وهذا إبراهيم النهرواني، يضرب به المثل بالورع، كان إذا خاط ثوبًا فأعطي الأجرة مثلًا قيراطًا أخذ منه حبة ونصفًا ورد الباقي، وقال خياطتي لا تساوي أكثر من هذا، ولا يقبل من أحد شيئًا (١).
وقد ورد أن عبد الله بن أحمد البغدادي، لم يمت أحد من أهل العلم وأصحاب الحديث إلا وكان يشتري كتبه كلها، فحصلت أصول المشائخ كنده، وقد اشترى يومًا كتبًا بخمسمائة دينار ولم يكن عنده شيء فاستمهلهم ثلاثة أيام، ثم مضى ونادى على داره، فبلغت خمسمائة دينار فوفى بها ثمن الكتب (٢).
стр. 37
المطلب الثاني جرأتهم بقول الحق وإنكار المنكر
قول الحق فضيلة لا يدركها إلا من وفقه الله، وكثير من أهل زمان حياة المؤلف وخاصة منهم العلماء وفق لهذا، لأنهم عرفوا تمام المعرفة جزاء قول الحق، وتوكلوا على الله حق توكله، وعملوالله أحبوا له وأبغضوا له، طريقهم قول الحق مهما كان الأمر، امتازت أقوالهم وأفعالهم بالصراحة والصدق لا يخشون في الله لومة لائم، يستهينون كل عناء ولوم وعتاب في قول الحق.
فهذا أبو العباس أحمد (١) بن أبي غالب البغدادي زاره السلطان مسعود (٢) في مسجده بالحربية (٣) فتشاغل عنه بالصلاة وما زاد على أن قال: يا مسعود أعدل وادع الله لي، الله أكبر وأحرم بالصلاة (٤).
وجاء إليه رجل فقال: سل لي فلانًا في كذا فقال: قم معي فصل ركعتين
стр. 38
وأسأل الله تعالى، فإني لا أترك بابًا مفتوحًا وأقصد بابًا مغلقًا (١).
وكان الحسن بن أحمد بن الحسن لا يخشى السلاطين ولا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يمكن أحدًا أن يعمل في مجلسه منكرًا ولا سماعًا (٢).
وهذا ابن الجوزي ﵀، التفت مرة وهو في وعظه إلى ناحية الخليفة المستضيئ، فقال: يا أمير المؤمنين، إن تكلمت خفت منك، وإن سكت خفت عليك، وإن قول القائل لك اتق الله خير لك من قوله لكم إنكم أهل بيت مغفور لكم، كان عمر بن الخطاب يقول: إذا بلغني عن عامل لي أنه ظلم فلم أغيره فأنا الظالم، يا أمير المؤمنين، كان يوسف لا يشبع في زمن القحط حتى لا ينسى الجائع، وكان عمر يضرب بطنه عام الرمادة (٣) ويقول قرقرا ولا تقرقرا والله لا ذاق عمر سمنًا ولا سمينًا حتى يخصب الناس فبكى المستضيئ وتصدق بمال كثير وأطلق المحابيس وكسى خلقًا من الفقراء (٤).
стр. 39
وهذا نصر الله بن (١) عبد العزيز الحراني، أنكر مرة على مظفر الدين (٢) صاحب إربل (٣) لما كانت له حران وأراق له خمرًا، فأحضره، وقال: أتعرفني؟ قال: نعم، بالظلم والفسق، أو معنى ذلك، فهم بضربه، فأشير عليه ألا يفعل، لأجل العامة وميلهم إليه (٤).
стр. 40
المطلب الثالث بروزهم في أنواع العلوم
في عصر المؤلف وفي بغداد بالذات كانت بغداد موردًا للمتعلمين، ومصدرًا للعلماء، فقد كثر الوافدون عليها لتلقي العلم عن أهله، حيث كثرت المدارس في ذلك الوقت، فقد بلغت ثلاثين مدرسة (١) وبرز أهل ذلك العصر بروزا ظاهرًا في فنون كثيرة من فنون العلم، فقد ذكر الدكتور عبد العزيز السعيد في كتابه ابن قدامة وآثاره الأصولية قوله: (وقد زادت هذه الحركة العلمية في القرن الخامس وفي مقدمتها علوم الشريعة الإسلامية وهذه الفترة من التاريخ الإسلامي هي فترة القمة في نمو التأليف لدى كل الطبقات من علماء المسلمين) (٢).
فقد برز أهل ذلك العصر في شتى العلوم، فقد كان منهم أئمة في القرآن تلاوة وحفظًا وتفسيرًا، ولا يقلون عن ذلك في الحديث وأصوله وشروحه وأسانيده بلغوا الذروة في الفقه وأصوله والفرائض، في اللغة والأدب، في النثر والشعر، في النحو والعروض والبلاغة، في علم المذاهب، في التاريخ والجغرافيا، في الطب والفلك والنجوم، في الحساب والجبر.
стр. 41
فهذا موهوب بن أحمد الجواليقي، كان شيخ أهل اللغة في عصره، سمع الحديث وقرأ الأدب وبرع في علم اللغة والعربية، كان إمامًا في اللغة والأدب، مليح الخط كثير الضبط، صنف التصانيف، ونقل بخطه الكثير (١).
وهذا محمد بن ناصر (٢) السلامي الفارسي الأصل، ثم البغدادي مقدم أصحاب الحديث في وقته ببغداد، كان حافظًا ضابطًا متقنًا، ثقة من أهل السنة جيد النقل، صحيح الضبط، كثير المحفوظ، له يد باسطة في معرفة النحو واللغة، كانت أصوله في غاية من الصحة والإتقان، له معرفة تامة في المتون والأسانيد، حدث وأملى الحديث واستملى للأشياخ الكثير وخرج لهم التخاريج الكثيرة وتكلم فيها على الأسانيد ومعاني الأحاديث وفقهها (٣).
وهذا صدقه بن (٤) الحسين البغدادي، فقيه، أديب، شاعر، متكلم، كاتب، مؤرخ، قرأ بالروايات وسمع الحديث، وقرأ علم الجدل والكلام والمنطق
стр. 42
والفلسفة، والحساب ومتعلقاته من الفرائض وغيرها، وكتب خطًّا حسنًا صحيحًا، وقال شعرًا مليحًا وأفتى وناظر، له مصنفات حسنة (١).
وهذا عبد الله بن أحمد بن الخشاب البغدادي، قرأ القرآن بالروايات له معرفة تامة بالحديث، قرأ الحساب والهندسة والفرائض، وشارك في أنواع العلوم، انتهى إليه معرفة النحو واللغة، كانت له معرفة بالحديث والمنطق والفلسفة، كان يكتب خطًّا حسنًا، ويضبط ضبطًا متقنًا، وما من علم من العلوم إلا كانت له فيه يد حسنة، له تآليف كثيرة (٢).
وهذا المبارك بن (٣) الحسن بن طراد الباماوردي المعروف بابن المقابلة، كان أعلم أهل زمانه بالفرائض والحساب والدور حسن العلم بالجبر والمقابلة، وغامض الوصيات والمناسخات (٤).
стр. 43
وهذا ابن الجوزي ﵀ حفظ القرآن وقرأ الحديث وتفقه وتعلم الفرائض والأدب، اجتمع فيه من العلوم ما لم يجتمع في غيره، صنف تصانيف عديدة في فنون العلم من التفاسير والفقه والحديث والوعظ والرقائق والتواريخ وغير ذلك، انتهت إليه معرفة الحديث وعلومه، له أشعار حسنة كثيرة تصانيفه أكثر من مائتي مصنف (١).
وهذا عبد الله بن الحسين العكبري، مقرئ مفسر فقيه فرضي لغوي نحوي، إمام في علوم القرآن والفقه واللغة والنحو والعروض والفرائض والحساب، وفي معرفة المذاهب والمسائل والنظريات وقد زادت مؤلفاته على الثلاثين. (٢)
وهذا عبيد (٣) الله بن علي البغدادي المعروف بابن المارستانية أديب فقيه محدث مؤرخ خطيب بليغ شاعر حافظ فصيح (٤).
стр. 44
وهذا عبد الغني بن (١) عبد الواحد بن علي الجماعيلي المقدسي، برع في الحديث ورجاله وصنف فيه تصانيف حسنة وكثيرة عدد منها صاحب الذيل على طبقات الحنابلة ما يزيد على الخمسة والأربعين مصنفًا (٢).
وهذا عبد الله بن أحمد بن قدامه، إمام من أئمة المسلمين وعلم من أعلام الدين في العلم والعمل، كان إمامًا في القرآن وتفسيره، إمامًا في الفرائض وأصول الفقه والنحو والحساب وفي النجوم السيارة والمنازل له تصانيف عديدة في الفروع والأصول تزيد على الثلاثين (٣) إمام المذهب في عصره لا يماثله في مذهب الحنابلة إلا القاضي أبي يعلى وابن تيمية (٤).
وليس المجال هنا مجال سرد لجميع العلماء في شتى الفنون، وإنما مجال ذكر نماذج وأدلة على بروز أهل ذلك العصر وتقدمهم في أنواع العلم ولذا فسأكتفي بما ذكرت.
стр. 45
والواقع أن بروز أهل ذلك العصر في الفنون المذكورة كان بروزًا علميًّا وعمليًّا علموا فعملوا.
إذ لم يكن الأمر قاصرًا على تقدمهم في العلوم فقط، فقد صاحب هذا العلم تقييد له بالتأليف، فقد تعددت المؤلفات في جيع هذه الأنواع فأفادتهم ومن في عصرهم، وسرت فائدتها إلى من بعدهم ومنذ ذلك الحين وضوء هذه المؤلفات ينير السبيل لمن وصل إليه من سكان المعمورة في شتى العلوم، ومنذ ذلك الوقت والناس عيال على مؤلفاتهم ومؤلفات من قبلهم.
стр. 46
المبحث الثالث المذاهب الفقهية في ذلك الوقت
كانت بغداد في ذلك الوقت حاوية لمذاهب فقهية كثيرة، وكانت حالة تلك المذاهب كحالتها في أي وقت، تظهر أحيانًا وتختفي أحيانًا، ويرتفع شأن بعضها في كثير من الأوقات، ويقل بروز بعضها في بعض الأزمنة، وكان من العوامل الأساسية لهذا البروز أو الاختفاء ما يتصف به منتسبوها من القوة والنشاط، أو حينما ينتسب الخليفة لأحدها وهكذا.
وكان من بين المذاهب الموجودة في ذلك الوقت، المذاهب الأربعة الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، والمذهب الشيعي والمذهب الظاهري إلى غيرها من المذاهب الأخرى.
وكان من أبرزها المذاهب الأربعة، إلا أنها أيضًا تتفاوت في البروز من عدمه، وفي هذا المبحث سأقصر حديثي على المذاهب الفقهية الأربعة على وجه العموم وعلى المذهب الحنبلي على وجه الخصوص مع التعرض لأسباب بروزه، ولعدد قليل من الأئمة البارزين في هذا المذهب في ذلك الوقت مقسمًا حديثي إلى مطلبين:
الأول: عن المذاهب الأربعة عامة.
الثاني: عن المذهب الحنبلي خاصة.
стр. 47
المطلب الأول المذاهب الأربعة عامة
كانت المذاهب الفقهية الأربعة الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي في بغداد وفي عصر المؤلف على درجات متفاوتة من حيث الشيوع والبروز وكثرة الأتباع والعلماء والمنتسبين والمدارس.
فمرة يرتفع وينتشر الحنفي وأخرى الحنبلي وفي أحيان يسيرة الشافعي إلا أن المذهب المالكي في ذلك الوقت في بغداد خاصة كان أقل هذه المذاهب الأربعة انتشارًا وبروزًا وأتباعًا ومنتسبين.
فقد كان المذهب الحنفي أكثر انتشارًا من غيره في العراق، وقد ذكر مؤلف كتاب تاريخ المذاهب الإسلامية عندما تحدث عن البلاد التي ذاع فيها المذهب الحنفي ما يؤيد ذلك بقوله: (انتشر المذهب الحنفي في كل بلد كان للدولة العباسية سلطان فيه، وكان يخف سلطانه كلما خف سلطانها، غير أن بعض البلاد تغلغل فيه بين الشعب، وبعض البلاد كان فيه المذهب الرسمي من غير أن يسود بين الشعب في العبادات وكان في العراق وما وراء النهر والبلاد التي فتحت في المشرق المذهب الرسمي وكان مع ذلك مذهبًا شعبيًّا) (١).
ففي هذا دلالة واضحة على قوة المذهب الحنفي في بغداد حيث هي عاصمة الدولة العباسبة، هذا وإن نازعه هذه القوة أحد المذهبين الشافعي والحنبلي
стр. 48
في بعض الأوقات إما لقوته وكثرة أتباعه وإما لانتساب أحد الخلفاء إليه.
وأما المذهب المالكي فهو كما أشرت إليه سابقًا من أقل المذاهب الأربعة انتشارًا في بغداد، فقد جاء في كتاب الفكر السامى في تاريخ الفقه الإسلامي عند ترجمة الأبهري (١) مالكي المذهب.
(وعرض القضاء على الأبهري فامتنع وبعد موته وتلاحق أصحابه، خرج القضاء عن المالكية إلى الشافعية والحنفية وضعف مذهب مالك في العراق وقل طالبه، لأن الناس تابعون لمذهب الحكومة) (٢).
فهذا وإن كان في آخر القرن الرابع وقبل وقت حياة السامري إذ المترجم له توفي سنة ٣٩٥ هـ إلا أنه دليل على رحيل المذهب المالكي من العراق في القرن الخامس وما بعده، وقد جاء في الكتاب نفسه بعد ذكر انتشار المذهب المالكي.
(وهكذا نرى مذهب مالك قد انتشر في غرب البلاد الإسلامية، ولم ينتشر إلا قليلًا في شرقها ببلاد العراق وما ورائها) (٣).
أما المذهب الشافعي وإن كان له وجود في بغداد إلا أنه أقل بكثير من المذهب الحنفي وأكثر من المالكي، وقد جاء في كتاب تاريخ المذاهب الإسلامية.
стр. 49
(ومع ما للمذهب الشافعي من مكان عند أهل العراق إلا أنه لم يستطع أن يغالب المذهب الحنفي في القضاء، ولا في السلطان عند الشعب، حتى أن الخليفة القادر (١) بالله ولى قاضيًا شافعيًّا لبغداد، فثار أهلها، ووقعت الفتن، فاضطر الخليفة إلى إرضاء أكثر الشعب، وعزل القاضي الشافعي) (٢).
أما المذهب الحنبلي فقد كان منتشرًا في بغداد في حياة السامري ﵀ ولا أدل على ذلك من كثرة العلماء والقضاة الحنابلة في ذلك الوقت وفي بغداد بالذات، وسأفرد الحديث عن المذهب الحنبلي بمطلب خاص.
стр. 50
المطلب الثاني المذهب الحنبلي خاصة
انتشار المذهب الحنبلي في بغداد في زمن المؤلف وما قبله لا يعتبر غريبًا بل يعتبر أمرا مألوفًا إذ بغداد هي منبع المذهب الحنبلي ومنطلقه ومنها شع نوره وبرز للعالم وخرج لغيرها فالإمام أحمد بن حنبل ﵀ ولد ونشأ وطلب العلم وامتحن ببغداد، فقد كان المذهب الحنبلي منتشرًا انتشارًا كثيرًا في بغداد قبل وقت السامري وانتسب إليه كثير من الخلفاء العباسيين وتولى القضاء كثير من القضاة الحنابلة وولوا ولايات عديدة في وقت المؤلف وقبله، وكان لانتشاره قبل حياة السامري آثار ظاهرة في بقائه وبروزه في حياة السامري، وحول المذهب الحنبلي وفي هذا المطلب سأتطرق لأمرين، الأول: انتشار المذهب الحنبلي وأسبابه، والثاني: ذكر تراجم مختصرة لبعض البارزين من الحنابلة في ذلك الوقت.
стр. 51
الأمر الأول انتشار المذهب الحنبلي وأسبابه
في الواقع أن المذهب الحنبلي انتشر في بغداد في هذا الوقت انتشارًا واضحًا وجليًّا لا غبار عليه ولا يخفي على أحد، فقد كان المنتسبون له كثيرين من وزراء وعلماء وقضاة ومتعلمين وعامة، وإن كان هؤلاء وكثرتهم ليست مقصورة على هذا الوقت بالذات بل كان الأمر في السابق أكثر انتشارًا وأتباعًا فقد كان بعض الخلفاء العباسين ينتسبون إليه، وهذا كله في الواقع من أسباب بقائه وانتشاره في هذا الوقت، كما أن أسباب انتشاره في هذا الوقت ما يتمتع به منتسبوه من القيمة الاجتماعية عند الخلفاء وغيرهم، فقد علا قدرهم وارتفعت قيمتهم عند الخلفاء حتى كان منهم الوزير والقاضي والمسئول عن أمور الخليفة وكثير منهم عمل في الحسبة وفي التدريس والوعظ وإمامة بعض الخلفاء، ومنهم من كان وكيلًا للخليفة ومنهم من ولي ديوان الزمام (١) والتركات وعين على المظالم إلى غير ذلك من المناصب التي لها مساسها بالمجتمع وتدل على رضا الخليفة عن العامل فهذا كله من أسباب انتشار المذهب الحنبلي في ذلك الوقت، ولقد اطلعت على كتاب الذيل على طبقات الحنابلة فوجدت أن عدد من ترجم لهم
стр. 52
مؤلفه وصادفت حياتهم وقت السامري سواء طالت أم قصرت وسواء ولدوا أو ماتوا أو تعلموا أو علموا ببغداد، وجدت أن عددهم يزيد على المائتين والستين عالمًا وهذا العدد غيض من فيض، فابن رجب ﵀ لم يذكر إلا المشهورين منهم وخاصة من كان له دور في التعليم أو التأليف أو تولى على منصب، فإذا كان هذا عدد البارزين فما بالك بالآخرين وهذه أعداد لا يخفى أثرها على انتشار المذهب الحنبلي.
وسأسرد هنا بعضًا من أسباب انتشار المذهب الحنبلي في وقت المؤلف ﵀:
١ - تقريب المقتفي لأمر الله لأحد علماء الحنابلة وهو موهوب بن أحمد بن محمد بن خضر بن الحسن بن محمد الجواليقي المتوفى عام ٥٤٠ هـ حيث اختص بإمامته في الصلوات، وكان يقرأ عليه شيئًا من الكتب، وانتفع بذلك، وكان ﵀ من أهل السنة المحامين عنها (١).
٢ - تولي يحيى بن هبيرة الفقيه الحنبلي الوزارة من عام ٥٤٤ هـ إلى وفاته عام ٥٦٠ هـ وذلك لمدة ستة عشر عامًا (٢).
стр. 53
٣ - احترام الخلفاء والوزراء للعلم وأهله فهذا الإمام المقتفي ووزيره ابن هبيرة الحنبلي، كانا يزوران أحد فقهاء الحنابلة أحمد بن مهلهل بن أحمد البرداني والذي انقطع في مسجده لا يخالطه أحد مشتغلا بذكر الله (١).
٤ - تولي عبد الله بن يونس الحنبلي (٢) مذهبا الوزارة للخليفة الناصر (٣).
٥ - تعيين الخليفة الناصر للعالم الحنبلي علي بن رشيد بن أحمد الحربوي وكيلًا له كما أنه رفع قدره ومنزلته (٤).
٦ - كون أحد فقهاء الحنابلة وهو المبارك بن شتيكين بن عبد الله (٥) وكيلًا
стр. 54
للخليفة الناصر واستمرت وكالته حتى توفي ﵀ سنة ٦٠٧ هـ (١).
٧ - حبة الظاهر (٢) للحنبلي محمد بن معالي بن غنيمة البغدادي (٣) فقد صحبه في حياة والده الناصر وانتفع بصحبته كثيرًا (٤).
٨ - تعيين محمد بن علي بن مكي بن علي وخز البغدادي (٥) مشرفًا على وكلاء
стр. 55
الخليفة الناصر (١).
٩ - تولي عدد كثير من الحنابلة القضاء في أوقات مختلفة من حياة المؤلف.
١٠ - ما يتمتع به كثير من علماء الحنابلة من القدرة العلمية والقيمة الاجتماعية كابن قدامة وابن الجوزي.
١١ - تولي كثير منهم مناصب مختلفة كديوان الزمام وديوان التركات والمظالم والحسبة وغير ذلك.
فكل ما ذكرت سابقًا -وعلى سبيل المثال- سواء منه ما كان مجملًا وما كان مفصلًا كل ذلك من أسباب انتشار المذهب الحنبلي في ذلك الوقت.
والحقيقة أن المذهب الحنبلي وإن كنت قد وصفته بأنه منتشر في وقت المؤلف إلا أن ذلك إذا قورن بما قبله فهو أقل انتشارًا، إذ قد كان قبل حياة المؤلف أكثر انتشارًا في بغداد فقد كان بعض خلفاء الدولة العباسية حنبلي المذهب كالقائم (٢) بأمر الله المتوفى عام ٤٦٧ هـ ومن بعده ابنه المقتدي (٣)
стр. 56
بأمر الله (١).
وقد ذكر مؤلف مفاتيح الفقه الحنبلي حينما تحدث عن انتشار المذهب الحنبلي ببغداد ونواحيها قوله: (ومن جهة ثانية ففيما بعد ذلك قوى أمره، بحيث أصبح سكان بغداد ونواحيها في القرن الخامس في عقائدهم على مذهب الحنابلة (٢).
ولا شك أن انتشار المذهب الحنبلي وقوته وكثرة أتباعه في القرن الخامس سيكون له آثار في انتشاره في القرنين السادس والسابع.
стр. 57
الأمر الثاني تراجم مختصرة لبعض البارزين من الحنابلة في عصر المؤلف
ذكرت سابقًا أن العلماء الحنابلة البارزين في حياة المؤلف كثيرون وتعرضت للعدد الذين ترجم لهم ابن رجب في كتابه الذيل على طبقات الحنابلة وأشرت إلى أن هذا العدد لا يمثل جميع المنتسبين إلى المذهب الحنبلي وإنما هو يمثل البارزين فقط ممن يعرفهم المؤلف، علمًا بأن هناك أعدادًا كثيرة ممن ينتسب إلى المذهب الحنبلي وترك التعرض لها المؤلف لعدم بروزهم في العلم أو المنصب وهنا سأذكر تراجم مختصرة لعشرة من العلماء الحنابلة الباررين في وقت السامري.
стр. 58
١ - يحيى بن هبيرة
هو يحيى بن هبيرة بن سعد بن الحسن بن أحمد بن الحسن بن الجهم بن عمر بن هبيرة بن علوان بن الحوفزان، وهو الحرث بن شريك بن عمرو بن قيس بن شرحبيل بن مرة بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكاية الشيبانيّ الدوري، ثم البغدادي، الوزير العالم العادل، صدر الوزراء، عون الدين، أبو المظفر.
ولد عام ٤٩٩ بالدور: قرية من أعمال الدجيل ودخل بغداد شابًّا، قرأ القرآن بالروايات وسمع الحديث الكثير وقرأ الفقه والأدب وفنونا من العلوم الأدبية، كانت له معرفة حسنة بالنحو، واللغة، والعروض، وصنف في تلك العلوم، كان متشددًا في إتباع السنة وسير السلف.
تولى عدة أعمال ظهرت فيها كفاءته وأمانته ونصحه وقدرته، ظهر للمقتفي ذلك منه فقلده الوزارة عام ٥٤٤ هـ واستمر على وزارته وبعد وفاة المقتفى وتولي ابنه المستنجد بالله أقره على الوزارة وبقي على وزارته حتى وفاته عام ٥٦٠ هـ.
بالغ ﵀ في تقريب خيار الناس من الفقهاء والمحدثين والصالحين واجتهد في إكرامهم وإيصال النفع إليهم وارتفع أهل السنة به غاية الارتفاع، صنف ﵀ كتاب الإفصاح عن معاني الصحاح، المقتصد في النحو، واختصر كتاب إصلاح المنطق لابن السكيت، كتاب العبادات الخمس على مذهب الإمام أحمد بن حنبل (١).
стр. 59
٢ - الحسن بن أحمد بن الحسن
الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن سهل بن سلمة بن عثكل بن حنبل بن إسحاق الهمداني المقرئ المحدث الحافظ الأديب اللغوي الزاهد أبو العلاء، المعروف بالعطار شيخ همدان ولد سنة ٤٨٨ هـ.
قرأ القرآن وسمع الحديث، حافظ متقن مقرئ فاضل، حسن السيرة، مرضي الطريقة يعرف القراءات والحديث والأدب معرفة حسنة، كان يفتح عليه من الدنيا جمل فلم يدخرها بل ينفقها على تلامذته، كان لا يخشى السلاطين ولا تأخذه في الله لومة لائم ولا يمكن أحدًا أن يعمل في مجلسه منكرًا.
له تصانيف كثيرة في أنواع من علوم الحديث والزهديات والرقائق وغير ذلك منها، زاد المسافر، كما صنف الوقف والابتداء والتجويد والمئات والعدد ومعرفة القراء وهو نحو من عشرين مجلدًا توفي سنة ٥٦٩ هـ (١)
стр. 60
٣ - نصر بن فتيان النهرواني
نصر بن فتيان بن مطر النهرواني ثم البغدادي أبو الفتح الفقيه الزاهد المعروف بابن المنى ناصح الإسلام وأحد الأعلام وفقيه العراق على الإطلاق ولد سنة ٥٠١ هـ وتوفي سنة ٥٨٣ هـ.
برع في الفقه أصولًا وفروعًا ومذهبًا وخلافًا، واشتغالًا وإشغالًا، ومناظرة، تصدر للتدريس وتخرج به أئمة كثيرون منهم موفق الدين المقدسي وفخر الدين بن تيمية (١).
стр. 61
٤ - ابن الجوزي
عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن عبد الله بن حمادي بن أحمد بن محمد بن جعفر بن عبد الله بن القاسم بن النضر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁ القرشي التيمي البكري البغدادي، الحافظ المفسر، الفقيه الواعظ، الأديب جمال الدين أبو الفرج المعروف بابن الجوزي، شيخ وقته، وإمام عصره، ولد ببغداد سنة ٥٠٨ هـ من الهجرة وقيل سنة تسع وقيل سنة عشر وقيل إحدى عشرة أو اثنى عشر وتوفي عام ٥٩٧ هـ.
حفظ القرآن وقرأ الحديث وتفقه وتعلم الفرائض والأدب، اجتمع فيه من العلوم ما لم يجتمع في غيره: صنف تصانيف عديدة في فنون العلم من التفاسير والفقه والحديث والوعظ والرقائق والتواريخ وغير ذلك، انتهت إليه معرفة الحديث وعلومه، له أشعار. حسنة كثيرة قيل إنها عشرة مجلدات، ألف في الطب.
قرأ عليه جماعة كثيرون، وسمع عنه الحديث وروى عنه كذلك، قوى اتصاله ﵀ بالخليفة المستضيئ.
قال عنه الحافظ الذهبي (١): ما علمت أحدًا من العلماء صنف مثل ما صنف هذا
стр. 62
الرجل ولقد تعرض صاحب الذيل على طبقات الحنابلة إلى ذكر مؤلفاته فذكر له أكثر من المائتين منها:
زاد المسير في علم التفسير.
مناقب أحمد بن حنبل.
منهاج القاصدين.
الإنصاف في مسائل الخلاف.
المذهب في المذهب (١).
стр. 63
٥ - تقي الدين
عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور بن رافع بن حسن بن جعفر الجماعيلي المقدسي، الحافظ الزاهد أبو محمد ويلقب تقي الدين حافظ الوقت ومحدثه ولد بجماعيل عام ٥٤١ هـ وتوفي عام ٦٠٠ هـ.
سمع بدمشق ورحل هو والشيخ الموفق إلى بغداد عام ٥٦١ هـ وأقاما بها أربع سنين نزلا على الشيخ عبد القادر.
برع في الحديث ورجاله، وصنف فيه تصانيف حسنة، كان لا يرى منكرًا إلا غيره بيده أو لسانه، كان لا تأخذه في الله لومة لائم، سمع منه الحديث أناس كثير، أفتى وصنف، عدد صاحب الذيل على طبقات الحنابلة من تصانيفه ما يزيد على الخمسة والأربعين منها:
المصباح في عيون الأحاديث الصحاح.
تحفة الطالبين في الجهاد والمجاهدين.
الجامع الصغير لأحكام التيسير النذير.
العمدة في الأحكام (١).
стр. 64
٦ - عبد الله بن الحسين العكبري
عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن الحسين العكبري ثم البغدادي الأزجي المقري الفقيه المفسر الفرضي اللغوي النحوي الضرير محب الدين أبو البقاء بن أبي عبد الله بن أبي البقاء ولد ببغداد سنة ٥٣٨ هـ وتوفي عام ٦١٦ هـ.
كان إمامًا في علوم القرآن، إمامًا في الفقه، إمامًا في اللغة، إمامًا في النحو، إمامًا في العروض، إمامًا في الفرائض، إمامًا في الحساب، إمامًا في معرفة المذهب، إمامًا في المسائل والنظريات.
ذكر له صاحب الذيل على طبقات الحنابلة ما يزيد على الثلاثين مصنفًا منها:
تفسير القرآن.
إعراب الحديث.
بلغة الرائض في علم الفرائض.
التلخيص في النحو.
الاستيعاب في علم الحساب (١).
стр. 65
٧ - ابن قدامة
عبد الله بن أحمد بن قدامة بن مقدام بن نصر بن عبد الله المقدسي ثم الدمشقي الصالحي الفقيه الزاهد الإمام شيخ الإسلام وأحد الأعلام موفق الدين أبو محمد ولد عام ٥٤١ هـ وتوفي عام ٦٢٠ هـ.
رحل إلى بغداد عام ٥٦١ هـ وأقام بها نحوًا من أربع سنين وسمع الكثير من كثير من علمائها ثم رجع إلى دمشق وعاد إلى بغداد سنة ٥٦٧ هـ، كان رحمة الله إماما من أئمة المسلمين وعلمًا من أعلام الدين في العلم والعمل كان إمامًا في القرآن وتفسيره، إمامًا في علم الحديث ومصطلحه إمامًا في الفقه، إمامًا في علم الخلاف، إمامًا في الفرائض وأصول الفقه والنحو والحساب وفي النجوم السيارة والمنازل.
صنف ﵀ تصانيف كثيرة حسنة أصولًا وفروعًا، ذكر صاحب الذيل على طبقات الحنابلة ما يزيد على الثلاثين مؤلفًا منها:
البرهان في مسألة القرآن.
المغني.
الكافي.
الروضة.
مختصر العدل (١).
стр. 66
٨ - عبد الرحمن بن نجيم بن الحنبلي
عبد الرحمن بن نجيم بن عبد الوهاب بن عبد الواحد بن محمد بن علي بن أحمد الأنصاري الخزرجي السعدي العبادي الشيرازي الأصلي الدمشقي الفقيه الواعظ ناصح الدين أبو الفرج بن أبي العلاء بن أبي البركات بن أبي الفرج المعروف بابن الحنبلي ولد سنة ٥٥٤ هـ وتوفي عام ٦٣٤ هـ.
أقام ببغداد مدة وقدم إليها حاجًّا سنة ٦١٢ هـ وأكرمه الخليفة الناصر، وعظ بكثير من البلدان، انتهت إليه رئاسة المذهب بعد الشيخ موفق الدين، كان ﵀ فقيهًا فاضلًا أديبًا حسن الأخلاق، من تصانيفه:
أسباب الحديث.
الاستسعاد بمن لقيت من صالحي العباد في البلاد.
الأنجاد في الجهاد (١).
стр. 67
٩ - مجد الدين بن تيمية
عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن عبد الله الخضر بن محمد بن علي بن تيمية الحراني الفقيه الإمام المقرئ المحدث المفسر الأصولي النحوي مجد الدين أبو البركات شيخ الإسلام.
ولد بحران سنة ٥٩٠ هـ تقريبًا وتوفي سنة ٦٥٢ هـ.
ارتحل إلى بغداد سنة ٦٠٣ هـ وأقام بها ست سنين يشتغل في الفقه والخلاف والعربية وغير ذلك، ثم عاد إلى حران ورجع إلى بغداد، حدث بالحجاز والعراق والشام وبلدة حران وصنف ودرس وكان من أعيان العلماء وبيته مشهور بالعلم والدين والحديث، من تصانيفه:
أطراف أحاديث التفسير.
أرجوزة في علم القراءات.
الأحكام الكبرى.
المنتقى من أحاديث الأحكام.
منتهى الغاية في شرح الهداية (١).
стр. 68
١٠ - يوسف بن عبد الرحمن بن الجوزي
يوسف بن عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن عبد الله بن حماد بن الجوزي القرشيّ التيمي البكري البغدادي الفقيه الأصول الواعظ الصاحب الشهير محيي الدين أبو محمد وأبو المحاسن ابن الشيخ جمال الدين أبي الفرج.
ولد سنة ٥٨٠ هـ ببغداد وقتل ﵀ سنة ٦٥٦ هـ برع في الفقه والخلاف والأصول وكان ﵀ كامل الفضائل معدوم الرذائل، له شعر جيد، ولي الحسبة بجانبي بغداد والنظر في الوقوف العامة ووقوف جامع السلطان ثم عزل عن الحسبة ثم عن الوقوف فانقطع في داره يعظ ويفتي ويدرس ثم أعيد إلى الحسبة سنة ٦١٥ هـ واستمر مدة ولاية الناصر ثم أقره ابنه الظاهر، من تصانيفه:
معادن الإبريز في تفسير الكتاب العزيز.
المذهب الأحمد في مذهب أحمد.
الإيضاح في الجدل (١).
стр. 69
الفصل الثاني الحالة السياسية
كانت حياة المؤلف ﵀ بين عام ٥٣٥ هـ ٦١٦ هـ، وإقامته بالعراق بين سامراء وبغداد، وكانت الخلافة في وقته للعباسيين فولادته في أول خلافة المقتفي لأمر الله أبو عبد الله محمد بن المستظهر بالله الذي بويع سنة ٥٣٠ هـ بعد خلع ابن أخيه الراشد بالله أبو جعفر منصور بن المسترشد، واستمرت خلافة المقتفي حتى توفي عام ٥٥٥ هـ (١) حيث بويع ابنه المستنجد بالله أبو المظفر يوسف بن المقتفي والذي مات عام ٥٦٦ هـ (٢).
وفي يوم مماته بويع ابنه المستضيئ بأمر الله الحسن أبو محمد والذي دامت خلافته حتى وفاته عام ٥٧٥ هـ (٣) بعد أن عهد بالخلافة إلى ابنه الناصر لدين الله أحمد أبو العباس، وقد طالت مدة خلافته، حتى قيل: لم يل الخلافة أحد أطول منه، فقد بلغت مدة خلافته سبعًا وأربعين سنة استمرت حتى وفاته عام ٦٢٢ هـ أي بعد وفاة السامري ﵀ بست سنوات (٤).
وكانت المشاكل السياسية في هذا الوقت كثيرة جدًّا في البلدان المجاورة للعراق
стр. 70
إلا أن العراق وبغداد خاصة أقل مشاكل من جاراتها وإن كانت لا تخلو من هذه المشاكل فقد على الخلافة العباسية قبل هذا الزمن ما لا يخفى من الوهن والضعف والانحلال، إلا أنها في هذا الوقت بالذات قد دبت فيها الحياة بعد أن كانت السيطرة التامة لسلاطين بني (١) بويه (٢) ثم للسلاجقة (٣) من بعدهم غير أن السلاحقة يختلفون في معاملتهم للخلفاء اختلافًا كبيرًا عمن سبقهم من بني بويه فمعاملتهم تمتاز عن معاملة بني بويه وأحسن بكثير، فهم يحسون ويشعرون بقيمة الخلفاء الدينية، ويظهرون احترامهم ويقدرونهم، وكانوا يعتقدون المذهب السني مذهب الخلفاء العباسيين، كل هذا مما قوى الخلفاء العباسيين، وبعث في نفوسهم الأمل لاستعادة قوتهم ونفوذهم، فقد بدأت هذه القوة وهذا النفوذ في أواخر العهد السلجوقي (٤) وذلك من عهد المقتفي، فقد وهبه الله القوة هو ومن بعده من الخلفاء ويسر الله أمورهم حتى كان لهم الأمر والنهي وقويت شوكتهم وهابهم غيرهم فضعف أمر السلاجقة الذين سبقت لهم الصولة والجولة والأمر والنهي والتدبير في كل الأمور.
стр. 71
وقد بدأ هذا الضعف من عام ٥٣٣ هـ -أي بعد مبايعة المقتفي بثلاث سنوات- حيث ظهر عجز السلطان مسعود (١) ولم يبق له إلا الاسم وزادت قدرة وتمكن المقتفي، وعظمت هيبته وعلت كلمته، وقد ذكره السيوطي ﵀ أن ذلك مبدأ صلاح الدولة العباسية (٢).
وفي عام ٥٤٧ هـ مات السلطان مسعود وبموته زاد ضعف دولة السلاجقة وبمقدار هذا الضعف زادت قوة المقتفي فأمر ونهى ونفذت كلمته وساس البلاد ومهدها فعظم أمره وقوى على مخالفيه واشتد عليهم فخافوه وهابوه وزادت حرمته واستمر في تزايد طوال حياته (٣).
وقد ذكر ابن الأثير (٤) في كتابه الكامل في التاريخ عند وفاة السلطان مسعود أنه بموته ماتت سعادة البيت السلجوقي فلم يقم بعده راية يعتد بها ولا يلتفت إليها (٥).
وقد ذكر صاحب سمط النجوم العوالي نقلًا عن ابن الجوزي قوله:
стр. 72
(من أيام المقتفى عادت بغداد والعراق إلى يد الخلفاء ولم يبق لهم منازع، وقبل ذلك من دولة المقتدر (١) إلى وقته كان الحكم للمتغلبين من الملوك وليس للخليفة معهم إلا الاسم فقط) (٢).
وقد ذكر ابن الأثير أن المقتفي هو أول من استبد بالعراق منفردًا عن سلطان من أيام الديلم (٣) إلى وقته (٤).
كما قد ذكر عن المستنجد أنه من أحسن الخلفاء سيرة مع رعيته ووصفه بالعدل وكثرة الرفق (٥).
أما المستضيئ فقد خطب له في مصر واليمن وكثير من البلدان المجاورة وأذعنت الملوك بطاعته (٦).
ووصف المستضيئ ﵀ بالعدل والإحسان إلى رعيته، عاش الناس في وقته بأمان وطمأنينة وسكون لا مثيل له (٧).
стр. 73
أما الخليفة الناصر فكانت حياته مملوءة بالعز والإجلال والقوة، أحيا بهيبته الخلافة وملأ القلوب هيبة وخيفة فرهبه أهل الهند ومصر كما رهبه أهل بغداد (١).
ملك مماليك وبلدان كثيرة، وخطب له بأماكن عديدة كالأندلس وبلاد الصين (٢) وأفريقية (٣)، وكانت تصرفات هؤلاء الخلفاء تمتاز بالحكمة والتروي والشورى، فقد ورد أنه لما تطاول أصحاب مسعود على المقتفي ولم يمكن المجاهرة بالحرب اتفق رأي الخليفة ووزيره ابن هبيرة على الدعاء على مسعود شهرًا، وابتدئا بالدعاء عليه سحرًا فلما تكامل الشهر مات مسعود ولم يزد على الشهر يومًا ولا نقص يومًا، وهما بهذا الدعاء مقتدين بالرسول ﷺ حينما دعا على رعل وذكوان حينما نقضا العهد (٤).
ولذلك كله فقد منيت تصرفاتهم بالتوفيق بإذن الله، نصرهم الله على أعدائهم، وأنزل الله الرعب في قلوب مبغضيهم، إذا فحالة سياسة كهذه الحالة السائدة في عصر هؤلاء الخلفاء، استيلاء، وقوة، وهيبة وانتصار، وتغلب على
стр. 74
كل عدو، وعز ورفعة، وعدل ورفق بالرعية، وشدة على المفسدين وحكمة وتروي ومشورة.
حالة كهذه فيها قسط كبير من الخصوبة للعلم وأهله، ميادين واسعة للتقدم العلمي بين مختلف الطبقات الاجتماعية في ذلك الوقت.
فهولاء الخلفاء جمعوا بين العلم والسياسة كان لهم حظ وافر من العلم ونصيب موفق من تسيير دفة الأمور.
كان وزراؤهم في الغالب على نمطهم ومثالًا على ذلك الوزير ابن هبيرة، الذي تولى الوزارة أيام المقتفي عام ٥٤٤ هـ واستمر بها حتى توفي في ولاية الناصر عام ٥٩٠ هـ.
فقد جمع هذا الوزير بين الحكمة والسياسة بين العلم والدهاء بين العقل وبين الفهم، بين التأليف وقضاء حوائج الناس، نشر العدل ورفع الظلم، رفع العلم وأهله، قرب العلماء ورفع قدرهم، ارتفعت رايات العلم في عهده.
إذًا فلا غرابة في نبوغ علماء كالسامري في ذلك الوقت الذي كان الأمر فيه لهؤلاء الخلفاء ووزرائهم.
стр. 75
الباب الثاني المؤلف وشيوخه وتلامذته
في هذا الباب سأتحدث عن المؤلف وشيوخه وتلامذته مقسمًا ذلك إلى ثلاثة فصول:
الأول: خاص بالمؤلف، اسمه، وولادته، ووفاته، وحياته.
الثاني: خاص بمكانته وآثاره.
الثالث: خاص بشيوخه وتلامذته.