقط- في المذهب الحنبلي -حسب علمي-. ٣ - حاجة الكثيرين من العلماء والمتعلمين إلى الإطلاع عليها. ٤ - شهرة مؤلفها وخاصة في المذهب الحنبلي. ٥ - جودة هذه المخطوطة. ٦ - الإسهام مع غيري من المحققين في التحقيق وإخراج تراث علمائنا الأفاضل إلى متناول الأيدي لكي تعم الفائدة. وفي الختام أتقدم بشكرى الجزيل إلى شيخي الفاضل المشرف على هذه الرسالة صاحب الفضيلة الشيخ صالح العلي الناصر رئيس قسم الفقه، الذي كان له دوره الفعال في إرشادي ومساندتي حتى وصلت إلى ما وصلت إليه ثم لا يفوتي أن أشكر كلية الشريعة ممثلة في عميدها الموقر وأعضاء هيئة التدريس لما لهم على من الفضل. فجزى الله الجميع عني وعن العلم وأهله خير الجزاء. كما أشكر كل من أعانني في هذا المجال من مشائخي وأقاربي وأصدقائي وأدعو الله لي ولهم جميعًا بالتوفيق وقبول العمل إنه سميع مجيب، وأسأله تعالى أن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه الكريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى أله وصحبه أجمعين (١).

стр. 8

القسم الأول حديثي عن هذا القسم سيكون محتويًا على تمهيد وبابين. أما التمهيد فسيشمل تعريف كلمة فروق والحديث عن أهمية هذا النوع من التأليف وعلى ذكر نماذج مما ألف في هذا الفن. وأما الباب الأول فسيكون الحديث فيه حول الحالة العلمية والدينية والسياسية في عصر المؤلف. وأما الباب الثاني فهو خاص بالمؤلف اسمه ونسبه وولادته ووفاته وحياته العلمية والعملية وقيمته وآثاره العلمية ومشائخه وتلامذته.

стр. 9

التمهيد سيكون الحديث هنا مقصورًا على أمور ثلاثة الأمر الأول: تعريف كلمة الفروق لغة واصطلاحًا. الأمر الثاني: أهمية هذا النوع من التأليف. الأمر الثالث: ذكر نموذج مما ألف في الفروق في كل مذهب من المذاهب الأربعة.

стр. 10

الأمر الأول تعريف كلمة الفروق التعريف اللغوي: الفُروق جمع فَرْق، والفَرْق مكيال معروف بالمدينة (١) وهو ستة عشر رطلا (٢). والفَرق خلاف الجمع وتفريق ما بين الشيئين حين يتمرقان، والفصل بين الشيئين وموضع المَفْرِق من الرأس (٣). التعريف الاصطلاحي: الفروق باصطلاح الفقهاء (الفن الذي يبحث في المسائل المشتبهة في الصورة والمختلفة في الحكم والدليل والعلة) (٤).

стр. 11

الأمر الثاني أهمية هذا النوع من التأليف لقد اعتنى كثير من علماء المسلمين بهذا النوع وأفردوه بالبحث والتأليف، وذلك لما له من أهمية بالغة في إيضاح الفروق الدقيقة بين الكثير من المسائل التي تتشابه صورها وتختلف أحكامها وأسبابها وعللها. وقارئ أي كتاب من كتب الفروق عند قراءته لأي فصل من فصولها يبرز له فروق دقيقة لم تكن في علمه، ولربما كان يعلم ذلك بصفة عامة من خلال قراءته للكتب الفقهية الأخرى إلا أنها تظهر في كتب الفروق بمظهر أدق وكأنها جديدة على القارئ وكتب الفروق تزيل كثيرًا من الشبه، وتجلوا ما في الفكر من الصدأ، وتصقل الذهن، وتوجد في القارئ الدقة في النظر للأحكام عند التمييز بينهما. ويعيش القارئ جوا لم يكن يعهده في الكتب الفقهية الأخرى، فقد يمضي عليه ساعات طويلة في القراءة إلا أنه يستقصرها لما يجد من اللذة وحب الاستزادة، ولقد أحس بذلك كثير من علمائنا الأفاضل فبذلوا ما في وسعهم في التأليف في هذا النوع وأول من رأيت أنه ألف فيه أحمد بن سريج الشافعي المولود عام ٢٤٩ هـ والمتوفى عام ٣٠٦ هـ، والحق أن هؤلاء العلماء خلفوا لنا تراثًا علميًّا وثروة فقهية ضخمة مبنية على أسس متينة مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ثروة تغنينا عن غيرها من الثروات الزائفة من قوانين بشرية وغيرها مما بني على أسس واهية. إذًا حق لهذا النوع من التأليف أن يبرز وحق له أن يقرأ ويستفاد منه.

стр. 12

الأمر الثالث بعض ما ألف في هذا النوع من المذاهب الأربعة لم يكن التأليف في هذا النوع مقصورًا على مذهب من المذاهب دون غيره بل قد ألف فيه علماء كثيرون وهنا سأقتصر على ذكر نماذج مما ألف في هذا الفن على المذاهب الأربعة فقط بادئا باسم المؤلف ونبذة يسيرة عنه متبعًا لذلك بالمؤلَّف. أ - المذهب الحنفي: ١ - محمد بن صالح الكرابيسي أبو الفضل السمرقندي الحنفي المتوفى عام ٣٢٢ هـ صنف الفروق في فروع الحنفية (١). ٢ - أسعد بن محمد بن الحسين الكرابيسي النيسابوري الحنفي أبو المظفر جمال الإسلام توفي عام ٥٧٠ هـ (٢) من مؤلفاته الفروق (٣). ٣ - أحمد بن عبيد الله بن إبراهيم المحبوبي، النيسابوري، صدر الشريعة الأول فقيه حنفي توفي عام ٦٣٠ هـ (٤) من تصانيفه تلقيح

стр. 13

العقول (١) في الفروق بين أهل النقول في فروع الفقه الحنفي (٢). ٤ - أحمد بن عثمان بن إبراهيم بن مصطفى بن سليمان المارديني الأصل الحنفي المعروف، بابن التركماني (تاج الدين) ولد عام ٦٨١ هـ (٣) وتوفي عام ٧٤٤ هـ (٤). وهو ممن ألف في فن الفروق في فروع الحنفية (٥). ب- المذهب المالكي: ١ - أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن بن عبد الله الصنهاجي شهاب الدين

стр. 14

أبو العباس القرافي، ولد عام ٦٢٦ (١) وتوفي سنة ٦٨٤ هـ (٢) له مؤلفات عديدة من بينها (أنوار البروق في أنواع الفروق) (٣). ٢ - قاسم بن عبد الله بن محمد بن الشاط الأنصاري الإشبيلي ولد عام ٦٤٣ هـ وتوفي عام ٧٢٣ هـ. من مؤلفاته (أنوار البروق في تعقب مسائل القواعد والفروق) (٤)

стр. 15

٣ - محمد بن علي بن حسين بن إبراهيم المالكي المكي مغربي الأصل ولد وتعلم بمكة المكرمة عام ١٢٨٧ هـ وتوفي بالطائف عام ١٣٦٧ هـ من مؤلفاته في هذا النوع (تهذيب الفروق) وهو مختصر لفروق القرافي (١). جـ - المذهب الشافعي: ١ - أحمد بن عمر بن سريج الفقيه البغدادي الشافعي المولود عام ٢٤٩ هـ والمتوفى عام ٣٠٦ هـ (٢). وقد ورد أن من ضمن مولفاته (الفروق في فروع المذهب الشافعي) (٣)

стр. 16

٢ - أبو محمد عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد حيوية الجويني الفقيه الشافعي والمتوفى عام ٤٣٨ هـ (١) من مؤلفاته (الفرق والجمع) (٢). ٣ - سلامة بن إسماعيل بن جماعة الضرير أبو الخير المقدسي الشافعي المتوفى عام ٤٨٠ هـ من مؤلفاته الوسائل في فروق المسائل (٣). ٤ - محمد بن علي بن عبد الواحد بن يحى بن عبد الرحيم المعروف بابن النقاش الشافعي ولد عام ٧٢٠ هـ (٤) وتوفي عام ٧٦٣ هـ. له مؤلفات عديدة من بينها كتاب في (الفروق) (٥).

стр. 17

٥ - جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق الدين أبي بكر بن عثمان بن محمد بن خضر بن أيوب بن محمد بن الشيخ همام الدين الخضيري السيوطي المولود عام ٨٤٩ هـ (١) والمتوفى عام ٩١١ هـ. له مؤلفات كثيرة منها (الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية) (٢) رتبه على سبعة كتب خصص الكتاب السادس لما افترقت فيه الأبواب المتشابهة (٣). د- المذهب الحنبلي: ١ - إبراهيم بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي الدمشقي الفقيه الزاهد الورع العابد، الشيخ عماد الدين

стр. 18

ولد بجماعيل سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة وتوفي سنة أربع عشرة وستمائة. ألف في هذا الفن كتاب (الفروق في المسائل الفقهية) (١). ٢ - محمد بن عبد الله بن الحسين السامري الفقيه الفرضي يعرف بابن سنينه ويلقب نصير الدين. ولد بسامراء عام ٥٣٥ هـ وتوفي عام ٦١٦ هـ (٢) من مؤلفاته (الفروق) (٣) وهو موضوع حديثنا ٣ - عبد الرحيم بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بين إسماعيل الزريراتي البغدادي الفقيه ولد ببغداد ولم يحدد تاريخ ولادته وتوفي عام ٧٤١ هـ. اختصر كتاب الفروق للسامري وزاد عليها فوائد واستدراكات (٤)

стр. 19

٤ - الشيخ عبد الرحمن بن ناصر عبد الله بن ناصر بن حمد آل سعدي ولد في بلدة عنيزة عام ١٣٠٧ هـ وتوفي بها عام ١٣٧٦ هـ، له مؤلفات عديدة منها (القواعد والأصول الجامعة والفروق والتقاسيم النافعة) (١).

стр. 20

الباب الأول الحالة العلمية والدينية والسياسية في عصر المؤلف مرادنا هنا بعصر المؤلف هو مدة حياته ﵀ وهي إحدى وثمانون سنة إذ قد كانت ولادته عام ٥٣٥ هـ ووفاته عام ٦١٦ هـ (١). وفي هذا الباب سأتعرض للحالات السائدة والواقعية في هذه المدة وفي بغداد خاصة من الناحية العلمية والدينية سواء للخلفاء أو لغيرهم من الرعية، كما سأتعرض للحالة السياسية وما اعتراها من قوة أو ضعف، ومن تماسك أو تشتت، وسيكون الحديث في هذا الباب مقسمًا إلى فصلين، أولهما سأقصره على الحالة العلمية والدينية، وثانيهما على الحالة السياسية.

стр. 21

الفصل الأول الحالة العلمية والدينية في الواقع أن عصر المؤلف الذي ولد فيه وترعرع وشب وبلغ أشده وشاخ، عصر يتشوق له ولمثله المسلم في عصرنا الحاضر، إذ به ارتفعت رايات العلم في كل بلد من العراق وخاصة في بغداد -وفي كل مسجد وسوق، وصار هو العمل الناجح والمحبب والمطلوب لدى الغالبية من الناس، عصر كأنه أوجد لنبوغ العلماء وعلو الهمم ومحو الأفكار، وكأن الناس خلقوا للبحث والعلم والجد والاجتهاد والمنافسة، عصر المؤلف عصر أناس فهموا العلم وقيمته، أعطوه حقه فأعطوا جزائهم، تعبوا فأدركوا مقصودهم، سهروا فحصلوا مرادهم، أقبلوا على العلم فقابلهم، خدموا العلم فخدمهم، أحسنوا إليه فعرف الله ذلك منهم فبلغهم مقاصدهم، ولم يكن ذلك كله مقصورًا على فئة دون فئة، فقد كان الخلفاء يجارون غيرهم في ذلك مع وجود فوارق يسيرة بسبب مسئوليتهم عن الخلافة وتدبير الأمور. ولقد كانت المذاهب الفقهية في ذلك الوقت منتشرة انتشارًا متفاوتًا، فقد كان بعض المذاهب أكثر انتشارًا من الآخر. وفي هذا الفصل سأقسم حديثي إلى ثلاثة مباحث: الأول: حالة الخلفاء علميًّا ودينيًّا. الثاني: حالة غير الخلفاء علميًّا ودينيًّا. الثالث: المذاهب الفقهية في ذلك الوقت.

стр. 22

المبحث الأول حالة الخلفاء العلمية والدينية لم يكن خلفاء ذلك الوقت مشغولين بخلافتهم وسياستهم فقط، بل كانوا إلى جانب اهتمامهم بتدبير أمور رعيتهم داخليًّا وخارجيًّا يهتمون اهتمامًا ظاهرًا -مع تفاوت هذا الاهتمام من خليفة لآخر- في الناحية العلمية والدينية، سواء فيما هم عليه من صفات قولية أو فعلية، أو فيما اتصفوا به من تطيقات للتعليمات الشرعية، أو فيما عرفه منهم العامة والخاصة من حرص على مصالح رعيتهم، واحترامهم للعلماء وإكرامهم وتقديرهم لهم، أو فيما يبرز من أكثرهم من حبهم للعلم وطلبه ونشره. وسأقسم الحديث في هذا المبحث إلى أربعة مطالب: الأول: عن صفاتهم. الثاني: حرصهم على مصالح المسلمين وشدتهم على المفسدين. الثالث: تقديرهم للعلماء وإكرامهم لهم. الرابع: طلبهم للعلم.

стр. 23

المطلب الأول: صفاتهم الخلفاء الذين صادفت حياة السامري خلافتهم أربعة وهم المقتفى (١) والمستنجد بالله (٢)، والمستضيئ، (٣) والناصر (٤). كان هولاء الخلفاء يتصفون بالصفات الحميدة علميًّا ودينيًّا، فقد كان المقتفى محمود السيرة، مشكور الدولة، يرجع إلى فضل ودين وعقل ورأي وسياسة، جدد معالم الإمامة، ومهد رسوم الخلافة، وامتدت أيامه، ولم ير مع سماحته ولين جانبه بعد المعتصم (٥) خليفة مثله في شهامته وصرامته، مع

стр. 24

ما خص به من زهد وورع وعبادة، ولم تزل جيوشه منصورة حيث يممت (١)، وقد كان على قدم من العبادة قبل إفضاء الأمر إليه (٢). وقد وصف المستنجد بالعدل والديانة مع ما قام به من أبطال المكوس (٣) (٤) وكان رفيقًا برعيته، يمتاز بفهم ثاقب، ورأي صائب، وذكاء غالب، وفضل باهر (٥). أما المستضيئ, فقد ذكر السيوطي في تاريخه نقلًا عن ابن الجوزي قوله:

стр. 25

(نادى برفع المكوس ورد المظالم وأظهر من العدل والكرم ما لم نره في أعمارنا) (١). وقد كان عادلًا، حسن السيرة في الرعية، كثير البذل للأموال، غير مبالغ في أخذ ما جرت العادة بأخذه، عايق الناس في وقته في أمن عام، وإحسان شامل، وطمأنينة وسكون، وكان حليمًا يحب العفو والصفح عن المذنبين (٢). وجاء في البداية والنهاية (أنه من خيار الخلفاء وأعدلهم وأرفقهم بالرعايا، رفع عنهم المكوس والضرائب ولم يترك بالعراق مكسًا) (٣).١ وفي أيامه أمن الناس ورزق سعادة عطمة في خلافته (٤) وكان ﵀ جوادًا كريمًا، مؤثرًا للخير كثير الصدقات سخيًّا محبًّا للسنة أبطل مظالم كثيرة (٥).

стр. 26

أما الناصر وهو الخليفة الرابع في حياة السامري وهو الخليفة الذي انتهت حياة السامري في خلافته، فقد جاء أنه بسط العدل وأمر بإراقة الخمور، وكسر الملاهي وإزالة المكوس والضرائب، فعمر البلاد وبسط الأرزاق (١). وقد قال ابن جبير (٢) عند حديثه عن الناصر: (وهو مع ذلك يحب الظهور للعامة ويؤثر التحبب لهم وهو ميمون النقية عندهم قد استعدوا بأيامه رخاء، وعدلًا وطيب عيش فالكبير والصغير داع له) (٣). والحق أن من اتصف بالعدل ورفع الظلم والعبادة وحب الخير وكثرة الصدقات والديانة والكرم والسماحة ولين الجانب والشهامة والزهد والورع حري بالتوفيق كما أنه لا يستغرب أي نبوغ في عهده من أي من البشر لتوفر أسبابه وعدم موانعه.

стр. 27

المطلب الثاني: حرصهم على مصالح السلمين وشدتهم على المفسدين من تدبر الصفات المدونة في المطلب الأول عرف تمام المعرفة اهتمام أصحابها بأمور رعيتهم، حيث العدل محقق لمصالح الرعية، والديانة والعبادة يمنعان صاحبهما من أي عمل فيه ضرر على المسلمين ويحبذان له أي عمل فيه فائدة لهم. وما رفع الظلم إلا من الحرص على المصالح، وليست إزالة المكوس إلا مما يحقق المصالح، وليست إراقة الخمور وكسر الملاهي إلا نهيًا للرعية عن الالتواء وأمرا لهم في اتباع أوامر الله ورسوله مما يحقق مصالحهم. وفي خلافة المستنجد كان هناك رجل يسعى بالفساد بين الناس، فأمر المستنجد بسجنه فجاء إلى المستنجد رجل وبذل في هذا المسجون عشرة آلاف دينار فقال المستنجد له: أنا أعطك عشرة آلاف دينار على آخر مثله تأتيني به فأحبسه وأكفي الناس شره (١).

стр. 28

المطلب الثالث: تقديرهم للعلماء وإكرامهم لهم كانوا يحبون العلماء ويكثرون من مجالستهم رغبة في العلم وحبًّا لأهله، كانوا يقدرونهم ويكرمونهم وينزلونهم المنزلة اللائقة بهم. كانوا يستشيرونهم ويعملون بآرائهم، كانوا يولونهم المناصب الحساسة التي تليق بهم والتي لا يقوم بها قيامًا مرضيًّا غيرهم، كان وزراؤهم من العلماء الموثوق بهم، كانوا يزورونهم في مساجدهم وفي بيوتهم، كانوا يستمعون لمواعظهم ويقرؤون عليهم. فقد كان الخليفتان المقتفى والمستنجد يستشيران وزيرهما القاضي بن هبيرة ويأخذان بآرائه. وقد زار المقتفي أحمد بن مهلهل (١) بن عبد الله بن أحمد البرداني في مسجده (٢)، كما أنه قد قرأ على موهوب (٣) بن أحمد الجواليقي (٤)، وحينما دعاه ليجعله إمامًا يصلي

стр. 29

به الصلوات الخمس فحينما دخل ما زاد على أن قال: السلام على أمير المؤمنين فقال ابن التلميذ (١) النصراني: -وكان قائما- ما هكذا يسلم على أمير المؤمنين يا شيخ، فلم يلتفت إليه ابن الجواليقي وقال: يا أمير المؤمنين، سلامي هو ما جاءت به السنة النبوية، وروى الحديث (٢)، ثم قال يا أمير المؤمنين، لو حلف حالف أن نصرانيًّا أو يهوديًّا لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه المرضي لما لزمته كفارة، لأن الله ختم على قلوبهم ولن يفك ختم الله إلا الإيمان. فقال: صدقت وأحسنت، وكأنما ألجم ابن التلميذ بحجر، مع فضله وغزارة أدبه (٣).

стр. 30

وقد فرق المستضيئ أموالا عظيمة على المدارس والعلماء (١)، كما قد جعل للشيخ أبي الفتح حلقة بالجامع، ثم بعد مدة أمر ببناء دكة في جامع القصر (٢). وقد رفع الناصر منزلة العالم علي بن (٣) رشيد بن أحمد بن محمد بن حسينا الحربوي الذي توكل له (٤). كل هذه أدلة قاطعة على ما يكنه هؤلاء الخلفاء للعلم والعلماء من محبة وتقدير واحترام وتشجيع.

стр. 31

المطلب الربع طلبهم للعلم كان الخلفاء في ذلك الوقت مع واقعهم السياسي تظهر فيهم نزعة دينية وعلمية تتمثل في استقامتهم وامتثالهم للأوامر الشرعية وحبهم للعلماء والأخذ بآرائهم وأقوالهم الشرعية، وكان بعضهم علاوة على ذلك كله كان هو بنفسه ينخرط بسلك طلاب العلم على قدره. فقد كان المقتفي عالمًا أديبًا كتب في خلافته وسمع الحديث (١)، وكان أول أمره متشاغلا بالدين ونسخ العلوم وقراءة القرآن، وقد روى عنه إمامه أبو منصور الجواليقي اللغوي والوزير بن هبيرة وغيرهما (٢). وقد كان المستنجد بديع النظم وبليغ النثر له معرفة بآلات الفلك وغير ذلك (٣)، أما الناصر، فقد أجاز له جماعة منهم أبو الحسن (٤) عبد الحق اليوسفي، وأبو

стр. 32

الحسن (١) علي بن عساكر البطائحي، وشهده (٢). وقد اشتغل برواية الحديث، واستناب نوابا في الإجازة عند التسميع وأجرى عليهم جرايات (٣). وقد أجاز هو لجماعة فكانوا يحدثون عنه في حياته وكتب للملوك والعلماء إجازات، وممن أجاز لهم فحدثوا عنه، ابن سكينة (٤)، وابن الأخضر (٥) وابن النجار (٦)، وابن الدامغاني (٧)، وآخرون.

стр. 33

المبحث الثاني حالة غير الخلفاء دينيًّا وعلميًّا تعرضت في المبحث الأول إلى حالة الخلفاء في عصر المؤلف من الناحيتين العلمية والدينية وذكرت ما يدل على اهتمامهم بذلك فيما يخصهم أنفسهم وفيما يخص العامة المتبقية وإن كان قد ظهر اهتمامهم الخاص كل منهم بنفسه من الناحية الدينية استقامة بشخصه واتباعًا للأوامر الشرعية، واجتنابًا للنواهي ومن الناحية العلمية حيث اتضح بعد نظرهم وسموه، وظهر منهم الطموح إلى المعالي في شتى العلوم فيما يخصهم، وظهر منهم التشجيع والتقدير والحب والإكرام فيما يخص غيرهم، إلا أن هذه الصفات لم تكن مقصورة على الخلفاء وحدهم، فقد كان لغيرهم من أفراد المجتمع النصيب الوافي من هذه الصفات، إذ قد كانوا على مستوى رفيع سواء من الناحية الدينية في الامتثال والانقياد للتعاليم الشرعية، وظهور الورع والزهد على الكثير منهم وحرصهم على تطبيق ما يوافق كتاب الله وسنة رسوله وجرأتهم على ذلك مهما كانت العواقب، وسواء من الناحية العلمية في الاضطلاع والتقدم في أنواع العلوم دينية كانت أو أدبية أو غير ذلك وفي هذا المبحث سأتناول حالة غير الخلفاء دينيًّا وعلميًّا مقسمًا ذلك إلى ثلاث مطالب، أولها خاص بورعهم وزهدهم، وثانيهما سيكون الحديث فيه حول جرأتهم على قول الحق وإنكار المنكر، وثالثها فيه بيان وإيضاح لبروزهم في أنواع العلوم.

стр. 34

المطلب الأول ورعهم وزهدهم كان أغلب أهل ذلك العصر وخاصة منهم العلماء ومن حولهم يتصفون بالورع وبالزهد فقد اختلط ذلك بدمهم فأصبحوا لا يقيمون للدنيا وزنًا اللهم إلا ما لا بد منه وما يطمعون من ورائه بثواب أخروي بصفة مباشرة كالتصديق والإنفاق وإقامة المشاريع الخيرية، أو بصفة غير مباشرة كشراء الكتب التي تفيد صاحبها ومن حوله في حياته وتفيد ذريته ومن حولهم بعد مماته. فهذا الوزير ابن هبيرة يقول والله لقد كنت أسأل الله تعالى الدنيا لأخدم بما يرزقنيه منها العلم وأهله، فقد بالغ ﵀ في تقريب خيار الناس من الفقهاء والمحدثين والصالحين واجتهد في إكرامهم وإيصال النفع إليهم وارتفع أهل السنة به غاية الارتفاع (١). وكانت السنة تدور عليه ﵀ وعليه ديون، وقال: ما وجبت على زكاة قط (٢) وحكى عنه أنه كان إذا مد السماط فأكثر ما يحضره الفقراء والعميان، فلما كان ذات يوم وأكل الناس وخرجوا بقى رجل ضرير يبكي، ويقول: سرقوا مداسي ومالي غيره، والله ما أقدر على ثمن مداسي، وما بي إلا أن أمشي حافيًا وأصلي، فقام الوزير من مجلسه، ولبس مداسه وجاء إلى الضرير، فوقف عنده وخلع مداسه

стр. 35

والضرير لا يعرفه، وقال له البس هذا وأبصره على قدر رجلك، فلبسه، وقال: نعم، لا إله إلا الله كأنه مداسي، ومضى الضرير، ورجع الوزير إلى مجلسه، وهو يقول: سلمت منه أن يقول: أنت سرقته (١). وهذا الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن سهل بن سلمة وقف كتبه (٢) وكان عفيفًا من حب المال مهينا له، باع جميع ما ورثه، وكان من أبناء التجار فأنفقه في طلب العلم، وكان يفتح عليه من الدنيا جمل فلم يدخرها بل ينفقها على تلامذته (٣). وقد حضر كتب ابن الجواليقي حين بيعت في بغداد، فنادوا على قطعة منها ستين دينارًا، فاشتراها بستين دينارًا والإنظار من يوم الخميس إلى يوم الخميس فخرج واستقبل طريق همدان، فوصل، فنادى على دار له، فبلغت ستين دينارًا، فقال: بيعوا، قالوا: تبلغ أكثر من ذلك قال: بيعوا، فباعوا الدار بستين دينارًا، فقبضها، ثم رجع إلى بغداد، فدخل يوم الخميس، فوفى ثمن الكتب ولم يشعر أحد بحاله إلا بعد مدة (٤).

стр. 36

وهذا إبراهيم النهرواني، يضرب به المثل بالورع، كان إذا خاط ثوبًا فأعطي الأجرة مثلًا قيراطًا أخذ منه حبة ونصفًا ورد الباقي، وقال خياطتي لا تساوي أكثر من هذا، ولا يقبل من أحد شيئًا (١). وقد ورد أن عبد الله بن أحمد البغدادي، لم يمت أحد من أهل العلم وأصحاب الحديث إلا وكان يشتري كتبه كلها، فحصلت أصول المشائخ كنده، وقد اشترى يومًا كتبًا بخمسمائة دينار ولم يكن عنده شيء فاستمهلهم ثلاثة أيام، ثم مضى ونادى على داره، فبلغت خمسمائة دينار فوفى بها ثمن الكتب (٢).

стр. 37

المطلب الثاني جرأتهم بقول الحق وإنكار المنكر قول الحق فضيلة لا يدركها إلا من وفقه الله، وكثير من أهل زمان حياة المؤلف وخاصة منهم العلماء وفق لهذا، لأنهم عرفوا تمام المعرفة جزاء قول الحق، وتوكلوا على الله حق توكله، وعملوالله أحبوا له وأبغضوا له، طريقهم قول الحق مهما كان الأمر، امتازت أقوالهم وأفعالهم بالصراحة والصدق لا يخشون في الله لومة لائم، يستهينون كل عناء ولوم وعتاب في قول الحق. فهذا أبو العباس أحمد (١) بن أبي غالب البغدادي زاره السلطان مسعود (٢) في مسجده بالحربية (٣) فتشاغل عنه بالصلاة وما زاد على أن قال: يا مسعود أعدل وادع الله لي، الله أكبر وأحرم بالصلاة (٤). وجاء إليه رجل فقال: سل لي فلانًا في كذا فقال: قم معي فصل ركعتين

стр. 38

وأسأل الله تعالى، فإني لا أترك بابًا مفتوحًا وأقصد بابًا مغلقًا (١). وكان الحسن بن أحمد بن الحسن لا يخشى السلاطين ولا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يمكن أحدًا أن يعمل في مجلسه منكرًا ولا سماعًا (٢). وهذا ابن الجوزي ﵀، التفت مرة وهو في وعظه إلى ناحية الخليفة المستضيئ، فقال: يا أمير المؤمنين، إن تكلمت خفت منك، وإن سكت خفت عليك، وإن قول القائل لك اتق الله خير لك من قوله لكم إنكم أهل بيت مغفور لكم، كان عمر بن الخطاب يقول: إذا بلغني عن عامل لي أنه ظلم فلم أغيره فأنا الظالم، يا أمير المؤمنين، كان يوسف لا يشبع في زمن القحط حتى لا ينسى الجائع، وكان عمر يضرب بطنه عام الرمادة (٣) ويقول قرقرا ولا تقرقرا والله لا ذاق عمر سمنًا ولا سمينًا حتى يخصب الناس فبكى المستضيئ وتصدق بمال كثير وأطلق المحابيس وكسى خلقًا من الفقراء (٤).

стр. 39

وهذا نصر الله بن (١) عبد العزيز الحراني، أنكر مرة على مظفر الدين (٢) صاحب إربل (٣) لما كانت له حران وأراق له خمرًا، فأحضره، وقال: أتعرفني؟ قال: نعم، بالظلم والفسق، أو معنى ذلك، فهم بضربه، فأشير عليه ألا يفعل، لأجل العامة وميلهم إليه (٤).

стр. 40

المطلب الثالث بروزهم في أنواع العلوم في عصر المؤلف وفي بغداد بالذات كانت بغداد موردًا للمتعلمين، ومصدرًا للعلماء، فقد كثر الوافدون عليها لتلقي العلم عن أهله، حيث كثرت المدارس في ذلك الوقت، فقد بلغت ثلاثين مدرسة (١) وبرز أهل ذلك العصر بروزا ظاهرًا في فنون كثيرة من فنون العلم، فقد ذكر الدكتور عبد العزيز السعيد في كتابه ابن قدامة وآثاره الأصولية قوله: (وقد زادت هذه الحركة العلمية في القرن الخامس وفي مقدمتها علوم الشريعة الإسلامية وهذه الفترة من التاريخ الإسلامي هي فترة القمة في نمو التأليف لدى كل الطبقات من علماء المسلمين) (٢). فقد برز أهل ذلك العصر في شتى العلوم، فقد كان منهم أئمة في القرآن تلاوة وحفظًا وتفسيرًا، ولا يقلون عن ذلك في الحديث وأصوله وشروحه وأسانيده بلغوا الذروة في الفقه وأصوله والفرائض، في اللغة والأدب، في النثر والشعر، في النحو والعروض والبلاغة، في علم المذاهب، في التاريخ والجغرافيا، في الطب والفلك والنجوم، في الحساب والجبر.
следующие страницы →